كانت هذه المصنفات ذات تنوع في طريقة العرض، ولأجل هذا التنوع أفردنا كل قسم منها على حدة للتركيز في هذه الفكرة وعدم التشتت في إعطاء النتائج المتمخضة عن دراسة هذه المصنفات والاراء التي قيلت فيها:
أولا: كتب الطبقات:
شملت هذه الكتب مصنفات عدة اختلفت بينها من حيث الأشخاص الذين ترجمت لهم في طياتها والذين تشابهوا واشتركوا بصفة معينة أو أكثر لذا سميت هذه المصنفات ب [كتب الطبقات] ، وأقدم من صنف في هذا المجال من العلماء المسلمين هو الهيثم بن عدي (ت ٢٠٦ هـ) *، إذ صنف كتابين: الأول أسماء (طبقات من روى عن النبي ﵌ من الصحابة) ، والثاني (تسمية الفقهاء والمحدثين) «١٠» ، وشاركه في التصنيف محمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٤ هـ) في كتابه الذي أسماه (الطبقات) «١١» ، وقد بقيت نصوص من هذا الكتاب عند تلميذه ابن سعد في كتابه الطبقات «١٢» .
وقد وصل إلينا قسم من هذه المصنفات، وقد تنوع فيها الحيز الذي شغلته سيرة الرسول ﵌ من حيث عدد الأوراق، ومع اختلاف بيّن في الأسلوب الذي كتبت فيه هذه المصنفات، وهي بحسب الترتيب التأريخي لها:
стр. 247
١. الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد (ت ٢٣٠ هـ) :
هو محمد بن سعد بن منيع الزهري الهاشمي البصري، ولد في البصرة سنة (١١٨ هـ) ، ثم انتقل إلى بغداد ولازم دار شيخه محمد بن عمر الواقدي، وسمع منه معظم كتبه ودونها عنه حتى أطلق عليه كاتب الواقدي، وقد نال ابن سعد مكانة سامية في نفوس العلماء وحصل على ثقتهم لدقته العلمية وحرصه الشديد على إتباع أساليب المحدثين في كتاباته ورواياته، وتوفي ابن سعد في بغداد سنة (٢٣٠ هـ) «١٣» .
خصص ابن سعد حيزا كبيرا من كتابه الطبقات لسيرة الرسول ﵌ وأحواله «١٤» حتى عدّت هذه السيرة التي تضمنها هذا الكتاب من الأصول المهمة لقدمها وقرب عهدها من عصر الرسالة «١٥» .
شكل هذا الحيز الكبير حافزا لابن سعد على تبني منهج جديد ومتطور يتناول فيه سيرة الرسول ﵌ بأسلوب مغاير لما ألفته مصنفات عصره، وهذا المنهج قد تمثل بجوانب عدة مهمة أسهمت في بلوغ السيرة مكانة بارزة بين المصنفات الأولى لسيرة الرسول ﵌ «١٦» ، وهذه الجوانب هي:
١. التقاء نشاط المحدثين والإخباريين والنسابة في كتابة سيرة الرسول ﵌، وانصهار تجاربهم في هذا المجال ضمن مصنف ابن سعد هذا «١٧» ، وما ذلك إلا لورود تراجم عديدة للذين شاركوا في حوادث السيرة أو الذين رووا أخبارها،
стр. 248
إذ وصف أحد الباحثين هذا العامل في كتابه الطبقات، بأنه: " محور وفلسفة جديدة تدل على معيار الشمولية في فهم التأريخ" «١٨» .
علل الدوري منحى ابن سعد هذا بأنه أراد تسليط الضوء على تراجم مصنفي كتب الأيام والمغازي والفتوح ومساعدة المحدثين في تحقيق أسانيد الروايات التي ترد إليهم بتقسيم طبقات المحدثين على وفق مدنهم، مما يتبين أن دراسة الحديث في التأريخ قد أخذت في البروز تدريجيا عند العلماء «١٩» .
أراد ابن سعد من وضعه ترجمة موسعة للرسول ﵌ في بداية كتابه هذا لتبيان علاقة الرسول ﵌ بصحابته وأثر هؤلاء في أحداث عصرهم، ومن ثم التعرف إلى من سار على منوالهم من الذين تتلمذوا عليهم وسمعوا منهم، وجعل سير هؤلاء مجتمعة مقياسا تعرف به عدالة وثقة كل راو منهم، وإلا فبماذا نعلل ورود تلك القوائم الهائلة من الأعلام على وفق البلدان وأسماء الصحابة الذين نزلوا في تلك البلدان وأسماء من رووا عنهم من الناس «٢٠» ؛ غير تعرف الخبر الصادق من الخبر الكاذب الذي رواه الرواة وذلك بالاطلاع على علاقة الصحابة واتصالهم بجمهور المسلمين ومعرفة من روى عنهم، لتكون السيرة التي شملها هذا الكتاب العامل المباشر في ظهور تلك التراجم بأسماء الصحابة ومن تلاهم.
стр. 249
٢. تخصيص فصول مستقلة للجوانب الشخصية من حياة الرسول الكريم ﵌، مثل أسمائه وكنيته «٢١» ، ومقتنياته الخاصة «٢٢» ، فضلا عن عرض الجوانب الروحية لهذه الشخصية المباركة، مثل دلائل نبوته والمعاجز التي بدرت منه فضلا عن ذكر فضائله والسمات التي أتصف بها «٢٣» .
كانت هذه الجوانب التي ذكرها في كتابه هذا مجرد روايات متناثرة هنا وهناك متباعدة في بطون الكتب التي تعرض سيرة الرسول ﵌ قبل ابن سعد، ولا سيما عند شيخه الواقدي «٢٤» ، ولأجل ذلك عدّ عمله هذا من قبل بعض الباحثين الركيزة الأولى التي وضعت لنشوء المصنفات التي كتبت عن دلائل وأعلام النبوة، وشمائل وأخلاق النبي «٢٥» ، فهو بهذا الأمر قد وضع الخطوط الأخيرة لهيكل السيرة، إذ ذهب أبعد من سابقيه في تنظيم مادته وتبويبها، وفي إعطاء مجموعة أو فى من الوثائق مع إفراد أبواب منفصلة ومتعددة لم تكن معروفة سابقا، مما حدا التواريخ التي تعرض سيرة الرسول ﵌ بعده على أن تتبع الخطة نفسها التي سار عليها ابن سعد في إثبات معلوماته «٢٦» .
٣. التركيز في حوادث عصر الرسالة وتفاصيلها عند عرضه حياة الرسول ﵌، وجعل أسبقيات الحوادث على وفق أهميتها، وهذا ما يفسر لنا
стр. 250
تقديمه الحديث عن بعض الحوادث التي حصلت في السنوات الأخيرة من حياة الرسول ﵌ على أخرى حصلت قبلها بسنوات عدة «٢٧» ، والذي سهل عمله هذا وجعل ترابط الحوادث عنده غير مبعثر هو انتهاجه المنهج الموضوعي في عرض الحوادث من دون البحث عن أسبقية كل حادثة عن أخرى.
علل أحد الباحثين منحى ابن سعد هذا بالقول: " أنه جعل معلوماته متسلسلة تأريخيا بعض الأحيان وفي أحيان أخرى دأب على تقديم هيكل عام للحدث التأريخي" «٢٨» .
٤. الاستفادة من تجارب شيخه الواقدي في تدوين وكتابة حوادث السيرة «٢٩» ، إذ انصهرت معظم مصنفات شيخه في كتابه، وهذا ما بينته كثرة النقول من الواقدي في كتاب ابن سعد هذا «٣٠» .
فضلا عن ذلك فقد أكدت المصادر التي ترجمت لابن سعد صحة هذا الاحتمال، إذ عدّته أحد الأشخاص الأربعة الذين اجتمعت كتب الواقدي عندهم «٣١» .
