المبحث الأول السيرة النبوية المدمجة ضمن كتب التأريخ العام
تشمل هذه الكتب المصنفات التي تعنى بتأريخ العرب وغير العرب من الأمم والشعوب والتي يصح أن يطلق عليها (كتب تأريخ العالم) ، وذلك لأنها تتناول في بداية حديثها أخبار الخليفة والأنبياء والأمم السالفة، ثم الانعطاف بعد ذلك بالحديث عن أحوال العرب والدول المجاورة لهم قبيل الإسلام، جاعلة هذه المصنفات حديثها هذا عن أحوال هذه الأقوام والشعوب مقدمة لتأريخ الإسلام، إذ تنعطف بعد ذلك للحديث عن أحوال الرسول ﵌ وبدء الدعوة الإسلامية وما تبعها من حوادث والانتهاء بالحديث إلى ذكر حادثة هجرة الرسول ﵌ إلى المدينة، عادة تلك الحادثة حدا فاصلا بين حقبتين حضاريتين، لتختص تلك المصنفات بعد ذلك بالحديث عن الحوليات الإسلامية وما جرى فيها من حوادث «١» .
اتخذ كتاب التأريخ العام في توثيقهم لحوادث التاريخ الإسلامي منهجين:
الأول: منهج حولي يعتمد على إيراد حوادث كل سنة على حدة وإن تجزأ الحدث المتداخل بين السنوات، والثاني: منهج موضوعي يعتمد على إيراد الحوادث متسلسلة ولكن على وفق الموضوعات وليس السنوات، وذلك بجعلهم الموضوع عنوانا والسنوات أو الحوادث التابعة له متنا «٢» .
стр. 177
هذه هي اتجاهات كتابة التأريخ العام، والمناهج التي كتب فيها عند المؤرخين المسلمين، إذ كانت وراء هذا المنحى الكتابي أسباب عديدة من بينها: نشاط حركة التنقل بين الأقاليم والأمصار الإسلامية، الأمر الذي أدى إلى إنعاش الفكرة العالمية، وتوسع دائرة اهتمام بعض العلماء والمؤرخين فلم يقتصر اهتمامهم على دراسة حادثة أو شخص أو عشيرة أو مدينة بل حوت دراساتهم العالم الإسلامي كله، ومن البديهي أن تكون هذه النظرة العالمية شاملة عند المهتمين بدراسة الإسلام وعلومه، نظرا لأنه دين عالمي بطبيعته وواسع الانتشار بواقعه، فأنتجت عقلية هؤلاء المسلمين تلك التواريخ العالمية الأولى «٣» ، ووجد باحث آخر بعد أن عرض مرحلة التغيير الجذري في التصنيف عند العلماء المسلمين في القرن الثالث الهجري، أنه قد حدث في هذا القرن تطور كبير في الكتابة التأريخية حيث ظهر المؤرخون الكبار الذين أفادوا كثيرا من كتب الأخبار، فأعادوا تنظيم مادتها وترتيبها في مصنفات كبيرة سميت ب (كتب التأريخ) ، وقد تميزت بشمولها لأحداث الدولة الإسلامية من دون الاقتصار على أقاليم بعينها كما تميز معظمها باتباع نظام الحوليات «٤» .
يبين لنا هذا الكلام الواقع الذي فرض على المؤرخ الإسلامي بأن يأخذ في نظر الاعتبار تسليط الضوء على أرجاء المعمورة التي وصلت إليها راية الإسلام؛ ولكن باحثا آخر بين أن هذه العملية (كتابة التأريخ العالمي) هي وليدة حالة سابقة لها أو متمخضة عنها، إذ يقول: " إن مجرد فكرة التنظيم على السنين،
стр. 178
ونقل المادة التأريخية يتطلب وجود حركة ترجمة أو على الأقل توفر مجال لعلماء المسلمين بالظفر بمعرفة واسعة بالكتب التأريخية الأجنبية" «٥» .
يعطينا هذا الرأي السبب وراء تأخر ظهور مثل هذه الكتب إلى القرن الثالث الهجري لأن أول ترجمة منظمة للمعارف الإنسانية من الأمم الأخرى قد حصلت في عصر المأمون (١٩٨- ٢١٨ هـ) بعد جهود منفردة كانت تتسم بالتذبذب وعدم الانتظام، واقتصرت هذه الجهود على جوانب محددة تبناها بعض الخلفاء الأمويين ومن ثم العباسيين وأولادهم، ولكن تلك الجهود لم تبلغ الشأن الذي وصلته في عصر المأمون «٦» .
بعد هذا العرض الموجز عن كتابة التأريخ العام عند المؤرخين المسلمين والمناهج المعمول بها، نرى أن هذا النوع من الكتابة التأريخية قد أعطاه المسلمون من الأهمية شيئا كثيرا؛ إذ توضح لنا الفهارس التي ذكرت أسماء هذه الكتب سواء أكانت مختصرة أم مفصلة أنها من الكثرة بحيث يتعذر علينا إيرادها كلها «٧» ، وذلك لأن ما طبع منها لا يغطي هذه القوائم كلها، وأما ما بقي منها مخطوطا فهو من الندرة بمكان بحيث لا نستطيع الوصول إليه ولا سيما في الظروف الراهنة، وإن وصل بعضها إلى أيدينا فلا يكون بعدد ما فقد من تراثنا الفكري.
стр. 179
وجدت السيرة النبوية في خضم هذه الكتب مكانا عظيما لها، فكانت تشغل في معظمها حيزا متباينا؛ فتارة تكون مفصلة وأخرى مختصرة وثالثة متناسبة طرديا مع حجم الكتاب الذي دخلت فيه، فحين يكون الكتاب مختصرا فمن دون شك تكون السيرة مقتضبة وموجزة والعكس صحيح أيضا.
وقبل ذكر هذه المصنفات ودورها في كتابة السيرة، نؤكد أن كل مصنّف من مصنفي هذه الكتب قد نحا في مصنفه منحا مغايرا لسابقيه، أو مشابها لهم في مكان ومختلفا معهم في مكان آخر. وأتخذ منهجا موحدا في عرض حوادثه، لذا فان كل ملاحظة نسجلها لكل مصنّف من هذه المصنفات على أنها جوانب تطورية بكتابة السيرة ضمن كتب التأريخ العام هي ملاحظة تشمل باقي أقسام الكتاب؛ ولكن الجانب المهم في الموضوع هو التقاط هذه الملاحظات التي هي جوانب تطورية وتوضيح لتأثر باقي مصنفات المؤرخين سواء أكانت كتب تأريخ عام أم غيرها بكل مصنف من المصنفات التي سبقتها عند عرضهم سيرة الرسول الأكرم ﵌ كما سنلاحظ.
أما المصنفات التي وصلت إلينا في التأريخ العام فهي:
١. كتاب التأريخ لخليفة بن خياط العصفري (ت ٢٤٠ هـ) : * ولد هذا المؤرخ ونشأ في البصرة من بيت علم وتتلمذ على العديد من علماء عصره ونال مكانة سامية في نفوس العلماء والناس واصبح محل ثقتهم، إذ
стр. 180
تضلع في الحديث وبرع في التواريخ وأيام الناس وأنسابهم، ولأجل ذلك كانت مصنفاته محل تقدير وإعجاب من اطلع عليها «٨» .
صنف ابن خياط كتابا في التأريخ العام عدّه بعض الباحثين من أقدم الكتب التي وصلت إلينا في هذا الجانب «٩» .
خصص ابن خياط في كتابه هذا حيزا كبيرا لسيرة الرسول ﵌ وأحواله «١٠» مقارنة بحجم الكتاب البسيط وأوراقه اليسيرة التي تحدثت عن الحوادث التي تلت السيرة إلى عصر المؤلف «١١» .
أسهمت هذه السيرة التي حواها هذا الكتاب في تطور كتابة السيرة النبوية ضمن كتب التأريخ العام وباقي المصنفات التي خصصت للسيرة سواء أكانت مستقلة أم مدمجة وهذه الجوانب هي:
١. عدّ سيرة الرسول ﵌ البداية التي افتتح بها كتابه «١٢» ، إذ لم يسلط الضوء على الحقبة التأريخية التي شبقت عصر الرسالة المتمثلة بتأريخ الأنبياء وأخبار الأقوام البائدة وأيام العرب وأنساب قبائلهم، كما فعلت المصادر التي شاطرته المنحى والموضوع «١٣» .
