الثانية: في «خلق الإنسان» للأصمعي: وفي الصدر الترّقوتان وهما: العظمان المشرفان في أعلى الصدر. وفي «خلق الإنسان» لقطرب: وبعض عكل يقول:
الترقؤة فيهمز. وفي «المخصص» (٢: ٢٠) السيرافي «١» : هي من رقي يرقى.
الثالثة: في «الصحاح» (٥: ١٩٥٦) السهم: النصيب، والجمع: السهمان.
قلت: ويجمع أيضا على أسهم وسهام.
تنبيه:
قد تقدم معنى الوكالة وتصريف الفعل منها في الجزء الرابع من هذا الكتاب»
فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
стр. 632
الباب الثالث في الرجل يبعثه الإمام بالمال لينفذ فيما يأمره به من وجوه مصارف المال في غير الحضرة
في «السيرة» (٢/ ٤٢٨- ٤٣٠) لابن إسحاق عن أبي جعفر قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا ولم يبعثه مقاتلا، ومعه قبائل من العرب: سليم بن منصور ومدلج بن مرة، فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا. قال: فلما وضعوا أمر بهم خالد فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ رفع يديه إلى السماء ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد. ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال: يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج عليّ رضي الله تعالى عنه حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله ﷺ ، فودى لهم الدماء «١» ، وما أصيب لهم من الأموال، حتى أنه ليدي لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال فقال لهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حين فرغ منهم: هل بقي لكم دم أو مال لم يؤدّ لكم؟ قالوا: لا، قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال «٢» احتياطا لرسول الله
стр. 633
صلى الله عليه وسلم مما لا نعلم ولا تعلمون، ففعل، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر فقال: أحسنت وأصبت. انتهى.
وروى أبو داود (٢: ٥٦٤) رحمه الله تعالى بسنده عن عبد الله بن عمرو بن الفغواء الخزاعي عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: دعاني رسول الله ﷺ وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح، فقال التمس صاحبا فجاءني عمرو بن أمية الضّمري فقال لي: بلغني أنك تريد الخروج وتلتمس صاحبا، قال فقلت: أجل، قال: فأنا لك صاحب، فجئت رسول الله ﷺ فقلت: قد وجدت صاحبا، قال: فقال: من؟ قلت عمرو بن أمية الضّمري، قال: إذا هبطت بلاد قومه فاحذره، فإنه قد قال القائل: «أخوك البكريّ ولا تأمنه» فخرجت، حتى إذا كنت بالأبواء قال: إني أريد حاجة إلى قومي بودّان، فتلبّث لي، قلت: راشدا، فلما ولّى ذكرت قول رسول الله ﷺ ، فشددت على بعيري حتى خرجت أوضعه، حتى إذا كنت بالأصافر، إذا هو يعارضني في رهط، قال: وأوضعت فسبقته، فلما رآني قد فتّه انصرفوا، وجاءني فقال: كانت لي إلى قومي حاجة، قال، قلت: أجل، ومضينا حتى قدمنا مكة فدفعت المال إلى أبي سفيان. انتهى.
تنبيه:
ذكر أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١١٩٧) : عمرو بن الفغواء فقال:
عمرو بن الفغواء بن عبيد بن عمرو بن مازن الخزاعي أخو علقمة بن الفغواء، وذكر حديث حمله المال إلى أبي سفيان بنحو مما ذكره أبو داود إلى قوله: أخوك البكري ولا تأمنه، ولم يذكر تكملة الحديث. انتهى.
فوائد لغوية في خمس مسائل:
الأولى: في «الصحاح» (٦: ٢٥٢١) الدية واحدة الديات والهاء عوض من الواو
стр. 634
تقول: وديت القتل أديه دية «١» : إذا أعطيت ديته، واتّديت أي أخذت ديته، وإذا أمرت قلت: د فلانا، وللاثنين: ديا، وللجماعة دوا فلانا.
الثانية: في «الأفعال» لابن طريف: ولغ الكلب والسّبع ولغا. وفي «الصحاح» (٤: ١٣٢٩) : يلغ ولوغا أي شرب بأطراف لسانه، ويولغ إذا أولغه صاحبه، والميلغ: الإناء الذي يلغ فيه في الدم.
الثالثة: في «الصحاح» (٣: ١١٢١) حاطه يحوطه حوطا وحيطة وحياطة أي كلأه، ومع فلان حيطة لك ولا تقل عليك، أي تحنن وتعطف، واحتاط الرجل لنفسه أي أخذ بالثقة.
الرابعة: الأبواء والأصافر: موضعان في طريق المارّ من المدينة إلى مكة، وودان موضع قريب من العقيق ذكرها البكري (١٠٢، ١٦٢، ١٣٧٤) .
الخامسة: في «الصحاح» (٣: ١٣٠٠) وضع البعير وغيره أي أسرع في سيره، وأوضعه راكبه.
стр. 635
الباب الرابع في إنزال الوفد
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول في اتخاذ الدار لنزول الوفد
في زمن رسول الله ﷺ ذكر أبو الربيع ابن سالم في كتاب «الاكتفاء» عن الواقدي رحمه الله تعالى أن حبيب بن عمرو السلاماني «١» رضي الله تعالى عنه كان يحدث قال: قدمنا وفد سلامان «٢» على رسول الله ﷺ ونحن سبعة نفر، فانتهينا إلى باب المسجد فصادفنا رسول الله ﷺ خارجا منه إلى جنازة دعي إليها، فلما رأيناه قلنا يا رسول الله: السلام عليك، فقال رسول الله ﷺ : وعليكم السلام من أنتم؟ قلنا: قوم من سلامان قدمنا عليك لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا، فالتفت إلى ثوبان غلامه فقال: أنزل هؤلاء حيث ينزل الوفد، فخرج بنا ثوبان حتى انتهى بنا إلى دار «٣» واسعة فيها نخل وفيها وفود من العرب، وإذا هي دار رملة بنت الحارث النجارية، وساق الحديث.
تنبيه:
رملة بنت الحارث هذه لم يذكرها أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» .
стр. 636
وذكر ابن إسحاق في خبر بني قريظة أن رسول الله ﷺ حبسهم في دار بنت الحارث النجارية.
وذكرها ابن فتحون في «الذيل» فقال «١» : رملة بنت الحارث نزل عليها وفد تميم «٢» عيينة بن حصن وأخوه خارجة بن حصن وابن أخيهما الجدّ بن قيس بن حصن حين قدموا المدينة على رسول الله ﷺ مسلمين؛ ذكره الواقدي والطبري، وزاد الطبري وفد بني كلاب وهم ثلاثة عشر منهم لبيد بن ربيعة إذ وفدوا على رسول الله ﷺ نزلوا عليها أيضا.