стр. 251
أراد ابن سعد بعمله هذا أن يتمثل المصنفات التي أثارت على صاحبها شكوكا واتهامات كثيرة «٣٢» ، وذلك باخراجها في مصنف يحوي هذه الكتب ويطبق فيه قواعد المحدثين بصرامة شديدة ليتلافى بذلك الأخطاء التي وقع فيها شيخه من حيث تسهله في بعض الأخبار، حتى وصف لأجل ذلك بعبارات مناقضة لما وصف به شيخه الواقدي «٣٣» ، فمن هذه العبارات ما ذكره الخطيب البغدادي في ترجمته لمحمد بن سعد حين قال: " محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة، وحديثه يدل على صدقه، فإنه كان يتحرى في كثير من رواياته" «٣٤» .
أدت هذه الصرامة الشديدة من قبل ابن سعد في تطبيق قواعد المحدثين في الرواية وتقيده بالإسناد إلى أن جعل كتابه الطبقات بعامة، والسيرة منه بخاصة غفلا من الملاحظات والاراء الشخصية على ما يورده من حوادث وأسماء أشخاص شاركوا فيها أو رووها «٣٥» ، فكان ابن سعد لأجل ذلك مجرد جامع للأخبار وليس ناقدا لها «٣٦» .
كل هذه الأمور مجتمعة جعلت من السيرة التي ضمنها ابن سعد كتابه الطبقات محل إعجاب العلماء، وإعجاب الباحثين أيضا حينما جعلوها من
стр. 252
السير التي أسهمت إسهاما فاعلا في إرساء القواعد النهائية لما كتب بعدها عن سيرة الرسول ﵌ «٣٧» .
٢. الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر الأندلسى*:
خصص ابن عبد البر حديثه في هذا الكتاب- كما هو واضح في عنوانه- عن تراجم صحابة الرسول ﵌ ولكنه قدم قبل الحديث عنهم عرضا موجزا لحياة الرسول ﵌ «٣٨» ، إذ بين ذلك في مقدمته التي افتتح بها كتابه قائلا: " ونبدأ بذكر رسول الله ﵌، ونقتصر من خبره وسيرته على النكت التي يجب الوقوف عليها ولا يليق بذي علم جهلها وتحسن المذاكرة بها لتتسم الفائدة للعالم الراغب والمتعلم الطالب في التعرف بالمصحوب والمصاحب مختصرا ذلك أيضا مغنيا عما سواه كافيا" «٣٩» .
كانت السيرة التي حواها كتاب الاستيعاب بمثابة مدخل لكتابه عرض فيه سيرة الرسول ﵌، للتبرك بها وعدّها غاية عليا يطمح جميع المسلمين إلى الاستنان بها، إذ وضحت عبارته التي ختم بها ذكره لسيرة الرسول ﵌ هذا الأمر، إذ يقول: " وقد أكثر الناس في ذكر من أدخله في قبره وفي هيأة كفنه وفي صفة خلقه وخلقه وغزواته وسيرة مما لا سبيل في كتابنا هذا إلى ذكره، وإنما
стр. 253
أجرينا من ذكره ﵌ هاهنا لمعا يحسن الوقوف عليها والمذاكرة بها تبركا بذكره في أول الكتاب" «٤٠» .
كان للحافز الأخلاقي الذي كتبت به هذه السيرة التي تضمنها هذا الكتاب أثر ملموس في جعل هذه السيرة سيرة تقليدية، إذ لم تظهر فيها أي سمة تطورية ضمن كتب الطبقات، ولكن الذي ساعد على ديمومة هذه السيرة ضمن مثل هذه المصنفات هو اتباعه أسلوبا مبسطا ومنهجا موضوعيا في الكتابة كان من نتائجه أن وضع مصادره في بداية كتابه هذا «٤١» ، إذ حاكى بذلك المسعودي الذي وضع هو الاخر قائمة بأسماء مصادره التي اعتمد عليها في أول كتبه «٤٢» ، مع الإحالة إلى مصنفاته التي توسع في الحديث بها عن سيرة الرسول ﵌ في أكثر من مكان من هذا الكتاب «٤٣» .
كان هذا الكتاب مكملا لكتابه الاخر الدرر الذي صنفه بعده، إذ وضح ذلك بقوله: " وهذا كتاب اختصرت فيه ذكر مبعث النبي وابتداء دعوته وأول الأمر في رسالته ومغازيه وسيرته، لأني ذكرت مولده وحاله في نشأته وعيونا من أخباره في كتاب الصحابة" «٤٤» .
ولأجل هذا كله كانت السيرة التي تضمنها كتاب الاستيعاب مجرد مختصر بسيط لبعض جوانب السيرة والهدف منه الحصول على المثوبة والذكر الطيب والصدقة الجارية.
стр. 254
٣. أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير الجزري (ت ٦٣٠ هـ) *:
ثبت ابن الأثير سيرة موجزة للرسول ﵌ افتتح بها هذا الكتاب «٤٥» ، إذ سار على منوال من سبقه في إيراد سيرة موجزة للرسول ﵌ في صدر الكتب التي ترجمت صحابة الرسول ﵌ وذلك لإكمال الحلقة في التعرض للصاحب والمصحوب، وهذا ما أوضحه ابن الأثير في كتابه هذا الذي يقول في مقدمته التي افتتحها بالقول: " ونبدأ بذكر سيدنا رسول الله ﷺ تبركا باسمه وتشريفا بذكره المبارك لأن معرفة المصحوب ينبغي أن تقدم على معرفة الصاحب وإن كان اظهر من أن يعرف ... " «٤٦» ، ويختم هذه السيرة قائلا:
" فهذا القدر كاف ولو ربما شرح أحواله على الاستقصاء لكان عدة مجلدات وفي هذا كفاية للمذاكرة والتبرك فلا نطول فيه والسلام" «٤٧» .
كانت هذه السيرة مثل سابقتها التي وردت في الاستيعاب والتي انعدم فيها التطور والتجديد في الكتابة لأن الطابع الذي كتبت فيه ليس طابعا علميا بل كان طابعا عاطفيا وهذا الطابع يكون تقليديا صرفا لأن الموضوع لا نلمس فيه جهدا ملحوظا سوى تطبيق أساليب ومناهج سابقة على موضوع كثرت فيه الكتابات (سيرة الرسول) حتى وصلت حد التخمة في عصره، ولكن الذي لمسناه في هذه السيرة التي ضمنها ابن الأثير في كتابه هذا مخالفة واضحة لما نهجه
стр. 255
من أسلوب في عرض مضامين كتابه الكامل في التأريخ ولا سيما قسم السيرة منه، إذ وضح هذا الاختلاف بنقاط عدة هي:
١. إن السيرة التي تضمنها كتاب أسد الغابة قد كان الهدف من إثباتها هو هدف أخلاقي القصد منه التبرك بعكس ما أراده في كتابه الكامل الذي خصص فيه حيزا كبيرا لسيرة الرسول ﵌ «٤٨» وذلك لأنها شغلت حقبة تأريخية مهمة من تأريخ العالم، ولكنه اعتمد في ذلك على ما كتبه الطبري عن سيرة الرسول ﵌ فكانت السيرة التي حواها هذا الكتاب مجرد تهذيب لها «٤٩» .
٢. الاعتماد على موارد لم يعتمد عليها في كتابه الكامل، إذ كان الطبري وما كتبه في تأريخه هو المعول عليه عنده كما وضحته مقالته التي افتتح بها كتابه هذا «٥٠» ، أما في كتابه أسد الغابة فقد عرض مصادره في بداية كتابه والتي لم يظهر فيها أي ذكر لتأريخ الطبري الذي اعتمد عليه في كتابه الكامل، إذ شملت على الصحاح والمسانيد والسنن وكتب المغازي وغيرها «٥١» ، واعتمد أيضا على روايات شفوية لبعض مشايخه وذلك في مواطن عدة من هذه السيرة «٥٢» ، فضلا عن اعتماده على طريق مخالف للطريق الذي سلكه في كتابه الكامل للوصول إلى سيرة ابن إسحاق، إذ كان طريق الطبري المشهور إلى سيرة ابن إسحاق
стр. 256
بوساطة شيخه سلمة بن الفضل «٥٣» ، أما الطريق الذي سلكه ابن الأثير فقد كان بوساطة يونس بن بكير «٥٤» .