стр. 181
وهذا المنحى من قبل ابن خياط يثير الاستغراب والتساؤل عن السبب الذي أدى به إلى إغفال هذه الأمور؛ إذا ما علمنا أن المصادر التي ترجمت حياته ذكرت تضلعه الواسع في أيام الناس وأنسابهم «١٤» ، وقد انبرى أحد الباحثين لتبيان وجهة نظره حول السبب الذي من أجله عزف ابن خياط عن ذكر الحقب التأريخية التي سبقت عصر الرسالة؛ إذ أشار إلى أن ابن خياط كان مدركا للهدف الذي أراد منه كتابة تأريخه، وذلك بجعله البدء بسيرة رسول الله ﵌ بداية التأريخ العربي أو من تأريخ هجرته ﵌ إلى المدينة «١٥» .
٢. إتباع المنهج الحولي في إيراد حوادث السيرة «١٦» ، وذلك حين أورد تلك الحوادث بحسب أسبقيتها التأريخية، ولكن هذا المنهج قد علقه جانبا عند حديثه عن عمر الرسول ﵌ الشريف «١٧» ، وعند حديثه أيضا عن عماله ورسله وكتابه «١٨» ، وكانت الغاية من تعليقه لهذا المنهج عند ذكره لهذه المواضيع هو انها لا تصلح بالإيراد على وفق الحوليات بطبيعتها المستقلة في العرض.
لم يقتصر في عرضه الحوادث التي حصلت في السنوات التي شملت حياة الرسول من هجرته المباركة إلى المدينة حتى وفاته بل تعدى ذلك إلى إيراد بعض
стр. 182
الحوادث التي حصلت في بلاد فارس والتي حدثت في سنوات السيرة نفسها «١٩» .
وهذا مما يدل على أن ابن خياط لم يقتصر بحديثه على تأريخ المسلمين والحوادث التي جرت في بلاده بل خرج من هذه الدائرة إلى التعرض لحوادث حصلت في أقاليم مجاورة في بلاد الإسلام في تلك المدة.
كان إتباع ابن خياط لهذا المنهج بهذه الوتيرة لكل حوادث التأريخ الإسلامي ابتداء من سيرة الرسول وانتهاء بحوادث عصره، لم يكن وليد الساعة بل هو نتيجة لتجارب مسبقة من هذا المنط بالكتابة التأريخية «٢٠» .
٣. إيراد أسماء بعض الأعلام الذين ولدوا أو توفوا في بعض السنوات التي تعرض لحوادثها «٢١» ، وهذا الأمر يعد فاتحة لمن أتى بعده من الذين اهتموا بإيراد أسماء الوفيات في حوادث كل سنة تعرضوا لذكر حوادثها «٢٢» .
٤. التوفيق بين ما إنتهجه المحدثون والإخباريون في عرض الحوادث التأريخية، وذلك أنه يسند الخبر إذا تعلق الأمر بحادثة اختلفت فيها الروايات «٢٣» ، علما أنه يسترسل في ذكر بعضها من دون الإشارة إلى من ذكر هذه الحادثة من الرواة
стр. 183
والمصنفين «٢٤» ، إتكالا منه على إيراده مصادره المكتوبة والمسموعة أثناء حديثه «٢٥» .
وهذا التوفيق بين هذين المنهجين نابع من كونه محدثا له مكانته بين المحدثين «٢٦» ، ومؤرخا له الباع الطويل في أيام الناس وأنسابهم «٢٧» .
شكل هذا المنحى الذي نحاه خليفة بن خياط والذين ساروا على منواله من معاصريه مرحلة انتقالية في الكتابة التأريخية تمثلت بوضع الأسس والثوابت الأولى لها، ولا سيما في طريقة عرض الخبر التأريخي والطرائق التي يعرف بها الناس، وذلك لعدم وجود مثل هذه الأمور على هذه الكيفية في المدونات السابقة له «٢٨» .
٥. عزف ابن خياط عن إيراد معجزات الرسول ﵌، ودلائل نبوته أو التعرض لها ضمن الحوادث التي حصلت فيها ولم يقتصر هذا العزوف على هذا الجانب فقط بل تعداه إلى إغفال شمائله وصفاته التي اتصف بها ﵌ في الحوادث التي ذكرها عن عصر الرسالة وأثر شخصية الرسول ﵌ فيها، علما أن معاصرا له وهو ابن سعد قد أشبع هذه الجوانب حديثا حتى ألفت حيزا كبيرا من القسم الذي خصصه لسيرة الرسول ﵌ في كتابه الطبقات «٢٩» .
стр. 184
ويبدو أن سبب عزوف ابن خياط عن تعرضه لمعاجز الرسول ﵌ ودلائل نبوته وشمائله نابع من كون كتابه التأريخ يهتم بإيراد حوادث تأريخية على وفق سبقها الزمني ابتداء من هجرة الرسول إلى رحيله إلى الرفيق الأعلى مع الإشارة إلى أن هذه الأمور [دلائل النبوة وعلاماتها والشمائل والأخلاق] هي أمور معنوية والتوثيق التأريخي لها على وفق الحوليات أمر يحتاج إلى وقفة لعدم دقة المعلومات التي وصلت إلى المؤلف عن وقت حصول المعجزة أو دلائل النبوة مع بيان أن هذه الأمور قد حصل بعضها قبل الرسالة وهو جانب قد اختصر فيه ابن خياط «٣٠» .
فلو أن ابن خياط اشفع سيرة الرسول ﵌ التي أوردها في كتابه بهذه الأمور لكان من الحجم والسعة ما فاق به حجمه الحالي كثيرا، ولكان هناك فارق وتباين ظاهر بين نسق الكتاب الذي تم اختزال الحوادث فيه والحيز الذي خصص للحديث عن سيرة الرسول ﵌، مع العلم أن ابن خياط كان يرمي إلى ضغط واختزال المعلومات التي يثبتها في مصنفاته «٣١» ، وهذا ما أشار إليه أحد الباحثين أن خليفة أراد تقديم مصنف يشمل استعراضا لحوادث التأريخ الإسلامي على وفق تتابع السنوات ابتداء من هجرة الرسول ﵌ إلى المدينة حتى سنة تصنيفه الكتاب بأسلوب مبسط ومختزل لتفاصيل الحوادث التي يعرضها فيه «٣٢» .
стр. 185
هذه هي الجوانب التي اضفاها خليفة بن خياط على كتابه السيرة النبوية ضمن كتب التأريخ العام.
وقبل نهاية الحديث عن دور ابن خياط في تطور كتابة السيرة، تجب الإشارة إلى أن المؤرخين الذين كتبوا عن سيرة الرسول ﵌ بمختلف طرائق كتابتها قد أغفلوا المعلومات التي أوردها ابن خياط عن السيرة إذ لم يعتمدوا عليه في كتبهم أو سلاسل إسناد الروايات التي تخص السيرة؛ وهذا الأمر راجع إلى طبيعة الكتاب في استعراض الحوادث موجزة ومقتضبة من جانب، واتكاله على سيرة ابن إسحاق حين يثبت معظم حوادث السيرة من جانب آخر «٣٣» ؛ وهذان الأمران قد ولدا عزوفا عند من أتى بعد ابن خياط من المؤرخين الذين لم يلمسوا في كتابه إضافة نوعية في حوادث لم يكن له فيها فضل سوى نقلها من كتاب متوافر بين أيديهم آنذاك، وبطرائق كثيرة «٣٤» .
٢. كتاب التأريخ لأحمد بن إسحاق اليعقوبي (ت ٢٩٢ هـ) *:
هو أحمد بن أبي يعقوب إسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح الإخباري العباسي، أحجمت المصادر عن إعطاء ترجمة مفصلة له وكان ذلك مدعاة لعدم معرفتنا بأحواله «٣٥» .
