على عمر بن الخطاب فلم يؤذن له، وكأنه كان مشغولا، فرجع أبو موسى، ففرغ عمر فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ ايذنوا له، قيل قد رجع، فدعاه فقال: كنا نؤمر بذلك، قال: تأتيني على ذلك بالبينة، فانطلق إلى مجلس الأنصار فسألهم، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري، فذهب بأبي سعيد الخدري فقال عمر: أخفي عليّ من أمر رسول الله ﷺ ؟ ألهاني الصفق بالأسواق، يعني الخروج إلى تجارة.
تنبيه:
الشيء الذي قاله أبو موسى: كنا نؤمر بذلك: يبينه حديثه الآخر الذي رواه البخاري رحمه الله تعالى أيضا عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال:
كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، قال: استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، قال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ : إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع. قال: فو الله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ ؟ قال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك. انتهى.
٣- ومنهم الزبير بن العوام
رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» : (٥١٤) كان الزبير بن العوام تاجرا مجدودا في التجارة، وقيل له يوما بم أدركت في التجارة ما أدركت؟ قال: لأني لم أشتر معيبا، ولم أردّ ربحا، والله يبارك لمن يشاء.
وذكر البخاري (٥: ٧٧) في حديث هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض.
стр. 667
وذكر أبو عمر ابن عبد البر (٥١٤) عن الأوزاعي: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فما يدخل بيته منها درهما واحدا، إنه كان يتصدق بذلك كله.
٤- ومنهم عبد الرّحمن بن عوف
رضي الله تعالى عنه: روى البخاري (٣: ٦٨) «١» رحمه الله تعالى عن عبد الرّحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا فأقسم لك نصف مالي، وانظر أيّ زوجتيّ هويت نزلت لك عنها، فإذا حلّت تزوجتها، فقال له عبد الرّحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قينقاع: قال: فغدا إليه عبد الرّحمن فأتى بأقط وسمن، وفي رواية أخرى للبخاري أيضا: فما رجع حتى استفضل أقطا وسمنا، قال: ثم تابع الغدوّ، فما لبث أن جاء عبد الرّحمن عليه أثر صفرة «٢» ، فقال رسول الله ﷺ : تزوجت؟ قال: نعم، قال: ومن؟ قال: امرأة من الأنصار، قال: كم سقت لها؟ قال: زنة نواة من ذهب، أو نواة من ذهب، فقال له النبي ﷺ : أولم ولو بشاة. انتهى.
وقال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى (٨٤٧) : كان عبد الرّحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه تاجرا مجدودا في التجارة، وكسب مالا كثيرا، وصولحت امرأته التي طلقها في مرضه من ثلث الثمن بثلاثة وثمانين ألفا؛ وروى ابن عيينة أنها صولحت عن ربع الثمن من ميراثه. انتهى «٣» .
فوائد لغوية في خمس مسائل:
الأولى: الجوهري (٣: ١٠٥٤) : القلوص من النوق: الشابة، وهي بمنزلة الجارية من النساء، والجمع: قلص وقلائص، وجمع القلص قلاص.
стр. 668
الثانية: في «المشارق» (٢: ٥٠) : ألهاني الصّفق بالأسواق- بسكون الفاء وفتح الصاد- التصرف في التجارة، والصّفق أيضا: عقد البيع. وفي «الصحاح» (٤: ١٥٠٧) : التصفيق باليد: التصويت بها، وصفقت له بالبيع والبيعة صفقا: أي ضربت بيدي على يده، ويقال: ربحت صفقتك للشراء، وصفقة رابحة، وصفقة خاسرة.
الثالثة: الجوهري (١: ٤٤٩) : الجد: الحظّ والبخت، والجمع الجدود، ورجل مجدود: محظوظ.
الرابعة: الجوهري (٤: ١٤٩٩) : السّوق تذكر وتؤنث، قال الشاعر:
[من الطويل]
ألم يعظ الفتيان ما صار لمتي ... بسوق كثير ريحه وأعاصره «١»
وتسوّق القوم: إذا باعوا واشتروا، والسّوقة خلاف الملك؛ قال نهشل بن حرّيّ «٢» : [من الطويل]
ولم تر عيني سوقة مثل مالك ... ولا ملكا «٣» تجبي إليه مرازبه
ويستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث.
الخامسة: في «المشارق» (٢: ١٩٨) : سوق بني «٤» قينقاع- بكسر النون ويروى بضمها وفتحها- وبنو قينقاع شعب من يهود المدينة أضيفت السوق إليهم.
تنبيه:
قد تقدم ذكر هؤلاء السادة الأربعة رضي الله تعالى عنهم، وذكر أنسابهم ونبذ من أخبارهم فيما مر من الكتاب فأغنى ذلك عن الإعادة.
стр. 669
الباب الثاني في ذكر من كان بزازا في زمان النبيّ ﷺ من كبار الصحابة
رضوان الله تعالى عليهم «١»
١- فمنهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان
رضي الله تعالى عنه: قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى في «المعارف» (٥٧٥) في صنائع الأشراف: كان عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه بزازا. وقال ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١٠٤٠) : جهز عثمان رضي الله تعالى عنه جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيرا، وأتمّ الألف بخمسين فرسا، وكان جيش العسرة في غزاة تبوك. وعن قتادة قال: حمل عثمان رضي الله تعالى عنه على ألف بعير وسبعين فرسا. انتهى.
تنبيه:
ذكرت هذه القصة هنا إشعارا بكثرة ما اكتسب أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه من المال بحرفته البزازة، إذ لم يكن رضي الله تعالى عنه يحترف بغيرها.
٢- ومنهم طلحة بن عبيد الله
رضي الله تعالى عنه: ذكر ابن قتيبة رحمه الله تعالى في «المعارف» (٥٧٥) في صنائع الأشراف: كان طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه بزازا. وذكر ابن عبد البر (٧٦٤) عن موسى بن عقبة، وابن إسحاق عن ابن شهاب: لم يشهد طلحة بدرا، وقدم من الشام بعد رجوع رسول الله ﷺ من بدر، فكلم رسول الله ﷺ في سهمه، فقال له
стр. 670
رسول الله ﷺ : لك سهمك، قال: وأجري يا رسول الله؟ قال:
وأجرك.
قال أبو عمر: وقال الزبير بن بكار: كان طلحة بن عبيد الله بالشام في تجارة حيث كانت وقعة بدر، وكان في المهاجرين الأولين، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه، فلما قدم قال: وأجري يا رسول الله؟ قال: وأجرك.