بين هذا الأمر استقلالية ابن الأثير في تصنيفه لكتابه أسد الغابة من حيث الموارد والمنهج عن كتابه الكامل في التأريخ ولا سيما قسم السيرة منه، وإن لم يأت بشيء جديد فيه، ولكن الطريقة التي عرض فيها السيرة ضمن مصنفين من مصنفاته جعلنا نعقد مقارنة بين ما كتبه في كل واحد منهما عن سيرة الرسول ﵌.
كل هذه الأمور أدت بطبيعة الحال إلى أن تكون ملامح السيرة المثبتة في كل من هذين الكتابين مغايرة للأخرى، وجاءت بعض الروايات مختصرة عن سابقتها التي وردت في كتاب الكامل في التأريخ «٥٥» .
بعد هذه المقارنة بين هذين الكتابين نرى أن كلا منهما لم يرتبط بالاخر ولم يكن مكملا له بل كان كل واحد من هذين الكتابين ولا سيما في قسم السيرة منهما مستقلا عن الاخر، ومن ثم فإن ابن الأثير بتضمينه سيرة الرسول ﵌ في كتابه هذا قد كان آخر من حاول تضمين سيرة الرسول ﵌ ضمن كتب الطبقات، حتى أن المصادر التي تأخرت عنه والتي كتبت في الموضوع نفسه (الطبقات) قد أغفلت إيراد سيرة للرسول ﵌ في بدايتها «٥٦» .
стр. 257
هذه هي ثلاثة نماذج من كتب الطبقات التي استعرضت سيرة الرسول ﵌ مصحوبة بتراجم الأشخاص الذين صاحبوه والذين أتوا بعده، مع الإشارة إلى أن هذه الكتب لم تكسب السيرة تطورا يذكر الا اذا عددنا سحب السيرة من كونها مستقلة او ضمن كتب التاريخ العام، ودمجها في كتب تراجم الصحابة نوعا من التطور.
بقي أن نذكر أن كتب الطبقات لم تكن مقتصرة على شريحة كبيرة من الناس متمثلة بصحابة الرسول ﵌ أو تابعيهم، بل تعدت ذلك الى التخصص في الترجمة للأئمة الإثني عشر من أهل البيت ﵈ ، أو في الترجمة للأصفياء والصالحين، أو في الترجمة للخلفاء الراشدين وخلفاء بني أمية وبني العباس، وكتب الطبقات هذه شملت:
أ. أئمة أهل البيت ﵈ :
والتخصص في كتابة ترجمة للأئمة ﵈ قد شمل جماعة من المصنفين جعلوا سيرة الرسول ﵌ في بداية كتبهم، وقد وصلت الينا مصنفات عدة كتبت في هذا الجانب هي:
стр. 258
١. إعلام الورى بأعلام الهدى للفضل بن الحسن الطبرسي (ت ٥٤٨ هـ) :
٢. كانت المصنفات التي سبقت مصنف الطبرسي هذا والتي شاركته في الموضوع قد أغفلت كتابة سيرة مستقلة للرسول ﵌ «٥٧» ، إذ استغرب الطبرسي من ذلك حتى أوضحت مقدمة كتابه هذا الأمر: " إذ كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو الشجرة وهم أغصانها والدوحة وهم افنائها ومنبع العلم وهم عيبته ومعدن الحكم وهم خزانته ... فهو أولى أن يقدم في الذكر وتبيين آياته الناطقة برسالاته وأعلامه الدالة على نبوته ومعاجزه ... " «٥٨» ، ولأجل ذلك افتتح كتابه بعرض موسع لسيرة الرسول ﵌ شغلت حيزا كبيرا منه قياسا بحجم باقي الكتاب الذي خصص للحديث عن حياة الأئمة ﵈ «٥٩» ، مع العلم إنه قد أراد اختزالها إلى أقل حد ممكن كما أشار إلى ذلك في مواطن عديدة من هذا الكتاب «٦٠» .
اصبح منحى الطبرسي هذا سنة اتبعها كل من حاول الكتابة والتصنيف في حياة الأئمة وأحوالهم وذلك بالافتتاح بذكر سيرة الرسول وأحواله «٦١» .
стр. 259
ومن هنا نرى أن الطبرسي بمنحاه هذا قد إتجه إلى إدخال السيرة النبوية في مصنفات لم يسبقه إليها أحد، ونتيجة لعمل الطبرسي الرائد هذا ظهرت في السيرة التي كتبها ملامح تجديدية نستطيع عدّها جوانب تطورية في كتابة السيرة ضمن مصنفات (سير الأئمة) وهذه الملامح أو الجوانب التطورية هي:
١. الاعتماد على مصادر لم يعتمد عليها سابقوه من كتاب السيرة بعامة، وهذه المصادر تمثلت بالمصنفات التي كتبها إبان بن عثمان البجلي (ت ١٥٣ هـ) *، عن سيرة الرسول ﵌ وأحواله، والتي ذكرتها المصادر التي ترجمت لهم. فالطبرسي بهذا العمل قد حفظ لنا نصوصا من كتب أغفل الذين سبقوه النقل منها في السير التي كتبوها، وكانت هذه النقول من الكثرة بمكان حتى شملت معظم أجزاء السيرة التي افتتح بها الطبرسي كتابه تيمنا برسول الله ﵌ «٦٢» .
ويعدّ اعتماد الطبرسي على تلك المصنفات راجعا إلى أنه أخذ من موارد توافقه في الميول والاتجاهات، فهو بعمله قد اقتبس من مصنفات لم تشتهر عند عموم المسلمين كقريناتها الأخرى لتباين وجهات النظر بين مصنفيها في بعض المسائل التي اختلفت الاراء فيها، وقد وجدت هذه الاراء بعض المواطن لها بين طيات السيرة التي تضمنها هذا الكتاب «٦٣» .
стр. 260
مع هذا كله فالطبرسي لم يجعل من هذه المصادر التي اتفقت معه في الاراء والمشارب حكرا على كتابه بل كانت هناك نقول من مصادر أخرى وجدت لها مكانا طيبا في هذا الكتاب «٦٤» .
٢. حوى كتابه على بعض الردود والمحاججات الكلامية مع أصحاب الملل المنكرة للنبوة ولمعاجز الرسول ﵌ «٦٥» ، حتى اضطر إلى قطع هذه المحاججات والردود- كما أشار إلى ذلك- خوفا من الإطالة في إيرادها إذ قال: " ولو ذهبنا لضبط ما سطره المتكلمون في هذا الباب من الكلام وما فيه من السؤال والجواب لطال به الكتاب وفي ما ذكرناه هاهنا مقنع وكفاية لذوي الألباب" «٦٦» .
هذه هي الجوانب التي لاحظ البحث أنها إضافات أدخلها الطبرسي على كتابة السيرة النبوية جنبا إلى جنب سير الأئمة ﵈ .
٢. مناقب آل أبي طالب لأبي جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب (ت ٥٨٨ هـ) :
هو أبو جعفر رشيد الدين السروي من كبار أعلام الشيعة الإمامية وعلمائهم، ومن الذين كان لهم الباع الطويل في علوم القرآن والغريب والنحو حتى قيل فيه: ابن شهر آشوب عند الشيعة كالخطيب البغدادي عند أهل السنة «٦٧» .
стр. 261
صنف ابن شهر آشوب كتابه المناقب على غرار كتاب الطبرسي آنف الذكر بل كان الأخير أحد مصادره «٦٨» ، إذ خصص قسما كبيرا من هذا الكتاب للحديث عن سيرة الرسول ﵌ وأحواله «٦٩» .