فائدة تاريخية: روى مالك رحمه الله تعالى في «الموطأ» عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال «٣» : كان إبراهيم ﵇ أول الناس ضيّف الضيف.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: ابن القوطية (٣: ٢٢٢) : أنزلت الجيش والضيف أقمت نزلهم، وهو ما يصلحهم. وفي «الصحاح» (٥: ١٨٢٨) النّزل ما يهيأ للنزيل، والجمع الأنزال، قال: والنّزيل: الضيف وأنشد «٤» : [من الوافر]
نزيل القوم أعظمهم حقوقا ... وحقّ الله في حقّ النّزيل
وفي «المحكم» : والنّزل والنّزل ما يهيّأ للضيف، إن ينزل عليه.
стр. 637
الثانية: في «شرح ابن السيّد لسقط الزّند» «١» : ضفت الرجل: إذا نزلت عليه ضيفا وتضيفته: إذا سألته أن يضيفك، وأضفته: إذا أنزلته على نفسك ضيفا، وضيّفته إذا أنزلته منزلة الضيف. قلت: وإذا سألك أن تضيفه قلت: استضافني وإذا سألته أن يضيفك قلت: استضفته، قال ابن القوطية في «المقصور والممدود» الاستفعال في كلامهم استجلاب.
الثالثة: في «الصحاح» (١: ٥٥٠) وفد فلان على الأمير أي ورد رسولا فهو وافد، والجمع وفد، مثل صاحب وصحب، وجمع الوفد: أوفاد ووفود، والاسم:
الوفادة، وأوفدته أنا إلى الأمير أي أرسلته.
الفصل الثاني في إنزال الوفد في قبة ضربت لهم في زمن رسول الله ﷺ
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (٢: ٥٤٠) : قدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف؛ وذكر حديث قدومهم وفيه: ولما قدموا على رسول الله ﷺ ضرب عليهم قبة «٢» في ناحية مسجده كما يزعمون، فكان خالد بن سعيد بن العاصي رضي الله تعالى عنه هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ حتى اكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتب كتابهم بيده، وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من رسول الله ﷺ حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم.
قال ابن إسحاق (٢: ٥٤٠- ٥٤١) وحدثني عيسى بن عبد الله عن بعض وفدهم قال: كان بلال رضي الله تعالى عنه يأتينا حين أسلمنا، وصمنا مع رسول الله صلّى
стр. 638
الله عليه وسلم ما بقي من رمضان بفطرنا وسحورنا من عند رسول الله ﷺ ، فيأتينا بالسحور وإنا لنقول: إنا نرى الفجر قد طلع، فيقول: قد تركت رسول الله ﷺ يتسحّر لتأخير السحور، ويأتينا بفطرنا وإنا لنقول:
ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد، فيقول: ما جئتكم حتى أكل رسول الله ﷺ ، ثم يضع يده في الجفنة يلتقم منها. انتهى.
فائدة لغوية، في معنى القبة وذكر أبنية العرب:
في «المخصص» (٦: ٣٣) عن ابن الكلبي: بيوت العرب ستة: قبة من أدم.
وفي «المحكم» (٦: ٣٣) قبّ الشيء وقبّبه: جمع أطرافه والقبّة: البناء من الأدم مشتق من ذلك. ومظلّة من شعر. وفي «الصحاح» (٥: ١٧٥٦) . المظلّة بالكسر: البيت الكبير [من الشّعر] . وقال:
وسكن توقد في مظلّة «١»
وخباء من صوف: وفي «الصحاح» (٦: ٢٣٢٥) : الخباء واحد الأخبية، وهو من وبر أو صوف ولا يكون من شعر، واستخبينا الخباء أي نصبناه، وأخبيت الخباء وتخبّيته: إذا عملته وكذلك التّخبية. وبجاد من وبر، وفي «فقه اللغة» للثعالبي عن حمزة عن ابن السكيت مثله. قلت: المشهور في البجاد: أنه الكساء في قول كثير من اللغويين. وخيمة من شجر: وفي «المحكم» (٥: ١٦٥) : الخيمة بيت من بيوت الأعراب مستدير، وقيل هي ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليها الثّمام ويستظلّ بها في الحرّ، والجمع خيمات وخيام وخيم وخيم. وفي «الصحاح» (٥: ١٩١٦) الخيم مثل الخيمة،
стр. 639
والجمع: خيام مثل فرخ وفراخ. وأقنة من حجر: وفي الصحاح (٥: ٢٠٧١) الأقنة بيت يبنى من حجر، والجمع أقن مثل ركبة وركب، قال الطرماح «١» : [من المديد]
في شناظي أقن بينها ... عرّة الطير كصوم النعام «٢»
وفي «المخصص» (٦: ٧٧) أيضا عن أبي حاتم: المضرب: الفسطاط العظيم.
الفصل الثالث في إنزال الوفد عند بعض أصحاب رسول الله ﷺ
روى قاسم رحمه الله تعالى في «الدلائل» عن أوس بن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف فنزل الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله ﷺ بني مالك في قبة، فكان يأتينا كلّ ليلة؛ وخرّج أبو داود نحوه.
الفصل الرابع في ذكر من ولي النظر في أمر الوفد في زمن رسول الله ﷺ
قد تقدم في الفصول التي تقدمت قبل هذا أن خالد بن سعيد بن العاصي كان يمشي بين وفد ثقيف وبين رسول الله ﷺ حتى اكتتبوا كتابهم، وبلال رضي الله تعالى عنه كان يجيء إليهم بفطورهم وسحورهم في الأيام التي صاموها مع رسول الله ﷺ من رمضان، وأن النبي ﷺ أمر ثوبان غلامه بإنزال وفد بني سلامان في الدار التي ينزلها الوفد.
стр. 640
الفصل الخامس في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم
١- خالد بن سعيد بن العاصي: تقدم ذكره في باب العامل على الزكاة.
٢- بلال رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب الأذان بما أغنى عن إعاذته الآن.
٣- ثوبان رضي الله تعالى عنه مولى رسول الله ﷺ : في «الاستيعاب» (٢١٨) : ثوبان مولى رسول الله ﷺ أبو عبد الله، وقيل أبو عبد الرّحمن، وأبو عبد الله أصح، هو ثوبان بن يجدد من أهل السّراة، والسراة موضع بين مكة واليمن، وقيل إنه من حمير، وقيل إنه حكمي من حكم بن سعد العشيرة، أصابه سباء فاشتراه رسول الله ﷺ فأعتقه، ولم يزل يكون مع رسول الله ﷺ ... فخرج إلى الشام فنزل الرملة ثم انتقل إلى حمص فابتنى بها دارا، وتوفي سنة أربع وخمسين. وكان ثوبان ممن حفظ عن رسول الله ﷺ وأدّى ما وعى. انتهى.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: في «الاشتقاق» لأبي بكر محمد بن أبان بن سيّد: ثوبان مولى رسول الله ﷺ فعلان من الثوب، والثوب «١» من ثاب يثوب إذا رجع.
الثانية: يجدد والده على وزن يخرج- بفتح الياء وضم الدال- ضبطه أبو علي الغساني رحمه الله تعالى في نسخته التي بخطه من «الاستيعاب» وكتب عليه في الطرة: قال أحمد بن محمد بن عيسى «٢» في «تاريخه» : ثوبان بن جحدر ويقال يجدد، فضبطه بضمّ الياء وكسر الدال.
