الرواية أو الحديث إذا تعددت طرقه قوي وصار صالحا للاحتجاج به إن كان ضعيفا أما إذا كان صحيحا فإنه يزداد قوة إذ ورد من طريق آخر «١٦٧» .
هذه هي المنهجة التي اتبعها البيهقي في إيراد الروايات الخاصة عن سيرة الرسول ﵌ ودلائل النبوة والتي تعد طريقة فريدة من نوعها لأنها مثلت تلاقحا بين مناهج المؤرخين والمحدثين في الكتابة التاريخية بعامة والسيرة النبوية بخاصة.
٦. إيراد نصوص شعرية من قصائد وأراجيز لم توردها المصادر التي تقدمت عليه وقد بلغت هذه النصوص (١١٥) نصا شعريا «١٦٨» ، ولكن هذه النصوص كانت ناقصة ومبتورة وذلك لتأثير صبغة المحدث التي اصطبغ بها منحاه من إيراد الأشعار، لأن المحدثين كانوا حذرين جدا في إيراد الشعر، أو عدّه من المنمقات للروايات، إذ لم يعتمدوه دليلا على صحة الخبر المروي «١٦٩» .
عطف على الروايات التي أورد فيها نصا شعريا مبتورا بعبارة: (وذكر سائر الأبيات، أو إلى آخر القصيدة) «١٧٠» ، وهذا ما يبين أنه لم يكن مهتما بإيراد جميع أبيات القصائد التي يستشهد بها، ولكن هذا الأمر لم يكن منطبقا على كل
стр. 142
صحائف الكتاب بل وجدنا هنالك قصائد قد أوردها كاملة في مضانها «١٧١» ، واللافت للنظر أن هذه القصائد التي أوردها كان لها النصيب الأوفر منها برواية ابن إسحاق لها والتي لم توردها المصادر التي اعتمدت على سيرته التي كتبها.
هذه هي طبيعة الأشعار التي وردت في هذا الكتاب والتي حفظ لنا بموجبها قسما من شعر السيرة الضائع الذي أغفلته المصادر السابقة عليه، ولكن هذا الشعر لم يمحص وينقد كما فعل ابن هشام عند عرضه شعر السيرة «١٧٢» .
حفزت هذه الإسهامات مجتمعة العلماء بإبداء وجهات نظر متعددة في هذا الكتاب وذلك بعد ما اطلعوا عليه واستعملوه في مصنفاتهم، إذ لم نجد مصنفا من المصنفات التي تلته والتي تعرضت لسيرة الرسول ﵌ إلا وكان هذا الكتاب أحد مصادره الرئيسة «١٧٣» ، أما وجهات النظر فقد كانت متفقة على كون هذا الكتاب من المصنفات المهمة لسيرة الرسول ودلائل النبوة، إذ يقول الذهبي في معرض حديثه عن هذا الكتاب: " فعليك يا أخي بكتاب دلائل النبوة
стр. 143
للبيهقي فانه شفاء لما في الصدور وهدى ونور" «١٧٤» ، ويبدي ابن كثير رأيه بهذا الكتاب فيقول: " وقد جمع الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀ كتابا شافيا ...
مقتديا بمن تقدمه في ذلك كما اقتدى به كثير ممن أتى بعده" «١٧٥» .
ولأجل ذلك كانت لهذا الكتاب مكإنة طيبة في نفوس العلماء، إذ شرع بعض المتأخرين باختصاره واقتضابه، إذ ذكر حاجي خليفة أن أبا حفص عمر بن علي الأنصاري المعروف بابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) قد اختصر هذا الكتاب «١٧٦» ، وأطلع برو كلمان على مختصر لكتاب (دلائل النبوة) مخطوطا في مكتبة الظاهرية في سوريا، ولكنه مجهول المؤلف يحمل أسم" بغية السائل عما حواه كتاب الدلائل عن سيرة النبي ﷺ وصفاته" مكتوبا سنة ٧٥٥ هـ «١٧٧» .
قبل أن نختم عرضنا للمناحي التطورية التي أسهم بها البيهقي في كتابته لسيرة الرسول ﵌، يجب التنبيه إلى أن هذا الكتاب قد حوى قسما كبيرا من السيرة التي كتبها محمد بن إسحاق ولا سيما في الباب الخاص بدلائل نبوته من مولده إلى وفاته «١٧٨» ، إذ اعتمد على رواية يونس بن بكير* لهذه السيرة التي
стр. 144
تتضمن بحسب رأي بعض الباحثين روايات لم ترد عند باقي رواتها «١٧٩» ، ولأجل ذلك نستطيع وضع مصنف توفيقي بين ما كتبه ابن هشام والطبري من نقول عن سيرة ابن إسحاق وبين ما كتبه البيهقي من نقول من هذه السيرة للكم الهائل من الروايات التي حواها كل مصنف من مصنفات هؤلاء الأعلام.
وفي الختام أود أن أشير إلى أن هذا الكتاب يحتاج إلى دراسة مفصلة لمنهجه وموارده وطريقة عرضه للروايات، وذلك لما تضمن من جهد كبير وواسع أردف السيرة النبوية بتراث جم كان على مدار العصور محل إعجاب واعتماد من قبل كل مصنف يبغي الكتابة عن سيرة الرسول ﵌ بعامة، ودلائل نبوته بخاصة.
٤. الوفا بأحوال المصطفى لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) :
مصنف هذا الكتاب هو عبد الرحمن بن ابي الحسن علي بن محمد برع في الوعظ والإرشاد حتى فاق فيه الأقران، وترك مصنفات كثيرة في مختلف العلوم والفنون والمعارف، نشأ في بغداد وبزغ نجمه فيها إلى أن توفاه الله سنة ٥٩٧ هـ «١٨٠» .
стр. 145
كان لاهتمامات ابن الجوزي في الوعظ والإرشاد أثر ملموس في تضمينه السيرة النبوية في معظم مصنفاته التي كتبها «١٨١» ، فضلا عن أنه كان يكن تقديسا عظيما لسيرة الرسول ﵌ في نفسه، ونلمس ذلك من وصاياه التي يقول فيها: " من أراد أن يعلم حقيقة الرضا عن الله في أفعاله، وأن يدري من أين ينشأ الرضا، فليتفكر في أحوال رسول الله ﷺ " «١٨٢» ، فضلا عن وجود هذا الشعور في مقالته التي أفتتح بها أحد كتبه:
" ولما سميت كتابي هذا صفة الصفوة رأيت أن أفتتحه بذكر نبينا محمد ﷺ فانه صفوة الخلق وقدوة العالم" «١٨٣» .
أشارت إحدى الباحثات إلى هذا الأمر بعدما استعرضت مصنفات ابن الجوزي وخرجت منها بالنتيجة الاتية: " ومن ثبت مؤلفات ابن الجوزي ومقارنتها ببعض نستطيع أن نتبين منهجه في التأليف وطريقته، بأنه كان كثيرا ما يكرر ما كتبه في كتب سابقة ومن باب معين ويألف منه تصنيفا جديدة وبعنوان جديد وبإضافة جديدة إن لم يحذف من مواد الكتاب السابق ولو ألقينا نظرة
стр. 146
بسيطة على ثبت تاليفه في المواضع المختلفة لرأينا مدى التشابه الكبير في عناوين تلك الكتب وأسمائها في الموضوع المعين الواحد" «١٨٤» .
خص ابن الجوزي من بين مصنفاته مصنفا مستقلا استعرض فيه سيرة الرسول ﵌ بشمولية وتفصيل أسماه (الوفا لأحوال المصطفى) بعدما وجد الحاجة ملحة في عصره إلى وجود هكذا مصنف، إذ بين هذا الأمر في مقدمة كتابه هذا التي أفتتحها بالقول: " وأني رأيت خلقا من أئمتنا لا يحيطون علما بحقيقة فضيلته فأحببت أن أجمع كتابا أشير فيه إلى مرتبته وأشرح حاله من بدايته إلى نهايته وأدرج في ذلك الأدلة على صحة رسالته، وتقدمه على جميع الأنبياء في رتبته، فإذا انتهى الأمر إلى مدفنه في تربته ذكرت فضل الصلاة عليه وعرض أعمال أمته وكيفية بعثته، وموقع شفاعته وأخبرت بقربه من الخالق يوم القيامة ومنزلته" «١٨٥» .
