الباب الثامن عشر في الدباغ
ذكر أبو بكر ابن دريد رحمه الله تعالى في كتاب «الوشاح» له في باب الصناعات، ثم في باب من كان دباغا: الحارث بن صبيرة. وقال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (١٧٧٤) أبو وداعة الحارث بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، أسلم يوم الفتح هو وابنه. انتهى.
وضبطه الحافظ أبو علي الغساني رحمه الله تعالى في نسخته التي بخطه من «الاستيعاب» سعيد بن سعد: جدّ أبي وداعة- بضم السين وفتح العين- على لفظ التصغير.
فائدة لغوية:
الجوهري (٤: ١٣١٨) دبغ فلان إهابه يدبغه دبغا ودباغة ودباغا فاندبغ، والدّباغ أيضا: ما يدبغ به الجلد، وكذلك الدّبغ والدّبغة بالكسر، والدّبغة بالفتح: المرة الواحدة.
стр. 702
الباب التاسع عشر في الخوّاص
في «الاستيعاب» (٦٣٥) لابن عبد البر: ذكر ابن وهب وابن نافع عن مالك رحمهم الله تعالى قال: كان سلمان رضي الله تعالى عنه يعمل الخوص بيده فيعيش منه، ولا يقبل من أحد شيئا. وذكر معمر عن رجل من أصحابه قال: دخل قوم على سلمان وهو أمير على المدائن وهو يعمل هذا الخوص، فقيل له: لم تعمل هذا وأنت أمير ويجرى عليك رزق؟ فقال: إني أحبّ أن آكل من عمل يدي.
تنبيه:
قد تقدم ذكر سلمان رضي الله تعالى عنه وأخباره في باب المفتي «١» فأغنى ذلك عن الإعادة هنا.
تكملة فائدة:
تقدم في الباب المذكور أيضا أن الخوص ورق النخل، الواحدة خوصة، وقد أخوصت النخل، ومعنى عمله هو صنع ما يصنع منه من قفاف وما أشبه ذلك.
стр. 703
الباب الموفي عشرين في الصياد في البرّ
وفيه سبعة فصول
الفصل الأول في ذكر من كان يتصيد بالكلاب
روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، والنّص للبخاري (٧: ١١٣) عن عدي رضي الله تعالى عنه: سألت رسول الله ﷺ . فقلت: إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب، فقال: إذا أرسلت كلابك المعلّمة، وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك إلّا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلب من غيرها فلا تأكل. انتهى.
تنبيه:
عدي هذا هو ابن حاتم الطائي رضي الله تعالى عنه، وقد تقدم ذكره في باب عمال الزكاة من هذا الكتاب فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
الفصل الثاني في ذكر من كان يتصيد بالبزاة
روى الترمذي (٣: ١٤) رحمه الله تعالى عن عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي، فقال: ما أمسك عليك فكل.
قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث مجالد عن الشّعبي، والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بصيد البزاة والصقور بأسا.
стр. 704
فائدة لغوية:
في «الجامع» للقزاز: البأز بالهمز هذا الطائر المعروف والجمع أبؤز، ويقال باز مثل قاض، والجمع بزاة مثل قضاة، ويقال باز مثل نار والجمع بيزان، مثل نيران. وفي «المحكم» : الباز لغة في البازي والجمع أبواز وبيزان، وكان بعضهم يهمز الباز. قال ابن جني: هو مما همز من الألفات التي لا حظّ لها في الهمز. انتهى.
وأنشد كشاجم في «كتاب المصائد والطرائد» (٤٩) : [من الوافر]
لقيت بها بوازي صائدات ... وطيرك في مكامنها لبود «١»
فجمع البازي على بوازي.
الفصل الثالث في ذكر من صاد بالرمح
روى مسلم (١: ٣٣٣) رحمه الله تعالى عن نافع مولى أبي قتادة عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أنه كان مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلّف عن أصحاب له محرمين وهو غير محرم، فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه. فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه، فأبوا عليه، فسألهم رمحه فأبوا عليه، فأخذه ثم شدّ على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحاب النبي ﷺ ، وأبى بعضهم، فأدركوا رسول الله ﷺ فسألوه عن ذلك فقال: انما هي طعمة أطعمكموها الله.
وروى مسلم (١: ٣٣٣) ﵀ أيضا عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله تعالى عنه أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ وهم محرمون وأبو قتادة محلّ، وساق الحديث، وفيه فقال: هل معكم منه شيء؟ قالوا: معنا رجله فأخذها رسول الله ﷺ فأكلها.
стр. 705
نسب أبي قتادة رضي الله تعالى عنه وأخباره:
قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (٢٨٩، ١٧٣١) :
الحارث بن ربعي بن بلدمة أبو قتادة الأنصاري السّلمي من بني غنم بن كعب بن سلمة بن زيد بن جشم بن الخزرج، هكذا يقول ابن شهاب وجماعة أهل الحديث:
أنّ اسم أبي قتادة الحارث بن ربعيّ. وقال ابن إسحاق: وأهله يقولون إن اسمه النعمان بن عمرو بن بلدمة. قال أبو عمر: يقولون بلدمة وبلدمة بالضم، وبلذمة بالذال المنقوطة والضم أيضا. يقال لأبي قتادة فارس رسول الله ﷺ ؛ وروينا عن النبي ﷺ أنه قال: خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجّالتنا سلمة بن الأكوع.
وقال الشعبيّ: كان بدريا ولم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد كلها. واختلف في وقت وفاته، فقال الحسن بن عثمان مات أبو قتادة سنة أربعين، وقيل مات بالمدينة سنة أربع وخمسين، وقيل بل مات في خلافة علي رضي الله تعالى عنهما بالكوفة وهو ابن سبعين سنة وصلّى عليه عليّ رضي الله تعالى عنه وكبر عليه سبعا. قال أبو عمر: شهد أبو قتادة رضي الله تعالى عنه مع علي رضي الله تعالى عنه مشاهده كلها في خلافته. انتهى من الكلام على اسمه وعلى كنيته.
