المسألة الثانية: في قدره
، وفيه مذهبان:
المذهب الأول: تقديره بدراهم الكيل، وفيه قولان:
القول الأول: أنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهما كيلا «١» ، وفي «الإثبات» : قال أبو عبيد: صاع النبي ﷺ هو كما أعلمتك خمسة أرطال وثلث، والمدّ ربعه وذلك برطلنا الذي وزنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهما، وزن سبعة. وقال أبو محمد ابن أبي زيد: وزنته بالدراهم- يعني الرطل- مائة درهم وثمانية وعشرون درهما. قال أبو محمد ابن القطان: وهو مذهب جماهير العلماء.
قلت: قول أبي عبيد: برطلنا يعني الرطل العراقي؛ وقوله: وزن سبعة:
يعني كل عشرة دراهم منها وزن سبعة مثاقيل، وهي دراهم الكيل، حسبما تقدم ذكر ذلك.
والقول الثاني: أنه مائة وثلاثون درهما كيلا.
وفي «الاثبات» : قال أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي: الرطل في قول الجميع: نصف منا والمنا مائتا درهم كيلا وستون درهما «٢» . ذكر ذلك في «الاكتفاء في شرح الموطأ» .
والمذهب الثاني: تقديره بالأواقي وفيه ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه اثنتا عشرة أوقية، وزن الأوقية عشرة دراهم وثلثا درهم.
قال أبو العباس العزفي في «الإثبات» : الرطل في قول جميعهم هو العراقي البغدادي وهو اثنتا عشرة أوقية وهو الفلفلي. وقال أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان في مقالته في الأوزان والأكيال: الرطل العراقي ثنتا عشرة
стр. 597
أوقية، والأوقية هي زنة عشرة دراهم وثلثي درهم من دراهم الكيل، قال: فذلك من دراهم الكيل مائة درهم وثمانية وعشرون درهما.
والقول الثاني: أنه اثنتا عشرة أوقية وأربعة أخماس الأوقية، وزن الأوقية:
عشرة دراهم خاصة ويتخرّج هذا القول من قول الداودي الذي حكاه أبو العباس العزفي في «الإثبات» . قال رحمه الله تعالى: وحكي عن أبي جعفر المذكور يعني الداودي أنه سئل عن زنة مدّ النبي ﷺ فقال: سبع عشر أوقية وثلثا درهم، فإذا قسمت ذلك على رطل وثلث وهو وزن المدّ الذي حكى هو الإجماع عليه خرج لنا واجب الرطل اثنتا عشرة أوقية وأربعة أخماس الأوقية، فذلك مائة درهم وثمانية وعشرون درهما من دراهم الكيل.
والقول الثالث: أنه إحدى عشرة أوقية وثلث أوقية وثلثا ثلث أوقية، والأوقية وزن عشرة دراهم كيلا أيضا. قال أبو محمد ابن القطان وأبو العباس ابن البناء: وهذا قول الداودي، فذلك مائة درهم وخمسة عشر درهما وخمسة أسباع درهم.
قلت: وهذا القول الذي نسب للداودي هنا خلاف الذي حكاه العزفي في «الإثبات» وحكاية العزفي أصح.
المسألة الثالثة: في الراجح من هذه الأقوال المختلفة في مقدار الرطل:
قال أبو العباس ابن البناء في مقالته: رجح من ذلك أن الرطل ثمانية وعشرون درهما ومائة درهم كيلا، وعليه الجمهور فيعتمد عليه.
المسألة الرابعة: في ذكر فائدة لغوية:
في «الإثبات» : الرّطل اسم مذكر، ويقال بالفتح في الراء والكسر، وهو اسم لمقدار من الموزونات تقديره بالعرف لا بالوضع، وقد تقدم تفسير مقداره.
وهو أيضا اسم لما يعاير به الموزونات من حديد أو نحاس أو رصاص أو حجر، وقد يكون اسما لما يكال به مثل المدّ والصاع. وحكى ابن دريد: أن الرطل ما يكال به ويوزن وأنشد شاهدا على أنه يكال به: [من الوافر]
стр. 598
لها رطل تكيل الزيت منه ... وحمّار يسوق لها حمارا
«١» وإذا أردت اشتقاقه فأولى ما يقال فيه أن يكون من قولهم: رطل- بالفتح والكسر- للكبير الضعيف أي أن هذا من الموزونات ضعيف، أو من قولهم: غلام رطل بالفتح أي مقارب للاحتلام فيكون معناه: أن الموزون به مقارب للمدّ، وقد صرفوا منه الفعل فقالوا: رطلت الشيء بيدي أرطله رطلا إذا حركته لتعرف وزنه، ورطّل شعره ترطيلا إذا كسّره كأنه عاير شعره بشعر آخر يكون له التكسير خلقة.
انتهى.
قلت: يحتمل قول ابن دريد: أن الرطل ما يكال به ويوزن أن يكون الذي يكال به إناء يسع زنة رطل من الزيت. وورد في شعر ذي الرمة مثل ذلك في الأوقية وأنها إناء يكال به الزيت يصنع من الصفر حيث يقول يصف إبلا ضمّرها، ونقلته من «ديوان شعره» «٢» : [من الطويل]
فجئنا على خوص كأن عيونها ... صبابات زيت في أواقيّ من صفر
١٠- ذكر القنطار ،
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: في استعماله
: قال الله : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً (آل عمران: ٧٥) ، وقال الله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً (النساء: ٢٠) .
وذكر القاضي منذر بن سعيد البلوطي في كتابه «في شرح غريب القرآن ومعانيه وأحكامه واختلاف العلماء في حلاله وحرامه» : أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قام خطيبا فقال: أيها الناس لا تغالوا مهور النساء فلو كانت مكرمة في
стр. 599
الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ ، ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، لم تمنعنا حقا جعله الله لنا؟ والله يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً قال عمر: كلّ أحد أعلم من عمر. ثم قال لأصحابه: تسمعوني أقول مثل هذا فلا تنكرون حتى ترد عليّ امرأة ليست من أعلم النساء؟!.
المسألة الثانية: في مقداره
«١» : اختلف العلماء في ذلك اختلافا كبيرا: فقال الهروي في «الغريبين» : القنطار عند العرب المال الكثير، قال: وجاء في التفسير: ملء مسك ثور ذهبا. قلت:
ومسك الثور- مفتوح الميم ساكن السين- جلده؛ قاله الفارابي (١: ١٢٣) وقال القاضي في «المشارق» (٢: ١٨٦) أصله في لسان العرب «٢» : الجملة الكثيرة من المال، قيل: ولهذا سمّيت القنطرة لتكاثف بنائها بعضه على بعض، وقيل هو ثمانون ألفا وقيل ملء مسك ثور ذهبا، وقيل أربعون أوقية ذهبا، وقيل ألف ومائتا دينار. وفي «المحكم» : قال السدي: هو مائة رطل من ذهب أو فضة. وفي «تفسير ابن عطية» (٣: ٣٢) هو العقدة الكثيرة من المال.
واختلف الناس في تحرير حدّه كم هو: فروى أبي بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال: القنطار ألف ومائتا أوقية، وقال بذلك معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وعاصم بن أبي النجود وجماعة من العلماء وهو أصحّ الأقوال.
стр. 600
ا
لمسألة الثالثة: في ذكر فائدة لغوية:
قال الفارابي (٢: ٧٠) في باب فعلال وفنعال بكسر الفاء وسكون العين والنون:
القنطار: ملء مسك ثور ذهبا أو فضة. وذكره الجوهري في مادة القاف والطاء والراء فتكون نونه زائدة مثل الشّنعاف وهو رأس الجبل وأصله من الشّعفة بالتحريك وهو رأس الجبل. قال الجوهري (٤: ١٣٨١) : والجمع شعف وشعوف وشعاف وشعفات وهي رؤوس الجبال، وذكره ابن سيده في «المحكم» في الرباعي فتكون نونه عنده أصلية، وكذلك ذكره القاضي في «المشارق» (٢: ٢٢٦) .