وذكر الزبير أنه سمع سفيان بن عيينة يقول: كانت غلة طلحة بن عبيد الله ألفا وافيا كل يوم، قال: والوافي وزنه وزن الدينار، وعلى ذلك وزن دراهم فارس التي تعرف بالبغليّة. انتهى.
فائدة لغوية:
في «المحكم» : البز: الثياب، والبزاز: بائع البز، وحرفته البزازة. وقال الجوهري (٢: ٨٦٢) : البز من الثياب: أمتعة البزاز. وفي «ديوان الأدب» (٣: ٦) البز:
بفتح الباء، متاع البزاز.
تنبيه:
قد تقدم ذكر أمير المؤمنين عثمان وذكر طلحة رضي الله تعالى عنهما فيما تقدم من الكتاب فأغنى عن إعادة ذلك هنا.
стр. 671
الباب الثالث في العطار
روى القاضي محمد بن سلامة القضاعي رحمه الله تعالى في «الشهاب» «١» عن رسول الله ﷺ : مثل الجليس الصالح مثل الداريّ إن لم يحذك من عطره علقك من ريحه، ومثل الجليس السوء مثل صاحب الكير إن لم يحرقك من شرره علقك من نتنه.
وترجم البخاري رحمه الله تعالى في «صحيحه» (٣: ٨٢) باب في العطار وبيع المسك، وخرّج فيه عن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول الله ﷺ : مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك، أو تجد منه ريحا خبيثة.
وذكر الثعالبي في كتاب «التمثيل والمحاضرة» (٢٨٦) عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: لو كنت تاجرا ما اخترت على العطر شيئا، إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «الصحاح» (٥: ٢١١٢) : والداريّ العطار، وهو منسوب إلى دارين، فرضة بالبحرين فيها سوق، وكان يحمل إليها مسك من ناحية الهند. وفي الحديث: مثل الجليس الصالح مثل الداريّ إن لم يحذك من عطره علقك من ريحه.
الثانية: في «المشارق» (١: ١٨٦) : أحذيت الرجل: أعطيته، وحذوته أيضا، والاسم: الحذيا [والحذيا] والحذيّة والحذية.
وقال ابن سيده: وحذياي من هذا الشيء: أي أعطني.
стр. 672
الباب الرابع في الصراف
وفيه فصلان
الفصل الأول في من كان يتجر في الصرف في عهد رسول الله ﷺ
روى البخاري (٣: ٧٢) رحمه الله تعالى عن أبي المنهال رضي الله تعالى عنه قال: كنت أتجر في الصرف فسألت زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه فقال: قال النبي ﷺ ؛ وعن أبي المنهال أيضا قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله تعالى عنهما عن الصرف فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ ، فسألنا رسول الله ﷺ عن الصرف فقال: إن كان يدا بيد فلا بأس، وإن كان نسيئا فلا يصلح.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «المحكم» : الصرف: بيع الذهب بالفضة. وفي «الديوان» (٢: ١٩٢) : صرف الدراهم: بفتح الراء يصرفها بكسرها. وفي «المحكم» : الصّرّاف والصّيرف والصّيرفيّ: النقاد، والجمع: صيارف وصيارفة، فأما قول الفرزدق «١» :
تنفي يداها الحصى في كلّ هاجرة ... نفي الدراهم تنقاد الصّياريف
فعلى الضرورة.
الثانية: في «المحكم» : نسأ الشيء ينسأ نسأ: أخّره فانتسأ، والاسم: النّسيئة والنسىء.
стр. 673
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم
رضي الله تعالى عنهم
١- زيد بن أرقم
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٥٣٥) : زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك الأغرّ بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي من بني الحارث بن الخزرج، وروينا عنه من وجوه أنه قال: غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، غزوت منها معه سبع عشرة، ويقال إن أول مشاهده المريسيع. يعدّ في الكوفيين، نزل الكوفة وسكنها، وابتنى بها دارا في كندة، وبالكوفة كانت وفاته رحمه الله تعالى سنة ثمان وستين، وهو الذي رفع إلى رسول الله ﷺ عن عبد الله بن أبي بن سلول قوله: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، فأكذبه عبد الله بن أبي وحلف، فأنزل الله تعالى تصديق زيد بن أرقم، فبادر أبو بكر وعمر إلى زيد رضي الله تعالى عنهم ليبشّراه، فسبق أبو بكر، فأقسم عمر ألا يبادره بعدها إلى شيء، قيل كان ذلك في غزوة بني المصطلق، وقيل في تبوك. وشهد زيد بن أرقم مع علي رضي الله تعالى عنه صفين، وهو معدود في خاصة أصحابه.
٢- البراء بن عازب
رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر في «الاستيعاب» (١٥٥) : البراء بن عازب بن حارث بن عدي بن جشم بن مجذمة بن حارثة «١» بن الحارث بن الخزرج، وذكر له عدة كنى وقال: الأشهر أبو عمارة، وهو أصحّ إن شاء الله تعالى. وسمع البراء يقول: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر. وذكر الدولابي عن الواقدي قال: أول غزوة شهدها ابن عمر والبراء بن عازب الخندق، قال أبو عمر: وهذا أصح.
وقال أبو عمرو الشيباني: افتتح البراء بن عازب الريّ سنة أربع وعشرين صلحا أو عنوة. وشهد البراء بن عازب مع علي رضي الله تعالى عنه الجمل وصفين والنهروان، ثم نزل الكوفة ومات بها أيام مصعب بن الزبير رضي الله تعالى عنهما.
стр. 674
الباب الخامس في بائع الرماح
في «الاستيعاب» (١٥١٢) نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي «١» ، يكنى أبا الحارث، كان أسنّ من سائر «٢» من أسلم من بني هاشم، أسر يوم بدر وفداه العباس رضي الله تعالى عنهما، وهاجر أيام الخندق، وقيل فدى نفسه برماحه، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين العباس بن عبد المطلب وكانا رضي الله تعالى عنهما شريكين في الجاهلية، متفاوضين في المال متحابين. وروى ولده عبد الله بن نوفل بن الحارث قال: لما أسر نوفل بن الحارث يوم بدر قال له رسول الله ﷺ : افد نفسك، قال: مالي شيء أفتدي به، قال: افد نفسك برماحك التي بجدة، قال: والله ما علم أحد أن لي رماحا بجدة غيري بعد الله، أشهد أنك رسول الله، ففدى نفسه بها وكانت ألف رمح.
قال أبو عمر: وشهد نوفل مع رسول الله ﷺ فتح مكة، وشهد حنينا والطائف، وكان ممن ثبت يوم حنين مع رسول الله ﷺ ، وأعان رسول الله ﷺ يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، فقال له رسول الله ﷺ : كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف أصلاب المشركين.
