بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس في رسول الله ﵌ فيه ذكر ولا نزل فيه من القرآن شيء، وليس سببا لشيء من هذا الكتاب، ولا تفسيرا له ولا شاهدا عليه، [لما] ذكرت من الاختصار، وأشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها وأشياء بعضها يشنع الحديث به وبعض يسوء بعض الناس ذكره وبعضا مما لم يقر لنا البكائي بروايته، ومستقص إن شاء تعالى ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له والعلم به" «٤٩» .
كانت هنالك دوافع وحوافز عدة غير التي ذكرها في مقدمته آنفة الذكر، ساعدت على قيام ابن هشام بتهذيب سيرة ابن إسحاق، إذ كانت هذه الحوافز متمثلة بوجود آليات امتلكها ابن هشام ساعدت على شروعه في هذا الأمر، إذ أشارت المصادر التي ترجمت له أنه كان من المشار إليهم بالبنان في التبحر بعلوم العربية والنحو واللغة، وعلما من أعلامها «٥٠» .
شكلت هذه الأمور مجتمعة نقطة تحول بارزة في كتابة السيرة النبوية واسهاما جادا في تطورها، حتى عدّت السيرة التي كتبها ابن هشام أحد المختصرات الأربعة التي فضلت على أصولها في التراث الإسلامي «٥١» ، حتى وصفها ابن حجة الحموي (ت ٧٦٧ هـ) بالقول: " فان السيرة النبوية المنتظمة بتأليف إمام الحفاظ أبي محمد عبد الملك بن هشام حكم بصحتها وقبلت الشهادة
стр. 107
[بها] وعقدت الحناجر وأزال [ت] الإبهام" «٥٢» ، وهذا الأمر راجع إلى المنهج الذي اتبعه ابن هشام في تهذيبه لسيرة ابن إسحاق، والذي أكسب كتابة السيرة تطورا ملحوظا، إذ تمثل هذا التطور بعدة أمور هي:
١. حذف الأخبار التي يشنع ذكرها وسماعها أو الأحداث التي لا علاقة لها بالسيرة من قريب أو بعيد أو التي فيها حشو وتطويل، وهذا ما لمسناه في مقدمته التي افتتح بها تهذيبه هذا «٥٣» .
كان هذا النهج في كتابة السيرة مستحسنا ومستهجنا في آن واحد، ذلك أنه أستحسن عندما هذب السيرة من الأخبار التي لا علاقة لها بها، واستهجن لأنه قد أثار الشبهات والشكوك حول صحة المعلومات التي وردت فيها والأخبار التي حذفها، إذ وصف الصفدي (ت ٧٢٨ هـ) سيرة ابن إسحاق بأنها قد رواها عنه جماعة منهم من زاد ومنهم من نقص «٥٤» ، فكان ابن هشام كما ذكر هو نفسه ممن نقص وزاد، وأعطى اليافعي (ت ٧٦٨ هـ) عذرا لتصرف ابن هشام هذا بأنه قد هذب السيرة ولخصها لكونه أديبا ونسابة «٥٥» ، هذا من جانب العلماء الأوائل، أما بالنسبة الى الباحثين المحدثين فقد تباينت وجهات نظرهم في منحى ابن هشام هذا إذ يقول أحدهم: " لكن مما يأسف عليه لجوء ابن
стр. 108
هشام إلى حذف الكثير من مادة ابن إسحاق التي عدها غير ضرورية ثم صيرورته إلى تعديل بعض الأخبار أو تغذية ألفاظها بحسب ما فهمها ليكسبها قبولا ووضوحا حين رأى أنها تفتقر إليهما، ولا شك في أن تعديلاته وشروحه هذه تأثرت ببيئته الثقافية وطبيعة عصره الذي عاش فيه ... حتى كانت اهتمامات ابن هشام اللغوية قد أثرت تأثيرا كبيرا في طريقته باختيار الأخبار وفي إيرادها، وقد ذهبت بعض اهتمامات ابن إسحاق التأريخية والأخبارية ضحية دقة ابن هشام اللغوية ... ومن ثم فان لهذا النوع من الحذف ولا شك أسبابا سياسية وأخرى تتصل بالصورة التأريخية لعصر ابن هشام عن النبي وصحابته" «٥٦» ، وينتهي آخر إلى ووصف باحث آخر السيرة التي هذبها ابن هشام بأنها لا يطمئن لها من حيث شموليتها لكل الأمور الجوهرية التي ذكرها ابن إسحاق «٥٧» ، وينتهي آخر إلى وصف هذه السيرة بأنها سيرة محرفة ومبسترة ومعدلة «٥٨» .
مع كل ما قيل فان هوروفتس لم يكن بحدة هؤلاء إذ وصف تجربة ابن هشام هذه بأنها جهد موفق حفظ لنا جانبا كبيرا من كتاب ابن إسحاق الذي لولا جهد ابن هشام هذا لعددنا كتاب ابن إسحاق في عداد الكتب الضائعة «٥٩» .
٢. الاهتمام بالشعر الذي ورد في سيرة ابن إسحاق، إذ تمثل هذا الاهتمام بمحاور عدة:
أ- حذف الكثير من الأشعار التي أوردها ابن إسحاق وشمل هذا الحذف:
стр. 109
أولا: حذف الأشعار المنحولة، إذ تمثل هذا الحذف بعبارته التي افتتح بها كتابه والتي مفادها: " وتارك ذكر ... أشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها" «٦٠» ، إذ نلمس من هذا الكلام وجود قناعة خاصة في معرفة الأشعار المنحولة التي أثبتها ابن إسحاق في سيرته.
تمثلت هذه الفكرة التي نهجها ابن هشام في مواطن عديدة من السيرة التي كتبها للرسول ﵌ «٦١» ، فمن هذه المواطن تعليقه على الشعر الذي أورده ابن إسحاق والذي تضمن ما قاله عبد المطلب جد الرسول ﵌ في حادثة ذبح ولده عبد الله: " وبين أضغاث هذا الحديث رجز لم يصح عندنا عن أحد من أهل العلم بالشعر" «٦٢» .
علل أحد الباحثين منحى ابن هشام هذا بالقول: " وعموما فان ترك ابن هشام للأشعار المنحولة التي أوردها ابن إسحاق في سيرته والتي لم تصح لديه، لعدم معرفة أحد من أهل العلم بالشعر بها أو لإنكار ثقات لها واقتناعهم بعدم صحتها، هو عمل توثيقي عظيم خلص شعر السيرة من أخطر سوءة كانت تشوه حقيقته، وأعاد إلينا الكثير من الثقة والاطمئنان إلى أصالته" «٦٣» ، ولكن هذا الرأي فيه من المبالغة والتسرع في طرح وجهات النظر الشيء الكثير إذ إن حذف ابن هشام لهذا الشعر الذي خلص السيرة بحسب رأيه من التشويه قد أفقدنا من الناحية التأريخية والعلمية بعض الإشارات والأساليب التي استعملت
стр. 110
في هذا الشعر المنحول إن صح رأيه فيها لأننا لم نحصل على تلك الأشعار حتى نتبين مدى مصداقية ابن هشام في حذفه لها بوصفها أشعارا منحولة، إذ كان الأجدر به إيراد تلك الأشعار مع تبيان رأيه فيها وترك الحكم عليها من قبل قرائها ليتبينوا صحة ما قاله ابن هشام فيها.
ثانيا: حذف الأشعار الرديئة، وشملت هذه الأشعار ما لم يتكامل وزنه، والتي في وزنها الشعري ركاكة، والتي اختلفت قوافي أبياتها، إذ نراه قد طبق هذا المنحى في أماكن عديدة، اذ حذف بعض الأبيات من قصيدة قالها أحد الشعراء يرد فيها على قصيدة حسان بن ثابت شاعر الرسول ﵌، لاختلاف قوافي هذه الأبيات، وهذا ما جسدته مقالته التي مفادها: " لقيت منها أبياتا تركناها لقبح اختلاف قوافيها" «٦٤» ، وحذف أيضا أبياتا شعرية لأحد المشركين التي رثى بها أبناءه الذين قتلوا في معركة بدر معللا سبب هذا الحذف بالقول: " هذا أفواء وهي مشهورة في أشعارهم وهي عندنا إعفاء، وقد أسقطنا من رواية ابن إسحاق ما هو أشهر من هذا" «٦٥» .
