١. اختيار الرواة الثقات وإثبات مروياتهم عن سيرة الرسول ﵌ من دون تسامح منهم في جمع كل ما يتصل بالسيرة من أخبار وإن كانت ضعيفة على حد قول قسم من مصنفيها «١٣٩» ، وهذا ما أوضحته عبارته التي افتتح بها كتابه هذا والتي يقول فيها: " ولا أذكر في هذا الكتاب ... إلا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم ... فكل ما أذكره في هذا الكتاب فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره" «١٤٠» .
كان هذا المنحى من قبل ابن حبان في كتابه هذا يستهدف أمرين: الأمر الأول عدّ شخص الرسول ﵌ هو ثقة الثقات لأنه المصدر الثاني الذي تؤخذ منه الأحكام وذلك بوساطة الأحاديث التي يتحدث بها أو الأفعال التي يقوم بها، إذ وضح هذا الأمر في قوله: " ولا سبب إلى معرفة صحة الأخبار وسقيها إلا بمعرفة تأريخ من ذكر اسمه من المحدثين ... " «١٤١» ، والأمر الثاني: هو جعل سيرة الرسول ﵌ نموذجا يطبق عليه الروايات التي صرح بها الثقات من الرواة.
شكل نهج ابن حبان هذا إنعطافة كبيرة في كتابة السيرة النبوية، وذلك باستحداث منهج في اختيار الروايات التي تكتب في سيرة الرسول ﵌، من قبل رواة ثقات لا ترقى إليهم الشبهات وهو نهج لم يكن مألوفا عند من سبقه من الذين عرضوا سيرة الرسول ﵌ وأحواله من المؤرخين.
стр. 282
٢. الاهتمام بإيراد الأعمال العسكرية للرسول ﵌ وعدم الاكتراث بالجوانب الشخصية والروحية من حياته ﵌، وهذا الأمر راجع إلى إتباع ابن حبان المنهج الحولي في كتابة حوادث السيرة ولا سيما الحوادث التي وقعت بعد الهجرة مباشرة «١٤٢» ، إذ لم يرد في حوادث هذه السنوات التي تلت هجرة الرسول ﵌ أي ذكر لهذه الجوانب التي طالما خصص لها المصنفون الذين سبقوه قسما من مصنفاتهم التي تحدثوا فيها عن سيرة الرسول ﵌ «١٤٣» ، ولأجل ذلك انحصرت الجوانب الشخصية لسيرة الرسول ﵌ في القسم الخاص من حياته الشريفة قبل الهجرة وذلك في أماكن متفرقة من هذا القسم، ومتداخلة مع الروايات التي وردت فيه «١٤٤» .
٣. تضمين سيرة الرسول ﵌ سلسلة نسبه الشريف مشفوعة بذكر أمهاته وجداته من قبل أمه وأبيه «١٤٥» ، مع ذكر تضارب بعض الاراء في هذا الأمر من حيث صحة هذه الأسماء ودقتها «١٤٦» ، مبينا ذلك بالقول: " نسبة رسول الله ﷺ تصح إلى عدنان وما وراء عدنان فليس عندي منه شيء صحيح اعتمد عليه غير أني اذكر اختلافه فيه بعضهم لبعض من ليس ذلك من صناعته" «١٤٧» .
стр. 283
مع كل هذه الإضافات التي أوجدها ابن حبان لكتابة السيرة ضمن كتب التراجم بخاصة وكتب السيرة بعامة فانها بقيت رهينة هذا الكتاب إذ لم تتعد إلى غيره، اذ لم نجد في مصنفات السيرة التي تلته أي اقتباس منه أو سلوك نهج مقارب لنهج ابن حبان في كتابة السيرة وليس هذا حسب، بل اغفل هذا الأمر أيضا من اتبع خطى ابن حبان في كتابة مصنف يخصص لذكر الثقاة من الرواة، إذ وجدنا ابن شاهين (ت ٣٨٥ هـ) * قد أغفل كتابه ذكر سيرة لرسول الله ﵌ في بدايته عندما سرد أسماء الثقاة الذين نقل عنهم العلم «١٤٨» ، وإن هذا الأمر قد يكون ناشئا من طغيان كتب السيرة التي سبقته ورواجها بين الناس حتى قيل في وصف أحدها: من أراد كتابة السيرة فهو عيال على ابن إسحاق «١٤٩» ، فضلا عن ذلك فقد كان لانصهار هذه السيرة في مصنف خصص لعرض أسماء الثقاة من الرواة أثر ملموس في عدم الاقتباس من هذه السيرة، إذ انصبت جهود العلماء على تتبع آراء وأسماء الذين أوردهم ابن حبان في كتابه من الثقاة الذين يجوز الاحتجاج بروايتهم من دون النظر إلى ما سبقها وهي (سيرة الرسول) ، إذ كان لديهم شعور يعدّ ذكر ابن حبان لسيرة الرسول في بداية كتابه تبركا وتيمنا بالاستفتاح بذكر الرسول ﵌ وأحواله.
هذه هي الجوانب التي لمسناها في هذا الكتاب والتي بينت المسلك الذي انتهجه ابن حبان في عرضه سيرة الرسول ﵌ ضمن كتب التراجم.
стр. 284
١. تهذيب الأسماء واللغات لمحيي الدين بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ) :
هو الفقيه المحدث يحيى بن شرف بن مرسي بن حسن النووي الدمشقي الشافعي الحافظ اللغوي المشارك بالعلوم الأخرى، ومن الذين لهم الباع الطويل في الكتابة والتصنيف «١٥٠» .
خصص النووي في بداية كتابه هذا حيزا ذكر فيه عرضا موجزا لسيرة الرسول ﵌ «١٥١» ، مقتفيا بذلك أثر من سبقه تيمنا وتبركا بذكر سيرة للرسول ﵌ يفتتح بها كتابه، إذ بين هذا الأمر في مقالته: " ومقصودي في تشريف الكتاب بتصدير لبعض أحوال المصطفى ﷺ والحبيب المجتبى [لأنه] خيرة العالم وخاتم النبيين وإمام المتقين وسيد المرسلين هادي الأمة ونبي الرحمة وزاده فضلا وشرفا لديه" «١٥٢» .
انتهج النووي كسابقيه منحى الاختصار في ذكر تفاصيل السيرة التي كان الهدف من كتابتها التبرك والتيمن، الأمر الذي جعله يختصرها إلى هذا المقدار، إذ أوضح هذا الأمر بالقول: " واعلم أن أحوال رسول الله ﷺ وسيره وما أكرمه الله به وما افاضه على العالمين من آثاره صلى اله عليه وسلم غير محصور ولا يمكن استقصائها لا سيما في هذا الكتاب الموضوع بالإشارة إلى نبذ من عيون الأسماء وما يتعلق بها وفيما ذكرته تنبيها على ما تركته" «١٥٣» .
لأجل ذلك كانت هذه السيرة التي تضمنها كتاب النووي هذا تقليدية ومفتقرة للتجديد والتطور، باستثناء عقده فصلا مستقلا للحديث عن خصائص
стр. 285
الرسول ﵌ في الأحكام وغيرها «١٥٤» ، إذ عدّ النووي نفسه عمله هذا قفزة نوعية في كتابة السيرة، إذ يقول مبينا هذا الأمر: " وهذا فصل نفيس وعادة أصحابنا يذكرونه في أول كتاب النكاح لأن خصائصه ﷺ في النكاح أكثر من غيره وقد جمعتها في الروضة مستقصيا لها ولله الحمد، وهذا الكتاب لا يحتمل بسطها وأشير فيه إلى مقاصدها مختصرة إن شاء الله «١٥٥» ، وبعمله هذا أسهم إسهاما جادا في إيجاد منحى توثيقي بين كتب الفقه والحديث من جهة وكتب المؤرخين من جهة أخرى في ما يخص سيرة الرسول ﵌ وأحواله خلالها.