стр. 186
صنف اليعقوبي كتابا في التأريخ العام ابتدأه بالحديث عن الأمم الغابرة وتأريخ الأنبياء والأقوام التي سكنت الجزيرة العربية قبل الإسلام «٣٦» ، ثم انعطف إلى الحديث عن التأريخ الإسلامي وحوادثه ابتداء من ولادة الرسول ﵌ حتى أيام المعتمد العباسي (٢٥٦ هـ) «٣٧» .
كان لسيرة الرسول ﵌ مكان رحب في هذا الكتاب «٣٨» ؛ الذي كتبه بعدما وجد هنالك تعارضا ملحوظا بين الرواة باستعراض الحوادث التأريخية فأراد به إيجاد مصنف يوفق بين هذه الروايات المتعارضة، وهذا ما وضحته مقالته التي مفادها: " ألفنا كتابنا هذا على ما رواه الأشياخ المتقدمون من العلماء والرواة وأصحاب السير والأخبار والتاريخيات، ولم نذهب إلى التفرد بكتاب نصنفه ونتكلف منه ما قد سبقنا عليه من غيرنا، لكنا قد ذهبنا إلى جمع المقالات والروايات لأنا قد وجدناهم قد اختلفوا في أحاديثهم وأخبارهم وفي السنين والأعمال وزاد بعضهم ونقص بعض فأردنا أن نجمع ما انتهى إلينا مما جاء به كل امرئ منهم" «٣٩» .
هذا هو الهدف الذي حدا باليعقوبي الى كتابة تأريخه هذا، مما عدّ ذلك تطورا ملحوظا في كتابة التأريخ العام «٤٠» ، وذلك للجوانب التي أضفاها على هذا المنحى في كتابة التأريخ والتي لم نألفها في المصنفات التي تقدمته؛ إذ شملت هذه
стр. 187
الجوانب محاور عدّة فشملت أجزاء الكتاب كله تارة وخص بها سيرة الرسول ﵌ تارة أخرى، أما الجوانب التي شملت أجزاء الكتاب كله فهي:
١. بروز الأثر الديني والمذهبي في مروياته في هذا الكتاب؛ إذ لمسنا هذا الأثر من استعراض مشايخه في الرواية التي ينتهي طرق إسناد بعضها، ولا سيما قسم السيرة إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق (ت ١٤٨ هـ) وآبائه «٤١» ، وما ذلك إلا لكونه شيعيا إماميا كما قطعت بذلك إحدى الدراسات «٤٢» .
اسهم هذا الجانب الذي أمتاز به اليعقوبي وكتابه التأريخ في وجود روايات لم تذكرها المصادر التي تقدمته بسبب عدم اعتماد تلك المصادر على الطريق الذي سلكه اليعقوبي في الرواية والذي أشار إليه في مقدمته بقوله: " وكان ممن روينا عنه في هذا الكتاب: إسحاق بن سليمان بن علي الهاشمي عن أشياخه بني هاشم، وأبو البختري ووهب ابن وهب القرشي عن جعفر بن محمد وغيره من رجاله، وإبان بن عثمان عن جعفر بن محمد ... " «٤٣» ، فمن تلك الروايات:
ذكره لحادثة مولد الرسول ﵌ مشفوعة بوقت الولادة وأوانها إذ يقول: " وقال من رواه عن جعفر بن محمد [كان مولده ﵌] يوم الجمعة حين طلع الفجر لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان" «٤٤» ، كذلك ذكره لوقت وفاة والد الرسول ﵌ عبد الله بن عبد المطلب بأنه كان بعد شهرين من مولده على ما رواه جعفر بن محمد الصادق ﵇ «٤٥» ، وغير ذلك من الروايات
стр. 188
الكثيرة في هذا الكتاب التي أنفرد في ذكرها ولم يتعرض لها أحد من الذين سبقوة والذين وصلت كتبهم إلينا المتضمنة سيرة الرسول ﵌ وأحواله «٤٦» .
ومع وجود هذا الجانب الذي أمتاز به كتاب اليعقوبي هذا؛ فإن ذلك لم ينعكس على موضوعيته بحيث يجعل نفسه تميل ميلا يجافي الحقيقة أو يستعمل عبارات يستشف منها التعصب والتحامل على باقي الروايات المتعارضة مع ما يعتقده من أفكار، ولأجل ذلك وصفه الدوري بالقول: " بأنه كان متزنا ودقيقا في أخباره" «٤٧» .
٢. استعمال المنهج الموضوعي في كتابة التأريخ مع حذف طرق الإسناد من الروايات التي وردت في هذا الكتاب «٤٨» .
علل الدوري بروز هذا المنحى عند اليعقوبي في كتابة التأريخ بالقول: " أن النظرة إلى الأسانيد التأريخية الهامة قد استقرت قبله لذلك فانه يكتفي بذكر مصادره في مقدمة قسمه الثاني" «٤٩» .
حدد روزنثال مكان السيرة من هذا المنهج المتبع والتطور الذي أكسبه اليعقوبي لكتابه التأريخ ضمن مصنفه هذا إذ يقول في ذلك: " وقد دون سيرة الرسول بالأسلوب المألوف حيث روى فيها عدة أخبار مرتبة ترتيبا زمنيا ما أمكنه ذلك وهي حياته قبل الإسلام، الغزوات، أما الموضوعات التي لا يمكن ترتيبها كذلك كأسماء زوجات النبي أو الفرائض الإسلامية فقد وضعها بعد
стр. 189
كلامه عن تأريخ النبوة ولكن قبل كلامه عن حجة الوداع ووفاة الرسول أما باقي الكتاب فهو تأريخ خلافة كل خليفة ويبحثها عن إنفراد" «٥٠» .
هذا هو المنهج الذي اتبعه اليعقوبي في كتابه التأريخ والذي عدّ منهجا جديدا لتحرره من نمطية المنهج الحولي في إيراد حوادث كل سنة على حدة، وإحلال الكتابة على وفق المواضيع محله باستعمال الكتابة المرسلة الخالية من طرق الإسناد، فكانت محاور السيرة مقسمة لأجل ذلك على وفق الحوادث التي جرت فيها «٥١» .
كان لهذا العامل الذي أتبعه اليعقوبي أثر واضح في المصنفات التي تلته «٥٢» .
٣. إيراد طوالع النجوم* في ذكر الحوادث الكبرى مثل ولادة الرسول ﵌ «٥٣» ، المبعث «٥٤» ، الهجرة «٥٥» ، الوفاة «٥٦» .
علل أحد الباحثين اتجاه اليعقوبي في إيراد طوالع النجوم للأحداث الكبرى بأنه ليشبع فضول الناس أولا، ولإرضاء رغبات الحكام الذين كان يعتقدون
стр. 190
بهذه الأعمال ثانيا «٥٧» ، وأبدى آخر رأيا مفاده: " ان حب الاستطلاع العلمي الذي توفر لمؤرخي القرنين التاسع والعاشر لم يتجاهل هذا العلم الذي كان مثار النقاش والجدل، من ذلك نجد اليعقوبي يشير إلى الطوالع والتنجيم في بداية كل حكم" «٥٨» .
فضلا عن هذين الرأيين آنفي الذكر يجب أن نعلي من أثر بعض شيوخه الذين اشتهروا في التنجيم أمثال محمد بن موسى الخوارزمي (توفي بعد عام ٢٣٥ هـ) ، وما شاء الله الحاسب، إذ جعل أقوالهم ومصنفاتهم ضمن مصادره في كتابه التأريخ «٥٩» .
نرى من ذلك كله أن هذه العوامل مجتمعة ساعدت على بروز هذا المنحى عند اليعقوبي حتى عدّ ذلك سابقة مهمة في كتابة التأريخ عند المؤرخين والمسلمين.
هذه هي الجوانب التي اضفاها اليعقوبي على كتابة التأريخ العام عند المؤرخين والتي كانت بمثابة حلقة تطورية شملت كتابة السيرة بخاصة كما شملت الكتابة التأريخية بعامة، أما الجوانب التي خص بها اليعقوبي سيرة الرسول من باقي أجزاء كتابه فهي:
١. إيراد روايات لم توردها كتب السيرة والمصادر المختلفة التي سبقته في ما بخص الخوارق والمعجزات (أعلام ودلائل نبوة الرسول ﵌ «٦٠» ، وهذا ما يدل على اهتمام اليعقوبي بهذه الأمور وتطعيمه السيرة بالروايات التي تحدث عنها.