نرى من هذا الاستعراض وجود حافزين ألحا على ابن الجوزي في كتابة مصنفه هذا، الحافز الأول، حافز أخلاقي تمثل بالتبرك بكتابة السيرة النبوية، أما الحافز الثاني فهو حافز علمي تمثل بتصنيف كتاب يعالج فيه أحوال المصطفى وسمو مرتبته وحقيقة فضيلته بعدما جهل بعض الناس هذا الأمر في عصره.
ولأجل ذلك كانت المحاور التي حواها مصنف ابن الجوزي هذا من الإسهامات الجادة في تطور كتابة السيرة لأنه استعرض فيها أمورا عدة لم توجد
стр. 147
في باقي المصنفات التي سبقته والتي تشابهت معه في المنحى والأسلوب في طرح مضامين السيرة ومتعلقاتها الجانبية، وهذه الأمور التي استعرضها هي:
أولا: شمائل الرسول ﵌ وأخلاقه، إذ عرضها بشكل منفصل بهذه السيرة وذلك بتخصيص فصل مستقل لها «١٨٦» .
ثانيا: دلائل نبوة الرسول ﵌ ومعجزاته، إذ ضمنها في أماكن متعددة من هذه السيرة «١٨٧» ، وهذا ما أشارت إليه مقالته في مقدمته التي افتتح بها كتابه والتي مفادها: " فأحببت أن أجمع كتابا اشير فيه إلى مرتبته وأشرح حاله من بدايته إلى نهايته ... " «١٨٨» .
ثالثا: خصائص الرسول ﵌ والميزات التي فضل الله تعالى بها نبيه على سائر الخلق أجمعين وما أوجبه الله تعالى على أمته في طاعته وتقديم محبته على النفس «١٨٩» .
هذه هي الأمور التي أدخلها ابن الجوزي على كتابه هذا والتي تضمنت جمعا لجوانب شتى من سيرة الرسول ﵌ أفردها العلماء قبله بالتأليف في مصنفات عديدة منذ القرون الأولى حتى عصره «١٩٠» ، أما التجديد في عمل ابن الجوزي هذا فهو قيامه بجمع هذه الجوانب في إطار واحد وإدخالها في قالب تنظيمي دقيق جعلها متصلة الحلقات ومترابطة مع الحوادث التي عاصرتها، مع الإشارة ضمنا
стр. 148
إلى وجود عامل ساعد على جمع هذه الجوانب وذلك بكون ابن الجوزي قد وضع كتابه هذا على أساس الموضوع في عرضه لمضامين الكتاب، إذ كانت هذه المضامين غير خاضعة لمقياس القدم والتسلسل في عرض الحدث التأريخي، وهذا ما أشارت إليه مقدمة كتابه الذي عرض فيه أبوابه ومباحثه «١٩١» .
لم تقتصر هذه السيرة التي كتبها ابن الجوزي للرسول ﵌ على هذا المنحى فقط بل صاحبته مناح أخرى كانت بمجملها نقلة نوعية تسجل لهذه السيرة، مع إسهام في تطور كتابتها، وهذه المناحي هي:
١. حذف الأسانيد من الروايات سواء أكانت روايات شفوية أم اقتباسات من مصنفات مكتوبة حصل على إجازة لروايتها «١٩٢» .
علل ابن الجوزي منحاه هذا بالقول: " ولا أطرق الأحاديث خوفا على السامع من ملالته" «١٩٣» .
بين لنا هذا المنحى الذي أنتهجه ابن الجوزي في كتابه هذا الاسترسال في ذكر الروايات الغثة والسمينة منها، لأن إيراد هذه الروايات محذوفة السند يبين لنا العفوية وعدم التدبر في إثباتها، حتى شكل ذلك أمرا أظهر فيه أن الإسناد قد بلغ في عصر ابن الجوزي من الوهن مداه، إذ اكتفى المصنفون بالاعتماد على النقولات من الكتب التي سبقتهم وترك الروايات المسندة بطريق شفاهي.
٢. اعتماده على المصنفات التي كتبها العلماء السابقون عليه والتي تعرضت للسيرة من قريب أو بعيد وإشارته إليها في مواضع كثيرة من كتابه «١٩٤» ، وهذا
стр. 149
ما يدل على وصول هذه المصنفات إليه واعتماده عليها، فهو بذلك قد حفظ لنا قسما من مضامينها، مما ساعد الباحثين على إجلاء بعض الغموض الذي يصاحب أسماء بعض الكتب التي ذكرها ابن الجوزي والتي أخذتها عوادي الدهر ولم يبق من هذه المصنفات سوى أسمائها ونقول متفرقة في بطون بعض الكتب.
فضلا عن ذلك فقد أثبت ابن الجوزي بعض تعليقات شيوخه على قسم من الروايات التي أثبتها في كتابه هذا «١٩٥» .
ولأجل ذلك كانت هاتان الطريقتان في إثبات النصوص سمة اتصف بها هذا الكتاب مع العلم انها لم تكن وليدة أو انها بل كانت هنالك مصنفات سبقته اتصفت بهذه السمة «١٩٦» ، ولكن الميزة التي اتصف بها مصنف ابن الجوزي هذا تمثلت بأن هذا المنحى قد تبلورت جميع اتجاهاته في هذا الكتاب، إذ لم نجد فيه نصا مسندا أو مناقشة لرواية أو ترجيح واحدة على أخرى بل كان مجرد لم شتات من الروايات المبعثرة هنا وهناك في بطون الكتب وإخراجها في مصنف مستقل.
٣. إغفال الأشعار الواردة في حوادث السيرة، إذ كاد الكتاب يخلو تقريبا من الأبيات والقصائد الشعرية التي حفلت بها تلك الحوادث، إذ لم نجد في هذا
стр. 150
الكتاب إلا مواضع قليلة جدا استشهد بها ابن الجوزي في ما قيل في تلك الحوادث من شعر «١٩٧» .
علل إغفال ابن الجوزي لهذه الأشعار برغبته في الاقتصار والاكتفاء بعرض جوانب الموضوع من دون إطالة لأن أشعار السيرة تأخذ حيزا كبيرا من الكتاب المراد تصنيفه فيها «١٩٨» .
٤. التناسق والترتيب في عرض الحوادث، والمنهجية الدقيقة في تقسيم الكتاب إلى أبواب كبيرة ثم إلى أصغر منها، بحيث أن كل رواية تذهب إلى الباب الذي يوافق مضامينها «١٩٩» ، فهو بذلك قد وضع أسسا منهجية لمباحث السيرة لم تكن بهذه الصورة والتقسيم في العرض والإيراد عند من سبقه، حتى انتهج بعض المصنفين المتأخرين في سيرة الرسول ﵌ خطته هذه في العرض «٢٠٠» ، إذ أشار هذا المصنف إلى هذا الأمر بالقول: " فهذا كتاب ... ذكرت فيه قطرات من بحار فضائل سيدنا رسول الله ﷺ من مبدأ خلقه قبل خلق سيدنا آدم ... وأعلام نبوته وشمائله وسيرته وأفعاله وأحواله وتقلباته إلى أن نقله الله تعالى إلى أعلى جنابه وما أعد له منها من الانعام والتعظيم ... وأثبت ما فيه من الأبواب، وهي بنحو ألف باب والله الهادي للصواب" «٢٠١» ، فضلا
стр. 151
عن اعتماد الصالحي نفسه كتاب ابن الجوزي هذا وجعله في قائمة مصادره التي افتتح بها كتابه (سبل الهدى والرشاد) «٢٠٢» .
٥. التناقض في عرض الروايات، إذ أشار في مقدمة هذا الكتاب الى أنه لا يخلط الصحيح بالكذب كما يفعل غيره من المصنفين لإكثار الروايات «٢٠٣» ، ولكنه في كتابه هذا لم يلتزم بهذا العهد الذي قطعه على نفسه في كتابه هذا إذ نقل روايات موضوعة فيه أشار هو نفسه في أحد كتبه إلى وضعها «٢٠٤» ، فمن هذه الروايات ما ذكره حول الطينة التي خلق الله منها نبيه «٢٠٥» .