قال أبو عمر (١٥١٣) : توفي رحمه الله تعالى ورضي عنه بالمدينة سنة خمس
стр. 675
عشرة في خلافة عمر رضي الله تعالى عنهما، وصلّى عليه عمر، بعد أن مشى معه إلى البقيع، ووقف على قبره حتى دفن. انتهى.
تنبيه:
قول النبي ﷺ لنوفل بن الحارث: كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف أصلاب المشركين من معجزاته بإخباره بالغيب ﷺ ، فقد نصره الله تعالى يوم حنين وقتل المشركين، حتى قتل منهم أبو طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه عشرين رجلا وحده وأخذ أسلابهم.
وروى أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: من قتل كافرا فله سلبه.
فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم.
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: في «المحكم» (٣: ٢٥٥) الرمح من السلاح معروف، وجمعه أرماح، والكثير رماح، ورجل رمّاح: صانع الرماح ومتخذها، وحرفته الرماحة.
الثانية: في «المحكم» شركة المفاوضة: الشركة العامة في كل شيء، يقال:
متاعهم فوضى بينهم إذا كانوا فيه شركاء، ويقال: فوضى فضا، قال:
[من الطويل]
طعامهم فوضى فضا في رحالهم ... ولا يحسنون الشرّ إلّا تناديا «١»
وفي «المشارق» (٢: ٢٤٨) الشّركة- بفتح الشين وكسر الراء- والشرك:
مكسور الشين في البيع وغيره معلوم. انتهى.
الثالثة: جدّة- بضم الجيم- ساحل مكة قاله البكري (٣٧١) وفي «رحلة ابن جبير» (٧٩- ٨٠) أن بينها وبين مكة يومين.
стр. 676
الرابعة: قال ابن طريف: قصفت الشيء- بفتح الصاد- كسرته. انتهى.
قلت: ويستعمل في الأصلاب كثيرا كما جاء عن النبي ﷺ هنا.
ومن مليح ما جاء في ذلك ما أنشده الحصري في «زهر الآداب» (٦٦٥) قال: مات رجل من العرب يعول اثني عشر ألفا، فلما حمل على سريره صرّ، فقال بعض من حضره: [من الطويل]
وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصّف
وليس فتيق المسك نشر حنوطه ... ولكنه ذاك الثناء المخلّف
стр. 677
الباب السادس في بائع الطعام
روى مسلم (١: ٤٤٦) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله.
وروى مسلم (١: ٤٤٦) رحمه الله تعالى أيضا عن سالم بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن أباه قال: قد»
رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا ابتاعوا الطعام جزافا يضربون أن يبيعوه في مكانهم ذلك حتى يؤووه إلى رحالهم.
فائدة لغوية:
في «المحكم» (١: ٣٤٩) : الطعام اسم جامع لكلّ ما يؤكل، والجمع أطعمة، وأطعمات جمع الجمع. وفي «الصحاح» (٥: ١٩٧٤) وربما خصّ بالطعام البر، والطّعم ما يؤديه الذّوق يقال: طعمه مرّ، والطّعم أيضا: ما يشتهى منه، يقال: ليس له طعم، والطّعم بالضمّ الطعام؛ قال أبو خراش «٢» : [من الطويل]
أردّ شجاع البطن قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطّعم
وأعتبق الماء القراح فأنتهي ... إذا الزّاد أضحى للمزلّج ذا طعم
أراد بالأول الطعام وبالثاني ما اشتهي منه، وقد طعم يطعم فهو طاعم: إذا أكل أو ذاق، مثل غنم يغنم غنما فهو غانم. وفي «المحكم» (١: ٣٥٠) طعمه طعما، وأصاب طعما، كلاهما بضمّ أوله.
стр. 678
الباب السابع في التمّار
ذكر ابن فتحون في كتابه في الصحابة رضي الله تعالى عنهم نبهان التمار، وقال: هو الذي جاءته امرأة تشتري منه تمرا فغمزها، ثم جاء ثانيا فحضر الصلاة مع رسول الله ﷺ ، فنزلت فيه: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ (آل عمران: ١٣٥) الآية، قاله عطاء وكنّاه أبا عقيل. وذكره الثعالبي، وقاله مقاتل بن سليمان، وحكاه الماوردي عنه، وذكره أيضا الهروي ومكي. وروى ابن بشكوال في كتابه «تفسير ما استعجم من غوامض الأسماء» بسنده عن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قول الله «١» : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً
قال: يريد: نبهان التمار، وكنيته: أبو مقبل، أتته امرأة حسناء جميلة تبتاع تمرا فضرب على عجزها فقالت: والله ما حفظت غيبة أخيك ولا نلت حاجتك، فأسقط في يده، فذهب إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فقال: إياك أن تكون امرأة غاز، ثم ذهب إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال: إياك أن تكون امرأة غاز، ثم ذهب إلى النبي ﷺ فقال: إياك أن تكون امرأة غاز، فولّى وهو يبكي، فأقام ثلاثة أيام: النهار صائما، والليل قائما حزينا، فلما كان اليوم الرابع، أنزل الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الآية، يريد مثل الذي فعل نبهان التمار. فأرسل رسول الله ﷺ إليه فأخبره بما نزل، فحمد الله تعالى وشكره، فقال يا رسول الله، هذه توبتي قد قبلها الله مني
стр. 679
فكيف بي حتى يقبل شكوتي فأنزل الله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ (هود: ١١٤) .
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «المحكم» (٥: ٢٦٧) الغمز: الإشارة بالعين والحاجب، غمزه يغمزه غمزا، والغمز: العصر باليد، قلت: وهو المراد هنا بدليل قوله في رواية ابن بشكوال: فضرب على عجزها.
الثانية: في «المحكم» (٦: ١٣٨) أسقط في يد الرجل: زلّ وأخطأ، قال الزجاج: يقال للرجل النادم على ما فعل، الحسير على ما فرط منه: قد سقط في يده وأسقط.
стр. 680
الباب الثامن في بائع الدباغ
في «الاستيعاب» (٥٩٣) : سعد بن عائذ المؤذّن مولى عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما المعروف بسعد القرظ، له صحبة، وإنما قيل له سعد القرظ لأنه كان كلّما تجر في شيء وضع فيه، فتجر في القرظ فربح فيه، فلزم التجارة فيه.
