٣. الابتعاد عن عرض الجوانب الشخصية والإعجازية في سيرة الرسول ﵌ مثل دلائل نبوته وصفاته ومقتنياته من أسلحة وأدوات ودواب، إذ لم يورد أية رواية تضمن ذكرا لهذه الجوانب باستثناء رواية واحدة تعرض فيها لحادثة شق الصدر من قبل الملكين اللذين أخرجا علقة من قلب الرسول ﵌ «١٤٠» .
وقد يكون سبب عزوف المسعودي عن عرض هذه الجوانب طبيعة الكتاب الذي جعله مختصرا على لمع من الأخبار من دون التعرض لتفاصيل الأحداث ومتعلقات الأمور.
٤. إيراد الروايات المتعارضة والمختلف فيها بين المؤرخين أنفسهم «١٤١» ، فمن ذلك ما أورد من روايات عن إسلام الإمام علي ﵇ وما قيل فيه، وقد أحال المسعودي بعد ذلك إلى الكتب التي صنفها والتي عرض فيها هذا الموضوع بإسهاب «١٤٢» ، وكذلك أورد الاراء المختلفة في أسماء أجداد الرسول ﵌ بعد جده عدنان «١٤٣» ، إذ بين سبب ذكره هذا الاختلاف بأنه أعلم الناس بعدم اتفاق المؤرخين حول ذلك «١٤٤» .
علل المسعودي هذا المنحى بغاية أجملها في كتابه قائلا: " وإنما حكينا هذا الخلاف ليعلم من نظر في كتابنا هذا أنا لم نغفل شيئا مما قالوه ولا تركنا شيئا ذكروه إلا انا ذكرنا ما تأتى لنا ذكره، وأشرنا إليه" «١٤٥» .
стр. 212
٥. إيجاد منهج توفيقي بين الاستعراض الحولي للحوادث التي تجري في السنة الواحدة، والاستعراض الموضوعي، إذ تعرض للحوادث باستقلالية عن التي تليها؛ وهذا ما رأيناه واضحا في قسم السيرة من كتابه [مروج الذهب] . إذ أجمل المسعودي فيه حوادث سنوات عمر الرسول ﵌ الشريف في فقرات مستقلة ومبعثرة في أماكن مختلفة من هذا القسم، ورأيناه بعد أن عرض حوادث الرسالة في أبواب مستقلة يقوم في خواتم هذه الأبواب بكتابة فقرة تجمع هذه الحوادث في تقسيمها على سنوات عمره الشريف وذلك حين يعرض هذه السنوات وما حصل فيها من حوادث أسماها" جماع الحوادث" «١٤٦» .
أوضح المسعودي منحاه هذا والدافع الذي حداه على كتابة السيرة بهذه الشاكلة بأنه ليقرب تناولها ويسهل الأخذ من أخبارها «١٤٧» . ولم يقتصر على هذا الحد بل حاول الفصل بين سنوات عمر الرسول ﵌ قبل الهجرة وبعدها، فقد استعرض حوادث سنوات عمره الشريف من السنة الأولى حتى سنة (٥٤ هـ) ؛ وإن كان استعراضه لهذه السنوات متعاقبا ومقتصرا على حوادث السنوات المشهورة «١٤٨» ، ويعرج بعد ذلك على حوادث هذه السنوات باستعراضها على وفق سنين التقويم الهجري وليس على حساب سنوات عمره الشريف «١٤٩» .
وهذا المنهج الذي إتبعه المسعودي في كتابه هذا منهج مستحدث وجديد وغير مطروق عند من سبقه.
стр. 213
هذه هي أهم الجوانب التي أضافها المسعودي إلى كتابة السيرة النبوية ضمن كتابه [مروج الذهب ومعادن الجوهر] .
ثانيا: التنبيه والأشراف:
صنف المسعودي كتابه هذا بعد أن صنف كتابه [مروج الذهب] ، إذ جعل الأخير من ضمن مصادر هذا الكتاب «١٥٠» ، وهذا الأمر هو الذي حدانا على عرض هذا الكتاب بعد كتاب المروج في التحليل لقسم السيرة منهما.
خصص المسعودي في كتابه هذا حيزا جيدا لسيرة الرسول ﵌ «١٥١» ، وقد ناهز ما خصصه المسعودي للسيرة ضعف ما خصصه في كتابه المروج «١٥٢» ، علما أن حجم كتاب المروج هو ضعف حجم كتاب التنبيه تقريبا.
قبل عرض المناحي التطورية لسيرة الرسول ﵌ في كتاب التنبيه يجب عقد مقارنة بين هذا الكتاب والكتاب الذي سبقه، لأجل معرفة نقاط الاختلاف والشبه بينهما ومن ثم الاستفادة من هذه المقارنة باستنباط الاسهامات التطورية لكتابة السيرة النبوية ضمن كتب التأريخ العام وغيرها؛ ونقاط الاختلاف والشبه بين الكتابين تتلخص بالاتي:
١. إن المصادر التي اختصر المسعودي منها كتابه التنبيه هو أكثر من قرينتها في المروج، إذ جعل كتابه التنبيه مختصرا لستة من كتبه أجملها في قوله الذي مفاده: " فإننا لما صنفنا كتابنا الأكبر في [أخبار الزمان ومن أباده الحدثان] ....
стр. 214
وشفعناه ب [الكتاب الأوسط] في معناه ثم قفوناه بكتاب [مروج الذهب ومعادن الجوهر] .... ثم تلينا ذلك بكتاب [فنون المعارف وما جرى في الدهور والسوالف] وأتبعناه بكتاب [الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار] ذكرنا في هذه الكتب الأخبار عند بدء العالم والخلق ... وذكرنا في كتاب [نظم الأعلام في أصول الأحكام] وكتاب [نظم الأدلة في أصول المللة] وكتاب [المسائل والعلل في المذاهب والملل] تنازع المتفقهين في مقدمات أصول الدين والحوادث التي اختلفت فيها آراؤهم.... وغير ذلك من فنون العلم، وضروب الأخبار، مما لم تأت الترجمة على وصفه، ولا انتظمت ذكره، رأينا أن نتبع ذلك بكتاب سابع مختصر نترجمه بكتاب [التنبيه والأشراف] .... نودعه لمعا من.... تواريخ الأمم.... وغير ذلك من أحوالها وما اتصل بذلك من التنبيهات على ما تقدم جمعه وتأليفه وذكر مولد الرسول ﵌ ومبعثه وهجرته وعدد غزواته وسراياه وسواربه وكتابه ووفاته...." «١٥٣» .
وهذا ما يجيبنا عن سبب اتساع المعلومات التي دونها في هذا الكتاب عن سيرة الرسول ﵌ مقارنة بكتابه [مروج الذهب] ؛ وذلك لأن المسعودي قد اعتمد على اثنين من كتبه [أخبار الزمان، الأوسط في الأخبار] اختصر هما وأخرج منهما هذا المصنف «١٥٤» .
стр. 215
٢. التوثيق التأريخي للحوادث المهمة لسيرة الرسول (المولد، البعثة، الهجرة، الوفاة) على وفق التقاويم العالمية المعمول بها آنذاك «١٥٥» .
وهذا الأمر هو خصيصة خص بها المسعودي السيرة النبوية في كتابه التنبيه والأشراف حصرا من دون كتابه السابق المروج، ولم نجده في باقي المصنفات التي تعرضت لسيرة الرسول ﵌.
أما توثيقه للحوادث في كتابه المروج فقد تنوع ما بين التوثيق على وفق الحوادث للمرحلة التي سبقت البعثة من حياة الرسول ﵌ وسنوات عمره الشريف أو سنوات الهجرة من دون الإشارة إلى غيرها من التواريخ «١٥٦» .
٣. أورد المسعودي في كتابه هذا قسما من الايات والمعاجز الدالة على نبوة سيدنا محمد ﵌ في عرضه حوادث السيرة «١٥٧» .
٤. التشابه في إجمال الحوادث التي يوردها، وإحالة القارئ إلى مصنفاته الأخرى؛ إذ أشار أكثر من مرة إلى منهجه في اختصار الأخبار وإجمالها في كل من كتابيه المذكورين «١٥٨» .