تنبه العديد من العلماء الذين ترجموا لابن الجوزي في مصنفاتهم إلى هذه الظاهرة في كتبه، إذ علق الذهبي عليه بالقول: " وكان كثير الغلط فيما يصنفه، فانه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبر ... وله وهم كثير في تواليفه يدخل عليها الداخل من العجلة والتحويل إلى مصنف آخر، وأن جل علمه من كتب ما مارس فيها أرباب العلم كما ينبغي" «٢٠٦» ، وأضاف ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ) بالقول: " مع هذا فللناس فيه رحمة الله عليه كلام لوجوه، منها كثرة أغلاطه في تصانيفه، وعذره في هذا واضح وهو انه كان مكثرا من التصانيف فيصنف الكتاب ولا يعتبره بل يشتغل بغيره" «٢٠٧» .
стр. 152
بهذا المنحى الذي سلكه ابن الجوزي في كتابه هذا أصبح لكتابة السيرة أسلوب يتميز باضفاء بعض الروايات الموضوعة في هيكلها.
٦. انطماس شخصية المؤلف في هذا الكتاب، وذلك لعدم وجود رأي مستقل له في الحوادث التي عرضها فيه، إذ لا توجد في هذا الكتاب سوى تعليقات بسيطة في أماكن قليلة منه لا تتعدى أصابع اليد الواحدة «٢٠٨» .
وهذا الأمر مرجعه إلى أن ابن الجوزي كان في كتابه هذا ناقلا أكثر مما هو ناقد، وذلك لبروز الحافز الأخلاقي في هذا الكتاب على حساب الحافز العلمي المتمثل بمناقشة الروايات وغربلتها والترجيح في ما بينها، فضلا عن ذلك لم نجد فيه إحالة واحدة إلى أحد مصنفاته الأخرى التي استعرض فيها سيرة الرسول ﵌ «٢٠٩» .
هذه هي المناحي التي أضفاها هذا المصنف على كتابة السيرة النبوية إذ شكلت إنعطافة مهمة فيها ومغايرة عن المصنفات التي سبقته.
стр. 153
المبحث الثاني السيرة النبوية المختصرة المستقلة ومصنفوها
كتب العديد من العلماء مصنفات مختصرة في مختلف العلوم والفنون والمعارف، وذلك لمن يريد معلومات مكثفة وسريعة عن موضوع ما، إذ علل أحد الباحثين بروز هذا المنحى برغبة الأمراء والعلماء بالتعرف على معلومات سريعة يضيق وقتهم عن أوسع منها وتقل حاجتهم إلى أكثر منها فضلا عن الرغبة في التخلص من نسخ المجلدات الواسعة مع الصعوبة في اقتنائها وفي نقلها التي هي في الوقت نفسه غالية الثمن وقلما يهتم بها إلا المختصون الهواة، وهذا ما أوجد ظاهرة طفحت على بعض المصنفات في التأريخ الإسلامي «١» ، وأضاف آخر حول بروز هذا المنحى الذي عزاه إلى وجود شريحة من الناس ليست لهم المقدرة على قراءة المصادر الموسعة فاتجه بعض العلماء إلى كتابة المختصرات في مختلف العلوم المعروفة آنذاك، بل قام بعض المصنفين باختصار مصنفاتهم لكي تلاقي رواجا أكثر وعناية من قبل القراء والمهتمين بها «٢» .
شمل هذا المنحى كتابة السيرة النبوية أيضا، إذ نرى أن لهذا المنحى (اختصار السيرة) جذورا قديمة ظهرت مع ظهور المصنفات الأولى في سيرة الرسول ﵌، إذ أوضح ابن سيد الناس (ت ٧٤٣ هـ) هذا الأمر بقوله: " وقفت على ما جمعه الناس قديما وحديثا من المجاميع في سير النبي ﷺ ومغازيه
стр. 154
وأيامه إلى غير ذلك مما يتصل به، لم أر إلا مطيلا مملا أو مقتصرا بأكثر المقاصد مخلا، والمطيل اما معتن بالأسماء والأنساب والأشعار والاداب أو آخر يأخذ كل مأخذ في جمع الطرق والروايات ويصرف إلى ذلك ما تصل إليه القدرة من العنايات، والمقصر لا يعدو المنهج الواحد ومع ذلك فلابد أن يترك كثيرا ما فيه من الفوائد ... " «٣» ، وهذا ما لا حظناه عند ما أشار ابن هشام إلى قيامه بكتابة مختصر للسيرة التي صنفها محمد بن إسحاق «٤» ، وهذا ما عدّ أول مختصر كتب للسيرة النبوية، ولكننا وضعناه ضمن كتب السيرة المسهبة وذلك لإدخاله وإضافته روايات لم يوردها ابن إسحاق في كتابه «٥» ، إذ خرج بذلك هذا الكتاب من كونه مختصرا لما كتبه ابن إسحاق من روايات وأسماء لا دخل لها في سيرة الرسول ﵌، إلى كونه مصنفا مستقلا بذاته ومن ثم فاننا لا نستطيع إطلاق لفظ مختصر عليه لذلك مع كون حجم الكتاب يخالف معنى هذه اللفظة، حتى أطلقت عليه بعض المصنفات التي أشارت إليه بعبارة السيرة النبوية لابن إسحاق بتهذيب ابن هشام «٦» .
قبل الدخول في دراسة المصنفات المختصرة التي كتبت في سيرة الرسول ﵌ يجب علينا تأكيد أن كتابة المختصرات في سيرة الرسول هي التطور ذاته في كتابة السيرة فضلا عن أن هذا المنحى التطوري في كتابة السيرة
стр. 155
قد صاحبه هو الاخر تطور ثان من جراء تعدد المصنفات التي كتبت فيه، أما هذه المصنفات فهي:
١. أوجز السير لخير البشر لأحمد بن فارس اللغوي (ت ٣٩٥ هـ) :
مصنف هذا الكتاب هو من علماء اللغة المشهورين الذين صنفوا فيها كتبا متعددة وذاع صيته في ذلك باسم أحمد بن فارس النحوي «٧» ، ومع هذه الشهرة بالنحو واللغة لم يمنع ذلك من تصنيفه مصنفات عدة في السيرة ومواضيعها إذ كتب ثلاثة مصنفات هي «٨» :
١. أوجز السير لخير البشر.
٢. تفسير أسماء النبي.
٣. أخلاق النبي.
كتب أحمد بن فارس سيرة موجزة للرسول ﵌ في بضع وريقات «٩» عدّت من قبل الصفدي (ت ٧٦٤ هـ) من أقل ما كتب في سيرة الرسول ﵌ «١٠» .
صرح ابن فارس عن دوافعه في إخراجه مصنفا لسيرة الرسول ﵌ بهذا الحجم في مقدمته التي يقول فيها: " هذا ذكر ما يحق على المرء المسلم حفظه وتجب على ذي الدين معرفته من نسب رسول الله ﷺ ومولده ومنشئه ومبعثه وذكر أحواله في مغازيه ومعرفة أسماء ولده وعمومته وأزواجه،
стр. 156
فان للعارف بذلك رتبة تعلو رتبه من جهله ... وقد أتينا في مختصرنا هذا من ذلك ذكرى" «١١» ، ونقل السخاوي مقالة لابن فارس بين فيها هذا الأمر مفادها:
" أن هذا بخصوصه [ويقصد بها سيرة الرسول ﵌] مما يحق معرفته على المسلمين، أف على من يزعم أنه عالم ولا يدري من هم السابقون الأولون من المهاجرين، ولا يفرق بين من أنفق من قبل الفتح وقاتل، وبين من أنفق من بعد ذلك، ولا يعرف أهل بدر ... ولا من هم أهل بيعة الرضوان، ولا يعرف من الأنصار ومن المهاجرين" «١٢» .
تبين لنا هاتان المقالتان لابن فارس الهدف الذي حدا به على كتابة هذا المختصر البسيط لسيرة الرسول ﵌، إذ انصب هدفه في الكتابة على إيجاد مختصر ضئيل ومبسط لسيرة الرسول يستطيع الناس حفظه وتعلمه وفهمه على مختلف طبقاتهم، فهو بذلك أبرز الجانب التعليمي في كتابة السيرة على الجانب العاطفي.
