عن وجهة نظرهم في العديد من الروايات التي أوردها في مصنفه «٣٤» ، الأمر الذي عدّ هو الاخر خروجا جذريا على طريقة الترمذي التي انتهجها في كتابه الشمائل، حين استلهموا الأفكار والطروحات الجديدة من تصرف قام به الرسول ﵌ في حياته اليومية، وبهذا أوجد هؤلاء ترابطا وثيقا بين ما استنبطه الفقهاء من أحكام شرعية في ضوء فعل الرسول ﵌ وقوله، وما استنبطه المهتمون بأفعال الرسول ﵌ الشخصية من أخلاق مثلتها هذه الأفعال؛ وخير مثل على هذا الأمر تصنيف القاضي عياض كتابه المسمى [الشفا بتعريف حقوق المصطفى] «٣٥» .
هذه هي الجوانب التي اتسم بها كتاب الشمائل النبوية للترمذي والتي كانت فاتحة للعديد من المصنفات في هذا الجانب من حياة الرسول الكريم محمد ﵌.
٢. أخلاق النبي لأبي محمد عبد الله بن محمد الاصبهاني المعروف بابن أبي الشيخ (ت ٣٦٩ هـ) :
نال ابن أبي الشيخ مكانة مرموقة عند العلماء بعامة وعند المحدثين بخاصة، إذ وصفوه بعبارات فيها كثير من الثناء والتبجيل، وصنف العديد من الكتب في الحديث النبوي الشريف وعلومه «٣٦» .
стр. 317
استعمل ابن أبي الشيخ لفظة (أخلاق) عنوانا لكتابه بدلا من (شمائل) ، وهذا يؤكد وحدة دلالة هذين اللفظين، وقد سبقه في استعمال هذه اللفظة مصنفون عديدون في كتابة هذا الجانب من حياة الرسول ﵌ «٣٧» ، في حين أن جمعا من المؤرخين قد أبقوا استعمال عنوان (الشمائل) في مصنفاتهم التي يغلب عليها التزويق اللفظي واستعمال المحسنات البديعية كالسجع وغيره «٣٨» .
ويعدّ كتاب ابن أبي الشيخ مكملا لما بدأه الترمذي، إذ حاول أن يدون مصنفا يحوي مجموعا من الروايات التي تبين للمسلمين وغيرهم الأخلاق والصفات الحميدة والسجايا التي أتسم بها نبي الرحمة ﵌، وقد أشار في ديباجة كتابه إلى هذه الأمور قائلا: " ما ذكر من حسن خلق رسول الله ﷺ وكرمه وكثرة تواضعه وصبره على المكروه وإغضائه وإعراضه عما كرهه ... وكظم الغيظ، وحمله، وكثرة تبسّمه، وسروره، ومزاحه وبكائه وحزنه ومنطقه وألطافه، وقوله عند قيامه من مجلسه ومشيته والتفاته، وذكر محبته الطيب وتطيبه، وذكر قميصه وجبتّه وشكره ربه عند سعيه" «٣٩» ، فكان عمله هذا إضافة نوعية لكتاب الترمذي، حين وضع مقدمة لكتابه عرض فيها ما سيذكره فيه بعكس ما فعله الترمذي «٤٠» ؛ فضلا عن هذا الجانب فقد وجدت فيه جوانب أخرى أسهمت في تطور كتابة الشمائل والأخلاق التي اتصف بها رسول الرحمة محمد ﵌، وهذه الجوانب هي:
стр. 318
١. التوسع الأفقي والعمودي من حيث مضمون الكتاب ومحتواه، إذ نرى فيه روايات فاق بها سابقيه ولا سيما الترمذي الذي عرضنا جهوده في كتابة الشمائل النبوية، إذ شملت التوسعة الأفقية في الكتابة إدخاله لأبواب وفصول جديدة لم يتطرق لها الترمذي بكتابه [الشمائل] «٤١» ، ومن هذه الأبواب ذكر محبة الرسول ﵌ للفأل الحسن في القول «٤٢» ، وكيفية حلقه لشعره وشاربيه «٤٣» ، أما التوسعة العمودية فقد تمثلت بإضافة روايات أخرى على الروايات التي أثبتها الترمذي في كتابه [الشمائل] «٤٤» ، فمن تلك الروايات التي أضافها ابن أبي الشيخ على الروايات التي حوتها أبواب الترمذي في كتابه آنف الذكر، إثباته أربع عشرة رواية في صفة مشيه ﵌ «٤٥» ، مع العلم ان الترمذي قد أورد ثلاث روايات في هذا الباب من كتابه الشمائل ٤٥ أ، كذلك أورد ابن أبي الشيخ إحدى وأربعين رواية في حسن خلق الرسول محمد «٤٦» ﵌ في حين أورد الترمذي أربع عشرة رواية في هذا الباب فقط «٤٧» .