تنبيه:
قول رسول الله ﷺ : خير فرساننا أبو قتادة وخير رجّالتنا سلمة بن الأكوع: كان ذلك يوم غزوة ذي قرد، وهو يوم أغارت فيه بنو فزارة على سرح رسول الله ﷺ ، ويقال يوم الغابة أيضا. وفي «السير» أنّ الذي أغار يومئذ عيينة بن حصن. وفي «صحيح مسلم» (٢: ٧٤) أن الذي أغار عبد الرّحمن الفزاري، فغنموا ما وجدوه من لقاح وظهر فذهبوا به وتبعهم المسلمون، وأبلى يومئذ أبو قتادة وسلمة بن الأكوع بلاء حسنا. فقتل أبو قتادة فارسا منهم اسمه على ما ذكره أبو عمر ابن عبد البر «مسعدة» وعلى ما ثبت في صحيح مسلم «عبد الرّحمن»
стр. 706
ورماهم سلمة بالنبل وتبعهم حتى لحقت به فوارس رسول الله ﷺ وتدخّلوا بينه وبين ما غنموا، وألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا يتخففون، فلذلك قال رسول الله ﷺ : خير فرساننا أبو قتادة وخير رجّالتنا سلمة بن الأكوع.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: البلدمة: لحم الصدر، وهي أيضا: الرجل الثقيل، قاله ابن سيّد في «الاشتقاق» . وفي «الصحاح» (٥: ١٨٧٤) بلدم الفرس: ما اضطرب من حلقومه بالدال والذال جميعا. انتهى.
وهو بفتح الباء والدال عن الفارابي. وقد تقدم ما حكاه أبو عمر ابن عبد البر من لغتي الفتح والضمّ فيه.
الثانية: ذو قرد: في «المشارق» (١: ٢٧٥) بفتح القاف والراء- ماء على نحو يوم من المدينة مما يلي بلاد غطفان. والغابة (٢: ١٤٣) بالغين المعجمة والباء بواحدة- مال من أموال عوالي المدينة، قال القاضي (١: ٢٧٥) وإنما كانت الغارة والسرح بالغابة قرب المدينة، وإنما ذو قرد حيث انتهى المسلمون آخر النهار في طلب العدو وبه باتوا ومنه انصرفوا، فسمّيت به الغزوة.
وقال ابن جماعة في «سيره» : وفي سنة ستّ من الهجرة كانت غزوة الغابة وهي ذو قرد. قال ابن إسحاق: في ذي القعدة.
الثالثة: قال الجوهري (٤: ١٧٠٥) الراجل خلاف الفارس والجمع الرّجّالة «١» .
الفصل الرابع في الصيد بالسهم
روى مسلم (١: ١٠٨) رحمه الله تعالى عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه، قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصيد، قال: إذا رميت سهمك
стр. 707
فاذكر اسم الله تعالى فإن وجدته قد قتل فكل، إلا أن تجده قد وقع في ماء فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك.
الفصل الخامس في الصيد بالمعراض
روى مسلم (١: ١٠٨) رحمه الله تعالى عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن المعراض فقال: إذا أصاب بحدّه فكل، وإذا أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل.
فائدتان لغويتان:
الأولى: قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في «المشارق» (٢: ٧٣) : المعراض خشبة محددة الطرف، وقيل في طرفها حديدة يرمى بها الصيد، وقيل سهم لا ريش له يرمى به عرضا، إن أصاب بحده وطوله أكل لأنه جرح وقطع، وما أصاب بعرضه لم يؤكل لأنه رضّ، كما قال في الحديث، فهو وقيذ.
الثانية: قال القاضي عياض في «المشارق» (٢: ٢٩٣) أيضا: قوله ﷺ : «فإنه وقيذ» أي ميتة، قيل دون ذكاة، من قوله وَالْمَوْقُوذَةُ وهي المقتولة بعصا أو حجر أو ما لا حدّ له، يقال وقذته: إذا أثخنته ضربا.
فائدة فقهية: إذا أصاب المعراض بعرضه لا بحدّه ولم يقتل ولم ينفذ المقاتل ذكّى وأكل بحكم الذكاة كالمصيد بالجوارح والرمح والسهم.
الفصل السادس في الصيد باليد
روى مسلم (٢: ١١٥) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه:
مررنا فاستنفجنا أرنبا بمرّ الظهران فسعوا عليه فلغبوا، قال: فسعيت حتى أدركتها،
стр. 708
فأتيت بها أبا طلحة رضي الله تعالى عنهما فذبحها، فبعث بوركها وفخذيها إلى رسول الله ﷺ فقبلها.
وروى القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في «الشفا» (١: ٥٩٤) بسند بلغ فيه عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان عندنا داجن فإذا كان عندنا رسول الله ﷺ قرّ وثبت مكانه ولم يجىء ولم يذهب، فإذا خرج رسول الله ﷺ جاء وذهب.
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: في «المشارق» (٢: ٢٠) : استنفجنا أرنبا وأنفجنا بالجيم، أي أثرناها فنفجت أي وثبت.
الثانية: في «المشارق» (١: ٣٣٢) في حرف الظاء المعجمة: مرّ الظّهران- بفتح الميم وتشديد الراء وتصريفها بوجوه الإعراب، وفتح الظاء وسكون الهاء، والظهران مفردا دون مرّ- هو على بريد من مكة.
وقال ابن وضاح: على أحد وعشرين ميلا، وقيل على ستة عشر ميلا. انتهى.
الثالثة: ابن طريف: لغب بفتح الغين «١» لغوبا: أعيا ولغب بكسرها لغة فيه. انتهى. وفي «ديوان الأدب» (٢: ١٠١، ٢٢٥) لغب بفتح الغين يلغب بضمها ولغب بكسر الغين يلغب بفتحها.
الرابعة: قال الهروي: دواجن البيوت: ما ألفها من الطير والشاء وغير ذلك، الواحد: داجن وداجنة.
قال في «الديوان» (٢: ٣٦) : دجن يدجن دجونا بالفتح في الماضي والضم في المستقبل.
стр. 709
الفصل السابع في الصيد بالآلات
قال أبو محمد ابن عطية (٥: ١٨٨) رحمه الله تعالى في قول الله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ (المائدة: ٩٤) الظاهر أن الله خصّ الأيدي بالذكر لأنها معظم «١» التصرف في الاصطياد، وفيها تدخل الحبالات وما عمل باليد من فخاخ وشباك. انتهى.
وقال أبو الفتح كشاجم رحمه الله تعالى في كتابه «المصايد والطرائد» (٤٧) في باب المكايد التي يتوصل بها إلى الصيد: والآلات المتخذة لذلك الصيد على ضروب من الحيل وبآلات مختلفات «٢» فمنها الشباك الظاهرة والأشراك المستورة والفخاخ، ومنها ما يدسّ في أماكن مفترقة تحت التراب من الحديد للبقر والحمير، مما إذا تخطّت فيه حصلت «٣» فيه أرجلها ولذعها فرمحت فيقطع عصبها «٤» حتى لا يكون بها حراك «٥» وإياه عنى الشاعر بقوله: [من الطويل]
فإن كنت لا أرمي «٦» الظباء فإنني ... أدسّ لها تحت التراب الدواهيا
ومنها الزّبى والأكر، وهي الحفر.