من هذا نلاحظ أن ابن هشام قد أشار في بعض الأحيان إلى ما يحذفه من أبيات وقصائد ولكنه من قوله آنف الذكر يبن لنا أنه تارة يذكر سبب حذفه لهذه الأبيات وتارة يترك سبب حذفها من دون إشارة، مما يدل على أن الشعر الذي خفي عنا كان أعظم مما هو مثبت، أما ظاهرة الاقواء التي ذكرها آنفا فقد أوضح معناها أحد الباحثين بالقول: " وظاهرة الاقواء في القصيدة هي اختلاف
стр. 111
شكل القوافي بين الدال المنصوبة والدال المكسورة والتي تأتي على غير ذلك في اختلاف في الشكل" «٦٦» ، أما قول ابن هشام عن هذه الظاهرة- وهي مشهورة في أشعارهم- يدل على أن شعر المكيين كان يكثر فيه هذا العيب الشعري.
وهكذا فان ابن هشام في منحاه هذا قام بحذف بعض القصائد والابيات الشعرية لا لشك منه في صحة صدورها من أفواه قائليها بل كان على أساس إنتقاء الأشعار الجيدة والحسنة وإثباتها في تهذيبه هذا لسيرة ابن إسحاق ورفع الأشعار الرديئة التي تشكل برأيه عيبا ظاهرا في هذا التهذيب إن هو اثبت هذه الأشعار، وهذا الأمر أفقدنا معلومات تأريخية مهمة تضمنتها تلك الأشعار التي حذفها ابن هشام.
ثالثا: حذف الأشعار المقذعة، ومعنى القذع في اللغة هو الخنا والفحش، وأقذعه أي رماه بالفحش وأساء القول فيه وهو الفحش في الكلام الذي يقبح ذكره، والهجاء المقذع الذي فيه فحش وسب يقبح نشره، وأقذع له أي أفحش في سمته «٦٧» .
قام ابن هشام بحذف الأشعار التي تضمنت تلك الصفات التي عناها معنى القذع والتي وصفها بعبارته التي تضمنتها مقدمته: " وأشياء بعضها يشنع الحديث به وبعض يسوء الناس ذكره" «٦٨» ، إذ شمل الحذف الأشعار التي تضمنت قذعا للمسلمين والمشركين على حد سواء، إذ وجدنا أمثلة عديدة على هذا
стр. 112
الكلام «٦٩» ، فمن ذلك ما أورده ابن هشام من أبيات قالها حسان بن ثابت في هجاء أحد المشركين لقيامه باعتراض الرسول ﵌ وإصابته له في جبهته في معركة أحد، حذف ابن هشام بعض هذه الأبيات معللا ذلك بالقول: " تركنا منها بيتين أقذع فيهما" «٧٠» ، كذلك قام بحذف بعض أبيات قالتها هند بنت اثاثة ترد فيها على موقف هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان من قيامها بتأليب المشركين على الرسول ﵌ والمسلمين معللا هذا الأمر بالقول: " تركنا منها ثلاثة أبيات أقذعت فيها" «٧١» .
بين أحد الباحثين المساوئ التي ترتبت على قيام ابن هشام بحذف بعض الأشعار بالقول: " إذا وضعنا في الاعتبار ما حذف من أشعار كان فيها تعريض بالنبي وصحابته دون أن يكون هنالك ما يشير إليها سوى ما قاله في مقدمته، عند ذلك يمكن أن يمثل هذا الحذف في مجموعه نقصا له أهميته في تحديد الأصول الحقيقة في شعر السيرة، ولما كان ابن هشام يستهدف به التهذيب والتنقيح فان ذلك يعني تغاضيه عما استهدفه من توثيق وتحقيق، وواضح أن هذين الهدفين هنا متضادان لا يلتقيان" «٧٢» .
نرى مما عرضناه آنفا أن هذا الحذف لم يكن لأشعار مشكوك في صحة نسبتها إلى قائليها، إذ لم يعترض عليه أحد من نقدة الشعر القدامى بمغمز أو ملمز من حيث قطعية صدوره من أفواه قائليه سوى أنه قد حوى فحشا ورميا
стр. 113
بالمثالب والصفات النابية وهذا ما وضع رواة هذا الشعر ومدونيه في أمرين لا ثالث لهما، الأمر الأول تقبل هذا الوضع (حذف هذه الأشعار) على الرغم من غياب بعض الحقائق التأريخية والسمات التي كان يتصف بها الأشخاص المقذع فيهم إن صدقت دعوى قائليها، وهذا الأمر يشعرنا بوجود فجوة كبيرة في معرفة شخصيات تلك الحقبة التاريخية وطباعهم وتصرفاتهم التي انعكست بطبيعة الحال على سلوكهم اليومي، وهذا الأمر يعد عقبة تعيق عمل الباحثين من طلاب الحقيقة من الجمهور، إذا ما علمنا أن ابن كثير الدمشقي (ت ٧٧٢ هـ) قد ذكر بعد إيراده للأشعار التي أوردها ابن هشام في غزوة أحد: " إن ابن إسحاق في يوم أحد قد روى أشعارا كثيرة تركنا كثيرا منها خشية الإطالة وخوف الملالة" «٧٣» ، وهذا ما يبين أن ما خفي من تلك الأشعار كان أعظم مما وصل إلينا، أما الأمر الثاني فهو رواية وتدوين تلك الأشعار، وهذا ما يدخل قائليه وسامعيه في دوامة لا مخرج منها وذلك لأسباب عدة:
١. حرمة سماع السباب والفحش في حق الرسول ﵌ وقتل الذي يقوم بسبه، بإجماع المسلمين كافة على ذلك «٧٤» ، وهذا الأمر ناشئ من أن ذلك يعد استخفافا بحق هذا الرسول العظيم.
أشار السهيلي (ت ٥٨١ هـ) إلى هذا الأمر بمقالته التي مفادها: " ولكني لا أعرض لشيء من أشعار الكفرة التي نالوا فيها من رسول الله إلا بشعر من أسلم
стр. 114
وتاب بحضرته ككعب وابن الزبعرى، وقد كره كثير من أهل العلم فعل ابن إسحاق لإدخال الشعر الذي نيل فيه من رسول الله، إذ قال أبو عبيد رواية نصف بيت من ذلك حرام وعلى القول بالإباحة، فان النفس تقذر تلك الأشعار وتبغضها وقائليها في النار، فالإعراض عنها خير من الخوض فيها وتتبع معانيها" «٧٥» .
٢. الانتقاد من قبل عدم المجوزين لها ونشرها بين الناس، إذ تشير المصادر التي ترجمت لابن إسحاق أنه قد تعرض لحملة عنيفة من قبل العلماء لروايته هذا الشعر وتدوينه ونشره بين الناس «٧٦» ، ولأجل قيام ابن إسحاق بهذا الأمر عدّ ذلك نزاهة وأمانة علمية منقطعة النظير في نقل وقائع الأحداث ومجرياتها من دون مراعاة للمشاعر والعواطف «٧٧» .
٣. زعزعة أفكار وآراء المسلمين ببعض الشخصيات المقذع بها لما تضمنت هذه الأشعار من ألفاظ نابية ووصف لما صدر منهم من أفعال معيبة في نظر الاخرين دفعت الشعراء إلى تعييرهم بها، وهذا ما بينه أحد الباحثين بالقول: " ان لهذا النوع من الحذف ولا شك أسبابا سياسية وأخرى تتصل بالصورة التأريخية لعصر ابن هشام عن النبي وصحابته" «٧٨» ، وأضاف آخر على هذا القول آنف الذكر: " ومما لا شك فيه أن الرواة قد أهملوه وانصرفوا عن روايته ولا يرضون
стр. 115
لأنسفهم أن يحملوا تلك الأقوال القادحة في دينهم القاذفة في أعراض نبيهم وصحابته، إذ يرون في حملها وزرا وفي روايتها نكرا" «٧٩» .
هذه هي الأسباب التي وقفت حائلا دون تكرار تجربة ابن إسحاق في رواية الشعر المقذع الذي ظل حبيس القلوب لا الورق مما استحسن الرواة والمهتمون بأخبار السيرة وشعرها الأمر الأول الذي ذكرناه آنفا لما فيه من استراحة لنفوسهم وإرضاء لجمهور المسلمين.