стр. 191
٢. خصص اليعقوبي حيزا مستقلا من السيرة التي شملها كتابه التأريخ باستعراض بعض الخطب والأحاديث والأحكام التي قالها الرسول ﵌ «٦١» ، إذ كان لهذه الظاهرة أثر ملموس في المصنفات التي تلت كتاب اليعقوبي هذا والتي تضمنت ذكرا لسيرة الرسول ﵌ وأحواله «٦٢» ، وإن لم تشر هذه المصنفات ضمنا إلى من سبقها في هذا الأمر من إيراد بعض أقوال وخطب الرسول ﵌، وهذا الأمر ينسحب أيضا على باقي المستجدات والجوانب التي اضفاها اليعقوبي على كتابة السيرة النبوية بخاصة والتأريخ بعامة، إذ لم تجد لا السيرة ولا باقي أجزاء الكتاب مكانا واضحا في الكتب التي تلت كتاب اليعقوبي هذا من حيث اقتباس تلك الكتب لبعض نصوصه.
أرجع أحد الباحثين أسباب هذه الظاهرة إلى: " أن اليعقوبي كان مثالا للعالم المتجرد الذي يعمل في صمت بعيدا عن الأضواء فمن ملاحظة مقدمات كتبه نراه لم يذكر شيئا عن نفسه ولم يدع الكمال في كتابة بحوثه كما فعل غيره ...
ولذلك لم يشتهر لأنه لا يحب الشهرة، وربما يعود أيضا إلى طابع عصره إذ أن علماء ذلك العصر لم يقيموا لأنفسهم وزنا لذلك لم يكتبوا شيئا عنها" «٦٣» ، وهذا ما يفسر لنا إنفراد الحموي عن باقي العلماء على إيراد ترجمة لليعقوبي في كتابه (معجم الأدباء) «٦٤» .
стр. 192
مع كل الأسباب آنفة الذكر التي استعرضها الجعفري فانها لا تكاد تكون مقنعة تماما بالسبب الذي من أجله عزف العلماء عن اقتباس بعض نصوص هذا الكتاب أو الترجمة لمؤلفيه، إذ ان تواضع العالم ليس له اثر قوي وملموس في عدم اشتهار كتبه فقط، بل هناك أسباب أخرى قد كانت وراء هذا العزوف من قبل العلماء، وهذه الأسباب تكمن في طبيعة بعض الروايات التي أوردها اليعقوبي في ما يخص بعض الحوادث التي اختلفت فيها الاراء وتضاربت إلى حد النقيض مثل حادثة الاسراء والمعراج وتفاصيلها «٦٥» ، والحوادث التي جرت في المغازي ومواقف بعض الصحابة منها «٦٦» ، وحجة الوداع وما رافقها من أمور «٦٧» ، إلى غير ذلك من الحوادث التي حدثت بعد عصر الرسالة والتي أصبحت مثار التراع والاختلاف بين المسلمين في دقة تفاصيلها «٦٨» .
إن إيراد اليعقوبي لهذه الروايات التي تحدثت عن تلك الحوادث قد اتسمت بالجرأة في التعرض إلى مواقف أحجمت عن ذكرها باقي الكتب، فضلا عن ذلك فإن الذي وصل إلينا من تأريخ اليعقوبي ليس كل كتابه الذي صنفه بل إن في نهايته نقصا، وذلك لأنه ينتهي بحوادث سنة (٢٥٦ هـ) «٦٩» ، مع العلم أن وفاته قد حددها أحد الباحثين بالسنوات القليلة التي تلت سنة (٢٩٢ هـ) «٧٠» ،
стр. 193
فالفارق بين السنة التي انتهي بها الكتاب والسنة التي خمن فيها وفاة اليعقوبي هو أكثر من ٣٦ سنة، وإن الكتاب لا توجد فيه خاتمة بل كان فيه بياض مما يحتمل أن صفحاته الأخيرة قد مسحت بفعل فاعل مع تكرار هذا المسح في مواضع عدة من هذا الكتاب «٧١» .
وربما كان لضخامة الانتاج الفكري في ما يخص التدوين التأريخي في الحقبة التي عاش بها اليعقوبي «٧٢» أثر في إحجام العلماء بالاقتباس من نصوصه واكتفاء الكثير منهم بالمشهور.
كتب اليعقوبي مصنفه هذا بأسلوب جميل وصفه أحد الباحثين بالقول:
" يتميز أسلوب اليعقوبي بالطراوة والحبك ولم يعن بالصنعة البيانية وتزويق الألفاظ كغيره من المؤرخين، وهذا أمر طبيعي فيما نراه لأن للكلمة مكانتها عند اليعقوبي فهو الناقد الذي يختار العبارة المناسبة للتعبير كما يريد بالصورة الدقيقة، فهو أسلوب ... لم نجد فيه استطرادا لا في ذكر الحوادث ... فهو يعطي الحادثة مغزاها ودلالتها لتمكن القارئ من أن يتحسسها ويتذوقها ويتعايش معها ثم يكتبها بأسلوب علمي مفهوم وبيان سلس وأسلوب جذاب ... إذ اننا ما إن نبدأ القراءة [فيه] حتى نتحسس بجاذبية خفية تشدنا إلى الكتاب وتلصقنا به والرغبة في تتبع حوادثه تغمرنا والشوق إلى التعرف إلى ما بعدها تجرنا ... ونبغي المزيد دون ملل أو سأم، فمقدرة اليعقوبي على صياغة الألفاظ ليست هي الوحيدة التي تميز بها وإنما القدرة على إعطاء الوضوح
стр. 194
للفكرة التي يريد التعبير عنها، لذلك كان تأريخه بكل ما فيه من حوادث وروايات تضفى عليها طابع الوضوح والانسجام وخالية من كل لفظ شاذ أو تعبير غريب" «٧٣» .
هذه هي المحاور والجوانب التي اضفاها اليعقوبي على كتابة السيرة النبوية ضمن كتب التأريخ العام والتي بينت أهمية هذا الكتاب ضمن المصنفات التي تعرضت لسيرة الرسول ﵌ وأحواله.
٣. تأريخ الرسل والملوك لمحمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) *: - هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري ولد بطبرستان سنة (٢٢٤ هـ) وبرع منذ صغره في علوم عصره، ونشأ نشأة أذكت في نفسه الفضيلة والزهد والرفض للمذات الدنيا من الجاه والمناصب بل حتى الزواج أيضا، ترك مصنفات عدة في التفسير والتأريخ واختلاف الفقهاء «٧٤» .
كان كتابه تأريخ الرسل والملوك من خيرة المصنفات في مجال الكتابات التأريخية، إذ عدّته إحدى الدراسات الحديثة التي تناولت نشأة وتطور التدوين التأريخي عند المسلمين القمة للهرم الذي وصلت إليه العقلية الإسلامية في كتابة التأريخ، حيث ثبتت في هذا الكتاب نهائيا وجهة نظر المحدثين في كتابة التأريخ تلك النظرة التي جعلت هدف التأريخ التعبير عن فكرة تكامل الرسالات
стр. 195
ووحدة تجارب الأمة كجزء من التعبير عن المشيئة الإلهية وعن إرادته تعالى في الفعاليات البشرية «٧٥» .
خص الطبري سيرة الرسول ﵌ في كتابه هذا بحيز كبير تناول فيه الحوادث التي جرت منذ ولادته ﵌ إلى وفاته «٧٦» .
كانت السيرة النبوية لبنة أساسية من لبنات هذا المصنف لما حوته من حوادث تناولها بالتفصيل والاتساع، إذ كان هذا الكتاب كسابقيه من حيث إن مصنفه قد أتخذ منهجا خاصا في كتابة تأريخه من أوله إلى آخره إذ كانت حوادث السيرة ضمن هذا الخضم الهائل من المعلومات التي دونها الطبري في كتابه هذا فشمل السيرة بالمنهج الذي اتبعه في كتابته للتأريخ مما أدى إلى انسحاب كل تطور يحصل في هذا الكتاب إلى السيرة النبوية ويسجل لصالحها، والتطور الذي أكسبه الطبري للكتابة التأريخية قد تركز في محاور عدة هي:
١. كتابة تأريخ عام على وفق منهج حولي يتناول الحوادث على سنوات وقوعها «٧٧» ، فتكون السنة هي الموضوع والحوادث التي تجري فيها هي المادة التي تستعرض فيها «٧٨» .