فوائد لغوية في ست مسائل:
الأولى: قول ابن عطية رحمه الله تعالى: الحبالات، هو جمع حبالة بكسر الحاء، وتجمع أيضا على حبائل كرسالة ورسائل.
الزبيدي: الحبالة المصيدة، وحبلت الصيد واحتبلته إذا أخذته.
стр. 710
ابن طريف حبلت الصيد- بفتح الباء- صدته بالحبالة.
الثانية: الشباك جمع شبكة بفتح الشين والباء؛ قال الفارابي (١: ٢٤٠) وهي التي يصاد بها. انتهى.
الثالثة: الأشراك جمع شركة بفتح الشين والراء؛ قال الفارابي (١: ٢٤٠) وهي التي يصاد بها. انتهى. وفي «الصحاح» (٤: ١٥٩٤) الشرك بالتحريك: حبالة الصيد الواحدة شركة.
الرابعة: في «الصحاح» (١: ٤٢٨) الفخ: المصيدة والجمع فخاخ وفخوخ.
الخامسة: قال الجوهري (٦: ٢٣٦٦) الزّبية: الرّابية لا يعلوها الماء، وفي المثل قد بلغ السّيل الزّبى، والزبية: الحفرة تحفر للأسد، سمّيت بذلك لأنهم كانوا يحفرونها في موضع عال، يقال: تزبّيت زبية. انتهى. وقال ابن سيده: قد زباها وتزبّاها وأنشد: [من الرجز]
فكان والأمر الّذي قد كيدا ... كاللّذ تزبّى زبية فاصطيدا «١»
انتهى. وزايها مضمومة، قاله الفارابي.
السادسة: في «الصحاح» (٢: ٥٨٠) الأكرة بالضم: الحفرة، يقال: تأكّرت أكرا أي حفرت الحفر. وفي «المحكم» : أكر يأكر أكرا، وتأكّر حفر حفرة؛ وأنشد العجاج «٢» : [من الرجز]
من سهله ويتأكّرن الأكر
ابن طريف: أكر بفتح الكاف.
стр. 711
الباب الحادي والعشرون في الصياد في البحر
وفيه فصلان
الفصل الأول في ما جاء في صيد البحر في كتاب الله تعالى
قال الله : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ (المائدة: ٩٦) وقال : وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها (فاطر: ١٢) قال أبو محمد ابن عطية (٥: ١٩٨- ١٩٩) رحمه الله تعالى: هذا حكم بتحليل صيد البحر، وهو كل ما صيد من حيتانه، والصيد هنا يراد به المصيد، والبحر: الماء الكثير ملحا كان أو عذبا، وطعامه- قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما وجماعة من الصحابة والتابعين من بعدهم رضي الله تعالى عن جميعهم- هو ما قذف به وطفا عليه لأن ذلك طعام لا صيد، وهذا التأويل ينظر إلى قول رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته. والماء الفرات: الشديد العذوبة، والأجاج: الشديد الملوحة الذي يميل إلى المرارة من ملوحته. قال الزجاجي: هو من أججت النار، كأنه يحرق من حرارته.
الفصل الثاني في ما صيد من البحر في زمن رسول الله ﷺ
روى مسلم (٢: ١١٠) رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه قال:
بعثنا رسول الله ﷺ فأمّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش، وزوّدنا
стр. 712
جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، قال فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصّها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبلّه بالماء فنأكله. قال:
وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كالكثيب الضخم فأتيناه، فإذا هي دابة تدعى العنبر.
قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا؛ قال: فأقمنا عليها شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنّا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن ونقتطع منه الفدر كالثور أو كقدر الثور، فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا فمرّ تحتها وتزوّدنا من لحمه وشائق. فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله.
فوائد لغوية في عشر مسائل:
الأولى: في «المشارق» (٢: ١٠٧) العير بكسر العين: وهي القافلة والإبل والدواب التي تحمل الأحمال والطعام والتجارة ولا تسمى عيرا إلا إذا كانت كذلك.
الثانية: في «المشارق» (١: ١٤٤) الجراب: وعاء من جلد كالمزود ونحوه- بكسر الجيم- عند الخليل وغيره، وقال القزاز هو بفتحها. قال القاضي: وجمعه جرب بضم الجيم والراء.
الثالث: في «الصحاح» (٣: ١٠٥٦) مصصت الشيء بالكسر أمصّه مصا.
انتهى. وقال ابن طريف في باب فعل بفتح العين: مصصت الشيء ومصصته مصّا:
شربته شربا رقيقا.
الرابعة: في «المشارق» (١: ٢٢٩) الخبط بفتح الخاء والباء- ورق السمر، واختبط ضرب بالعصا ليسقط. واختبطناه فعلنا ذلك به.
стр. 713
الخامسة: في «المشارق» (١: ٣٣٦) الكثيب من الرمل شبه الربوة من التراب وجمعها كثب بالضم. انتهى. ويجمع أيضا على كثبان، قاله غير واحد.
السادسة: في «المشارق» (٢: ٢٩٣) : وقب عينه- بفتح الواو وسكون القاف- حفرة العين في عظم الوجه.
السابعة: في «المشارق» (٢: ١٨٤) : والقلال جمع قلّة وهي حبّ الماء سميت بذلك لأنها تقلّ بالأيدي، أي ترفع.
الثامنة: في «المشارق» (٢: ١٤٨) : الفدر- بكسر الفاء وفتح الدال- هي القطع منه واحدتها فدرة. وفي «الديوان» (١: ١٩٧) الفدرة بكسر الفاء: القطعة من اللحم إذا كانت مجتمعة.
التاسعة: في «المشارق» رحلت البعير شددت عليه الرحل، والرّحل:
الرّحالة، وهي من مراكب الرجال، وجمعها رحال.
العاشرة: في «المشارق» (٢: ٢٩٧) وشائق: شرائح ميبّسة كالقديد، وقيل بل الذي أغلي إغلاءة ثم رفع.
стр. 714
الباب الثاني والعشرون في العامل في الحوائط
في «صحيح مسلم» (٢: ٢٦٢) رحمه الله تعالى: قال ابن المسيّب إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال: يقولون إن أبا هريرة قد أكثر، والله الموعد، ويقولون:
ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدّثون بمثل «١» أحاديثه وسأخبركم عن ذلك: إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضيهم، وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصّفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني وأشهد «٢» إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا، ولقد قال رسول الله ﷺ يوما: أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي هذا ثم يجمعه إلى صدره فإنه لن ينسى شيئا سمعه؟ فبسطت بردة عليّ حتى فرغ من حديثه، ثم جمعتها إلى صدري فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به، ولولا آيتان أنزلهما الله ما حدثت شيئا أبدا إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى (البقرة: ١٥٩، ١٧٤) إلى آخر الآيتين.