الفصل الثالث في معرفة أسماء الأكيال المستعملة في عهد النبي ﷺ ومعرفة أقدارها وهي المد والصاع والفرق والعرق والوسق
١- ذكر المد ،
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: في استعماله:
ترجم البخاري رحمه الله تعالى في «صحيحه» (٨: ١٨١) باب صاع المدينة:
ومد النبي ﷺ وبركته وما توارثه أهل المدينة من ذلك قرنا بعد قرن، وخرّج فيه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: اللهم بارك لهم في مكيالهم وصاعهم ومدّهم.
فائدة:
في «المنتقى» (٧: ١٨٧) يحتمل أن يريد بالمكيال: الصاع والمد فذكرها أولا باللفظ العام ثم أكّد باللفظ الخاص، ويحتمل أن يريد به غير ذلك من المكاييل ما هو أعظم منها من الأوسق وغيرها، وما هو أصغر منهما: كنصف المدّ وغيره.
المسألة الثانية: في مقداره:
في «الإثبات» : قال أبو محمد ابن قتيبة: أما أهل الحجاز فلا اختلاف بينهم
стр. 601
فيما أعلمه: أن المدّ رطل وثلث «١» . قال أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي: أجمع أهل الحرمين على أن المدّ رطل وثلث، وذكر نحوا منه أبو عمر ابن عبد البر والقاضي أبو الوليد ابن رشد. وفي «المشارق» (١: ٣٧٥) قيل سمّي مدا لأنه ملء كفي الإنسان، إذا مدّهما، طعاما. وفي «الإثبات» أيضا: قال الفقيه أبو العباس:
جربنا هذا المدّ المعتمد بالحفنات والأكف المختلفات، فوجدنا الحفنة بالكفين العريضتين تزيد عليه، ووجدناها بالكفين الدقيقتين تنقص عنه، ووجدناها بالكفين المتوسطتين كفاء له، نفع الله بذلك. وقال أبو يحيى أبو بكر بن خلف الأنصاري شهر بالموّاق في «مقالته في المكاييل والموازين» : قال أبو حنيفة والنخعي ومن تابعهما: المد رطلان «٢» . انتهى.
وإلى ما أجمع عليه أهل الحرمين أنه رطل وثلث رجع أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة حين ناظر عليه مالكا بين يدي الرشيد. انتهى.
وسيرد خبر مناظرتهما مستوفى عند ذكر الصاع بعد هذا، إن شاء الله تعالى.
المسألة الثالثة: في ذكر فائدة لغوية:
في «الإثبات» المدّ: مذكر وجمعه أمداد، وقال بعضهم: مداد، وهو غير بعيد، يشهد له أن فعلا في المضاعف يغلب على فعال نحو عشّ وعشاش وقف وقفاف.
٢- ذكر الصاع ،
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: في استعماله:
روى مسلم (١: ٣٨٥) رحمه الله تعالى عن عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله ﷺ قال: إن إبراهيم ﵇ حرّم مكة ودعا لأهلها، وإني
стр. 602
حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة.
وروى مالك رحمه الله تعالى في «الموطأ» (١٩٢) عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنّ رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر على الناس من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير، على كلّ حرّ أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين.
المسألة الثانية: في قدره:
في «الإثبات» : قال أبو عبيد القاسم بن سلام (٦٣٣) : أما أهل الحجاز فلا اختلاف بينهم أعلمه أن الصاع خمسة أرطال وثلث، يعرفه عالمهم وجاهلهم، ويباع في أسواقهم، ويحمل علمه قرن بعد قرن.
وقال أبو محمد ابن أبي زيد: قال أهل الحرمين: صاع النبي ﷺ خمسة أرطال وثلث.
وقال الشافعي وأتباعه في آخرين من العلماء: صاع النبي ﷺ أربعة أمداد من مدّه ﷺ وفيه رطل وثلث، فالصاع خمسة أرطال وثلث.
قال الفقيه أبو العباس: وقد ذهب أهل العراق إلى أن مده ﵇ رطلان، وصاعه ثمانية أرطال، إذ قد اتفق أهل الحجاز وأهل العراق على أن مده ربع صاعه، وإن اختلفوا في مقداريهما. انتهى.
وقال أبو يحيى ابن الموّاق في «مقالته» : قال أبو حنيفة والنخعي ومن تابعهما:
الصاع ثمانية أرطال والمدّ رطلان. انتهى.
وفي «الإثبات» : قال أبو عبيد: وكان شريك بن عبد الله يقول ذلك.
قال الفقيه أبو العباس: وقد نقل الثقات الأثبات العلماء المحققون لما ينقلون كأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي الحسن علي بن خلف، وأبي جعفر أحمد بن
стр. 603
نصر الداودي، وأبي عمر ابن عبد البر، وأبي الوليد الباجي، وأبي محمد علي بن أحمد، وأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، وغيرهم مناظرة القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم إمام دار الهجرة مالك بن أنس حين حجّ مع الرشيد في الصاع والمد، فاستدعى مالك ﵀ أبناء المهاجرين والأنصار من أهل المدينة فجاءوا بمكاييل آبائهم التي توارثوها عن أجدادهم أصحاب رسول الله ﷺ المتداولة من عهد النبي ﷺ ، فاتفقت كلها، وكل من أتى بمدّ زعم أنه أخذه عن أبيه أوجده أو عن عمه، أو عن جاره، مع إشارة الجمهور إليه واتفاقهم عليه اتفاقا يوجب العلم ويقطع العذر، قال علي بن خلف: بعد أن كان أخرج له مالك رحمه الله تعالى صاعا وقال له: هذا صاع النبي ﷺ فقدره أبو يوسف: فوجده خمسة أرطال وثلثا، زاد أحمد بن نصر الداودي:
واجتمعت الأمداد كلّها على رطل وثلث، قالوا: فنزع أبو يوسف عن رأيه رأي أهل الكوفة في الصاع والمدّ ورجع إلى قول أهل المدينة لما تبيّن له الحق.
المسألة الثالثة: في ذكر فائدة لغوية
: في «المشارق» الصاع مكيال لأهل المدينة معلوم وفيه أربعة أمداد بمدّ النبي ﷺ ، ويقال له صاع وصوع وصواع، وجمعه: أصوع وصيعان.
وجاء آصع، والصواب ما تقدم. انتهى. «١»
قال الجوهري (٣: ١٢٤٧) : وإن شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة.
وفي «الإثبات» : الصاع يذكّر ويؤنث، فمن ذكر قال: أصواع، مثل باب وأبواب، ومن أنّث قال: أصوع، مثل دار وأدور.
٣- ذكر الفرق
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: في استعماله:
قال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٨٤) كان أبي بن خلف يلقى رسول الله صلّى
стр. 604
الله عليه وسلم بمكة فيقول: يا محمد إن عندي العود، فرسا أعلفها كلّ يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها، فيقول رسول الله ﷺ : بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى، وذكر كيف طعنه النبي ﷺ يوم أحد طعنة مات منها، وقد تقدم ذكر ذلك في باب السلاح من هذا الكتاب.
المسألة الثانية: في قدره:
في «المشارق» (٢: ١٥٥) : هو قدر ثلاثة أصوع. وفي كتاب الحج في الفدية:
تصدّق بفرق بين ستة مساكين. وفي الحديث الآخر أطعم ثلاثة آصع، وهو نحو ما تقدم لأن في كلّ صاع أربعة أمداد، والمد على مذهب الحجازيين رطل وثلث، فيأتي الفرق على هذا ستة عشر رطلا.