والجديد في هذا المنهج الذي سبقه إليه كثيرون «٧٩» ؛ إنه قد أدسى فيه الدعائم والثوابت الأخيرة في كتابة الحوليات التأريخية عند المسلمين، وذلك
стр. 196
بوضع حد فاصل بين كتابة التأريخ على وفق الحوليات أو المواضيع مع استعمال المنهج الموضوعي في التعرض لإشباع السنوات التي حصلت فيها الحوادث «٨٠» .
٢. الحيادية والصراحة وعدم المحاباة في عرض الروايات المتعارضة في الخبر الواحد أو التي أحجمت بعض المصنفات من إيرادها، وهذا ما بينته مقالته التي افتتح بها كتابه والتي مفادها: " وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره في مما شرطت أني راسمه في إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه والاثار التي أنا مسندها إلى رواتها دون ما أدرك لحجج العقول واستنبط بذكر النفوس إلا اليسير منه إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضيين وما هو كائن في أنباء الحادثين، غير واصل إلى من لم يشاهده ولم يدرك زمانه إلا بأخبار المخبرين ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكر النفوس، فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضيين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يأت في ذلك من قبلنا وإنما أتي من قبل بعض الناقلين إلينا وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا" «٨١» .
فهو بذلك يبرئ ذمته من كتابه ويرى أنه قد أدى أمانة نقلها إلى الناس ولهم الحكم الأول والاخر عليها من حيث صحة أو كذب مضامينها.
стр. 197
٣. الفهم لتجارب من سبقه من المصنفين في مختلف المعارف في التفسير والتأريخ والحديث مع الاستفادة من حركة الترجمة للمصنفات الأجنبية إلى العربية، مما إنعكس ذلك على طبيعة كتابه وطريقة عرضه لرواياته «٨٢» .
٤. ذكر النصوص الشعرية مشفوعة بالروايات التي تضمنت الحوادث التي قيلت فيها هذه النصوص «٨٣» ، مع العلم أن ذكره لهذه النصوص لم يجر على وتيرة واحدة في السيرة التي تضمنها كتابه هذا؛ إذ اختصر الطبري منها محل الشاهد «٨٤» .
كانت وراء هذا الجانب الذي إنتهجه الطبري في إيراد الحوادث التأريخية مشفوعة بما قيل فيها من أشعار، دوافع عدة هي:
أ. اهتمام الطبري بالشعر وولعه بروايته وحفظه، إذ أورد الحموي آراء العديد من العلماء في مقدرة الطبري وقوة حافظته للشعر الذي قيل قبل الإسلام وإثنائه. «٨٥» ، حتى وصفه بالقول: " وكان يحفظ من الشعر للجاهلية والإسلام ما لا يجهله إلا جاهل به" «٨٦» .
ب. سعة اطلاع الطبري على الروايات التي حوت في طياتها أخبارا عن حوادث مضت وتضمنت أشعارا قيلت في مناسباتها، كل ذلك مكنه من أن يرصع كتابه بمجموعة صالحة من القصائد البديعة والمقطوعات الجميلة «٨٧» .
стр. 198
هذه هي الاسهامات التطورية التي كسبها الطبري للكتابة التأريخية، مع العلم بوجود اسهامات أخرى أقل منها أثرا تناولتها الدراسات التي تحدثت عن منهج الطبري وأسلوبه في كتابة التأريخ «٨٨» ، وهذه الأمور أدت بدورها إلى جعل السيرة التي تضمنها هذا الكتاب من السير النموذجية للرسول ﵌ لما حوته من جوانب أسهمت اسهاما فاعلا في تطور كتابة السيرة ليس في كتب التأريخ العام فحسب بل في باقي الكتب التي تناولت سيرة الرسول ﵌ وأحواله وهذه الجوانب هي:
١. تضمين القسم الذي خصص لسيرة الرسول باقتباسات كثيرة من السيرة التي كتبها محمد بن إسحاق، وذلك بطريق مختلف عن الطريق الذي سلكه ابن هشام للوصول إلى السيرة التي كتبها محمد بن إسحاق، إذ اعتمد على رواية سلمة بن الفضل الأبرش* لهذه السيرة، وذلك في (٢٠٤) نصوص، حتى عدّه الحموي الطريق الأساس الذي بنى عليه الطبري تأريخه عند تعرضه لسيرة الرسول ﵌ «٨٩» .
ولأجل ذلك تضمنت السيرة التي وردت في تأريخ الطبري روايات عديدة لم يتطرق لها ابن هشام في التهذيب الذي عمله لسيرة ابن إسحاق، ولا سيما روايات العصر الذي يسبق الرسالة الإسلامية «٩٠» .
стр. 199
٢. الاهتمام بإيراد النصوص الشعرية مشفوعة بمعظم الروايات التي أرخ فيها حوادث السيرة التي بلغت أكثر من (٧٣) نصا شعريا موزعا على أماكن متفرقة في القسم الذي خصصه الطبري لسيرة الرسول ﵌ في كتابه التأريخ «٩١» .
تمكن قيمة هذا الشعر الذي ذكره الطبري مع حوادث السيرة في أمرين:
أ. إيراده نصوصا شعرية لم ترد عند غيره من المتقدمين الذين تعرضوا لحوادث السيرة والشعر الذي قيل فيها «٩٢» ، مثل شعر الإمام علي ﵇ وأبي دجانة الأنصاري في معركة بدر «٩٣» .
ب. إيراده الشعر الفاحش والمقذع الذي أحجم ابن هشام عن ذكره عند تهذيبه لسيرة ابن إسحاق بعدما أشار إلى ورود شعر مقذع فيها «٩٤» ، فمن الشعر الفاحش الذي أورده الطبري ما تعرض به حسان بن ثابت لزوج أبي سفيان (هند) بالألفاظ النابية والمقذعة «٩٥» .
٣. هضم التجارب السابقة له التي صنفت فيها مصنفات مستقلة، وذلك بتضمين هذه المصنفات بمصنف يجمع المهم منها، إذ أشار إلى ذلك أحد الباحثين بالقول: " وهذا ما سمح بالطبري أن يحتفظ في كتابه بكثير من المقتطفات التأريخية المبكرة في الوجود والتي لا توجد إلا في كتابه، ... وقيمة الطبري إنما هي
стр. 200
خاصة في حفظ هذه المادة الضائعة وليس بالرأي الذي أعطاه فيها" «٩٦» ؛ وينتهي هذا الباحث بالاستنتاج إلى أن من الأسباب غيرا لمباشرة في ضياع قسم من تلك المدونات التأريخية الأولى هو ما أورده الطبري من مقتبسات من هذه المدونات حتى جعل أمر البحث عنها من قبل الذين عاصروه أو الذين أتوا بعده أمرا لا طائل منه ما دام أنه استقى خلاصة هذه الكتب ووضعها في كتابه «٩٧» .
ومن أهم الكتب الذي حفظ لنا قسما منها في الحيز الذي خصصه لسيرة الرسول ﵌ هي:
١. كتاب المغازي لأبي معشر نجيح المدني (ت ١٧٠ هـ) الذي ذكره ابن النديم ضمن المصنفات التي عددها في كتابه الفهرست «٩٨» ، اعتمد الطبري على هذا الكتاب في أربعة مواضع «٩٩» .
٢. كتب هشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت ٢٠٤ هـ) التي صنفها في مختلف مواضيع السيرة والتي أحصى ابن النديم أسماءها «١٠٠» ، واقتبس الطبري من مصنفاته تلك أكثر من عشرين نصا «١٠١» .