كان هذا الهدف احدى السمات التطورية التي أكسبها ابن فارس لكتابة السيرة وذلك بتصنيف كتاب الغرض منه تثقيف الناس ببعض المعلومات عن سيرة الرسول وأحواله باختصار حتى يتسنى لهم حفظها.
انتهج ابن فارس في كتابه هذا منهجا كان هو الاخر سمة تضاف إلى كتابه بجعله أحد المصنفات التي أسهمت في تطور كتابة السيرة، إذ تمثل هذا النهج بمحاور عدة هي:
стр. 157
١. كتابة هذا المصنف على وفق منهج حولي شديد الصرامة وذلك بتوثيق الحادثة التأريخية باليوم والشهر والسنة «١٣» ، فمن ذلك إثباته لتأريخ مولد الرسول ﵌ الذي وثقه بعبارته التي مفادها: " ولد رسول الله ﵌ عام الفيل لثمان خلون من ربيع الأول" «١٤» ، كذلك توثيقه لحادثه وفاة جد الرسول ﵌ عبد المطلب التي قال فيها: " ولما أتت له ثماني سنين [يقصد الرسول] وشهران وعشرة أيام توفي جده عبد المطلب" «١٥» ، ووثق أيضا حادثة زواج الإمام علي بن أبي طالب من فاطمة الزهراء ﵉ إذ يقول فيها: " فلما أتت لهجرته سنة وشهر واثنان وعشرون يوما زوج عليا فاطمة ﵄" «١٦» .
٢. إغفال الشواهد والقرائن التأريخية مثل الايات القرآنية والأحاديث النبوية والشعر والخطب النثرية والمحاورات بين شخوص الحدث، إذ لم يستشهد بأي من هذه الشواهد والقرائن في كتابه هذا إلا في مواضع قليلة جدا إستشهد فيها ببعض الايات القرآنية، والأحاديث النبوية «١٧» .
كان وراء هذا الإغفال للشواهد والقرائن سبب وجيه تمثل بأن طبيعة الكتاب نفسه لا تسمح بإيراد مثل هذه الشواهد التي تضخم حجمه وتزيد من كم الروايات التي ترد فيه وإن حصل ذلك فان هذا خروج عن الغاية التي من أجلها صنف كتابه.
стр. 158
٣. عدم إشارة ابن فارس إلى المصادر التي إعتمد عليها في كتابه هذا سواء أكانت مصادر مكتوبة أم روايات شفاهية باستثناء روايتين ذكر فيهما سلسلة سنده لرواتها «١٨» .
٤. تفرده بروايات لم توردها المصادر المتقدمة مثال ذلك إيراده للخطبة التي قالها أبو طالب في زواج الرسول ﵌ من خديجة «١٩» ، وهذه الخطبة قد أخذ بنقلها ابن الجوزي وأثبتها في بعض كتبه التي تناولت سيرة الرسول «٢٠» ، كذلك عدّه فاطمة الزهراء ﵍ من أكبر أولاد الرسول ﵌ «٢١» ، مع العلم أن العلماء متفقون على أن فاطمة الزهراء هي أصغر أولاد الرسول «٢٢» .
نالت هذه السيرة مكانة بارزة عند العلماء الذين اطلعوا عليها، إذ تشير كتب الفهارس وتراجم الشيوخ إلى أن بعض العلماء قد اهتم بالحصول على إجازة روايتها وتدريسها في حلقات الدرس «٢٣» ، وقام آخرون باطلاق عبارات الثناء عليها، إذ وصفها العبدري (ت ٦٨٨ هـ) بالقول: " وكتابه هذا (اختصار السيرة) هو تأليف نبيل في أوراق يسيرة" «٢٤» ، واطراها الصفدي بالقول: " ومن أصغر ما صنف في ذلك [يقصد به السيرة] جزء لطيف لابن فارس صاحب المجمل في اللغة" «٢٥» .
стр. 159
لم يقتصر هذا الأمر على هذا الحد، بل تبع ذلك قيام آخرين بشرح هذه السيرة، إذ أشار محقق هذه السيرة إلى وجود شرحين لها ما زالا مخطوطين، الأول شرح الحسن بن علي بن باديس القسنطيني (ت ٧٦٨ هـ) ، أسماه فرائد الدرر وفوائد الفكر في شرح مختصر السير، والثاني شرح ابن مدين بن أحمد بن محمد الفاسي (الذي كان حيا سنة ١١٣٢ هـ) «٢٦» .
هذه هي الغايات التي كتبت من أجلها هذه السيرة والانطباعات التي تركتها على المصنفات التي تلتها والتي أثارت رغبة في تكرار تجربة كتابة مختصرات عن سيرة الرسول ﵌ إذ حفزت بشكل غير مباشر هذا الأمر ودعمته.
٢. الدرر في اختصار المغازي والسير ليوسف بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) :
وهو أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري ولد في قرطبة وبرع في مختلف العلوم وصنف في مواضيعها، كانت له الأندلس خير موطن فقد عاش ونشأ بها وترعرع فيها إلى أن أصبح إمام عصره وواحد دهره «٢٧» .
يعد ابن عبد البر من أوائل المصنفين لسيرة الرسول ﵌ من الأندلسيين، والذي جعلنا نطلق هذا الحكم عليه ما قطع به أحد الباحثين بعدم وجود كتب لسيرة الرسول ﵌ ألفها علماء أندلسيون في القرن الثاني والثالث والرابع الهجري، بعد أن تفحص جميع الكتب التي تحدثت عن النتاج الفكري للعلماء
стр. 160
الأندلسيين في هذه المدة «٢٨» ، إذ أبرز عوامل عدة كانت وراء هذا العزوف من قبل العلماء الأندلسيين عن الكتابة عن سيرة الرسول وأحواله في هذه القرون آنفة الذكر وتأخرها إلى عصر ابن عبد البر النمري، وهذه العوامل «٢٩» هي:
١. ان الأندلسيين أنتابهم شعور مفاده أن التأليف في السيرة النبوية وفي مغازي الرسول ﵌ هو من اختصاص أهل المشرق وبالذات أهل المدينة المنورة، فقيها نشأ الإسلام وترعرع ونما وأن أبناء الصحابة والتابعين هم الأجدر بالتأليف بالسيرة من غيرهم.
٢. اطلع الأندلسيون في رحلاتهم إلى المدينة على ما تم تأليفه في السيرة مما أدى إلى حصول حدس لديهم بعدم جدوى تكرار ما كتبه سابقوهم.
٣. ان الأندلس لم يكن لها نصيب وافر من الصحابة والتابعين الذين كانوا يروون على مسامع الناس سيرة الرسول ﵌ والحوادث التي مرت به وبصحابته.
٤. لم تكن ظروف المسلمين في الأندلس وفي النصف الأول من القرن الثاني الهجري مواتية بالاتجاه للتدوين التأريخي، فقد كانت عقوده حافلة بالجهاد داخل وخارج شبه الجزيرة الإيبيرية.
٥. عند ما استقرت الظروف في الأندلس بعهد الامارة في منتصف القرن الثاني الهجري اتجه المسلمون فيها إلى العناية بعلوم اللغة العربية والعلوم الشرعية.
стр. 161
مع تأكيد ما سبق أن السيرة النبوية لم تكن غافلة رواياتها ومصنفاتها عن مسامعهم وأعينهم طوال تلك المدة، بل أنها كانت تدرس في محافلهم وأنديتهم العلمية، فضلا عن رحلة بعض علماء الأندلس إلى المشرق في طلبها، إذ بينت كتب الإجازات العلمية هذا الأمر من حصول هؤلاء العلماء على قسم من تلك المصنفات سواء بالإجازة من قبل مؤلفيها أم الذين حصلوا على روايتها أم اقتناء نسخ منها يقرؤونها على من حصل إجازة روايتها ويقومون بدورهم بمنح هذه الإجازة إلى أبناء بلدهم «٣٠» .
تتضح لنا من هذا العرض لهذه العوامل الأسباب الكامنة التي كانت وراء تأخر قيام الأندلسيين بتصنيف سيرة للرسول ﵌ إلى أن جاء ابن عبد السير ليكسر هذا الحكر الذي قام به المشرقيون لكتابة السيرة، إذ صنف كتابا أسماه (الدرر في اختصار المغازي والسير) .