كانت هذه السيرة التي كتبها النووي مشابهة لمثيلاتها من السير التي كتبت في مصنفات التراجم من حيث عدم اعتماد المهتمين بالسيرة على مثل هذه الكتب، إذ لم يقتبسوا أي نص من نصوصها ولم يناقشوا أية رواية وردت فيها، باستثناء تعليق السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) عمّا أورده النووي من ذكر لأعداد خدام النبي ومواليه «١٥٦» ، إذ عدّد موالي النبي وخدامه بنحو (١٣٠) نفس من الأرقاء: من الرجال (٧٠) ومن النساء (٣٠) ومن الخدم الأحرار نحو (٣٠) نفسا «١٥٧» .
وفي ختام الحديث عن تطور كتابة السيرة ضمن كتب الطبقات والتراجم نرى أن المصنفات التي كتبت في هذه المحاور قد إنعدم في معظمها التجديد والتطوير، بسبب من الأهداف والدوافع التي من أجلها صنفت هذه الكتب والتي تركزت في مجرد عرض سيرة للرسول ﵌ مفتتحتا إياها من أجل التبرك
стр. 286
والتيمن بذكر اسمه الشريف عند ذكر أسماء الأعلام الذين يترجم لهم في هذه الكتب.
ولأجل ذلك نرى أن اثر هذه المصنفات محدود في تطور كتابة السيرة، لا من ناحية جعل سيرة الرسول ﵌ ضمن هذه المصنفات الذي هو تطور بحد ذاته، بل من ناحية عدم وجود لمسات تجديد في وجهة نظر كل واحد من هؤلاء المصنفين، لأنهم في أثناء عرضهم سيرة الرسول ﵌ ضمن مصنفاتهم لم يكونوا يريدون أن يثبتوا حجة ما، أو يناقشوا الروايات، أو أن يضيفوا أسلوبا مغايرا لما اعتادوه، بل كان عرضهم سيرة الرسول ﵌ مجرد عرض أولي وبسيط لا يتجاوز تكرار ما ذكرته المصنفات السابقة؛ وهذا الأمر قد أشار إليه أحد الباحثين في قوله: " وإذا كان من الحق أن نقول ن كتاب التراجم لم يعنوا بالنقد والتحليل والتعليل في ترجمة الرجال أكثر مما عنوا في سرد أخبارهم وذكر آثارهم ونقلهم بعضهم عن بعض حتى تشابهت العبارات في مصادر الترجمة" «١٥٨» . وإذا كان ثمة تطور يذكر فهو في إدخال السيرة النبوية الشريفة ضمن كتب تخصصت في مجال الطبقات والتراجم للصحابة والتابعين والأصفياء والصالحين والخلفاء و ... الخ لا غير.
وكانت هنالك مصنفات أخرى أدمجت السيرة النبوية ضمن مباحث كتبها، ولكن هذه المصنفات لم تكن مصنفات تأريخية بالدرجة الأولى بل كانت على قسمين: القسم الأول: كتب الحديث، إذ خصص بعض المحدثين قسما من كتبهم للحديث عن سيرة الرسول ﵌ وأحواله «١٥٩» ، والقسم الثاني: كتب
стр. 287
الثقافة العامة* التي تعد من ضمن كتب الأدب «١٦٠» ، إذ حوت بعض هذه الكتب سيرة للرسول ﵌ متباينة من حيث الحجم والكم «١٦١» .
وهذا ما بين أن المؤرخين لم يكونوا وحدهم هم الذين ادخلوا سيرة الرسول ﵌ في مصنفاتهم بل تبعهم في ذلك بعض العلماء الذين حوت كتبهم هي الأخرى عرضا لسيرة الرسول ﵌، الأمر الذي شكل تطورا ملحوظا في
كتابتها من جانب، وتعريف الأجيال بالترابط الصميمي بين كتب السيرة والنتاجات الفكرية الأخرى للمسلمين من حيث إن السيرة النبوية الشريفة تمثل الانعطافة المهمة في تأريخهم الحضاري من جانب آخر.
стр. 288
الفصل الرابع التصنيف المستقل لجوانب السيرة ومفرداتها
مدخل:
أفرزت نتاجات المسلمين الفكرية بعامة، وكتابات السيرة منها بخاصة ظاهرة جديدة في التصنيف وهي كتابة مصنفات مستقلة تتناول في حديثها جانبا واحدا من جوانب السيرة، إذ لم يكتف المهتمون بسيرة الرسول ﵌ بعرضها على نسق شمولي بمصنفات تتناول حياة الرسول ﵌ بذكر نسبه الشريف مرورا بمولده الميمون وانتهاء بانتقاله إلى الرفيق الأعلى، وذكر متعلقات حياته في جوانبه الشخصية وأموره المعاشية، بل تعدى ذلك إلى تخصيص مصنفات تتسم بالعرض المستقل لجانب واحد من جوانب حياته الشريفة، مثل ذكر مولده أو أعلام نبوته أو أخلاقه أو صفاته أو أسمائه ... الخ من جوانب السيرة التي عرضها بعض المؤرخين بشمولية عند ذكرهم لسيرة الرسول ﵌.
كانت وراء هذا التطور المستجد في كتابة السيرة عوامل عدة ظهرت في وقت واحد ومتقارب مع العوامل التي ساعدت على كتابة وتصنيف سير متكاملة للرسول ﵌ سواء أكانت مستقلة أم مندمجة مع المصنفات الأخرى «١» ، وهذه العوامل هي:
стр. 289
١. الخروج من دائرة الاختصار والاقتضاب باستعراض حوادث السيرة والجوانب الشخصية للرسول ﵌ ضمن كتب السيرة الشاملة والمندمجة مع المصنفات الأخرى، إذ لم تذكر هذه المصنفات كل ما وصل إليها من روايات تخص هذه الحوادث والجوانب، وذلك لأنها لو ذكرت تلك الجوانب كلها لبلغت مصنفاتها من الاتساع حدا لا يستطع أحد الإحاطة به، ولأجل ذلك شرع بعض المؤرخين في إخراج وكتابة مصنفات مستقلة لهذه الحوادث والجوانب من سيرة الرسول ﵌ يأخذ مصنفها الحرية المطلقة في إثبات كل ما وصل إليه من روايات تبين تلك الوقائع والحوادث والجوانب الشخصية التي يروم الكتابة فيها.
٢. استمرار مدرسة الإخباريين في كتابة وقائع الحوادث الانعزالية عن المجريات العامة للحوادث التأريخية عند المسلمين «٢» ، وينتهي بعض الباحثين إلى عدّ هذا المنحى في كتابة حوادث وجوانب السيرة بانعزالية استمرارا للنهج الذي سارت عليه مدرسة الإخباريين التاريخية ولا سيما القرن الثالث الهجري الذي تنامى فيه هذا المنحى في الكتابة والتصنيف «٣» .
٣. تنامي رغبة المحدثين في كتابة مصنفات ومنتخبات من كتبهم في الحديث يتناولون فيها جوانب متعددة من حياة الرسول ﵌ يطبقون فيها مناهجهم في رواية وكتابة الحديث النبوي، إذ تركزت هذه الجوانب في كتابة المغازي والشمائل النبوية وصفات الرسول ﵌ وأعلام نبوته وطريقة عيشه، لأن هذه
стр. 290
الجوانب قد كانت ضمن أبواب كتب الحديث «٤» ، إذ تمثل عملهم هذا باجتزاء هذه الأبواب من تلك المصنفات التي تضمنت روايات لم تكن فيها أحكام تشريعية بالدرجة الأولى، وبتخصيص مصنفات مستقلة لها، بعبارة أدق، فصل روايات الأحكام والتشريع عن روايات السنن والأفعال التي هي غير واجبة التنفيذ على العباد.