هذه هي أوجه الشبه والاختلاف بين المنحى الذي سلكه المسعودي في إيراد الحوادث في كل من كتابيه [التنبيه والأشراف] و [مروج الذهب ومعادن الجوهر] اللذين علق أحد الباحثين على الصلة التي تربط بينهما قائلا: " وقد رأيت أن أطابق بين الكتابين المطبوعين لأرى الفرق بينهما والعلة التي دفعت
стр. 216
بالمسعودي على تأليف جملة كتب في موضوع واحد، هل هي مجرد إطالة واختصار أو إعادة وتكرار للتظاهر لكثرة التأليف وسعة المعرفة؟ فوجدت أن كتابه التنبيه هو كتاب صغير مختصر بالنسبة إلى كتاب مروج الذهب، إلا اننا لا نستطيع أن نعتبره اختصارا له، لأن الاختصار هو إيجاز تام كامل لمفصل مبسوط، وليس كتاب التنبيه إيجازا له بالمعنى المذكور ففي مروج الذهب فصول عديدة لم ترد في كتاب التنبيه. أما الموضوعات المشتركة التي ترد في التنبيه فهي وإن كانت مذكورة في مروج الذهب ولكنها في الواقع جزء قليل من كثير مزج باستدراكات فاته ذكرها في الكتاب الأول" «١٥٩» .
بقي لنا أن نذكر الاسهامات التطورية التي اوجدها المسعودي لكتابة السيرة النبوية ضمن كتب التأريخ العام أولا ثم كتب السيرة ثانيا في مصنفه [التنبيه والأشراف] ، وهذه الاسهامات هي:
١. إطلاق المسميات على السنوات التي أعقبت هجرة الرسول ﵌ إلى المدينة حتى وفاته «١٦٠» ، وتبيان الغرض الذي من أجله أطلقت هذه المسميات على بعض من سنوات الهجرة، وفي بعضها لم يبين سبب إطلاق هذا الاسم من دون غيره عليها، فأما السنوات التي بين سبب إطلاق المسميات عليها فهي:
أ. السنة الثانية من الهجرة فقد أسماها ب (سنة الأمر) لأنه أمر فيها بالقتال «١٦١» .
стр. 217
ب. السنة الخامسة من الهجرة الشريفة فقد أسماها ب (سنة الأحزاب) وذلك لوقوع معركة الخندق وتجمع قريش والمخالفين ونزول سورة الأحزاب موثقة بعض حوادثها «١٦٢» .
ج. السنة الثامنة منها فقد أسماها ب (سنة الفتح) وذلك لفتح مكة فيها «١٦٣» .
د. السنة العاشرة منها فقد أسماها ب (سنة حجة الوداع) «١٦٤» ، وذلك لوقوع حجة الوداع التي سميت بهذا الاسم لأنه ﵌ ودعهم فيها ولم يحج بعدها «١٦٥» .
هـ. السنة الحادية عشرة منها فقد أسماها ب (سنة الوفاة) وذلك لوفاة الرسول ﵌ فيها «١٦٦» .
هذه هي السنوات التي بين المسعودي أسباب أسمائها، أما باقي السنوات (٣، ٤، ٦، ٧) من الهجرة الشريفة، فقد أطلق على كل واحدة منها اسما لم يبين سببه «١٦٧» .
وإن منحى المسعودي هذا في إطلاق المسميات على هذه السنوات هو اجتهاد شخصي منه، وذلك لأنه سمّى هذه السنوات بأسماء الحوادث المشهورة
стр. 218
فيها هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن منحاه هذا لم يتبعه فيه أحد من المؤرخين المتقدمين أو المتأخرين، باستثناء المقدسي الذي نقل بعض المسميات التي أطلقها المسعودي على السنوات التي تلت هجرة الرسول ﵌ إلى وفاته «١٦٨» ، لأن عمله هذا كان مجرد رأي أو تلطيف للقارئ أو لمن يريد حفظ الحوادث وسنوات وقوعها، هذه هي أغراضه من هذه المسميات.
٢. الاهتمام بإيراد الأحكام الفقهية التي شرعها الرسول ﵌ للمسائل التي عرضها في كتابه ولا سيما في قسم السيرة منه، إذ ذكر اختلاف الفقهاء في المسائل المتنازع عليها في ما بينهم وآراءهم فيها، في حوادث عدة «١٦٩» مثل:
حادثة صوم شهر رمضان والوقت الذي شرع فيه «١٧٠» ، وحادثة تقسيم غنائم المعارك والاراء التي قيلت فيها «١٧١» ، وحادثة دخول مكة بعدما منّ الله عليه بفتحها، والاختلاف في كون دخوله عنوة أم صلحا «١٧٢» ، هذه الأحكام الفقهية التي أوردها في قسم السيرة من كتابه التنبيه والتي اقتصر فيها على عرض الأحكام المختلف فيها حصرا.
٣. قدم المسعودي في قسم السيرة من كتابه وصفا فريدا لكل مجموعة عسكرية بحسب عدد أفرادها، لم يسبقه أحد إليه في مثل هذه الكتب، إذ يقول:
" وقد ذكر عدة من ذوي المعرفة بسياسة الحروب وتدابير العسكر والجيوش
стр. 219
ومقاديرها وسماتها، ان السرايا ما بين الثلاثة نفر إلى الخمس مئة، وهي التي تخرج بالليل. فأما التي تخرج بالنهار فتسمى السوارب ... وما زاد على الخمس مئة إلى دون الثماني مئة فهي المناسر، وما بلغ الثماني مئة فهو جيش وهو أقل الجيوش وما زاد على الثماني مئة إلى دون الألف فهو الخشخاش، وما بلغ الألف فهو الجيش ... وما بلغ الأربعة آلاف فهو الجيش الجحفل، وما بلغ اثني عشر ألفا فهو الجيش الجرار، وإذا افترقت السرايا والسوارب بعد خروجها فما كان دون الأربعين فهي الجرائد، وما كان من الأربعين إلى دون الثلاث مئة فهي المقانب، وما كان من الثلاث مئة إلى دون الخمس مئة فهي الجمرات، وكانوا يسمون الأربعين رجلا إذا وجهوا العصبة، ويقولون خير السرايا أربع مئة، وخير الجيوش أربعة آلاف ... وان الكتيبة ما جمع فلم ينتشر، وان الحضيرة النفر الذين يغزي بهم العشرة فمن دونهم، والنفيضة جماعة يغزى بهم ليسوا الجيش، وان الأرعن الجيش الكثير ... والخميس الجيش العظيم والجرار ... أكثر ما يكون من الجيوش العظمى" «١٧٣» .
وهذا الأمر يعدّ نقلة نوعية للكتابة التأريخية بعامة، وذلك بسبب ندرة عرض المؤرخين لهذه المسائل ولا سيما مصنفي كتب الأخبار والسير.
٤. عرض عقائد الفرق الإسلامية في الروايات التي يحتجون بها من حوادث السيرة، لإثبات صدق دعواهم، مع التعريف بقسم من هذه الفرق، إذ وجدنا هذا الأمر شائعا في كتاب التنبيه «١٧٤» ، فمن الروايات التي ذكر فيها آراء الفرق
стр. 220
حول الحوادث التي تضمنتها تلك الروايات، الرواية التي تحدثت عن إرسال النبي ﵌ للإمام علي ﵇ إلى أهل مكة ليقرأ عليهم سورة التوبة في موسم الحج بمعية أبي بكر الصديق (رض) «١٧٥» ، إذ عقب على هذه الرواية بالقول: " وهذا الخبر من التنازع والتأول بين فرق أهل الصلاة من أصحاب النص من الشيعة، وأصحاب الاختيار من المعتزلة والخوارج والمرجئة وفقهاء الأمصار وغيرهم من الحشوية والنابتة" «١٧٦» .