رابعا: حذف الأشعار للاختصار، لم يكتف ابن هشام بما حذفه من شعر السيرة لعدم صحة نسبته لقائليه أو لرداءة وزنه الشعري، أو للقذع الذي اعتراه، بل راح يحذف بعض ما تبقى من هذا الشعر اختصارا لما يريد كتابته من أحداث مرت بالرسول ﵌ وصحابته في أثناء الدعوة الإسلامية، إذ أوضح أحد الباحثين هذا الأمر بالقول: " وجد ابن هشام بين يديه كمية ضخمة من الأشعار التي ضمنها ابن إسحاق في سيرته وكانت هذه الأشعار هي شاغله الأكبر حين عزم على تنقيح السيرة واختصارها ومن ثم كان حذفه لكثير منها بين منحول أو رديء أو مقذع، ولكن يبدو أنه لم يجد ذلك كافيا لإخراج السيرة على الصورة التي يريدها وأن الأشعار ما زالت بالكثرة التي تزيد على المطلوب أو ربما وجد كثرتها تكاد تطغى على أحداث السيرة وأخبارها التي تمثل جوهرها الحقيقي وعمادها الرئيسي، فرأى أن يختصر جانبا آخر من هذه
стр. 116
الأشعار ليخفف من طيغان كثرتها على جوهر السيرة وليكون المقام الأول فيها هو لما تزخر به من أحداث ومواقف" «٨٠» .
أشار ابن هشام في تهذيبه للسيرة إلى المواضع التي اختصر فيها عبارات مختلفة، إذ نلاحظه قد حدد سبب اختصاره لإحدى القصائد بأنه لم يرد فيها ذكر للحادثة التي قيلت فيها سوى بيتين منها «٨١» ، وفي أماكن أخرى يستطرد في الحديث بأنه قد حذفها خوفا من التطويل «٨٢» ، وفي أماكن أخرى لم يشر ابن هشام إلى الأسباب التي دفعته إلى حذف بعض القصائد والأبيات الشعرية «٨٣» .
لم يقف الأمر عند هذا الحد بل استنتج أحد الباحثين ان ترك ابن هشام لقصيدة أو أبيات من الشعر في موضع من مواضع الاستشهاد الشعري ليس معنى ذلك أن هذه الأماكن هي التي حذفت منها الأشعار فقط، بل من المحتمل أنه قد ترك قصائد وأبياتا في مواضع أخرى من دون أن يشير إليها مكتفيا بالسبب الذي ذكره في مقدمته «٨٤» ، ولا يستبعد هذا الباحث أن لابن إسحاق يدا هو الاخر في ترك بعض الأبيات والقصائد التي يستشعر أنها ناقصة ومبتورة «٨٥» .
стр. 117
ومن كل ما ذكرنا نرى أن هنالك غايات متعددة دفعت ابن هشام الى حذف بعض الأشعار التي وردت في السيرة التي كتبها محمد بن إسحاق للرسول ﵌.
ب. التنبيه على الأشعار المشكوك فيها:
بعد أن حذف ابن هشام جما غفيرا من الأبيات والقصائد الشعرية لغايات متعددة، رأيناه قد وجه اهتمامه بعد ذلك إلى ما أثبته من قصائد وأبيات شعرية، إذ عرض تلك الأشعار على نقاد الشعر في عصره ليسترشد بارائهم «٨٦» ، ولأجل ذلك طفحت إلى السطح مشكلة جديرة بالوقوف عندها وهي التعارض في أقوال هؤلاء النقاد الذين استقرأ رأيهم في تلك الأشعار فهم بين مصوب لها من جهة صدورها ومخطئ لتلك الجهة، ولهذا لم يجد ابن هشام مناصا من أن يردف آراءهم عن كل نص شعري حامت حوله الشكوك والشبهات، إذ وضع مقياسا لهذه الأشعار المشكوك في صحتها وذلك بأن بين مع كل نص شعري مقدار الشك الذي يحوم حوله، فعندما تكثر الشكوك حول نص معين يردف ذلك النص بعبارة: " وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها" «٨٧» ، مع العلم أن تعليق ابن هشام في هذه الحالة لا ينسحب على النص نفسه أو يقدح في صحته وأصالته وإنما ينسحب على نسبته إلى قائله الذي نسبه إليه ابن إسحاق، فعبارته آنفة
стр. 118
الذكر تعني أن أكثر أهل العلم بالشعر ينكرون أن يكون هذا النص الشعري قد صدر من فم هذا القائل الذي ذكره ابن إسحاق، ولم يشتهر عند الرواة قائل آخر نسبت إليه تلك الأشعار، وهذا ما يفسر لنا عدم ذكر ابن هشام لاسم قائل آخر لهذا الشعر الذي شك فيه، سميت هذه الظاهرة من قبل أحد الباحثين بظاهرة الخلط والتداخل في أشعار السيرة «٨٨» .
أما إذا تقلصت تلك الشكوك حول بعض النصوص الشعرية بحيث لم تتعد ذلك الكم الهائل الذي تنطبق عليه عبارة ابن هشام آنفة الذكر، تغيرت عبارته إلى: " وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها" «٨٩» ، وهذا ما يدل على أن هذه العبارة قد خصت بعض الأشعار التي لم تكن شكوك العلماء فيها بنفس حجم سابقتها، وبذلك فان ابن هشام قد حصر الشك أو الإنكار لهذه النصوص في قسم قليل من بعض العلماء، وإذا كان ذلك يعني ترجيح الحكم بالصحة عليها فان ذلك لا يعني القطع بها «٩٠» .
لم يردف ابن هشام الاراء التي ذكرها لبعض العلماء في هذه الأشعار برأيه الشخصي فيها في مواطن عدة، وفي مواطن أخرى تدخل برايه في مدى صحة نسبة قصيدة إلى غير قائلها الذي ينسبها إليه ابن إسحاق «٩١» ، وهذا ما دفع أحد الباحثين إلى التعليق على ذلك بالقول: " ورأينا في تعليقات ابن هشام وتعقيباته مدى دقته في التعبير عن الحقيقة والتزامه بالحيادية في مواقفه، والأمانة في عرض
стр. 119
معلوماته، والعدالة في تقرير أحكامه، ولأجل ذلك يتبين لنا منهجه في توثيق شعر السيرة، وجهده في حصر أوهام الشك التي أحاطت به" «٩٢» .
ان هذا الرأي آنف الذكر لم يجانب الحقيقة بكل تفاصيلها إذ أشار ابن هشام نفسه إلى أنه لم يكن موضوعيا ولا أمينا ولا نزيها في نقل بعض الحوادث بتفاصيلها، إذ أشار في مقدمته التي افتتح بها كتابه الى أنه قد حذف أشياء يسوء بعض الناس ذكرها «٩٣» ، فهو بذلك قد راعى مشاعر بعض الناس وحذف تلك الأشياء التي يسوء بنظره ذكرها وتخدش عواطفهم، ولأجل ذلك انبرى أحد الباحثين إلى وضع قائمة ببعض الشعر الذي حذفه ابن هشام الذي راعى فيه العواطف والمشاعر «٩٤» .
ج. تلخيص وتمحيص وإضافة بعض الأشعار التي لم يروها ابن إسحاق في سيرته:
نرى أن ابن هشام في تهذيبه هذا للسيرة لم يكن راويا لها بالمعنى الحرفي فقط بل أضاف عدة عبارات وألفاظ وأبيات شعرية على الأصل، إذ تبين بعض العبارات التي زخرت بها السيرة هذا الأمر ومن ذلك قوله: " أنشدني بعض أهل العلم بالشعر أو أنشدني غير واحد من أهل العلم بالشعر" «٩٥»
علل منحى ابن هشام هذا من قبل أحد الباحثين بما مفاده: " من خلال عرض ابن هشام للأشعار على أهل العلم وجد لديهم روايات مختلفة لبعض
стр. 120
الأبيات والعبارات أو الألفاظ فحرص على تسجيلها تعقيبا على رواية ابن إسحاق، أو الأخذ بتلك الروايات وتعديل النص الشعري على أساسها مع الإشارة إلى مواضع التعديل التي أجراها" «٩٦» ، ويضيف هذا الباحث عن الموارد التي استقى ابن هشام منها معلوماته للشعر الذي وثق به أحداث السيرة، إذ يقول: " وبنظرة شاملة لكل ما قام به ابن هشام من تمحيص للأشعار وتصحيح نسبتها واستقصاء للروايات المختلفة التي أخذها من أهل العلم بالشعر نلاحظ أنه كان يراجع في ذلك علماء البصرة ورواتها لأنه كان ينتمي إلى مدرستهم التي نشأ بها وتقلى العلم على أيدي أساتذتها ... " «٩٧» .