وفي «الإثبات» ذكر الحافظ أبو بكر البيهقي عن أبي داود سمعت أحمد بن حنبل يقول: الفرق ستة عشر رطلا، والصاع خمسة أرطال وثلث.
المسألة الثالثة فيها فائدتان لغويتان:
الأولى: العود: قال البكري في «المستوعب» : العود فرس لأبي بن خلف الجمحي وعليه كان إذ رماه رسول الله ﷺ بالحربة، فكانت منيته من تلك الضربة.
تنبيه:
ذكّر البكري العود هنا وأنثه ابن إسحاق حسبما تقدم في أول الفصل، والله أعلم بالصواب في ذلك.
الفائدة الثانية، في «المشارق» (٢: ١٥٥) : الفرق مكيال معروف بالمدينة وهو ستة عشر رطلا وقد يحرك، قال: [من الرمل]
يأخذون الأرش في إخوتهم ... فرق السّمن وشاة في الغنم
«١»
стр. 605
والجمع فرقان، وهذا الجمع قد يكون لهما جميعا مثل بطن وبطنان وحمل وحملان.
٤- ذكر العرق
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: في استعماله:
روى البخاري (٣: ٤٢) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن الآخر وقع على امرأته في رمضان، فقال: أتجد ما تحرر رقبة؟ قال: لا، قال: فتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: أفتجد ما تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا. فأتى النبي ﷺ بعرق فيه تمر وهو الزبيل، قال: أطعم هذا عنك. قال: أعلى أحوج منا؟ ما بين لا بتيها أهل بيت أحوج منا، قال: فأطعمه أهلك. وفي رواية أخرى:
وأتي «١» النبي ﷺ بعرق فيها تمر، والعرق المكتل.
المسألة الثانية: في قدره:
في «الموطأ» (٢٠١) قال يحيى، قال مالك، قال عطاء: فسألت سعيد بن المسيب كم في ذلك العرق من التمر؟ فقال ما بين الخمسة عشر صاعا إلى عشرين.
وفي «المشارق» (٢: ٧٦) في العرق وقد فسر في الحديث بالمكتل، وهو نحو منه.
وقال العزفي في «الإثبات» في المكتل فسروه بالقفة والزبيل، وهو نحو من العرق في مقداره.
المسألة الثالثة: في ذكر فوائد لغوية
، وهي ثلاث:
الفائدة الأولى: في «المنتقى» (٢: ٥٥) : العرق بفتح العين، وهو الزبيل المضفور، ويقال عرقة أيضا، قاله الأصمعي، وقال بعض رواة «الموطأ» العرق، وهو عندي وهم، وإنما العرق بإسكان الراء العظم الذي عليه لحم. وفي «المشارق» (٢: ٧٦) : العرق- بفتح العين والراء- هو الزّبيل، وضبطه بعضهم
стр. 606
بالسكون وصححه، والأشهر الفتح، جمع عرقة وهي الضفيرة التي تخاط منها القفة. وفي «الإثبات» : قال أبو محمد ابن السيّد: سمي بذلك لأنه يعمل عرقة عرقة ثم يضمّ بعضها إلى بعض.
الفائدة الثانية: المكتل بكسر الميم والجمع مكاتل وفي «المشارق» (١: ٣٣٥) وقيل هو الزّبيل وقيل القفة وكلاهما بمعنى.
الثالثة: في «المحكم» الزّبيل القفة والجمع زبل وزبلان. وفي «الصحاح» (٤: ١٧١٥) : الزبيل معروف فإذا كسرته شددت فقلت زبّيل وزنبيل لأنه ليس في الكلام فعليل بالفتح.
٥- ذكر الوسق
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: في استعماله:
روى مسلم (١: ٢٦٨) رحمه الله تعالى عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: ليس في حبّ ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة.
وروى مسلم (١: ٢٥٦) رحمه الله تعالى أيضا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أعطى رسول الله ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع فكان يعطي أزواجه كلّ سنة مائة وسق: ثمانين وسقا من تمر وعشرين وسقا من شعير.
المسألة الثانية: في قدره:
في «المنتقى» الوسق: ستون صاعا، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث. وفي «المشارق» (٢: ٢٩٥) : الوسق ستون صاعا بصاع النبي ﷺ ، وذلك ثلاثمائة رطل وعشرون رطلا عند الحجازيين وهو الصحيح.
المسألة الثالثة: في ذكر فائدة لغوية:
الفارابي (٣: ٢٠٧) : الوسق: بالفتح ستون صاعا وهو وقر بعير؛
стр. 607
الجوهري (٤: ١٥٦٦) : الوسق ستون صاعا. وقال الخليل: هو حمل البعير. ابن سيده (٦: ٣٢٦) الوسق والوسق: حمل بعير، وقيل ستون صاعا بصاع النبي ﷺ والجمع أوسق ووسوق؛ قال أبو ذؤيب «١» : [من الطويل]
عليه الوسوق برّها وشعيرها
ووسق البعير: وأوسقه: أوقره؛ القزاز: والجمع أوساق.
قلت: وقد جاء في شعر سلامة بن جندل «٢» : [من الكامل]
لا ينظرون إذا الكتيبة أحجمت ... نظر الجمال كرين بالأوساق
«٣» ومعنى: كرين: عدون، قال ابن طريف: كريت بفتح الكاف كريا إذا عدوت عدوا شديدا.
تنبيه:
قد تقدم الكلام على الوسق في باب الخرص وأعدته الآن للحاجة إليه هنا.
стр. 608
الباب السابع في صاحب السكة، ويقال أيضا صاحب دار الضرب
هذه عمالة لم تكن في عهد رسول الله ﷺ ، واختلف الناس في أول من ضرب الدرهم: فحكى أبو محمد حسن بن أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك المعروف بابن القطان رحمه الله تعالى في «مقالته التي أملاها في الأكيال والأوزان» سنة سبع وأربعين وستمائة في ذلك ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن أول من ضرب الدرهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وحكى الماوردي (١٥٣) : أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما رأى اختلاف الدراهم وأن منها البغلي، وهو ثمانية دوانق، ومنها الطبري، وهو أربعة دوانق، ومنها المغربي، وهو ثلاثة دوانق، ومنها اليمني وهو دانق، قال: أنظر الأغلب مما يتعامل الناس به من أعلاها وأدناها، فكان الدرهم البغلي والدرهم الطبري فجمع بينهما وكانا اثنتي عشرة فأخذ نصفهما، فكان ستة دوانق، قال ابن القطان: ففي هذا إشارة إلى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ضرب الدرهم لكنه لم يغيّر نقشه.
والقول الثاني: أن أول من ضربه مصعب بن الزبير عن أمر أخيه عبد الله بن الزبير سنة سبعين على ضرب الأكاسرة وعليها «بركة» من جانب و «الله» من جانب.
وقال الماوردي (١٥٤) : حكى يحيى بن النعمان الغفاري عن أبيه: أن أول من ضرب الدرهم مصعب بن الزبير عن أمر أخيه عبد الله بن الزبير سنة سبعين على
стр. 609
ضرب الأكاسرة وعليها «بركة» من جانب و «الله» من جانب. ثم غيرها الحجاج بعد سنة وكتب عليها «باسم الله» . «الحجاج» .
والقول الثالث: أن أول من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان، وأن الدراهم كانت سكتين إحداهما عليها نقش فارس وهي البغلية وهي السود، والدرهم منها من ثمانية دوانق، الثانية عليها نقش الروم، وهي العتق وهي أيضا الطبرية، والدرهم منها أربعة دوانق. فاجتمع علماء ذلك العصر على أن جمعوا بين درهم بغلي من ثمانية دوانق ودرهم طبريّ من أربعة دوانق فكانا اثني عشر دانقا.