وقد ذكر سعد القرظ في باب المؤذن من هذا الكتاب «١» ، وقد تقدم أيضا هنالك أن القرظ شجر يدبغ به، وقول القاضي في «المشارق» (٢: ١٧٩) إن سعدا سمي به لأنه كان يتجر فيه.
стр. 681
الباب التاسع في الحطاب
روى البخاري (٣: ٧٥) «١» رحمه الله تعالى عن أبي عبيد مولى عبد الرّحمن بن عوف أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يدعه.
وقال ابن رشد في «البيان والتحصيل» : روي أن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ فشكا إليه الفاقة، ثم عاد فقال: يا رسول الله لقد جئت من عند أهل بيت ما أرى أن أرجع إليهم حتى يموت بعضهم، قال: انطلق حتى تجد من شيء، فانطلق فجاء بحلس وقدح، فقال: يا رسول الله هذا الحلس كانوا يفترشون بعضه، ويلتفون ببعضه، وهذا القدح كانوا يشربون فيه فقال: من يأخذهما مني بدرهم؟ فقال رجل: أنا، فقال: من يزيد على درهم؟ فقال رجل آخر:
آخذهما بدرهمين، فقال: هما لك. فدعا بالرجل فقال: اشتر بدرهم طعاما لأهلك وبدرهم فأسا ثم ائتني، ففعل ثم جاء فقال: انطلق إلى هذا الوادي فلا تدعنّ شوكا ولا حطبا ولا تأتني إلا بعد عشر، ففعل ثم أتاه فقال: بورك فيما أمرتني به، فقال:
هذا خير لك من أن تأتي يوم القيامة في وجهك نكت من المسألة أو خموش من المسألة- الشك من بعض الرواة- ذكره في باب النكاح دليلا على جواز خطبة المرأة على خطبة الغير، وسوم السلعة على سوم الغير ما لم يقع التراكن.
وخرجه الترمذي والنسائي مختصرا في كتاب البيوع، في ما جاء في بيع من
стр. 682
يزيد، فقال النسائي (٧: ٢٥٩) عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ باع قدحا وحلسا في من يزيد. وقال الترمذي (٢: ٣٤٥) عن أنس بن مالك أيضا ان رسول الله ﷺ باع حلسا وقدحا وقال: من يشتري هذا الحلس والقدح؟ فقال رجل: أخذتهما بدرهم، فقال رسول الله ﷺ : من يزيد على درهم؟ فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. فاختصرا منه قصة الرجل، واقتصرا على مناط الحكم فيما ترجما له من البيع في من يزيد.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: حلس البيت: ما يبسط تحت حرّ المتاع من مسح أو نحوه، قاله ابن سيده، وقد تقدم ذكره في باب المشرف.
الثانية: في «المحكم» (٦: ٤٧٩) النّكتة كالنّقطة، وكلّ نقط في شيء خالف لونه فهو نكت «١» .
الثالثة: في «المحكم» (٥: ٢٣، ١٣) الخمش: الخدش في الوجه، وقد يستعمل في سائر الجسد، خمشه يخمشه ويخمشه خمشا وخموشا، وخمّشه، والخموش: الخدوش، خدش جلده يخدشه خدشا: مزقه، والخدوش: الآثار وهو من ذلك.
стр. 683
الباب العاشر في الدلال وهو السمسار
روى مسلم (١: ٤٤٥) بسنده عن طاووس رحمهما الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتلقى «١» الركبان وأن يبيع حاضر لباد.
وروى البخاري (٣: ٩٤) قريبا منه وقال: فقلت «٢» : يا ابن عباس ما قوله:
لا يبيع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارا، (في باب أجر السمسار) .
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «المشارق» (٢: ٢٢١) قوله: لا يكون سمسارا أي دلّالا «٣» ، وأصل السّمسار القيم بالأمر الحافظ له، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره. قال ابن سيده: وأصله فارسي، وهي السمسرة، وأنشد الجوهري في «الصحاح» للراجز: [من الرجز]
قد وكّلتني طلّتي بالسّمسره ... وأيقظتني لطلوع الزّهره «٤»
قال (٢: ٦٨٧) وقال أبو عبيد: السّفسير بالفارسية السمسار، قال النابغة «٥» :
[من البسيط]
وقارفت وهي لم تجرب وباع لها ... من الفصافص بالنّميّ سفسير
стр. 684
وقال الأعلم: النّميّ: دراهم رصاص أو زيوف ونحوها.
الثانية: في «المحكم» : الدّلّال الذي يجمع بين البيّعين، والاسم الدلّالة، والدّلالة ما جعلته للدّليل أو الدّلّال. وقال ابن دريد: الدّلالة بالفتح: حرفة الدّلّال.
تنبيه:
جعل الجاحظ سماسرة زمانه في كتابه الذي سماه ب «المراتب والأخطار» بعد آخر طبقة من طبقات المحترفين ختم بها كتابه، فقال فيهم: وأما السماسرة والدلالون وأصحاب النداء فقوم أجراء لا في عداد التجار ولا في من لهم الحرف والصناعات، لا قيم «١» لهم ولا أقدار، ولم «٢» نسمع لهم ذكرا في أشعار. انتهى.
стр. 685
الباب الحادي عشر في النساج
روى البخاري (٣: ٨٠) رحمه الله تعالى عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: جاءت امرأة ببردة، (قال: أتدرون ما البردة؟ فقيل له: نعم هي الشملة منسوج في حاشيتها) قالت: يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فقال رجل من القوم: يا رسول الله اكسنيها، فقال: نعم، فجلس رسول الله ﷺ ما شاء الله في المجلس، ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم:
ما أحسنت: سألتها إياه، لقد عرفت أنه لا يردّ سائلا، فقال الرجل: والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت، قال سهيل: فكانت كفنه.
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: في «الصحاح» (١: ٣٤٤) نسج الثوب ينسجه وينسجه نسجا، والصنعة: نساجة، والموضع: منسج ومنسج، والمنسج- بكسر الميم- الأداة التي يمد عليها الثوب لينسج. وفي «المحكم» : أصل النسج: ضمّ الشيء إلى الشيء، نسجت الريح التراب: سحبت بعضه على بعض، والورق والهشيم:
جمعت بعضه إلى بعض، والماء: ضربته فانتسجت فيه طرائق، ونسج الحائك الثوب من ذلك، لأنه ضمّ السدى إلى اللّحمة، وهو النّسّاج وحرفته النّساجة.