شكل هذا الكتاب نقطة تحول جادة في كتابة السيرة النبوية، وذلك لما نهجه فيه ابن عبد البر من منهج، إذ تمثل نهجه بمحاور عدة هي:
١. غلبة الوازع الأخلاقي في تصنيف هذا الكتاب على الوازع العلمي مما شكل هذا الأمر انعطافة مهمة بكتابة مصنفات الهدف منها الحصول على الثواب من الله في تصنيف هذا الكتاب بالدرجة الأساس وجعل الغاية العلمية في تصنيفه مسألة ثانوية، إذ نلمس ذلك في مقدمته التي قال فيها: " هذا كتاب اختصرت فيه ذكر مبعث النبي ﷺ وابتداء نبوته وأول أمره في
стр. 162
رسالته ومغازيه وسيرته فيها ... وإلى الله أرغب على الأمل فيه والتوفيق لما يرضيه فهو حسبي لا شريك له" «٣١» .
٢. استعمال أسلوب الإحالة إلى مصنفات أخرى «٣٢» ، وهذا الأمر راجع إلى أمور عدة هي:
أ. تجنب تكرار الروايات التي يحتم عليه مطلب الكتاب إيرادها، وذلك للمراعاة في اختصار الكتاب وضغطه إلى أقل حد ممكن وهذا ما صورته مقالته التي مفادها: " وأفردت سائر خبره في مبعثه وأوقاته ... لأني ذكرت مولده وحاله في نشأته وعيونا من أخباره في صدر كتاب الصحابة" «٣٣» .
ب. تعريف الجمهور للناس بكتبه التي صنفها حتى يشتهر أمرها بين الناس، وهذا عامل نفسي لأن قارئ هذا الكتاب يسبب له نوعا من الجوع المعرفي إذا وجد فيه موضوعا لم يشبعه كاتبه بحثا أو أغفله وأحال قارئيه إلى كتب أخرى وسع الحديث فيها عن هذا الموضوع الذي أغفله، مما يحفزه ذلك على طلب تلك الكتب لإشباع ذلك الجوع، إذ لم نجد في إحالاته تلك أي أسم لكتاب صنفه غيره.
٣. إجراء المفاضلة بين الروايات المتعارضة وإبداء الاراء فيها لما يراها أصح «٣٤» ، فمن الروايات المتعارضة التي فاضل بينها الروايات التي أشارت إلى قدم السبق في الإسلام بين الإمام علي ﵇ وأبي بكر الصديق (رضي
стр. 163
الله عنه) «٣٥» ، كذلك فاضل بين الروايات التي ذكرت حول من آخاه الرسول ﵌ من الصحابة، إذ انتهى من هذه المفاضلة بالقول: " والصحيح عند أهل السير والعلم بالاثار والخبر في المؤاخاة التي عقدها رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في حين قدومه للمدينة أنه آخى بين علي بن أبي طالب وبين نفسه ﷺ فقال له أنت أخي في الدنيا والاخرة" «٣٦»
دفعت هذه المحاور التي أكسبها ابن عبد البر لكتابة السيرة في مصنفه هذا العلماء إلى اعتماد هذا الكتاب في مصنفاتهم والاجتهاد في الحصول على إجازة بروايته «٣٧» ، هذا من جانب أما من جانب آخر فقد اقتبس العديد من الذين صنفوا في سيرة الرسول ﵌ نصوصه ولا سيما ابن حزم الظاهري الذي عدّ محققو كتابه (جوامع السيرة) صورة مهذبة من كتاب الدرر عند مقارنتهم للروايات الموجودة في هذين الكتابين «٣٨» ، وهذه النتيجة توصل إليها أيضا محقق كتاب الدرر نفسه «٣٩» .
لم تكن هذه المحاولة من قبل ابن عبد البر الأولى من نوعها في كتابة السيرة بل سبقتها محاولة، وذلك بكتابة موجز بسيط في سيرة الرسول افتتح به كتابه الاستيعاب «٤٠» ، إذ بجمع الروايات الواردة في هذين الكتابين عن سيرة الرسول
стр. 164
وبدمجهما مع بعضهما ببعض يتشكل لنا كتاب موسع عن سيرة الرسول وأحواله.
٣. جوامع السيرة لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري (ت ٤٥٦ هـ) :
مصنف هذا الكتاب هو أحد العلماء الأندلسيين الذين اسهموا اسهاما جادا في رفد الثقافة والفكر الاسلامي بمصنفات كبيرة وكان هذا الكتاب أحد هذه المصنفات «٤١» .
ولدت هذه السيرة التي صنفها ابن حزم تضاربا بين الباحثين في تحديد العنوان المناسب لها بعد اختلاف عناوينها على ظهور المخطوطات، إذ وضع محققو هذه السيرة عنوانا لها باسم (جوامع السيرة) ، وسوغوا ذلك بأن مضمون الكتاب يلائم هذا العنوان «٤٢» ، وهذا ما أثار حفيظة أحد الباحثين الذي وصف هذا العمل من قبل محققي الكتاب بالتسرع وعدم الدقة العلمية في اختيار وتثبيت الاسم الصحيح للسيرة التي صنفها ابن حزم الظاهري «٤٣» .
ومهما يكن من أمر الجلبة التي أثيرت عن هذا الموضوع لا تهم الباحث بقدر ما يهم اتفاق جميع المصادر التي ترجمت لابن حزم حول تصنيفه كتابا في سيرة الرسول ﵌.
стр. 165
وقد قصدنا في عرضنا للملابسات التي اكتنفت هذا الأمر استيضاح وتبيان المكانة التي حظيت بها هذه السيرة من قبل الباحثين.
وقبل تبيان المناحي التطورية التي اضفتها هذه السيرة على مثيلاتها من كتب السيرة الأخرى يجب علينا تأكيد أن ابن حزم قد حاكى فيها النهج الذي اكتسبه شيخه ابن عبد البر في كتابة السيرة، إذ وضع كتاب ابن عبد البر (الدرر) نصب عينيه عند كتابته لمصنفه هذا، فاستدل على ذلك محققو هذين الكتابين بمقارنتهما بعضهما ببعض «٤٤» ، إذ بينوا مواضع الاقتباس في كل منهما «٤٥» ، مع تأكيد محقق كتاب الدرر أن ابن حزم قد نقل فقرات كاملة من ابن عبد البر عند حديثه عن مبعث الرسول إلى نهايته، إذ يقول في معرض حديثه عن هذا الأمر: " وبلغ من قيمة هذه السيرة واهميتها في عصره أن وضعها ابن حزم تلميذ ابن عبد البر علما منصوبا أمام بصره حين حاول أن يصنف سيرته النبوية ... فضلا عن كونه لم يتابع ابن عبد البر في نسق كتابه وما تضمنه من أحداث وأسماء الأعلام فحسب بل كان كثيرا ما يتابعه في سرد كلامه ناقلا نص عبارته مع شيء من التصرف أحيانا، وقد يترك النص الذي ينقله عن أستاذه دون تصرف ونراه يتابعه في كثير من مراجعاته وآرائه حتى ليظن من لم يقرأ ابن عبد البر أنها ثمرة اجتهاده" «٤٦» ، ولكن ابن حزم لم يشر في أي مكان من سيرته إلى اسم ابن عبد البر وسيرته التي ألفها حينما اقتبس من نصوصها، مع العلم أنه قد وضع قائمة بأسماء المصادر التي اعتمد عليها في كتابه هذا «٤٧» .
стр. 166
سار هذا الرجل أيضا على مسار من سبقه في تصنيف سيرة للرسول ﵌ مدفوعة بدوافع أخلاقية الهدف منها تهذيب النفوس والرغبة بالمثوبة والأجر من الله ، وهذا ما أشار إليه في مواضع عدّة من كتابه، إذ ينهي فقراته في هذه المواضع بعبارات تنم عن رغبة جامحة في الحصول على الرحمة من الله والمغفرة والتوفيق لخدمته وخدمة نبيه محمد ﵌ والشفاعة به من النار ببركة متابعته «٤٨» ، هذا مع العلم أن محققي هذه السيرة قد أرادوا جعل الغاية التي صنفت من أجلها غاية علمية بالدرجة الأولى «٤٩» .