فقسموها بنصفين وضربوا الدرهم من ستة دوانق.
قال أبو الزناد «١» : أمر عبد الملك الحجاج أن يضرب الدراهم بالعراق فضربها سنة أربع وسبعين؛ وقال المدائني: ضربها الحجاج في آخر سنة خمس وسبعين، ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين؛ وقيل إن الحجاج كتب عليها: «الله أحد» «الله الصمد» .
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «الغريبين» : في الحديث نهى عن كسر سكة المسلمين إلا من بأس. أراد بالسكة الدينار والدرهم المضروبين، سمّى كلّ واحد منهما سكّة لأنه طبع بالحديدة المعلّمة، ويقال لها السّكّ، وكل مسمار عند العرب سكّ. وفي «الديوان» (٣: ٩، ٣٨) في باب فعل بفتح الفاء وسكون العين: السّكّ: المسمار وقال: السّكة بكسر السين سكة الدراهم.
والثانية: يقال: هذا درهم ضرب الأمير أي مضروب الأمير، قال الجوهري (١: ١٦٨) : وصف بالمصدر كقولهم: ماء غور وسكب.
стр. 610
الباب الثامن في اتخاذ الإبل
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر إبله ﷺ «١»
ذكر ابن جماعة في «مختصر السير» له: أنه كان لرسول الله ﷺ من النعم الناقة التي هاجر عليها من مكة إلى مدينة، وتسمى بالعضباء، ولم يكن يحمله إذا نزل عليه الوحي غيرها، كما قال الحافظ محبّ الدين الطبري رحمه الله تعالى، اشتراها رسول الله ﷺ من أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بأربعمائة درهم، وهي القصواء والجدعاء، ولم يكن بها عضب ولا جدع، وإنما سميت بذلك، وقيل كان بأذنها شيء فسميت به، وكانت شهباء، وقيل هنّ ثلاث، وهي التي سبقت فشقّ على المسلمين فقال رسول الله ﷺ : إن حقا على الله ألا يرتفع شيء من هذه الدنيا إلا وضعه، وقيل المسبوق غيرها.
وعن قدامة بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجته يرمي على ناقة صهباء، والصهباء الشقراء. ووقف رسول الله ﷺ بعرفة في حجة الوداع على جمل أحمر، وكان له ﷺ جمل يقال له «الثعلب» بعث عليه ﷺ خراش بن أمية إلى قريش بمكة يوم
стр. 611
الحديبية ليبلغهم ما جاء له، فعقروا الجمل وأرادوا قتل خراش فمنعه الأحابيش، وغنم رسول الله ﷺ يوم بدر جملا مهريا لأبي جهل لعنه الله في أنفه برة من فضة أهداه رسول الله ﷺ يوم الحديبية ليغيظ بذلك المشركين، وكانت له عشرون لقحة بالغابة، والغابة على بريد من المدينة طريق الشام، يراح إليه ﷺ كل ليلة بقربتين من ألبانها، وكانت له لقحة تدعى بردة أهداها له الضحاك بن سفيان كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان، وكانت له خمس عشرة لقحة غزارا كان يرعاها يسار مولى النبي ﷺ بذي الجدر ناحية قباء قريبا من عير على ستة أميال من المدينة، واستاقها العرنيون وقتلوا يسارا وقطعوا يديه وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، وباقي قصتهم مشهور في الصحاح. وكانت له ﷺ بذي الجدر أيضا سبع لقائح، وكانت له لقحة أيضا تسمى الجعدة، ومعنى الجعد: السرعة، وكانت له لقحة اسمها مروة، وكانت له مهرية أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بني عقيل.
فوائد لغوية في ثماني مسائل:
المسألة الأولى: في «المشارق» (١: ١٧) النعم بفتح النون والعين: الإبل خاصة، وإذا قيل: الأنعام دخلت معها في ذلك البقر والغنم، وقيل هما لفظان بمعنى واحد على الجميع.
الثانية: في «المحكم» (١: ٢٥٦) العضباء: ناقة للنبي ﷺ اسم لها، وليس من العضب الذي هو الشقّ في الأذن. وفي «المقصور والممدود» لابن القوطية، العضباء اسم لناقة النبي ﷺ ، وناقة عضباء وجدعاء وقصواء مقطوعة الأذن، والذكر أعضب وأجدع ومقصو.
وفي «المشارق» (٢: ٩٥- ٩٦) قال الحربي في الحديث كانت للنبي ﷺ ناقة تسمى العضباء لا تسبق، وكذا رواه مالك في أكثر حديثه. ومن رواية مصعب عن مالك كانت القصواء وذكر مثله. وفي الحديث خطب النبي ﷺ على ناقته الجدعاء، ومثله في حديث الهجرة. وفي حديث آخر على
стр. 612
ناقة خرماء وفي آخر مخضرمة، قال الحربي: والعضب والجدع والخرم والقصو والخضرمة كله في الأذن، فقيل في الحديث الأول إنه اسمها، فإن كانت عضباء الأذن فقد جعل اسمها. قال القاضي رحمه الله تعالى: إذا كانت الأحاديث جاءت بذلك باختلاف هذه الصفات فيها لا سيما في وقوفه عليها في موطن واحد في حجة الوداع وفي حديث المسابقة، فدل أنها ناقة واحدة، كما قيل، اسمها العضباء وكانت معضوبة الأذن ومقصوته ومجدوعته، فوصفت مرة بعضباء، ومرة بقصواء، ومرة بجدعاء، ولا تبقى حجة لمن زعم أنها نوق للنبي ﷺ ، لكل واحدة منها اسم أو صفة بخلاف غيرها، على ما ذهب إليه بعضهم، إذ لم يكن ﷺ في خطبته في حجة الوداع إلا على واحدة. وقال الداودي:
إنما سميت بذلك لسبقها أي أن عندها أقصى السبق وغاية الجري. قلت: يعني تسميتها بالقصواء.
الثالثة: الجوهري (٢: ٨٢١) مهرة بن حيدان أبو قبيلة تنسب إليها الإبل المهرية والجمع المهاريّ وإن شئت خففت الياء فقلت: المهاري، قال رؤبة [من الرجز] «١»
لما تمطّت غول كلّ ميله ... بنا حراجيج المهارى النّفّه
«٢» وحكى فيه أبو حيان في «الارتشاف» فعالي بكسر اللام، وفعالى بفتحها، والفاء مفتوحة في اللغتين مهارى وبالفتح ضبطها أبو علي الغساني في كتابه بخطه.
الرابعة: في «المحكم» البرة: الحلقة من صفر أو غيره تجعل في لحم أنف البعير والجمع براة وبرى وبرين. وبروت الناقة وأبريتها جعلت في أنفها برة.
الخامسة: في «الغريبين» ناقة لقحة ولقحة وقد لقحت لقاحا ولقحا وهي التي نتجت حديثا. والجمع لقح ولقاح، وناقة لقوح إذا كانت غزيرة والجمع لقح.
стр. 613
السادسة: ذو الجدر: قال البكري (٣٧١) في باب الجيم والدال المهملة- بفتح أوله وإسكان ثانية- موضع بالمدينة وهي منازل بني ظفر، وقيل إنه يتصل بالغابة قال الشاعر: [من الطويل]
وهل أسمعن يوما بكاء حمامة ... يجاوبها قمريّ غابة ذي الجدر
السابعة: عير: قال البكري (٩٨٤) : بفتح العين المهملة والراء المهملة بينهما الياء أخت الواو- جبل بناحية المدينة.