أسهمت هذه السيرة التي تضمنها هذا الكتاب في تطور ملحوظ بكتابة السيرة ضمن كتب سير الأئمة، وذلك للمنحى المغاير الذي إنتهجه في عرضها والذي خالف فيه سابقه الطبرسي عند عرضه لسيرة الرسول ﵌، إذ تمثل هذا المنحى بجوانب عدة هي:
١. إن المقاصد والغايات التي كتب بها ابن شهر آشوب السيرة في كتابه هذا هي مقاصد وأهداف كان وراءها حافز عقائدي تمثل بدحض بعض الاراء والأفكار التي أثيرت على طائفته، فضلا عن تصحيح بعض الأخطاء التاريخية الشائعة في نظره، كما أشار إلى ذلك في مقدمة كتابه التي افتتحها بالقول: " لما رأيت كفر العداة والشراة بأمير المؤمنين ووجدت الشيعة والسنة في إمامته مختلفين وأكثر الناس عن ولاء أهل البيت ناكصين وعن ذكرهم هاربين وفي علومهم طاعنين ولمحبتهم كارهين انتبهت من نومة الغافلين، فصار لي ذلك لطفا في كشف الأحوال والنظر في اختلاف الأقوال ... فنظرت بعين الأنصاف ورفضت مذهب التعصب في الخلاف وكتب على نفسي أن أميز الشبهة من الحجة والبدعة من السنة وأفرق بين الصحيح والسقيم والحديث والقديم وأعرف الحق من الباطل والمفضول من الفاضل وانصر الحق وأتبعه وأقهر الباطل
стр. 262
وأقمعه وأظهر ما كتموا، وأجمع ما فرقوا، واذكر ما أجمع عليه واختلفوا فيه على ما أدته الرواية وأشير إلى ما رواه الخاصة ... فاستصوبت من عيون كتب العامة والخاصة معا لأنه إذا أتفق المتضادان في النقل على خبر فالخبر حاكم عليهما، وشاهد للمحق في اعتقاده منهما وإذا اعتقدت فرقة خلاف ما روت ودانت بضد ما نقلت وأخبرت" «٧٠» ، فضلا عن وجود بعد أخلاقي وديني في الكتاب وذلك في قوله: " ونظمته للمعادي لا للمعاش، وأدخرته للدين لا للدنيا.
فاسأل الله (تعالى) أن يجعله سبب نجاتي وحط سيئاتي ورفع درجاتي انه سميع مجيب" «٧١» .
أما الطبرسي فقد كانت غايته أخلاقية بالدرجة الأولى كما وضحت ذلك مقدمة كتابه «٧٢» .
٢. عقد ابن شهر آشوب في بداية كتابه مبحثا مستقلا عرض فيه مصادره التي اعتمد عليها في كتابه «٧٣» ، وهذا يعدّ تبويبا منهجيا متطورا للكتاب وفصوله بعكس ما نهجه الطبرسي حين أورد المصادر جنبا إلى جنب مع الروايات التي أثبتها في كتابه «٧٤» ، علما أن هناك ظاهرة وجدت في بعض المصنفات التأريخية التي كتبت في القرنين الخامس والسادس الهجريين، وهي كتابة ثبت بأسماء
стр. 263
المصادر المعتمدة في بداية الكتب «٧٥» ، واستمرت هذه الظاهرة حتى وقت متأخر «٧٦» .
٣. عرض ابن شهر آشوب في هذه السيرة الأشعار التي قيلت في حوادث السيرة «٧٧» ، إذ أشار في بداية كتابه إلى هذا المنحى قائلا: " ثم وشمت هذه الأخبار بشواهد الأشعار" «٧٨» ، أما الطبرسي فقد كانت الشواهد الشعرية التي ذكرها في سيرته للرسول ﵌ قليلة اذا ما قورنت بالاشعار التي ذكرها ابن شهر آشوب «٧٩» .
هذه هي أوجه الاختلاف بين منحى كل من ابن شهر آشوب والطبرسي في كتابة السيرة النبوية ضمن كتب سير أئمة أهل البيت ﵈ .
لم تقتصر السيرة التي كتبها ابن شهر آشوب على هذه المحاور التقليدية والمألوفة في المصنفات العديدة التي سبقته في الكتابة عن سيرة الرسول ﵌ سواء أكانت مستقلة أم مدمجة، بل وجدنا في طياتها منحى تطوريا في كتابة السيرة بعامة نضيفه إلى اوجه الاختلاف التي عرضناها آنفا بين السيرة التي كتبها هو والتي كتبها الطبرسي وقد تمثل هذا المنحى التطوري بجوانب عدة:
стр. 264
١. أورد قصائد الشعراء المتأخرين عن عصر الرسالة الذين صوروا فيها سيرة الرسول ﵌ وأحواله بكثرة مفرطة «٨٠» ، ويعدّ هذا الأمر سابقة لم تألفها المصادر التي سبقته، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على الرغبة في إيراد متابعات الحوادث بالقصائد التي عبرت عن عواطف وأحاسيس قائليها في ما تضمنته تلك الحوادث من أمور حركت هذه العواطف والأحاسيس التي كانت تصف مجرياتها الدقيقة، وقد تباينت تلك القصائد في الطول والقصر، فبعضها يتكون من اربعة أو خمسة أبيات «٨١» ، في حين تجاوزت الأخرى ذلك بكثير «٨٢» .
استمر هذا المنحى عند المتأخرين عنه إذ أخذوا بتطعيم حوادث السيرة بما قيل في وصفها من شعر لدى المتأخرين عن عصر الرسالة «٨٣» ، وإن لم يكن بالضرورة تأكيد أن ابن شهر آشوب هو أول من اتجه إلى هذا المنحى مع العلم أن المصنفات التي وصلت إلينا عن سيرة الرسول ﵌ بمختلف أنماط كتابتها حتى عصر ابن شهر آشوب لم يكن فيها مثل تلك القصائد والأبيات الشعرية.
٢. عقد فصلا مستقلا في هذه السيرة تحدث فيه عن الخصائص التي خص الله بها نبيه الكريم محمد بن عبد الله ﵌ من دون الأنبياء والبشر أسماه (فصل في ما خصه الله من اللطائف) «٨٤» ، وهذه الخصائص أو اللطائف لم تكن موجودة
стр. 265
في المصنفات التي سبقته بهذه الاستقلالية، واللطائف تعني الاتحافات الربانية التي حبا بها الله نبيه الكريم في الرفق والعمل والبر والتكرمة والتحفي «٨٥» .
وهذا الشروع الجديد من نوعه من قبل ابن شهر آشوب كان أحد العوامل التي ساعدت على ظهور كتابات مستقلة في هذا الجانب (خصائص الرسول) «٨٦» .
٣. تقسيمه لمعجزات الرسول ﵌ على أقسام متعددة هي:
أ/ معجزات أقوال «٨٧» .
ب/ معجزات أفعال «٨٨» .
ج/ معجزات ذاتية في نفسه «٨٩» .
وهذا التقسيم لم يكن مألوفا عند من أحصى تلك المعجزات سواء أكان إحصاؤه في مصنفات السيرة المستقلة، أم المدمجة في الكتب الأخرى، أم في أحد جوانبها المستقلة، حيث كانت هذه المصنفات عند إيرادها هذه المعجزات تحصيها على وفق أسبقيتها الزمنية مدمجة مع دلائل وأعلام نبوته، أو تقسيم هذه الدلائل على وفق الحوادث، كما أشارت إلى ذلك المصنفات التي اختصت بهذا الجانب من سيرة الرسول ﵌ «٩٠» .
стр. 266
شكل هذا الاهتمام بالجانب الروحي والإعجازي في سيرة الرسول ﵌ عند ابن شهر آشوب حيزا كبيرا في كتابه هذا ولا سيما في قسم السيرة منه «٩١» ، مما يبين أثر هذا الجانب ومكانته عند ابن شهر آشوب وطبيعة نظرته إلى شخصية الرسول ﵌ وأحواله.
هذه هي الجوانب التي أضفاها ابن شهر آشوب على كتابة السيرة ضمن كتب الطبقات مما شكلت نقطة تحول بارزة في كتابة السيرة النبوية ضمن هذه الكتب.