تناول أحد الباحثين منهج المسعودي في هذا الجانب ووصفه بالقول: " إن منهج المسعودي في العقائد والأخرويات يرتفع إلى مستوى أدق مناهج المسلمين في البحث فهو يروي آراء وأخبار العقائد المخالفة ... ويستعرض هذه الاراء بتجرد صارم، محترما آراء الفرق والأديان وموردا لتلك المسائل" «١٧٧» ، إن انتهاج المسعودي لهذا الأمر هو تطبيق لما عاهد به نفسه من إيراد أقوال أهل الفرق في الحوادث المختلف عليها، وذلك بقوله: " كان الواجب على كل ذي تصنيف أن يورد جميع ما قاله أهل الفرق" «١٧٨» .
ينتهي أحد الباحثين إلى وصف منهج المسعودي هذا بالقول: " إن المسعودي كان يبحث بأسلوب العالم المتجرد، وينظر إلى التواريخ نظرة الباحث المحايد والمسجل الأمين بحسب جهده وطاقته" «١٧٩» .
стр. 221
٥. انفراد المسعودي بذكر رواية لم تعرفها المصادر التي سبقته أو التي جاءت بعده، وخالف فيها كل من تعرض لهذه الحادثة من المؤرخين والمحدثين، ألا وهي حادثة يوم الغدير وحديث الرسول ﵌ للإمام علي بن أبي طالب ﵇ : " من كنت مولاه فهذا علي مولاه" إذ أشارت المصادر التي عرضت هذه الحادثة إلى أن الرسول ﵌ قد قالها أثناء منصرفه من حجة الوداع سنة (١٠ هـ) «١٨٠» ، أما المسعودي فقد ذكر أن هذه الحادثة قد وقعت بعد منصرف الرسول من الحديبية سنة (٦ هـ) «١٨١» .
هذه هي أهم المستجدات التي أضافها المسعودي إلى كتابة السيرة النبوية في مصنفه [التنبيه والأشراف] ، ومن وضع هذه المستجدات جنبا إلى جنب مع مثيلاتها في كتابه الاخر [مروج الذهب ومعادن الجوهر] نجد أنه قد أضاف إلى كتابة السيرة ضمن كتب التأريخ العام إضافة قيّمة ونوعية تمثلت بتنوع المناهج المتبعة مع سلاسة الأسلوب وبساطة العرض المسترسل للأحداث، وعدم التقليد الأعمى للأقدمين في مناحيهم بكتابة التأريخ، بل كان يترك لنفسه العنان في الاسترسال في ذكر الحوادث مع شعوره بعلو كعبه في الكتابة التأريخية على من سبقه إذ يقول: " على أنا لم نجد أحدا حصل ذلك تحصيلنا، ولا رتبه ترتيبنا، فمن أراد علم ذلك فليتصفح كتب من نحا بهذا الشأن من الأسلاف والأخلاف يقف
стр. 222
على حقيقة ما قلنا وفضيلة ما آتينا فهم ذلك بعد الكفاية يسير، ومطلبه قبل الكفاية عسير" «١٨٢» .
ومع كل ما قلناه تبقى عملية إعطاء صورة واضحة ومتكاملة عن إسهامات المسعودي التطورية في كتابة السيرة النبوية ناقصة ومشوهة، بسبب فقداننا مصنفاته الأخرى التي أحال عليها في كتابيه المختصرين من مؤلفاته الأخرى، وإذا كان المختصر كما رأينا، فكيف بالمفصل إذن؟.
٥. البدء والتأريخ لمطهر بن طاهر المقدسي (ت بعد سنة ٣٥٥ هـ) :
أغفلت المصادر التي ترجمت لأعلام الناس والعلماء والمصنفين عن إيراد ترجمة لهذه الشخصية، ولأجل ذلك ضاعت عملية البحث عن ترجمة للمقدسي أدراج الرياح، كما ذهبت المحاولات السابقة التي بدرت من بعض الباحثين هي الأخرى كذلك، إذ لم تقتصر جهودهم إلّا على إثبات تعليق محقق هذا الكتاب في تبيان صحة نسبته إلى المقدسي «١٨٣» ، إذ حصل هنالك لبس بين اسم هذا الكتاب وكتاب آخر بالعنوان نفسه ذكره حاجي خليفة لغير المقدسي «١٨٤» .
مهما يكن من أمر نسبة هذا الكتاب من حيث الصحة والخطأ إلى المقدسي أو غيره، فإن هذا الأمر لا يهمنا بقدر ما يهمنا أثر الكتاب في تطور كتابة السيرة النبوية ضمن كتب التاريخ العام وباقي المصنفات، فنجد أن هذا الكتاب
стр. 223
قد نحا فيه مؤلفه أسلوبا جديدا ومغايرا عما ألفه عصره من أساليب في عرض تأريخ العالم، إذ وصف روز نثال أسلوب المقدسي بالقول: " محاولة لإخضاع التأريخ للفلسفة ومن الناحية الظاهرية على الأقل ... وان الملاحظات الفلسفية هي كالبقع القرمزية التي تناثرت في مختلف ثنايا أجزاء الكتاب" «١٨٥» .
علق أحد الباحثين على هذا الرأي بالقول: " ان هذه القيمة [إدخال الفلسفة وعلم الكلام بالتأريخ] يجب أن تعطى لمجرد المحاولة التي كانت جريئة ومبتكرة دون شك، أما من ناحية التطبيق فان التأريخ لم يفلسف ... وإنما اقتصر الأمر على إلصاق بعض أبحاث الإلهيات بأبحاث التأريخ موجزة معروفة" «١٨٦» .
كانت هذه البقع القرمزية التي وصفها روز نثال قد انتشرت بكثرة في القسم الخاص بسيرة الرسول ﵌ من هذا الكتاب «١٨٧» ، وشغلت السيرة النبوية من هذا الكتاب حيزا كبيرا، ولأجل ذلك أضفى المقدسي جوانب عدة على هذه السيرة وشملت هذه الجوانب:
١. استعمال أسلوب المحاججة والإفحام للطوائف والملل من غير المسلمين سواء أكانوا أتباع أديان سماوية أم وضعية، إذ نرى في هذا الكتاب هجوما عنيفا على هذه الطوائف والملل في إنكارها نبوة الرسول ﵌ من جهة، أو رفض فكرة النبوة مطلقا، إذ تركز هذا الهجوم في إيراد الدلائل والمعاجز والقرائن
стр. 224
الموكدة لنبوة محمد ﵌ إذ وصف هذه الدلائل والمعاجز بالقول: " إعلم إنما كان في هذه الأخبار من المعجزات فكلها مصدقة مقبولة إذا صحت الرواية والنقل أو شهد لها نص القرآن والدلالة عليها كذهاب قوائم فرس سراقة في الأرض ... وكخبر الإسراء والمعراج ... وغير ذلك مما يوصف ويحكى مع ما ذكر من هذه الخصال كلها داخلة في حد الجواز والإمكان بعد أن كنا مجيزين للممتنع في الطبع والعادة وفي أيامهم فكيف الممكن المتوهم من ذلك وقد ناقض المنكرون لهذه الحال بخروجها عن العادة ... " «١٨٨» ، وينتهي بالقول: " هذا يرحمك الله باب أغنى هذا المتكلف عن الخوض فيه والتمرس به وما أراه أبلى عنا في الإسلام أو رد عنه عاديا إن لم يكن فتح عليهم باب شنعة وتلبيس وسبيل معجزات الأنبياء في خروجها عن العادة سبيل إيجاد أعيان الخلق لا من سابقة وكما أن إيجاد الخلق لا من شيء ... ولكن يعرف ويعلم بقيام الأدلة التي عليه كذلك معجزات الأنبياء ﵈ غير موهومة ولا معقولة وإنما بعلم بقيام الأدلة عليها" «١٨٩» .