стр. 319
إن هذه التوسعة [الأفقية منها والعمودية] ناتجة من أتساع وشمولية لفظة أخلاق عن لفظة شمائل «٤٨» ، مع العلم أن ابن أبي الشيخ لم يكن مقتفيا أثر الترمذي في عرضه مادة الكتاب. إذ رأيناه في بعض الأماكن خاصة في الأبواب الأخيرة منه قد خالف الخطة التي سار عليها الترمذي في كتابه الشمائل، إذ لم يكرر ما أدخله الترمذي في كتابه بإيراد بعض الروايات حول أسماء الرسول ﵌ وعمره ووفاته «٤٩» ، وغير ذلك من الروايات التي ختم بها الترمذي كتابه هذا «٥٠» ، كل هذه الأمور قد أغفلها ابن أبي الشيخ وذلك عند كتابته لمصنفه هذا وجدها غير مطابقة لعنوان الكتاب وما يبغيه من عرض لروايات تتصل بصفات الرسول وأخلاقه وسجاياه.
فضلا عن هذا كله لم تكن هذه التوسعة لتضخيم حجم هذا الكتاب بل اتبع ابن أبي الشيخ في عرضه للروايات التي أوردها فيه الاختصار في أسانيد الروايات وذلك بعدم تكرار شيوخ السند للحادثة التي رويت فيها روايات عدة ومن طرق مختلفة «٥١» .
٢. التسامح في إثبات الروايات وذلك من دون نقد أو تحليل لما ورد فيها «٥٢» ، خلاف ما نهجه الترمذي في كتابه الشمائل الذي لم يترك رواية أوردها
стр. 320
في هذا الكتاب إلا وأبدى رأيه فيها من حيث صحتها وضعفها «٥٣» ، وهذا الأمر راجع إلى أن ابن أبي الشيخ قد نهج في تثبيت معظم الروايات التي وصلت إليه والتي تمس مطالب كتابه التي ذكرها في مقدمته «٥٤» ، وهذا بطبيعة الحال قد أدى إلى دخول بعض الأحاديث الضعيفة والواهية إلى هيكل هذا الكتاب ومحتواه «٥٥» .
٣. الاستشهاد بالايات القرآنية في تبيان أخلاق الرسول ﵌ وسجاياه «٥٦» ، وذلك أن القرآن الكريم قد حوى بمجمله وصفا عاما لطبيعة شخصية الرسول ﵌ ومكانته، كما هو واضح من نقول هذا الكتاب التي أوردناها آنفا، وهذا ما لم نجده عند الترمذي في كتابته لشمائل الرسول التي كان جل اعتماده على إيراد الروايات التي تبين صفات الرسول ﵌ وشمائله «٥٧» .
٤. التحويل بين رجالات السند وتبيان طرق تحمله للرواية الواحدة من شيوخ عديدين ولا سيما بعد وصول هذه الرواية إلى التابعين وتابعي التابعين كما هو مبين في هذا الكتاب «٥٨» .
من هذا العرض للجوانب التي أضفاها ابن أبي الشيخ على كتابة الشمائل النبوية ضمن كتب السيرة، نرى فيه تطورا جديا ونقلة نوعية في كتابة الشمائل
стр. 321
أولا والسيرة ثانية، وذلك بعدم الاتكاء والتقليد الأعمى لما طرحه السابقون عليه.
مع هذه الجوانب كلها، لم يلق هذا الكتاب الشهرة والانتشار والذيوع مثل كتاب الترمذي [الشمائل] لاستحواذ هذا الكتاب الأخير على مسامع الناس؛ فضلا عن الريادة في الشروع بكتابة مثل هذه المصنفات التي صورت لنا جانبا من حياة الرسول الكريم محمد ﵌ الشخصية.
٣. الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض بن موسى اليحصبي (ت ٥٤٤ هـ) *:
هو القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، نشأ وتربى في المغرب وبلاد الأندلس ودرس الفقه على مذهب الإمام مالك، وتولى القضاء في بلاده وصنف مؤلفات عدة في الحديث وأصول روايته والفقه المالكي «٥٩» .