стр. 641
الثالثة: في «معجم البكري» «١» الطّود: الجبل المشرف على عرفة ينقاد إلى صنعاء، يقال له السّراة- بفتح السين المهملة وبعده راء مهملة «٢» - والسّراة أعظم جبال بلاد العرب، وإياه عنى العرجيّ بقوله «٣» : [من المنسرح]
لو أنّ ما بي من حبّكم عدلت ... به جبال السّراة ما اعتدلا
لأنه يجمع جبالا كثيرة مسمّاة.
стр. 642
الباب الخامس في المارستان
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في معناه واتخاذه وما جاء عن رسول الله ﷺ في ذلك
قال الجوهري رحمه الله تعالى في «الصحاح» ، قال يعقوب: المارستان- بفتح الراء- دار المرضى وهو معرّب. انتهى.
وروى مسلم (٢: ١٨٤) «١» رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش، ابن العرقة، رماه في الأكحل فضرب رسول الله ﷺ عليه خيمة في المسجد يعوده من قريب. انتهى.
وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (٢: ٢٣٩) : كان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها: رفيدة في مسجده ﷺ ، كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله ﷺ قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: اجعلوه في بيت رفيدة حتى أعوده من قريب. انتهى.
стр. 643
وفي «الكتاب المظفّري» : وفي سنة ثمان وثمانين أمر الوليد بن عبد الملك بعمل المارستان لعلاج المرضى، وهو أول من فعل ذلك، وجعل فيها الأطباء وأجرى فيها الأنفاق وأمر بحبس المجذومين لئلا يخرجوا وأجرى عليهم الأرزاق وعلى العميان. انتهى.
تنبيه:
لم يذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى رفيدة هذه في كتاب «الاستيعاب» ، وقال ابن فتحون «١» : ذكرها ابن هشام عن ابن إسحاق، قال: وذكرها الطبري أيضا، إلا أنه قال: من المسلمين مكان قوله من أسلم، والباقي بنصه.
انتهى.
فائدة لغوية:
في «الصحاح» (٥: ١٨٨٤) الجذام: داء، وقد جذم الرجل- بضم الجيم- فهو مجذوم ولا يقال أجذم.
الفصل الثاني في الأمر بالمداواة
روى البخاري (٧: ١٥٨) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء. انتهى.
وروى مسلم (٢: ١٨٤) رحمه الله تعالى عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى. انتهى.
وروى أبو داود (٢: ٣٣٥) رحمه الله تعالى عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله ﷺ : إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتتداووا ولا تتداووا بحرام. انتهى.
стр. 644
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: في «المحكم» : داويت السّقم: عانيته، والدّواء والدّواء والدّواء:
ما داويته به. وقال الجوهري (٦: ٢٣٤٢) : ويقال في الدّواء إنما هو مصدر داويته مداواة ودواء، ودووي الشيء: أي عولج، ولا يدغم فرقا بين فوعل وفعّل، قال العجاج [من الرجز]
بفاحم دووي حتى اعلنكسا «١»
الثانية: في «المحكم» : الداء: المرض، والجمع أدواء، داء يداء داء، وادّاء يدّاء، الأخيرة عن أبي زيد.
الثالثة: في «الصحاح» (٦: ٢٣٩٤) : شفاه الله تعالى من مرضه شفاء ممدود، واستشفى: طلب الشفاء، وأشفيتك الشيء: أعطيتكه تستشفي به، ويقال أشفاه الله عسلا: إذا جعله له شفاء.
الرابعة: في «المحكم» : برأ المريض يبرأ ويبرؤ وبرىء وبرؤ برءا وبروءا:
نقه.
الفصل الثالث في طرق المداواة
قال أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى في «سراج المريدين» : طرق التطبب أربعة:
الرقية، وشرطة محجم، وشربة عسل، ولذعة نار. انتهى.
وروى الترمذي (٣: ٢٧٠) رحمه الله تعالى عن أبي خزامة بن يعمر «٢» عن أبيه قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أرأيت رقى
стр. 645
نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقى «١» نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله. انتهى.
وروى مسلم (٢: ١٨٣) رحمه الله تعالى عن عوف بن مالك رحمه الله تعالى ورضي عنه قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟
فقال: اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك. انتهى.
وروى البخاري (٧: ١٥٩) رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ قال: الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي. انتهى.
فائدة لغوية:
في «الصحاح» (٣: ١٢٧٨) لذعته النار: أحرقته «٢» ، ولذعه بلسانه: أي أوجعه بكلامه، يقال: نعوذ بالله من لواذعه، والتذاع القرحة احتراقها وجعا.
стр. 646
الباب السادس في الطبيب
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر من كان يعلم الطب في عهد رسول الله ﷺ
ذكر الجوزي رحمه الله تعالى في «صفوة الصفوة» (٢: ١٦) عن هشام بن عروة قال: كان عروة يقول لعائشة رضي الله تعالى عنها: يا أمتاه لا أعجب من فقهك، أقول: زوجة رسول الله ﷺ وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول: ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس أو من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب، قال: فضربت على منكبه: أي عريّة، إن رسول الله ﷺ كان يسقم عند آخر عمره، أو في آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كلّ وجه فتنعت له الأنعات فكنت أعالجها فمن ثمّ.
وروى أبو داود (٢: ٣٣٥) رحمه الله تعالى عن سعد رضي الله تعالى عنه قال:
مرضت مرضا فأتاني رسول الله ﷺ يعودني، فوضع يده بين ثدييّ حتى وجدت بردها على فؤادي، فقال: إنك رجل مفؤود، ائت الحارث بن كلدة أخا ثقيف فإنه رجل يتطبّب فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليجأهنّ بنواهن ثم ليلدّك بهن «١» . انتهى.
стр. 647
وفي «سراج المريدين» لابن العربي رحمه الله تعالى: روي عن أبي رمثة رفاعة بن يثربي «١» أنه قال للنبي ﷺ : إني رجل طبيب، فقال له النبي ﷺ : إنه لا طبيب لنا إلا الله بل أنت رفيق. انتهى.
وفي «الطبقات» لابن جلجل (٥٧) وذكر أبا رمثة فقال: كان طبيبا على عهد رسول الله ﷺ عالما بصناعة اليد. انتهى.
وفي «الموطأ» (٦٧٣- ٦٧٤) عن زيد بن أسلم أنّ رجلا في زمان رسول الله ﷺ أصابه جرح، فاحتقن الجرح الدّم، وأنّ الرجل دعا رجلين من بني أنمار، فنظرا إليه، فزعما أنّ رسول الله ﷺ قال لهما: أيّكما أطبّ؟ فقالا: أو في الطّبّ خير يا رسول الله؟ فزعم زيد أن رسول الله ﷺ قال: أنزل الدواء الذي أنزل الأدواء.
وروى أبو داود (٢: ٣٣٣) رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه قال:
بعث النبي ﷺ إلى أبيّ طبيبا فقطع منه عرقا. انتهى.
وقد تقدم قول ابن إسحاق في رفيدة الأسلمية، وأنها كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين.