الثانية: في «المشارق» (١: ٨٣) البردة- بضم الباء- كساء مخطط، وجمعه:
برد- بضم الباء وفتح الراء- وقيل هي الشملة والنمرة. وقال أبو عبيد: هو كساء مربع أسود فيه صغر، وفسره في حديث البخاري: هي الشملة منسوج في حاشيتها،
стр. 686
والبرد بغير هاء: ثوب من عصب اليمن ووشيه، وجمعه برود، بزيادة واو على جمع الأولى. انتهى.
الثالثة: في «الصحاح» (٦: ٢٤٧٤) الكسوة والكسوة: واحدة الكسا، وكسوته «١» ثوبا فاكتسى.
الرابعة: في «الصحاح» (٦: ٢٤١٥) طويت الشيء طيّا فانطوى، والطّية مثل الجلسة والرّكبة؛ وفي «المحكم» : الطيّ نقيض النشر. وأنشد الجوهري (٢٤١٥) لذي الرمة: [من البسيط]
كما تنشّر بعد الطّية الكتب «٢»
стр. 687
الباب الثاني عشر في الخياط
في «المعارف» (٥٧٥) لابن قتيبة: كان عثمان بن طلحة الذي دفع إليه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة خياطا؛ وذكره ابن دريد في «الوشاح» .
تنبيه:
قد تقدم ذكر عثمان بن طلحة رضي الله تعالى عنه في باب حاجب البيت بما أغنى عن إعادته هنا، وبالله تعالى التوفيق.
وروى البخاري (٣: ٧٩) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن خياطا دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام، فقرّب إلى رسول الله ﷺ خبزا من شعير، ومرقا فيه دبّاء وقديد، فرأيت النبي ﷺ يتتبع الدباء من حول الصحفة، فلم أزل أحبّ الدبّاء من يومئذ.
فوائد لغوية في خمس مسائل:
الأولى: في «المحكم» (٥: ١٥٢) الخيط: السّلك، والجمع أخياط وخيوط وخيوطة، وخاط الثوب خيطا وخياطة، والخياط والمخيط: الإبرة. وفي «الصحاح» (٣: ١١٢٦) والثوب مخيط ومخيوط. وفي «المحكم» (٥: ١٥٢) رجل خائط وخيّاط، والخياطة: صناعة الخائط.
الثانية: في «المحكم» (٦: ٢٥١) المرق الذي يؤتدم به واحدته مرقة. وفي «الديوان» (١: ٢٢٤) بفتح الميم والراء. وفي «المحكم» (٦: ٢٥١) : ومرق القدر يمرقها ويمرقها مرقا وأمرقها: أكثر من مرقها.
стр. 688
الثالثة: في «ديوان الأدب» (٤: ٣٩) : الدبّاء- بضم الدال وتشديد الباء والمد- القرع، والواحدة دبّاءة، قال امرؤ القيس يصف فرسا، أنشده الأعلم في «أشعار الستة» «١» : [من المتقارب]
إذا أقبلت قلت دباءة ... من الخضر مغموسة في الغدر
الرابعة: في «الصحاح» (١: ٥١٩) القد: الشقّ طولا، يقال: قددت السير وغيره أقده. وفي «المحكم» (٦: ٧٢) القديد: ما قطع من اللحم طوالا. وفي «المشارق» (٢: ١٧٢) بتخفيف الدال، يقطع طوالا وييبس ويدخر.
الخامسة: في «المشارق» (٢: ١٨٨) القصعة- بفتح القاف- الصحفة. وزاد في «الديوان» (١: ١٤٢) تشبع العشرة. وفي «الصحاح» (٣: ١٢٦٦) والجمع قصع وقصاع.
стр. 689
الباب الثالث عشر في النجار
قد تقدم في باب الإمام في صلاة الفريضة «١» عند ذكر المنبر الخلاف في اسم من صنعه لرسول الله ﷺ ، فقيل صنعه غلام امرأة من الأنصار، قال ابن بشكوال: اسمه مينا، قال ويقال: صنعه باقول مولى العاص بن أمية «٢» ، قال ويقال: صنعه ميمون النجار، قال وقيل: صنعه صباح غلام العباس بن عبد المطلب. وقال ابن فتحون: إن الذي عمله غلام قبيصة المخزومي. وقال ابن رشد: عمله غلام لسعد بن عبادة، وقيل لامرأة من الأنصار، وقيل غلام للعباس، قال: فلعلّهم كلهم اجتمعوا على عمله. انتهى.
وقد ثبت أن النبي ﷺ رمى أهل الطائف بالمنجنيق، وأن نفرا من أصحابه ﷺ ورضي عنهم زحفوا إلى جدار الطائف ليخرقوه تحت دبابة، وأن ذلك المنجنيق أول منجنيق رمي به في الإسلام، وأن تلك الدبابة أول دبابة صنعت في الإسلام.
فائدة لغوية:
في «المحكم» : النّجر: نحت الخشبة، نجرها ينجرها نجرا، ونجارة العود:
ما انتحت منه عند النّجر، والنجّار: صاحب النّجر، وحرفته النّجارة.
стр. 690
الباب الرابع عشر في ناحت الاقداح
ذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (١: ٦٤٦- ٦٤٧) عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ورضي عنه قال: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس وأسلمت أمّ الفضل وأسلمت أنا، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم، فكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب قد تخلّف عن بدر، فبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، وكذلك [كانوا] صنعوا لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه، فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا. قال: وكنت رجلا ضعيفا، وكنت أعمل الأقداح أنحتها في حجرة زمزم، فو الله إني لجالس فيها أنحت أقداحي وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهري، فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، قال فقال أبو لهب: هلم إليّ فعندك لعمري الخبر، قال: فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي: أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: والله ما هو إلّا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا «١» ، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجال بيض «٢» على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء. قال
стр. 691
أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك والله الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده فضرب بها وجهي ضربة شديدة، قال: وثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض، ثم برك عليّ يضربني وكنت رجلا ضعيفا، قال: فقامت أمّ الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فضربته به ضربة فلغت «١» في رأسه شجّة منكرة، وقالت:
استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام مولّيا ذليلا، فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتله «٢» .
تنبيه:
قد تقدم ذكر أبي رافع في باب الثقل من هذا الكتاب.
فوائد لغوية في خمس مسائل:
الأولى: في «الصحاح» (١: ٢٦٢) كبت الله العدوّ: أي صرفه وأذلّه. انتهى.
وفي «الديوان» (٢: ١٤٧) كبته يكبته- بفتح الباء في الماضي وكسرها في المستقبل.
الثانية: الجوهري (١: ٣٩٤) : القدح: بالتحريك واحد الأقداح التي للشرب. وفي «الديوان» : (١: ١٧٩) القدح بفتح القاف والدال معا، وفيه (٢: ١٤٨) أيضا: نحت الخشبة أي براها- بفتح الحاء- ينحتها بكسرها، وقال ابن طريف: نحت الخشبة نحتا: سواها.