وما يهمنا من مصنفاته كتابه الذائع الصيت الشفا بتعريف حقوق المصطفى الذي عدّ من كتب الشمائل على حد تعبير أحد الباحثين حين وصفه بالقول:
" فالشفا ليس كتابا في السيرة بالمفهوم الصحيح لمعنى السيرة ولكنه يندرج تحت كتب الشمائل النبوية ويخطئ من يقارنه في منهجه بكتب السيرة" «٦٠» ، كان لهذا التصريح من قبل هذا الباحث دافع جوهري تمثل بتصريح القاضي عياض نفسه
стр. 322
واصفا كتابه هذا بأنه كتاب في سيرة الرسول ﵌ على وجه العموم «٦١» ، ويدحض باحث آخر تصريح القاضي عياض عند دراسته لمضامين كتابه هذا، فينتهي إلى عدّه كتابا واحدا من الكتب الفرعية للسيرة النبوية لأنه لم يتناول فيه غير جانب واحد من التاريخ النبوي لا غير، مع تأكيده أن مباحث الكتاب كانت مما يدخل في مباحث علم الكلام، ولكن الخصوصية التي جاء بها هي رواياته لأخبار وأحاديث تتصل بحياة الرسول ﵌ النفسية والاجتماعية التي أوضحها عرضه لشمائل الرسول ﵌ وأخلاقه العالية «٦٢» .
كل هذه الاراء قد أنارت لنا السبل في الاهتداء إلى المكان المناسب الذي نضع فيه هذا الكتاب من مجموع المصنفات المختلفة والمتشعبة الجوانب والمواضيع.
كان للعصر الذي عاش فيه القاضي عياض أثر واضح وملموس في كتابة مصنفه هذا، إذ كان عصره مرحلة من مراحل الاحتدام الفكري والسياسي بين المذاهب والدول التي نشأت وترعرعت في بلاد المغرب العربي والأندلس والتي حملت كل واحدة منها فكرة مغايرة للأخرى «٦٣» ، إذ تركز لأجل ذلك منهجه في هذا الكتاب في نقطتين بارزتين هما:
стр. 323
أولا: تعميق الإيمان بنبوة محمد ﵌ ورفع شأنها، وهذا ما أوضحته مقدمته التي افتتح بها كتابه هذا قائلا: " فانك كررت علي السؤال في مجموع يتضمن التعريف بقدر المصطفى ﵊ وما يجب له من توقير واحترام وما حكم من لم يوف واجب عظيم ذلك القدر، أو أقصر في حق منصبه الجليل قلامة ظفر ... " «٦٤» ، ويضيف في مكان آخر منها بالقول: " ولا خفاء على من مارس شيئا من العلم أو خص بأنى لمحة من فهم بتعظيم الله تعالى قدر نبينا ﵊ وخصوصيته إياه بفضائل ومحاسن لا تنضبط بزمام وتنويه من عظيم قدره بما تكل عنه الألسنة والأقلام فمنها ما صرح به تعالى في كتابه ونبه به على جليل نصابه وأثنى به عليه من أخلاقه وآدابه وخص العباد على التزامه ... ومنها ما أبرزه للعيان من خلقه على أتم وجوه الكمال والجلال وتخصيصه بالمحاسن الجميلة والأخلاق الحميدة والمذاهب الكريمة" «٦٥» ، مع العلم أن مصنف القاضي عياض هذا لم يكتبه لمنكر أو جاحد لنبوة محمد بل كتبه للمسلمين والمؤمنين بها حصرا، إذ يبين ذلك بالقول: " إن كتابنا هذا لم نجمعه لمنكر نبوة نبينا محمد ﵌ ولا لطاعن في معجزاته، فنحتاج إلى نصب البراهين عليها وتحصين حوزتها ... بل ألفناه لأهل ملته الملبين لدعوته المصدقين لنبوته ليكون تأكيدا في محبته له ومنماة لأعماله" «٦٦» ، ومن ثم فإن القاضي عياض بمقالته هذه قد حدد نوع قراء هذا الكتاب الذي صنفه لأجلهم.
стр. 324
ثانيا: المحاججة والمناظرة للاراء وعقائد المذاهب المخالفة له في العقيدة وذلك بإيراده لبعض وجهات النظر الخاصة به في ما يتعلق بمقام النبوة والواجبات اتجاهها، وتفسير النصوص الواردة إليه وتقعيد الأحكام عليها، مثال ذلك قضية تأويل النص الشعري بغير معناه الظاهر «٦٧» ، فضلا عن كثير من القضايا التي صرح القاضي عياض بفساد آراء أصحابها فيها «٦٨» .