فوائد لغوية في ست مسائل:
الأولى: في «المحكم» الطب: علاج الجسم والنفس، ورجل طبّ وطبيب، وقالوا: إن كنت ذا طبّ وطبّ وطبّ فطبّ وطبّ لعينيك. وفي «الصحاح» (١: ١٧٠) وجمع القلة: أطبّة، والكثير: أطباء، تقول ما كنت طبيبا ولقد طببت بالكسر، والمتطبب الذي يتعاطى علم الطب، وفلان يستطب لوجعه أي يستوصف الدواء بما يصلح لدائه. وفي «المحكم» : والطبّ والطبيب «٢» : الحاذق من الرجال الماهر بعلمه.
стр. 648
الثانية: ابن طريف: عاد المريض عيادة: تعهده «١» . قلت: وهو عائد والجمع عوّد وعوّاد، قاله ابن سيده.
الثالثة: في «الصحاح» : (١: ٥١٤) الفؤاد: القلب، والجمع: الأفئدة، وفأدته فهو مفؤود: أصبت فؤاده، وكذلك إذا أصابه داء في فؤاده.
الرابعة: قوله ﷺ فليجأهنّ: أي يدقهن. وفي «الصحاح» (١: ٨٠) الوجيئة التمر يدقّ حتى يخرج نواه ثم يبلّ بلبن وسمن حتى يتّدن ويلزم بعضه بعضا فيؤكل.
الخامسة: في «المشارق» (١: ٣٥٦- ٣٥٧) اللّدود- بفتح اللام- الدواء الذي يصبّ في أحد جانبي فم المريض وهما لديداه. وفي «المحكم» اللّدود ما يصبّ بالمسعط من السّقي والدّواف في أحد شقّي الفم فيمرّ على اللّديد وجمعه ألّدة، قال ابن أحمر «٢» : [من الطويل]
شربت الشّكاعى والتددت ألدّة ... وأقبلت أفواه العروق المكاويا
وقد لدّه به لدا ولدودا بضم اللام ولدّه إياه.
السادسة: في «المحكم» (٦: ٢٣٣) : رفق بالأمر وله وعليه رفقا، ورفق يرفق ورفق لطف وهو به رفيق لطيف. وفي «الصحاح» (٤: ١٤٨٢) الرّفق ضدّ العنف، والرفيق ضدّ الأخرق.
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم
١- الحارث بن كلدة:
في «جماهر» أبي عبيد القاسم بن سلام (٢٧) من بني غيرة بن عوف بن ثقيف: الحارث بن كلدة طبيب العرب وله كانت سمية أم زياد، وإليه ينسب أبو بكرة ونافع يعني ابنيها أخوي زياد.
стр. 649
وفي «الجماهر» (٢٦٨) لابن حزم: الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزّى بن غيرة بن عوف بن ثقيف.
فائدة لغوية:
الفارابي (١: ٢٣٦) في باب فعل- بفتح الفاء والعين-: الكلدة قطعة من الأرض غليظة وبها سمّي الرجل.
واختلف في إسلامه: ففي «الاستيعاب» (٢٨٣) لابن عبد البر: الحارث بن الحارث بن كلدة الثقفي كان أبوه طبيبا في العرب حكيما، وهو من المؤلفة قلوبهم معدود فيهم، وكان من أشراف قومه. وأما أبوه الحارث بن كلدة فمات في أول الإسلام ولم يصحّ إسلامه. روي أن رسول الله ﷺ أمر سعد بن أبي وقاص أن يأتيه يستوصفه في مرض نزل به، فدلّ ذلك على أنه جائز أن يشاور أهل الكفر في الطب إذا كانوا من أهله والله أعلم. انتهى.
وفي «المعارف» (٢٨٨) لابن قتيبة: كان الحارث بن كلدة طبيب العرب، وكان عقيما لا يولد له، وأسلم الحارث ومات في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وكان كسرى وهب سمية وهي من أهل زندورد لأبي الخير، ملك من ملوك اليمن، فلما رجع إلى اليمن مرض بالطائف، فداواه الحارث فوهبها له، فلما حاصر رسول الله ﷺ الطائف قال: أيما عبد نزل إليّ فهو حر، فنزل أبو بكرة واسمه نفيع، وأراد أخوه نافع أن يدلي نفسه فقال له الحارث: أنت ابني فأقم، فأقام ونسبا جميعا إليه، وأمهما سمية، وهي أم زياد بن أبي سفيان.
ولما أسلم أبو بكرة وحسن إسلامه ترك الانتساب إلى الحارث، وكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ ، وتوفي الحارث فلم يقبض أبو بكرة ميراثه، وكان زوج سمية يسمى مسروحا. انتهى.
قلت: واختلف في وقت موته، قال أبو عمر في «الاستيعاب» حسبما تقدم:
إنه مات في أول الإسلام. وقال أبو الفرج الجوزي في «مختصر الحلية» (١: ١٠٠) عن ابن شهاب: إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه والحارث بن كلدة كانا يأكلان
стр. 650
خزيرة أهديت إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقال الحارث لأبي بكر: ارفع يدك يا خليفة رسول الله ﷺ ، والله إن فيها لسم سنة، وأنا وأنت نموت في يوم واحد، فرفع يده، فما زالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة.
وفي كتاب «طب العرب» لابن حبيب بسنده من طريق مطرّف بن الشخير عن سعيد بن أبي حبيب قال: كان معيقيب بن أبي فاطمة الأزدي وكان خازنا لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وكاتبا قد أصابه الجذام، فدعا له عمر الحارث بن كلدة الثقفي وقال له: عالجه، قال: يا أمير المؤمنين أما أن يبرأ فلا، ولكني أداويه حتى يقف مرضه فلا يزيد، قال عمر: فذاك، فكان يأمر بالحنظل الرطب فيدلك به قدميه ولا يزيده على ذلك، فوقف مرضه حتى مات.
وفي «الطبقات» (٤٧) لصاعد كان من الأطباء على عهد النبي ﷺ من العرب الحارث بن كلدة الثقفي تعلّم الطب بفارس واليمن، كان يضرب العود وبقي إلى أيام معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه.
وفي «الطبقات» (٥٤) لابن جلجل مثله، وزاد أن معاوية قال له: ما الطبّ يا حارث؟ قال: الأزم يا أمير المؤمنين، يعني الجوع. انتهى.
تنبيه:
قد تقدم في صدر هذا الفصل قول ابن قتيبة: إن الحارث بن كلدة كان عقيما لا يولد له، وتقدم أيضا ذكر أبي عمر ابن عبد البر ولده الحارث بن الحارث وتعداده في الصحابة، وهو خلاف ما ذكره ابن قتيبة من أنه كان عقيما، وأبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى أعرف منه بأخبار الصحابة، رضي الله تعالى عنهم.
