الجزء السابع في العمالات الاختزانية وما أضيف إليها
وفيه أحد عشر بابا
стр. 562
الباب الأول في فضل الخازن الأمين، وفي معنى الخزن وتصريف الفعل منه
١- فضل الخازن الأمين:
روى البخاري (٣: ١١٥) «١» رحمه الله تعالى عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ : الخازن الأمين الذي يؤدّي ما أمر به طيّبة نفسه، أحد المتصدّقين. انتهى.
٢- معنى الخزن:
ومعنى خزن الشيء: إحرازه وتغييبه. وفي «المحكم» (٥: ٦٢) خزن الشيء يخزنه خزنا، واختزنه: أحرزه. وفي «الديوان» (٢: ١٣٥) بفتح الزاي في الماضي وضمّها في المستقبل. وفي «الغريبين» : خزن له المال: إذا غيّبه. وقال ابن سيده:
والخزانة: الموضع الذي يخزن فيه الشيء. وفي التنزيل وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ (الحجر: ٢١) . والخزانة: عمل الخازن. وقال القاضي في «المشارق» (١: ٢٣٤) : الخزانة- بالكسر- اسم المكان الّذي يخزن فيه الشيء، وهو أيضا عمل الخازن. وقال الجوهري (٥: ٢١٠٨) المخزن ما يخزن فيه الشيء، والخزانة واحدة الخزائن، وخزنت السّرّ واختزنته: كتمته. قال الهرويّ: ويقال للسرّ من الحديث:
مختزن. وقال ابن سيده: وخزانة الإنسان: قلبه، وخازنه وخزّانه: لسانه، وكلاهما على التمثيل.
وقال لقمان لابنه: إذا كان خازنك حفيظا، وخزانتك أمينة، رشدت في أمريك: دنياك وآخرتك، يعني: اللّسان والقلب. انتهى.
стр. 563
الباب الثاني في خازن النقدين، وهو صاحب بيت المال
وفيه فصلان
الفصل الأول في تعجيل قسم النبي ﷺ ما أتاه من الفيء في يومه
روى أبو عبيد القاسم بن سلّام رحمه الله تعالى في «كتاب الأموال» (٣١٦) عن الحسن»
بن محمّد أنّ رسول الله ﷺ لم يكن يقيل مالا عنده ولا يبيته، قال أبو عبيد: يعني إن جاءه غدوة لم ينتصف النهار حتّى يقسمه، وإن جاء عشيّة لم يبت حتّى يقسمه.
وروى «٢» أبو داود (٢: ١٢٣) رحمه الله تعالى عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه.
وقد تقدّم في باب كاتب الجيش.
وروى البخاري «٣» (١: ١١٤) رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: أتي النبيّ ﷺ بمال من البحرين، فقال: انثروه في المسجد؛ وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ إلى الصّلاة ولم يلتفت إليه، فلمّا قضى الصلاة جاء وجلس
стр. 564
إليه، فما كان يرى أحدا إلّا أعطاه إذ جاءه العبّاس فقال: يا رسول الله أعطني فإنّي فاديت نفسي وفاديت عقيلا، فقال له رسول الله: خذ، فحثا في ثوبه ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله اؤمر بعضهم أن يرفعه إليّ؟ قال: لا، قال: فارفعه أنت عليّ، قال: لا فنثر «١» منه ثم ذهب يقلّه. فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه، قال: لا، قال فارفعه أنت عليّ، قال: لا، فنثر «٢» منه ثم احتمله فألقاه على كاهله ثم انطلق، فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبا من حرصه، فما قام رسول الله ﷺ وثمّ منها درهم. انتهى.
وفي كتاب «الجامع» من تأليف ابن يونس: وفي سنة عشر قدم بمال البحرين وهو مائة ألف وثمانون ألف درهم على رسول الله ﷺ فقسمه بين الناس. انتهى.
وفي كتاب ابن بطّال في باب القطائع: قال إسماعيل بن إسحاق: مال البحرين كان من الجزية.
الفصل الثاني في اتخاذ الخلفاء بعد النبيّ ﷺ ورضي عنهم بيت المال وذكر من ولّوه النّظر في ذلك
١- أبو بكر الصديق
رضي الله تعالى عنه: في «العقد» لابن عبد ربّه أنّ أبا عبيدة رضي الله تعالى عنه كان على بيت المال في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، قال: ثم وجّهه إلى الشام.
وفي «الاستيعاب» (١٤٧٩) لابن عبد البر رحمه الله تعالى: معيقيب بن أبي فاطمة: استعمله أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم على بيت المال.
стр. 565
وفي «العمدة» للتلمساني: بلال بن حمامة رضي الله تعالى عنه، وحمامة أمّه، وإليها كان ينسب، وأبوه رباح كان لبعض بني جمح، فاشتراه أبو بكر منهم، ثم أعتقه وكان له خازنا.
٢- عمر بن الخطاب
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٤٧٩) معيقيب بن أبي فاطمة: استعمله أبو بكر وعمر على بيت المال، وقد تقدّم ذكره.
وفي «الاستيعاب» (٨٦٥) أيضا: عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث، كتب للنبيّ ﷺ ثم لأبي بكر، واستكتبه أيضا عمر رضي الله تعالى عنهم، واستعمله على بيت المال وعثمان رضي الله تعالى عنهم بعده.
وفي كتاب «الأموال» للداوديّ: كان عمر رضي الله تعالى عنه قد أخرج عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه إلى العراق على صلاتهم وبيت مالهم وأحكامهم، وعمّار بن ياسر رضي الله تعالى عنه على جيوشهم، وسهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه على مساحة الأرض.
٣- عثمان بن عفان
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٥٣٩) كان زيد ابن ثابت رضي الله تعالى عنه على بيت المال في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، وكان لزيد عبد اسمه وهيب، فأبصره عثمان يعينهم في بيت المال، فقال:
من هذا؟ فقال زيد: مملوك لي، فقال عثمان: أراه يعين المسلمين، وله حقّ وأنا أفرض له، ففرض له ألفين، فقال زيد: والله لا تفرض لعبد ألفين ففرض له ألفا.
وقد تقدّم من وليه لعمر بن الخطّاب.
ذكر عبد الله بن الأرقم وأنّه وليه لعثمان أيضا:
وفي «العقد» (٤: ١٦٤، ٢٧٣) لابن عبد ربه: كان على بيت المال في أيّام عثمان ﵁: عبد الله بن الأرقم، ثمّ استعفاه. انتهى.
٤- علي بن أبي طالب
رضي الله تعالى عنه: في كتاب «معرفة علماء مصر ومن دخلها من أصحاب رسول الله ﷺ » تأليف أبي سعيد
стр. 566
عبد الرّحمن بن أحمد بن يونس الصدفيّ رحمه الله تعالى: إبراهيم القبطيّ مولى رسول الله ﷺ ، يكنى أبا رافع، شهد الفتح بمصر واختطّ بها، وصار أبو رافع بعد ذلك إلى عليّ بن أبي طالب فولّاه بيت مال الكوفة، وتوفّي بها سنة أربعين.
وفي «الاستيعاب» (٨٤) عند ذكر أبي رافع: كان عبيد الله بن أبي رافع خازنا وكاتبا لعليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وكان أبوه، أبو رافع، مولى رسول الله ﷺ ، وأمّه سلمى مولاة رسول الله ﷺ وقابلة إبراهيم ابنه. انتهى.
وفي «العقد» لابن عبد ربه: كان عليّ رضي الله تعالى أنه يقسم بيت المال في كلّ جمعة حتّى لا يبقي فيه شيئا، ثمّ يرشّ له ويقيل فيه ويتمثّل بهذا البيت:
هذا جناي وخياره فيه ... إذ كلّ جان يده إلى فيه
انتهى.
تنبيه:
قد تقدم ذكر أبي عبيدة ومعيقيب وبلال وعبد الله بن الأرقم وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم فيما تقدّم من الكتاب فأغنى عن الإعادة، وأمّا أبو رافع رضي الله تعالى عنه وعبد الله ولده ففيما تقدّم من ذكر والده في باب صاحب الثقل، وفيما قيّدته في هذا من كلام أبي عمر ابن عبد البرّ كفاية في شأنيهما. انتهى.
стр. 567
الباب الثالث في الوزان
روى مسلم (١: ٤٧١) رحمه الله تعالى عن محارب «١» : سمع جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه يقول: اشترى مني النبي ﷺ بعيرا بأوقيتين وبدرهم، أو درهمين قال: فلما قدم صرارا أمر ببقرة فذبخت، فأكلوا منها، فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد فأصلي ركعتين، فوزن لي وزادني، وروي:
ووزن لي ثمن البعير فأرجح لي ﷺ .