إن هذه الرغبة قد تولدت لدى هؤلاء المحدثين لتعاظم النظرة التي يكنها المسلمون لشخصية نبيهم الكريم محمد ﵌ من جانب، ومحاولة تلبية حاجات المجتمع بتقديم القدوة والمثال لهم وهي شخصية النبي محمد ﵌، بعدما اتسعت الهوة بين أفراد المجتمع وانسلخ قسم كبير منهم عن تعاليم الإسلام وانغمس بالملذات الدنيوية من جانب آخر «٥» ، فكانت هذه المصنفات التي تناولت تلك الجوانب من حياة الرسول ﵌ دعوات صارخة تنادي بالرجوع إلى ما اختطه الرسول ﵌ من مسار للمسلمين وما سار عليه خلفاؤه الراشدون (رض) وصحابته النجباء.
وصف أحد الباحثين هذه الحالة والنتائج التي تمخضت عنها بالقول: " وقد دبجت بحوث كبيرة تتناول وظيفة الحديث من الناحية القانونية واللاهوتية حتى كادت نواحي الحديث الشخصية والدينية تهمل وتنسى ... إن الحاجة الماسة إلى إيجاد ينبوع مشروع ليتمم تعاليم القرآن القانونية والأخلاقية هي التي دفعت إلى
стр. 291
البحث عن أمثلة سنها محمد ﷺ خلال حياته وفعاله اليومية ... ولولا الحديث لغدا محمد ﷺ خلال العصور صورة إن لم تكن باهتة فعلى الأقل مختزلة سيميائية لا تغادر قاع دينهم وتأريخهم" «٦» ، وينتهي الى القول: " وقد ابتكرت التقوى الإسلامية فيما بعد وسائل أخرى من وسائل التعبير تتمتع بقدر من الحرية أعظم التي كانت خاصة بالحديث، والحديث كان مقيدا بشروط مدرسية قاسية ففي المجال الأدبي المحض نجد ذلك جليا في السير ... التي تتناول الدلائل على صدق دعوة محمد ﷺ ورسالته كما تتناول أخرى شخصيته (الشمائل) وهناك غير ذلك من الكتب الكثيرة نثرا وشعرا" «٧» .
٥. تعاظم الأفكار الإلحادية والهدامة في المجتمع الإسلامي، حين أنكر بعض الجماعات وجود الخالق أو الأنبياء والتشكيك بهم «٨» ، فكان معظم هذه المصنفات هي جوانب ضمنية لما أثارته هذه الأفكار من حجج وآراء تدحض فكرة النبوة أو تنكرها لشخص الرسول محمد ﵌، «٩» ولأجل ذلك اتجهت هذه الكتب إلى منحيين:
المنحى الأول: معنوي، تمثل بإبراز الجوانب السامية في شخص الرسول ﵌ من حيث إن هذه التصرفات التي تصدر من هذا الشخص ليست تصرفات شخص عادي، وقد اختصت بهذا الجانب كتب الشمائل والأخلاق والصفات.
стр. 292
المنحى الثاني: مادي، تمثل بالمحاججة العقلية والنقلية للروايات في إثبات صحة النبوة، وقد اختصت بهذا الجانب الكتب التي صنفت لإثبات الأعلام والدلائل التي صدرت من الرسول ﵌ مع كون هذه المصنفات متممة لسابقتها التي عنيت بإبراز الجوانب الأخلاقية في سيرة الرسول ﵌.
هذه هي العوامل والحوافز التي أدت إلى ظهور هذه المصنفات ضمن هيكل السيرة النبوية التي كانت بمجملها تطورا كبيرا يضاف إلى الحلقات التطورية الأخرى لكتابة السيرة النبوية، مع إسهام كل مصنّف من مصنفي هذه الكتب بمنهج وطريقة خاصة بعرض مضامين كتابه ثم تأثير هذا الكتاب في المصنفات التي لحقته والتي اعتمدت عليه بنقل نصوص منه أو سلكت طريقته في عرض رواياته.
стр. 293
المبحث الأول المصنفات التي كتبت في حادثة مولد الرسول ﵌
أوردت لنا كتب الببليو غرافيا (فهارس الكتب) أسماء مصنفات عدة تناولت حادثة المولد النبوي باستقلالية وانفصال عن باقي الحوادث الأخرى «١» .
ومن ملاحظة أسماء كتّاب هذه المصنفات نجد أنهم لا يمتون بصلة إلى القرون الستة الأولى من تأريخ الإسلام- وهي مدة البحث-، وهذا ما أشار إليه السخاوي في تعداده للمصنفات التي كتبت في هذه الحادثة، اذ ذكر أن كتابة هذه المصنفات قد حصلت في القرون المتأخرة من التأريخ الإسلامي «٢» ، وهذا ما أكده أحد الباحثين الذي انتهى إلى القول: " ألف المتأخرون بالمولد الشريف فجعلوا فيه أساطير وجعلوا فيه لونا من العبادة" «٣» ، وقد بين ابن خلكان صدق هذه الاراء بأن حادثة المولد قد حصل الاحتفال بها أول مرة في أواسط القرن السابع الهجري واتخذت سنّة متبعة في كل عام يصنف فيها كتاب عن هذه الحادثة، ويقرأ على مسامع الناس مبينا تفاصيل حادثة المولد «٤» .
стр. 294
ولكن بعض المكتبات احتفظت بنسخ خطية كتب عليها كتاب [مولد النبي] لمحمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) «٥» ، مع العلم أن المصادر التي ذكرت المصنفات التي كتبها الواقدي لم يرد فيها أي ذكر لهذا الكتاب ضمن قائمة مصنفاته «٦» ، حفز هذا الأمر عدد من الباحثين على التشكيك في صحة نسبة هذا المصنف إلى الواقدي «٧» .
ومن دراسة هذا الكتاب نرى فيه جوانب عدة تدفعنا إلى القول بقطعية عدم صدوره عن الواقدي، وهذه الجوانب هي:
١. إن أسلوب الكتاب يختلف تماما عن أساليب الكتب المدونة في عصر الواقدي، إذ امتاز أسلوبه بوجود محسنات بديعية في الألفاظ ولا سيما السجع، فمن ذلك: " قالت آمنة لما حملت بمحمد ﵌ في أول شهر من حملي وهو شهر رجب الأصم بينما أنا ذات ليلة في لذة المنام إذ دخل عليّ رجل مليح الوجه طيب الرائحة وأنواره لائحة ... فقلت له من أنت فقال أنا آدم أبو البشر فقلت له ما تريد قال ابشري يا آمنة فقد حملت بسيد البشر وفخر ربيعة ومضر ... ودخل عليّ رجل فقلت له من أنت فقال أنا شيث فقلت له ما تريد فقال ابشري يا آمنة فقد حملت بصاحب التأويل والحديث ... ودخل عليّ رجل فقلت له من أنت فقال أنا إدريس فقلت له ما تريد قال ابشري يا آمنة فقد حملت بالنبي الرئيس" «٨» ، ويضيف في مكان آخر من الكتاب واصفا فيه حالة
стр. 295
الولادة" فلما ولد صاحب الناموس وحبيب الملك القدوس بدا في حضرة كالعروس بوجه يحكي القمر نورا وشعرا يحكي سواده ديجورا ... وحاجب حدرت رجته بالمسك تحذيرا وطرف أسنى الجمال به قريرا" «٩» .