اقتضى هذا الأمر من القاضي عياض أن يكون له إلمام واسع بدقائق الألفاظ وأوجه اختلاف التعابير والاستيعاب الكامل لجميع الاراء والروايات التي اختصت بهذه الأفكار والعقائد التي طرحها للبحث والناظرة في كتابه هذا، وقد أشار القاضي عياض إلى هذا الأمر في ترجمته لنفسه عندما ذكر تضلعه الواسع بعلوم الفلسفة والمنطق والحديث والعربية بدراسته لها على أيدي أساتذة كان لهم الباع الطويل في هذه العلوم «٦٩» .
لأجل ذلك كان هذا الكتاب أحد الصور الناطقة للعصر الذي كتب فيه ومرآة عاكسة لوجهات النظر المختلفة للمذاهب التي ظهرت في المغرب العربي، حتى وصف أحد الباحثين هذا الكتاب بالقول: " نرى الكتاب بمثابة إسهام في تعميق اتجاه ودحض ما عداه" «٧٠» .
طبق القاضي عياض هاتين النقطتين بجدية ووضعهما نصب عينيه في كتابه من أوله إلى آخره، ولأجل ذلك كانت هنالك جوانب أسهم بها القاضي عياض في تطور كتابة السيرة النبوية بعامة، ولم يكن مقتصرا على جانب الشمائل
стр. 325
والأخلاق فحسب، وذلك لأن أثره لم يكن منحصرا في الكتب التي صنفت في هذا الجانب، بل تعدته إلى كتب السيرة الأخرى التي لم يماثله أي واحد منها في الأسلوب الذي عالج به الروايات والاراء التي خرج بها من معالجته لها، مما كان لهذا الأمر أثر فعال في ظهور هذا الكتاب بهذه الحلة التي تميز بها عن باقي كتب السيرة، تركز أثر القاضي عياض في تطور كتابة السيرة أولا وكتب الشمائل والأخلاق ثانيا في محاور عدّة هي:
١. الخطابية والصنعة البلاغية في كتابة الجمل الواردة في الكتاب، وهذا الأمر قد أوضحه أحد الباحثين بالقول: " ولعل أهم خاصية يتميز بها [هذا الكتاب] انسياق الجملة عنده لأنها بنيت على أساس خطابي يقترض من الخطابة أدواتها وهو يتخيل القراء أمامه مثل جمهوره الذي يتصل به في كل جمعة أو مناسبة دينية ليخاطبهم فتراه يستعمل ضمير المخاطب ويكثر من استعمال أدوات التنبيه وينوع الجملة من حيث الطول والقصر، ويزاوج بين الجمل الفعلية والاسمية ليضمن استمرار يقظة القارئ" «٧١» ويضيف هذا الباحث في مكان آخر واصفا هذا الأسلوب: " وأسلوب أي صياغته اللغوية صنفان صنف يغلب عليه السرد العلمي، وآخر يكثر فيه التحليق في فضاء فسيح الأرجاء يفوح بعطر الروضة الشريفة، والحق إن النصوص التي خرج منها عياض عن السرد جاءت بارزة بشكل واضح كأنها واحات يفيء إليها من هجر النقاش الفكري المضني، ففيها كان عياض يجد راحته فيطلق العنان لخياله فأبدع ما شاء الله أن يبدع" «٧٢» .
стр. 326
فمن الجمل التي استعمل فيها القاضي عياض هذا الأسلوب: " أعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم الباحث عن تفاصيل جمل قدره العظيم إن خصال الجلال والكمال في البشر نوعان ضروري دنيوي اقتضته الجبلة وضرورة الحياة، ومكتسب ديني وهو ما يحمد فاعله ويقربه إلى الله زلفى إذ كان خصال الكمال والجلال ما ذكرناه ووجدنا الواحد منا يشرف بواحدة منها أو اثنتين إن اتفقت ... فما ظنك بعظيم قدر ما اجتمعت فيه كل هذه الخصال إلى ما يأخذه عدد ... ولا ينال بكسب ولا حيلة" «٧٣» ، وفي موضع آخر من هذا الكتاب ذكر عبارة استعمل فيها فنونا بلاغية أضفت عليها لمسة جمالية، وهذه العبارة تمثلت بقوله: " وجدير بمواطن عمرت بالوحي والتنزيل وترد بها جبريل وميكائيل وعرجت منها الملائكة والروح وضجت عرصاتها بالتقديس والتسبيح واشتملت تربتها إلى جسد سيد البشر، وانتشر عنها مدارس آيات ومساجد وصلوات ومشاد الفضل والخيرات ومعاهد البراهين والمعجزات ومناسك الدين ومشاعر المسلمين ومواقف سيد المرسلين ومتبوأ خاتم النبيين" «٧٤» .