هذه هي الأمور التي حاولنا تبيينها لإيضاح الرؤية التطورية لكتابة السيرة النبوية عند ابن هشام في نقده للشعر الذي حوته السيرة التي كتبها ابن إسحاق للرسول ﵌، إذ انصبت معظم جهود ابن هشام على هذا الأمر عند تهذيبه لهذه السيرة.
٣. إضافة روايات جديدة لم يثبتها ابن إسحاق في سيرته مما يدل على بروز اتجاه تكاملي في كتابة السيرة، وهذا ما وضحته مقالته التي افتتح بها مقدمة كتابه هذا: " ومستقص إن شاء الله تعالى ما سوى ذلك بمبلغ الرواية له والعلم به" «٩٨» .
стр. 121
أدت هذه الروايات التي أردف بها سيرة ابن إسحاق مهمة جديدة وذلك بكشفها حقائق وحوادث مهمة ساد بعضها الغموض لعدم تقصي ابن إسحاق لتفاصيلها «٩٩» ، فضلا عن ذلك أن هذه الروايات لم تشمل تطعيم الروايات التي وردت في سيرة ابن إسحاق حسب بل تعدى ذلك إلى إحالة القارئ إلى مواضع هذه الإضافات التي ذكر قسما منها في مكان وأحال إلى تكملته في مكان آخر بعبارة: " وسأذكر حديثها إن شاء الله تعالى في موضعه" «١٠٠» .
بينت لنا هذه الفقرة ان الحس التأريخي قد أخذ مساره عند ابن هشام وذلك بتكملة الحوادث التي أورد ها ابن إسحاق مقتضبة وذلك بإعطاء صورة واضحة لها، مما عدّ ذلك تطورا ملحوظا في كتابة السيرة النبوية.
٤. إيضاح معاني الألفاظ الغريبة الواردة في متن السيرة، إذ لا نكاد نتصفح ورقة منها إلا ووجدنا فيها إيضاحا لبعض الألفاظ التي وردت فيها «١٠١» .
لم يقتصر هذا الإيضاح على تبيان ألفاظ من دون أخرى بل شمل كذلك حتى آيات القرآن الكريم «١٠٢» ، واقرب مثال على ذلك ما نراه عند تعرضه لاية لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ «١٠٣» ، إذ نراه يقوم بشرح
стр. 122
هذه الاية والألفاظ المبهمة فيها مع التحليل اللغوي لمشتقات هذه الألفاظ ومعانيها «١٠٤» .
شجع هذا العامل الذي اتسمت به سيرة ابن هشام أحد الباحثين على تخصيص دراسة مستقلة تناول فيها هذه الإيضاحات للألفاظ الغريبة الواردة فيها وإبداء رأيه في هذا الجهد الذي بذله ابن هشام وتقويم إسهاماته في هذا الأمر ومقارنته بسابقه ابن إسحاق إذ انتهى هذا الباحث إلى نتيجة مفادها: " إن ابن هشام أمتاز على سلفه ابن إسحاق في هذا الباب المهم في أبواب علم التفسير التفسير باللغة ذلك أن ابن إسحاق وإن كان يفسر الاي تفسيرا مبنيا في الغالب على معانيها التي تدل عليها ظواهرها ومن دون أن يتناولها بخلاف متبادل منها معتمدا جانب الإيجاز، إلا أنه مع هذا المنهج لم يكن يعنى بالاستشهاد اللغوي الذي صار فيما بعد عمدة التفسير اللغوي، على حين عني به خلفه ابن هشام عناية كبيرة وبخاصة الشعر العربي القديم الذي أولاه اهتماما فائقا وكرس له جهدا كبيرا، فكثيرا ما يعقب ابن هشام على ما يورده ابن إسحاق في أسباب نزول الايات وتفسيرها وبيان معاني غريبها والاحتجاج لها بالشعر القديم قصيدة ورجزة ... وهذا التفسير يجري غالبا مجرى الاستكمال لما يورده ابن إسحاق من تفسير، لبيان الحجة في تفسير الغريب بالشواهد الشعرية" «١٠٥» .
стр. 123
كان لاهتمام ابن هشام باللغة والنحو وتضلعه منهما حتى عد من الأئمة المبرزين في هذين العلمين «١٠٦» ، أثر فعال في بلوغ التهذيب هذا المبلغ من الإيضاح والتعبير للألفاظ الغريبة والمستعصية والتي حفزت العلماء الذين أتوا بعد ابن هشام بالاحتذاء بحذوه بإكمال شرح الألفاظ التي برأيهم قد تركها أو التي لم يوضحها بشكل مفهوم، وذلك بإفراد مصنفات مستقلة تناولوا فيها شرح هذه الألفاظ التي أوردها ابن هشام في سيرته «١٠٧» .
٥. استقصاء وتتبع أسماء الذين استخلفهم رسول الله محمد ﵌ على المدينة المنورة في أثناء سيره للمعارك التي قام بقيادتها بنفسه أو عند سفره لبعض الشؤون الأخرى «١٠٨» ، وهذا الأمر يبرز لنا فكرا إداريا متطورا شرعه الرسول وجعله سنة لمن يأتي بعده بعدم ترك أمور الناس من قبل الذي يتولاهم دون وصاية أو نائب ينوب عنهم عند غيابه مهما كان وقت ذلك الغياب قصيرا.
٦. تصحيح ابن هشام للهفوات والأخطاء التي وقع بها ابن إسحاق في أثناء عرضه لبعض الحوادث التأريخية أو أسماء الأشخاص «١٠٩» ، مما شكل ذلك ظاهرة لافتة للنظر تمثلت ببروز مبكر للمنحى النقدي في الروايات التي وردت في السيرة النبوية.
стр. 124
٧. التعريف بالأعلام الذين ترد أسماؤهم في الروايات وأسماء قبائلهم وأنسابهم «١١٠» ، ولم يقتصر هذا التعريف على الأعلام فقط بل تعداه إلى التعريف بأسماء الأماكن والبقاع التي ترد في سياق العرض بأخبار السيرة وذلك بتوضيح أبعادها ومواقعها وبعدها وقربها عن المدينة ومكة «١١١» .
أعطى هذا التعريف من قبل ابن هشام مادة وفيرة لأصحاب التراجم والأنساب الذين اهتموا بتقصي أحوال الرجال وأنسابهم، هذا بالنسبة إلى التعريف بالأعلام، أما التعريف بأسماء الأماكن والبقاع فقد كان تجربة مبكرة في هذا الجانب حفزت العلماء المسلمين على تكرارها وتخصيص مصنفات مستقلة لها، إذ شكلت هذه التجربة إحدى البواكير الاولى للكتابة الجغرافية عندهم.
هذه هي الجوانب التطورية التي أضفاها ابن هشام على كتابة السيرة النبوية والتي أسهمت إسهاما مباشرا في شهرة تهذيبه هذا الذي عدّ أحد المختصرات الأربعة التي فضلت على أصولها «١١٢» ، مع العلم أن هذه الشهرة قد حصلت في.
القرون التي تلت القرن الخامس الهجري، وهذا ما أوضحه القفطي حين أشار إلى ذلك الأمر بالقول: " وللمصريين بها [يقصد سيرة ابن هشام] فرط غرام وكثرة رواية وعن المصريين نقلت إلى سائر الافاق «١١٣» ، إذ وجدنا المصنفات التي كتبت قبل القرن الخامس الهجري لم يرد فيها أي اقتباس عن سيرة ابن هشام، مما دفع أحد الباحثين إلى تبيان المسار الذي سلكته هذه السيرة بتقصي
стр. 125
الرواة الذين حصلوا على إجازة روايتها والانتهاء بنتيجة من هذا التقصي تمثلت بقوله: " أما النقول التي وصلت إلينا منها فهي في أغلبها من مصنفات المتأخرين والمغاربة الذين فاحت فهارس إجازاتهم العلمية في الحديث ورواية مصنفات بالطرق والوسائط التي يصل بها هؤلاء إلى ابن هشام لأجل الحصول على رواية السيرة التي هذبها" «١١٤» .