فائدتان لغويتان:
الأولى: ابن طريف عمل- بكسر الميم- عملا: يستعمل في كلّ شيء.
وفي «المحكم» (٢: ١٢٧) العمل: المهنة والفعل، والجمع: أعمال، عمل عملا وأعمله واستعمله، واعتمل: عمل بنفسه، أنشد سيبويه «٣» : [من الرجز]
стр. 715
إنّ الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتّكل
ويكتسي من بعدها ويكتحل «١» تنبيه:
قول ابن سيده: العمل: المهنة، يريد الخدمة. قال الجوهري (٦: ٢٢٠٩) :
المهنة- بالفتح- الخدمة. وحكى أبو زيد والكسائي المهنة بالكسر وأنكره الأصمعي.
فيكون معنى قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عمل أرضيهم: خدمة أرضيهم.
الثانية: في «المحكم» الأرض التي عليها الناس أنثى والجمع: أراض وأروض وأرضون بفتح الراء. وفي «الصحاح» (٣: ١٠٦٣) : والجمع أرضات، والأراضي أيضا على غير قياس.
стр. 716
الباب الثالث والعشرون في السقاء الذي يحمل الماء على ظهره
قال أبو عمر في «الاستيعاب» (١٧١٧) أبو عقيل صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون اسمه: جثجاث.
وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ (التوبة: ٧٩) الآية: أن رسول الله ﷺ حضّ على الصدقة يوما فجاء عبد الرّحمن بن عوف بنصف ماله أربعة آلاف درهم أو أربعمائة دينار. وأتى عاصم بن عدي بمائة وسق تمر فلمزها المنافقون، وقالوا: هذا رياء فنزلت الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ
. أبو عقيل جاء بصاع من تمر فقال: ما لي غير صاعين نقلت فيهما الماء على ظهري حبست أحدهما لعيالي وجئت بالآخر. فقال المنافقون: إن الله لغنيّ عن صاع هذا.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «ديوان الأدب» (٣: ١٠٨) الجثجاث: نبت طيب الرائحة. انتهى.
قلت: ولم يذكره ابن سيّد في «كتابه في الاشتقاق» ويحتمل أن يكون سمّي بهذا النبت كما سمي حنظلة وأرطاة.
الثانية: في «المشارق» (١: ٣٥٨) لمزه يلمزه- بكسر الميم وضمها- واللمز:
العيب والغض من الناس والهمز مثله؛ قال الله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (الهمزة: ١) وقيل اللمز العيب في الوجه والهمز في الظهر، وقيل كلاهما في الظهر كالغيبة. وقيل إنما اللمز إذا كان بغير التصريح بإشارة الشفتين والعينين والرأس ونحوه.
стр. 717
الباب الرابع والعشرون في الحمل على الظهر
روى النسائي (٥: ٥٩) رحمه الله تعالى عن أبي مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالصدقة، فما يجد أحدنا شيئا يتصدق به حتى ينطلق إلى السوق فيحمل على ظهره فيجيء بالمدّ فيعطيه رسول الله ﷺ . إني لأعرف اليوم رجلا له مائة ألف لم يكن له يومئذ درهم.
فائدة لغوية:
في «الإصلاح» «١» الحمل ما كان في بطن أو على رأس شجرة؛ قلت: يعني بالفتح، والحمل بالكسر ما كان على ظهر أو رأس. انتهى.
وفي «الصحاح» (٤: ١٦٧٧) ذكر ابن دريد أن حمل الشجر فيه لغتان: الفتح والكسر. وفي «المحكم» حمل الشيء يحمله حملا وحملانا فهو محمول، والحمل: ما حمل وجمعه أحمال، والحمّال حامل الأحمال، وحرفته الحمالة، وحملت المرأة تحمل حملا علقت، وامرأة حامل وحاملة، وجمع الحمل: حمال.
وفي الحديث: «هذا الحمال لا حمال خيبر» يعني ثمر الجنة أنه «٢» لا ينفد. انتهى.
قلت: وهذا كحبل وحبال ورحل ورحال.
стр. 718
الباب الخامس والعشرون في الحجام
١- أبو هند
: في «السير» (١: ٦٤٤) لابن إسحاق رحمه الله تعالى: ولقي رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة بدر أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضي بحميت مملوء حيسا وقد كان تخلّف عن بدر وشهد المشاهد كلّها وهو كان حجام رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : إنما أبو هند امرؤ من الأنصار فأنكحوه وانكحوا إليه ففعلوا.
٢- أبو طيبة
: روى مالك رحمه الله تعالى في «الموطأ» (٦٩١) عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: احتجم رسول الله ﷺ ، حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاع من تمر وأمر أهله أن يخفّفوا عنه من خراجه.
وفي «الاستيعاب» : قيل اسم أبي هند عبد الله، واسم أبي طيبة دينار، وقيل نافع، وقيل ميسرة. انتهى.
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: في «المحكم» (٣: ٦٧) الحجم: المصّ، والحجّام: المصّاص، وقد حجم يحجم ويحجم حجما، والمحجم والمحجمة ما يحتجم به، وحرفته الحجامة، واحتجم طلب الحجامة.
الثانية: في «الصحاح» (١: ٢٤٧) الحميت الزقّ الذي لا شعر عليه وهو للسمن.
الثالثة: في «المشارق» (١: ٢١٨، ٢: ٢٣١) الحيس: خلط الأقط بالتمر
стр. 719
والسّمن. قال بعضهم: وربما جعلت فيه خميرة. وقال ابن وضاح: هو التمر ينزع نواه ويخلط بالسويق، والمعروف الأول، والسويق هو القمح المقلوّ يطحن وربما ثري بالسمن.
الرابعة: في «المشارق» (١: ٣٢٧) في حرف الطاء المهملة: أبو طيبة- بفتح الطاء بعدها ياء باثنتين تحتها ساكنة بعدها باء بواحدة مفتوحة- حجام النبي ﷺ .
стр. 720
الباب السادس والعشرون في اللحام وهو الجزار والقصاب أيضا
من «صحيح البخاري» (٣: ٧٦) رحمه الله تعالى، باب ما قيل في اللحام والجزار، بسنده عن أبي مسعود رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب، فقال لغلام له قصاب: اجعل لي طعاما يكفي خمسة فإني أريد أن أدعو النبي ﷺ خامس خمسة، فإني قد عرفت في وجهه الجوع، فدعاهم فجاء معهم رجل، فقال النبي ﷺ : إن هذا قد تبعنا فإن شئت أن تأذن له وإن شئت أن يرجع رجع «١» ، فقال: لا بل أذنت له.