الثالثة: ابن طريف: ما ألاق شيئا أي ما أبقاه، وما ألاق السيف شيئا إلا قطعه كذلك.
الرابعة: ابن طريف: فلغ رأسه بالحجر فلغا: شقّه.
الخامسة: في «الديوان» (١: ٢٣٧) العدسة: داء من الأدواء- بفتح العين والدال- وفي «الصحاح» (٢: ٩٤٤) العدسة: بثرة تخرج بالإنسان وربما قتلت.
стр. 692
الباب الخامس عشر في الصّواغ
ترجم البخاري رحمه الله تعالى في كتابه «الجامع الصحيح» (٣: ٧٨- ٧٩) :
باب ما قيل في الصواغ، وخرّج فيه عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم، وكان النبي ﷺ أعطاني شارفا من الخمس، فلما أردت أن ابتني بفاطمة بنت النبي ﷺ واعدت رجلا صوّاغا من بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصّواغين، وأستعين به في وليمة عرسي.
وخرّج فيه (٣: ٧٩) أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: إن الله حرّم مكة ولم تحلّ لأحد قبلي ولا لأحد بعدي، وإنما حلّت لي ساعة من نهار، لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها، ولا ينفّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرّف. وقال العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه:
إلا الإذخر لصاغتنا ولسقف بيوتنا، فقال: إلا الاذخر.
تنبيه:
يحتمل أن تكون الصياغة في أول الإسلام حرفة اليهود، ولم يكن أحد من المسلمين يحترف بها فلينظر هذا.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «المحكم» (٦: ٢٥) صاغ الشيء يصوغه صوغا وصياغة: سبكه، ورجل صائغ وصوّاغ وصيّاغ. والصّوغ: ما صيغ.
الثانية: في «المشارق» (٢: ٢٠٠) بنو قينقاع: شعب من يهود المدينة- بكسر النون وفتحها وضمها.
стр. 693
الباب السادس عشر في الحداد
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر من كان حدّادا في عهد رسول الله ﷺ
روى البخاري (٢: ١٠٥) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين، وكان ظئرا لإبراهيم، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمّه.
وقال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٥٥) ، قال أنس في حديث موت إبراهيم قال: فانطلق رسول الله ﷺ وانطلقت معه، فصادفنا أبا سيف ينفخ في كيره، وقد امتلأ البيت دخانا، فأسرعت في المشي بين يدي النبي ﷺ حتى انتهيت إلى أبي سيف، فقلت: يا أبا سيف أمسك جاء رسول الله ﷺ ، فأمسك، فدعا رسول الله ﷺ بالصبيّ فضمه إليه وقال ما شاء الله أن يقول، فلقد رأيته يكيد بنفسه، قال: فدمعت عينا النبي ﷺ فقال: تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الربّ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: في «الصحاح» (٦: ٢١٨٥) القين: الحداد، والجمع القيون. ابن السكيت: يقال للحداد ما كان قينا، ولقد قان يقين قينا.
стр. 694
الثانية: في «الصحاح» (٢: ٨١١) قال أبو عمرو: والكير: كير الحداد، وهو زقّ أو جلد غليظ ذو حافات، فأما المبني من الطين فهو الكور.
قلت: الكير الذي هو الزق بكاف مكسورة بعدها الياء أخت الواو ساكنة.
وأنشد غير واحد لبشر بن أبي خازم في وصف فرس «١» [من الوافر]
كأن حفيف منخره إذا ما ... كتمن الرّبو كير مستعار
والكور المبني من الطين- بضم الكاف والواو ساكنة أيضا، والكور بفتح الكاف والواو ساكنة: إدارة العمامة على الرأس، والكثير من الإبل والزيادة، وأن يجمع القصار ثيابا كثيرة في ثوب؛ كل ذلك من «مثلث» ابن السيد.
الثالثة: ابن طريف: كاد بنفسه عند الموت: إذا كان في السّوق.
الفصل الثاني في ذكر نسب أبي سيف
قال ابن فتحون: أبو سيف القين ظئر إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، اسمه البراء بن أوس، وقد ذكره أبو عمر مسمّى، وهو بكنيته أشهر. وقال أبو عمر (١٥٣) : البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، هو أبو إبراهيم ابن النبي ﷺ من الرضاع، لأن زوجته أم بردة أرضعته بلبنه.
стр. 695
الباب السابع عشر في البناء
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول فيما بناه رسول الله ﷺ
١- مسجد قباء:
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (١: ٤٩٣- ٤٩٤) نزل رسول الله ﷺ حين قدم المدينة لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول على كلثوم بن الهدم أخي بني عمرو بن عوف ثم أحد بني عبيد، وأقام بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجده، ثم أخرجه الله تعالى من يبن أظهرهم يوم الجمعة، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك، فالله أعلم. انتهى.
وقال أبو القاسم السهيلي رحمه الله تعالى في «الروض الأنف» (٤: ٢٥٤) : ذكر ابن أبي خيثمة أن رسول الله ﷺ حين أسس مسجد قباء كان هو أوّل من وضع حجرا في قبلته، ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه إلى حجر أبي بكر، ثم أخذ الناس في البنيان. انتهى.
قلت: فيتخرّج من هذا أن رسول الله ﷺ أول من بنى مسجدا في الإسلام.
٢- مسجد النبي
ﷺ ومساكنه بدار بني النجار:
روى البخاري (٥: ٨٦) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه
стр. 696
قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نزل في علو المدينة، في حيّ يقال لهم بنو عمرو بن عوف، قال: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النّجار، فجاءوا متقلّدي سيوفهم، وكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: وكان «١» يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم. قال: ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ بني النجّار فجاءوا، فقال: يا بني النجار ثامنوني حائطكم هذا، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، قال: فكان فيه ما أقول لكم- كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسوّيت، وبالنخل فقطع، قال: فصفوا النخل قبلة المسجد، قال: وجعلوا عضادتيه حجارة، قالوا: وجعلوا ينقلون ذلك الصخر وهم يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم، ويقولون:
اللهم لا خير إلا خير الآخره ... فانصر الأنصار والمهاجره «٢»
قال ابن إسحاق (١: ٤٩٦، ٤٩٨) : فعمل فيه رسول الله ﷺ ليرغّب المسلمين في العمل، فعمل فيه المهاجرون والأنصار.