أسهمت هذه السيرة التي اختز لها ابن هشام في تحفيز همم بعض العلماء بالشروع في شرحها والتعليق على الروايات التي وردت فيها، واختصار مباحثها، أجملت إحدى الدراسات هذه الشروح والتعاليق والاختصارات في إحصائية بينت الكم من المصنفات الذي اختصت به سيرة ابن هشام، وهذه الإحصائية هي «١١٥» :
أ. الشروحات:
١. الروض الأنف الباسم في الذب عن سيرة أبي القاسم لعبد الرحمن بن عبد الله السهيلي (ت ٥٨١ هـ) .
٢. الإملاء المختصر في شرح غريب السير لأبي ذر مصعب بن مسعود الخشني (ت ٦٠٤ هـ) .
٣. الوصول إلى السؤول في نظم سيرة الرسول للفتح بن موسى المغربي (ت ٦٦٣ هـ) .
٤. الميرة في حل مشكل السيرة ليوسف بن عبد الهادي (ت ٩٠٩ هـ) .
стр. 126
ب. المختصرات:
١. مختصر السيرة لعماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطي (ت ٧١١ هـ) .
٢. خلاصة السيرة النبوية ليحيى بن حمزة بن علي (ت ٧٤٧ هـ) .
٣. مختصر السيرة لمحمد بن أبي بكر بن جماعة (ت ٨١٩ هـ) .
أشار أحد الباحثين إلى أن المستشرق لويس برونله قد أولى هذه الشروحات والمختصرات اهتماما ملحوظا إذ تصدى للتعليق عليها ودراسة منهجيتها وإسهاماتها في تطور كتابة السيرة من جهة والقيام بنشر بعض هذه الشروحات من جهة أخرى «١١٦» .
تضمنت المدة قيد الدراسة وجود اثنين من شروحات السيرة، كان لها أثر فعال في كتابة السيرة بعامة، وهذان الشرحان هما:
أولا: الروض الأنف لعبد الرحمن السهيلي (ت ٥٨١ هـ) *:
أوضح السهيلي الغاية التي من أجلها كتب شرحه لسيرة ابن هشام وذلك بمقدمته التي افتتح بها كتابه، والتي مفادها: " وبعد فاني قد انتجبت في هذا الإملاء بعد استخارة ذي الطول والاستعانة بمن له القدرة والحول إلى إيضاح ما وقع في سيرة رسول الله ﷺ التي سبق إلى تأليفها أبو بكر محمد
стр. 127
ابن إسحاق المطلبي ولخصها عبد الملك بن هشام بن المعافري المصري النسابة النحوي مما بلغني علمه ويسر لي فهمه من لفظ غريب أو إعراب غامض أو أعلام مستغلق أو نسب عويص، أو موضع فهم ينبغي التنبيه عليه أو خير ناقص يوجد السبيل إلى تتمته مع الاعتراف بكلول الحد عن مبلغ ذلك الجد" «١١٧» .
نستطيع من مقدمته هذه أن نبين المنحى الذي نحاه السهيلي في شرحه السيرة التي لخصها ابن هشام ومدى دور هذا الشرح وأثره فيها، إذ نرى هذا المنحى قد تركز في عدة أمور هي:
١. انتخاب مضامين متعددة من فقرات السيرة ومباحثها للشرح والتعليق وعدم التعليق والشرح عليها برمتها، إذ وضح تعليقاته مصدرة بعبارة: " قال المؤلف، وقال الشيخ المؤلف"، مع إهمال الشرح الذي كتبه ابن هشام للسيرة إلا إذا كانت هنالك ثمة إضافة منه عليه «١١٨» .
٢. الشمولية والتوسعة في عرض الرواية، إذ لم يقتصر على شرح ألفاظها فقط بل كان يلم بكل تفاصيلها من حيث ورود آية قرآنية فيها فيقوم بتفسيرها، أو مسألة فقهية ترد ضمنا فيها يقوم بإيضاحها مع تبيان لما يرد في السيرة من أحاديث نبوية يقوم بايضاح مدى صحتها وقوتها وضعفها، مع تعريف بأنساب واحساب الرجال الذين ترد أسماؤهم في الروايات التي
стр. 128
يشرحها، وهذا ما أجملته مقالته التي مفادها: " وتحصل في هذا الكتاب من فوائد العلوم والاداب وأسماء الرجال والأنساب ومن الفقه الباطني اللباب، وتعليل النحو وصفة الأعراب ما هو مستخرج من نيف على مائة وعشرين ديوانا ...
وقد عنت لي منه فنون، فجاء الكتاب من أصغر الدواوبن حجما ... " «١١٩» .
٣. إعطاء الجانب اللغوي في أثناء شرح السيرة أولوية منقطعة النظير، وذلك راجع إلى أن السهيلي كان من المشهود لهم بطول الباع في العربية وغريب الألفاظ والنحو «١٢٠» .
دفع هذا الاهتمام السهيلي إلى إعطاء القصائد والأبيات الشعرية الواردة في السيرة مكانة بارزة عند شرحه لها والتعليق عليها «١٢١» ، ولكنه استثنى من ذلك أشعار الكفار فلم يتطرق إلى شرحها معللا ذلك بكراهة أهل العلم لهذا الشعر فضلا عن أن النفس تقذر تلك الأشعار وتبغضها مع قائليها «١٢٢» .
وهذا الأمر راجع إلى ورعه وتحرجه الديني الذي لا يريد بشرحه لهذه الأبيات المساس بمقام الرسول ﵌ الرفيع.
٤. الترجيح بين الروايات وإبداء رأيه فيها «١٢٣» ، وهذا ما يدل على نبوغ شخصيته العلمية المستقلة وعدم التقليد الأعمى بالشرح لما ورد في المتن من ألفاظ سواء أكانت صحيحة أم سقيمة، وكان هذا الترجيح في معاني الألفاظ
стр. 129
حصرا، وقد بدا لنا أن آراء السهيلي هذه ما هي إلا وجهات نظر خاصة به في هذه الألفاظ، وهذا يؤكد استقلالية هذا الكتاب وعدم التزامه بما ورد في سيرة ابن هشام.
أسهمت هذه الأمور بأجمعها في حصول هذا الشرح للسيرة التي لخصها ابن هشام مكانة طيبة في نفوس العلماء الذين اطلعوا عليه، فحاول قسم منهم إبداء رأيهم فيه والتعليق على ما ورد فيه من آراء، وأهتم قسم آخر منهم باختصار الأشياء المهمة التي حواها هذا الشرح وجعلها في مصنف مستقل، وهذا ما أوضحته لنا إحصائية حاجي خليفة لهذه الإسهامات التي تمثلت بمصنفات خص بها العلماء كتاب السهيلي الروض الأنف، وهذه الإحصائية هي «١٢٤» .
١. الزهر الباسم في سيرة أبي القاسم، وهي حاشية كتبها مغلطاي بن قليبج (ت ٧٦٢ هـ) على ما ورد في الروض.
٢. نور الروض، وهو مختصر للروض الأنف كتبه محمد بن أبي بكر المعروف بابن جماعة (ت ٨١٩ هـ) .
٣. حاشية القاضي عين المناوي (ت ٨٧١ هـ) علق فيها أيضا على بعض ما ورد في شرح السهيلي هذا، وقام سبطه زين العابدين بن عبد الرؤوف المناوي بتجريد هذه الحاشية.
وأهتم آخرون بالحصول على إجازة بروايته والاجتهاد في طلبها، إذ تبين كتب الفهارس التي كتبها بعض العلماء للمصنفات التي حصلوا على إجازة
стр. 130
بروايتها حقيقة هذا الأمر «١٢٥» ، فضلا عن ذلك فان هذا الكتاب قد وجد له متنفسا في بعض المصنفات التي تلته إذ اقتبس مؤلفوها نصوصا منه وكان أحد المصادر التي أعتمد عليها في كتابة هذه المصنفات «١٢٦» .