لم يكتف المقدسي بالمحاججة العقلية في إثبات النبوة ودحض المنكرين لها ولاختصاصها بالرسول ﵌ إذ قرنها بإيراد بعض الروايات المؤكدة لهذه البراهين، إذ اعتمد لأجل ذلك على إيراد نصوص من التوراة والإنجيل وباللغة التي كتبا فيها، والاحتجاج بها في صدق نبوة محمد ﵌، وتفنيذ آراء الملل مع
стр. 225
مقارنة هذه النصوص بما ذكره القرآن في هذا الخصوص «١٩٠» ، إن إيراد هذه النصوص من التوراة والإنجيل تبين لنا تضلع المقدسي في اللغات غير العربية، وهذا الأمر قد انفرد به المقدسي من بين كتّاب التأريخ العام والسيرة معا في اقتباس مثل هذه النصوص وزجها في هذا المصنف ليحاجج به الخصوص ويفحم به المخالفين والمنكرين للنبوة، وهذا ما أوضحته مقالته التي مفادها: " وهذا مما لا يخالج عاقلا فيه شك ولا تعترضه شبهة في أنه غير جائز للخصم المخالف أن يشهد على خصمه بما في كتابه وينتصر بالتسمية عليه من غير أصل ثابت عنده أو مرجوع واضح لديه وهل الاستشهاد على هذا غلا بمنزلة الاستشهاد على المحسوس الذي لا يكاد يقع الاختلاف فيه فكفى بما تلونا من الايات دلالة على صدق ما دعينا" «١٩١» .
إن إثبات المقدسي للدلائل المؤكدة لنبوة الرسول ﵌ تبين استعماله المحاججة النقلية والعقلية معا في ذلك وينتهي إلى القول بعد إيراده قسما من هذه الدلائل: " وهذا يرحمك الله باب يعجز كتابنا عن استيفائه ونجتزئ بما ذكرنا عن استقصائه والله المعين برحمته" «١٩٢» .
يوضح لنا هذا الأمر قوة الصدام الفكري بين الملل والفرق والطوائف في عصر المقدسي حول فكرة النبوة وإثباتها من جهة، والتعرض الى ذكر دلائلها من جهة أخرى وهذا ما دفع بالمقدسي الى أن يخصص حيزا كبيرا من هذه السيرة
стр. 226
للرد على هذه التخرصات التي تستهدف تشويه هوية الإسلام بدحض فكرة النبوة أو جعلها مقتصرة على الأنبياء الذين سبقوا الإسلام «١٩٣» .
بقي لنا أن نشير الى أن محاولة المقدسي لم يكتب لها الاستمرار في من أتى بعده من مؤرخي التأريخ العام أو من مصنفي السيرة، باستثناء كتاب دلائل النبوة الذين كانت مصنفاتهم عبارة عن مزيج بين التأريخ وعلم الكلام باستعمال الروايات التي تؤرخ الحوادث التي وقعت فيها تلك المعاجز والدلائل على النبوة وتطبيق أساليب وأنماط المتكلمين في جعل هذه الروايات ورقة ترفع بوجه المنكرين لها «١٩٤» .
بين روز نثال المصير الذي انتهت إليه هذه المحاولة بقوله: " ومن سوء الحظ إننا لا نعلم أحدا ممن تلاه استطاع أن يتعمق في بحث التأريخ بالروح نفسها" «١٩٥» ، وأضاف آخر على هذا القول: " ان هذه المحاولة كانت فجة ...
كما لم تجد الحماس لدى المؤرخين من جهة فلم يظهر من يتابعها فبقي أروع ما فيها هو تلك الرغبة الحارة في ربط الكون والحياة بنظرة كلية شاملة تؤكد ما بين الفلسفة والتأريخ من نظام فكري واحد" «١٩٦» .
وهذا الجانب قد مثلته الفكرة التي وصف بها هذا الكتاب من حيث ربط الفلسفة بالتأريخ.
стр. 227
هذه هي الفكرة النوعية التي أضفاها المقدسي على كتابة التأريخ ومنه على كتابة السيرة التي عدّت كما لا حظنا آنفا تجربة رائدة في مجال التدوين التاريخي انعكست آثارها على معالجة مفردات السيرة وطريقة عرضها وأسلوب طرحها.
٢. تخصيص مبحث مستقل من قسم السيرة الذي تضمنه هذا الكتاب للحديث عن بعض الأحكام المهمة والحيوية التي شرعها الرسول ﵌ في حياته وعلة تشريعها «١٩٧» ، إذ علل قيامه بهذا الأمر بالقول: " إعلم أن أصول شريعة الإسلام مأخوذة من الكتاب والسنة وهي مشهورة معروفة يغني القرآن والسنة عند تعدادها وتكلف القول بتكرارها لأن فقهاء الأمة قد قاموا بتدوينها واجتهدوا في تأويلها ... غير أنا لم نستجز إخلاء هذا الكتاب عما يلائمه من ذلك لئلا يكون من طريق العجز ذكر شرائع أهل الأديان والسكون عن شريعتنا وهي لمن أشرف الشرائع وأعلى المراتب" «١٩٨» .
لم يكتف المقدسي بذكر هذه الشرائع التي سنها الرسول ﵌ بل تعدادها إلى تبيان علة تشريعها والهدف من إيجادها، إذ تناول في الحديث الطهارة والعلة التي من أجلها شرعت مع اتصاف المسلمين بها «١٩٩» ، كذلك استعرض أحكام التيمم بالتراب عوضا عن الماء والغاية التي جعلت التيمم مقصورا عليه دون غيره «٢٠٠» ، وبين علة تحريم الميتة والدم لكراهة النفس ونفار الطبع لذلك وإجماع
стр. 228
أهل الأرض على نجاستهما «٢٠١» ، وغير ذلك من علل الشرائع التي سنها نبينا محمد ﵌ «٢٠٢» .
يختم المقدسي استعراضه لعلل هذه الأحكام بالقول: " فهذه الأشياء مما يعيبها أهل الإلحاد ففيها من الحكمة ما لا يعلمها إلا الله تعالى" «٢٠٣» .
قدم المقدسي بذكره لهذه الأمور نقلة نوعية في كتابة السيرة وذلك باستعراضه جوانب لم يلتفت إليها أقرانه من الذين سبقوه عند استعراضهم لسيرة الرسول ﵌ في مصنفاتهم المختلفة، وهذا الجانب قد أفرد له أحد العلماء مصنفا مستقلا بين فيه معظم إن لم نقل كل الأحكام والغايات التي من أجلها شرعت ووضعت تعاليم ديننا الإسلامي، وقد بيّنت قناعته الشخصية في هذه العلل ومسبباتها التي من أجلها شرعت «٢٠٤» .
شكل نهج المقدسي لهذا الأمر حافزا للذين تأخروا عنه على السير في ضوء إيراده الأحكام التي شرعها الرسول ﵌ ولكن دون تبيان الغاية أو العلة التي من أجلها شرعت «٢٠٥» ، وإن لم يشيروا ضمنا إلى من اعتمدوا عليه وقلدوه في هذا المنحى.
стр. 229
٣. انفراده بروايات لم يذكرها غيره من المؤرخين الذين وصلت كتبهم إلينا التي عرضت سيرة الرسول ﵌، إذ أورد أسماء الجن الذين أسلموا على يد الرسول ﵌ بعدما سمعوا قراءة الرسول ﵌ للقرآن «٢٠٦» ، كذلك أورد المقدسي أيضا كلاما لأبليس في دار الندوة حول اغتيال الرسول ﵌ وهدر دمه بين القبائل وقول الشعر في ذلك «٢٠٧» ، مع تبيانه إمكانية حصول هذا الأمر وعدم مخالفته للعادة، إذ يقول في ذلك: " وكلام إبليس غير عجيب لأنه قد يقال لمن عمل لعمل إبليس هذا إبليس وكذلك لمن تكلم كلام إبليس يوسوس إبليس بمثله وقد سمى الله من اقتدى الشيطان شيطانا فقال وإذا خلو إلى شياطينهم وإبليس شيطان" «٢٠٨» .
فضلا عن ذلك فقد أورد نصوصا شعرية لمحمد بن إسحاق لم ترد في المصنفات التي اعتمدت على سيرته مثل شعر أبي طالب في مبعث الرسول ﵌ وتباشيره به «٢٠٩» ، وشعر ورقة بن نوفل في مدح الرسول ﵌ «٢١٠» ، مع إثباته أبياتا شعرية ورد فيها من الفحش «٢١١» تورع غيره في ذكرها «٢١٢» ، إلى غير ذلك من النصوص الشعرية التي وردت عنده ولم ترد عند غيره أو لم تثبتها
стр. 230
من النصوص الشعرية التي وردت عنده ولم ترد عند غيره أو لم تثبتها المصادر التي قبله «٢١٣» .