ب. طبقة الأصفياء والصالحين والزهاد:
كان للدافع الأخلاقي الدور الفعال عند العلماء بعامة، والمؤرخين بخاصة ولا سيما في الاتجاه إلى الكتابة في توثيق حياة الأصفياء والصالحين في مصنف يحوي تراجمهم، وهذا ما وضحته مقدمات هذه المصنفات التي سنتناولها على وفق أسبقيتها الزمنية، مع تبيان أثر هذا الحافز في كتابتها وابتداء بعضها بسيرة الرسول ﵌، وذلك لكون شخصية الرسول ﵌ القدوة والمثال لجميع شخصيات المسلمين بوصفه الأسوة الحسنة امتثالا لما أمرهم الله لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ «٩٢» ، ولأجل هذا الدافع كانت هذه المصنفات فاقدة لأي طابع تطوري عند كتابتها لسيرة الرسول ﵌ ضمن صحائفها التي شملت مصنفات عدة هي:
стр. 267
١. صفة الصفوة لعبد الرحمن بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) :
أوضحت مقدمة ابن الجوزي لهذا الكتاب أثر العامل الأخلاقي في كتابتها، حين بين فيها سبب إدخاله السيرة ضمن هذه الكتب، إذ خص هذا الكتاب منها بحيز كبير افتتحه بها «٩٣» ، إذ وضح هذا العامل بالقول: " ولما سميت كتابي هذا بير افتتحه بها «٩٣» ، إذ وضح هذا العامل بالقول: " ولما سميت كتابي هذا صفة الصفوة رأيت أن افتتحه بذكر نبينا محمد ﵌ فانه صفوة الخلق وقدوة العالم «٩٤» ، ثم يؤكد دافعه الأخلاقي في مكان آخر بالقول: " إن كتابنا هذا إنما وضع لمداواة القلوب وإصلاحها" «٩٥» .
لم يكن في هذه السيرة التي تضمنها هذا الكتاب أي تطور ملحوظ، إذ كانت الجوانب التي تطرق لها مألوفة في معظم المصنفات التي عرضت سيرة الرسول ﵌ «٩٦» ، ومن ثم فقد كانت هذه السيرة مجرد إعادة وتكرار لما كتب سابقا.
стр. 268
أنباء نجباء الأنباء لمحمد بن ظفر الصقلي (ت ٥٦٥ هـ) :
ضمن ابن ظفر كتابه هذا سيرة موجزة للرسول ﵌ في بدايته «٩٧» ، معللا ذلك بالقول: " افتتحته بكر سيدنا المصطفى ﷺ بالتيمن بذكر والتشرف بالإيماء إلى شرف قدره ... إذ هو الواسطة الثمينة والفريدة الكريمة التي أقر الله بها عين ابن آدم والصفوة من بعده" «٩٨» .
بينت هذه المقدمة الدور الذي لعبه الحافز الأخلاقي في مفتتح كتابه هذا، حين كانت سيرته هي الأخرى مجرد عرض بسيط لبعض الحوادث الرئيسة «٩٩» .
لم يقتصر هذا الحافز على المصنفات التي كتبت في المدة قيد الدراسة بل وجدنا أحد المتأخرين وهو علي بن صدقة السرميني (ت ٨٢١ هـ) قد حفزه هذا العامل الأخلاقي على تضمين سيرة الرسول ﵌ في مصنفه الذي تحدث فيه عن أخلاق العباد وذكر الأعلام الذين تساموا في أخلاقهم وتصرفاتهم «١٠٠» ، حيث وضح أثر هذا العامل بقوله: " استخرت الله ... العليم في جمع أوراق أذكر فيها طرفا من أخبار السلف الصالحين وابتدأ فيه بذكر النبي العربي وهو أولى من غيره بالذكر ومن بعده ... فلعل الله برحمته ومنه فضله يشركني لذلك في الأجر معهم ويدخلني بينهم وإن لم أكن منهم ولا سيما وأني أحبهم والمرء مع من أحبه" «١٠١» .
стр. 269
هذه هي المصنفات التي جعلت من الحافز أو الدافع الأخلاقي مقصدا لها في إدخال السيرة النبوية ضمن كتب الأصفياء والصالحين والتي لم نجد فيها أي تطور لكتابة السيرة لأن هدفها قد أنصب على تهذيب النفوس التي انغمست في المعاصي وتركت العلم بأخبار الرسول ﵌ وصحابته وطريقة عيشهم.
ج. طبقة الخلفاء:
هذه طبقة أخرى خصها المؤرخون بالتصنيف في مصنفات مستقلة يتحدثون فيها عن كل واحد منهم، إذ أسمى حاجي خليفة هذا النوع من التصنيف ب [علم تأريخ الخلفاء] ، وعرفه بقوله: " وهو من فروع التواريخ وقد أفرد بعض العلماء تأريخ الخلفاء الأربعة وبعضهم ضم معهم الأمويون والعباسيون لاشتمال على مزيد الاعتبار وقد سبق ما صنفوا منه" «١٠٢» .
أدخل معظم مصنفي هذه الكتب سيرة الرسول ﵌ في بدايتها وذلك لإكمال الحلقة المفقودة بوجود الخليفة وغياب المستخلف، وكانت السير التي تضمنتها مصنفات طبقة الخلفاء عبارة عن تكرار وإعادة لما ذكر في مصنفات سابقة عن سيرة الرسول ﵌، وهذه المصنفات التي وصلت إلينا هي:
стр. 270
١. تأريخ الخلفاء لأبي عبد الله محمد بن ماجه (ت ٢٧٣ هـ) *:
هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني مصنف السنن والتأريخ والتفسير والتراجم «١٠٣» .
صنف ابن ماجه كتابه هذا ابتداء بعصر الرسول ﵌ وانتهاء بعصر المستكفي العباسي «١٠٤» ، وأمتاز هذا الكتاب بالاقتضاب والاختصار باستعراض الحوادث التي ذكرها بين هذين العصرين ومن ضمنها سيرة الرسول ﵌ التي لم تشغل منه سوى ورقات قليلة جدا أشار فيها إلى الحوادث المهمة التي وقعت في عصر الرسالة «١٠٥» ، وهذا الاختصار الشديد لم يدع ابن ماجه أن يظهر أي اثر أو منحى تطوري في هذا الكتاب ولا سيما في قسم السيرة منه، بل كان مجرد عرض سريع لأسماء الخلفاء الذين تولوا إمرة المسلمين بعد رسول الله ﵌.
٢. مختصر تأريخ الخلفاء لأبي محمد إسماعيل بن علي بن إسماعيل الخطي (ت ٣٥٠ هـ) :
كان هذا المصنّف من العلماء البارزين في عصره الذين سكنوا بغداد ودرسوا فيها، برع في معرفة أيام الناس وأخبار الخلفاء، وكان يتحرى الصدق في إيراد أخبارهم كما أشارت إلى ذلك الكتب التي ترجمت له «١٠٦» .
стр. 271
عرض الخطي في كتابه هذا سيرة موجزة للرسول ﵌ في ورقات يسيرة «١٠٧» ، كان الهدف من إيجازها تسهيل مهمة حفظها وكتابه المختصر الذي يقول في مقدمته: " هذا كتاب مختصر من كتاب تأريخ الخلفاء وتأريخ أقامتهم وأعمارهم وصفاتهم ... فإن ذلك في الكتاب الكبير مرسوم وأسقطته ها هنا ليقرب متناوله ويسهل حفظه" «١٠٨» ، إذ بينت هذه المقدمة أن هذا الكتاب مختصر لكتاب أوسع صنفه في هذا المجال مما يدل على أن السيرة التي حوته كانت أوسع بكثير من هذه السيرة التي تضمنها كتابه المختصر، ومع هذا الاختصار فإن هذه السيرة قد حوت في طياتها بعض الجوانب التي بينت شخصية الخطي في كتابه، وهذه الجوانب هي:
١. التصريح بالقول إن الهدف من تصنيف هذا الكتاب هو إيجاد مجموع بسيط يسهل حفظه «١٠٩» ، فكان الحافز على تصنيف هذا الكتاب حافزا علميا خالف به معظم المصنفات السابقة التي عرضت سيرة الرسول ﵌ ضمنها.