وروى النسائي (٧: ٢٨٣) رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه قال:
لما قدم النبي ﷺ المدينة دعا بميزان فوزن لي وزادني.
وروى أبو داود (٢: ٢٢٠) رحمه الله تعالى عن سويد بن قيس «٢» رضي الله تعالى عنه قال: جلبت أنا ومخرفة العبديّ «٣» بزّا من هجر، فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي فساومنا بسراويل، فبعناه وثمّ رجل يزن بالأجر، فقال له رسول الله ﷺ : زن وأرجح.
وذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (١٦٧٨) في أخبار أبي سفيان بن حرب: أن رسول الله ﷺ أعطاه من غنائم حنين، وكان شهدها معه، مائة بعير وأربعين أوقية، وزنها له بلال.
стр. 568
تنبيه:
قد تقدم من ذكر بلال رضي الله تعالى عنه في باب الأذان ما فيه كفاية، والحمد لله.
فوائد لغوية في سبع مسائل:
الأولى: ابن القوطية (٣: ٣٠٨) وزنت الشيء: امتحنته بما يعادله؛ ابن سيده:
وزنا وزنة. ابن طريف: وزنت الرجل ووزنت له: إذا اقتضيته ثمن شيء يوزن، وفي القرآن: وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (المطففين: ٣) .
ابن سيده: وإنه لحسن الوزنة جاءوا به على الأصل، ولم يعلّوه لأنه ليس بمصدر، وإنما هو هيئة الحال. الهروي: والآلة التي توزن بها الأشياء: ميزان.
الجوهري (٦: ٢٢١٣) : وأصله: موزان، انقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها، قال (٤: ١٤٢٢) وكفّة الميزان وكفّته- بالكسر والفتح- والجمع: كفف، والسّعدانات (١: ٤٨٥) العقد التي في أسفل كفّة الميزان. انتهى. وفي «الغريب المصنف» «١» :
العقد التي في أسفل الميزان هي السّعدانات، والحلقة التي تجتمع فيها الخيوط في طرفي الحديدة: هي الكظامة؛ والحديدة: هي المعترضة «٢» التي فيها اللسان وهي المنجم «٣» ، ويقال لما يكتنف منها اللسان: الفياران، واحدها فيار، والخيط الذي يرفع به الميزان: العذبة.
قلت: والوزّان مما جاء على فعّال مشدّد العين على جهة النسب لذي صنعة أو حرفة يزاولها ويديمها كالنّجار والعطّار، قال الزمخشري في «المفصل» (٢١٢) في باب النسب: وقد يبنى على فعّال وفاعل على ما فيه معنى النسب من غير إلحاق الياء كقولهم: ثوّاب وجمّال ولابن وتامر، والفرق بينهما أن فعّالا لذي صنعة يزاولها ويديمها، وعليه أسماء المحترفين، وفاعلا لمن يلابس الشيء [في الجملة] .
стр. 569
الثانية: صرار بالصاد المهملة المكسورة بعدها راء وألف وراء مهملتان أيضا: بئر قديمة على ثلاثة أميال من المدينة تلقاء حرّة واقم، قاله: البكري (٨٣٠) .
الثالثة: في «الصحاح» (١: ٣٦٤) رجح الميزان يرجح ويرجح رجحانا أي مال، وأرجحت لفلان، ورجّحت ترجيحا: إذا أعطيته راجحا.
الرابعة: قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١٤٦٦) : مخرفة العبدي، ويقال مخرمة، والصحيح: مخرفة بالفاء، اشترى منه رسول الله ﷺ رجل سراويل.
الخامسة: في «المحكم» البزّ: الثياب، والبزّاز: بائع البزّ، وحرفته: البزازة.
وقال الجوهري (٢: ٨٦٢) البزّ من الثياب: أمتعة البزّاز. وفي «الديوان» (٣: ١٢٣) : البز بفتح الباء: متاع البزاز.
السادسة: في «المحكم» (٤: ١١٤) «١» هجر- بفتح أوله وثانية- مدينة البحرين معروفة، وهي معرفة لا تدخلها الألف واللام.
السابعة: في «المحكم» : السّراويل: فارسي معرّب، يذكّر ويؤنث، ولم يعرف الأصمعي فيها إلا التأنيث؛ قال الشاعر «٢» : [من الطويل]
أردت لكيما يعلم النّاس أنّها ... سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عاديّ نمته ثمود
стр. 570
والجمع سراويلات. قال سيبويه «١» : ولا يكسّر، وقد قيل سراويل واحده سروالة، قال: [من المتقارب]
عليه من اللؤم سروالة ... فليس يرقّ لمستعطف
«٢» وسروله فتسرول: ألبسه إياها فلبسها.
وفي «الصحاح» (٥: ١٧٢٩) قال سيبويه: سراويل: واحدة، وهي أعجمية أعربت فأشبهت من كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، فهي مصروفة في النكرة، وإن سميت بها رجلا لم تصرف، وكذلك إن حقّرتها اسم رجل لأنها مؤنث على أكثر من ثلاثة أحرف.
وفي النحويين من لا يعرفه أيضا في النكرة ويزعم أنه جمع سروال وسروالة وينشد:
عليه من اللؤم سروالة
ويحتج في ترك صرفه بقول ابن مقبل «٣» : [من الطويل]
فتى فارسيّ في سراويل رامح
والعمل على القول الأول، والثاني أقوى.
стр. 571
الباب الرابع في خازن الطعام
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر ما جاء في ذلك عن رسول الله ﷺ
خرج البخاري (٧: ٨١) «١» رحمه الله تعالى عن عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ كان يبيع نخل بني النضير ويحتبس لأهله قوت سنتهم.
وروى الترمذي (٣: ١٣١) رحمه الله تعالى عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خالصا، وكان رسول الله ﷺ يعزل نفقة أهله سنة ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وروى محمد بن حفص العطار الدوري عن أبي الحوراء «٢» رحمهما الله
стр. 572
تعالى عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما قال، قلت له: ما تذكر من رسول الله ﷺ ؟ قال: أذكر أنه حملني على عاتقه فأدخلني في غرفة الصدقة فأخذت تمرة فجعلتها في فيّ، فقال: ألقها، أما علمت أن الصدقة لا تحلّ لمحمد ولا لآل محمد؟ قال: فأخرجتها من فيّ، انتهى من «مسنده» رحمه الله تعالى.
فوائد لغوية في خمس مسائل:
الأولى: الجوهري (٢: ٨٣٠، ٨٢٩) : بنو النضير: حي من يهود خيبر، وهم دخلوا في العرب وهم على نسبهم إلى هارون أخي موسى ﵇. والنّضار:
الذهب، وكذلك النّضير.
الثانية: ابن القوطية (٢: ٤٨٠) أفاء الله على المسلمين غنما أو خيرا: جاء به إليهم.
الثالثة: ابن القوطية (٣: ٢٨٨) وجف وجيفا وأوجف: أسرع. الجوهري (٤: ١٤٣٧) : الوجيف: ضرب من سير الإبل والخيل، ووجف البعير وجفا ووجيفا، وأوجفته أنا. وقال تعالى: فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ (الحشر: ٦) أي:
ما أعملتم.
الرابعة: الجوهري (٤: ١٥٢١) : العاتق: موضع الرداء من المنكب يذكر ويؤنث.
الخامسة: الجوهري (٤: ١٤١٠) : الغرفة: العلّيّة والجمع غرفات وغرفات «١» وغرفات وغرف.