هذه هي الجوانب التي امتازت بها السيرة التي تضمنها كتاب البدء والتأريخ والتي بينت تأثر المقدسي في طرحها بما نهجه المتكلمون والفلاسفة وذلك باستعمال أساليبهم في كتابة تأريخه هذا مع شمولية السيرة النبوية التي حواها هذا الكتاب لتلك الأساليب.
٦. المنتظم في أخبار الملوك والأمم لعبد الرحمن بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) *:
أسهم ابن الجوزي في تطور كتابة السيرة النبوية ضمن كتب التأريخ العام مع اسهامه السابق في تطورها ضمن كتب السيرة المستقلة «٢١٤» ، إذ خصص في كتابه المنتظم حيزا كبيرا لسيرة الرسول ﵌ «٢١٥» ، وهذا الحيز الكبير قد أطلق لابن الجوزي العنان بالتحرك بحرية وتنسيق أحداث السيرة وتوابعها.
وقبل البدء بعرض هذه الإسهامات التي أضفاها ابن الجوزي على كتابة السيرة النبوية ضمن كتب التأريخ العام يجب إعطاء صورة واضحة عن عناصر الشبه والاختلاف- إن وجدت- في ما عرضه ابن الجوزي في كل من كتابيه
стр. 231
[الوفا بأحوال المصطفى] و [المنتظم في أخبار الملوك والأمم] عن سيرة الرسول ﵌ وأحواله، وبعبارة أدق عقد مقارنة بين منهجي ابن الجوزي في كل من كتابيه هذين عند ذكره لسيرة الرسول ﵌ فيهما، وذلك أن استعراض هذه العناصر من الفائدة بمكان، إذ إنها تعطينا صورة واضحة وشاملة للمنهج الذي أتبعه ابن الجوزي في كتابة السيرة بعامة، مما يدل على أن السيرة النبوية قد وضعت في قوالب متعددة ليست بالضرورة تقع ضمن عنوانات أو اتجاهات واحدة في الكتابة، كأن تكون ضمن التأريخ العام، كما فعل المسعودي في كتابيه: [مروج الذهب] و [التنبيه والأشراف] «٢١٦» ، أو تكون عرضا لجوانب وتركا لأخرى من السيرة؛ على فرض أن المؤلف قد تناولها في مصنف آخر اختلف فيه المنحى الذي كتب فيه بدعوى الاختصار وعدم التكرار في إيراد الحوادث، وهذا ما مثله ابن عبد البر في كتابيه: [الاستيعاب في معرفة الأصحاب] و [الدرر في اختصار المغازي والسير] «٢١٧» ، اللذين كان الأول منهما في التراجم والطبقات، والاخر في كتب السيرة والمغازي المستقلة، مع العلم أن هذا الجانب هو سمة تطورية بحد ذاته في كتابة السيرة من حيث تشعب إيرادها في كتب عدة لمصنف واحد، وهذا ما ممثله ابن الجوزي بحذافيره حين أورد سيرة الرسول ﵌ في أكثر من مصنف من مصنفاته «٢١٨» ، وهذه العناصر هي:
стр. 232
١. استعمل ابن الجوزي المنهج الحولي في كتابه هذا عند عرضه لحياة الرسول ﵌ من مولده إلى وفاته «٢١٩» ، أما في كتابه الوفا فقد استعمل المنهج الموضوعي، كما أشارت إلى ذلك أبواب كتابه التي عرضها في مقدمته «٢٢٠» .
كانت طبيعة هذين الكتابين هي السبب الذي دعا ابن الجوزي إلى انتهاج هذين المنهجين المختلفين في كل منهما، فالمنتظم تأريخ مكتوب على وفق استعراض الحوادث التي حصلت على مدار واسع من الزمن ابتداء من عصر الخليقة وانتهاء بحوادث عصر المؤلف، أما الوفا فهو كتاب قد أعطى ابن الجوزي فيه بعدا كبيرا للجوانب الروحية والنفسية والحياتية لشخصية الرسول ﵌ من مولده حتى وفاته، ولذلك أصبح استعمال المنهج الموضوعي أمرا لا مفر منه، وذلك لصعوبة إيجاد توافق بين هذه الجوانب والسنوات التي حصلت فيها أفعال أو موقف من الرسول ﵌.
٢. أفاض ابن الجوزي في ذكر النصوص الشعرية التي قيلت في الحوادث من دون إهمال هذه النصوص أو التقليل من أبياتها «٢٢١» ، أما كتابه الوفا فقد خلا تماما من أي نص شعري سوى بعض الاراجيز التي تعدّ على أصابع اليد «٢٢٢» ، بل ان هذه المواطن التي أورد فيها بعض النصوص الشعرية قد أخذ منها محل الشاهد من القصيدة من دون إيراد أبيات أخرى منها.
стр. 233
٣. استعمال الإسناد في إيراد الروايات التي أثبتها عن سيرة الرسول ﵌ «٢٢٣» ، مع العلم أن هذا المسلك في إيراد الروايات لم يتبعه في كتابه الوفا الذي أغفل تماما ذكر أي طريق من طرق الإسناد، إذ بين سبب ذلك بالقول: " ولا أطرق الأحاديث خوفا على السامع من الملالة" «٢٢٤» ، ولا أعرف الدافع الذي حفز على التناقض في انتهاج هذين المسلكين، مع العلم أنه قد أشار في كتابه الوفا إلى المصادر التي نقل منها معظم مروياته «٢٢٥» .
٤. تعليقه على الروايات التي استعرضها في مواطن كثيرة من ضمن قسم السيرة في كتابه المنتظم «٢٢٦» ، أما كتابه الاخر فقد كانت آراؤه وانتقاداته وتعقيباته على الروايات لم تتعد أصابع اليد الواحدة «٢٢٧» ، وذلك مما حدا محققه على أن يصفه بالقول: " يندرج في هذا الكتاب تحت عنوان النقل والأثر فليس من تحليل ولا استدلال" «٢٢٨» .
٥. الإكثار في إيراد أسماء المشتركين في الحوادث الكبرى وذلك على وفق التسلسل الأبجدي للحروف «٢٢٩» ، وإيراد أسماء الأعلام الذين يتوفون في كل سنة من السنوات التي عاشها الرسول ﵌ ولا سيما السنوات التي تلت هجرته
стр. 234
إلى المدينة «٢٣٠» ، وهذا ما أغنى الكتاب وجعله زاخرا بقوائم متعددة للأعلام. أما في كتابه الاخر فكانت أسماء الأعلام المشتركين في الحوادث الواردة في الكتاب من الندرة بمكان إذ لا نجد في الحوادث التي أوردها ابن الجوزي أسماء المشتركين فيها أو الذين حضروها أو الذين كانت لهم يد في حصولها «٢٣١» .
هذه هي العناصر التي تمخضت عنها المقارنة التي أجريناها بين ما كتبه ابن الجوزي عن سيرة الرسول ﵌ في كتابيه [المنتظم، الوفا] ، والتي تبين لنا الاختلاف الجذري والعميق في الأساليب التي إنتهجها ابن الجوزي في كتابيه آنفي الذكر، مع العلم أننا نستطيع القول بعد إجراء هذه المقارنة إن كلا من هذين الكتابين متمم للاخر من حيث عرض سيرة الرسول ﵌ في كل منهما؛ حيث حوى كل واحد منهما معلومات لم ترد في الاخر مما يجعل عملية الدمج بينهما أمرا سهل المنال وذلك بجمعهما في مصنف واحد شمولي يكون جامعا للمعلومات التي وردت مفرقة في الكتابين.
أعطى ابن الجوزي لكتابة السيرة نقلة نوعية ضمن كتب التأريخ العام بخاصة، وكتب السيرة بعامة، وذلك للإضافات التي أكسبها لها في كتابه هذا والتي تمثلت ب: -
١. تقسيم حوادث السيرة على ثلاثة أقسام «٢٣٢» : - أ. مرحلة المولد.
стр. 235
ب. مرحلة المبعث.
ج. مرحلة الوفاة.