٢- أبو رمثة رفاعة بن يثربي
رضي الله تعالى عنه:
في «الاستيعاب» (١٦٥٨) رفاعة بن يثربي: أبو رمثة التميمي»
، وقيل: اسم
стр. 651
أبي رمثة: حبيب بن حيان «١» ، وقيل ابن حيان «٢» بن حبيب، قدم على رسول الله ﷺ هو وابنه، فقال رسول الله ﷺ : من هذا معك؟ قال: ابني، فقال: أما إنك لا تجني عليه ولا يجني عليك. انتهى.
فائدة لغوية:
أبو رمثة- بكسر الراء وسكون الميم وثاؤه مثلثة- كذا ضبطه الحافظ أبو علي الغساني بخطه في «الاستيعاب» في باب رفاعة. والرّمث- بكسر الراء والثاء المثلثة أيضا- ضرب من الشجر مما ينبت في السهل، كذلك قيده الفارابي (١: ١٧٨) .
الأنماريان لم أقف على اسميهما في شيء مما طالعته من الكتب، وإن يسّر الله تعالى في معرفتهما ألحقهما إن شاء الله تعالى.
стр. 652
الباب السابع في الراقي
وفيه اربعة فصول
الفصل الأول في ذكر رقية جبريل للنبي ﷺ
روى مسلم (٢: ١٨٠) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
كان إذا اشتكى رسول الله ﷺ رقاه جبريل ﵇ قال: بسم الله يبريك، ومن كلّ داء يشفيك، ومن شرّ حاسد إذا حسد وشرّ كلّ ذي عين. انتهى.
وروى مسلم (٢: ١٨٠) رحمه الله تعالى أيضا عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: نعم، قال: بسم الله أرقيك من كلّ شيء يؤذيك، من شرّ كلّ نفس أو عين حاسد، الله يشفيك بسم الله أرقيك.
فائدة لغوية:
ابن طريف: رقى المريض رقية: عوّذه، وفي «الصحاح» : الرّقية معروفة، والجمع: رقّى، تقول منه: استرقيته رقية، فهو راق.
الفصل الثاني في ذكر ما كان يرقي به النبي ﷺ
ما كان يرقي به نفسه ﷺ :
روى مسلم (٢: ١٨١) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن
стр. 653
النبيّ ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتدّ وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها.
ما كان يرقي به النّاس ﷺ :
روى مسلم (٢: ١٨١) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: أذهب الباس ربّ الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما.
فلما مرض رسول الله ﷺ وثقل، أخذت بيده لأصنع به نحو ما كان يصنع، فانتزع يده من يدي ثم قال: اللهم اغفر لي واجعلني مع الرفيق الأعلى.
قالت: فذهبت أنظر فإذا هو قد قضى. انتهى.
وروى مسلم (٢: ١٨١) رحمه الله تعالى أيضا عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح، قال النبي ﷺ بإصبعه هكذا، ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها: بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى به سقيمنا بإذن ربّنا. انتهى.
وروى أبو داود (٢: ٣٣٨) رحمه الله تعالى عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من اشتكى منكم شيئا أو اشتكاه أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدّس اسمك، أمرك في السماء والأرض، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ. انتهى.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: في «المشارق» (١: ٧٥) أذهب البأس ربّ الناس، البأس: شدة المرض.
الثانية: في «الصحاح» (٥: ١٩٤٩) السقام: المرض، وكذلك السّقم والسّقم
стр. 654
وهما لغتان كحزن وحزن، وقد سقم بالكسر يسقم سقما فهو سقيم وأسقمه الله، والمسقام: الكثير السقم.
الثالثة: في «المشارق» (٢: ١٩٠) وكان ابن لبعض بنات النبي ﷺ ورضي عنهن يقضي: أي ينازع الموت ويقضي أجله.
الفصل الثالث في ذكر من كان يرقي في زمانه ﷺ
ذكر من رقى من الرجال:
روى البخاري (٧: ١٧٠) رحمه الله تعالى عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ أتوا على حيّ من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيّد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أوراق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا، فجعلوا لهم قطيعا من الشّاء، فجعل يقرأ بأمّ القرآن ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ. فأتوا بالشّاء فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبيّ ﷺ ، فسألوه فضحك، وقال:
وما أدراك أنّها رقية خذوها واضربوا لي بسهم. انتهى.
وروى أبو داود (٢: ٣٤٠- ٣٤١) رحمه الله تعالى عن خارجة بن الصلت عن عمه قال: أقبلنا من عند رسول الله ﷺ فأتينا على حيّ من العرب، فقالوا: إنا أنبئنا أنكم قد جئتم من عند هذا الرجل بخير، فهل عندكم من دواء أو رقية فإن عندنا معتوها في القيود، قال: فقلنا: نعم، قال: فجاءوا بالمعتوه في القيود، فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، أجمع بزاقي ثم أتفل قال: فكأنما أنشط من عقال فأعطوني جعلا، فقلت: لا حتى أسأل النبي ﷺ ، فقال: كل فلعمري من أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حقّ. انتهى.
ذكر من رقى من النساء:
روى أبو داود (٢: ٣٣٧) رحمه الله تعالى عن الشفاء بنت عبد الله رضي الله
стр. 655
تعالى عنها قالت: دخل عليّ النبي ﷺ وأنا عند حفصة رضي الله تعالى عنها فقال: ألا تعلّمين هذه رقية النملة كما علّمتها الكتابة؟ انتهى.
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: في «الصحاح» (٦: ٢٤٦١) قريت الضيف قرى مثل قليته قلى، وقراء:
إذا أحسنت إليه- إذا كسرت القاف قصرت وإذا فتحت مددت- والمقرى إناء يقرى فيه الضيف، والجفنة مقراة.
الثانية: في «الصحاح» (٦: ٢٢٣٩) المعتوه: الناقص العقل، وقد عته.
الثالثة: في «الديوان» (١: ٢٧٦) : الأنشوطة بضم الهمزة وسكون النون: عقدة يسهل انحلالها. وفي «الصحاح» (٣: ١١٦٤) : نشطت الحبل أنشطه نشطا: عقدته أنشوطة، وأنشطته: حللته، ويقال: كأنما أنشط من عقال.
الرابعة: في «الديوان» (١: ١٤٥) النملة- بفتح النون وسكون الميم- واحدة النمل وهي قروح. وفي «الصحاح» (٥: ١٨٣٦) النمل بثور صغار مع ورم يسير ثم تتقرّح فتسعى وتتّسع، ويسميها الأطباء: الذّباب.
الفصل الرابع في ذكر رقية لبعض العربيات نقلتها من خط الحافظ أبي علي الغساني
حدثنا أبو عمر أحمد بن محمد قال، حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن مسلم بن قتيبة قال: سمعت أعرابية بالحجاز فصيحة ترقي رجلا من العين فقالت: أعيذك بكلمات الله التامة، التي لا تجوز عليها هامة، من شرّ الجنّ ومن شر الإنس عامة، وشرّ النظرة اللامة، أعيذك بمطلع الشمس، من شر ذي مشي همس، وشرّ ذي نظر خلس، وشرّ ذي قول دسّ، ومن شرّ الحاسدين والحاسدات، والنافسين والنافسات، والكائدين والكائدات، نشرت عليك بنشرة نشار، على رأسك ذي الأشعار، وعن عينيك
стр. 656
ذواتي «١» الأشفار، وعن فيك ذي المحار، وظهرك ذي الفقار، وبطنك ذي الأسرار، وفرجك ذي الأستار، ويديك ذواتي الأظفار، ورجليك ذواتي الآثار، وذيلك ذي الغبار، وعنك فضلا وذا إزار، وعن بيتك فرجا وذا أستار، رششت بماء بارد نارا، وعينين وأشفارا، وكان الله لك جارا.