وروى البخاري (٢: ٢١٠- ٢١١) رحمه الله تعالى بسنده عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى أن عليا رضي الله تعالى عنه أخبره أن النبي ﷺ أمره أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنه كلّها لحومها وجلودها وجلالها ولا يعطي في جزارتها شيئا.
وروى النسائي رحمه الله تعالى بسنده عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن علي رضي الله تعالى عنه قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه وأن أتصدّق بلحومها وجلودها وأجلّتها وألا أعطي أجر الجازر منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: في «المحكم» : جزر الناقة يجزرها جزرا: نحرها وقطّعها، والجزور
стр. 721
الناقة المجزورة، والجمع جزائر وجزر، وجزرات جمع الجمع كطرق وطرقات، والجزّار والجزّير: الذي يجزر الجزور وحرفته الجزارة، والمجزر موضع الجزر، والجزارة اليدان والرجلان والعنق لأنها لا تدخل في أنصباء الميسر، وإنما يأخذها الجزّار فخرج عن بناء العمالة وهي أجر العامل.
الثانية: العزيزي: البدن جمع بدنة وهي ما جعل في الأضحى للنحر وللنذر وأشباه ذلك، وقد تقدّم تفسير ذلك.
الثالثة: في «المحكم» : جلّ الدابة وجلّها: الذي تلبسه لتصان به، الفتح عن ابن دريد، قال: وهي لغة تميمية معروفة، والجمع جلال وأجلال، وجلال كل شيء:
غطاؤه، في «المشارق» : جلال البدن وأجلّتها: وهي الثياب التي تلبسها.
стр. 722
الباب السابع والعشرون في الطباخ
في «الشمائل» (٨٨) للترمذي رحمه الله تعالى عن أبي عبيد رضي الله تعالى عنه قال: طبخت للنبي ﷺ قدرا وكان يعجبه الذراع، فناولته الذراع، ثم قال: ناولني الذراع فناولته، ثم قال: ناولني الذراع فقلت: يا رسول الله وكم للشاة من ذراع؟ فقال: والذي نفسي بيده لو سكتّ لناولتني الذراع ما دعوت. انتهى.
وخرّج النسائي رحمه الله تعالى في كتاب الوليمة من «سننه» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ذبحت لرسول الله ﷺ شاة، قال:
ناولني الذراع، فناولته الذراع، قال: ناولني الذراع فناولته الذراع قال: ناولني الذراع، قلت: يا رسول الله: إنما للشاة ذراعان، قال: لو التمسته وجدته. انتهى.
تنبيه:
يحتمل أن يكون ما رواه هذان الإمامان قصتين وقعتا في وقتين مختلفين، أو يكون من وهم الرواة فنسبها أحدهم لأبي عبيد، ونسبها الآخر لأبي هريرة.
وفي «الاستيعاب» (١٧٠٩) لأبي عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى: أبو عبيد مولى رسول الله ﷺ ، ويقال خادم رسول الله ﷺ ، لا أقف على اسمه. من حديثه: أنه كان يطبخ لرسول الله ﷺ يوما فقال له: ناولني الذراع، وكان يعجبه لحم الذراع، الحديث.
قلت: قال أبو عمر رحمه الله تعالى: الحديث ولم يكمله، وفي هذا تقوية لرواية الترمذي، رحمه الله تعالى.
стр. 723
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «الصحاح» (١: ٤٢٦) طبخت القدر واللحم «١» فانطبخ، والموضع مطبخ، وفي «الديوان» (٢: ١٠٤) بفتح الباء في الماضي وضمها في المستقبل.
الثانية: في «الصحاح» (٣: ١٢٠٩) ذراع اليد يذكر ويؤنث.
стр. 724
الباب الثامن والعشرون في الشوّاء
روى النسائي رحمه الله تعالى عن أبي رافع رضي الله تعالى عنه قال: كنت أشوي لرسول الله ﷺ بطن الشاة وقد توضأ للصلاة، فيأكل منه ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ.
فائدة لغوية:
في «الصحاح» (٦: ٢٣٩٦) شويت اللحم شيّا، والاسم الشّواء، والقطعة منه شواة «١» ، واشتويت: اتخذت شواء، وقد انشوى اللحم، ولا تقل اشتوى، وأشويت القوم: أطعمتهم شواء.
تنبيه:
قد تقدم ذكر أبي رافع رضي الله تعالى عنه في باب صاحب الثقل بما أغنى عن الإعادة.
стр. 725
الباب التاسع والعشرون في الماشطة
قال ابن فتحون في «الذيل» : أم زفر «١» : ماشطة خديجة أمّ المؤمنين وسيدة نساء العالمين رضي الله تعالى عنها، كانت تأتي النبي ﷺ بعد ذلك فيكرمها ويقول: إنها كانت تأتينا أيام خديجة. وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» : (٢: ٣٣٩) لما أعرس رسول الله ﷺ بصفية بنت حيي بن أخطب بخيبر أو ببعض الطريق، كانت التي جمّلتها لرسول الله ﷺ ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم فبات بها رسول الله ﷺ في قبة له. انتهى.
وفي «الاستيعاب» (١٩٤٠) أمّ سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام «٢» بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار: اختلف في اسمها فقيل سهلة، وقيل رملة «٣» ، وقيل رميثة، وقيل مليكة، ويقال الغميصاء والرميصاء، كانت تحت مالك بن النضر أبي أنس بن مالك في الجاهلية فولدت له أنس بن مالك، فلما جاء الله بالإسلام أسلمت مع قومها وعرضت الإسلام على زوجها فغضب عليها وخرج إلى الشام فهلك هنا لك، ثم خلف «٤» عليها بعده أبو طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه خطبها مشركا فلما علم أنه لا سبيل إليها إلا بالإسلام أسلم وتزوجها وحسن إسلامه، فولد له منها غلام كان قد أعجب به، فمات صغيرا فأسف عليه،
стр. 726
ويقال إنه أبو عمير صاحب النّغير. ثم ولدت له عبد الله بن أبي طلحة فبورك فيه، وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه، وإخوته كانوا عشرة كلهم حمل عنه العلم. وروت أم سليم عن النبي ﷺ أحاديث وكانت من عقلاء النساء. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «الصحاح» (٢: ٩٤٥، ٩٤٤) أعرس بأهله: إذا بنى بها، وكذلك إذا غشيها ولا تقل: عرّس، والعامة تقوله، والعروس: نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في إعراسهما. يقال رجل عروس في رجال عرس، وامرأة عروس في نساء عرائس، والعرس بالكسر: امرأة الرجل.