ثانيا: الإملاء المختصر في شرح غريب السير لأبي ذر مصعب بن محمد الخشني (ت ٦٠٤ هـ) «١٢٧» :
كان لاهتمامه البارز باللغة وعلومها أثر فعال في قيامه بشرح بعض الألفاظ الغريبة الواردة في السيرة، مما جعل كتابه هذا أثرا خالصا في اللغة ومظانها، إذ نلمس ذلك جليا في المقدمة التي افتتح بها كتابه هذا والتي يقول فيها: " قصدت في شرح ما استفهم من غريب معانيه وإيضاح ما التبس تعقيده على حامله وروايه مع اختصار لا يخل وإيجاز يتم به البيان ويستقل" «١٢٨» ، ولأجل ذلك كان كتابه هذا تلخيصا لبعض الروايات وشرحها، مع عدم التوسع في إيراد كل مضامين السيرة، وهذا ما وضحته مقالته التي مفادها: " لم يقصد فيه إشارة إلى كتابه الإملاء قصد التأليف فتمتد فصوله وأبوابه وإنما هي عجالة خاطر وغنية
стр. 131
ناظر ثم عرض عليّ هذا الإملاء بعد كماله فتصفحته، ورغب في حمله عني فبعد لأي ما أذنت لذلك وأبحته" «١٢٩» .
بين لنا الكلام آنف الذكر تردد الخشني في البداية بالاعتداد بكتابه هذا على أنه كتاب يستحق أن يروى عنه ويتناقله الناس، وذلك لما نهجه فيه من اختصار وترجيح للروايات التي يختارها والتي تكون بنظره الأصوب والأدق فتستحق عند ذلك بنظره الشرح لألفاظها «١٣٠» .
تمثل ذلك النهج الذي سار عليه الخشني في كتابته لمصنفه هذا مع الإشارة ضمنا إلى أنه لم يردد ما قاله ابن هشام بل كان يعلق على قسم من آرائه ويرد عليها «١٣١» ، فضلا عن ذلك فان هذا الكتاب لم يتطرق إلى ذكر الأخبار والحكايات إلا نادرا وفي أماكن محدودة منه «١٣٢» ، وما ذلك إلا لكون هذا الكتاب قد خصص لشرح ألفاظ الأبيات والقصائد حصرا والتي كانت متنا مستقلا بذاته «١٣٣» ، بعكس ما انتهجه السهيلي في شرحه للسيرة، من إيراد بعض الروايات والتعليق على أنساب الرجال وأحسابهم فضلا عن تبيان صحة الأحاديث وضعفها حتى حوى كتابه معارف عدة أوضحته مقدمته التي افتتح بها كتابه (الروض الأنف) «١٣٤» .
стр. 132
وفي النتيجة فلو أجرينا موازنة بين هذين الشرحين آنفي الذكر للسيرة التي كتبها ابن هشام، لوجدنا أن شخصية السهيلي في كتابه الروض الأنف من حيث شرحه للألفاظ الواردة في السيرة أبرز من شخصية الخشني الذي قلص شرحه إلى أقل حد ممكن من الروايات التي وردت في سيرة ابن هشام، وهذا ما جعل الشرح الذي قام به السهيلي للسيرة، أكثر شمولية وتفصيلا من الشرح الذي كتبه الخشني لها.
٣. دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) :
مصنف هذا الكتاب هو أحمد بن الحسين بن علي بن موسى بن عبد الله، ولد سنة ٣٨٤ هـ في بيهق إحدى قصبات نيسابور، درس الحديث والفقه على مذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) وبرع فيه حتى صار من كبار الأئمة فيهما، ولأجل ذلك وصف بأنه لو شاء أن يعمل لنفسه مذهبا يجتهد فيه لكان قادرا على ذلك لسعة علومه ومعرفته بالاختلاف، وترك لأجل ذلك مصنفات كبيرة أصبحت في ما بعد أصولا يعتمد عليها معظم المسلمين «١٣٥» .
كانت هنالك دوافع عدة جعلتنا ندخل هذا الكتاب ضمن كتب السيرة الشاملة مع العلم أن الناظر للعنوان أول وهلة يلاحظ أن الكتاب مخصص للحديث عن الدلائل التي ظهرت من الرسول ﵌، ولكن بعد تصفحه تبين أنه كتاب في السيرة قرن فيه مؤلفه الدلائل التي ظهرت من الرسول بأحواله، إذ
стр. 133
أشار إلى ذلك بمقدمته التي يقول فيها: " واستعنت به في إتمام ما قصدته [تصنيف كتاب في دلائل النبوة] مع ما نقل إلينا في شرف أصله وطهارة مولده وبيان أسمائه وصفاته وقدري حياته ووقت وفاته وغير ذلك مما يتعلق بمعرفته ﷺ ... والاعتماد على جملة ما تقدمه من الصحيح أو المعروف عند أهل المغازي والتواريخ" «١٣٦» ، ولأجل ذلك كانت هذه الكلمات معبرة عن فحوى الكتاب ومضامينه التي جعلتنا نضعه ضمن مصنفات السيرة الشاملة.
شكل هذا الكتاب نقلة نوعية في كتابة السيرة وذلك للإسهامات التي أضفاها والتي تضمنت محاور وأساليب مثلت حلقة مهمة من حلقات التطور في كتابة السيرة النبوية، وهذه الإسهامات هي:
١. كتب البيهقي كتابه هذا على وفق منظور فلسفي وكلامي، وبعبارة أدق كتب سيرة الرسول ﵌ ميرزا فيها الجانب الإعجازي الذي تضمنها، إذ جعل من سيرة الرسول بمجملها معجزة من المعاجز التي لا تصدر عن أي كائن حي إلا كان نبيا مرسلا من الله ، ولأجل ذلك نراه قد برز قبل استعراضه لهذه السيرة الخوارق والنبوءات السابقة للأنبياء والأصفياء والصالحين ومعاجزهم ومقارنتها بمعاجز الرسول ﵌ «١٣٧» .
كان لهذا المنحى الذي سلكه البيهقي صدى في العديد من المصنفات التي كتبت عن سيرة الرسول ﵌، إذ أشار ابن حزم الظاهري (ت ٤٥٦ هـ) إلى هذا الأمر بقوله: " وأن سيرة محمد ﷺ لمن تدبرها تقتضي
стр. 134
تصديقه ضرورة، وتشهد بأنه رسول الله ﷺ حقا فلو لم تكن له معجزة غير سيرته ﷺ لكفي" «١٣٨» ، ووافقه ابن كثير في هذا المنحى إذ قال" وسيرة رسول الله ﷺ وأخلاقه وأقواله وأفعاله من آياته، أي من دلائل نبوته، ... يظهر بتدبر سيرته من حين ولد إلى أن مات" «١٣٩» .
بينت هذه النصوص آنفة الذكر مصداقية المنحى الذي سلكه البيهقي في عدّه سيرة الرسول دليلا من دلائل نبوته مقدما إياها مع معاجزه وخوارقه.
٢. استعمال النقد والتمحيص بين الروايات والأحاديث وإبداء الاراء فيها، وهذا ما أكده قوله: " وعادتي في كتبي المصنفة في الأصول والفروع الاقتصار من الأخبار على ما يصح منها دون ما لا يصح، أو التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح ليكون الناظر فيها من أهل السنة على بصيرة مما يقع الاعتماد عليه، فلا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مغمزا فيما اعتمد عليه أهل السنة من الاثار" «١٤٠» .
استعمل في هذا النقد والتمحيص بين الروايات أساليب المحدثين في ذلك، وكان لانتهاجه هذا الأمر سبب تمثل بطلب أحد تلامذته منه معرفة ما أورده من روايات وأحاديث في هذا الكتاب من حيث صحتها والاحتجاج بموجبها، إذ يقول: " ويعلم أن كل حديث أوردته فيه قد أردفته بما يشير إلى صحته، أو
стр. 135
تركته مبهما وهو مقبول في مثل ما أخرجته، وأوردته بإسناد فيه ضعف أشرت إلى ضعفه وجعلت الاعتماد على غيره" «١٤١» ، ويضيف على ذلك بالقول:
" واستعنت في إتمام ما قصدته من ذكر دلائل نبوة نبينا ومعرفة أحواله من الاكتفاء بالصحيح من السقيم والاجتزاء بالمعروف من الغريب، إلا فيما لا يتضح المراد من الصحيح أو المعروف دونه فأوردته والاعتماد على جملة ما تقدمه الصحيح أو المعروف عند أهل المغازي والتواريخ" «١٤٢» .