الفصل الثاني فيما جاء من ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه
في «تاريخ ابن الأثير» (٣: ٥٧) قال أسلم: خرج عمر رضي الله تعالى عنه إلى حرّة واقم وأنا معه، حتى إذا كنا بصرار إذا نار تسعر، فقال: انطلق بنا إليهم فهرولنا
стр. 573
حتى دنونا منهم فإذا بامرأة معها صبيان لها، وقدر منصوبة على نار، وصبيانها يتضاغون، فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء، وكره أن يقول:
يا أصحاب النار، فقالت: وعليكم السلام، قال: ادنو؟ قالت: ادن بخير أودع، فدنا، فقال: ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل والبرد، قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع، قال: وأي شيء في القدر؟ قالت: ما لي ما أسكتهم به حتى يناموا، فأنا أعللهم وأوهمهم أني أصلح لهم شيئا حتى يناموا، الله بيننا وبين عمر. قال: أي رحمك الله، ما يدري بكم عمر؟ قالت: يتولى أمرنا ويغفل عنا، فأقبل عليّ وقال: انطلق بنا. فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق فأخرج عدلا فيه كبة شحم وقال: احمله على ظهري. قال أسلم: فقلت: أنا أحمله عنك مرتين أو ثلاثة فقال، آخر ذلك: أنت تحمل عني وزري يوم القيامة لا أم لك؟! فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه نهرول حتى انتهينا إليها، فألقى ذلك عندها وأخرج من الدقيق شيئا، فجعل يقول لها: ذرّي عليّ وأنا أحرّ لك «١» ، وجعل ينفخ تحت القدر وكان ذا لحية عظيمة فجعلت أنظر إلى الدخان من خلل لحيته، حتى أنضج ثم أنزل القدر، فأتته بصحفة فأفرغها، ثم قال: أطعميهم وأنا أسطح لك، فلم يزل حتى شبعوا، ثم خلّى عندها فضل ذلك، وقام وقمت معه فجعلت تقول: جزاك الله خيرا، أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين، فيقول: قولي خيرا، إنك إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله تعالى، ثم تنحّى ناحية واستقبلها وربض لا يكلمني حتى رأى الصبية يضحكون ويصطرعون ثم ناموا وهدأوا فقام وهو يحمد الله وقال: يا أسلم، الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت منهم. وذكره الخطابي في كتابه «في غريب الحديث» (٢٠) «٢» والبكري في «المعجم» (٨٣٠) مختصرا.
стр. 574
تنبيه:
من تاريخ البخاري (٢: ٢٣) رحمه الله تعالى: أسلم مولى عمر بن الخطاب، أبو خالد، كان من سبي اليمن سمع عمر رضي الله تعالى عنه. وعن ابن إسحاق:
بعث أبو بكر عمر رضي الله تعالى عنهما سنة إحدى عشرة فأقام للناس الحج وابتاع فيها أسلم. وعن زيد بن عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: توفي أسلم وهو ابن أربع عشرة ومائة وصلّى عليه مروان.
فوائد لغوية في ثماني مسائل:
الأولى: في «المعجم» (٤٣٧) حرة واقم بالواو والقاف: أطم من آطام المدينة نسبت إليه الحرّة.
الثانية: في «المعجم» (٨٣٠) أيضا صرار بصاد مهملة مكسورة وراءين مهملتين بينهما ألف: بئر قديمة على ثلاثة أميال عن المدينة تلقاء حرّة واقم.
تنبيه:
قول المرأة قصّر بنا الليل والبرد: تريد والله أعلم أنهم أدركهم الليل واشتد عليهم البرد فنزلوا هنا لك وقصّروا عن الوصول إلى المدينة.
الثالثة: في «الأفعال» لابن طريف: ضغا الكلب وغيره ضغاء: صوّت وأضغى أيضا.
الرابعة: في «المحكم» (٢: ١١) العدل: نصف الحمل يكون على أحد جنبي البعير.
الخامسة: في «المحكم» (٦: ٤١٦) الكب: الشيء المجتمع من تراب وغيره، وكبّة الغزل: ما جمع منه. وبالضم ضبطها الفارابي.
السادسة: قوله وأنا أحرّ لك «١» : أي أصنع لك حساء. ذكره أبو علي في كتابه
стр. 575
في باب فعال بفتح الفاء، فقال: الحساء: ما يعمل ليتحسّى وهو الحسو، والحسو المصدر، مثل السّحور والسّحور، فالسّحور اسم للطعام الذي يتسحر به والسّحور المصدر، وكذلك الوضوء والوضوء.
وذكره البكري والخطابي فقالا فيه وأنا أحرّه لك. قال البكري في «المعجم» (٨٣٠) يريد: اتخذ لك حريرة. ورأيت عليه في طرة من «كتاب غريب الحديث» للخطابي: أراد أحرّك لك فحذف لعلم السامع. قال: وكذلك رواه الحربي.
السابعة: في «الأفعال» لابن طريف في حديث عمر رضي الله تعالى عنه حين صنع الحساء للأطفال الذين كانوا في مسغبة: أسطح- يقال سطح الشيء سطحا:
بسطه.
الثامنة: في «الأفعال» (٣: ٦٩) للسرقسطي ربض الدابة ربوضا: برك.
стр. 576
الباب الخامس في الكيّال
روى البخاري (٣: ٨٨) رحمه الله تعالى عن المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ قال: كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه.
وروى مسلم (١: ٤٥٦) رحمه الله تعالى عن ابن عمر قال: أعطى رسول الله ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه كلّ سنة مائة وسق: ثمانين وسقا من تمر وعشرين وسقا من شعير.
وروى مسلم (١: ٤٤٦) رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله ﷺ : من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله.
فائدة لغوية:
الجوهري (٥: ١٨١٤) : كلت الطعام كيلا ومكالا ومكيلا أيضا وهو شاذّ.
ابن سيده: واكتلته؛ الجوهري (١٨١٤) والاسم: الكيلة بالكسر، يقال: إنه لحسن الكيلة مثل الجلسة والركبة، وفي المثل: «أحشفا وسوء كيلة» أي أتجمع عليّ أن تعطيني حشفا وأن تسيء لي الكيل؟ ويقال: كلته بمعنى كلت له، ويقال: كال المعطي واكتال الآخذ، وكيل الطعام على ما لم يسمّ فاعله، وكايلته وتكايلنا إذا كال لك وكلت له فهو مكائل بالهمز. ابن سيده: وكاله طعاما، وكاله له، والكيل والمكيل والمكيال والمكيلة: ما كيل به، الأخيرة: نادرة. ورجل كيّال من الكيل.
стр. 577
الباب السادس في ذكر أسماء الأوزان والأكيال الشرعية المستعملة في عهد النبي ﷺ
«١» وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في قوله ﷺ : الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة
روى النسائي (٧: ٢٨٤) رحمه الله تعالى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ ، قال: المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة.
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام (٦٢٤) رحمه الله تعالى عن ابن عمر عن النبي ﷺ : المكيال مكيال أهل المدينة «٢» والميزان ميزان مكة.
وروى أبو داود (٢: ٢٢٠) رحمه الله تعالى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله ﷺ : الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة.
стр. 578
وروى الطحاوي رحمه الله تعالى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أيضا نحوه بنصه.
وقال الخطابي في كتابه «معالم الحديث» إنما جاء هذا الحديث في نوع ما تتعلق به أحكام الشريعة في حقوق الله سبحانه، دون ما يتعامل به الناس في بياعاتهم وأمور معايشهم. وقوله ﷺ : الوزن وزن أهل مكة، يريد وزن الذهب والفضة خصوصا دون سائر الأوزان، ومعناه: أن الوزن الذي يتعلق به حقّ الزكاة في النقد وزن أهل مكة. وأما قوله: والمكيال مكيال أهل المدينة، إنما هو الصاع الذي يتعلق به وجوب الكفارات، ويجب إخراج صدقة الفطر به، ويكون تقدير النفقات وما في معناها بعياره، والله أعلم.
وقال الطحاوي: المعنى في ذلك: لأن مكة لما كانت أرض متجر تباع فيها الأمتعة بالأثمان، ولم يكن بها حينئذ ثمرة ولا زرع، وكذلك كانت قبل ذلك الزمان، ألا ترى إلى قول إبراهيم: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ وكانت المدينة بخلاف ذلك، لأنها دار النخيل وفيها الزرع، فكان جلّ تجارتهم في المكيل دون الموزون، جعل النبي ﷺ الأمصار كلها لهذين المصرين أتباعا فيما يحتاجون إليه من الكيل والوزن. قال: ولما كانت السنّة قد منعت من إسلام موزون في موزون، ومن إسلام مكيل في مكيل، وأجازت إسلام الموزون في المكيل، والمكيل في الموزون، ومنعت من بيع الموزون بالموزون إلا مثلا بمثل، ومن بيع المكيل بالمكيل إلا مثلا بمثل، كان الأصل في الموزون ما كان حينئذ يوزن بمكة، وكان الأصل في المكيل ما كان حينئذ يكال بالمدينة لا يتغير عن ذلك وإن غيّره الناس.