ولكن هذا الرأي لا يخلو من صحة تجاه القول آنف الذكر، وإن كانت تلك الغاية العلمية التي أشار إليها محققو هذا الكتاب دون المستوى الذي عهدناه في السير السابقة لها والتي استعرضناها في الصفحات السابقة.
وصفت هذه السيرة من قبل أحد الباحثين بأنها ليست إلا تكرارا بالمعنى الحرفي لما دونته المصادر المتقدمة عليه في هذا الجانب، مع تأكيده أن شأن ابن حزم يظهر في تأريخ الأفكار أكثر من تأريخ الحوادث والسير «٥٠» ، ولكن هذا الكلام فيه نوع من التجني على ابن حزم وكتابه هذا إذ نرى من استعراض المناحي التي أكسبتها هذه السيرة من تطور لكتابتها، ضعف هذا الرأي، إذ كانت تلك المناحي قد شملت على:
١. الاهتمام بإيراد مشجرات أنساب القبائل التي تتصل برسول الله ﵌ وقبيلته ونسبه وبحسب الجد الذي يصل إليه رسول الله ﵌ إذ يصل بإيراده
стр. 167
هذه التشعبات في الأنساب إلى عدنان جد الرسول الواحد والعشرين الذي ينهي به هذه التشعبات، إذ يقول في ختام إيراده لمشجرات النسب: " هاهنا انتهى النسب الصحيح الذي لا شك فيه" «٥١» ، وبين أيضا عدم جدوى تشعب القبائل القحطانية من أهل اليمن ومن المناطق المجاورة لها والتقاء أنساب هؤلاء بنسب الرسول ﵌ إذ يقول عن سبب ذلك: " فالله اعلم بتشعبهم إلا أنهم يجتمعون معه في نوح بلا شك" «٥٢» .
كان وراء انتهاج ابن حزم لهذا المنحى عامل أساس تمثل باستيعاب ابن حزم لجميع تجارب الذين سبقوه في كتاب أنساب القبائل العربية وتفرعاتها وإخراج هذه الأمور في مصنف مستقل يهذب فيه ما يراه فائضا عن المقصد «٥٣» .
٢. الاستفادة من النص التأريخي الخاص بسيرة الرسول ﵌ في دعم آراء مذهبه الفقهي الذي يعتمد على ظاهر النص والذي يعرف بالمذهب الظاهري «٥٤» ، إذ عقب على كثير على نصوص عدة أوردها في سيرته بما يراه مطابقا لاراء مذهبه «٥٥» ، فمن هذه النصوص التي ناقشها، حادثة قيام الرسول بشراء أرض المسجد الذي بني في المدينة «٥٦» ، إذ علق على هذه الحادثة قائلا:
" وقد روينا أن النبي أبى أن يأخذه [أي المسجد] إلا بالثمن والله أعلم" «٥٧» ،
стр. 168
كذلك وعلق على حادثة صلاة المسلمين في بني قريظة وتعنيف الرسول ﵌ لهم كل بحسب فهمه للأمر الذي أصدره إليهم: (لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة) «٥٨» ، إذ علق على هذه الحادثة قائلا: " فأما التعنيف فإنما يقع على العاصي المتعمد المعصية وهو يعلم أنها معصية وأما من تأول قصدا للخير، فهو وإن لم يصادف الحق غير معنف، وعلم الله تعالى أننا لو كنا هناك لما صلينا عصر ذلك اليوم إلا في بني قريظة ولو بعد أيام" «٥٩» .
هذه هي الاراء والتعليقات الفقهية التي بثها في تضاعيف كتابه هذا والتي أعطت صورة ناصعة عن بروز هذا الأثر المذهبي في كتابة السيرة، وهذا الأمر لم يكن مألوفا في مصنفات السيرة التي سبقتها، مع العلم أن محققي هذه السيرة قد قللوا من بروز هذا العامل في الكتاب وجعله مجرد إشارات عابرة لا تستحق الذكر فضلا عن تصريحهم بالقول: " ان الظاهرية لم تستعلم في تفسير ابن حزم للروايات التي أوردها، وان طبيعة السيرة قد حجمت من تحرك ابن حزم من أن ينطلق بانتزاع الأحكام من النصوص" «٦٠» ، وهذا الرأي تدحضه كثرة النصوص التي وردت في ثنايا هذه السيرة مردفة بتعليقات فقهية توافق مذهبه والتي استعرضناها آنفا.
كان هذا الكتاب محط أنظار العلماء الذين أتوا بعده، والذين تعرضوا في مصنفاتهم لسيرة الرسول وأحواله، إذ علقوا على آرائه التي أوردها في هذا
стр. 169
الكتاب، فمن هؤلاء عبد الرحمن السهيلي الذي نقل رأي ابن حزم في قضية الصلاة في بني قريظة «٦١» ، إذ علق على رأي ابن حزم في ذلك قائلا: " ان فهم هذا الأصل أسرا على الظاهرية لأنهم علقوا الأحكام بالنصوص، فاستحال عندهم أن يكون النص يأتي بحظر وإباحة معا" «٦٢» ، ونقل ابن كثير الدمشقي رأي ابن حزم هذا أيضا إذ علق عليه قائلا: " وهذا القول ماش على قاعدته الأصلية بالأخذ بالظاهرية" «٦٣» ، وعلق أيضا على ما طرحه ابن حزم ان غزوة الخندق قد حصلت في السنة الرابعة للهجرة اعتمادا على رواية واحدة رواها عبد الله بن عمر بن الخطاب «٦٤» ، إذ علق على ذلك بالقول: " هذا الحديث مخرج في الصحيح وليس يدعى ما أدعاه ابن حزم لأن مناط إجازة الحرب كان عنده ﷺ خمس عشرة سنة، فكان لا يجيز من لم يبلغها، ومن سلفها إجازة فلما كان عمر عبد الله بن عمر يوم أحد ممن لم يجزه، ولما كان قد بلغها يوم الخندق إجازة، وليس ينفي هذا أن يكون قد زاد عليها بسنة أو سنتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك، فكأنه قال وعرضت عليه يوم الخندق وأنا بالغ ومن أبناء الحرب، وقد قيل انه كان يوم أحد في أول الرابعة عشرة من عمره وفي يوم الخندق آخر الخامسة" «٦٥» ، إلى غير ذلك من التعليقات التي تناثرت في كتاب ابن كثير هذا «٦٦» ، وقد نقل المقريزي (ت ٨٠٢ هـ) بالسيرة التي كتبها
стр. 170
للرسول ﵌ نصوصا عدة من كتاب ابن حزم هذا مع إرداف هذه النصوص بتعليقات جمة من قبله «٦٧» ، فمن هذه النصوص التي علق عليها ما ذكره ابن حزم حول أول جمعة أقيمت في الإسلام «٦٨» ، إذ كان تعليق المقريزي على ذلك هو أن ابن حزم في جزمه من قيام مصعب بصلاة الجمعة قول مدحوض لأن ابن إسحاق قد ذكر أن سعد بن زرارة هو الذي جمع الناس في أول جمعة أقيمت في الإسلام «٦٩» .
هذه هي بعض النقول والاقتباسات التي اعتمدها المتأخرون الذين اطلعنا على كتبهم من سيرة ابن حزم، مع الإشارة إلى أن ابن حزم في سيرته هذه قد سار على منهجية واحدة اعتمدت على اختصار المواضيع وعدم التوسع في ذكر الأحداث، إذ أغفل ذكر النصوص الشعرية التي قيلت في تلك الأحداث إلا في موضع واحد «٧٠» ، مع استعمال أسلوب الإحالة إلى أحد مصنفاته وذلك في معرض حديثه عن حادثة حجة الوداع «٧١» ، إذ قال في خاتمة ذكره لهذه الحادثة ما مفاده: " وقد أفردنا لها جزء ضخما استوعبنا فيه جميع خبرها بحمد الله تعالى وبه جل وعلى التوفيق" «٧٢» .
стр. 171
هذه هي المستجدات التي اضافها ابن حزم لكتابة السيرة النبوية.