لم يكتف البيهقي بذلك بل اقترح على قراء كتابه أن يفهموا المعايير التي يبينها فيه في ما يخص الرواية والرواة، إذ يقول في صدر ذلك: " ومن وقف على تميز في كتبي بين صحيح الأخبار وسقيمها وساعده التوفيق على صدق فيما ذكرته، ومن لم ينعم النظر في ذلك، ولم يساعده التوفيق فلا يغنيه شرحي لذلك وإن أكثرت، ولا إيضاحي له وإن أبلغت" «١٤٣» .
وهكذا فان البيهقي بإشاراته وإيضاحاته هذه للرواية والرواة قد أعطى مفاتيح لمن يريد تعرّف مقدار وثاقة وضعف المحدث والحديث والرواية والرواية، مما يبين انصهار مناهج المؤرخين في عرض الرواية التأريخية بمقاييس المحدثين ومعاييرهم، وهذا مما لا نجده بنفس الوضوح في مصادر أخرى عرضت سيرة الرسول ﵌ مستعملة هذا المنحى في الكتابة.
٣. إيراده روايات لم توردها المصادر التي تقدمت عليه ولم تكن معروفة قبله، أو تعرضه لحوادث تناولتها المصنفات التي سبقته بالاختصار والاقتضاب، فمن
стр. 136
ذلك ما ذكره عن حديث قس بن ساعدة الإيادي الذي تنبأ فيه بظهور نبي في أرض العرب أوشك زمانه على الحلول «١٤٤» ، ورؤية صورة النبي مع صور الأنبياء «١٤٥» ، وحديث أحد الكهان الذين تنبأ أيضا بظهور الرسول ﵌ «١٤٦» ، وغير ذلك من الروايات التي زخر بها هذا الكتاب ولا سيما عند حديثه عن الحقبة الزمنية التي سبقت ولادة الرسول ﵌ والبعثة النبوية «١٤٧» .
أما بالنسبة الى الحوادث التي أوردتها المصنفات التي سبقته مختصرة، فقد أرخى البيهقي لنفسه العنان في تفصيل مجريات هذه الحوادث، فمن ذلك حادثة حفر عبد المطلب جد الرسول ﵌ لبئر زمزم «١٤٨» ، كذلك ذكره لحادثة مولد الرسول ﵌ بتفاصيلها «١٤٩» ، وإسهابه في ذكر حادثة المباهلة مع نصارى نجران التي تضمنت ذكرا لتفاصيلها ابتداء من دخول هؤلاء النصارى المدينة وانتهاء بخروجهم منها.
٤. فسح المجال للأحاديث والروايات الضعيفة والموضوعة والمكذوبة بأن تأخذ مجراها في الكتاب على الرغم من تأكيده التيقظ والروية في إثبات الأحاديث والروايات الصحيحة والمشهورة عند أهل المغازي والتواريخ «١٥٠» .
стр. 137
فمن هذه الروايات ذكره لحادثة شق الصدر بتفاصيل وطرق لم ترد عند سابقيه «١٥١» ، إذ علق بعد إيراده لها: " وقد روى محمد بن زكريا الغلابي بإسناده عن ابن عباس عن حليمة السعدية هذه القصة بزيادات كثيرة وهي لي مسموعة، إلا أن محمد بن زكريا هذا متهم بالوضع فالاقتصار على ما هو معروف عند أهل المغازي أولى، ثم أني استخرت الله تعالى في إيرادها فوقعت الخيرة على ما تقدمه من نقل أهل المغازي لشهرته بين المذكورين" «١٥٢» ، فضلا عن هذا كله فقد تضمن أحد أجزاء هذا الكتاب من هذه الروايات الشيء الكثير «١٥٣» .
لم ترد هذه الروايات التي وردت في كتاب البيهقي هذا في مصنفات سبقت هذا الكتاب، وما ذلك إلا لعدم قناعة المتقدمين عليه بالرواية والرواة فضلا عن أن هذه الروايات هي من نتاج عقليات القصاص الذين يميلون قلوب الناس إليهم وذلك بروايتهم لكل غريب ومستعظم ومهول في نفوس الادميين «١٥٤» ، مما دفع هذا التكالب في إيراد الروايات الخاصة في معاجز الرسول والخوارق التي بدرت منه إلى شن أحد المتربصين للإسلام والمسلمين من الذين ينظرون إلى الأمور بجزئية إلى نبذ هذه الروايات كلها، إذ يقول ابن العبري (ت ٦٨٣ هـ) في معرض حديثه عن دلائل نبوة الرسول والمعجزات التي أحصتها الكتب له:
" وقد نقل عنه المعجزات ... كانجذاب الشجر إليه وتسليم الحجر عليه ... ولم يبلغ رواة هذه الغرائب حد التواتر إنما نقلت على سبيل الاحاد وكان اعتماد
стр. 138
العلماء من الإسلاميين في إثبات نبوته على القرآن وادعوا فيه الإعجاز لأنه تحدى الفصحاء" «١٥٥» .
ومن هذا كله نرى أن إيراد هذه الروايات قد كان نقطة ضعف تسجل على هذا الكتاب.
٥. استعمال منهجية صارمة في إيراد الروايات التي تعد طريقة فريدة من نوعها في مثل هذه المصنفات، إذ تمثلت هذه المنهجية بتطبيق قواعد وأسس خص بها البيهقي كتابه هذا، ويمكن إجمال هذه القواعد والأسس التي اختطها البيهقي والتي شكلت نقلة نوعية في مناهج كتابة السيرة بعدة محاور هي:
أولا: جمع أسانيد الروايات المتعددة في سند جمعي واحد، وذلك بأن يأتي بالطرق التي وردت الرواية بها فيذكرها كلها في سياق واحد، وتستعمل هذه الطريقة عندما تستوي مراتب الرواة وتتفق رواياتهم لفظا ومعنى ويجمع بينهم في سياق واحد «١٥٦» ، وسلك البيهقي في هذا الجمع للأسانيد مسالك عدة هي:
أ. العطف بين الشيوخ، وذلك بأن يروي الحادثة الواحدة عن شيخين فأكثر من شيوخه عاطفا بينهم بالواو، ثم يذكر الإسناد والمتن لهذه الرواية «١٥٧» .
ب. تعداد الأسانيد وذكر المتن عقب الإسناد الأول للحديث أو الرواية مع استعمال عبارة: (بمثله، بنحوه، فذكره بمعناه) «١٥٨» .
стр. 139
ج. إفراد كل سند مع متنه بالرواية، وذلك بأن يروي الحديث أو الرواية بأسانيد متعددة ويتبع كل إسناد بلفظ المتن والذي روي به فيعيد المتن لزيادة ألفاظ أو دلالات أو اختلاف بين الرواة فيه «١٥٩» .
د. اختصار الأسانيد، وذلك بأن يروي الحديث أو الرواية بسندها أو بمتنها ثم يذكر عقب ذلك باقي الأسانيد، ولكنه يكتفي من ذلك بذكر بعض العبارات التي تبين هذا المنحى مثل: (وبإسناده أو بمثل هذا الإسناد) «١٦٠» ، استعمل هذا النمط من أنماط جمع الأسانيد في الروايات التي تتسلسل الواحدة تلو الأخرى ويتشابه رواتها.
كان هذا المنحى من قبل البيهقي بجمعه لأسانيد رواياته محاكيا لنهج من سبقه في ذلك وخصوصا محمد بن إسحاق الذي سار على هذا النهج في السيرة التي كتبها للرسول ﵌ «١٦١» ، ولكن محاكاته هذه لم تكن بالمعنى الحرفي بل كانت صيغة مغايرة لما انتهجه المصنفون الذين سبقوه، لأن اتجاهه هذا كان ثمرة من ثمار المسيرة الطويلة التي قطعها علم الحديث والإسناد والتي بلغت أكثر من ثلاثة قرون ونصف «١٦٢» .