قال: وأقام رسول الله ﷺ ببيت أبي أيوب حتى بني له مسجده ومساكنه، ثم انتقل إلى مساكنه من بيت أبي أيوب رضي الله تعالى عنه.
انتهى.
تنبيه:
حديث البخاري رحمه الله تعالى عن أنس يصحح ما كان يذكره بنو عمرو بن عوف من إقامة النبي ﷺ فيهم أكثر من أربعة أيام، حسبما ذكر ذلك ابن إسحاق. انتهى.
стр. 697
وذكر ابن جماعة رحمه الله تعالى أن رسول الله ﷺ أمر ببناء المسجد فبني باللبن، وجعلت عضادتاه بالحجارة، وسواريه جذوع النخل، وسقفه الجريد، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي الجانبين الآخرين مثل ذلك، فهو مربع، ويقال كان أقلّ من المائة، وجعل الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ثم بنوه باللبن، ثم بني النبي ﷺ مساكنه إلى جنب المسجد باللبن، وسقفها بجذوع النخل والجريد. انتهى.
وقد تقدّم في باب إمام صلاة الفريضة قول السهيلي في «الروض الأنف» (٤: ٢٦٧) أن بيوت النبي ﷺ كانت تسعة، بعضها من جريد مطيّن بالطين، وسقفها جريد، وبعضها من حجارة مرضومة بعضها على بعض مسقفة بالجريد أيضا، وكان لكلّ بيت حجرة، وكانت حجرة النبي ﷺ أكسية من شعر مربوطة بخشب عرعر. انتهى.
الدكان لجلوسه ﷺ :
ذكر أبو محمد ابن حيان رحمه الله تعالى في «كتاب أخلاق النبي ﷺ » (٦٦) عن أبي هريرة وأبي ذر رضي الله تعالى عنهما قالا «١» : كان النبي ﷺ يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب ولا يدري أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا إليه أن يجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانا من طين، فكان يجلس عليه ونجلس بجانبيه.
فوائد لغوية في ثمان مسائل:
الأولى: في «المحكم» : البناء نقيض الهدم، بناه بنيا وبناء وبنيانا وابتناه، والبناء: المبنيّ، والجمع أبنية، وأبنيات جمع الجمع، والبنّاء مدبّر البنيان وصانعه، والبنية والبنية: ما بنيته. وفي «الجامع» : البنية والبنية: اسم الشيء
стр. 698
المبني، والبنى بكسر الأول مقصور جمع بنية، ومنهم من يضم أوله ويقصر أيضا فيكون هو البنى جمع بنية أيضا.
الثانية: في «المعجم» (٣: ١٠٤٥) قباء- بضم القاف ممدود- من العرب من يذكّره ويصرفه ومنهم من يؤنثه ولا يصرفه.
الثالثة: في «الصحاح» (١: ٢٩٣) المكث: اللّبث والانتظار، وقد مكث ومكث، والاسم المكث والمكث بضم الميم وكسرها، وتمكّث: تلبّث، وصار «١» متمكّثا أي متلوّما.
الرابعة: في «المشارق» (١: ٢٣١- ٢٣٢) قوله في موضع المسجد: خرب، ضبطوه بفتح الخاء وكسر الراء [وبكسر الخاء وفتح الراء وكلاهما صحيح] «٢» قال في «المشرع الروي» : هو بقايا الأطلال والجدرات. وفي «الصحاح» (١: ١١٩) الخراب: ضد العمارة، وقد خرب الموضع بالكسر فهو خرب، ودار خربة، وأخربها صاحبها، وخربوا بيوتهم، شدّد لفشوّ الفعل أو للمبالغة.
الخامسة: في «الصحاح» (١: ٥٠٦) : أعضاد كل شيء: ما يشد عواليه «٣» من البناء وغيره كأعضاد الحوض، وهي حجارة تنصب حول شفيره، وكذلك عضادتا الباب، وهما جنبتاه «٤» . وفي «المحكم» (١: ٢٤١) عضادتا الباب: ناحيتاه.
السادسة: الجوهري (٦: ٢١٩٢) اللبنة يبنى بها، والجمع لبن مثل: كلمة وكلم؛ قال الراجز [من الرجز]
ولا يزال قائل أبن أبن ... دلوك عن حدّ الضروس واللّبن
«٥»
стр. 699
من العرب من يقول: لبنة ولبن مثل لبدة ولبد، ولبّن الرجل تلبينا إذا اتخذه، والملبن: قالب اللّبن.
السابعة: الجوهري (٥: ١٩٣٣) الرضم والرضام: صخور عظام يرضم بعضها فوق بعض في الأبنية، الواحدة رضمة، يقال: رضم عليه الصخر يرضم بالكسر رضما، ورضم فلان بيته بالحجارة، والرّضيم: البناء بالصخر.
الثامنة: في «الصحاح» (٤: ١٥٨٤) الدكة والدكان: الذي يقعد عليه، وقال الشاعر يصف ناقته «١» [من الوافر]
فأبقى باطلي والجدّ منها ... كدكّان الدرابنة المطين
والدرابنة (٥: ٢١١٢) البوابون، فارسي معرب، قال: وبعضهم يجعل نون الدكان أصلية. وفي «المحكم» : ودكّن الدكان: عمله.
الفصل الثاني في ذكر أوّل بنّاء كان في الإسلام
في كتاب «نفحة الحدائق والخمائل في ذكر الابتداع والاختراع للأوائل» : أول بنّاء كان في الإسلام عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه انتهى. وقد تقدم من نسبه وأخباره رضي الله تعالى عنه ما أغنى عن إعادته.
الفصل الثالث في الرجل يحسن الشيء من أعمال البناء فيوكل بعمله
قال أبو بكر ابن فتحون في كتاب «ذيل الاستيعاب» »
: وفد على رسول الله ﷺ قيس بن طلق الحنفي، وهو ﷺ يبنى
стр. 700
مسجده، فشهده معه، فوكله النبي ﷺ بعمل الطين لأنه رآه محسنا فيه.
فائدة لغوية:
في «المشارق» (٢: ٢٨٥) وكل بلالا أن يوقظهم للصلاة، رويناه بتخفيف الكاف وتشديدها، أي استكفاه ذلك وكفّله إياه، وكذلك قوله: وقد وكلهم بتسوية الصفوف.
стр. 701
الباب الثامن عشر في الدباغ
ذكر أبو بكر ابن دريد رحمه الله تعالى في كتاب «الوشاح» له في باب الصناعات، ثم في باب من كان دباغا: الحارث بن صبيرة. وقال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (١٧٧٤) أبو وداعة الحارث بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، أسلم يوم الفتح هو وابنه. انتهى.