هذا هو الأسلوب الذي كتب به هذا المصنف الذي قطعت الدراسات التي تناولت مناهج المؤرخين وأساليبهم بأن استعمال المحسنات البديعية لم تظهر في الكتابة العربية بعامة، والتاريخية منها بخاصة إلا في قرون متأخرة «١٠» ، مع العلم أن إحدى الدراسات قد تناولت منهج الواقدي بالبحث، فكان الأسلوب الذي وصفت به كتابات الواقدي مختلفا تماما عن أسلوب هذا الكتاب «١١» ، فضلا عن هذا كله فان هذا الأسلوب السجعي في الكتابة قد اتسم ب: " الابتعاد عن الحقائق والدقة، فإذا التزم السجع فلا بد من إضافة جملة قد تكون مجرد تكرار قلما تعين على توضيح صورة الشخصية أو الحادثة، وبذلك تشغل حيزا واسعا ربما كان بالإمكان تخصيصه لحقائق الأخبار ... وبالإجمال فان استخدام السجع إذا كان قد أضفى إلى الكتابة التأريخية جاذبية في نظر القارئ المثقف فانه لم يساهم بشيء في تعميق الفهم التأريخي، كما وان استخدام السجع لم ينتج شكلا جديدا في جوهره من أشكال العرض التأريخي ... وبالتالي لم يكن السجع أسلوبا ملائما في بحث التأريخ بصورة حية" «١٢» .
стр. 296
كان هذا الأسلوب في الكتابة نقطة ضعف تسجل ضد صحة نسبة هذا الكتاب إلى الواقدي لعدم توافق الأسلوب مع العصر الذي يدعّى كتابته فيه.
٢. وجود نمط شعري لم يكن مألوفا في عصر الواقدي ظهر بين أوراق هذا الكتاب، إذ وجدت العديد من المقطوعات الشعرية التي يطلق عليها المدائح النبوية «١٣» ، وهي من الأنماط الشعرية التي برع فيها شعراء القرون المتأخرة «١٤» .
٣. إغفال المصادر التي اعتمدت على مصنفات الواقدي ورواياته في السيرة لأي اقتباس أو نص من هذا الكتاب، مع العلم أن المصادر قد أجمعت على أن محمد بن سعد كان أحد الأربعة الذين استقر عندهم علم الواقدي ومصنفاته «١٥» ، فلم يورد ابن سعد أي نص في كتاب الطبقات وفي قسم السيرة منه بخاصة، ولا سيما في حادثة المولد، بل نقل روايات عدة عن الواقدي في هذه الحادثة لم تكن أية واحدة منها موجودة في هذا الكتاب «١٦» .
هذه هي الأدلة التي تغلق الباب أمام كل الاحتمالات التي قد تحاول إثبات نسبة هذا الكتاب إلى الواقدي. وتدفعنا هذه الادلة الى القول إن هذا الكتاب من نتاجات أحد القصاصين في القرون المتأخرة.
تنبه أحد الباحثين إلى ظاهرة نسبة بعض المصنفات إلى الواقدي وهو منها براء، إذ انتهى إلى القول بعد أن استعرض أحد الكتب المنسوبة إليه [فتوح المغرب] ودحض هذه النسبة ب: " ولكن مؤلفات الواقدي لم تصل إلينا جميعا
стр. 297
والذي تثبت نسبته إليه هي مغازي الرسول، بينما يشك في أن تكون فتوح الشام له بينما ما عدا ذلك مما وصل إلينا مستقلا أو منقولا في كتب المتأخرين فيشك في أصالته بل وفي صحة نسبته إليه" «١٧» .
بقي لنا أن نذكر أن إحدى الدراسات قد قالت إن ابن دحية الكلبي هو صاحب أول مصنف في حادثة مولد الرسول ﵌ «١٨» ، وسلم هذا المصنف من عوادي الدهر، ولكننا لم نستطع الاطلاع عليه لأنه ما زال مخطوطا في بعض المكتبات العالمية «١٩» ومن هذا نرى أن الكتابات في حادثة مولد الرسول ﵌ التي نسبت لمؤرخين متقدمين قد انتابها بعض الغموض من حيث صحة نسبتها إلى مؤلفيها، إذ كان القصاص بحسب ما يصفهم الصالحي قد اسهموا إسهاما فعالا في نشر أخبار حادثة المولد من دون تتبع منهم ودراية بما يقولون ومن ثم أدرجها المتأخرون عنهم في كتبهم «٢٠» .
стр. 298
المبحث الثاني المصنفات التي كتبت في أرحام الرسول ﵌ وأهل بيته وأزواجه
تنوعت اتجاهات المؤرخين في توثيق حياة الرسول ﵌ في جوانبها المختلفة، ومن هذه الجوانب تخصيص مصنفات مستقلة للحديث عن أمهات الرسول ﵌ وأزواجه وذريته باستقلالية عن باقي الجوانب الأخرى لسيرة الرسول ﵌، إذ كانت وراء كتابة هذه المصنفات عوامل عدة:
١. استمرار المفاخرات القبلية بين القبائل العربية من حيث صلة قرابتها بالرسول ﵌ أو مدى علاقة بعض القبائل به ومواقفها من الإسلام والدعوة الإسلامية وأقوال الرسول ﵌ فيها «١» .
٢. الوقوف في وجه حملات الشعوبيين لتأكيد الترابط بين القبائل العربية وقبيلة الرسول ﵌ الذي يبين وحدة ترابط الأمة باستعراض أسماء القبائل التي ارتبطت مع الرسول ﵌ بمصاهرة أو نسب، كل ذلك أخذته على عاتقها المدرسة العراقية في التدوين التأريخي «٢» .
شملت هذه المصنفات محاور عدة هي:
стр. 299
أ. المصنفات التي كتبت في أمهات النبي:
لم يرد في فهارس الكتب أي ذكر لأسم مصنف تحدث باستقلالية عن أمهات الرسول ﵌ في المدة قيد الدراسة باستثناء كتاب علي بن محمد المدائني (ت ٢٢٥ هـ) ، وكتاب محمد بن إسحاق المسيبي (ت ٢٣٦ هـ) «٣» . لم تصل إلينا هذه المصنفات، وما وصلنا منها كتاب محمد بن حبيب (ت ٢٤٥ هـ) * الذي أسماه [أمهات النبي] ، إذ صنفه على وفق مسمياتهن، وقبائلهن، بدء من آمنة بن وهب وانتهاء بزوجة معد بن عدنان جد الرسول الأعظم «٤» .
أمتاز هذا المصنف بالاختصار فلم يتعد في حديثه عن أمهات رسول الله ﵌ إلا ذكر أسمائهن ومن تزوج بهن من أجداد الرسول ﵌ من دون البحث في جوانب شخصياتهن وأحوالهن، ويرجع ذلك إلى قلة المعلومات التي يذكرها عنهن، إذ إنه عندما يرتفع إلى ما بعد الجد الثامن للرسول ﵌ تقل السلسلة التي يذكرها بأسماء جداته «٥» .
كان هذا الموضوع الذي كتب فيه ابن حبيب مصنفه هذا فريدا في بابه، فلم يصنف بعده أي واحد من المتأخرين كتابا مستقلا في هذا الجانب.
стр. 300
لم يذكر ابن حبيب الدافع المباشر الذي حفزه على كتابة هذا المصنف ولكن من دراسة هذا المصنف يتبين لنا أنه كان محاولة لتعريف المسلمين بأسماء أمهات الرسول ﵌ وقبائلهن وأزواجهن من أجداده ﵌ تأكيدا لطهارة مولده الذي لم يكن من سفاح أو بغي أو زنا، تصديقا لكلام الله وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ «٦» ، وتأكيدا لقوله ﵌: " خرجت من نكاح لا من سفاح" «٧» .
أشار ابن الكلبي إلى هذا الأمر بقوله: " كتبت للنبي خمس مئة أم فما وجدت فيهن سفاح ولا شيء مما كانت في الجاهلية عليه" «٨» ، هذا هو الدافع الأساس الذي كان وراء إفراد ابن حبيب مصنفا مستقلا عن أمهات الرسول ﵌.