الثانية: في «الصحاح» (٣: ١١٦٠) امتشطت المرأة ومشطتها الماشطة تمشطها مشطا، ولمّة مشيط أي ممشوطة، والمشطة نوع من المشط كالرّكبة والجلسة، والمشط بالضم واحد الأمشاط.
стр. 727
الباب الثلاثون في القابلة
قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (٥٤) عند ذكر إبراهيم ابن النبي ﷺ : ذكر الزبير عن أشياخه أن أم إبراهيم مارية ولدته بالعالية في المال الذي يقال له اليوم «مشربة إبراهيم» بالقف، وكانت قابلتها سلمى مولاة النبي ﷺ امرأة أبي رافع، فبشر أبو رافع به النبي ﷺ فوهب له عبدا.
قال أبو عمر (٥٤) ولدته مارية القبطية في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة. انتهى.
وقال أبو عمر أيضا في «الاستيعاب» (١٨٦٢) في كتاب النساء في باب سلمى خادم رسول الله ﷺ : وهي مولاة صفية بنت عبد المطلب يقال لها مولاة رسول الله ﷺ ، وهي امرأة أبي رافع مولى رسول الله ﷺ وأم بنيه، وسلمى هذه هي التي قبلت إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وكانت قابلة بني فاطمة ابنة رسول الله ﷺ ، وهي التي غسلت فاطمة رضي الله تعالى عنها مع زوجها علي ومع أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنهم. وشهدت سلمى هذه خيبر مع رسول الله ﷺ . انتهى.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: في «الأفعال» لابن طريف قبل الشيء على فعل بكسر الباء: أخذه.
стр. 728
وفي «الغريبين» في الحديث: رأيت عقيلا يقبل غرب زمزم أي يتلقاها فيأخذها، يقال قبلت الدلو أقبلها، وفي «المحكم» والقابل الذي يقبل الدلو، قال زهير «١» :
[من البسيط]
وقابل يتغنّى كلّما قدرت ... على العراقي يداه قابلا دفقا «٢»
وقبلت القابلة الولد قبالة كما يقبل المستقي الغرب وهي قابلة المرأة وقبيلها، قال الشاعر: [من الطويل]
كصرخة سلمى أسلمتها قبيلها «٣»
الثانية: في «المشارق» (٢: ١٠٨- ١٠٩) : العالية: وعوالي المدينة كل ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها وعمائرها فهي العالية، وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهي السافلة، والعوالي من المدينة على أربعة أميال وقيل ثلاثة، هذا حدّ أدناها، وأبعدها ثمانية أميال.
الثالثة: في «المشارق» (٢: ١٩٩) : القف بضم القاف: واد من أودية المدينة عليه مال.
стр. 729
الباب الحادي والثلاثون في الخافضة
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر الخاتنة في عهد النبي ﷺ
في «المنتقى» لأبي الوليد الباجي رحمه الله تعالى: روي أن رسول الله ﷺ قال لأم عطية وكانت تخفض: أشمّي ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج.
قال الشيخ أبو محمد في «مختصره» أكثر لماء الوجه ودمه، وأحسن في جماعها.
وفي «الروض الأنف» (١: ٩١) أول من ثقبت أذناها وأول من خفض من النساء هاجر أم إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وذلك أن سارة غضبت فحلفت أن تقطع ثلاثة أعضاء من أعضائها، فأمرها إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن تبرّ قسمها بثقب أذنيها وخفاضها، فصارت سنة في النساء. وقد ذكر هذا الخبر ابن أبي زيد في «نوادره» .
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: في «الغريبين» الختان: القطع من ذكر الغلام ونواة الجارية. وفي
стр. 730
«المحكم» (٥: ٩٣) ختن الغلام والجارية يختنها ويختنها ختنا، وأنشد ابن طريف للراجز:
تلوية الخاتن أير المعذر «١»
وللشاعر «٢» : [من الطويل]
فإن تكن الموسى جرت فوق بظرها ... فما ختنت إلّا ومصّان قاعد
الثانية: في «الغريبين» في حديث أم عطية إذا خفضت فأشمى، يقال للخاتن الخافض والختّان والمعذر والعاذر. وفي «المحكم» خفض الجارية يخفضها خفضا، وهو كالختان للغلام، وقيل خفض الصبي خفضا: ختنه فاستعمل في الرجل، والأعرف أن الخفض للمرأة والختان للصبي.
الثالثة: في «الغريبين» في حديث أم عطية أشمّي ولا تنهكي قوله: أشمي يقول لا تستقصي ولا تستأصلي. وقوله لا تنهكي أي ولا تبالغي في إسحاته. وفي «المحكم» (٤: ١٠٤) النهك: المبالغة في كل شيء. وفي «الديوان» (٢: ٢٤٧) : نهك بفتح الهاء وكسرها ينهك بفتحها. وفي «المحكم» (٣: ١٢٩) سحت الحجام الختان وأسحته: استأصله.
الفصل الثاني في ذكر أمّ عطية
رضي الله تعالى عنها قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١٩٤٧) : أم عطية الأنصارية اسمها:
نسيبة بنت الحارث وقيل نسيبة بنت كعب، قال أحمد بن زهير: سمعت يحيى بن معين وأحمد بن حنبل يقولان: أم عطية الأنصارية نسيبة بنت كعب. قال أبو عمر:
وفي هذا نظر لأن أم عمارة نسيبة بنت كعب.
стр. 731
قال أبو عمر: تعدّ أم عطية في أهل البصرة، وكانت رضي الله تعالى عنها من كبار نساء الصحابة، وكانت تغزو كثيرا مع رسول الله ﷺ تمرّض المرضى وتداوي الجرحى، وشهدت غسل بنت رسول الله ﷺ وأحكمت ذلك وأتقنت، وحديثها أصل في غسل الميت، ولها عن النبي ﷺ أحاديث. انتهى.
قلت: ولم يذكر أبو عمر في الصحابيات أم عطية غير هذه، ولم يستدرك ابن فتحون في «الذيل» أحدا فيحتمل أن تكون هي صاحبة حديث الخفاض، والله أعلم.
стр. 732
الباب الثاني والثلاثون في المرضعة
قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (١٩٢٦) : أم بردة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش «١» بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار هي التي أرضعت إبراهيم بن النبي ﷺ ؛ دفعه رسول الله ﷺ إليها ساعة وضعته أمه، فلم تزل ترضعه حتى مات عندها. قال: وهي زوج البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، قال: وهو أبو إبراهيم بن النبي ﷺ من الرضاع لأن زوجته أم بردة أرضعته بلبنه. انتهى.