٢. استعمال الإسناد في ذكر حوادث السيرة ومتعلقاتها «١١٠» ، وذلك حرصا منه على تدقيق الروايات ونقلها وتسهيل مهمة من يأتي بعده ويطلع على كتابه في أن يتبين مواطن الضعف والقوة في ذكر الأسانيد، ولا سيما قسم السيرة منه، إذ غفل باقي كتابه عن أي سلسلة للسند، وقد صرح في مقدمة كتابه مبينا ذلك بالقول: " ولا أكرر من الأسانيد في ذلك ما يطول عليّ به الكتاب ولا أدع تقييده منها بما لابد منه" «١١١» ، وأردف بعد ما انتهى من عرض سيرة
стр. 272
الرسول ﵌ في كتابه قائلا: " كل ما أذكره الان في هذا الكتاب بغير إسناد إلى خلافة معاوية بن أبي سفيان، ... ثم يتغير الإسناد ... وما أذكره عن أبي معشر بغير إسناد كله" «١١٢» .
وهذا ما افتقدته المصنفات التي كتبت في ضوء منحاه نفسه، إذ أغفلت معظمها أسانيد الروايات التي وردت فيها، وكما لا حظنا وسنلا حظ من عرضنا لهذه المصنفات التي كتبت في هذا الجانب.
أعطانا هذا الأمر عرضا للمصادر المكتوبة التي اعتمد عليها الخطي في كتابه هذا ولا سيما في قسم السيرة منه فضلا عن اعتماده على روايات شفوية لم يعتمد في نقلها على كتاب «١١٣» .
٣. الاهتمام بالتوثيق التأريخي للحوادث باليوم والشهر والسنة «١١٤» .
هذه هي الجوانب التي اتصفت بها السيرة النبوية في هذا الكتاب عن باقي الكتب التي تناولت تأريخ الخلفاء باستقلالية، وإن كانت الحوادث التي عرضها قد اتصفت بها مصنفات قبله، ولكن هذه المصنفات- كما لا حظنا- اختلفت معه في الموضوع الذي طرحته، مما نستدل به على أن الخطي كان له دور في تطور كتابة السيرة ضمن كتب تواريخ الخلفاء حصرا، وذلك حين أدخل المناهج المتبعة في المصنفات التي تمتاز بالشمولية والتفصيل في ذكر الحوادث، مع
стр. 273
العلم أن هذا الكتاب- كما أشار مصنفه في مقدمته- عبارة عن مختصر لكتاب أشمل وأكبر من هذا الذي بين أيدينا «١١٥» .
٣. عنوان المعارف وذكر الخلائف للصاحب بن عباد (ت ٣٨٥ هـ) *:
هو الصاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عباد الشاعر الأديب والنحوي البارع الذي كان أعجوبة زمانه تولى الوزارة لأمراء البويهيين واجتمع بحضرته من العلماء والشعراء ما لم يجتمع لغيره «١١٦» ، صنف الصاحب بن عباد هذا الكتاب وضم فيه عرضا مبسطا للخلفاء الذين خلفوا رسول الله ﵌ حتى عصره «١١٧» ، مع تخصيص حيز بسيط فيه لسيرة الرسول ﵌ «١١٨» .
كان الدافع من تصنيف هذا الكتاب دافعا علميا تمثل بجواب عن أحد الأسئلة التي طرحها أحد تلاميذه عليه في معرفة نسب الرسول ﵌ وأحواله، وهذا ما بينته مقدمته التي يقول فيها: " قد اسعفتك بالمجموع الذي التمسته في نسب النبي صلى الله عليه وآله وبنيه وبناته وأعماله وعماته وجمل من غزواته، وسائر ما يتصل بذلك من مولده ومدفنه وهجرته وتسمية أفراسه ونوقه وسيفه ودرعه، واثبت ذلك من خوطب بالخلافة على النسق وغير مرتب للمفضول
стр. 274
على الفاضل ... بعد أن آثرت الاختصار الذي طلبته والإيجاز الذي حاولته" «١١٩» .
من هذا نرى أن السيرة التي تضمنها هذا المصنف قد كتبت لغايات علمية ولكنها من الاختصار بمكان إذ لم تظهر فيها أي ملامح تطورية في كتابة السيرة تختلف في مضمونها ونسقها وأسلوبها عن مصنفات عرضت سيرة الرسول قبله، فكانت الأخبار التي وردت فيها معدومة من ذكر أي نقد أو تحليل أو مناقشة مما يبين أن الصاحب بن عباد قد ذكرها على أنها من المسلمات التي لم يختلف عليها أحد، فلم يكن عرضها إلا للتذكير بها.
٤. الأنباء في تأريخ الخلفاء لمحمد بن علي بن محمد العمراني (ت ٥٨٠ هـ) :
انتهت محاولات محقق هذا الكتاب في البحث المضني عن ترجمة لهذا المصنف بالفشل «١٢٠» ، ووصلت محاولاتي أيضا إلى النتيجة نفسها بعد أن كررت المحاولة في الحصول على ترجمة مهما يكن حجمها عن شخصية هذا المصنف.
سار العمراني في كتابه هذا على نهج من سبقه في كتابة سيرة موجزة للرسول ﵌ يفتتح بها مصنفا يحوي أسماء الخلفاء الذين تولوا خلافة المسلمين بعد الرسول ﵌ إلى عصر المؤلف «١٢١» .
стр. 275
كانت هذه السيرة التي حواها هذا الكتاب كمثيلاتها من السير النبوية التي استعرضتها المصنفات التي سبقته في هذا الجانب إذ امتازت بالاختصار في عرض المعلومات، وهذا ما بينته مقدمة الكتاب التي تقول: " فإني ذاكر في كتابي هذا طرفا من أخبار الدولة القاهرة العباسية ... وأبتدأ بذكر سيد البشر والشفيع يوم العرض الأكبر ثم بعده للأئمة الأربعة ثم من أفضى إليه الأمر بعدهم ...
ونبدأ بمن بدأ الله بذكره وفضله على سائر خلقه وهو سيد المرسلين وخاتم النبيين أبو القاسم محمد (صلوات الله عليه وسلامه) وأنا أذكر نسبه ومولده وأزواجه وحواريه ومواليه وخدمه وعماله" «١٢٢» .
هذه هي مضامين السيرة التي ضمنها العمراني كتابه والتي لم نلمس فيها أي تطور وتجديد في كتابة السيرة النبوية ضمن هذا النوع من المصنفات، بل كانت مجرد عرض لحوادث وروايات تتفق في منحاها وفحواها مع المصادر التي سبقتها.
٥. بلغة الظرفاء في ذكرى تواريخ الخلفاء لعلي بن محمد بن أبي السرور الروحي (كان حيا سنة ٦٤٨ هـ) :
كان هذا الكتاب كسابقيه يعرض في بدايته سيرة موجزة للرسول ﵌ تناول فيها جوانب من حياته الشريفة «١٢٣» ، ولكن الميزة التي امتازت بها هذه السيرة المقتضبة هي أنها كانت أكثر عمقا ودقة في ترتيب وتوثيق الحوادث من
стр. 276
التي سبقتها، فمع الاهتمام بالتوثيق التأريخي للحوادث بالشهر والسنة «١٢٤» ، وذكره لمصادره التي اعتمد عليها في إيراده لأخباره «١٢٥» ، قسم مراحل السيرة على وفق الحوادث الكبرى التي حصلت فيها، إذ كانت المرحلة الأولى متضمنة حياة الرسول من مولده إلى أن هاجر إلى المدينة «١٢٦» ، والمرحلة الثانية تضمنت حياة الرسول من مقدمه إلى المدينة حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى «١٢٧» ، وبتقسيمه السيرة النبوية إلى هاتين المرحلتين حرزت هذه السيرة الموجزة ضمن هذه المصنفات السبق والريادة في هذا المجال وإن كان هذا التقسيم معمولا به عند من سبقه ولكن ليس في مثل هذه المصنفات «١٢٨» .