ب. أزواجه:
خصص العلماء الذين اهتموا بسيرة الرسول ﵌ مصنفات مستقلة للحديث عن زوجاته، حيث كان هذا الاهتمام بهذا الجانب مبكرا جدا، إذ أورد لنا ابن النديم إحصائية غير مرتبة بأسماء هؤلاء العلماء الذين تولوا مهمة الكتابة عن هذا الجانب «٩» ، فضلا عن ذكر مصنفات أخرى في هذا الجانب تأخرت عن هؤلاء «١٠» .
стр. 301
لم يصل إلينا من هذه المصنفات سوى كتاب واحد هو [تسمية أزواج الني] لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢٠٧ هـ) «١١» ، مع العلم أن المصنفات الأخرى التي تناولت سيرة الرسول ﵌ قد خصص بعضها فصلا مستقلا عرض فيه أسماء زوجاته وأحوالهن «١٢» ، قدم لنا أبو عبيدة معلومات وافرة عن أزواج الرسول ﵌، فهو من العلماء المشهود لهم بطول الباع في اللغة والأدب فضلا عن الشعر العربي القديم وأيام العرب وأخبارهم وأنسابهم «١٣» .
اسهم هذا الكتاب في تطور ملحوظ بكتابة السيرة النبوية حين قدم نتاجا فكريا مستقلا عن حياة كل زوجة من زوجات الرسول ﵌ في مصنف واحد يتميز بوحدة الموضوع بعيدا عن التشعب والتداخل مع باقي الحوادث الأخرى في سيرته الشريفة «١٤» ، إذ لم يكن أبو عبيدة جامعا للروايات التي أوردها في كتابه حسب، بل اتبع فيها منهجا نقديا وشكيا في آن واحد، فضلا عن استدلاله على قوة الرواية وضعفها بما يورده من قرائن تؤكدها، إذ استدل على وقت زواج الرسول ﵌ وولادة خديجة لبناته كلهن في الجاهلية بقوله:
" والدليل على وقت تزويجه خديجة، وعلى أنها ولدت بناته هؤلاء في الجاهلية، أنه زوج زينب أبا العاص ابن الربيع بن عبد شمس فلما أسلمت ولم يسلم منعه النبي منها فلو كانت ولدت بعد الوحي لم يكن النبي ﷺ يزوجها
стр. 302
كافرا، ولو كان النبي ﷺ تزوج خديجة بعد هذا الوقت الذي في صدر الكتاب ما بلغت زينب مبلغ النساء، ولا التزويج في الجاهلية" «١٥» ، واتبع الأسلوب نفسه في حديثه عن أولاد رسول الله ﵌ الذكور من خديجة (ع) إذ يقول: " وولدت في الجاهلية عبد مناف والطيب ...
والدليل على ذلك أن عبد مناف لو كان ولد في الإسلام لم يسمه عبد مناف" «١٦» .
إن هذا المنحى من قبل أبي عبيدة في إيراد القرائن وربط الأحداث بعضها ببعض لم يقتصر على الروايات التي ذكرها بل تجاوز ذلك إلى التماس نصوص قرآنية وثقت الحوادث التي يعرضها عن زوجات الرسول ﵌، لكي تكتمل الصور عن الحدث المراد ذكر روايته، إذ أورد الايات التي نزلت في زواج الرسول ﵌ من زينب بنت جحش «١٧» عند عرضه هذه الحادثة وملابساتها «١٨» ، وغير ذلك من الحوادث التي أثبت ما نزل فيها من الذكر الحكيم «١٩» .
ظهرت هنالك حالة في هذا الكتاب تمثلت بعدم وجود أي نص شعري فيه عند عرضه الحوادث التي وردت في ثناياه إلا في موضع واحد «٢٠» ، وهذا ما أثار
стр. 303
استغرابنا لأن أبا عبيدة كان ممن يشار إليهم بالبنان في رواية وحفظ الشعر الجاهلي والإسلامي «٢١» ، ولا نعلم سبب هذا العزوف عن ذكر بعض أبيات من الشعر في الحوادث التي تطرق إليها، أكان لعدم قناعة أبي عبيدة بالشعر الذي قيل في تلك الحوادث أم كان محاولة منه لاختزال هذا الكتاب وعدم إكثار شواهد النصوص فيه، على الرغم من ورود بعض الأبيات الشعرية في قسم من مصنفات السيرة عند ذكرها لأزواج الرسول ﵌ وأحوالهن «٢٢» .
فضلا عن هذا كله فإن هذا الكتاب قد شكل مرحلة انتقالية بين ما نهجه كتاب السيرة في الاهتمام بذكر مصادر الرواية التي يثبتونها عن سيرة الرسول ﵌ وأحواله الشخصية والاسترسال في الكلام وعدم ذكره لمصادر الروايات، إذ نرى أن هذا الكتاب قد أغفل تماما سلاسل الإسناد إلا في مواضع قليلة جدا منه «٢٣» ، مع العلم أن أبا عبيدة قد عاش في وقت كان الإسناد بإيراد الروايات في أوج نشاطه «٢٤» ، ولأجل ذلك كانت الروايات التي شكلت فيها محل استغراب منا، لانه لم يشر في كتابه الى من قال بتلك الشكوك والاراء، وخاصة في بعض المحاور التي اختلف رواة السيرة بالتبيان في صحة أقوالهم، واكتفى بإيراد عبارة [وزعم بعضهم] «٢٥» .
стр. 304
لأجل هذه الأمور كان هذا الكتاب أحد المصادر المهمة التي اعتمد عليه العلماء الذين ذكروا زوجات الرسول ﵌ في كتبهم «٢٦» .
كان هذا الكتاب إحدى الحلقات المهمة في الهيكل العام لسيرة الرسول ﵌ لإردافه المصنفات التي تحدثت عن السيرة بجوانب مفصلة عرضتها باستقلالية واجتزاء عن باقي المواضيع الأخرى لسيرة الرسول ﵌.
لم تنطفئ هذه الجذوة التي أوقدها أبو عبيدة وأقرانه من العلماء، إذ سار المتأخرون عنهم على منوالهم فقد صنف علي بن محمد المدائني كتابا مستقلا عن بعض زوجاته، فضلا عن كتابة بعضهم مصنفات تذكر مناقب أمهات المؤمنين «٢٧» ، مع تخصيص حيز أكبر لزوجاته في المصنفات التي عرضت سيرة الرسول ﵌ بشمولية واتساع «٢٨» .
هذه هي المصنفات التي كتبت عن زوجات الرسول ﵌ والتي بينت المكانة التي شغلتها هذه المصنفات بين كتب السيرة بمختلف أنماط كتابتها، وبينت المعايير التي كتب بها العلماء مصنفاتهم هذه والتي أظهرت أن الغايات العلمية كانت وراء تصنيف معظم هذه الكتب مع تبيان وتعريف المسلمين
стр. 305
بزوجات نبيهم، فضلا عن توضيح بعض الحوادث التي جرى فيها الكلام حول علاقة الرسول بزوجاته ومواقف بعض هذه الزوجات منه.
ج. ذرياته:
كانت ذرية الرسول ﵌ موضوعا للبحث المستقل أيضا، فقد خصص العلماء مصنفات عديدة تناولوهم فيها باستقلال عن بقية الشخصيات المتعلقة بالرسول ﵌ من جهة، ومن الهيكل العام للسيرة النبوية من جهة أخرى، إذ أوردت لنا إحدى المصنفات قائمة بأسماء العلماء الذين اهتموا بالكتابة عن ذرية الرسول ﵌ وأسماء كتبهم «٢٩» .
ظهرت لأجل هذه الأمور مجتمعة مصنفات عدة في هذا الجانب، إذ صنف محمد بن أحمد الدولابي (ت ٣٨٠ هـ) كتابا أسماه (الذرية الطاهرة) «٣٠» ، فضلا عنه وجود مصنفات عدة في هذا الجانب ابتداء من عصر الدولابي وانتهاء بالعصر العباسي «٣١» .
لم يصل إلينا من المصنفات التي ذكرت في هذا الجانب سوى كتاب (الذرية الطاهرة) وهو لا يزال مخطوطا إلى الان «٣٢» .