نرى مما تقدم أن هذه السير التي صنفها هؤلاء العلماء سواء أكانت باسهاب أم باقتضاب قد حركتها حوافز متعددة في كتابتها وهذه الحوافز هي:
١. الحافز العلمي وهذا الحافز قد تمثل في السير التي صنفها كل من محمد بن إسحاق وذلك عندما طلب منه المنصور تصنيف كتاب لابنه المهدي منذ خلق الله تعالى آدم ﵇ إلى يومه يكون له مرجعا يرجع إليه لمعرفة أخبار الأمم السالفة وأحداث تأريخ الإسلام «٧٣» ، ونلمسها أيضا في قيام ابن هشام بتهذيب هذه السيرة التي صنفها ابن إسحاق من الأشعار والروايات التي لا دخل لها في سيرة الرسول ﵌ «٧٤» ، وعلى هذا الحافز أيضا كتب أحمد بن فارس سيرته الموجزة لكي تكون سهلة المنال والحفظ أمام طلاب العلم والمعرفة عن نسب الرسول وحياته وأحواله «٧٥» ، وكان ابن الجوزي ضمن مسار مسلك هؤلاء في إيجاد مصنف لسيرة الرسول ﵌ وأحواله بعدما رأى خلقا كثيرا من أعلام معاصريه لا يحيطون علما بحقيقة فضيلة الرسول ومكانته «٧٦» .
هذه هي المصنفات التي كان الحافز العلمي هو المحرك لكتابتها، مع العلم أن محققي سيرة ابن حزم قد حاولوا عدّ الغايات التي من أجلها صنفت هذه السيرة هي غايات علمية بالدرجة الأولى إذ صرحا بالقول: " لسنا نبعد عن الحق حين نفترض أن ابن حزم في كتابة سيرة الرسول ﷺ كان يرمي إلى
стр. 172
وضع مختصر قريب المأخذ سهل المتناول في أيدي طلابه كما فعل في كثير من رسائله التأريخية ... وأنه كان في هذا المختصر يضع الأصول التي لا يستغني عن تذكرها أو استظهارها كل من اشتغل بالسيرة النبوية من طلاب العلم وقد تكون هذه الغاية التعليمية باعثا أكيدا يحدو عالما مثل ابن حزم إلى كتابة السيرة النبوية" «٧٧» ، وقد تبين لنا في الفقرة التي أو ضحنا فيها إسهام سيرة ابن حزم في تطور كتابة السيرة إلى قصور هذه الغاية أمام الغايات الأخلاقية التي حفزت ابن حزم في تصنيف سيرته هذه.
٢. الحافز الأخلاقي، إذ تمثل هذا الحافز بكتابة بعض مؤرخي السيرة لمصنفات الغرض منها التبرك بذكر سيرة الرسول ﵌ وأحواله والتقرب بها إلى الله في الحصول على المغفرة والمثوبة والشفاعة له من قبل نبيه الكريم، إذ تمثل هذا الحافز في كل من السيرة التي كتبها ابن عبد البر للرسول ﵌ حيث افتتحها بالقول: " فذكرت مغازيه وسيره على التقريب والاختصار والاقتصار على العيون من ذلك دون الحشد والتخليط وإلى الله أرغب على الأمل فيه والتوفيق لما يرضيه فهو حسبي لا شريك له" «٧٨» ، وأوضحت مقالة ابن حزم التي مفادها: " من أراد خير الاخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة واحتواء على محاسن الأخلاق كلها واستحقاق الفضائل بأسرها فليقتد بمحمد رسول الله ﷺ وليعتمد أخلاقه وسيره ما أمكن" «٧٩» ، هذه هي الأمور التي أوضحت مكانة سيرة الرسول وأثرها في تهذيب النفوس والأخلاق حتى
стр. 173
أوضحت مكانة سيرة الرسول وأثرها في تهذيب النفوس والأخلاق حتى كانت السيرة التي صنفها قد حملت في جنباتها بعض الأقوال التي بينت أثر هذا الحافز في كتابتها «٨٠» .
كان لهذا الحافز أثر مباشر في كثرة المصنفات التي كتبت عن سيرة الرسول وأحواله في العصور اللاحقة، إذ أشار أحد الباحثين الذين أحصوا هذه المصنفات إلى دور هذا الحافز في وفرة المصنفات التي كتبت عن سيرة الرسول ﵌ «٨١» ، وإن كان هذا الحافز موجودا أساسا في نفس كل مصنف كتب سيرة الرسول ﵌ لأغراض علمية لأنه في قرارة نفسه يعتقد اعتقادا قاطعا أنه بعلمه هذا يؤرخ سيرة نبيه الكريم الذي اخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن ثم فقد اشترك هذان الحافزان في كتابة هذه المصنفات مع هيمنة واحد منهما على الاخر.
هذان هما الحافزان المهمان اللذان كانا وراء كتابة هذه السير للرسول ﵌ واللذان أثرا تأثيرا مباشرا في طبيعة كل مصنف من حيث المنهج الذي كتب فيه الكتاب أو الأسلوب الذي عرضت فيه الروايات.
стр. 174
الفصل الثالث السيرة النبوية المدمجة ضمن المصنفات التأريخية
مدخل:
أرسى المسلمون في مطلع القرن الثالث الهجري الأسس والثوابت الأولى للكتابة التأريخية المنسقة والمرتبة الخاضعة لمنهج دقيق «١» . كانت السيرة النبوية إحدى الفقرات التي شملتها الكتابة التأريخية، إذ تشعبت المحاور التي دخلت فيها السيرة النبوية ضمن المصنفات التي شملها هذا التطور، إذ لم يقتصر المهتمون بكتابة السيرة على إفراد مصنفات مستقلة لها حسب، بل حاولوا إدخالها في مصنفات أعم وأشمل من جعلها في مصنف مستقل. يشعر القارئ لهذه المصنفات بأن السيرة النبوية تتسم بالانعزالية والاجتزاء عن باقي الحوادث التأريخية سواء التي سبقتها ام التي لحقتها هذا من جانب، ومن جانب آخر حاول بعض هؤلاء المهتمين بسيرة الرسول ﵌ جعلها القدوة والمثال لباقي الشخصيات التي سارت ضمن فلكها فضلا عن كون هذه الشخصية الأساس أو المنهل الذي نهلت منه باقي الشخصيات وبنت عليه أسسها سواء أكانوا خلفاء أم علماء أسهموا في إكمال رسالة الإسلام، فكانت سيرة الرسول ﵌ حافزا للمصنفين
стр. 175
الذين كتبوا في هذه الجوانب «٢» ، إن دل هذا الأمر على شيء إنما يدل على عدّ حياة الرسول ﵌ مرحلة انتقالية أو حقبة حضارية وّلدت نوعا من الشعور الجماعي لدى المسلمين بعامة، والعرب بخاصة إلى عد أنفسهم أمة واحدة لها تأريخ مشترك، فضلا عن عدّ مرحلة الدعوة الإسلامية النقلة النوعية لهم بعد ما كانوا قبل ذلك أقواما وقبائل شتى ينتمي كل فرد منهم بولائه إلى قومه وقبيلته «٣» .
ولأجل هذا كله تنوعت الاتجاهات التي أدخل المؤرخون فيها سيرة الرسول ﵌ ضمن مصنفاتهم، فضلا عن جعلها ضرورة لازمة عند معظمهم، وهذا يعدّ تطورا ملحوظا وجوهريا في كتابة السيرة، ولم يقتصر هذا الأمر على ذلك حسب، بل تعداه إلى الإسهام في تطور كتابة السيرة ضمن هذه المصنفات وتأثيرها في باقي المصنفات الأخرى المخالفة لها في الأسلوب والمنهج وطريقة العرض، حيث تطورت كتابة السيرة لأجل ذلك تطورين: تطور أفقي شمل إدخال السيرة ضمن مصنفات جامعة وغير مقتصرة على جانب واحد، وتطور عمودي باستعمال المناهج والمناحي التي اتبعها المؤرخون في هذه المصنفات، وجعل سيرة الرسول ﵌ ضمن المحاور التي شملتها تلك المناهج والمناحي.