٣. كتب محمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) في سيرة الرسول ﵌ وأحواله التي بلغت أكثر من عشرة مصنفات بحسب تعداد ابن النديم لها «١٠٢» ،
стр. 201
إذ اعتمد الطبري على هذه المصنفات في مواضع عديدة من كتابه ولا سيما عند الترجيح بين الروايات المتضاربة «١٠٣» ، هذه هي المصادر المكتوبة التي أردفت كتاب الطبري بالروايات العديدة عن سيرة الرسول ﵌، أما باقي المصادر التي اعتمد عليها الطبري في ذكره لسيرة الرسول ﵌ فكانت مرويات شفوية غير مدونة حصل عليها الطبري سماعا من أفواه قائليها من دون إشارة المصادر التي تولت ترجمة شيوخه في الرواية إلى قيامهم بتصنيف كتاب في السيرة أو غيرها «١٠٤» .
إن الكلام آنف الذكر لا يعدو كونه مجرد احتمالات توفيقية بين مسانيد روايات الكتاب والمصنفات التي كتبها شيوخ الطبري الذين وردت لهم مصنفات ذكرتها الكتب التي ترجمت لهم، وربما تكشف لنا الأيام عن تلك المصنفات فتكون تلك الأحكام التي ذكرناها قطعية أو تبقى مجرد تخمين لا أساس له من الصحة.
من هذا كله نرى أن هذا الأسلوب في الكتابة لا يعدّ جانبا تطوريا بحد ذاته وإنما يعد إسهاما مهما في رفد السيرة النبوية بمرويات ومصنفات متقدمة لم تصل إلينا.
٤. إفراد فقرات مستقلة من السيرة التي كتبها الطبري عن الرسول ﵌ في كتابه هذا للحديث عن الجوانب الشخصية للرسول ﵌ مثل أزواجه ومن
стр. 202
خطب منهن ولم ينكحهن «١٠٥» ، وسراريه «١٠٦» وغير ذلك من الجوانب الشخصية التي زخرت بها سيرة الرسول في كتاب الطبري هذا «١٠٧» ، وهذا ما لا نجده في المصنفات التي سبقت كتابه هذا سواء أكانت في التأريخ العام أم في غير هذه الكتب التي عرضت سيرة الرسول ﵌.
٥. إغفال الطبري في كتابه هذا ذكر المعاجز والخوارق (دلائل وأعلام النبوة) التي حصلت من الرسول ﵌، معللا ذلك بقوله: " والأخبار الدالة على نبوته ﷺ أكثر من أن تحصى، ولذلك كتاب يفرد إن شاء الله «١٠٨» ، وهذا يبين لنا منحى الطبري في عدم تضخيم الكتاب بأخبار عاهد نفسه على أن يخصص لها مصنفا مستقلا؛ ولسوء الحظ لم تشر المصادر التي ترجمت له ولمصنفاته إلى تصنيفه هذا الكتاب، إذ لم تذكره ضمن مصنفاته أو ضمن الكتب التي صنفت في هذا الموضوع من سيرة الرسول ﵌.
٦. وجود أثر ملحوظ لاهتمامات الطبري بالقرآن وتفسيره في قسم السيرة النبوية من كتابه التأريخ وذلك حين يورد الروايات المتعلقة بأسباب نزول عدد جم من الايات القرآنية في الحوادث التي يعرضها في كتابه «١٠٩» . وفي ذلك يعكس مكانته بوصفه مفسرا للقرآن الكريم في كتابه ذائع الصيت [جامع البيان
стр. 203
في تفسير القرآن] الذي وصف بالقول: " لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرا" «١١٠» .
علل أحد الباحثين هذا الميل عند الطبري بأنه أراد أن يكون تأريخه تكملة لتفسيره الكبير، ولهذا أورد الروايات التأريخية بالوضوح والتدقيق والتحري نفسه الذي إتسم به التفسير «١١١» ؛ وهذا ما أوضحه قول الطبري الذي أورده ياقوت الحموي والذي مفاده: " قال أبو جعفر الطبري لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة! فقالوا: هذا مما يفني الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: أتنشطون لتأريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا لله ماتت الهمم، فاختصره في نحو ما اختصر التفسير" «١١٢» .
وحدد الحموي تاريخ شروع الطبري بإملاء تفسيره بسنة (٢٨٣ هـ) ، وحدد إنهاءه بسنة (٢٩٠ هـ) ، أما التأريخ فقد كتبه سنة (٣٠٣ هـ) «١١٣» .
من هذا كله نرى أن هناك ترابطا صميميا بين كل من تفسير [جامع البيان في تفسير القرآن] و [تأريخ الرسل والملوك] ، انعكست آثاره على ما ورد فيهما من روايات؛ فقد كان يستشهد بالرواية التي يوردها بتفسيره الجامع في كتابه التأريخ، ومثال ذلك سبب نزول آية بدء القتال في معركة بدر
стр. 204
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ «١١٤» إذ وردت هذه الرواية في التفسير والتأريخ معا «١١٥» ؛ وسبب نزول آية تحويل القبلة «١١٦» الذي ذكر رواية نزولها في التفسير والتأريخ أيضا «١١٧» ، إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة المشتركة بين الكتابين معا «١١٨» .
٧. مناقشة بعض الروايات والترجيح بينها، الأمر الذي بين لنا أن الطبري لم يكن ناقلا حسب بل حاول تقديم الروايات التي وصلت إليه في حادثة معينة ومناقشة هذه الروايات من حيث قوتها وضعفها، حين أورد عبارات متعددة تدل على الترجيح بين هذه الروايات، فمن تلك استعماله لكل من عبارات:
[في ما يزعمون، أو يزعم، أو قيل] «١١٩» ، والزعم في اللغة هو القول الذي يحتمل الصدق أو الكذب، أو الأمر الذي نستيقن أنه حق وإذا شك فيه لم ندر كذبه فنقول زعم فلان «١٢٠» .
فإذا كان هذا الكلام الذي علق به الطبري على بعض الروايات، والذي تضمن وجهة نظره الصريحة في الخبر، فأين القائل الذي صرح وقطع بان الطبري
стр. 205
لم يكن محللا للروايات ومعللا لأحداثها أو ناقدا لها؟ «١٢١» ؛ وذلك اعتمادا منه على مقالة الطبري التي أفتتح بها كتابه والتي يبين فيها أنه لم يكن سوى ناقل للأخبار «١٢٢» ؛ ولكن الطبري قد خرج من هذا المسار الذي أراد أن يلزم نفسه به.
هذه هي الجوانب التي اضفاها الطبري على كتابة السيرة النبوية ضمن كتب التأريخ العام بخاصة، وكتب السيرة النبوية بعامة.
٤. مروج الذهب ومعادن الجوهر، والتنبيه والأشراف لعلي بن الحسين المسعودي (ت ٣٤٥ هـ) * هو أبو الحسن علي الحسين بن علي الهذلي، يرجع نسبه إلى الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، نشأ في عاصمة الخلافة بغداد وجاب الأقطار والبلدان ورحل شرقا وغربا للاطلاع والسماع من أهل العلم والدراية والاستفادة من ثقافات الشعوب والأمم، فوصف الأماكن التي زارها في ثنايا كتبه، ولأجل ذلك جمع من الحقائق التأريخية والجغرافية ما لم يسبقه إليه أحد، وافاه الأجل المحتوم في الفسطاط بأرض مصر «١٢٣» .
стр. 206
شغلت سيرة الرسول ﵌ مكانا بارزا في مصنفات المسعودي ولا سيما كتبه التي خصصها للحديث عن التأريخ العام للمسلمين وغيرهم، وذلك من الإشارات المتكررة التي حوتها المصنفات التي وصلت إلينا من نتاج المسعودي مثل كتاب (مروج الذهب) وكتاب (التنبيه والأشراف) «١٢٤» ، فلو كانت تلك المصنفات التي أحال إليها المسعودي موجودة لوجدنا مدى الحجم الهائل الذي خصص لسيرة الرسول ﵌ منها، ولكن لم يسلم من تراث المسعودي سوى هذين الكتابين آنفي الذكر، واللذين سنستعرض مكانة كل منهما في الإطار العام لسيرة الرسول ﵌، في كتب التأريخ العام.
أولا: كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر:
إن هذا الكتاب في الأصل هو مختصر لكتابيه: (الكتاب الأوسط في الأخبار) ، و (أخبار الزمان ومن أباده الحدثان) ، إذ بين المسعودي هذا الأمر في ديباجة كتابه هذا «١٢٥» .