وقال الفقيه أبو العباس العزفي رحمه الله تعالى في كتابه «إثبات ما ليس منه بد لمن أراد الوقوف على حقيقة الدينار والدرهم والصاع والمد» : فوجب على كلّ من دان بهذه الملة وتعبد بهذه الشريعة البحث عن كيل أهل المدينة فيما جرت العادة بكيله، وعن وزن أهل مكة فيما استمر العرف بوزنه.
стр. 579
قلت: وإنما يتحصّل ذلك بمعرفة ما كان من ذلك مستعملا في عهد رسول الله ﷺ وبمعرفة أقدارها، ويتحصل الغرض من ذلك في الفصلين المذكورين بعد هذا إن شاء الله تعالى.
الفصل الثاني في معرفة أسماء الأوزان المستعملة في عهد النبي ﷺ ومعرفة أقدارها، وهي عشرة
الدرهم، والدينار، والمثقال، والدانق، والقيراط، والأوقية، والنش، والنواة، والرطل، والقنطار.
١- ذكر الدرهم ،
وفيه سبع مسائل:
الأولى: في ذكر استعماله:
روى النسائي (٥: ٥٩) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله ﷺ : سبق درهم مائة ألف، قالوا: يا رسول الله وكيف؟ قال: رجل له درهمان فأخذ أحدهما فتصدّق به، ورجل له مال كثير فأخذ من عرض ماله مائة ألف فتصدق بها.
وروى النسائي (٧: ٢٨٤) أيضا عن سماك قال: سمعت مالكا أبا صفوان يقول رضي الله تعالى عنه: بعت من رسول الله ﷺ رجلا من سراويل قبل الهجرة بثلاثة دراهم، فوزن لي فأرجح لي.
المسألة الثانية: هل كان معلوم القدر أم لا؟
وفي ذلك قولان:
القول الأول: أن الدرهم لم يكن في زمن النبي ﷺ معلوما حتى ضربت الدراهم في زمان عبد الملك بن مروان.
قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستذكار» قال أبو عبيد: كانت الدراهم غير معلومة إلى أيام عبد الملك بن مروان فجمعها وجعل كل عشرة من الدراهم وزن
стр. 580
سبعة مثاقيل، قال: وكانت الدراهم يومئذ درهم من ثمانية دوانق زيف، ودرهم من أربعة دوانق جيد.
قال: فاجتمع رأي علماء ذلك الوقت لعبد الملك على أن جمعوا الأربعة دوانق إلى الثمانية فصارت اثني عشر دانقا وجعلوا الدرهم ستة دوانق وسموه كيلا. انتهى.
وقال أبو محمد عبد الحق بن عطية في جواب سؤال سئله في سنة ست عشرة وستمائة: قال أبو عبيد القاسم بن سلام عن بعض شيوخه إن الدراهم كانت على عهد رسول الله ﷺ نوعين:
السوداء الوافية ووزن الدرهم منها ثمانية دوانق، والطبرية العتق وزن الدرهم منها أربعة دوانق. قال: وكان الناس يزكّون بشطرين من الكبار والصغار، فلما أراد عبد الملك بن مروان ضرب الدرهم خشي إن ضرب على الوزن الوافي أن يبخس الزكاة، وإن ضرب على الطبرية أن يبخس الناس، فجمع الوزنين وأخذ نصفهما مراعاة لما كانت زكاة الناس عليه، فجعل الدرهم من ستة دوانق.
والقول الثاني: إن الدرهم كان معلوما في زمن النبي ﷺ :
قال أبو العباس العزفي، قال أبو جعفر الداودي: وذكر قول من قال: إن الدرهم لم يكن معلوما في زمن النبي ﷺ : هذا قول فاسد لم يكن القوم ليجهلوا أصلا من أصول الدين فلا يعلمون فيه نصا، وقد كان النبي ﷺ يخرج السّعاة فلا يجوز أن يظنّ بهم جهل مثل هذا ولم يأت ما قاله من طريق صحيح.
قال، وقد قال أبو عمر ابن عبد البر: لا يجوز أن تكون الأوقية على عهد رسول الله ﷺ مجهولة المبلغ من الدراهم في الوزن ثم يوجب الزكاة عليها وهي لا يعلم مبلغ وزنها.
قال: وتلاهما على هذا القول القاضي الجليل أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى، قال: ولا يصحّ أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة القدر في زمن النبي
стр. 581
صلى الله عليه وسلم وهو يوجب الزكاة في أعداد منها، وتقع بها البياعات والأنكحة، كما جاء في الأحاديث الصحيحة، وهذا يبيّن أن قول من قال: إن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك حتى جمعها برأي الفقهاء وهم.
وإنما معنى ذلك أنها لم تكن من ضرب أهل الإسلام وعلى صفة لا تختلف، وإنما كانت مجموعات من ضرب فارس والروم، وصغارا وكبارا، وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة، ويمنية ومغربية، فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه وتصييرها وزنا واحدا لا يختلف، وأعيانا يستغنى بها عن الموازين، فجمعوا أصغرها وأكبرها وضربوه على وزنهم الكيل، ولعله كان الوزن الذي يتعاملون به حينئذ كيلا بالمجموع، ولهذا سمّي كيلا، وإن كانت قائمة مفردة غير مجموعة. انتهى.
وقال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستذكار» أيضا: وما أظنّ عبد الملك وعلماء عصره نقضوا شيئا من الأصل. وإنما أنكروا وكرهوا الضرب الجاري عندهم من ضرب الروم فردّوها إلى ضرب الإسلام. انتهى.
وقال أبو سليمان أحمد بن محمد الخطابي رحمه الله تعالى، في كتابه «معالم السنن» في الكلام على الحديث الذي خرّجه أبو داود رحمه الله تعالى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة: إنما جاء الحديث في نوع ما يتعلّق به أحكام الشريعة في حقّ من حقوق الله سبحانه دون ما يتعامل به الناس في بياعاتهم وأمور معايشهم. وقوله: الوزن وزن أهل مكة، يريد من الذهب والفضة خصوصا دون سائر الأوزان، ومعناه أنّ الوزن الذي يتعلق به حقّ الزكاة في النقد وزن أهل مكة، وهي دراهم الإسلام المعدّلة منها العشرة بسبعة مثاقيل، والدرهم الوازن الذي هو من دراهم الإسلام الجائزة بينهم في عامة البلدان ستة دوانيق، وهو نقد أهل مكة ووزنهم الجائز بينهم. وكان أهل المدينة يتعاملون بالدراهم عددا وقت مقدم رسول الله ﷺ إياها، والدليل على صحة ذلك أن
стр. 582
عائشة رضي الله تعالى عنها قالت فيما روي عنها من قصّة بريرة: إن شاء أهلك أن أعدّها لهم عدّة واحدة فعلت؛ تريد الدراهم التي هي ثمنها. فأرشدهم ﷺ إلى الوزن فيها، وجعل العيار وزن أهل مكة دون ما يتفاوت وزنه منها في سائر البلدان، وقد تكلّم الناس في هذا الباب، وهل كانت هذه الدراهم لم تزل في الجاهلية على هذا المعيار، وإنما غيروا السكك منها ونقشوا فيها اسم الله ، وقام الإسلام والأوقية وزنها أربعون درهما، ولذلك قال رسول الله ﷺ : ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وهي مائتا درهم. وهذا بلغني عن أبي العباس ابن سريج أنه كان يقوله ويذهب إليه. انتهى.
تنبيه:
أقرب ما يتناول في هذا الاختلاف الواقع في الدرهم الشرعي: هل كان معلوما في عصر النبي ﷺ أو غير معلوم القدر، وهو أن يكون معلوم القدر غير موجود العين مثل درهم الصّنجة عندنا الآن، فإنه معلوم القدر غير موجود العين، وإنما توجد صنجته ومنه تتركّب الأوزان التي فوقه بالدينار والأوقية والرطل وغيرها، ومن أبين الأدلّة على ذلك الحديث المتقدم على هذا الباب الذي خرجه النسائي في شرائه ﷺ رجل سراويل بثلاثة دراهم، وفيه:
فوزن لي فأرجح لي. والحديث الذي خرجه مسلم (١: ٤٧٠) والبخاري رحمهما الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه: اشترى مني النبي ﷺ بعيرا بأوقيتين ودرهم أو درهمين، وفيه: ووزن لي ثمن البعير فأرجح لي، وقد تقدم في باب الوزان؛ فلو لم يكن الدرهم معلوما في حين عقد هاتين الصفقتين المباركتين لما صحّ البيع ولما عرف الرجحان الذي أرجح لهما ﷺ بعد استيفائهما حقوقهما، والله تعالى أعلم.