وضبطه الحافظ أبو علي الغساني رحمه الله تعالى في نسخته التي بخطه من «الاستيعاب» سعيد بن سعد: جدّ أبي وداعة- بضم السين وفتح العين- على لفظ التصغير.
فائدة لغوية:
الجوهري (٤: ١٣١٨) دبغ فلان إهابه يدبغه دبغا ودباغة ودباغا فاندبغ، والدّباغ أيضا: ما يدبغ به الجلد، وكذلك الدّبغ والدّبغة بالكسر، والدّبغة بالفتح: المرة الواحدة.
стр. 702
الباب التاسع عشر في الخوّاص
في «الاستيعاب» (٦٣٥) لابن عبد البر: ذكر ابن وهب وابن نافع عن مالك رحمهم الله تعالى قال: كان سلمان رضي الله تعالى عنه يعمل الخوص بيده فيعيش منه، ولا يقبل من أحد شيئا. وذكر معمر عن رجل من أصحابه قال: دخل قوم على سلمان وهو أمير على المدائن وهو يعمل هذا الخوص، فقيل له: لم تعمل هذا وأنت أمير ويجرى عليك رزق؟ فقال: إني أحبّ أن آكل من عمل يدي.
تنبيه:
قد تقدم ذكر سلمان رضي الله تعالى عنه وأخباره في باب المفتي «١» فأغنى ذلك عن الإعادة هنا.
تكملة فائدة:
تقدم في الباب المذكور أيضا أن الخوص ورق النخل، الواحدة خوصة، وقد أخوصت النخل، ومعنى عمله هو صنع ما يصنع منه من قفاف وما أشبه ذلك.
стр. 703
الباب الموفي عشرين في الصياد في البرّ
وفيه سبعة فصول
الفصل الأول في ذكر من كان يتصيد بالكلاب
روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، والنّص للبخاري (٧: ١١٣) عن عدي رضي الله تعالى عنه: سألت رسول الله ﷺ . فقلت: إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب، فقال: إذا أرسلت كلابك المعلّمة، وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك إلّا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلب من غيرها فلا تأكل. انتهى.
تنبيه:
عدي هذا هو ابن حاتم الطائي رضي الله تعالى عنه، وقد تقدم ذكره في باب عمال الزكاة من هذا الكتاب فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
الفصل الثاني في ذكر من كان يتصيد بالبزاة
روى الترمذي (٣: ١٤) رحمه الله تعالى عن عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي، فقال: ما أمسك عليك فكل.
قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث مجالد عن الشّعبي، والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بصيد البزاة والصقور بأسا.
стр. 704
فائدة لغوية:
في «الجامع» للقزاز: البأز بالهمز هذا الطائر المعروف والجمع أبؤز، ويقال باز مثل قاض، والجمع بزاة مثل قضاة، ويقال باز مثل نار والجمع بيزان، مثل نيران. وفي «المحكم» : الباز لغة في البازي والجمع أبواز وبيزان، وكان بعضهم يهمز الباز. قال ابن جني: هو مما همز من الألفات التي لا حظّ لها في الهمز. انتهى.
وأنشد كشاجم في «كتاب المصائد والطرائد» (٤٩) : [من الوافر]
لقيت بها بوازي صائدات ... وطيرك في مكامنها لبود «١»
فجمع البازي على بوازي.
الفصل الثالث في ذكر من صاد بالرمح
روى مسلم (١: ٣٣٣) رحمه الله تعالى عن نافع مولى أبي قتادة عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أنه كان مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلّف عن أصحاب له محرمين وهو غير محرم، فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه. فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه، فأبوا عليه، فسألهم رمحه فأبوا عليه، فأخذه ثم شدّ على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحاب النبي ﷺ ، وأبى بعضهم، فأدركوا رسول الله ﷺ فسألوه عن ذلك فقال: انما هي طعمة أطعمكموها الله.
وروى مسلم (١: ٣٣٣) ﵀ أيضا عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله تعالى عنه أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ وهم محرمون وأبو قتادة محلّ، وساق الحديث، وفيه فقال: هل معكم منه شيء؟ قالوا: معنا رجله فأخذها رسول الله ﷺ فأكلها.
стр. 705
نسب أبي قتادة رضي الله تعالى عنه وأخباره:
قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (٢٨٩، ١٧٣١) :
الحارث بن ربعي بن بلدمة أبو قتادة الأنصاري السّلمي من بني غنم بن كعب بن سلمة بن زيد بن جشم بن الخزرج، هكذا يقول ابن شهاب وجماعة أهل الحديث:
أنّ اسم أبي قتادة الحارث بن ربعيّ. وقال ابن إسحاق: وأهله يقولون إن اسمه النعمان بن عمرو بن بلدمة. قال أبو عمر: يقولون بلدمة وبلدمة بالضم، وبلذمة بالذال المنقوطة والضم أيضا. يقال لأبي قتادة فارس رسول الله ﷺ ؛ وروينا عن النبي ﷺ أنه قال: خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجّالتنا سلمة بن الأكوع.
وقال الشعبيّ: كان بدريا ولم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد كلها. واختلف في وقت وفاته، فقال الحسن بن عثمان مات أبو قتادة سنة أربعين، وقيل مات بالمدينة سنة أربع وخمسين، وقيل بل مات في خلافة علي رضي الله تعالى عنهما بالكوفة وهو ابن سبعين سنة وصلّى عليه عليّ رضي الله تعالى عنه وكبر عليه سبعا. قال أبو عمر: شهد أبو قتادة رضي الله تعالى عنه مع علي رضي الله تعالى عنه مشاهده كلها في خلافته. انتهى من الكلام على اسمه وعلى كنيته.
تنبيه:
قول رسول الله ﷺ : خير فرساننا أبو قتادة وخير رجّالتنا سلمة بن الأكوع: كان ذلك يوم غزوة ذي قرد، وهو يوم أغارت فيه بنو فزارة على سرح رسول الله ﷺ ، ويقال يوم الغابة أيضا. وفي «السير» أنّ الذي أغار يومئذ عيينة بن حصن. وفي «صحيح مسلم» (٢: ٧٤) أن الذي أغار عبد الرّحمن الفزاري، فغنموا ما وجدوه من لقاح وظهر فذهبوا به وتبعهم المسلمون، وأبلى يومئذ أبو قتادة وسلمة بن الأكوع بلاء حسنا. فقتل أبو قتادة فارسا منهم اسمه على ما ذكره أبو عمر ابن عبد البر «مسعدة» وعلى ما ثبت في صحيح مسلم «عبد الرّحمن»