ثانيا: إيراد بعض الروايات عن الحوادث التأريخية مقرونة بالقرائن المؤكدة لها سواء أكانت تلك القرائن على هيأة آية قرآنية أم حديث نبوي شريف أم
стр. 140
موافقة لرواية راو آخر ذكرها بسند مختلف، وقد انتهج البيهقي في إثبات هذه القرائن مناحي عدة، وهذه المناحي هي:
أ. بدء بعض أبواب الكتاب بإيراد آيات من القرآن تكون بيانا لما سيتناوله هذا الباب من مباحث، فقرن بذلك آيات القرآن بالحوادث التأريخية التي رافقت نزولها «١٦٣» .
ب. تقديم الروايات التي لها أصل في الصحيحين (البخاري ومسلم) أو إحداهما على الروايات الأخرى التي ترد بطرق مختلفة، وذلك عند بداية عرضه لبعض حوادث السيرة «١٦٤» ، ولم يحد عن هذا المنحى إلا لسبب يقتضي ذلك كأن تكون الرواية أو الحديث المخرج أكثر انطباقا على الصيغة أو العنوان الذي عقده للباب أو الفصل الذي يروم الكتابة فيه من الرواية التي وردت في الصحيحين أو إحداهما «١٦٥» .
ج. الإكثار من إيراد المتابعات* من الروايات «١٦٦» ، إذ كان قصده من إيراد تلك المتابعات هو تقوية تلك الروايات من حيث حقيقة وقوعها، وذلك لأن
стр. 141
الرواية أو الحديث إذا تعددت طرقه قوي وصار صالحا للاحتجاج به إن كان ضعيفا أما إذا كان صحيحا فإنه يزداد قوة إذ ورد من طريق آخر «١٦٧» .
هذه هي المنهجة التي اتبعها البيهقي في إيراد الروايات الخاصة عن سيرة الرسول ﵌ ودلائل النبوة والتي تعد طريقة فريدة من نوعها لأنها مثلت تلاقحا بين مناهج المؤرخين والمحدثين في الكتابة التاريخية بعامة والسيرة النبوية بخاصة.
٦. إيراد نصوص شعرية من قصائد وأراجيز لم توردها المصادر التي تقدمت عليه وقد بلغت هذه النصوص (١١٥) نصا شعريا «١٦٨» ، ولكن هذه النصوص كانت ناقصة ومبتورة وذلك لتأثير صبغة المحدث التي اصطبغ بها منحاه من إيراد الأشعار، لأن المحدثين كانوا حذرين جدا في إيراد الشعر، أو عدّه من المنمقات للروايات، إذ لم يعتمدوه دليلا على صحة الخبر المروي «١٦٩» .
عطف على الروايات التي أورد فيها نصا شعريا مبتورا بعبارة: (وذكر سائر الأبيات، أو إلى آخر القصيدة) «١٧٠» ، وهذا ما يبين أنه لم يكن مهتما بإيراد جميع أبيات القصائد التي يستشهد بها، ولكن هذا الأمر لم يكن منطبقا على كل
стр. 142
صحائف الكتاب بل وجدنا هنالك قصائد قد أوردها كاملة في مضانها «١٧١» ، واللافت للنظر أن هذه القصائد التي أوردها كان لها النصيب الأوفر منها برواية ابن إسحاق لها والتي لم توردها المصادر التي اعتمدت على سيرته التي كتبها.
هذه هي طبيعة الأشعار التي وردت في هذا الكتاب والتي حفظ لنا بموجبها قسما من شعر السيرة الضائع الذي أغفلته المصادر السابقة عليه، ولكن هذا الشعر لم يمحص وينقد كما فعل ابن هشام عند عرضه شعر السيرة «١٧٢» .
حفزت هذه الإسهامات مجتمعة العلماء بإبداء وجهات نظر متعددة في هذا الكتاب وذلك بعد ما اطلعوا عليه واستعملوه في مصنفاتهم، إذ لم نجد مصنفا من المصنفات التي تلته والتي تعرضت لسيرة الرسول ﵌ إلا وكان هذا الكتاب أحد مصادره الرئيسة «١٧٣» ، أما وجهات النظر فقد كانت متفقة على كون هذا الكتاب من المصنفات المهمة لسيرة الرسول ودلائل النبوة، إذ يقول الذهبي في معرض حديثه عن هذا الكتاب: " فعليك يا أخي بكتاب دلائل النبوة
стр. 143
للبيهقي فانه شفاء لما في الصدور وهدى ونور" «١٧٤» ، ويبدي ابن كثير رأيه بهذا الكتاب فيقول: " وقد جمع الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀ كتابا شافيا ...
مقتديا بمن تقدمه في ذلك كما اقتدى به كثير ممن أتى بعده" «١٧٥» .
ولأجل ذلك كانت لهذا الكتاب مكإنة طيبة في نفوس العلماء، إذ شرع بعض المتأخرين باختصاره واقتضابه، إذ ذكر حاجي خليفة أن أبا حفص عمر بن علي الأنصاري المعروف بابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) قد اختصر هذا الكتاب «١٧٦» ، وأطلع برو كلمان على مختصر لكتاب (دلائل النبوة) مخطوطا في مكتبة الظاهرية في سوريا، ولكنه مجهول المؤلف يحمل أسم" بغية السائل عما حواه كتاب الدلائل عن سيرة النبي ﷺ وصفاته" مكتوبا سنة ٧٥٥ هـ «١٧٧» .
قبل أن نختم عرضنا للمناحي التطورية التي أسهم بها البيهقي في كتابته لسيرة الرسول ﵌، يجب التنبيه إلى أن هذا الكتاب قد حوى قسما كبيرا من السيرة التي كتبها محمد بن إسحاق ولا سيما في الباب الخاص بدلائل نبوته من مولده إلى وفاته «١٧٨» ، إذ اعتمد على رواية يونس بن بكير* لهذه السيرة التي
стр. 144
تتضمن بحسب رأي بعض الباحثين روايات لم ترد عند باقي رواتها «١٧٩» ، ولأجل ذلك نستطيع وضع مصنف توفيقي بين ما كتبه ابن هشام والطبري من نقول عن سيرة ابن إسحاق وبين ما كتبه البيهقي من نقول من هذه السيرة للكم الهائل من الروايات التي حواها كل مصنف من مصنفات هؤلاء الأعلام.
وفي الختام أود أن أشير إلى أن هذا الكتاب يحتاج إلى دراسة مفصلة لمنهجه وموارده وطريقة عرضه للروايات، وذلك لما تضمن من جهد كبير وواسع أردف السيرة النبوية بتراث جم كان على مدار العصور محل إعجاب واعتماد من قبل كل مصنف يبغي الكتابة عن سيرة الرسول ﵌ بعامة، ودلائل نبوته بخاصة.
٤. الوفا بأحوال المصطفى لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) :
مصنف هذا الكتاب هو عبد الرحمن بن ابي الحسن علي بن محمد برع في الوعظ والإرشاد حتى فاق فيه الأقران، وترك مصنفات كثيرة في مختلف العلوم والفنون والمعارف، نشأ في بغداد وبزغ نجمه فيها إلى أن توفاه الله سنة ٥٩٧ هـ «١٨٠» .
стр. 145
كان لاهتمامات ابن الجوزي في الوعظ والإرشاد أثر ملموس في تضمينه السيرة النبوية في معظم مصنفاته التي كتبها «١٨١» ، فضلا عن أنه كان يكن تقديسا عظيما لسيرة الرسول ﵌ في نفسه، ونلمس ذلك من وصاياه التي يقول فيها: " من أراد أن يعلم حقيقة الرضا عن الله في أفعاله، وأن يدري من أين ينشأ الرضا، فليتفكر في أحوال رسول الله ﷺ " «١٨٢» ، فضلا عن وجود هذا الشعور في مقالته التي أفتتح بها أحد كتبه:
" ولما سميت كتابي هذا صفة الصفوة رأيت أن أفتتحه بذكر نبينا محمد ﷺ فانه صفوة الخلق وقدوة العالم" «١٨٣» .
أشارت إحدى الباحثات إلى هذا الأمر بعدما استعرضت مصنفات ابن الجوزي وخرجت منها بالنتيجة الاتية: " ومن ثبت مؤلفات ابن الجوزي ومقارنتها ببعض نستطيع أن نتبين منهجه في التأليف وطريقته، بأنه كان كثيرا ما يكرر ما كتبه في كتب سابقة ومن باب معين ويألف منه تصنيفا جديدة وبعنوان جديد وبإضافة جديدة إن لم يحذف من مواد الكتاب السابق ولو ألقينا نظرة