الثامنة: في «الصحاح» (٦: ٢٤٩١) مريت الناقة مريا: إذا مسحت ضرعها لتدرّ، وأمرت الناقة: أي درّ لبنها، والمريّ على فعيل: الناقة الكثيرة اللبن، ويقال هي التي تدرّ على المسح.
الفصل الثاني في إبل الصدقة
روى مسلم (٢: ٢٥) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن ناسا من عرينة قدموا على رسول الله ﷺ المدينة فاجتووها، فقال لهم ﷺ : إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا فصحوا، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدّوا عن الإسلام وساقوا ذود رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك النبي ﷺ فبعث في أثرهم، فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسلم أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «المشارق» (١: ١٦٥) اجتووا المدينة أي استوبلوها واستوخموها وكذا جاء في الحديث مفسّرا في مسلم وهو صحيح، ومعناه كرهوها لمرض لحقهم
стр. 614
بها ونحوه، وفرّق بعضهم بين الاجتواء والاستوبال «١» فقال: الاجتواء: كراهة الموضع وإن وافق، والاستوبال كراهته إذا لم يوافق.
الثانية: في «المشارق» (٢: ٢٢٠) سمل أعينهم: قيل فقأها بالشوك، وقيل هو أن يؤتى بحديدة محماة وتقرّب من العين حتى يذهب نظرها وعلى هذا يتفق مع رواية من قاله: سمر بالراء إذ قد تكون هذه الحديدة مسمارا وكذلك أيضا [على الوجه الأول] «٢» فقد يكون فقؤها بالمسمار وسملها به كما يفعل ذلك بالشوك.
стр. 615
الباب التاسع في اتخاذ الغنم
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في غنم رسول الله ﷺ «١»
في «مختصر السير» لابن جماعة رحمه الله تعالى: وكانت لرسول الله ﷺ شاة تدعى غوثة، وقيل غيثة «٢» ، وشاة تسمّى قمر، وعنز تسمى اليمن.
وعن ابن عباس كانت لرسول الله ﷺ سبع أعنز ترعاهن أم أيمن، وفي «كامل التاريخ» (٢: ٣١٥) كان له ﷺ سبع من الغنم:
عجوة وزمزم وسقيا وبركة وورسة وأطلال وأطراف، وسبع أعنز ترعاهن أم أيمن «٣» . انتهى.
وروى أبو داود (١: ٣١) رحمه الله تعالى عن لقيط بن صبرة قال: كنت وافد بني المنتفق، أو في وفد بني المنتفق، إلى رسول الله ﷺ ، فلم نصادفه في منزله وصادفنا عائشة أم المؤمنين، قال: فأمرت لنا بخزيرة فصنعت لنا. قال: وأتينا «٤» بقناع ولم يقل «٥» قتيبة القناع- والقناع طبق فيه تمر- ثم جاء
стр. 616
رسول الله ﷺ فقال: هل أصبتم شيئا أو أمر لكم بشيء؟ قال فقلنا: نعم يا رسول الله. قال: فبينما نحن مع رسول الله ﷺ جلوس إذ دفع «١» الراعي غنمه إلى المراح ومعه سخلة تيعر فقال: ما ولدت يا فلان؟ قال:
بهمة، قال: فاذبح لنا مكانها شاة، ثم قال: لا تحسبنّ، ولم يقل لا تحسبنّ، أنا من أجلك ذبحناها، لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة «٢» . انتهى.
فوائد لغوية في ثماني مسائل:
الأولى: في «ديوان الأدب» (٣: ٢٩٩) الغيث: المطر، ابن القوطية: غاث الله عباده غيثا: سقاهم المطر، وأغاثهم: أجاب دعاءهم. ابن سيده: أغاثه وغاثه غوثا وغياثا والأول أعلى. قلت: وسمت العرب غوثا وغيثا.
الثانية: الجوهري (٦: ٢٤١٩) عجت الأم ولدها تعجوه عجوا إذا سقته اللبن.
الثالثة: تسمية الشاة زمزم وسقيا لغزر لبنها، وتسميتها بركة كذلك وفي «الصحاح» (٤: ١٥٧٥) البركة النماء والزيادة.
الرابعة: في «الصحاح» (٢: ٩٨٥) الورس نبت أصفر، وورست الثوب توريسا صبغته بالورس. قلت: فيحتمل أن تسمى به الشاة للونها.
الخامسة: لا أعرف لتسمية الشاة أطلال أصلا، وقد سمت العرب الفرس والبغلة والناقة كذلك.
قال البكري في «المستوعب» أطلال فرس بكير بن عبد الله بن الشّداخ الليثي قال الشماخ «٣» : [من الطويل]
стр. 617
لقد غاب عن خيل بموقان أحجمت ... بكير بن عبد الله فارس أطلال»
قال: وكانت بغلة زياد بن أبي سفيان تسمى أطلال، قال الراجز: [من الرجز]
كأن أطلال بجنبي خرّمه ... نعامة في رعلة مقدّمه
تهوي بفياض رفيع الحكمه ... قرن إذا زاحم قرنا زحمه
وأطلال أيضا اسم ناقة ذي الرمة، وقد ذكرها في شعره فقال «٢» :
[من الطويل]
وهاجرة قنّعت رأسي بحرّها «٣» ... يكاد الحصى من حميها يتصدّع
نصبت لها وجهي وأطلال بعدما ... أزى الظلّ واكتنّ اللّياح المولّع
«٤» السادسة: في «المحكم» الطّوف: قرب تنفخ ويشدّ بعضها على بعض كهيئة سطح فوق الماء يحمل عليها الميرة والناس، والجمع أطواف. قلت: فيحتمل أن تسمى الشاة بذلك لعظم ضرعها.
السابعة: في «الصحاح» (١: ٣٦٨) أراح إبله أي ردها إلى المراح، وكذلكم الترويح، ولا يكون [ذلك] إلا بعد الزوال.
الثامنة: في «الغريب المصنف» أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعة تضعه أمه من الضأن والمعز جميعا ذكرا كان أو أنثى سخلة، وجمعها سخال، ثم هي البهمة للذكر والأنثى وجمعها بهم.
стр. 618
الفصل الثاني في ذكر غنم الصدقة
روى أبو داود (١: ٨٠) رحمه الله تعالى قال، حدثنا عمرو بن عون ومسدد بسنديهما عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: اجتمعت غنيمة عند رسول الله ﷺ ، قال مسدد: غنيمة من الصدقة، قال: يا أبا ذر ابد بها، فبدوت إلى الرّبذة. وذكر الحديث بكماله في باب الجنب يتيمّم. انتهى.
فائدة لغوية:
في «الصحاح» (٦: ٢٢٧٨) بدا القوم بدوا: خرجوا إلى باديتهم، والبدو: البادية والنسبة إليها «١» بدوي، والبداوة الإقامة بالبادية، تفتح وتكسر، وهي خلاف الحضارة والنسبة إليها بداوي.
الفصل الثالث في ذكر أبي ذر رضي الله تعالى عنه وذكر نبذ من أخباره
في «الاستيعاب» (٢٥٢، ١٦٥٢) : جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري، ويقال أبو الذر، والأول أكثر وأشهر، واختلف في اسمه اختلافا كثيرا والمشهور الأكثر الأصح «٢» : جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن صعير بن حرام بن غفار. وكان من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، قديم الإسلام، يقال أسلم بعد ثلاثة، ويقال بعد أربعة، ثم رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق، ثم قدم على النبي ﷺ فصحبه إلى أن مات، ثم خرج بعد وفاة أبي بكر إلى الشام فلم يزل بها حتى ولي عثمان، ثم استقدمه عثمان لشكوى معاوية به وأسكنه الربذة، وكانت وفاته بالربذة سنة ثنتين وثلاثين، وصلّى عليه ابن مسعود، صادفه وهو مقبل من الكوفة مع نفر فضلاء من أصحابه، وقيل توفى سنة أربع وعشرين، والأول أصح.