شغل هذا الكتاب مكانا طيبا بين مصنفات السيرة، إذ لا حظنا فيه منهجية خاصة تختلف بمجملها عن المنهجيات التي عرضناها آنفا والتي منها بينا التطور
стр. 306
الذي اوجده كل مصنف من مصنفات السيرة من حيث تطورها الأفقي والعمودي. تركزت هذه المنهجية في أمرين أساسين لا ثالث لهما: الأمر الأول:
تسليط الضوء على إسهامات كل فرد من ذرية الرسول ﵌ وأحفاده في روية الحديث ونشره «٣٣» ، إذ وجدنا في هذا الكتاب اهتماما منقطع النظير بإيراد مجموع من الأحاديث والأقوال التي رواها كل من الإمام الحسن ﵇ «٣٤» ، والإمام الحسين ﵇ «٣٥» ، والبتول فاطمة الزهراء ﵍ «٣٦» ، إذ أسمى هذه المجاميع بالمساند.
إن هذا الأمر لم نألفه في المصادر التي سبقته والتي عرضت سيرة الرسول ﵌ بمختلف جوانبها باستثناء محاولة اليعقوبي إفراد فقرة مستقلة في كتابه التأريخ خصصها لبعض الأقوال والحكم التي قالها الرسول الكريم محمد ﵌ «٣٧» ، ولكن هذه الفقرة لم تكن بالصيغة نفسها التي جمع بها الدولابي الأحاديث التي رواها أهل البيت ﵈ ، أما الأمر الثاني: فقد تركز في إيجاد مجموع بسيط يضم في طياته أخبارا تتسم بالاستقلالية لذرية الرسول ﵌ وأسباطه «٣٨» .
стр. 307
هذه هي المنهجية التي اتسم بها هذا الكتاب الذي أسهم في تطور ملحوظ في الكتابة عن ذرية الرسول ﵌ وأحوالهم، فضلا عن هذا كله فقد حوى الكتاب على بعض الروايات التي تدل على تساهل الدولابي في إيرادها ضمن مصنفه هذا «٣٩» ، ومن ثم فان هذا الكتاب لم يكن تقليديا في أسلوبه ومنحاه بل أتبع كما لا حظناه منهجا مغايرا لما نهجته المصادر التي تقدمته عند عرضها سيرة الرسول ﵌.
стр. 308
المبحث الثالث المصنفات التي كتبت في شمائل الرسول ﵌ وأخلاقه
الشمائل في اللغة هي الطباع والسجايا والأخلاق التي يتسم بها الشخص «١» ، ولهذا نجد أن المصنفين في موضوع الشمائل قد ترادفت مسميات كتبهم في هذا الجانب، فتارة يسمونها ب (أخلاق النبي) و (شمائل النبي) تارة أخرى. وقبل البدء بعرض هذه المصنفات يجب إعطاء لمحة موجزة عن الجذور الأولى لكتابتها وأسباب العناية بها وتشجيعها، الأمر الذي لأجله ظهرت مصنفات عديدة كتبت في هذا المجال على طول تاريخنا الإسلامي «٢» .
كان وراء نظرة المسلمين لشخصية الرسول ﵌ أثر فعال في كتابة هذه المصنفات، إذ كان شخصه الكريم القدوة والمثال والأسوة الحسنة التي يقتدي بها المسلون، وذلك امتثالا لقوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ «٣» ، وهذا ما دفع المسلمين إلى البحث والتقصي عن الأفعال والتصرفات التي بدرت من الرسول ﵌ في حياته اليومية ابتداء من قيامه إلى صلاة الفجر وانتهاء بوضع رأسه الشريف على الوسادة وتجسيد هذه التصرفات كواقع حال معمول به من قبلهم هذا من جانب، ومن جانب آخر كان لاضمحلال الاتجاه
стр. 309
العقلي الذي نحاه المعتزلة بعد تحجيم المتوكل العباسي لنشاطهم وإحياء الاتجاه النقلي الذي مثله أهل الحديث، إذ تمثل ذلك بالعودة إلى ما ألفه المسلمون من تقصي وتتبع لأخبار وأحوال عصر الرسالة والخلافة الراشدة بعدما استحوذت العلوم العقلية على أفكار الناس ومعتقداتهم بعد أن فسح المأمون لذلك بترجمة الكتب الفلسفية والنتاجات الفكرية للأمم والشعوب المجاورة وتبني المعتزلة مهمة نشر أفكار هذه الأمم والشعوب «٤» .
لأجل ما ذكرناه نشأت فكرة متمثلة بتخصيص مصنفات مستقلة يجمل فيها المحدث ما وصل إليه من روايات تبين للمسلمين طريقة عيش الرسول ﵌ وتصرفاته بعدما أثبت عدد غير قليل من الروايات في المجاميع الحديثية «٥» .
إن المطلع على كتب الشمائل والأخلاق النبوية يعّدها أقرب إلى كتب الحديث منها إلى كتب السيرة لأنها جزء من السنة التي يجب إتباعها، ولكن الذي حداني على جعلها ضمن مصنفات السيرة أنها قد اتسمت بالاستقلالية في عرض الجوانب الشخصية في حياة الرسول ﵌.
هذه هي الظروف والعوامل التي رافقت استحداث كتابة هذا الجانب باستقلالية عن باقي المصنفات الأخرى التي تضمنت عرضا للعديد من الروايات الخاصة بموضوع شمائل الرسول ﵌.
стр. 310
أما المصنفات التي كتبت في هذا الجانب فقد تنوعت من حيث الأسلوب الذي كتبت به، والروايات التي حواها كل مصنف منها، وهذه المصنفات هي:
١. الشمائل النبوية لمحمد بن عيسى الترمذي (ت ٢٧٩ هـ) :
مصنف هذا الكتاب هو المحدث الحافظ محمد بن عيسى بن سورة بن موسى الضحاك السلمي الترمذي أحد الأئمة المحدثين وكبارهم، صنف العديد من الكتب في الحديث كان أهمها كتاب (الجامع الصحيح) ، وكان يضرب به المثل في الحفظ والإتقان والورع «٦» .
كان هذا الكتاب أول مصنف كتب في هذا الجانب «٧» ، ولأجل هذه الريادة أكتسب حظوة كبيرة لدى العلماء والباحثين، إذ وصفه ابن كثير بالقول: " وقد صنف الناس في هذا (شمائل رسول الله ﵌ قديما وحديثا كتبا مفردة وغير مفردة ومن أحسن من جمع في ذلك وأجاد وأفاد الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ﵀، أفرد في هذا المعنى كتابه المشهور بالشمائل ولنا سماع متصل به ... " «٨» وعلّق عليه آخر بالقول: " كان كتاب الشمائل من أجلّ ما ألّف في محاسن قطب الوسائل ومنبع الفضائل" «٩» ، ووصف آخر هذا الكتاب بالقول: " إن كتاب الشمائل لعلم الرواية وعالم الدراية الإمام الترمذي كتاب وحيد في بابه فريد في استيعابه لم يأت أحد بمماثل ولا بمتشابه سلك فيه
стр. 311
منهجا بديعا ورصّعه بعيون الأخبار وفنون الاثار ترصيعا حتى أدّى ذلك الكتاب من المواهب وطار في المشارق والمغارب" «١٠» ، وينتهي آخر الى وصفه بالقول:
" ومن أحسن ما صنف في شمائله وأخلاقه ﷺ كتاب الترمذي المختصر الجامع بحيث أن مطالع هذا الكتاب كأنه يطالع طلعة ذات الخباب ويرى محاسنه الشريفة في كل باب" «١١» .
فضلا عن هذا كله كانت هذه المصادر التي عرضنا آراء أصحابها في الترمذي مصنف الشمائل عبارة عن شروحات لهذا الكتاب مع وجود شروحات أخرى له أجملها أحد فهارس الكتب «١٢» .