وبهذا تتفق الأقوال ويندفع التعارض عنها، فيحمل قول من قال: إن درهم مكة كان معلوما في زمن رسول الله ﷺ على أن المراد بذلك قدره ووزنه، لا عينه، ويحمل قول من قال: إن الدراهم كانت غير معلومة إلى أيام
стр. 583
عبد الملك بن مروان: أن المراد بذلك أنها لم تكن معلومة بأعيانها، وإنما كانوا يتعاملون بتلك الدراهم المختلفة المتنوعة ويرجعون في أقدارها إلى قدر الدرهم المعلوم الذي تركبت منه الأوقية والنشّ والنواة.
المسألة الثالثة: في معرفة مقداره، وفي ذلك قولان:
الأول: قال: أبو محمد ابن عطية في جوابه المشار إليه في أول الباب:
ذكر الخطابي عن أبي العباس ابن سريج: أن درهم مكة في زمن النبي ﷺ كان من ستة دوانق، وأن عدد حبوبه خمسون حبة، وإنما غيّر في الإسلام نقشه. قال أبو محمد: والحبة التي تركّب منها الدرهم هي حبة الشعير المتوسطة الحسنة غير مقشورة بعد أن يقطع من طرفيها ما امتدّ وخرج عن خلقتها.
والقول الثاني: ذكر ابن حزم في «المحلّى» (٥: ٢٤٦) قال: قد بحثت أنا غاية البحث عند كلّ من وثقت بتمييزه، فكل اتفق لي على أن دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة بالحب من الشعير المطلق، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم المكي سبع وخمسون حبة وستة أعشار حبة وعشر عشر حبة.
وحكى ابن شاس في «الجواهر» مثل هذا القول عن عبد الله بن أحمد بن حنبل بنصّه لم يغادر منه حرفا.
المسألة الرابعة: في الترجيح بين هذين القولين المختلفين في عدة حبوب لدرهم على مذهب من رجح أحدهما على الآخر والجمع بينهما على مذهب من رأى ذلك، فلذلك قولان:
القول الأول: قال أبو العباس العزفي رحمه الله تعالى في «إثبات ما ليس منه بد» : ما قاله أبو محمد علي بن أحمد لا تحقيق وراءه، فإنه وإن كان اعتمد على نقل من وثق بتمييزه في زنة الدينار والدرهم بمكة شرفها الله تعالى فلعلّ ذلك مخصوص بزمن بحثه وذلك لنحو من أربعمائة سنة من تاريخ الهجرة، فبقي عليه البحث والتنقير على أن الدينار والدرهم لم يزالا على ذلك من الوزن، بنقل الآحاد
стр. 584
العدول، أو بنقل الجمّاء العفير خلفا عن سلف، من عهد رسول الله ﷺ إلى ذلك الزمان بمكة شرفها الله تعالى، كما اعتمد المحققون ذلك في صاعه ومدّه- ﵇ بالمدينة. وأمّا مع إمكان اختلافه في الأعصار وتباينه في الأمصار وعند تعاقب الولاة، مع ما عهد من اختلاف زنة الدنانير والدراهم والمكاييل عند تجدد الولاة واختلاف الأزمنة، فلا اعتماد على ما قاله، فهذا ترجيح لمن قال إن الدرهم خمسون حبة وخمسا حبة.
والقول الثاني: قال الأستاذ أحمد بن عثمان بن البناء رحمه الله تعالى في «مقالته في مقادير المكاييل الشرعية» : وأما ما نقله صاحب «الجواهر الثمينة» عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن حنبل من أن دينار الذهب وزنه بمكة اثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة وذلك بالحبّ المطلق من الشعير فتكون زنة الدرهم بالحبّ المطلق سبعا وخمسين حبة وكسرا، لأن الدرهم سبعة أعشار الدينار، هذا أيضا قول مشهور، فليس بين القولين اختلاف، لأن الوزن في القول الأول بالوسط من الشعير، وفي هذا القول بالحبّ المطلق، ولا يبعد أن يكون بين المطلق والوسط ذلك القدر من التفاوت، وهذا جمع بين القولين.
المسألة الخامسة: في الدليل على استعمالهم حب الشعير في أوزانهم في الجاهلية والإسلام:
أنشد ابن إسحاق في «السير» (١: ٢٧٧) لأبي طالب: [من الطويل]
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شرّ عاجلا غير آجل
بميزان صدق لا يخسّ شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل
وذكر أبو محمد ابن عطية في «التفسير» عند قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المجادلة: ١٢) صحّ عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما عمل بها أحد غيري، وأنا كنت سبب الرخصة والتخفيف عن المسلمين، وذلك أني أردت مناجاة النبي ﵇ في أمر ضروري فصرفت
стр. 585
دينارا بعشرة دراهم ثم ناجيته عشر مرّات أقدّم في كلّ مرة درهما. وروي عنه أنه تصدق في كل مرة بدينار. قال علي رضي الله تعالى عنه: ثم فهم رسول الله ﷺ أن هذه العبادة قد شقّت على الناس، فقال لي: يا علي، كم ترى أن يكون حدّ هذه الصدقة؟ أتراه دينارا؟ قلت: لا، قال: فنصف دينار؟ قلت: لا، قال: فكم؟ قلت: حبة من شعير، قال: إنك لزهيد، فأنزل الله الرخصة. انتهى.
قلت: وإنما يريد رضي الله تعالى عنه وزن حبة من شعير لأنه يصحّ به الانتفاع ويكون قريبا من خمس العشر من الدرهم في قول من قال: إن الدرهم خمسون حبة وخمسا حبة أو قريبا من سبع ثمن الدرهم في قول من قال: إن الدرهم سبع وخمسون حبة وثلاثة أعشار حبة، ولا يصحّ أن يريد رضي الله تعالى عنه حبة الشعير بعينها لتفاهتها وعدم الانتفاع بها.
المسألة السادسة: في معنى تسمية هذا الدرهم بالشرعي:
قال أبو محمد ابن عطية في جوابه: سمّي بذلك لما تركّب منه الرطل والمد والصاع، فهو درهم كيل الشريعة، وفي هذا الدرهم والرطل قال رسول الله ﷺ : الوزن وزن مكة. وفيما تركب منه كما ذكرنا قال: الكيل كيل المدينة.
المسألة السابعة: في ذكر فوائد لغوية وهي عشر فوائد:
الأولى: في «المخصص» قال سيبويه: الدرهم: فارسي معرب ألحقوه ببناء هجرع، وقالوا في تصغيره دريهم كأنهم صغروا درهاما. قال ابن جني قد قيل درهام وأنشد:
لو أنّ عندي مائتي درهام ... لجاز في آفاقها ختامي
وقال المطرز في «اليواقيت» : أفصح اللغات درهم، والثانية درهم، وقالوا في الجمع دراهم ودراهيم، كما قالوا قراقر وقراقير.
стр. 586
الثانية: في «المشرع الرويّ» في حديث عائشة: ما تصدّقت المرأة من عرض بيتها: أي من ناحيته، ويقال عرض كلّ شيء: ما استقبلك منه، وكذلك عرض النهر والماء. وفي المحكم (١: ٢٤٦) عرض الشيء: وسطه وناحيته. وقيل نفسه، وعرض الحديث: معظمه، وعرض الناس كذلك. وفي «الديوان» (١: ١٥٥) العرض بضم العين وسكون الراء: الناحية.
الثالثة: ابن القوطية (٢: ١٠٤) زافت الدراهم تزيف زيفا: فسدت وبارت.
«الجوهري» (٤: ١٣٧١) درهم زيف وزائف، وقد زافت عليه الدّراهم وزيّفتها أنا.
الرابعة: ابن القوطية (١: ٧٩) بخسة حقّه بخسا: نقصه، والكيل كذلك.
الفارابي (٢: ٢٠٥) بفتح العين في الماضي والمستقبل لمكان حرف الحلق.
الخامسة: في «الصحاح» (٢: ٧٦٤) عايرت المكاييل والموازين عيارا وعاورت بمعنى؛ يقال عايروا بين مكاييلكم وموازينكم، وهو فاعلوا من العيار ولا تقل عيّروا والمعيار: العيار.
السادسة: الجوهري (٤: ١٥٦٤) الورق: الدراهم المضروبة، وحكى فيها الفراء ثلاث لغات: ورق وورق وورق مثل كبد وكبد وكبد، وكذلك الرّقة والهاء عوض من الواو وتجمع على رقين مثل إرة وإرين.