стр. 619
وروى أبو عمر (٢٥٦، ١٦٥٥) رحمه الله تعالى بسنده عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: ما أظلت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر.
وقال رسول الله ﷺ : أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم، وبعضهم يرويه: من سرّه أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر.
وقال علي رضي الله تعالى عنهما: وعى أبو ذر علما عجز الناس عنه ثم أوكى عليه فلم يخرج منه شيئا.
وقال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحرك طائر جناحيه إلا ذكرنا منه علما. انتهى.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: في «المشارق» (١: ٣٠٥) الربذة- بفتح الراء والباء والذال المعجمة- موضع خارج المدينة بينها وبين المدينة ثلاث مراحل، وهي قريب من ذات عرق. وفي «المعجم» (٦٣٣، ٦٣٦) هي التي جعلها عمر رضي الله تعالى عنه حمّى لإبل الصدقة وبها مات أبو ذر رضي الله تعالى عنه.
الثانية: في «الصحاح» (١: ٣٣٩) اللهجة اللسان، وقد يحرك فيقال فصيح اللهجة واللهجة.
الثالثة: في «الصحاح» (٦: ٢٥٢٨) الوكاء: الذي يشدّ به رأس القربة، يقال أوكى على ما في سقائه إذا شدّه بالوكاء.
стр. 620
الباب العاشر في الوسام
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في ذكر وسم الإبل
ترجم البخاري رحمه الله تعالى في «صحيحه» (٢: ١٦٠) «١» باب «وسم الإمام إبل الصدقة بيده» وخرّج فيه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: غدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنّكه، فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة. انتهى.
وروى مسلم (٢: ١٦٤) رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
لما ولدت أم سليم قالت لي: يا أنس انظر هذا الغلام فلا يصيبنّ شيئا حتى تغدو به إلى رسول الله ﷺ يحنكه، فغدوت فإذا هو في الحائط، وعليه خميصة جونية وهو يسم الظهر الذي قدم عليه في الفتح. انتهى.
الفصل الثاني في ذكر وسم الغنم
روى مسلم (٢: ١٦٤) رحمه الله تعالى عن هشام بن زيد قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يحدث أن أمه حين ولدت انطلقت بالصبيّ إلى النبي ﷺ يحنكه، قال: فإذا النبي ﷺ في مربد يسم غنما، قال شعبة: وأكثر علمي أنه قال في آذانها. انتهى.
стр. 621
الفصل الثالث في ذكر وسم الدواب
روى مسلم (٢: ١٦٤) رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه.
وروى مسلم (٢: ١٦٤) رحمه الله تعالى أيضا عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ مرّ عليه حمار قد وسم في وجهه، فقال: لعن الله الذي وسمه.
وروى مسلم (٢: ١٦٤) رحمه الله تعالى أيضا أن ناعما أبا عبد الله مولى أم سلمة رضي الله تعالى عنها حدّث أنه سمع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: ورأى رسول الله ﷺ حمارا موسوم الوجه فأنكر ذلك. قال:
فو الله لا أسمه إلا في أقصى شيء من الوجه، فأمر بحمار له فكوي في جاعرتيه فهو أول من كوى الجاعرتين. انتهى.
فوائد لغوية في ست مسائل:
الأولى: في «الصحاح» (٥: ٢٠٥١) وسمه وسما وسمة إذا أثر فيه بسمة وكيّ، والهاء عوض من الواو، والميسم المكواة، وأصل الياء واو فإن شئت قلت في جمعه مياسم على اللفظ وإن شئت مواسم على الأصل.
الثانية: في «الصحاح» (٤: ١٥٨١) حنكت الصبيّ وحنّكته: إذا مضغت تمرا أو غيره ثم دلكته بحنكه، والصبي محنوك أو محنّك.
الثالثة: الخميصة: في «المشارق» (١: ٢٤٠) ، قال الأصمعي: هي كساء من صوف أو خزّ معلمة، وقال غيره «١» : كساء مربّع له علمان. وقال الجوهري «٢» (١٠٣٨) كساء رقيق أصفر أو أحمر أو أسود، وفي الحديث ما يفسر قول الأصمعي قوله خميصة لها أعلام.
стр. 622
الرابعة: قوله جونية: حكى القاضي ﵀ في «المشارق» (١: ١٦٦) و «الإكمال» في ضبطها ثمانية أوجه نقلت منها هنا ثلاثة لظهور معانيها. وتركت خمسة ومن أحبّ الوقوف عليها ينظرها هنالك.
الوجه الأول: جونية بفتح الجيم كأنها منسوبة إلى بني الجون من الأزد وإليهم ينسب الجونيون؛ كذا لابن الحذاء منسوبة إلى بني الجون أو إلى لونها من السواد أو البياض أو الحمرة، والعرب تسمي كلّ واحد من هذه الألوان جونا.
الوجه الثاني: حريثية- بضمّ الحاء المهملة بعدها راء- قيل هي منسوبة إلى حريث رجل من قضاعة، آخره ثاء مثلثة.
الوجه الثالث: في رواية العذري «١» حوتنيّة- بفتح الحاء المهملة وواو ساكنة بعدها ثم تاء باثنتين فوقها مفتوحة ثم بعدها نون مكسورة ثم ياء مشددة- قيل:
معناها مكفوفة الهدب. انتهى.
الخامسة: في «المحكم» المربد: محبس الإبل، ومربد التمر: جرينه الذي يوضع فيه بعد الجداد لييبس.
السادسة: في «الصحاح» (٢: ٦١٥) الجاعرتان: موضع الرقمتين من است الحمار. قال الأصمعي: وهما حرفا الوركين المشرفان على الفخذين؛ قال كعب بن زهير يصف الحمار والأتن «٢» : [من المتقارب]
إذا ما انتحاهنّ شؤبوبه ... رأيت لجاعرتيه غضونا
«٣»
стр. 623
الباب الحادي عشر في الحمى يحميه الإمام
وفيه فصلان
الفصل الأول في حمى النبي ﷺ
روى البخاري (٣: ١٤٨) رحمه الله تعالى عن ابن عباس عن الصعب بن جثّامة رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ قال: لا حمى إلا لله ولرسوله، وقال: بلغنا أن النبي ﷺ حمى النقيع، وأن عمر رضي الله تعالى عنه حمى السّرف والرّبذة. انتهى.
وروى أبو داود (٢: ١٦٠) عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة: أن رسول الله ﷺ قال: لا حمى إلا الله ولرسوله. قال ابن شهاب: وبلغني أن رسول الله ﷺ حمى النقيع «١» . انتهى.
وروى أبو داود (٢: ١٦٠) أيضا عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أن رسول الله ﷺ حمى النقيع وقال: لا حمى إلا الله . انتهى.
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في «كتاب الأموال» (٣٧٦) عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: حمى رسول الله ﷺ النقيع لخيل المسلمين. انتهى.
стр. 624
فائدتان لغويتان:
الأولى: الجوهري (٦: ٢٣١٩) أحميت المكان: جعلته حمى، وهذا شيء حمى، على فعل، أي محظور لا يقرب، وفي الحديث: لا حمى إلا لله ولرسوله.
وسمع الكسائي في تثنية الحمى: حموان، قال: والوجه حميان.
وفي «المشارق» (١: ٢٠١) الحمى بكسر الحاء مقصور: المكان الممنوع من الرعي، تقول حميت الحمى، فإذا امتنع منه قلت: أحميته.