قال ابن قتيبة: المشي الهمس: الوطء الخفيّ، والنّظر الخلس: هو الذي يختلس ساعة بعد ساعة، والقول الدّسّ: هو الذي يدسّ ويحتال فيه حتى يذيع القبيح، النافسون والنافسات: هم العائنون، والمحار: جمع محارة، الحنك؛ والفقار: خرز الظهر واحدتها فقارة، وهي الفقر أيضا، الواحدة فقرة، والفضل الذي عليه ثوب واحد، يقال امرأة فضل إذا لم يكن عليها إلا ثوب واحد، وامرأة حسنة الفضلة، والأسرار في البطن: التكسر، وأسرار الجبهة: الخطوط فيها، وكذلك أسرار الوجه وجمعها أسرّة. والبيت الفرج: المفتوح الذي لا ستر عليه ولا باب مغلق، يقال باب فتح وفرج، ومنه قيل رجل فرج إذا كان لا يكتم سرّه، كأنه منفرج عن السرّ غير منضمّ عليه. وقال الحربي: هامّة واحدة الهوامّ نحو الحية والعقرب، وقال غيره: النظرة اللامّة: إنما هذا على الاتباع لما قبله، ووجهه الملمة، كما قيل:
سكة مأبورة ومهرة مأمورة، ومأزورات غير مأجورات، وقيل هو على النسب أي ذات لمم كما قالوا همّ ناصب. انتهى.
تنبيه:
أبو عمر أحمد بن محمد الذي روى عنه أبو علي الغساني هو ابن الحذاء «٢» أحد شيوخه، وهو الذي ألف في التعريف برجال «الموطأ» .
стр. 657
الباب الثامن في القاطع للعروق
قد تقدم في الباب السادس «١» من هذا الجزء الحديث الذي رواه أبو داود (٢: ٣٣٣) رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: بعث النبي ﷺ إلى أبيّ طبيبا فقطع منه عرقا، وقول ابن جلجل في «الطبقات» (٥٧) وذكر أبا رمثة فقال: كان طبيبا على عهد رسول الله ﷺ ، عالما بصناعة اليد، وتقدم هناك التعريف بأبي رمثة «٢» .
стр. 658
الباب التاسع في ذكر الكواء
روى مسلم (٢: ١٨٤) رحمه الله تعالى بسنده إلى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبيّ بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا ثم كواه عليه.
وروى أبو داود (٢: ٣٣٣) رحمه الله تعالى عن جابر ﵁ «١» أن النبي ﷺ كوى سعد بن معاذ من رمية «٢» .
وروى مسلم (٢: ١٨٤) رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه قال:
رمي سعد بن معاذ في أكحله قال فحسمه النبي ﷺ بمشقص ثم ورمت فحسمه الثانية.
وروى مسلم (٢: ١٨٤) أيضا بسنده عن سليمان قال، سمعت أبا سفيان قال، سمعت جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: رمي أبيّ يوم الأحزاب على أكحله قال: فكواه رسول الله ﷺ . انتهى.
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: في «المحكم» الكيّ: إحراق الجلد بحديدة «٣» ونحوها. كواه كيّا، والمكواة: الحديدة أو الرّضفة التي يكوى بها، والكيّة موضع الكيّ، واكتوى الرجل: استعمل الكيّ، واستكوى طلب أن يكوى. وفي «الصحاح» (٦: ٢٤٧٧)
стр. 659
يقال: آخر الدّواء الكي، ولا تقل: آخر الداء الكي، وفي «المقصور والممدود» لابن القوطية: الكوّاء صفة كالشّوّاء، وفي «المحكم» : رجل كوّاء: خبيث اللسان شتّام، وأراه على التشبيه.
الثانية: في «المشارق» (١: ٢١٢) في حديث سعد فحسمه رسول الله ﷺ بمشقص، أي كواه، يحسم ويحسم- بكسر السين وضمها.
الثالثة: في «المشارق» (٢: ٢٥٧) المشقص بكسر الميم: نصل السهم الطويل غير العريض، وقال ابن دريد: وهو الطويل العريض وجمعه مشاقص.
الرابعة: في «المشارق» (٢: ٢٨٣) ثم ورمت: أي صارت ورما وانتفخت. وفي «المحكم» : الورم النّتوء والانتفاخ، وقد ورم يرم نادر، وقياسه يورم ولم نسمع به.
стр. 660
الباب العاشر في المكان الذي اتخذ للفقراء الذين لا يأوون على اهل ولا مال، ويتخرج منه اتخاذ هذه الزوايا التي تتخذ للفقراء
روى البخاري (٨: ١١٩- ١٢١) رحمه الله تعالى عن مجاهد أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه، فمرّ أبو بكر رضي الله تعالى عنه فسألته عن آية من كتاب الله تعالى، ما سألته إلا ليشبعني، فمرّ فلم يفعل، ثم مرّ بي عمر رضي الله تعالى عنه فسألته عن آية من كتاب الله تعالى، ما سألته إلّا ليشبعني، فمرّ فلم يفعل، ثم مرّ بي أبو القاسم ﷺ وشرّف وكرّم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما وفي وجهي: فقال: أبا هرّ «١» ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق، ومضى فاتّبعته، فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل فوجد لبنا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفّة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحقّ أن أصيب من هذا اللبن شربة اتقوّى بها، فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللّبن؟! ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بدّ، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من
стр. 661
البيت، قال: أبا هرّ، قلت: لبّيك يا رسول الله. قال: خذ فأعطهم، فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرّجل فيشرب حتى يروى، ثم يردّ عليّ القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يردّ عليّ القدح (ثبت في أصلين تولّى تصحيح أحدهما الفقيه أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي، وتولّى تصحيح الثاني شيخنا أبو عبد الله ابن رشيد، وكتب أبو محمد عبد المهيمن في الطرة: «الرجل» وكتب عليها خ، يريد رواية أخرى) «١» . حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلّهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إليّ فتبسم فقال: أبا هر، قلت:
لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت فقال: اشرب فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت:
لا والذي بعثك بالحقّ ما أجد له مسلكا، قال: فأرني، فأعطيته القدح فحمد الله وسمّى وشرب الفضلة.
ورواه الترمذي (٤: ٦١- ٦٣) ﵀ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضا باختلاف بعض الألفاظ، فقال فيه «ليستتبعني» مكان «ليشبعني» وقال فيه:
فأخذت القدح فجعلت أناوله الرجل فيشرب حتى يروى، ولم يرزؤه «٢» ثم يرده فأناوله الآخر حتى انتهيت به إلى رسول الله ﷺ وقد روي القوم كلّهم، وساق الحديث.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: في «المحكم» روي من الماء ومن اللّبن ريّا وروى، وتروّى وارتوى، والاسم الرّيّ أيضا وقد أرواني، ورجل ريّان وامرأة «٣» ريّا من قوم رواء.