لم تقتصر جهود العلماء على شرح عباراته والتعليق عليه بل تعدت ذلك إلى البحث عن طرق تؤدي إلى حصول إجازة برواية الكتاب عن مصنفه أو عمن سمعه وأجيز بروايته، كما تبين ذلك الكتب التي يعرض فيها العلماء أسماء المصنفات التي حصلوا على إجازة بروايتها ورحلتهم في طلب الحديث «١٣» ، إذ أشارت العديد من هذه الكتب إلى حصول مصنفيها على إجازة برواية هذا الكتاب بعد مدة متأخرة عن حياة المؤلف «١٤» ، فضلا عن ذلك فقد كان لهذا الكتاب أثر ملموس في باقي العلماء وإن لم يثبتوه ضمن الكتب التي حصلوا
стр. 312
على إجازة بروايتها، إذ ذكر ابن كثير هذا الكتاب بعبارة: " ولنا سماع متصل به" «١٥» ، ولم يقتصر جهد العلماء على الحصول على إجازة واحدة برواية هذا الكتاب حسب بل تعددت تلك الإجازات إلى عشرات الشيوخ، إذ ذكر الوادي آشي أنه قد حمل هذا الكتاب عن أربعين شيخا «١٦» .
تدل لنا المقدمات التي أفتتح بها بعض المتصوفة الذين شرحوا هذا الكتاب على أنهم قد وجدوا في هذا الكتاب ضالتهم المنشودة، وذلك حين استعملوا المصطلحات التي تدل على إكبارهم للمصنف وكتابه «١٧» مثل عبارة القطب، والعارف «١٨» . ولم تنته اهتمامات العلماء به عند هذا الحد بل انبرى أحد العلماء المتأخرين إلى تخصيص مصنف مستقل للحديث عن الرواة الذين وردت أسماؤهم في كتاب الشمائل أسماه (بهجة المحافل واجمل الوسائل بالتشريف برواة الشمائل) ، إذ يقول في خاتمته: " هذا آخر ما أردنا تلخيصه مما يتعلق برجال هذا الكتاب ... وإن لم أكن له أهل لكني رجوت من حسنت شمائله وفاق عن الحصر فضائله أن يكون لي في الشدائد عونا ... " «١٩» .
يبين لنا هذا الاستعراض المكانة التي حظي بها هذا الكتاب في نفوس العلماء حتى بذلوا من أجله هذا المجهود الكبير بالشرح والتهذيب والرواية، ومواظبتهم
стр. 313
في الحصول على إجازة بروايته حتى قرون متأخرة، وهذا ما يفسر لنا العدد الجم والغفير من المخطوطات التي وصلت إلينا من هذا الكتاب في معظم المكتبات العامة والخاصة والتي تحتفظ بالتراث الخطي.
نرى مما سبق ذكره أن هذا الاهتمام الذي حصل عليه هذا الكتاب راجع إلى منهجيته الدقيقة وريادته في كتابة هذا الجانب عن حياة الرسول ﵌، فضلا عن وجود جوانب أخرى أسهم بها الترمذي في تطور كتابة الشمائل من جهة والسيرة النبوية من جهة أخرى، وهذه الجوانب هي:
١. إيجاد منتخب بسيط يضم في طيات أوراقه ما تناثر من روايات في كتب الحديث عن أخلاق الرسول ﵌ وطباعه وسجاياه وتصرفاته، فكان هذا الكتاب بوتقة انصهر فيها هذا الخضم الهائل من الروايات التي أوردتها كتب الحديث وما تناقلته شفاه الرواة في هذا الجانب من حياة الرسول ﵌ فكان نتيجة لذلك كتاب ضم (أربع مئة حديث) ، في ستة وخمسين بابا «٢٠» ، فضلا عن ذلك كله بين الترمذي درجة القوة في كل حديث يورده من حيث صحته أو ضعفه «٢١» .
٢. الاستطراد في ذكر أحاديث وروايات لا تمت بصلة إلى عنوان الكتاب ومباحثه، إذ عرض فيه أسماء الرسول ﵌ «٢٢» ، وعمره الشريف «٢٣» ، وحادثة الوفاة «٢٤» ، وصولا إلى كيفية رؤيته في المنام «٢٥» .
стр. 314
كانت هذه الأبواب التي أوردها الترمذي في كتابه هذا متممة لما بدأه من عرض لأخلاق الرسول ﵌ وسجاياه فأراد من عرضه لهذه الأبواب إيجاد ترابط معنوي بين أبواب الكتاب مجتمعة وذلك بجعل هذه الأبواب مكملة لسابقتها، مع التنبيه إلى وجود أثر لا شعوري متمثل بمحاولة الترمذي السابقة في كتابة هذه الجوانب ضمن مصنفه (الجامع الصحيح) «٢٦» ، مع العلم أن كتابه هذا قد تضمن ذكرا للعديد من الشمائل والصفات التي أتسم بها الرسول ﵌ وطريقة عيشه «٢٧» .
٣. جعل الترمذي كتابه هذا غفلا من ديباجة تفتتح الكتاب وتبين طريقته في التأليف ومقصده منه «٢٨» ، وقد اتبع المنحى نفسه في مصنفه ذائع الصيت [الجامع الصحيح] «٢٩» ، إذ أغفل فيه المقدمة التي يبين فيها منحاه في الكتابة والغاية من التصنيف؛ وهذا ديدن المحدثين في عصره حين يكتبون مصنفاتهم «٣٠» ، وبهذا قد تابع الترمذي في كتابه مناهج المحدثين في عصره من حيث الأسلوب وطريقة الكتابة.
إن هذا المنحى الذي سار عليه الترمذي قد لاقى من يؤيده من المصنفين الذين انتهجوا منهجه في تدوين مصنف يجمع الأفعال والتصرفات التي كان
стр. 315
الرسول ﵌ يقوم بها أثناء يومه الحافل «٣١» ، ولكن هذا المنحى- لم يكن بحد ذاته- تطورا جذريا على صعيد تدوين المصنفات الخاصة بشمائل الرسول ﵌، بل يعدّ الأساس الأول للأساليب التي كتبت في ضوئها المصنفات الأولى للشمائل، إذ تبين لنا بعد ذلك أن المصنفين في هذا الموضوع قد وضعوا مقدمات لكتبهم عرضوا فيها عناوين الموضوعات التي بحثوها في مصنفاتهم؛ فكان منحى الترمذي هذا بمثابة الدليل الذي استرشد به من أتى بعده من المصنفين الذين طوروا وأضافوا شيئا كثيرا لطريقة الترمذي، فانتهجوا منهجا لا نعدّه مغايرا بل نعدّه منسقا ومرتبا أكثر من سابقه.
٤. التعويل على الرواية في عرض الحادثة ومسبباتها، وتبيان درجة قوتها وضعفها بما يطلقه المحدثون من أحكام على الرواية والرواة (صحيح، حسن، ضعيف، غريب، ... ) «٣٢» ، الأمر الذي جعل الكتاب خاليا من الاستنتاجات والتعليقات والربط بين ما صدر عن الرسول ﵌ من تصرفات في مواقف سابقة تكون مشابهة أو مقاربة لمواقف لا حقة؛ ونتيجة لذلك تبنى أحد المتأخرين مهمة الكتابة عن مسانيد الترمذي في كتابه الشمائل الذي أردف كل شيخ راويا في سلسلة السند بما قيل فيه من جرح أو تعديل من قبل المتخصصين في هذا العلم، وذلك لتتبين وثاقة الراوي والرواية التي يراد الاستنان بها «٣٣» . ولم يقتصر الأمر على هذا، بل قام مصنفون آخرون بالتعليق وطرح الاراء التي تعبر
стр. 316
عن وجهة نظرهم في العديد من الروايات التي أوردها في مصنفه «٣٤» ، الأمر الذي عدّ هو الاخر خروجا جذريا على طريقة الترمذي التي انتهجها في كتابه الشمائل، حين استلهموا الأفكار والطروحات الجديدة من تصرف قام به الرسول ﵌ في حياته اليومية، وبهذا أوجد هؤلاء ترابطا وثيقا بين ما استنبطه الفقهاء من أحكام شرعية في ضوء فعل الرسول ﵌ وقوله، وما استنبطه المهتمون بأفعال الرسول ﵌ الشخصية من أخلاق مثلتها هذه الأفعال؛ وخير مثل على هذا الأمر تصنيف القاضي عياض كتابه المسمى [الشفا بتعريف حقوق المصطفى] «٣٥» .