وهذا التقسيم لحوادث السيرة عدّه أحد الباحثين فريدا في بابه ولم يسبقه أحد في ذلك من المؤرخين، بل كان هو صاحب السبق والريادة «٢٣٣» ، إذ عدّ ابن الجوزي حادثة مولد الرسول ﵌ المحور الذي تدور حوله بقية الحوادث التي تليها «٢٣٤» .
هذا هو المنحى الذي سلكه ابن الجوزي في عرضه حوادث السيرة، مع العلم أن منحاه هذا قد سبقه فيه المسعودي ولكن بصورة مختلفة عن التي عرضها ابن الجوزي، إذ قسم المسعودي حوادث السيرة إلى تقسيم ابن الجوزي نفسه ولكن باطلاق لفظ جوامع المولد أو جوامع الهجرة ... الخ من الحوادث «٢٣٥» ، ولكن يبقى المنحى الذي سلكه ابن الجوزي أكثر اتزانا وشمولية من المنحى الذي سلكه المسعودي في تقسيمه لمراحل السيرة الذي أمتاز تقسيمه بالعشوائية والاضطراب وعدم التناسق في عرض الحوادث من حيث أسبقيتها الزمنية وتداخل بعض الحوادث ببعضها، وذلك عند استعراضنا لإسهامات المسعودي في تطور كتابة السيرة النبوية في كتب التأريخ العام ضمن كتابه مروج الذهب «٢٣٦» .
стр. 236
٢. الاهتمام بإيراد أسماء الأعلام الذين يتوفون في كل سنة من سنوات الهجرة «٢٣٧» ، وهذه ظاهرة لم نلمسها في أي كتاب من الكتب التي سبقت ابن الجوزي عند استعراضها لسيرة الرسول ﵌ ضمن كتب التأريخ العام، وهذا ما يبين حصول امتزاج بين كتب التراجم وكتب التأريخ العام في مصنف ابن الجوزي هذا.
سار على هذا المنوال كثير من المؤرخين الذين أتوا بعد ابن الجوزي، إذ استحسنوا عمله هذا في ذكر أسماء الأعلام الذين يتوفون في كل سنة من السنوات التي تعرضها كتبهم «٢٣٨» .
٣. كتب ابن الجوزي قوائم بأسماء المشاركين في الحوادث على وفق التسلسل الأبجدي «٢٣٩» ، إلا في حالة واحدة وهي أسماء المشاركين في معركة بدر من الطرفين «٢٤٠» ، إذ كتبه على المنحى القديم المتمثل في المصنفات التي عرضت أسماء هؤلاء على وفق انتماء اتهم القبلية وليس على وفق الحروف الأبجدية لأسمائهم «٢٤١» .
стр. 237
ويعدّ هذا الأمر تقليصا للموروث القبلي، أو الطابع الإفتخاري للقبائل حين عرض أسماء المنتسبين إلى القبائل من المشاركين في حوادث السيرة النبوية ولاسيما المشاركون الى جانب الرسول الأكرم، وإن ابن الجوزي بقيامه بهذا المنحى أراد سلخ هذا الطابع الموروث عند القبائل عن المصنفين الذين عرضوا أسماء أعلامها.
هذه هي المميزات التي أضفاها ابن الجوزي على كتابة السيرة والتي جعلته أحد المؤرخين الذين أسهموا في تطور كتابة السيرة النبوية؛ وقد اختزل ابن الجوزي هذا الجهد الذي بذله في كتابه [المنتظم] بمصنف صغير أسماه [شذور العقود في تأريخ العقود] افتتحه قائلا: " واني لما جمعت كتابي الجامع لنكت التواريخ المسمى ب [المنتظم في تأريخ الملوك والأمم] رأيته قد طال، مع اجتهادي في اختصاره فاثرت أن أجتني في هذا الكتاب من أعيان عيونه وأجتبي كلف التنقي من أفنان فنونه ما يكون في المثل كواسطة العقد وبيت القصيد والله الموفق" «٢٤٢» .
وجعل ابن الجوزي في مختصره هذا السيرة النبوية في صفحات قليلة «٢٤٣» ، وقد اتبع فيه الأسلوب نفسه الذي اتبعه في مفصله [المنتظم] إذ قسم السيرة على ثلاث مراحل «٢٤٤» ، ولم ينس التعرض إلى من توفي في هذه السنوات من
стр. 238
الأعلام وإن لم يستعرض جميع من ذكرهم في المنتظم «٢٤٥» ؛ وحذف سلاسل الإسناد وقوائم أسماء المشاركين في الحوادث أيضا «٢٤٦» .
إن هذه القدرة على ضغط الصفحات الواسعة التي شغلتها سيرة الرسول الأكرم ﵌ في كتاب المنتظم «٢٤٧» إلى صفحات لم تتعد أصابع اليد الواحدة تبين لنا قدرة ابن الجوزي الفائقة على الاختزال، وهذا الأمر راجع إلى تجاربه المتكررة في تدوين سيرة الرسول ﵌ في مصنفاته المتعددة «٢٤٨» .
إن هذا المنحى من قبل مصنفي التأريخ العام في اختصار معظم مصنفاتهم الكبيرة بمصنفات أصغر منها له ما يعلله إذ يشير أحد الباحثين إلى: " أن حاجة الأمراء والعلماء إلى معلومات سريعة يضيق وقتهم عن أوسع منها وتقل حاجتهم إلى أكثر منها ثم ظهور المختصرات في العلوم الأخرى ثم داعي الهرب والتخلص من نسخ المجلدات الواسعة والصعوبة العملية في اقتناء وفي نقل المجلدات الضخمة التي هي في الوقت نفسه غالية الثمن وقلما يهتم بها إلا المتخصصون الهواة، كل ذلك أوجد المختصرات في التواريخ العامة أو للتأريخ الإسلامي" «٢٤٩» .
стр. 239
هذه هي المصنفات التي وصلت إلينا، والتي لمسنا فيها تجديدا وتطورا في كتابة السيرة النبوية ضمن كتب التأريخ العام، علما أن هناك مصنفات أخرى قد كتبت في هذا الجانب، ولكنها كانت تقليدية وغير ذات تجديد أو تطوير في جانب من الجوانب، وإن كان بعض المصنفات التي تم عرضها قد سارت على نمط سابقاتها، ولكننا لمسنا فيها أسلوبا أكثر تطورا من سابقاتها؛ مع تأكيد ظاهرة مهمة هي أن هذه الجوانب التي لمسناها بدأت تأخذ بالتضاؤل شيئا فشيئا كلما ابتعدنا عن المصنفات الأقدم ولا سيما بعد منتصف القرن الرابع الهجري حيث ان الكتب التي عرضت سيرة الرسول ﵌ ضمن كتب التأريخ العام قد شخصنا فيها هذا التضاؤل، وذلك لأن المصنفين الذين سبقوهم قد استترفوا الإمكانيات والمناهج التي وظفت للكتابة في هذا المسعى؛ لذا نرى أن المتأخرين قد وجدوا الأوائل لم يتركوا لهم شيئا يقولونه في هذا الأمر.
أما بالنسبة إلى مصنفات التأريخ العام التي وصلت إلينا ضمن المدة قيد الدراسة والتي لمسنا فيها جانب التكرار والتقليد ومتابعة أنماط وأساليب المصنفات التي سبقتها فهي:
١. التأريخ العظيمي لأبي عبد الله محمد بن علي التنوخي (كان حيا سنة ٥٣٨ هـ) :
خصص العظيمي قسما من كتابه هذا للحديث عن سيرة الرسول ﵌ باختصار وإيجاز «٢٥٠» ، وهذه السيرة وجدناها تطابق في منحاها العام ما كتبه
стр. 240
اليعقوبي عن السيرة في كتابه التأريخ حين أورد الطوالع الفلكية في الحوادث الكبرى والمهمة في سيرة الرسول ﵌ مثل حادثة المولد والمبعث والهجرة «٢٥١» ، ولم يقتصر العظيمي على الاقتداء بالعيقوبي فقط بل اقتدى أيضا بالمسعودي وابن عبد البر حين أورد ثبتا بأسماء المصادر التي اقتبس منها نصوصه والرواة الذين اعتمد عليهم في رواياتهم «٢٥٢» ، أما المناحي الأخرى في إيراد روايات السيرة فقد أتفق فيها مع مسلك معظم كتب التأريخ العام في عرض الروايات «٢٥٣» .