стр. 176
المبحث الأول السيرة النبوية المدمجة ضمن كتب التأريخ العام
تشمل هذه الكتب المصنفات التي تعنى بتأريخ العرب وغير العرب من الأمم والشعوب والتي يصح أن يطلق عليها (كتب تأريخ العالم) ، وذلك لأنها تتناول في بداية حديثها أخبار الخليفة والأنبياء والأمم السالفة، ثم الانعطاف بعد ذلك بالحديث عن أحوال العرب والدول المجاورة لهم قبيل الإسلام، جاعلة هذه المصنفات حديثها هذا عن أحوال هذه الأقوام والشعوب مقدمة لتأريخ الإسلام، إذ تنعطف بعد ذلك للحديث عن أحوال الرسول ﵌ وبدء الدعوة الإسلامية وما تبعها من حوادث والانتهاء بالحديث إلى ذكر حادثة هجرة الرسول ﵌ إلى المدينة، عادة تلك الحادثة حدا فاصلا بين حقبتين حضاريتين، لتختص تلك المصنفات بعد ذلك بالحديث عن الحوليات الإسلامية وما جرى فيها من حوادث «١» .
اتخذ كتاب التأريخ العام في توثيقهم لحوادث التاريخ الإسلامي منهجين:
الأول: منهج حولي يعتمد على إيراد حوادث كل سنة على حدة وإن تجزأ الحدث المتداخل بين السنوات، والثاني: منهج موضوعي يعتمد على إيراد الحوادث متسلسلة ولكن على وفق الموضوعات وليس السنوات، وذلك بجعلهم الموضوع عنوانا والسنوات أو الحوادث التابعة له متنا «٢» .
стр. 177
هذه هي اتجاهات كتابة التأريخ العام، والمناهج التي كتب فيها عند المؤرخين المسلمين، إذ كانت وراء هذا المنحى الكتابي أسباب عديدة من بينها: نشاط حركة التنقل بين الأقاليم والأمصار الإسلامية، الأمر الذي أدى إلى إنعاش الفكرة العالمية، وتوسع دائرة اهتمام بعض العلماء والمؤرخين فلم يقتصر اهتمامهم على دراسة حادثة أو شخص أو عشيرة أو مدينة بل حوت دراساتهم العالم الإسلامي كله، ومن البديهي أن تكون هذه النظرة العالمية شاملة عند المهتمين بدراسة الإسلام وعلومه، نظرا لأنه دين عالمي بطبيعته وواسع الانتشار بواقعه، فأنتجت عقلية هؤلاء المسلمين تلك التواريخ العالمية الأولى «٣» ، ووجد باحث آخر بعد أن عرض مرحلة التغيير الجذري في التصنيف عند العلماء المسلمين في القرن الثالث الهجري، أنه قد حدث في هذا القرن تطور كبير في الكتابة التأريخية حيث ظهر المؤرخون الكبار الذين أفادوا كثيرا من كتب الأخبار، فأعادوا تنظيم مادتها وترتيبها في مصنفات كبيرة سميت ب (كتب التأريخ) ، وقد تميزت بشمولها لأحداث الدولة الإسلامية من دون الاقتصار على أقاليم بعينها كما تميز معظمها باتباع نظام الحوليات «٤» .
يبين لنا هذا الكلام الواقع الذي فرض على المؤرخ الإسلامي بأن يأخذ في نظر الاعتبار تسليط الضوء على أرجاء المعمورة التي وصلت إليها راية الإسلام؛ ولكن باحثا آخر بين أن هذه العملية (كتابة التأريخ العالمي) هي وليدة حالة سابقة لها أو متمخضة عنها، إذ يقول: " إن مجرد فكرة التنظيم على السنين،
стр. 178
ونقل المادة التأريخية يتطلب وجود حركة ترجمة أو على الأقل توفر مجال لعلماء المسلمين بالظفر بمعرفة واسعة بالكتب التأريخية الأجنبية" «٥» .
يعطينا هذا الرأي السبب وراء تأخر ظهور مثل هذه الكتب إلى القرن الثالث الهجري لأن أول ترجمة منظمة للمعارف الإنسانية من الأمم الأخرى قد حصلت في عصر المأمون (١٩٨- ٢١٨ هـ) بعد جهود منفردة كانت تتسم بالتذبذب وعدم الانتظام، واقتصرت هذه الجهود على جوانب محددة تبناها بعض الخلفاء الأمويين ومن ثم العباسيين وأولادهم، ولكن تلك الجهود لم تبلغ الشأن الذي وصلته في عصر المأمون «٦» .
بعد هذا العرض الموجز عن كتابة التأريخ العام عند المؤرخين المسلمين والمناهج المعمول بها، نرى أن هذا النوع من الكتابة التأريخية قد أعطاه المسلمون من الأهمية شيئا كثيرا؛ إذ توضح لنا الفهارس التي ذكرت أسماء هذه الكتب سواء أكانت مختصرة أم مفصلة أنها من الكثرة بحيث يتعذر علينا إيرادها كلها «٧» ، وذلك لأن ما طبع منها لا يغطي هذه القوائم كلها، وأما ما بقي منها مخطوطا فهو من الندرة بمكان بحيث لا نستطيع الوصول إليه ولا سيما في الظروف الراهنة، وإن وصل بعضها إلى أيدينا فلا يكون بعدد ما فقد من تراثنا الفكري.
стр. 179
وجدت السيرة النبوية في خضم هذه الكتب مكانا عظيما لها، فكانت تشغل في معظمها حيزا متباينا؛ فتارة تكون مفصلة وأخرى مختصرة وثالثة متناسبة طرديا مع حجم الكتاب الذي دخلت فيه، فحين يكون الكتاب مختصرا فمن دون شك تكون السيرة مقتضبة وموجزة والعكس صحيح أيضا.
وقبل ذكر هذه المصنفات ودورها في كتابة السيرة، نؤكد أن كل مصنّف من مصنفي هذه الكتب قد نحا في مصنفه منحا مغايرا لسابقيه، أو مشابها لهم في مكان ومختلفا معهم في مكان آخر. وأتخذ منهجا موحدا في عرض حوادثه، لذا فان كل ملاحظة نسجلها لكل مصنّف من هذه المصنفات على أنها جوانب تطورية بكتابة السيرة ضمن كتب التأريخ العام هي ملاحظة تشمل باقي أقسام الكتاب؛ ولكن الجانب المهم في الموضوع هو التقاط هذه الملاحظات التي هي جوانب تطورية وتوضيح لتأثر باقي مصنفات المؤرخين سواء أكانت كتب تأريخ عام أم غيرها بكل مصنف من المصنفات التي سبقتها عند عرضهم سيرة الرسول الأكرم ﵌ كما سنلاحظ.
أما المصنفات التي وصلت إلينا في التأريخ العام فهي:
١. كتاب التأريخ لخليفة بن خياط العصفري (ت ٢٤٠ هـ) : * ولد هذا المؤرخ ونشأ في البصرة من بيت علم وتتلمذ على العديد من علماء عصره ونال مكانة سامية في نفوس العلماء والناس واصبح محل ثقتهم، إذ
стр. 180
تضلع في الحديث وبرع في التواريخ وأيام الناس وأنسابهم، ولأجل ذلك كانت مصنفاته محل تقدير وإعجاب من اطلع عليها «٨» .
صنف ابن خياط كتابا في التأريخ العام عدّه بعض الباحثين من أقدم الكتب التي وصلت إلينا في هذا الجانب «٩» .
خصص ابن خياط في كتابه هذا حيزا كبيرا لسيرة الرسول ﵌ وأحواله «١٠» مقارنة بحجم الكتاب البسيط وأوراقه اليسيرة التي تحدثت عن الحوادث التي تلت السيرة إلى عصر المؤلف «١١» .
أسهمت هذه السيرة التي حواها هذا الكتاب في تطور كتابة السيرة النبوية ضمن كتب التأريخ العام وباقي المصنفات التي خصصت للسيرة سواء أكانت مستقلة أم مدمجة وهذه الجوانب هي:
١. عدّ سيرة الرسول ﵌ البداية التي افتتح بها كتابه «١٢» ، إذ لم يسلط الضوء على الحقبة التأريخية التي شبقت عصر الرسالة المتمثلة بتأريخ الأنبياء وأخبار الأقوام البائدة وأيام العرب وأنساب قبائلهم، كما فعلت المصادر التي شاطرته المنحى والموضوع «١٣» .