هذه هي الميزة الوحيدة التي امتازت بها هذه السيرة التي تضمنها هذا الكتاب والتي كانت بمجملها مشابهة لما ورد في المصنفات التي سبقتها من حيث الحوادث التي عرضت فيها.
وبهذا الكتاب ينتهي عرضنا للمصنفات التي كتبت في تواريخ الخلفاء أو طبقتهم والتي تضمنت سيرة موجزة للرسول ﵌، مع اتصاف هذه المصنفات بعوامل مشتركة بينها، وهي:
١. الاقتضاب والاختصار في عرض حوادث السيرة ومتعلقاتها.
стр. 277
٢. عدم وجود طابع تجديدي وتطوري في كتابة هذه السير ضمن هذه الكتب عدى التطور الذي اشتركت كلها فيه والذي تضمن ابتداء مصنفاتهم بعرض موجز لسيرة الرسول ﵌ استكمالا لمناحي الكتاب بالتعرض للخليفة والمستخلف.
٣. أغفل المصنفون المتأخرون مرويات أصحاب كتب تواريخ الخلفاء عن سيرة الرسول ﵌ ولم يدرجوها ضمن مصنفاتهم، وذلك لأنها لا تمثل سوى تكرار وإعادة لما ذكرته مصادر أخرى، ولأجل ذلك لم نجد نقولا عنها في المصادر التي عرضت سيرة الرسول ﵌ للذين تأخروا عن كتابة هذه المصنفات.
٤. إن الغاية التي من اجلها أدخلت السيرة النبوية في معظم هذه المصنفات غاية منهجية فرضتها طبيعة تلك الكتب ومضامينها، ومن دون هذه الغاية تعدّ هذه الكتب أو المصنفات ناقصة لو أغفلت إيراد سيرة الرسول ﵌ أو شيئا منها حتى لو كان عرضا موجزا ومقتضبا، لأن الكتاب سيصبح مفتقرا للسبب أو الحجة التي من أجلها استخلف أي واحد من الخلفاء الذين ترجمت لهم هذه الكتب؛ فكيف يذكر الخليفة من دون أن يذكر شخص المستخلف وهو الرسول الكريم ﵌؟.
هذه هي العوامل المشتركة التي اتصفت بها السير التي كتب في المصنفات التي تتحدث عن طبقة الخلفاء وسني حكمهم، والتي كان إدخالها في هذه المصنفات جانبا تطوريا في كتابة السيرة النبوية عند المؤرخين المسلمين.
стр. 278
ثانيا: كتب التراجم:
اتجه عديد من المؤرخين إلى توثيق حياة الأشخاص والأعلام الذين يختلفون صناعة وطبقة وعصرا ومكانا، ولكنهم يتفقون في صفة واحدة تجمعهم ألا وهي صفة الجدارة والاستحقاق بأن يترجم لهم وتدون سيرهم «١٢٩» .
ضمن بعض المؤرخين من مصنفي هذه التراجم سيرة موجزة للرسول ﵌ في بداية مصنفاتهم التي تمثلت في الكتب الاتية:
١. التأريخ الكبير لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ) :
أفرد البخاري في بداية كتابه التأريخ الكبير سيرة موجزة للرسول الأعظم ﵌ تيمنا بذكره «١٣٠» ، مردفا هذه السيرة بأسماء المحمدين من الأعلام الذين ترجم لهم وذلك تبركا باسم نبينا ﵌.
إن هذه الطريقة في الابتداء بسيرة الرسول وبأسماء المحمدين في بداية الكتاب اتخذها العلماء الذين أتوا بعده سنّة في كتبهم، إذ سار النووي (ت ٦٧٦ هـ) على هذه السنّة التي سنها البخاري الذي عدّ الرائد في هذه الفكرة إذ قال النووي في مقدمته: " وابتدأ فيه بمن اسمه أحمد كما فعل أبو عبد الله البخاري والعلماء بعده ﵃ لشرف اسم النبي (ص) " «١٣١» ، ونجد أن مصنفات عديدة في كتب التراجم سارت على هذا المنوال في تقديم الذين
стр. 279
تسموا باسم النبي (ص) في بداية الكتاب، ومن ثم يوردون باقي الأسماء بحسب تسلسل الحروف الأبجدية «١٣٢» .
كسب البخاري بعمله هذا تطورا ملحوظا في كتابة السيرة النبوية، حين جعلها ضمن كتب التراجم أولا، واتخاذ عمله من قبل معظم الذين أتوا بعده سنة بتقديم اسم النبي في بداية الأعلام الذين يترجمون لهم ثانيا.
كانت هذه السيرة الموجزة التي كتبها البخاري قد انحصر وجودها في غاية واحدة هي التبرك والتيمن بالاستفتاح باسم النبي ﵌.
لم يقتصر البخاري على إدخال السيرة النبوية ضمن هذا الكتاب فحسب بل جعلها في مصنف آخر من مصنفاته «١٣٣» وقد عرض فيه جوانب محدودة من حياته الشريفة أردفها بأسماء من توفي من أصحابه في سنوات البعثة الشريفة ولا سيما بعد هجرته إلى المدينة «١٣٤» .
إن كتابة أسماء من توفي من الصحابة في سنوات السيرة يعدّ نقلة نوعية وتطورا في كتابة السيرة النبوية لأن الذين سبقوه لم ترد عندهم هذه الحالة على هذه الهيأة من التخصص والتفرد، هذا من جانب، ومن جانب آخر كانت هذه الظاهرة تمهيدا لما نهجه ابن الجوزي في كتابه المنتظم حين خصص عنوانات مستقلة في كل سنة يعرض حوادثها ويذكر فيها من توفي بها من الأعلام
стр. 280
ولا سيما في قسم السيرة منه «١٣٥» ، وإن لم يشر ضمنا إلى الحافز الذي دفعه إلى ذكر هؤلاء الأعلام مع كل سنة.
هذه هي الجوانب التي أكسبها البخاري لكتابة السيرة النبوية ضمن كتب التراجم من جهة وكتب السيرة الأخرى من جهة ثانية.
٢. كتاب الثقات لابن حبان البستي (ت ٣٥٤ هـ) :
هو أبو حاتم محمد بن حبان البستي أحد الحفاظ الكبار وأحد المصنفين المجتهدين في الحديث وعلم الرجال والفقه، تولى القضاء في بلدته التي نسب إليها إلى أن توفاه الله (سنة ٣٥٤ هـ) بعد أن ترك مصنفات عدة في الحديث والرجال، كانت محط أنظار العلماء على مدى العصور التي تلته «١٣٦» .
كان السيرة الرسول ﵌ مكان رحب في مصنف ابن حبان، إذ كتب سيرة متكاملة للرسول ﵌ الكريم من مولده إلى أن توفاه الله وذلك بإسهاب وتفصيل «١٣٧» ، وخصص له في مصنف آخر من مصنفاته حيزا بسيطا عرضها فيه بإيجاز «١٣٨» .
كان لإسهاب ابن حبان في حديثه عن سيرة الرسول ﵌ ضمن كتابه هذا أثر فعال في وجود سمات تطورية في هذا الكتاب، وهذه السمات هي:
стр. 281
١. اختيار الرواة الثقات وإثبات مروياتهم عن سيرة الرسول ﵌ من دون تسامح منهم في جمع كل ما يتصل بالسيرة من أخبار وإن كانت ضعيفة على حد قول قسم من مصنفيها «١٣٩» ، وهذا ما أوضحته عبارته التي افتتح بها كتابه هذا والتي يقول فيها: " ولا أذكر في هذا الكتاب ... إلا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم ... فكل ما أذكره في هذا الكتاب فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره" «١٤٠» .
كان هذا المنحى من قبل ابن حبان في كتابه هذا يستهدف أمرين: الأمر الأول عدّ شخص الرسول ﵌ هو ثقة الثقات لأنه المصدر الثاني الذي تؤخذ منه الأحكام وذلك بوساطة الأحاديث التي يتحدث بها أو الأفعال التي يقوم بها، إذ وضح هذا الأمر في قوله: " ولا سبب إلى معرفة صحة الأخبار وسقيها إلا بمعرفة تأريخ من ذكر اسمه من المحدثين ... " «١٤١» ، والأمر الثاني: هو جعل سيرة الرسول ﵌ نموذجا يطبق عليه الروايات التي صرح بها الثقات من الرواة.