الثانية: في «المحكم» رزأه ماله ورزئه يرزؤه فيهما رزءا: أصاب من ماله شيئا.
الثالثة: في «المحكم» زاوية البيت: ركنه، والجمع: الزوايا، وتزوّى صار فيها.
стр. 662
الجزء التاسع في ذكر حرف وصناعات كانت في عهد النبي ﷺ وذكر من عملها من الصحابة
رضي الله تعالى عنهم وفيه أربعة وثلاثون بابا دون ما مرّ منها فيما تقدم من الكتاب في مواضيع هي أليق بها
стр. 663
الباب الأول في التجارة في الاسواق
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في معنى التجارة وتصريف الفعل منها
في «المحكم» : تجر [يتجر] تجارة باع وشرى، قال الفارابي (٢: ١٠٧) : بفتح الجيم في الماضي وضمها في المستقبل. وفي «الصحاح (٢: ٦٠٠) : تجر يتجر تجرا، وكذلك اتّجر، وهو افتعل، فهو تاجر والجمع تجر كصاحب وصحب. وفي «المحكم» رجل تاجر والجمع تجار وتجّار وتجر، وقيل: إن التّجر اسم للجمع.
وفي «الصحاح» (٢: ٦٠٠) أرض متجرة يتّجر فيها.
الفصل الثاني في احتراف قريش بالتجارة وشهرتهم بها في الجاهلية والإسلام
ذكر أبو عمر ابن عبد البر في «بهجة المجالس» (١: ١١٤) أن عبد الملك بن مروان قال يوما لبنيه: يا بني: لو عداكم ما أنتم فيه ما كنتم تعوّلون «١» عليه؟ قال الوليد: أما أنا ففارس حرب، وقال سليمان: أما أنا فكاتب سلطان، فقال ليزيد فأنت؟ فقال: والله يأمير المؤمنين ما تركا حظا «٢» لمختار، فقال عبد الملك: فأين أنتم يا بنيّ عن التجارة التي هي أصلكم ونسبكم؟ قالوا: تلك صناعة لا يفارقها ذلّ
стр. 664
الرغبة والرهبة ولا ينجو صاحبها من الدخول في جملة الدهماء والرعية «١» . قال:
فعليكم إذا بطلب الأدب فإن كنتم ملوكا سدتم، وإن كنتم وسطا رأستم، وإن أعوزتكم المعيشة عشتم. انتهى.
وقال ابن إسحاق في «السير» : (١: ٧٠) كان في حجر باليمن فيما يزعمون كتاب بالزبور كتب في الزمان الأول: لمن ملك ذمار؟ لحمير الأحرار. لمن ملك ذمار؟ للحبشة الأشرار، لمن ملك ذمار؟ لفارس الأحرار. لمن ملك ذمار؟ لقريش التّجار. انتهى.
وقال السهيلي في «الروض الأنف» (١: ٣٢١) وهذا الكلام الذي زعموا أنه وجد مكتوبا بالحجر، هو فيما زعموا من كلام هود ﵇ وجد مكتوبا في منبره وعند قبره حين كشفت الريح العاصف عن منبره الرمل حتى ظهر، وذلك قبل ملك بلقيس بيسير، وكان خطه بالمسند.
فوائد لغوية في خمس مسائل:
الأولى: في «الديوان» (٢: ١١) : الدهماء: جماعات الناس وكثرتهم.
الثانية: في «الصحاح» (٢: ٨٨٥) أعوزه الشيء: إذا احتاج إليه فلم يقدر عليه.
وعوز الشّيء عوزا: إذا لم يوجد، وعوز الرجل وأعوز افتقر، والإعواز: الفقر، والمعوز: الفقير، وأعوزه الدهر: أي أحوجه.
الثالثة: قال السهيلي (١: ٣١٩) : حكى ابن هشام عن يونس: ذمار بفتح الذال فدلّ على أن رواية ابن إسحاق بكسر الذال، فإذا كان بكسر الذال فهو غير مصروف «٢» لأنه اسم لمدينة، والغالب عليه التأنيث، ويجوز صرفه أيضا لأنه اسم بلد، وإذا فتحت الذال فهو مبني مثل رقاش وحذام.
стр. 665
الرابعة: في «الصحاح» (٤: ١٤٠٤) : عصفت الريح: أي اشتدت، فهي عاصف وعصوف، وفي لغة بني أسد: أعصفت الريح فهي معصف ومعصفة.
الخامسة: في «ديوان الأدب» (١: ٢٩١) المسند: كتاب بالحميرية- بضم الميم وفتح النون- وقال الجوهري: خط لحمير مخالف لخطنا هذا.
الفصل الثالث في ذكر من كان يتّجر في زمن النبي ﷺ من كبار الصحابة
رضوان الله تعالى عليهم
١- فمنهم خليفة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق
رضي الله تعالى عنه: ذكر أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٦٩٠) ، وابن قتيبة في «المعارف» (٣٢٨) رحمهما الله تعالى والنص لأبي عمر، روى رحمه الله تعالى بسنده من طريق الزهري، يبلغ به أم سلمة رضي الله تعالى عنها، قالت: خرج أبو بكر رضي الله تعالى عنه في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي ﷺ ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة، وكانا رضي الله تعالى عنهما قد شهدا بدرا، وكان نعيمان على الزاد، فقال له سويبط- وكان [رجلا] مزاحا-: أطعمني فقال: لا حتى يجيء أبو بكر، فقال: أما والله لأغيظنّك، فمروا بقوم فقال لهم سويبط: تشترون مني عبدا؟ قالوا: نعم، قال: إنه عبد له كلام، وهو قائل لكم:
إني حر، فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه، فلا تفسدوا عليّ عبدي، قالوا: بل نشتريه منك، فاشتروه منه بعشر قلائص، قال: فجاءوا فوضعوا في عنقه عمامة أو حبلا، فقال نعيمان: إن هذا يستهزىء بكم، وإني حرّ لست بمملوك، قالوا: قد أخبرنا خبرك، فانطلقوا به، فجاء أبو بكر فأخبره سويبط فاتبعهم، فردّ عليهم القلائص وأخذه، فلما قدموا على النبي ﷺ أخبروه، فضحك رسول الله ﷺ وأصحابه عليها حولا.
٢- ومنهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
رضي الله تعالى عنه: روى البخاري (٣: ٧٢) رحمه الله تعالى عن عبيد بن عمير: أن أبا موسى الأشعري استأذن
стр. 666
على عمر بن الخطاب فلم يؤذن له، وكأنه كان مشغولا، فرجع أبو موسى، ففرغ عمر فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ ايذنوا له، قيل قد رجع، فدعاه فقال: كنا نؤمر بذلك، قال: تأتيني على ذلك بالبينة، فانطلق إلى مجلس الأنصار فسألهم، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري، فذهب بأبي سعيد الخدري فقال عمر: أخفي عليّ من أمر رسول الله ﷺ ؟ ألهاني الصفق بالأسواق، يعني الخروج إلى تجارة.