٢. الكامل في التأريخ لأبي الحسن علي بن أبي الكرم المعروف بابن الأثير الجزري (ت ٦٣٠ هـ) *:
كتب ابن الأثير هذا الكتاب معتمدا فيه على ما كتبه الطبري في كتابه التأريخ، وذلك من بدايته إلى حوادث السنة (٣٠٢ هـ) «٢٥٤» ، إذ يبين هذا الأمر في مقدمته التي افتتح بها كتابه هذا والتي مفادها: " انني قد جمعت في كتابي هذا ما يجتمع في كتاب واحد ... فأبتدأت بالتأريخ الكبير الذي صنفه الإمام أبو جعفر الطبري إذ هو المعول عند الكافة عليه والمرجوع عند الاختلاف إليه فأخذت ما فيه من جميع تراجمه ولم أخل بترجمة واحدة منها" «٢٥٥» .
стр. 241
ومن إجراء المقارنة بين ما كتبه الطبري عن سيرة الرسول ﵌ «٢٥٦» ، وما كتبه ابن الأثير في ذلك «٢٥٧» ، سنجد أن الأخير قد حذا حذو الأول باستعراضه سيرة الرسول ﵌، باستثناء اقتصاره في الحديث على رفع الروايات المتناظرة في المعنى والفحوى كما أشار إلى ذلك في مقدمة كتابه هذا «٢٥٨» ، وكتابته الحوادث بتسلسل وعدم قطع الحادثة لاستمرار حصولها في سنة ثانية كما فعل الطبري في ذلك «٢٥٩» .
وفي ختام عرضنا لهذا لكتاب يتبين لنا أنه كان أشبه بصورة مختزلة لكتاب [تأريخ الرسل والملوك] للطبري، وبه ننتهي من عرض المناحي التطورية لكتابة السيرة النبوية ضمن كتاب التأريخ العام.
стр. 242
المبحث الثاني السيرة النبوية المدمجة ضمن كتب الطبقات والتراجم
مدخل:
قبل البدء بالحديث عن هذا التطور في كتابة السيرة النبوية، وذلك بإدخالها في كتب الطبقات والتراجم، نرى من الضروري التعرض إلى معرفة مدلولي الطبقات والتراجم، وذلك بإعطاء لمحة موجزة عن معانيهما ونشأة الكتابة فيهما والمؤثرات التي أثرت في ظهور هما.
دل مصطلح الطبقة على معان عدة، والذي يهمنا منها هو ما دل على أن (الطبقة) هي الجماعة من الناس الذين يعدلون جماعة مثلهم «١» .
تناول أحد الباحثين هذا المدلول من حيث نشأته وتطوره واستعمالاته في المصنفات التي ترجمت لأعلام المسلمين «٢» ، وبحث آخر استعمالات هذا المدلول ومدى عمق جذوره عند المسلمين فخرج بنتيجة مفادها: " وتقسيم الطبقات إسلاميا أصيل فقد يبدو أنه أقدم تقسيم زمني وجد في التفكير التأريخي الإسلامي وليس له أية علاقة بالأصل بطريقة الترتيب تبعا للسنين التي كانت مألوفة في تقاليد التراجم الأغريقية ... إن تقسيم الطبقات هو نتيجة طبيعية لفكرة (صحابة الرسول) والتي تطورت في أوائل القرن الثاني الهجري للارتباط
стр. 243
مع نقد علم الحديث للإسناد ... ومما يؤيد الصلة بين تقسيم الطبقات وعلم الحديث هو اقتصار استعمالها على التراجم، فقد استعمل ترتيب الطبقات في أول الأمر ... ثم أصبح بالإمكان استعمالها في تصنيف أنواع الرجال خاصة العلماء ثم استعملت على مر الزمن بشكل غير ملائم بتصنيف الأحداث" «٣» .
من هذه النتيجة التي توصل إليها روز نثال نجد أن مصطلح الطبقة قد مر بمراحل عدة من الاستعمال في المصنفات التي عرضت تراجم الصحابة والرواة والمحدثين وغيرهم من الأعلام. أما لفظة التراجم فهي كلمة معربة دخيلة وتأريخ دخولها إلى الاستعمال في كتب التراجم فيرجح أنه جرى في أوائل القرن السابع الهجري، في حين انهم كانوا يستعملون لفظة التأريخ في عنوانات كتبهم بدلا من التراجم وذلك في القرون الأولى «٤» .
وفن التراجم هو الذي يتناول التعريف بحياة رجل أو أكثر، وهذا الفن على نوعين: ذاتي. والذاتي يتناول فيه الكاتب تأريخ حياته، وثانيهما ما يعرف فيه كاتب أحدا غيره. وفن التراجم قديم عند كثير من الأمم وقد أزدهر ازدهارا عظيما عند المسلمين منذ العصور الإسلامية الأولى، وكانت سيرة الرسول ﵌ من أوائل ما عني به المؤرخون المسلمون منذ نهاية القرن الهجري الأول، وقد ظهرت لديهم كتب في التراجم تعرف بالاخرين «٥» ، وهي الكتب
стр. 244
التي تعرض حياة الأشخاص كالرواة والمحدثين وغيرهم على وفق تسلسل أبجدي «٦» .
ونلمس عند أحد الباحثين إيضاحا لما يتداخل بين هذين المصطلحين من معنى مع إعطائه مقياسا للتفرقة بين كتب الطبقات والتراجم، إذ يقول: " وليس هناك فروق بين كتب الطبقات عموما سوى الترتيب، فبينما الأولى رتبت ترتيبا زمنيا طبقة فطبقة، نجد أن كتب التراجم رتبت حسب الألفباء في الأغلب الأعم" «٧» .
كان وراء هذا الاتجاه في الكتابة عند المسلمين [كتابة الطبقات والتراجم] عاملان أساسيان هما:
١. كتابة السيرة والمغازي النبوية، إذ أدى الاهتمام بهما إلى ظهور الحاجة الى جمع المعلومات لمن يرد ذكره من صحابة الرسول ﵌ أثناء عرض سيرته الشريفة، ومتابعة حياة هؤلاء الصحابة (رض) ودورهم في أحداث عصرهم وإسهاماتهم المعرفية والفكرية في نقل السنة ومبادئ الإسلام وتعاليمه للجيل الذي تلاهم، ومن ثم تصنيفهم على وفق أسبقيات معينة كالسبق إلى الإسلام، أو درجة القرابة من الرسول ﵌، أو بحسب دخولهم البلدان واستيطانهم فيها وغير ذلك مما يجمع الأشخاص في صفة معينة مشتركة تصلح أداة في التقسيم «٨»
стр. 245
٢. تطور ونمو علم الحديث، إذ بمجرد أن مرت القرون على الإسلام متمثلة بعصر الرسالة والعصر الراشدي والأموي والعباسي وما رافق هذه العصور من حوادث وأمور وفرق ومذاهب واتجاهات فكرية، أدت هذه الأمور مجتمعة إلى ظهور حركة الوضع في الحديث النبوي فضلا عن أن بواعث البحث والتمحيص في مسائل التفسير والحديث والنحو هي التي حدت العلماء على تدوين سير الرواة والنظر في أسانيدهم وتراجمهم وأحوالهم حتى أصبح من شروط الاجتهاد في الفقه والتفسير معرفة الأخبار بمتونها وأسانيدها والإحاطة بأحوال النقلة والتحقق من سنوات ولادتهم ووفاتهم واعتماد بعضهم على بعض في الرواية، ومن ثم معرفة مدى صدقهم والطعن الذي وجه إليهم، الأمر الذي أدى إلى ظهور علم الجرح والتعديل الذي اختص بالبحث عن الرواة من حيث ما ورد من شأنهم بما يشينهم أو يمدحهم أو يزكيهم فضلا عن ذكر نماذج من مروياتهم، هذه الأسباب مجتمعة جعلت العلماء يقسمون رواة كل فن إلى طبقات، فنجد من ذلك التراجم للعلماء والأدباء والفقهاء والنحاة والمفسرين والصوفية وغيرهم «٩» .