شكل نهج ابن حبان هذا إنعطافة كبيرة في كتابة السيرة النبوية، وذلك باستحداث منهج في اختيار الروايات التي تكتب في سيرة الرسول ﵌، من قبل رواة ثقات لا ترقى إليهم الشبهات وهو نهج لم يكن مألوفا عند من سبقه من الذين عرضوا سيرة الرسول ﵌ وأحواله من المؤرخين.
стр. 282
٢. الاهتمام بإيراد الأعمال العسكرية للرسول ﵌ وعدم الاكتراث بالجوانب الشخصية والروحية من حياته ﵌، وهذا الأمر راجع إلى إتباع ابن حبان المنهج الحولي في كتابة حوادث السيرة ولا سيما الحوادث التي وقعت بعد الهجرة مباشرة «١٤٢» ، إذ لم يرد في حوادث هذه السنوات التي تلت هجرة الرسول ﵌ أي ذكر لهذه الجوانب التي طالما خصص لها المصنفون الذين سبقوه قسما من مصنفاتهم التي تحدثوا فيها عن سيرة الرسول ﵌ «١٤٣» ، ولأجل ذلك انحصرت الجوانب الشخصية لسيرة الرسول ﵌ في القسم الخاص من حياته الشريفة قبل الهجرة وذلك في أماكن متفرقة من هذا القسم، ومتداخلة مع الروايات التي وردت فيه «١٤٤» .
٣. تضمين سيرة الرسول ﵌ سلسلة نسبه الشريف مشفوعة بذكر أمهاته وجداته من قبل أمه وأبيه «١٤٥» ، مع ذكر تضارب بعض الاراء في هذا الأمر من حيث صحة هذه الأسماء ودقتها «١٤٦» ، مبينا ذلك بالقول: " نسبة رسول الله ﷺ تصح إلى عدنان وما وراء عدنان فليس عندي منه شيء صحيح اعتمد عليه غير أني اذكر اختلافه فيه بعضهم لبعض من ليس ذلك من صناعته" «١٤٧» .
стр. 283
مع كل هذه الإضافات التي أوجدها ابن حبان لكتابة السيرة ضمن كتب التراجم بخاصة وكتب السيرة بعامة فانها بقيت رهينة هذا الكتاب إذ لم تتعد إلى غيره، اذ لم نجد في مصنفات السيرة التي تلته أي اقتباس منه أو سلوك نهج مقارب لنهج ابن حبان في كتابة السيرة وليس هذا حسب، بل اغفل هذا الأمر أيضا من اتبع خطى ابن حبان في كتابة مصنف يخصص لذكر الثقاة من الرواة، إذ وجدنا ابن شاهين (ت ٣٨٥ هـ) * قد أغفل كتابه ذكر سيرة لرسول الله ﵌ في بدايته عندما سرد أسماء الثقاة الذين نقل عنهم العلم «١٤٨» ، وإن هذا الأمر قد يكون ناشئا من طغيان كتب السيرة التي سبقته ورواجها بين الناس حتى قيل في وصف أحدها: من أراد كتابة السيرة فهو عيال على ابن إسحاق «١٤٩» ، فضلا عن ذلك فقد كان لانصهار هذه السيرة في مصنف خصص لعرض أسماء الثقاة من الرواة أثر ملموس في عدم الاقتباس من هذه السيرة، إذ انصبت جهود العلماء على تتبع آراء وأسماء الذين أوردهم ابن حبان في كتابه من الثقاة الذين يجوز الاحتجاج بروايتهم من دون النظر إلى ما سبقها وهي (سيرة الرسول) ، إذ كان لديهم شعور يعدّ ذكر ابن حبان لسيرة الرسول في بداية كتابه تبركا وتيمنا بالاستفتاح بذكر الرسول ﵌ وأحواله.
هذه هي الجوانب التي لمسناها في هذا الكتاب والتي بينت المسلك الذي انتهجه ابن حبان في عرضه سيرة الرسول ﵌ ضمن كتب التراجم.
стр. 284
١. تهذيب الأسماء واللغات لمحيي الدين بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ) :
هو الفقيه المحدث يحيى بن شرف بن مرسي بن حسن النووي الدمشقي الشافعي الحافظ اللغوي المشارك بالعلوم الأخرى، ومن الذين لهم الباع الطويل في الكتابة والتصنيف «١٥٠» .
خصص النووي في بداية كتابه هذا حيزا ذكر فيه عرضا موجزا لسيرة الرسول ﵌ «١٥١» ، مقتفيا بذلك أثر من سبقه تيمنا وتبركا بذكر سيرة للرسول ﵌ يفتتح بها كتابه، إذ بين هذا الأمر في مقالته: " ومقصودي في تشريف الكتاب بتصدير لبعض أحوال المصطفى ﷺ والحبيب المجتبى [لأنه] خيرة العالم وخاتم النبيين وإمام المتقين وسيد المرسلين هادي الأمة ونبي الرحمة وزاده فضلا وشرفا لديه" «١٥٢» .
انتهج النووي كسابقيه منحى الاختصار في ذكر تفاصيل السيرة التي كان الهدف من كتابتها التبرك والتيمن، الأمر الذي جعله يختصرها إلى هذا المقدار، إذ أوضح هذا الأمر بالقول: " واعلم أن أحوال رسول الله ﷺ وسيره وما أكرمه الله به وما افاضه على العالمين من آثاره صلى اله عليه وسلم غير محصور ولا يمكن استقصائها لا سيما في هذا الكتاب الموضوع بالإشارة إلى نبذ من عيون الأسماء وما يتعلق بها وفيما ذكرته تنبيها على ما تركته" «١٥٣» .
لأجل ذلك كانت هذه السيرة التي تضمنها كتاب النووي هذا تقليدية ومفتقرة للتجديد والتطور، باستثناء عقده فصلا مستقلا للحديث عن خصائص
стр. 285
الرسول ﵌ في الأحكام وغيرها «١٥٤» ، إذ عدّ النووي نفسه عمله هذا قفزة نوعية في كتابة السيرة، إذ يقول مبينا هذا الأمر: " وهذا فصل نفيس وعادة أصحابنا يذكرونه في أول كتاب النكاح لأن خصائصه ﷺ في النكاح أكثر من غيره وقد جمعتها في الروضة مستقصيا لها ولله الحمد، وهذا الكتاب لا يحتمل بسطها وأشير فيه إلى مقاصدها مختصرة إن شاء الله «١٥٥» ، وبعمله هذا أسهم إسهاما جادا في إيجاد منحى توثيقي بين كتب الفقه والحديث من جهة وكتب المؤرخين من جهة أخرى في ما يخص سيرة الرسول ﵌ وأحواله خلالها.
كانت هذه السيرة التي كتبها النووي مشابهة لمثيلاتها من السير التي كتبت في مصنفات التراجم من حيث عدم اعتماد المهتمين بالسيرة على مثل هذه الكتب، إذ لم يقتبسوا أي نص من نصوصها ولم يناقشوا أية رواية وردت فيها، باستثناء تعليق السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) عمّا أورده النووي من ذكر لأعداد خدام النبي ومواليه «١٥٦» ، إذ عدّد موالي النبي وخدامه بنحو (١٣٠) نفس من الأرقاء: من الرجال (٧٠) ومن النساء (٣٠) ومن الخدم الأحرار نحو (٣٠) نفسا «١٥٧» .
وفي ختام الحديث عن تطور كتابة السيرة ضمن كتب الطبقات والتراجم نرى أن المصنفات التي كتبت في هذه المحاور قد إنعدم في معظمها التجديد والتطوير، بسبب من الأهداف والدوافع التي من أجلها صنفت هذه الكتب والتي تركزت في مجرد عرض سيرة للرسول ﵌ مفتتحتا إياها من أجل التبرك