قلت: ويقال لها أيضا أم سيف ولزوجها أبو سيف. قال أبو عمر (٥٤) عند ذكره إبراهيم ابن النبي ﷺ ، قال الزبير: دفعه رسول الله ﷺ إلى أمّ سيف امرأة قين بالمدينة يقال له أبو سيف. انتهى.
وروى البخاري (٢: ١٠٥) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف وكان ظئرا لإبراهيم فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمّه. انتهى.
وقال ابن فتحون: أبو سيف القين ظئر إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، واسمه البراء بن أوس، وقد ذكره أبو عمر (١٦٨٧) وهو بكنيته أشهر.
قال: وأم سيف ظئر إبراهيم ابن النبي ﷺ ، يقال لها أم بردة،
стр. 733
وبه كنّاها أبو عمر في كتابه، وقال الطبري: هي خولة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار.
قال: ابن فتحون وهذه الكنية- يعني أم سيف- أشهر لها. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «الصحاح» (٣: ١٢٢٠) رضع الصبيّ أمه يرضعها رضاعا مثل سمع يسمع سماعا، وأهل نجد يقولون: رضع يرضع رضعا مثل ضرب يضرب ضربا وأرضعته أمه، وامرأة مرضع أي لها ولد ترضعه فإن وصفتها بإرضاع الولد قلت مرضعة. وفي «المشارق» (١: ٢٩٣) إنّما الرّضاعة من المجاعة أي حرمتها في التحليل والتحريم في حال الصغر وجوع اللبن وتغذيته. ويقال في هذا رضاعة ورضاعة ورضاع ورضاع، وأنكر الأصمعي الكسر مع الهاء.
الثانية: في «المشارق» (١: ٣٢٧) الظئر التي ترضع الصبي لغيرها وتربيه.
وقال الخليل: الظئر يقع للمذكر والمؤنث. وفي «الصحاح» (٢: ٧٢٩) الظئر مهموز والجمع ظؤار على فعال بالضم وظؤور وأظار. أبو زيد ظاءرت مظاءرة إذا اتّخذت ظئرا.
стр. 734
الباب الثالث والثلاثون في المغنين
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول في المغنين في الأعياد
روى مسلم (١: ٢٤٣) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبي ﷺ فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم.
وروى مسلم (١: ٢٤٣) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تغنّيان وتضربان بالدفّ ورسول الله ﷺ مسجّى بثوبه فانتهرهما أبو بكر رضي الله تعالى عنه فكشف رسول الله ﷺ عنه فقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد.
وروى أيضا (١: ٢٤٢) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
دخل عليّ أبو بكر وجاريتان من جواري الأنصار تغنّيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث- قالت: وليستا بمغنيتين- فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر إن لكلّ قوم عيدا وهذا عيدنا. انتهى.
وفي طريق آخر لمسلم (١: ٢٤٣) في هذا الحديث قال: مزمار الشيطان عند
стр. 735
رسول الله ﷺ ؟ وخرجه البخاري رحمه الله تعالى وفيه فقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ ؟! فوائد لغوية في ست مسائل:
الأولى: قال ابن القوطية في كتابه: «في المقصور والممدود» الغناء ما طرب له. وقال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: كل من رفع صوته بشيء ووالى به مرة بعد أخرى فهو غناء»
عند العرب، وأكثره فيما شاق من صوت، أو شجا من نغمة ولحن، فلذلك قيل: غنّت الحمامة وتغنّى الطائر؛ قال المجنون:
[من الطويل]
ألا قاتل الله الحمامة غدوة ... على الغصن ماذا هيّجت حين غنّت «٢»
وقال القالي: في كتابه «المقصور والممدود» : الغناء المسموع ممدود وأنشد الفراء: [من البسيط]
تغنّ بالشّعر إمّا كنت قائله ... إنّ الغناء لهذا الشّعر مضمار «٣»
وفي «الصحاح» (٦: ٢٤٤٩) الغناء بالكسر من السماع. وفي «المحكم» (٦: ١٥) وقد غنّى به، وبينهم أغنية يتغنّون بها، أي نوع من الغناء. وفي «المشارق» (٢: ١٣٧) قوله جاريتان تغنّيان بما تقاولتا به الأنصار- قال: وليستا بمغنيتين- الغناء الأول:
من الإنشاد، والثاني: من الصفة اللازمة، أي ليستا ممن اتصف بهذا واتخذه صناعة إلا كما ينشد الجواري وغيرهن من الرجال في خلواتهم ويترنّمون به من الأشعار في شؤونهم، ويحتمل أن يكون ليستا بمغنيتين هذا الغناء المصنوع الخارج عن إنشاد «٤» العرب.
стр. 736
الثانية: في «المشارق» (١: ٣١٢) قوله في الحبشة يزفنون- بفتح الياء- أي يرقصون، والزّفن الرقص، وهو لعبهم وقفزهم بحرابهم للمثاقفة. وذهب أبو عبيد إلى أنه من الزّفن بالدف، والأول هو الصواب، لأن ما ذكره لا يصحّ في المسجد، وهذا من باب التدرب في الحرب وكان فيما قيل قبل تنزيه المساجد عن مثله.
الثالثة: في «الصحاح» (٤: ١٣٦) الدّف الذي يضرب به النساء بالضم، وحكى أبو عبيدة عن بعضهم أن الفتح فيه ثابت لغة. وفي «الإكمال» : هو الدف العربي المدور بوجه واحد المسمّى بالغربال. انتهى. وجمعه دفوف. وقال محمد بن عمر بن محمد السبتي المعروف بالدراج في كتابه الذي سماه «بالكفاية والغناء في أحكام الغناء» : ويسميه الناس الطار. وأنشد لابن حمديس الصقلي «١» :
[من المتقارب]
وراقصة لقطت رجلها ... حساب يد نقرت طارها
انتهى.
قلت: وهو المستعمل الآن عند المغنين في الأعراس في عصرنا هذا وفيه قطع من الصّفر مستديرة مركّبة في جوانب دوره يسمع لها عند تحريكه وقرع بعضها بعضا تصويت وجلجلة، وقد كانت العرب تعمل في دفوفها جلاجل، قال أبو النجم العجلي يصف فرسا، أنشده أبو عبيدة في كتابه «في الخيل» «٢» :
[من الراجز]
راحوا ورحنا بشديد زجله ... كأنّ في الصوت الذي يفصّله
زمّار دف يتغنّى جلجله وأنشد الأصمعي في كتابه «في الخيل» أيضا للفرزدق، يخاطب الحارث بن
стр. 737
عبد الله بن ربيعة المعروف بالقباع، وكان أمر صاحب شرطته عباد بن حصين بهدم داره مرتين، وكان عباد يلعب في الأعراس «١» : [من الطويل]
أحارث داري مرّتين هدمتها ... وأنت ابن أخت لا تخاف غوائله
أتحسب قلبي خارجا من حجابه ... إذا دفّ عبّاد تغنّت جلاجله
وقد ذكر ذلك الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله تعالى عنه في كتاب آداب السماع من «كتاب الإحياء» (٢: ٢٨٢) عند ذكر الآلات التي يباح استعمالها في الغناء فعدّ فيها الدفّ، قال: وإن كان فيه الجلاجل.