اتبع المسعودي في كتابه هذا منهجا موضوعيا تناول فيه الحوادث بحسب وقائعها دون الاعتماد على السنوات التي حصلت فيها تلك الحوادث «١٢٦» .
اتسمت كتابة المسعودي للتأريخ في كتابه هذا بأنها قد اضفت طابعا تجديديا له، وذلك في قيام المسعودي باستعراض كتب التأريخ والأخبار قبله وتحليلها ونقدها وتبيان مواطن القوة والضعف فيها، وهذا ما بينته مقالته التي مفادها:
стр. 207
" وقد ألف الناس كتبا في التأريخ والأخبار ممن سلف وخلف، وأصاب البعض وأخطأ بعض آخر ... " «١٢٧» .
كان هذا المنحى الذي أتبعه المسعودي في كتابة التأريخ يعدّ نقلة نوعية في أساليب الكتابة التأريخية عند المسلمين وذلك باتباعهم مناهج يعمل بها الان في الدراسات الأكاديمية التي تعنى بنقد وتحليل المصادر، إذ يشير هذا الأمر إلى كون المسلمين قد ابتكروا هذا الأمر قبل عشرة قرون من الان، وهذا ما يعدّ اسهاما حضاريا اضفته عقلية المسعودي على الكتابات التي صنفت من قبل المسلمين.
فضلا عن هذا فإن المسعودي قد نبهنا في مقدمة كتابه هذا إلى ظاهرة لم ينتبه لها المصنفون الذين سبقوه في الكتابة وذلك بحصول حذف وشطب وسرقة لبعض المصنفات التي كتبها العلماء في عصره، إذ يقول مبينا هذا الأمر: " وقد وسمت كتابي هذا بكتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) لنفاسة ما حواه وعظم خطر ما استولى عليه من طوالع بوارع ما تضمنته كتبنا السالفة في معناه ... وجعلته تحفة للأشراف من الملوك وأهل الدرايات ... فمن حرف شيئا من معناه أو أزال ركنا من مبناه أو طمس واضحة من معالمه أو لبس شاهده من تراجمه، أو غيره أو بدله أو اشانه أو اختصره أو نسبه لغيرنا أو أضافه لسوانا فوافاه من الله ووقوع نقمه وفوادح بلاياه ما يعجز عن صبره ويحار له فكره وجعله الله مثلة للعالمين وعبرة للمعتبرين، وآية للمتوسمين وسلبه الله ما أعطاه وحال بينه وبين ما أنعم عليه من قوة ونعمة مبتدع السموات والأرض من أي الملل كان والاراء أنه على كل شيء قدير" «١٢٨» ، ويذكر بعد هذا التحذير
стр. 208
والتخويف تسويغا لذلك، إذ يقول: " وقد جعلت هذا التخويف في أول كتابي هذا وآخره ليكون رادعا لمن ميله هوى أو غلبه شقاء فيراقب أمر ربه وليحادر منقلبه فالمدة يسيرة والمسافة قصيرة وإلى الله المصير" «١٢٩» .
بين لنا هذا الكلام وجود حالات سرقة وتحريف لبعض المصنفات وشطب لبعض المعلومات التي ترد فيها وذلك في عصر المسعودي أو العصر الذي سبقه، فلولا وجود هذه الظواهر في عصره لما كتب هذه العبارات التي يستشف منها الخوف الذي اعترى المسعودي على كتابه هذا من قيام بعض العابثين بتغيير معاله أو بتغيير نسبته إليه؛ وهذا أمر لم نألفه في المصادر التي تقدمته، لاعتزازه الكبير بما كتب من أمور في كتابه هذا والطريقة التي عرض بها الحوادث التي أرخها فيه.
شغلت السيرة النبوية حيزا بسيطا من هذا الكتاب «١٣٠» ، ولكن المنحى الكتابي لهذه الصفحات القليلة قد تنوع تنوعا جوهريا من حيث أسلوب عرضه الذي لم نألفه في المصادر المتقدمة عن سيرة الرسول ﵌، وهذا المنحى الذي أكسب كتابة السيرة عند المسعودي ضمن التأريخ العام بخاصة والسيرة بعامة تطورا، وذلك لعدة أسباب هي:
١. التقديم والتأخير في حوادث السيرة، وعدم الالتزام بالأسبقية الزمنية لكل حدث حين عرضه «١٣١» ، وهذا الأمر ناشئ عن كون المسعودي قد أنتهج نهجا موضوعيا في عرض حوادث كتابه، ولم يقتصر على هذا الحد بل قام أيضا
стр. 209
بتكرار بعض الحوادث التي عرضها في أماكن مختلفة في قسم السيرة من كتابه هذا*.
وهذا الأمر قد تنبه له أحد الباحثين، إذ أشار إلى ذلك بالقول: " إنه لم يركز بحوثه [المسعودي] وفصول الكتاب الواحد فبينما هو مشغول في موضوع خاص تراه يطفر فجأة إلى موضوعات أخرى فينفصل عنها ويتبسط في الكلام عنها، حتى إذا ما انتهى منها أحس بأنه قد إبتعد عن الموضوع، عاد فيعتذر عن هذا الاستطراد ملمحا بأنه قد بحث عنه بحثا مبسطا في كتبه السابقة، ولذلك فهو يكتفي بما أورده ليعود إلى موضوعه الذي كان فيه ... " «١٣٢» ، وينتهي هذا الباحث إلى عدّ هذا المسلك من قبل المسعودي مسلكا إتسم بالعجلة في كتابة المصنفات وعدم رجوعه إلى ما دوّنه سابقا، الأمر الذي أوجد تناقضا في ما كتب حتى أن بعض المستشرقين- على حد قوله- قد وصف منحى المسعودي هذا بالتسرع وقلة الصبر وعدم تمكنه من تركيز جهده في موضوع واحد وبتنقله من موضوع إلى آخر وباستطراده وخروجه من موضوعات رئيسة إلى موضوعات ثانوية «١٣٣» .
٢. الاقتضاب والاختصار واختزال حوادث السيرة ومتعلقاتها إلى أقصى حد ممكن إذ أشار إلى ذلك الأمر في مقدمته التي افتتح بها كتابه هذا الذي جعله
стр. 210
مختصرا لكتابين من كتبه «١٣٤» ، إذ أدى ذلك بطبيعة الحال إلى أن يستعمل أسلوب الإحالة إلى الكتب التي صنفها أو صفحات كتابه هذا وذلك في الموضوع الذي اقتضب فيه الحديث «١٣٥» .
علل المسعودي انتهاجه هذا المسلك بقوله: " ولم نعرض في كتابنا هذا لكثير من الأخبار بل لوحنا بالقول فيها تخوفا من الإطالة ووقوع الملل، إذ ليس ينبغي للعاقل أن يحمل البنية على ما ليس في طاقتها ويسوم النفس ما ليس في حيلتها، وإنما الألفاظ على قدر المعاني" «١٣٦» .
ان مسلك المسعودي هذا هو أسلوب جديد في الكتابة، إذ لم نألفه بهذه الشاكلة عند من سبقه، باستثناء اليعقوبي الذي أحال إلى بعض صفحات كتابه (التأريخ) «١٣٧» ، والطبري الذي فعل الأمر نفسه ولكن ليس بالصيغة التي انتهجها المسعودي «١٣٨» .
حفز هذا المسلك العلماء الذين أتوا بعده على السير على مساره وإتباع نهجه باختصار مواضيع كتبهم وذلك باستعمال الإحالة إلى المصنفات أو الصفحات من الكتب التي توسعت بذكر تفاصيل الحوادث التي تطرقوا لها «١٣٩» .
стр. 211
٣. الابتعاد عن عرض الجوانب الشخصية والإعجازية في سيرة الرسول ﵌ مثل دلائل نبوته وصفاته ومقتنياته من أسلحة وأدوات ودواب، إذ لم يورد أية رواية تضمن ذكرا لهذه الجوانب باستثناء رواية واحدة تعرض فيها لحادثة شق الصدر من قبل الملكين اللذين أخرجا علقة من قلب الرسول ﵌ «١٤٠» .