السابعة: ابن سيده: صنجة الميزان وسنجته فارسية معربة، وحكى اللغتين أبو عبيد في «المصنف» وفي «الصحاح» (١: ٣٢٦) قال ابن السكّيت: ولا يقال سنجة. وفي «الفرق» لابن السيد: الصّنجة بالصاد التي يوزن بها، وقد حكي سنجة بالسين، قلت: وهي ما اتخذ من أحد المعادن أو الأحجار ليعاير بها مقدار وزن من الأوزان التي تجري بين الناس في معاملاتهم قلّت أو كثرت.
وفي الحماسة (٤: ١٦٧) : [من الرجز] وفعلة «١»
زين وليست فاضحه ... نابلة طورا وطورا رامحه
стр. 587
على العدوّ والصديق جامحه ... من لقيت فهي له مصافحه
كأنّها صنجة ألف راجحه
الثامنة: الجوهري (٢: ٧٧١) قولهم: جاءوا جمّاء غفيرا ممدودا، والجماء الغفير، وجمّاء الغفير، أي جاء جماعتهم «١» الشريف والوضيع، ولم يتخلّف أحد وكانت فيهم كثرة، والجماء الغفير اسم وليس بفعل إلا أنه ينتصب كما تنتصب «٢» المصادر التي هي في معناه. كقولك: جاءوني جميعا وقاطبة وطرا وكافة. وأدخلوا فيه الألف واللام كما أدخلوها في قولهم: أوردها العراك أي أوردها عراكا.
ابن القوطية في «المقصور والممدود» وجمّاء القوم جماعتهم، وجاء القوم الجماء الغفير أي بجماعتهم.
التاسعة: قال أبو ذر الخشني في «غريب السير» (١: ٩٠) قوله لا يخسّ شعيرة أي لا ينقص. ويروى لا يخيس من قولهم خاس بالعهد إذا نقضه وأفسده. وفي المحكم (٤: ٣٦١، ٥: ١٥٠) خسّ الحظّ خسا فهو خسيس، وأخسّه كلاهما: قلّله ولم يوفّره، وخاس الرجل خيسا: أعطاه بسلعته ثمنا ما ثم أعطاه أنقص [منه] وكذلك إذا وعده بشيء وأعطاه أنقص مما وعده به، وخاس عهده وبعهده: نقضه وخانه.
العاشرة: الجوهري (٢: ٦٩٨) الشّعير من الحبوب، الواحدة شعيرة، قلت:
وهو الذي تركب من المعايرة به الدراهم والدنانير التي هي أصول الأكيال والأوزان الشرعية من دون سائر الحبوب. وفي «المحكم» (١: ٢٢٦) الشعيرة حلي يتّخذ من الفضة مثل الشعير، والشعيرة هنة تصاغ من فضة أو حديد على شكل الشّعيرة فتكون مساكا لنصاب النّصل والسكين، وأشعر السكين جعل لها شعيرة.
стр. 588
٢، ٣- ذكر الدينار والمثقال
، وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: في ذكر استعمالهما وأنهما بمعنى واحد:
روى مسلم (١: ٢٧٤) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله ﷺ : دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك.
وروى أبو عبيد في «كتاب الأموال» (٥٠٠) عن محمد بن عبد الرّحمن الأنصاري أن في كتاب رسول الله ﷺ وفي كتاب عمر في الصدقة: أن الذهب لا يؤخذ فيه شيء حتى يبلغ عشرين دينارا وقال: أيضا في «كتاب الأموال» (٥٠١) في الحديث المرفوع عن عمر بن شبة عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ قال: ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب ولا في أقل من مائتي درهم صدقة.
المسألة الثانية: في مقدارهما، وفيه قولان:
القول الأول: قال ابن عبد البر في «التمهيد» : روي عن جابر بإسناد غير صحيح أن النبي ﷺ قال: الدينار أربعة وعشرون قيراطا. قال أبو عمر: هذا وإن لم يصحّ إسنادا ففي قول جماعة العلماء به وإجماع الناس على معناه ما يغني عن الإسناد فيه.
قال أبو العباس العزفي في «الإثبات» : وزاد أبو الوليد ابن رشد القاضي الجليل في هذا الحديث: والقيراط ثلاث حبات شعير، ذكر ذلك في كتابه الكبير.
قال: والدينار اثنتان وسبعون حبة من الشعير، قال: ولم تختلف الأوزان في الدنانير كما اختلفت في الدراهم. انتهى قول العزفي.
وقال أبو عبيد في «كتاب الأموال» (٦٣٠) : لم يزل المثقال في آباد الدهر موقّتا محدودا. قال الخطابي: كانت الدنانير تحمل إليهم في زمان النبي صلّى الله عليه
стр. 589
وسلم من بلاد الروم؛ قال العزفي: فكانت العرب تسميها الهرقلية، وقد ذكرها كثيّر في شعره «١» : [من الطويل]
هرقليّ وزن أحمر التّبر راجح
وقال اللخمي في كتاب «التبصرة» : الدينار درهم وثلاثة أسباع درهم وهو سبع العشرة، والعشرة دراهم سبعة دنانير.
والقول الثاني: ما ذكره صاحب «الجواهر» عن عبد الله بن أحمد بن حنبل وهو قول علي بن أحمد بن حزم أيضا أن وزن الدينار اثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة- حسبما تقدم ذكره في الكلام على الدرهم- والقول في هذا الاختلاف كالقول في اختلافهم في الدرهم وقد تقدم، فينظر هناك.
المسألة الثالثة: في ذكر فائدتين لغويتين:
الفائدة الأولى: في «ديوان الأدب» (١: ٣٣٨) : كل ما كان على فعّال من الأسماء أبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء فيصير على فيعال مثل دينار وقيراط كراهية أن تلتبس بالمصادر إلا أن يكون بالهاء فيخرج على أصله مثل دنابة وصنّارة لأنه الآن أمن من التباسه بالمصدر. قال العزفي في «الإثبات» : والدليل على أن أصله دنّار جمعه على دنانير ولو جمعوه على لفظه لقالوا فيه ديانير أو دوانير.
الفائدة الثانية: قال العزفي في «الإثبات» : المثقال اسم لما له ثقل كبير أو صغير إلا أن عرفه غلب على الصغير، وفي عرف الفقهاء والعلماء على الدينار.
٤- ذكر الدّانق:
قلت: لا أعلم أنه جاء في شيء من الحديث ولا الشعر ولكنه جاء في تحديد وزن الدرهم، فلذلك ذكرته ويتحصّل المقصود من الكلام عليه في مسألتين:
المسألة الأولى: في معرفة قدره: ولم يختلف أنه سدس الدرهم فيكون وزن
стр. 590
الدانق على هذا على قول من قال: إن الدرهم خمسون حبة وخمسا حبة، بالوسط ثماني حبات وخمسا حبة من الشعير، قال العزفي في «الإثبات» وزنه ثماني حبات من الشعير وخمسا حبة.
المسألة الثانية: قال العزفي في «الإثبات» : دانق ودانق بفتح النون وكسرها وأصله أعجمي معرب. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: لعن الله الدانق وأول من أخرج الدانق، ما كانت العرب تعرف الدانق ولا أبناء فارس، إنه لا دين لمن لا مروءة له. وفي «ديوان الأدب» (١: ٣٤٤، ٣٥٧) : الدانق والدانق بكسر النون وفتحها لغتان. وزاد الجوهري (٤: ١٤٧٧) : داناق كما قالوا للدرهم درهام. قال:
وهو سدس الدرهم.
٥- ذكر القيراط ،
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: في استعماله:
روى مسلم (١: ٤٧٠) رحمه الله تعالى حديث شراء رسول الله ﷺ الجمل من جابر رضي الله تعالى عنه من طريق عثمان بن أبي شيبة عن جابر وفيه: ثم قال لي بعني جملك هذا، قال: قلت: لا بل هو لك. قال: لا، بل بعنيه، قال: قلت: لا بل هو لك يا رسول الله قال: بل بعنيه، قلت: فإن لرجل عليّ أوقية من ذهب فهو لك بها. قال: قد أخذته، فتبلغ عليه إلى المدينة، قال:
فلما قدمت المدينة قال رسول الله ﷺ لبلال: أعطه أوقية من ذهب وزده، فأعطاني أوقية من ذهب وزادني قيراطا، قال، فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ ، قال: وكان في كيس لي فأخذه أهل الشام يوم الحرّة.
الثانية في مقداره:
قد تقدم عند ذكر الدينار أن الدينار أربعة وعشرون قيراطا، فالقيراط جزء من أربعة وعشرين جزءا من الدينار، وتقدم أيضا هنا لك أن القيراط ثلاث حبّات من الشعير.