هذه لمحة بسيطة وموجزة عن العوامل والمؤثرات التي أدت إلى ظهور هذه المصنفات في التراث الفكري العربي الإسلامي والتي بينت لنا الاتساع والتطور الذي أحدثه المسلمون في مجال الكتابة العلمية المنهجية ذات البعد الحضاري العميق للإسلام ولرجالاته.
стр. 246
كانت هذه المصنفات ذات تنوع في طريقة العرض، ولأجل هذا التنوع أفردنا كل قسم منها على حدة للتركيز في هذه الفكرة وعدم التشتت في إعطاء النتائج المتمخضة عن دراسة هذه المصنفات والاراء التي قيلت فيها:
أولا: كتب الطبقات:
شملت هذه الكتب مصنفات عدة اختلفت بينها من حيث الأشخاص الذين ترجمت لهم في طياتها والذين تشابهوا واشتركوا بصفة معينة أو أكثر لذا سميت هذه المصنفات ب [كتب الطبقات] ، وأقدم من صنف في هذا المجال من العلماء المسلمين هو الهيثم بن عدي (ت ٢٠٦ هـ) *، إذ صنف كتابين: الأول أسماء (طبقات من روى عن النبي ﵌ من الصحابة) ، والثاني (تسمية الفقهاء والمحدثين) «١٠» ، وشاركه في التصنيف محمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٤ هـ) في كتابه الذي أسماه (الطبقات) «١١» ، وقد بقيت نصوص من هذا الكتاب عند تلميذه ابن سعد في كتابه الطبقات «١٢» .
وقد وصل إلينا قسم من هذه المصنفات، وقد تنوع فيها الحيز الذي شغلته سيرة الرسول ﵌ من حيث عدد الأوراق، ومع اختلاف بيّن في الأسلوب الذي كتبت فيه هذه المصنفات، وهي بحسب الترتيب التأريخي لها:
стр. 247
١. الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد (ت ٢٣٠ هـ) :
هو محمد بن سعد بن منيع الزهري الهاشمي البصري، ولد في البصرة سنة (١١٨ هـ) ، ثم انتقل إلى بغداد ولازم دار شيخه محمد بن عمر الواقدي، وسمع منه معظم كتبه ودونها عنه حتى أطلق عليه كاتب الواقدي، وقد نال ابن سعد مكانة سامية في نفوس العلماء وحصل على ثقتهم لدقته العلمية وحرصه الشديد على إتباع أساليب المحدثين في كتاباته ورواياته، وتوفي ابن سعد في بغداد سنة (٢٣٠ هـ) «١٣» .
خصص ابن سعد حيزا كبيرا من كتابه الطبقات لسيرة الرسول ﵌ وأحواله «١٤» حتى عدّت هذه السيرة التي تضمنها هذا الكتاب من الأصول المهمة لقدمها وقرب عهدها من عصر الرسالة «١٥» .
شكل هذا الحيز الكبير حافزا لابن سعد على تبني منهج جديد ومتطور يتناول فيه سيرة الرسول ﵌ بأسلوب مغاير لما ألفته مصنفات عصره، وهذا المنهج قد تمثل بجوانب عدة مهمة أسهمت في بلوغ السيرة مكانة بارزة بين المصنفات الأولى لسيرة الرسول ﵌ «١٦» ، وهذه الجوانب هي:
١. التقاء نشاط المحدثين والإخباريين والنسابة في كتابة سيرة الرسول ﵌، وانصهار تجاربهم في هذا المجال ضمن مصنف ابن سعد هذا «١٧» ، وما ذلك إلا لورود تراجم عديدة للذين شاركوا في حوادث السيرة أو الذين رووا أخبارها،
стр. 248
إذ وصف أحد الباحثين هذا العامل في كتابه الطبقات، بأنه: " محور وفلسفة جديدة تدل على معيار الشمولية في فهم التأريخ" «١٨» .
علل الدوري منحى ابن سعد هذا بأنه أراد تسليط الضوء على تراجم مصنفي كتب الأيام والمغازي والفتوح ومساعدة المحدثين في تحقيق أسانيد الروايات التي ترد إليهم بتقسيم طبقات المحدثين على وفق مدنهم، مما يتبين أن دراسة الحديث في التأريخ قد أخذت في البروز تدريجيا عند العلماء «١٩» .
أراد ابن سعد من وضعه ترجمة موسعة للرسول ﵌ في بداية كتابه هذا لتبيان علاقة الرسول ﵌ بصحابته وأثر هؤلاء في أحداث عصرهم، ومن ثم التعرف إلى من سار على منوالهم من الذين تتلمذوا عليهم وسمعوا منهم، وجعل سير هؤلاء مجتمعة مقياسا تعرف به عدالة وثقة كل راو منهم، وإلا فبماذا نعلل ورود تلك القوائم الهائلة من الأعلام على وفق البلدان وأسماء الصحابة الذين نزلوا في تلك البلدان وأسماء من رووا عنهم من الناس «٢٠» ؛ غير تعرف الخبر الصادق من الخبر الكاذب الذي رواه الرواة وذلك بالاطلاع على علاقة الصحابة واتصالهم بجمهور المسلمين ومعرفة من روى عنهم، لتكون السيرة التي شملها هذا الكتاب العامل المباشر في ظهور تلك التراجم بأسماء الصحابة ومن تلاهم.
стр. 249
٢. تخصيص فصول مستقلة للجوانب الشخصية من حياة الرسول الكريم ﵌، مثل أسمائه وكنيته «٢١» ، ومقتنياته الخاصة «٢٢» ، فضلا عن عرض الجوانب الروحية لهذه الشخصية المباركة، مثل دلائل نبوته والمعاجز التي بدرت منه فضلا عن ذكر فضائله والسمات التي أتصف بها «٢٣» .
كانت هذه الجوانب التي ذكرها في كتابه هذا مجرد روايات متناثرة هنا وهناك متباعدة في بطون الكتب التي تعرض سيرة الرسول ﵌ قبل ابن سعد، ولا سيما عند شيخه الواقدي «٢٤» ، ولأجل ذلك عدّ عمله هذا من قبل بعض الباحثين الركيزة الأولى التي وضعت لنشوء المصنفات التي كتبت عن دلائل وأعلام النبوة، وشمائل وأخلاق النبي «٢٥» ، فهو بهذا الأمر قد وضع الخطوط الأخيرة لهيكل السيرة، إذ ذهب أبعد من سابقيه في تنظيم مادته وتبويبها، وفي إعطاء مجموعة أو فى من الوثائق مع إفراد أبواب منفصلة ومتعددة لم تكن معروفة سابقا، مما حدا التواريخ التي تعرض سيرة الرسول ﵌ بعده على أن تتبع الخطة نفسها التي سار عليها ابن سعد في إثبات معلوماته «٢٦» .
٣. التركيز في حوادث عصر الرسالة وتفاصيلها عند عرضه حياة الرسول ﵌، وجعل أسبقيات الحوادث على وفق أهميتها، وهذا ما يفسر لنا
стр. 250
تقديمه الحديث عن بعض الحوادث التي حصلت في السنوات الأخيرة من حياة الرسول ﵌ على أخرى حصلت قبلها بسنوات عدة «٢٧» ، والذي سهل عمله هذا وجعل ترابط الحوادث عنده غير مبعثر هو انتهاجه المنهج الموضوعي في عرض الحوادث من دون البحث عن أسبقية كل حادثة عن أخرى.
علل أحد الباحثين منحى ابن سعد هذا بالقول: " أنه جعل معلوماته متسلسلة تأريخيا بعض الأحيان وفي أحيان أخرى دأب على تقديم هيكل عام للحدث التأريخي" «٢٨» .
٤. الاستفادة من تجارب شيخه الواقدي في تدوين وكتابة حوادث السيرة «٢٩» ، إذ انصهرت معظم مصنفات شيخه في كتابه، وهذا ما بينته كثرة النقول من الواقدي في كتاب ابن سعد هذا «٣٠» .
فضلا عن ذلك فقد أكدت المصادر التي ترجمت لابن سعد صحة هذا الاحتمال، إذ عدّته أحد الأشخاص الأربعة الذين اجتمعت كتب الواقدي عندهم «٣١» .