وقد يكون سبب عزوف المسعودي عن عرض هذه الجوانب طبيعة الكتاب الذي جعله مختصرا على لمع من الأخبار من دون التعرض لتفاصيل الأحداث ومتعلقات الأمور.
٤. إيراد الروايات المتعارضة والمختلف فيها بين المؤرخين أنفسهم «١٤١» ، فمن ذلك ما أورد من روايات عن إسلام الإمام علي ﵇ وما قيل فيه، وقد أحال المسعودي بعد ذلك إلى الكتب التي صنفها والتي عرض فيها هذا الموضوع بإسهاب «١٤٢» ، وكذلك أورد الاراء المختلفة في أسماء أجداد الرسول ﵌ بعد جده عدنان «١٤٣» ، إذ بين سبب ذكره هذا الاختلاف بأنه أعلم الناس بعدم اتفاق المؤرخين حول ذلك «١٤٤» .
علل المسعودي هذا المنحى بغاية أجملها في كتابه قائلا: " وإنما حكينا هذا الخلاف ليعلم من نظر في كتابنا هذا أنا لم نغفل شيئا مما قالوه ولا تركنا شيئا ذكروه إلا انا ذكرنا ما تأتى لنا ذكره، وأشرنا إليه" «١٤٥» .
стр. 212
٥. إيجاد منهج توفيقي بين الاستعراض الحولي للحوادث التي تجري في السنة الواحدة، والاستعراض الموضوعي، إذ تعرض للحوادث باستقلالية عن التي تليها؛ وهذا ما رأيناه واضحا في قسم السيرة من كتابه [مروج الذهب] . إذ أجمل المسعودي فيه حوادث سنوات عمر الرسول ﵌ الشريف في فقرات مستقلة ومبعثرة في أماكن مختلفة من هذا القسم، ورأيناه بعد أن عرض حوادث الرسالة في أبواب مستقلة يقوم في خواتم هذه الأبواب بكتابة فقرة تجمع هذه الحوادث في تقسيمها على سنوات عمره الشريف وذلك حين يعرض هذه السنوات وما حصل فيها من حوادث أسماها" جماع الحوادث" «١٤٦» .
أوضح المسعودي منحاه هذا والدافع الذي حداه على كتابة السيرة بهذه الشاكلة بأنه ليقرب تناولها ويسهل الأخذ من أخبارها «١٤٧» . ولم يقتصر على هذا الحد بل حاول الفصل بين سنوات عمر الرسول ﵌ قبل الهجرة وبعدها، فقد استعرض حوادث سنوات عمره الشريف من السنة الأولى حتى سنة (٥٤ هـ) ؛ وإن كان استعراضه لهذه السنوات متعاقبا ومقتصرا على حوادث السنوات المشهورة «١٤٨» ، ويعرج بعد ذلك على حوادث هذه السنوات باستعراضها على وفق سنين التقويم الهجري وليس على حساب سنوات عمره الشريف «١٤٩» .
وهذا المنهج الذي إتبعه المسعودي في كتابه هذا منهج مستحدث وجديد وغير مطروق عند من سبقه.
стр. 213
هذه هي أهم الجوانب التي أضافها المسعودي إلى كتابة السيرة النبوية ضمن كتابه [مروج الذهب ومعادن الجوهر] .
ثانيا: التنبيه والأشراف:
صنف المسعودي كتابه هذا بعد أن صنف كتابه [مروج الذهب] ، إذ جعل الأخير من ضمن مصادر هذا الكتاب «١٥٠» ، وهذا الأمر هو الذي حدانا على عرض هذا الكتاب بعد كتاب المروج في التحليل لقسم السيرة منهما.
خصص المسعودي في كتابه هذا حيزا جيدا لسيرة الرسول ﵌ «١٥١» ، وقد ناهز ما خصصه المسعودي للسيرة ضعف ما خصصه في كتابه المروج «١٥٢» ، علما أن حجم كتاب المروج هو ضعف حجم كتاب التنبيه تقريبا.
قبل عرض المناحي التطورية لسيرة الرسول ﵌ في كتاب التنبيه يجب عقد مقارنة بين هذا الكتاب والكتاب الذي سبقه، لأجل معرفة نقاط الاختلاف والشبه بينهما ومن ثم الاستفادة من هذه المقارنة باستنباط الاسهامات التطورية لكتابة السيرة النبوية ضمن كتب التأريخ العام وغيرها؛ ونقاط الاختلاف والشبه بين الكتابين تتلخص بالاتي:
١. إن المصادر التي اختصر المسعودي منها كتابه التنبيه هو أكثر من قرينتها في المروج، إذ جعل كتابه التنبيه مختصرا لستة من كتبه أجملها في قوله الذي مفاده: " فإننا لما صنفنا كتابنا الأكبر في [أخبار الزمان ومن أباده الحدثان] ....
стр. 214
وشفعناه ب [الكتاب الأوسط] في معناه ثم قفوناه بكتاب [مروج الذهب ومعادن الجوهر] .... ثم تلينا ذلك بكتاب [فنون المعارف وما جرى في الدهور والسوالف] وأتبعناه بكتاب [الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار] ذكرنا في هذه الكتب الأخبار عند بدء العالم والخلق ... وذكرنا في كتاب [نظم الأعلام في أصول الأحكام] وكتاب [نظم الأدلة في أصول المللة] وكتاب [المسائل والعلل في المذاهب والملل] تنازع المتفقهين في مقدمات أصول الدين والحوادث التي اختلفت فيها آراؤهم.... وغير ذلك من فنون العلم، وضروب الأخبار، مما لم تأت الترجمة على وصفه، ولا انتظمت ذكره، رأينا أن نتبع ذلك بكتاب سابع مختصر نترجمه بكتاب [التنبيه والأشراف] .... نودعه لمعا من.... تواريخ الأمم.... وغير ذلك من أحوالها وما اتصل بذلك من التنبيهات على ما تقدم جمعه وتأليفه وذكر مولد الرسول ﵌ ومبعثه وهجرته وعدد غزواته وسراياه وسواربه وكتابه ووفاته...." «١٥٣» .
وهذا ما يجيبنا عن سبب اتساع المعلومات التي دونها في هذا الكتاب عن سيرة الرسول ﵌ مقارنة بكتابه [مروج الذهب] ؛ وذلك لأن المسعودي قد اعتمد على اثنين من كتبه [أخبار الزمان، الأوسط في الأخبار] اختصر هما وأخرج منهما هذا المصنف «١٥٤» .
стр. 215
٢. التوثيق التأريخي للحوادث المهمة لسيرة الرسول (المولد، البعثة، الهجرة، الوفاة) على وفق التقاويم العالمية المعمول بها آنذاك «١٥٥» .
وهذا الأمر هو خصيصة خص بها المسعودي السيرة النبوية في كتابه التنبيه والأشراف حصرا من دون كتابه السابق المروج، ولم نجده في باقي المصنفات التي تعرضت لسيرة الرسول ﵌.
أما توثيقه للحوادث في كتابه المروج فقد تنوع ما بين التوثيق على وفق الحوادث للمرحلة التي سبقت البعثة من حياة الرسول ﵌ وسنوات عمره الشريف أو سنوات الهجرة من دون الإشارة إلى غيرها من التواريخ «١٥٦» .
٣. أورد المسعودي في كتابه هذا قسما من الايات والمعاجز الدالة على نبوة سيدنا محمد ﵌ في عرضه حوادث السيرة «١٥٧» .
٤. التشابه في إجمال الحوادث التي يوردها، وإحالة القارئ إلى مصنفاته الأخرى؛ إذ أشار أكثر من مرة إلى منهجه في اختصار الأخبار وإجمالها في كل من كتابيه المذكورين «١٥٨» .
هذه هي أوجه الشبه والاختلاف بين المنحى الذي سلكه المسعودي في إيراد الحوادث في كل من كتابيه [التنبيه والأشراف] و [مروج الذهب ومعادن الجوهر] اللذين علق أحد الباحثين على الصلة التي تربط بينهما قائلا: " وقد رأيت أن أطابق بين الكتابين المطبوعين لأرى الفرق بينهما والعلة التي دفعت