стр. 591
المسألة الثالثة:
قد تقدم قول الفارابي عند ذكر الدينار أن مثال القيراط فعّال أبدل من إحدى حرفي تضعيفه ياء فصار على فيعال. وقال العزفي في «الإثبات» : أصله قرّاط، يدل على ذلك جمعه على قراريط، ولو لم يكن ذلك أصله لجمع على لفظة قياريط أو قواريط وهو أعجمي عربته العرب.
٦- ذكر الأوقية ،
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: في استعمالها:
روى مسلم (١: ٢٦٨) رحمه الله تعالى عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة.
وروى (١: ٤٦٧) أيضا رحمه الله تعالى عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر فبايع اليهود الأوقية الذهب بالدينارين والثلاثة. فقال رسول الله ﷺ : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن.
المسألة الثانية: في قدرها:
قال ابن يونس، قال مالك: أوقية الفضة أربعون درهما. قال التلمساني في «التبصرة» يدلّ على ذلك قول رسول الله ﷺ : ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وقوله ﷺ في حديث آخر: ليس فيما دون مائتي درهم زكاة فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم فصحّ بذلك أن الأوقية أربعون درهما.
ومما يدل على ذلك أيضا ما خرّجه مسلم في صحيحه (١: ٤٠٢) عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية
стр. 592
ونشّا، قالت: أتدري ما النش؟ [قال] قلت: لا، قالت: نصف أوقية. فذلك خمسمائة درهم فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه.
تنبيه:
قد جاء ذكر أوقية أخرى غير هذه في تقرير الرطل المقدر به مدّ النبي ﷺ ، ولم تكن في عهد النبي ﷺ ، وسأستوفي الكلام عليها عند ذكر الرطل إن شاء الله تعالى.
المسألة الثالثة: في ذكر فائدتين لغويتين:
الفائدة الأولى: في «الصحاح» (٦: ٢٥٢٧) الأوقية في الحديث أربعون درهما، والجمع الأواقي مثل أثفية وأثافي وإن شئت خففت الياء في الجمع. وأنشد ابن سيده في «المحكم» لذي الرمة، وأنشده الفارابي أيضا في «الديوان» «١» (٤: ٨٦) [من الطويل]
فما زلت أبقي الظّعن حتى كأنها ... أواقي سدى تغتالهنّ الحوائك
«٢» وقال (٤: ٨٦) : بقيت الشيء بفتح القاف أبقيه بكسرها أي تعهدته وترقبته.
وفي «المشارق» (١: ٥٢) وحكى اللحياني: في الواحد وقية وتجمع على وقايا، مثل ضحيّة وضحايا، قال: وبعض الرواة يمد أواق وهو خطأ.
الفائدة الثانية: في «الصحاح» (١: ٤٦٨) : الذّود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها والكثير أذواد. وفي «المشارق» (١: ٢١٧) الذّود من الإبل ما بين الاثنتين إلى التسع، وهو قول أبي عبيد وأن ذلك
стр. 593
يختص بالإناث. وقال الأصمعي: وهو ما بين الثلاث إلى العشر، قال غير واحد:
ومقتضى لفظ الأحاديث انطلاقه على الواحد، وليس فيه دليل على ما قالوه، وإنما هو لفظ للجميع كما قالوا ثلاثة رهط ونفر ولم يقولوه لواحد ولا تكلموا بواحد منها.
وفي «الغريب المصنف» ، أبو زيد: الذود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر. وفي «المنتقى» (٢: ٩٠) قال ابن مزين عن عيسى بن دينار «١» : الذود واقع على الواحد من الإبل وعلى الجماعة منها، وهو هنا واقع على الجماعة لأن العدد إلى العشرة لا يضاف إلا إلى الجماعة من المعدود، فكأنه قال: خمسة جمال أو خمس نوق.
٧- ذكر النشّ ،
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: في استعماله:
روى مسلم (١: ٤٠٢) رحمه الله تعالى عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن قال:
سألت عائشة زوج النبي ﷺ : كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ فقالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا. قالت: أتدري ما النش؟ قال: قلت: لا. قالت: نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم. فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه.
المسألة الثانية: في قدره «٢» :
قد تقدم في المسألة التي قبل هذه تعريف عائشة رضي الله تعالى عنها بقدر النش وأنه نصف أوقية وليس وراء ذلك غاية.
المسألة الثالثة: في ذكر فائدتين لغويتين:
الأولى: في المشارق (٢: ٤١) في الصّداق يقال بفتح الصاد وكسرها وفيه أيضا لغات: صدقة وصدقة وصدقة وهو مهر المرأة الذي تستباح به.
стр. 594
الثانية: النّشّ- بفتح النون مشدد الشين- عشرون درهما نصف الأوقية عندهم؛ قاله غير واحد.
وأنشد المطرز [من الرجز]
إن التي أنكحها المحشّ ... من نسوة مهورهنّ النّشّ
»
٨- ذكر النواة
«٢» ، وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: في استعمالها:
روى مسلم (١: ٤٠٢) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ رأى على عبد الرّحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه أثر صفرة فقال: ما هذا؟ قال: يا رسول الله إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب قال: فبارك الله لك، أو لم ولو بشاة.
وروى النسائي (٦: ١١٩) رحمه الله تعالى عن أنس أن عبد الرّحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما جاء إلى رسول الله ﷺ فأخبره أنه تزوّج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ : كم سقت إليها؟ قال: زنة نواة، قال رسول الله ﷺ : أولم ولو بشاة.
المسألة الثانية: في قدرها:
في «المشارق» (٢: ٣٢) قوله وزن نواة من ذهب، قال أبو عبيد: هي خمسة دراهم، وقيل هي اسم لما زنته خمسة دراهم، يقال له نواة، كما يقال للعشرين نشّ، وللأربعين أوقية. وقيل كانت قدر نواة من ذهب قيمتها خمسة دراهم.
المسألة الثالثة: في ذكر فائدة لغوية وهي قوله ﷺ : أولم ولو بشاة: في «الصحاح» (٥: ٢٠٥٤) : الوليمة طعام العرس وقد أولمت، وفي الحديث: أولم ولو بشاة.
стр. 595
٩- ذكر الرطل
، وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: في استعماله:
في «صحيح مسلم» (١: ١٠١) رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد.
وروى الترمذي (١: ٣٩) رحمه الله تعالى عن سفينة رضي الله تعالى عنه أن النبيّ ﷺ كان يتوضأ بثلث المد ويغتسل بالصاع، قال أبو عيسى:
حديث سفينة حديث حسن صحيح.
قال القاضي أبو الفضل عياض في «المشارق» (١: ٣٧٥، ٢: ٥٢) : المدّ رطل وثلث، والصاع خمسة أرطال وثلث، هذا قول أهل الحجاز وهو الصحيح.
وفي «الاثبات» قال شيخ الفقهاء ببغداد أبو إسحاق الشيرازي في «نكته» : روى عمر بن حبيب القاضي قال: حججت مع أبي جعفر فلما قدم المدينة قال: إيتوني بصاع رسول الله ﷺ ، فأتي به فعايره فوجده خمسة أرطال وثلثا برطل أهل العراق «١» قال أبو عبيد: وهو الذي عليه العمل.
وقال أبو محمد حسن بن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان في مقالته:
إنما نظرنا في معنى الرّطل من حيث الأخذ في تفهم المد المذكور لا لأنه واقع في لفظ النبي ﷺ في هذا الباب ولا في غيره.
قلت: وقد جاء ذكر الرطل في أشعار العرب، قال النابغة الجعدي:
[من الطويل]
نحلّي بأرطال اللجين سيوفنا ... ونعلو بها يوم الهياج السّنورّا
«٢» أنشده البيّاسيّ في «حماسته» مع أبيات من قصيدة له.
стр. 596
المسألة الثانية: في قدره
، وفيه مذهبان:
المذهب الأول: تقديره بدراهم الكيل، وفيه قولان:
القول الأول: أنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهما كيلا «١» ، وفي «الإثبات» : قال أبو عبيد: صاع النبي ﷺ هو كما أعلمتك خمسة أرطال وثلث، والمدّ ربعه وذلك برطلنا الذي وزنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهما، وزن سبعة. وقال أبو محمد ابن أبي زيد: وزنته بالدراهم- يعني الرطل- مائة درهم وثمانية وعشرون درهما. قال أبو محمد ابن القطان: وهو مذهب جماهير العلماء.