الثانية: في «المشارق» (١: ١١٥) أما الحمى الذي حماه النبي ﷺ ثم عمر بعده وهو الذي يضاف إليه في الحديث غور «١» البقيع «٢» وحمى البقيع وهو على عشرين فرسخا من المدينة، وهو صدر وادي العقيق، وهو أخصب واد هنالك، وهو ميل في بريد «٣» ، وفيه شجر ويستجم حتى يغيب فيه الراكب، فاختلف الرواة وأهل المعرفة في ضبطه، وبالنون قيّده النسفي وأبو ذر والقابسي والهروي والخطّابيّ وغير واحد «٤» ، وبالباء سمع من أبي بحر. وكذا روي عن ابن ماهان. قال الخطابي: وقد صحفه أصحاب الحديث فيروونه بالباء وإنما الذي بالباء بقيع المدينة موضع قبورها، وأما أبو عبيد البكري «٥» فقال: إنما هذا بالباء مثل بقيع الغرقد، قال: ومتى ذكر البقيع بالباء دون إضافة فهو هذا. قال القاضي أبو الفضل:
والأشهر في هذا النون، والنقيع كلّ موضع يستنقع فيه الماء وبه سمي هذا. انتهى، نقلته مختصرا.
стр. 625
الفصل الثاني في حمى عمر
رضي الله تعالى عنه قد تقدم في الفصل الذي قبل هذا في الحديث الذي خرّجه البخاري رحمه الله تعالى أن عمر رضي الله تعالى عنه حمى السّرف والرّبذة. وذكر البكري (٣: ٨٦٠) حمى ضريّة وقال: إن عمر رضي الله تعالى عنه حماه وأنه أول من أحماه.
وفي «الموطأ» (٧٠٧- ٧٠٨) «١» عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر رضي الله تعالى عنه استعمل مولى له يدعى هنيّا على الحمى، فقال: يا هنيّ اضمم جناحك عن الناس، واتّق دعوة المظلوم، فإنّ دعوة المظلوم مجابة، وأدخل ربّ الصّريمة والغنيمة، وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى المدينة، إلى زرع ونخل، وإنّ ربّ الصّريمة والغنيمة إن تهلك ماشيته يأتيني ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين. أفتاركهم أنا لا أبالك، فالماء والكلأ أيسر عليّ من الذهب والورق. وايم الله إنّهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم ومياههم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام. والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا. انتهى.
وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في «كتاب الأموال» (٣٧٦) عن زيد بن أسلم عن أبيه نحوه، وزاد أبو عبيد: قال مالك: بلغني أنه كان يحمل في كل عام على أربعين ألفا من الظهر. انتهى.
فوائد لغوية في ست مسائل:
الأولى: في «المشارق» (٢: ٢٣٣) في البخاري أن عمر رضي الله تعالى عنه حمى السّرف والرّبذة بسين مهملة وراء مكسورة. وفي «موطأ» ابن وهب: الشّرف- بالشين المعجمة وفتح الراء- وكذا رواه بعض رواة البخاري أو أصلحه،
стр. 626
وهو الصواب. وقال البكري: الشرف- بفتح الشين المعجمة والراء وبعده فاء «١» - وينبئك أن الشرف من الحمى ما روى الحربي وذكر بسنده عن سعيد: ما أحب أن أنفخ «٢» في الصلاة وأن لي حمر الشرف، والشرف: موضع وهو هذا المذكور؛ وخصّه لجودة نعمه.
الثانية: ذكر البكري (٨٦٠) حمى ضريّة وقال: أوّل من حمى هذا الحمى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لإبل الصدقة وظهر الغزاة، وهو أكبر الأحماء، وهو من ضريّة إلى المدينة وكان حماه ستة أميال من كل ناحية من نواحي ضريّة، وضريّة في أوسط الحمى، وهو بضاد معجمة مفتوحة وراء مهملة مكسورة والياء أخت الواو مشددة.
الثالثة: قد تقدم ذكر الربذة وقال البكري عند ذكر حمى ضريّة: وحمى الربذة غليظ الموطىء كثير الخلّة. وقال الأصمعي، قال جعفر بن سليمان: إذا عقد البعير شحما بالرّبذة سوفر عليه سفرتان لا تنقصان شحمه.
الرابعة: في «الغريب المصنف» : الصّرمة من الإبل ما بين العشرة إلى الأربعين.
الخامسة: في «الصحاح» (١: ٦٩) الكلأ: العشب وسواء رطبه ويابسه، وفي «أدب الكاتب» (١٠١) «٣» الكلأ هو الرّطب، والحشيش: هو اليابس، ولا يقال له رطبا حشيش.
السادسة: في «فقه اللغة» (٦٣) الشّبر ما بين طرف الخنصر إلى طرف الإبهام، والفتر ما بين طرف الإبهام وطرف السبّابة.
стр. 627
الجزء الثامن في سائر العمالات
وفيه عشرة ابواب
стр. 628
الباب الأول في ذكر المنفق «١»
في «مختصر السير» لابن جماعة رحمه الله تعالى: كان بلال المؤذن على نفقات النبيّ ﷺ . انتهى.
وروى أبو داود (٢: ١٥٢- ١٥٣) عن عبد الله الهوزني رحمهما الله تعالى قال:
لقيت بلالا مؤذن رسول الله ﷺ بحلب، فقلت: يا بلال: حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ ؟ قال: ما كان له شيء، كنت أنا الذي «٢» ألي ذلك منه مذ بعثه الله حتى توفّي، وكان ﷺ إذا أتاه الإنسان مسلما فرآه عاريا يأمرني فأنطلق فاستقرض فأشتري له البردة فأكسوه وأطعمه وساق الحديث.
وروى البخاري (٣: ١٣٣) رحمه الله تعالى عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: جاء بلال إلى النبيّ ﷺ بتمر برني «٣» فقال له النبي ﷺ : من أين هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع «٤» لنطعم النبيّ ﷺ ، فقال النبي ﷺ عند ذلك: أوّه أوّه عين الرّبا عين الربا لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع «٥» آخر ثم اشتر به. انتهى.
وروى ابن المنذر في «الإشراف» في كتاب النفقات بسنده عن مسروق عن
стр. 629
عبد الله عن النبي ﷺ قال: انفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا. انتهى.
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: في «المحكم» (٦: ٢٧٥) أنفق المال: صرفه، والنفقة: ما أنفق وجمعها نفاق ونفقات. حكى اللحياني نفدت نفاق القوم ونفقاتهم. وفي «الصحاح» (٤: ١٥٦) : رجل منفاق كثير النفقة.
الثانية: الجوهري (٣: ١١٠٢) القرض: ما تعطيه من المال لتقضاه، والقرض بالكسر لغة فيه حكاها الكسائي، واستقرضت من فلان: أي طلبت منه القرض فأقرضني، واقترضت منه أي أخذت منه القرض.
الثالثة: في «المشارق» (١: ٨٥) البرني- بفتح الباء وسكون الراء وآخره نون- ضرب من التمر قيل أصله نسب إلى قرية باليمامة. وفي «المعجم» (٢٤٦) برن- بفتح الباء وإسكان الراء وبالنون- قرية البحرين إليها ينسب التمر البرني.
الرابعة: في «المشارق» (١: ٥٢) قوله ﷺ : أوّه عين الربا، رويناه بالقصر وتشديد الواو وسكون الهاء وقيل بمد الهمزة. قالوا: ولا موضع لمدّها إلا لبعد الصوت. وفي «الصحاح» (٦: ٢٢٥) قولهم عند الشكاية أوه من كذا ساكنة الواو وإنما هو توجع، قال الشاعر «١» : [من الطويل]
فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها ... ومن بعد أرض بيننا وسماء
وربما قلبوا الواو ألفا فقالوا: آه من كذا، وربما شددوا الواو وكسروها وسكّنوا الهاء فقالوا: أوّه من كذا وربما حذفوا مع التشديد فقالوا: أوّ من كذا بلا مد، وبعضهم يقول: آوّه بالمد والتشديد وفتح الواو ساكنة الهاء لتطويل الصوت بالشكاية، وربما أدخلوا فيه التاء فقالوا أوّتاه يمد ولا يمد، وقد أوّه الرجل تأويها، وتأوه تأوها إذا قال أوه والاسم الآهة بالمد، قال المثقّب العبدي «٢» : [من الوافر]
إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوّه آهة الرجل الحزين
стр. 630
الباب الثاني في الوكيل يوكله الإمام في الامور المالية
روى أبو داود (٢: ٢٨٢) رحمه الله تعالى عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله ﷺ فسلمت عليه وقلت له: إني أريد الخروج إلى خيبر فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته.