هذه هي الجوانب التي اتسم بها كتاب الشمائل النبوية للترمذي والتي كانت فاتحة للعديد من المصنفات في هذا الجانب من حياة الرسول الكريم محمد ﵌.
٢. أخلاق النبي لأبي محمد عبد الله بن محمد الاصبهاني المعروف بابن أبي الشيخ (ت ٣٦٩ هـ) :
نال ابن أبي الشيخ مكانة مرموقة عند العلماء بعامة وعند المحدثين بخاصة، إذ وصفوه بعبارات فيها كثير من الثناء والتبجيل، وصنف العديد من الكتب في الحديث النبوي الشريف وعلومه «٣٦» .
стр. 317
استعمل ابن أبي الشيخ لفظة (أخلاق) عنوانا لكتابه بدلا من (شمائل) ، وهذا يؤكد وحدة دلالة هذين اللفظين، وقد سبقه في استعمال هذه اللفظة مصنفون عديدون في كتابة هذا الجانب من حياة الرسول ﵌ «٣٧» ، في حين أن جمعا من المؤرخين قد أبقوا استعمال عنوان (الشمائل) في مصنفاتهم التي يغلب عليها التزويق اللفظي واستعمال المحسنات البديعية كالسجع وغيره «٣٨» .
ويعدّ كتاب ابن أبي الشيخ مكملا لما بدأه الترمذي، إذ حاول أن يدون مصنفا يحوي مجموعا من الروايات التي تبين للمسلمين وغيرهم الأخلاق والصفات الحميدة والسجايا التي أتسم بها نبي الرحمة ﵌، وقد أشار في ديباجة كتابه إلى هذه الأمور قائلا: " ما ذكر من حسن خلق رسول الله ﷺ وكرمه وكثرة تواضعه وصبره على المكروه وإغضائه وإعراضه عما كرهه ... وكظم الغيظ، وحمله، وكثرة تبسّمه، وسروره، ومزاحه وبكائه وحزنه ومنطقه وألطافه، وقوله عند قيامه من مجلسه ومشيته والتفاته، وذكر محبته الطيب وتطيبه، وذكر قميصه وجبتّه وشكره ربه عند سعيه" «٣٩» ، فكان عمله هذا إضافة نوعية لكتاب الترمذي، حين وضع مقدمة لكتابه عرض فيها ما سيذكره فيه بعكس ما فعله الترمذي «٤٠» ؛ فضلا عن هذا الجانب فقد وجدت فيه جوانب أخرى أسهمت في تطور كتابة الشمائل والأخلاق التي اتصف بها رسول الرحمة محمد ﵌، وهذه الجوانب هي:
стр. 318
١. التوسع الأفقي والعمودي من حيث مضمون الكتاب ومحتواه، إذ نرى فيه روايات فاق بها سابقيه ولا سيما الترمذي الذي عرضنا جهوده في كتابة الشمائل النبوية، إذ شملت التوسعة الأفقية في الكتابة إدخاله لأبواب وفصول جديدة لم يتطرق لها الترمذي بكتابه [الشمائل] «٤١» ، ومن هذه الأبواب ذكر محبة الرسول ﵌ للفأل الحسن في القول «٤٢» ، وكيفية حلقه لشعره وشاربيه «٤٣» ، أما التوسعة العمودية فقد تمثلت بإضافة روايات أخرى على الروايات التي أثبتها الترمذي في كتابه [الشمائل] «٤٤» ، فمن تلك الروايات التي أضافها ابن أبي الشيخ على الروايات التي حوتها أبواب الترمذي في كتابه آنف الذكر، إثباته أربع عشرة رواية في صفة مشيه ﵌ «٤٥» ، مع العلم ان الترمذي قد أورد ثلاث روايات في هذا الباب من كتابه الشمائل ٤٥ أ، كذلك أورد ابن أبي الشيخ إحدى وأربعين رواية في حسن خلق الرسول محمد «٤٦» ﵌ في حين أورد الترمذي أربع عشرة رواية في هذا الباب فقط «٤٧» .
стр. 319
إن هذه التوسعة [الأفقية منها والعمودية] ناتجة من أتساع وشمولية لفظة أخلاق عن لفظة شمائل «٤٨» ، مع العلم أن ابن أبي الشيخ لم يكن مقتفيا أثر الترمذي في عرضه مادة الكتاب. إذ رأيناه في بعض الأماكن خاصة في الأبواب الأخيرة منه قد خالف الخطة التي سار عليها الترمذي في كتابه الشمائل، إذ لم يكرر ما أدخله الترمذي في كتابه بإيراد بعض الروايات حول أسماء الرسول ﵌ وعمره ووفاته «٤٩» ، وغير ذلك من الروايات التي ختم بها الترمذي كتابه هذا «٥٠» ، كل هذه الأمور قد أغفلها ابن أبي الشيخ وذلك عند كتابته لمصنفه هذا وجدها غير مطابقة لعنوان الكتاب وما يبغيه من عرض لروايات تتصل بصفات الرسول وأخلاقه وسجاياه.
فضلا عن هذا كله لم تكن هذه التوسعة لتضخيم حجم هذا الكتاب بل اتبع ابن أبي الشيخ في عرضه للروايات التي أوردها فيه الاختصار في أسانيد الروايات وذلك بعدم تكرار شيوخ السند للحادثة التي رويت فيها روايات عدة ومن طرق مختلفة «٥١» .
٢. التسامح في إثبات الروايات وذلك من دون نقد أو تحليل لما ورد فيها «٥٢» ، خلاف ما نهجه الترمذي في كتابه الشمائل الذي لم يترك رواية أوردها
стр. 320
في هذا الكتاب إلا وأبدى رأيه فيها من حيث صحتها وضعفها «٥٣» ، وهذا الأمر راجع إلى أن ابن أبي الشيخ قد نهج في تثبيت معظم الروايات التي وصلت إليه والتي تمس مطالب كتابه التي ذكرها في مقدمته «٥٤» ، وهذا بطبيعة الحال قد أدى إلى دخول بعض الأحاديث الضعيفة والواهية إلى هيكل هذا الكتاب ومحتواه «٥٥» .
٣. الاستشهاد بالايات القرآنية في تبيان أخلاق الرسول ﵌ وسجاياه «٥٦» ، وذلك أن القرآن الكريم قد حوى بمجمله وصفا عاما لطبيعة شخصية الرسول ﵌ ومكانته، كما هو واضح من نقول هذا الكتاب التي أوردناها آنفا، وهذا ما لم نجده عند الترمذي في كتابته لشمائل الرسول التي كان جل اعتماده على إيراد الروايات التي تبين صفات الرسول ﵌ وشمائله «٥٧» .
٤. التحويل بين رجالات السند وتبيان طرق تحمله للرواية الواحدة من شيوخ عديدين ولا سيما بعد وصول هذه الرواية إلى التابعين وتابعي التابعين كما هو مبين في هذا الكتاب «٥٨» .
من هذا العرض للجوانب التي أضفاها ابن أبي الشيخ على كتابة الشمائل النبوية ضمن كتب السيرة، نرى فيه تطورا جديا ونقلة نوعية في كتابة الشمائل