تنبيه:
ولم أقف في شيء مما طالعته من الكتب ما أستدل به على الدفوف التي كانت الجواري يضربن بها في بيت النبي ﷺ : هل كان فيها جلاجل أم لا، ولكن يحتمل إجازة أبي حامد استعمال ما فيه الجلاجل من الدفوف ثبوت استعمالها في عهد النبي ﷺ ولذلك أباح استعمالها.
الرابعة: في «المشارق» (٢: ٢٠٧) : قوله مسجّى بثوبه: هو المغطّى بثوبه كلّه رأسه ورجلاه، وقد تقدم.
الخامسة: في «الإكمال» : يوم بعاث: يوم معلوم كان بين الخزرج والأوس كان الظهور فيه للأوس؛ وفي «المشارق» (١: ١١٦) بضم أوله لا غير وعين مهملة، كذا عند أكثر أهل اللغة والرواة. وحكى أبو عبيدة عن الخليل فيه المعجمة وآخره ثاء مثلثة: موضع على ليلتين من المدينة.
السادسة: في «المشارق» (١: ٣١١) : مزمور الشيطان بضم أوله بمعنى مزمار كما جاء في الحديث الآخر، وأصله: الصوت الحسن، والزمر الغناء، ومنه لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود أي صوتا حسنا. انتهى.
стр. 738
الفصل الثاني في ذكر من غنّى في وليمة النكاح
روى البخاري (٧: ٢٨) رحمه الله تعالى عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها زفّت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي ﷺ :
يا عائشة ما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو. انتهى.
وروى النسائي رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: أنكحت عائشة رضي الله تعالى عنها ذات قرابة لها رجلا من الأنصار فقال رسول الله ﷺ : أهديتم الفتاة؟ ألا بعثتم معها من يقول: [من الهزج]
أتيناكم أتيناكم ... فحيانا وحياكم
وروى النسائي (٦: ١٢٧) أيضا رحمه الله تعالى عن محمد بن حاطب رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله ﷺ : فصل ما بين الحلال والحرام الدف في النكاح. انتهى.
وأخرجه الترمذي (٢: ٢٧٦) وقال: هو حديث حسن. وقال أبو محمد عبد الحق في «الأحكام» : وغير الترمذي يقول صحيح.
وقال الإمام أبو الفضل المقدسي في «صفوة التصوف» «١» : وألزم الدارقطني مسلما رحمهما الله تعالى إخراج أحاديث محمد بن حاطب رضي الله تعالى عنه.
وروى النسائي أيضا عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس وإذا جوار يتغنين، فقلت: أنتم أصحاب رسول الله ﷺ ، وأهل بدر يفعل هذا عندكم؟! قالا: اجلس فإن شئت فاستمع معنا، وإن شئت فاذهب، فإنه قد رخّص لنا في اللهو عند العرس.
стр. 739
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: ابن طريف: زففت العروس- بفتح الفاء- إلى زوجها زفافا وأزففتها: أهديتها.
الثانية: في «الصحاح» (٦: ٢٤٨٧) لهوت بالشيء ألهو لهوا: إذا لعبت به، وتلهيت به مثله.
الثالثة: ابن طريف: هديت المرأة إلى زوجها هداء وأهديتها لغة ذكرها أبو زيد وأبو عبيدة.
الرابعة: ألا حرف تحضيض مثل: هلا. انتهى.
الفصل الثالث في ذكر من غنى عند تلقي النبي ﷺ حين قدومه من السفر
ذكر أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب آداب السماع من «الإحياء» (٢: ٢٧٧) قول الذين أباحوا الغناء وحججهم قال: ويدل على هذا من النقل إنشادهم بالدف والألحان عند قدوم رسول الله ﷺ : [من الرمل المجزوء]
طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داعي
وذكر المطرز في «اليواقيت» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
لما قدم المصطفى ﷺ المدينة استقبلته فتيات الأنصار بأيديهن الدفوف يضربن بها ويقلن:
نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار
وروى الترمذي (٥: ٢٨٣) رحمه الله تعالى عن عبد الله بن بريدة قال سمعت بريدة يقول: خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه فلما انصرف جاءته جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردّك الله صالحا أن
стр. 740
أضرب بين يديك بالدف وأتغنّى، فقال رسول الله ﷺ : إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا. فجعلت تضرب فدخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر رضي الله تعالى عنهم فألقت الدف تحت استها فقعدت عليه، فقال رسول الله ﷺ : إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسا وهي تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليّ وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح [غريب] .
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى في «الصحاح» (٦: ٢١٩٣، ١: ١٧٢، ٥١٣) اللحن واحد الألحان واللحون، وقد لحن في قراءته إذا طرّب فيها وغرد، قال: والتطريب في الصوت مدّه وتحسينه، قال: والتغريد التطريب في الصوت والغناء.
الثانية: في «المشارق» (١: ١٣٦) : ثنيّة الوداع: موضع بالمدينة على غير طريق مكة سمي بذلك لأن الخارج منها يودّعه فيه مشيعه، وقيل بل لوداع النبي ﷺ فيه بعض المسلمين المقيمين بالمدينة في بعض خرجاته، وقيل ودع فيه ﷺ بعض أمراء سراياه، وقيل الوداع واد بمكة- قاله المظفر في كتابه، وحكى أن إماء أهل مكة قلنه في رجوعهم عند لقاء النبي ﷺ يوم الفتح، خلاف ما قاله غيره من أن نساء أهل المدينة قلنه عند دخول المدينة، والأول أصحّ لذكر نساء الأنصار ذلك مقدم النبي ﷺ ، فدلّ على أنه اسم قديم لها، وبينها وبين الحفياء ستة أميال أو سبعة عند ابن عقبة، وخمسة أو ستة عند سفيان.
الثالثة: في «المحكم» : الثنية: الطريفة في الجبل كالنقب، وقيل الطريقة إلى الجبل، وقيل هي العقبة، وقيل هي الجبل نفسه.