وقال ابن فتحون في كتاب «الذيل» له «١» : مروان بن الجذع بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم الأنصاري، قال: أسلم وهو شيخ كبير وأسلم ابنه مرداس وشهد الحديبية وكان أمين رسول الله ﷺ على سهمان خيبر، قاله الكلبي.
وفي «جماهر» ابن حزم (٣٥٨- ٣٥٩) : مروان بن الجذع بن زيد بن الحارث بن حرام بن كعب بن غنم، أسلم وهو شيخ كبير وابنه مرداس بن مروان شهد الحديبية، وكان أمين رسول الله ﷺ على سهمان خيبر، فزاد في نسبه الحارث بين زيد وابن حرام.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: في «الصحاح» (٦: ٢٢٧٥) الآية: العلامة والجمع آي وآياء وآيات وأنشد أبو زيد «٢» : [من الرجز]
لم يبق هذا الدهر من آيائه ... غير أثافيه وأرمدائه
стр. 631
الثانية: في «خلق الإنسان» للأصمعي: وفي الصدر الترّقوتان وهما: العظمان المشرفان في أعلى الصدر. وفي «خلق الإنسان» لقطرب: وبعض عكل يقول:
الترقؤة فيهمز. وفي «المخصص» (٢: ٢٠) السيرافي «١» : هي من رقي يرقى.
الثالثة: في «الصحاح» (٥: ١٩٥٦) السهم: النصيب، والجمع: السهمان.
قلت: ويجمع أيضا على أسهم وسهام.
تنبيه:
قد تقدم معنى الوكالة وتصريف الفعل منها في الجزء الرابع من هذا الكتاب»
فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
стр. 632
الباب الثالث في الرجل يبعثه الإمام بالمال لينفذ فيما يأمره به من وجوه مصارف المال في غير الحضرة
في «السيرة» (٢/ ٤٢٨- ٤٣٠) لابن إسحاق عن أبي جعفر قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا ولم يبعثه مقاتلا، ومعه قبائل من العرب: سليم بن منصور ومدلج بن مرة، فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا. قال: فلما وضعوا أمر بهم خالد فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ رفع يديه إلى السماء ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد. ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال: يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج عليّ رضي الله تعالى عنه حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله ﷺ ، فودى لهم الدماء «١» ، وما أصيب لهم من الأموال، حتى أنه ليدي لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال فقال لهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حين فرغ منهم: هل بقي لكم دم أو مال لم يؤدّ لكم؟ قالوا: لا، قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال «٢» احتياطا لرسول الله
стр. 633
صلى الله عليه وسلم مما لا نعلم ولا تعلمون، ففعل، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر فقال: أحسنت وأصبت. انتهى.
وروى أبو داود (٢: ٥٦٤) رحمه الله تعالى بسنده عن عبد الله بن عمرو بن الفغواء الخزاعي عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: دعاني رسول الله ﷺ وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح، فقال التمس صاحبا فجاءني عمرو بن أمية الضّمري فقال لي: بلغني أنك تريد الخروج وتلتمس صاحبا، قال فقلت: أجل، قال: فأنا لك صاحب، فجئت رسول الله ﷺ فقلت: قد وجدت صاحبا، قال: فقال: من؟ قلت عمرو بن أمية الضّمري، قال: إذا هبطت بلاد قومه فاحذره، فإنه قد قال القائل: «أخوك البكريّ ولا تأمنه» فخرجت، حتى إذا كنت بالأبواء قال: إني أريد حاجة إلى قومي بودّان، فتلبّث لي، قلت: راشدا، فلما ولّى ذكرت قول رسول الله ﷺ ، فشددت على بعيري حتى خرجت أوضعه، حتى إذا كنت بالأصافر، إذا هو يعارضني في رهط، قال: وأوضعت فسبقته، فلما رآني قد فتّه انصرفوا، وجاءني فقال: كانت لي إلى قومي حاجة، قال، قلت: أجل، ومضينا حتى قدمنا مكة فدفعت المال إلى أبي سفيان. انتهى.
تنبيه:
ذكر أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١١٩٧) : عمرو بن الفغواء فقال:
عمرو بن الفغواء بن عبيد بن عمرو بن مازن الخزاعي أخو علقمة بن الفغواء، وذكر حديث حمله المال إلى أبي سفيان بنحو مما ذكره أبو داود إلى قوله: أخوك البكري ولا تأمنه، ولم يذكر تكملة الحديث. انتهى.
فوائد لغوية في خمس مسائل:
الأولى: في «الصحاح» (٦: ٢٥٢١) الدية واحدة الديات والهاء عوض من الواو
стр. 634
تقول: وديت القتل أديه دية «١» : إذا أعطيت ديته، واتّديت أي أخذت ديته، وإذا أمرت قلت: د فلانا، وللاثنين: ديا، وللجماعة دوا فلانا.
الثانية: في «الأفعال» لابن طريف: ولغ الكلب والسّبع ولغا. وفي «الصحاح» (٤: ١٣٢٩) : يلغ ولوغا أي شرب بأطراف لسانه، ويولغ إذا أولغه صاحبه، والميلغ: الإناء الذي يلغ فيه في الدم.
الثالثة: في «الصحاح» (٣: ١١٢١) حاطه يحوطه حوطا وحيطة وحياطة أي كلأه، ومع فلان حيطة لك ولا تقل عليك، أي تحنن وتعطف، واحتاط الرجل لنفسه أي أخذ بالثقة.
الرابعة: الأبواء والأصافر: موضعان في طريق المارّ من المدينة إلى مكة، وودان موضع قريب من العقيق ذكرها البكري (١٠٢، ١٦٢، ١٣٧٤) .
الخامسة: في «الصحاح» (٣: ١٣٠٠) وضع البعير وغيره أي أسرع في سيره، وأوضعه راكبه.
стр. 635
الباب الرابع في إنزال الوفد
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول في اتخاذ الدار لنزول الوفد
في زمن رسول الله ﷺ ذكر أبو الربيع ابن سالم في كتاب «الاكتفاء» عن الواقدي رحمه الله تعالى أن حبيب بن عمرو السلاماني «١» رضي الله تعالى عنه كان يحدث قال: قدمنا وفد سلامان «٢» على رسول الله ﷺ ونحن سبعة نفر، فانتهينا إلى باب المسجد فصادفنا رسول الله ﷺ خارجا منه إلى جنازة دعي إليها، فلما رأيناه قلنا يا رسول الله: السلام عليك، فقال رسول الله ﷺ : وعليكم السلام من أنتم؟ قلنا: قوم من سلامان قدمنا عليك لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا، فالتفت إلى ثوبان غلامه فقال: أنزل هؤلاء حيث ينزل الوفد، فخرج بنا ثوبان حتى انتهى بنا إلى دار «٣» واسعة فيها نخل وفيها وفود من العرب، وإذا هي دار رملة بنت الحارث النجارية، وساق الحديث.
تنبيه:
رملة بنت الحارث هذه لم يذكرها أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» .