قلت: قول أبي عبيد: برطلنا يعني الرطل العراقي؛ وقوله: وزن سبعة:
يعني كل عشرة دراهم منها وزن سبعة مثاقيل، وهي دراهم الكيل، حسبما تقدم ذكر ذلك.
والقول الثاني: أنه مائة وثلاثون درهما كيلا.
وفي «الاثبات» : قال أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي: الرطل في قول الجميع: نصف منا والمنا مائتا درهم كيلا وستون درهما «٢» . ذكر ذلك في «الاكتفاء في شرح الموطأ» .
والمذهب الثاني: تقديره بالأواقي وفيه ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه اثنتا عشرة أوقية، وزن الأوقية عشرة دراهم وثلثا درهم.
قال أبو العباس العزفي في «الإثبات» : الرطل في قول جميعهم هو العراقي البغدادي وهو اثنتا عشرة أوقية وهو الفلفلي. وقال أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان في مقالته في الأوزان والأكيال: الرطل العراقي ثنتا عشرة
стр. 597
أوقية، والأوقية هي زنة عشرة دراهم وثلثي درهم من دراهم الكيل، قال: فذلك من دراهم الكيل مائة درهم وثمانية وعشرون درهما.
والقول الثاني: أنه اثنتا عشرة أوقية وأربعة أخماس الأوقية، وزن الأوقية:
عشرة دراهم خاصة ويتخرّج هذا القول من قول الداودي الذي حكاه أبو العباس العزفي في «الإثبات» . قال رحمه الله تعالى: وحكي عن أبي جعفر المذكور يعني الداودي أنه سئل عن زنة مدّ النبي ﷺ فقال: سبع عشر أوقية وثلثا درهم، فإذا قسمت ذلك على رطل وثلث وهو وزن المدّ الذي حكى هو الإجماع عليه خرج لنا واجب الرطل اثنتا عشرة أوقية وأربعة أخماس الأوقية، فذلك مائة درهم وثمانية وعشرون درهما من دراهم الكيل.
والقول الثالث: أنه إحدى عشرة أوقية وثلث أوقية وثلثا ثلث أوقية، والأوقية وزن عشرة دراهم كيلا أيضا. قال أبو محمد ابن القطان وأبو العباس ابن البناء: وهذا قول الداودي، فذلك مائة درهم وخمسة عشر درهما وخمسة أسباع درهم.
قلت: وهذا القول الذي نسب للداودي هنا خلاف الذي حكاه العزفي في «الإثبات» وحكاية العزفي أصح.
المسألة الثالثة: في الراجح من هذه الأقوال المختلفة في مقدار الرطل:
قال أبو العباس ابن البناء في مقالته: رجح من ذلك أن الرطل ثمانية وعشرون درهما ومائة درهم كيلا، وعليه الجمهور فيعتمد عليه.
المسألة الرابعة: في ذكر فائدة لغوية:
في «الإثبات» : الرّطل اسم مذكر، ويقال بالفتح في الراء والكسر، وهو اسم لمقدار من الموزونات تقديره بالعرف لا بالوضع، وقد تقدم تفسير مقداره.
وهو أيضا اسم لما يعاير به الموزونات من حديد أو نحاس أو رصاص أو حجر، وقد يكون اسما لما يكال به مثل المدّ والصاع. وحكى ابن دريد: أن الرطل ما يكال به ويوزن وأنشد شاهدا على أنه يكال به: [من الوافر]
стр. 598
لها رطل تكيل الزيت منه ... وحمّار يسوق لها حمارا
«١» وإذا أردت اشتقاقه فأولى ما يقال فيه أن يكون من قولهم: رطل- بالفتح والكسر- للكبير الضعيف أي أن هذا من الموزونات ضعيف، أو من قولهم: غلام رطل بالفتح أي مقارب للاحتلام فيكون معناه: أن الموزون به مقارب للمدّ، وقد صرفوا منه الفعل فقالوا: رطلت الشيء بيدي أرطله رطلا إذا حركته لتعرف وزنه، ورطّل شعره ترطيلا إذا كسّره كأنه عاير شعره بشعر آخر يكون له التكسير خلقة.
انتهى.
قلت: يحتمل قول ابن دريد: أن الرطل ما يكال به ويوزن أن يكون الذي يكال به إناء يسع زنة رطل من الزيت. وورد في شعر ذي الرمة مثل ذلك في الأوقية وأنها إناء يكال به الزيت يصنع من الصفر حيث يقول يصف إبلا ضمّرها، ونقلته من «ديوان شعره» «٢» : [من الطويل]
فجئنا على خوص كأن عيونها ... صبابات زيت في أواقيّ من صفر
١٠- ذكر القنطار ،
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: في استعماله
: قال الله : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً (آل عمران: ٧٥) ، وقال الله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً (النساء: ٢٠) .
وذكر القاضي منذر بن سعيد البلوطي في كتابه «في شرح غريب القرآن ومعانيه وأحكامه واختلاف العلماء في حلاله وحرامه» : أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قام خطيبا فقال: أيها الناس لا تغالوا مهور النساء فلو كانت مكرمة في
стр. 599
الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ ، ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، لم تمنعنا حقا جعله الله لنا؟ والله يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً قال عمر: كلّ أحد أعلم من عمر. ثم قال لأصحابه: تسمعوني أقول مثل هذا فلا تنكرون حتى ترد عليّ امرأة ليست من أعلم النساء؟!.
المسألة الثانية: في مقداره
«١» : اختلف العلماء في ذلك اختلافا كبيرا: فقال الهروي في «الغريبين» : القنطار عند العرب المال الكثير، قال: وجاء في التفسير: ملء مسك ثور ذهبا. قلت:
ومسك الثور- مفتوح الميم ساكن السين- جلده؛ قاله الفارابي (١: ١٢٣) وقال القاضي في «المشارق» (٢: ١٨٦) أصله في لسان العرب «٢» : الجملة الكثيرة من المال، قيل: ولهذا سمّيت القنطرة لتكاثف بنائها بعضه على بعض، وقيل هو ثمانون ألفا وقيل ملء مسك ثور ذهبا، وقيل أربعون أوقية ذهبا، وقيل ألف ومائتا دينار. وفي «المحكم» : قال السدي: هو مائة رطل من ذهب أو فضة. وفي «تفسير ابن عطية» (٣: ٣٢) هو العقدة الكثيرة من المال.
واختلف الناس في تحرير حدّه كم هو: فروى أبي بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال: القنطار ألف ومائتا أوقية، وقال بذلك معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وعاصم بن أبي النجود وجماعة من العلماء وهو أصحّ الأقوال.
стр. 600
ا
لمسألة الثالثة: في ذكر فائدة لغوية:
قال الفارابي (٢: ٧٠) في باب فعلال وفنعال بكسر الفاء وسكون العين والنون:
القنطار: ملء مسك ثور ذهبا أو فضة. وذكره الجوهري في مادة القاف والطاء والراء فتكون نونه زائدة مثل الشّنعاف وهو رأس الجبل وأصله من الشّعفة بالتحريك وهو رأس الجبل. قال الجوهري (٤: ١٣٨١) : والجمع شعف وشعوف وشعاف وشعفات وهي رؤوس الجبال، وذكره ابن سيده في «المحكم» في الرباعي فتكون نونه عنده أصلية، وكذلك ذكره القاضي في «المشارق» (٢: ٢٢٦) .
الفصل الثالث في معرفة أسماء الأكيال المستعملة في عهد النبي ﷺ ومعرفة أقدارها وهي المد والصاع والفرق والعرق والوسق
١- ذكر المد ،
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: في استعماله:
ترجم البخاري رحمه الله تعالى في «صحيحه» (٨: ١٨١) باب صاع المدينة:
ومد النبي ﷺ وبركته وما توارثه أهل المدينة من ذلك قرنا بعد قرن، وخرّج فيه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: اللهم بارك لهم في مكيالهم وصاعهم ومدّهم.
فائدة:
في «المنتقى» (٧: ١٨٧) يحتمل أن يريد بالمكيال: الصاع والمد فذكرها أولا باللفظ العام ثم أكّد باللفظ الخاص، ويحتمل أن يريد به غير ذلك من المكاييل ما هو أعظم منها من الأوسق وغيرها، وما هو أصغر منهما: كنصف المدّ وغيره.
المسألة الثانية: في مقداره:
في «الإثبات» : قال أبو محمد ابن قتيبة: أما أهل الحجاز فلا اختلاف بينهم