تنبيه:
الشيء الذي قاله أبو موسى: كنا نؤمر بذلك: يبينه حديثه الآخر الذي رواه البخاري رحمه الله تعالى أيضا عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال:
كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، قال: استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، قال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ : إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع. قال: فو الله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ ؟ قال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك. انتهى.
٣- ومنهم الزبير بن العوام
رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» : (٥١٤) كان الزبير بن العوام تاجرا مجدودا في التجارة، وقيل له يوما بم أدركت في التجارة ما أدركت؟ قال: لأني لم أشتر معيبا، ولم أردّ ربحا، والله يبارك لمن يشاء.
وذكر البخاري (٥: ٧٧) في حديث هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض.
стр. 667
وذكر أبو عمر ابن عبد البر (٥١٤) عن الأوزاعي: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فما يدخل بيته منها درهما واحدا، إنه كان يتصدق بذلك كله.
٤- ومنهم عبد الرّحمن بن عوف
رضي الله تعالى عنه: روى البخاري (٣: ٦٨) «١» رحمه الله تعالى عن عبد الرّحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا فأقسم لك نصف مالي، وانظر أيّ زوجتيّ هويت نزلت لك عنها، فإذا حلّت تزوجتها، فقال له عبد الرّحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قينقاع: قال: فغدا إليه عبد الرّحمن فأتى بأقط وسمن، وفي رواية أخرى للبخاري أيضا: فما رجع حتى استفضل أقطا وسمنا، قال: ثم تابع الغدوّ، فما لبث أن جاء عبد الرّحمن عليه أثر صفرة «٢» ، فقال رسول الله ﷺ : تزوجت؟ قال: نعم، قال: ومن؟ قال: امرأة من الأنصار، قال: كم سقت لها؟ قال: زنة نواة من ذهب، أو نواة من ذهب، فقال له النبي ﷺ : أولم ولو بشاة. انتهى.
وقال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى (٨٤٧) : كان عبد الرّحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه تاجرا مجدودا في التجارة، وكسب مالا كثيرا، وصولحت امرأته التي طلقها في مرضه من ثلث الثمن بثلاثة وثمانين ألفا؛ وروى ابن عيينة أنها صولحت عن ربع الثمن من ميراثه. انتهى «٣» .
فوائد لغوية في خمس مسائل:
الأولى: الجوهري (٣: ١٠٥٤) : القلوص من النوق: الشابة، وهي بمنزلة الجارية من النساء، والجمع: قلص وقلائص، وجمع القلص قلاص.
стр. 668
الثانية: في «المشارق» (٢: ٥٠) : ألهاني الصّفق بالأسواق- بسكون الفاء وفتح الصاد- التصرف في التجارة، والصّفق أيضا: عقد البيع. وفي «الصحاح» (٤: ١٥٠٧) : التصفيق باليد: التصويت بها، وصفقت له بالبيع والبيعة صفقا: أي ضربت بيدي على يده، ويقال: ربحت صفقتك للشراء، وصفقة رابحة، وصفقة خاسرة.
الثالثة: الجوهري (١: ٤٤٩) : الجد: الحظّ والبخت، والجمع الجدود، ورجل مجدود: محظوظ.
الرابعة: الجوهري (٤: ١٤٩٩) : السّوق تذكر وتؤنث، قال الشاعر:
[من الطويل]
ألم يعظ الفتيان ما صار لمتي ... بسوق كثير ريحه وأعاصره «١»
وتسوّق القوم: إذا باعوا واشتروا، والسّوقة خلاف الملك؛ قال نهشل بن حرّيّ «٢» : [من الطويل]
ولم تر عيني سوقة مثل مالك ... ولا ملكا «٣» تجبي إليه مرازبه
ويستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث.
الخامسة: في «المشارق» (٢: ١٩٨) : سوق بني «٤» قينقاع- بكسر النون ويروى بضمها وفتحها- وبنو قينقاع شعب من يهود المدينة أضيفت السوق إليهم.
تنبيه:
قد تقدم ذكر هؤلاء السادة الأربعة رضي الله تعالى عنهم، وذكر أنسابهم ونبذ من أخبارهم فيما مر من الكتاب فأغنى ذلك عن الإعادة.
стр. 669
الباب الثاني في ذكر من كان بزازا في زمان النبيّ ﷺ من كبار الصحابة
رضوان الله تعالى عليهم «١»
١- فمنهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان
رضي الله تعالى عنه: قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى في «المعارف» (٥٧٥) في صنائع الأشراف: كان عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه بزازا. وقال ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١٠٤٠) : جهز عثمان رضي الله تعالى عنه جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيرا، وأتمّ الألف بخمسين فرسا، وكان جيش العسرة في غزاة تبوك. وعن قتادة قال: حمل عثمان رضي الله تعالى عنه على ألف بعير وسبعين فرسا. انتهى.
تنبيه:
ذكرت هذه القصة هنا إشعارا بكثرة ما اكتسب أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه من المال بحرفته البزازة، إذ لم يكن رضي الله تعالى عنه يحترف بغيرها.
٢- ومنهم طلحة بن عبيد الله
رضي الله تعالى عنه: ذكر ابن قتيبة رحمه الله تعالى في «المعارف» (٥٧٥) في صنائع الأشراف: كان طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه بزازا. وذكر ابن عبد البر (٧٦٤) عن موسى بن عقبة، وابن إسحاق عن ابن شهاب: لم يشهد طلحة بدرا، وقدم من الشام بعد رجوع رسول الله ﷺ من بدر، فكلم رسول الله ﷺ في سهمه، فقال له
стр. 670
رسول الله ﷺ : لك سهمك، قال: وأجري يا رسول الله؟ قال:
وأجرك.
قال أبو عمر: وقال الزبير بن بكار: كان طلحة بن عبيد الله بالشام في تجارة حيث كانت وقعة بدر، وكان في المهاجرين الأولين، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه، فلما قدم قال: وأجري يا رسول الله؟ قال: وأجرك.
وذكر الزبير أنه سمع سفيان بن عيينة يقول: كانت غلة طلحة بن عبيد الله ألفا وافيا كل يوم، قال: والوافي وزنه وزن الدينار، وعلى ذلك وزن دراهم فارس التي تعرف بالبغليّة. انتهى.
فائدة لغوية:
في «المحكم» : البز: الثياب، والبزاز: بائع البز، وحرفته البزازة. وقال الجوهري (٢: ٨٦٢) : البز من الثياب: أمتعة البزاز. وفي «ديوان الأدب» (٣: ٦) البز:
بفتح الباء، متاع البزاز.
تنبيه:
قد تقدم ذكر أمير المؤمنين عثمان وذكر طلحة رضي الله تعالى عنهما فيما تقدم من الكتاب فأغنى عن إعادة ذلك هنا.