وصف أحد الباحثين عمل القاضي عياض بالقول: " إن الكاتب قد أطلق العنان لفكره ولا أقول لخياله ... فعياض يواجه القارئ بمادة دسمة ... فتراه يبرز المعنى الواحد في أثواب مختلفة فكأنما همه أن ترى تلك الثياب التي لا تروقك بألوانها ولكن بشدة الحبك ودقة الحياكة" «٧٥» ، وينتهي هذا الباحث إلى
стр. 327
القول: " ويبدو لي إن عياض كان متحررا إلى حد بعيد من الأعراف الأديبة، [وذلك] لأنه هاهنا لا يكتب ليكتب ... ولكنه يكتب ليقول شيئا، وما يقوله ليس لأنه ما يقال عادة، ولكنه لكونه يأمن به وهذا هو سر الصدق الذي يشعر به القارئ بأسلوب القاضي عياض الوظيفي عموما ولأسلوبه في الشفا خصوصا، وهذا هو السر في التقدير الذي لقيه هذا الكتاب على الرغم من وجود العديد من الكتب في موضوعه" «٧٦» .
٢. الخروج عن المألوف بطريقة عرضه لمحتويات كتابه، إذ كان مسلكه فيه ينحصر على وضع الفروض ثم يقعد القواعد عليها وبعد ذلك يردفها بالأدلة المانعة أو الموجبة لها، وهذا ما أوضحته مقدمة كتابه التي استعرض فيها المباحث التي سيتطرق إليها في هذا الكتاب «٧٧» إذ كانت مصنفات السيرة تعرض الأحداث على وفق إطارها الزمني او الموضوعي، أما القاضي عياض وجدناه يسلك مسلكا مغايرا لما سلكته الكتب التي سبقته في هذا الجانب. ويبدو ان هذا الامر هو الذي دفع بحاجي خليفة الى أن يصف هذا الكتاب بالقول: " وهو كتاب عظيم النفع كثير الفائدة لم يؤلف مثله في الإسلام شكر الله سعي مؤلفه وقابله برحمته وكرمه" «٧٨» .
стр. 328
٣. التعظيم والتفخيم لشخص النبي محمد ﵌، وذلك باستحداثه لصفات اتسم بها الرسول ﵌ وواجبات ألقيت على عاتق المسلمين اتجاهه وذلك باستنباطها من الروايات التي أوردها في كتابه هذا «٧٩» .
دفع هذا الأمر أحد العلماء وهو ابن تيمية الحراني إلى نعته بالقول: " غلا هذا المغيربي" «٨٠» ، وذلك للأمور التي طرحها القاضي عياض في هذا الكتاب حول ما يجب على المسلمين فعله من حقوق وواجبات اتجاه نبيهم محمد ﵌ ومعرفة هذه الحقوق والواجبات.
لاقت هذه الكلمة التي أطلقها ابن تيمية على القاضي عياض عند تصنيفه لهذا الكتاب نوعا من الاستغراب لدى أحد الباحثين؛ إذ عقد لأجل ذلك دراسة مستقلة حول هذه الكلمة وأبعادها ودحض فكرة الغلو التي نسبها ابن تيمية إلى القاضي عياض عند تصنيفه لكتابه هذا «٨١» ، حيث انتهى إلى عدّ هذه الكلمة التي صدرت من ابن تيمية فلتة لا تقال «٨٢» .
وجه انتقاد إلى القاضي عياض لمنحاه هذا من قبل الذهبي، ولكن هذا الانتقاد لم يكن بالحدة نفسها التي انتقد بها ابن تيمية، إذ كان الذهبي أكثر تهذيبا في عباراته من سلفه، وهذا ما بينه وصفه لمصنفاته التي نعتها بالقول: " تواليفه نفسية واشرفها كتاب الشفا لولا ما قد حشاه بالأحاديث المفتعلة كأي عمل إمام لا
стр. 329
نقد له في فن الحديث ولا ذوق، والله يثيبه على حسن مقصده وينفع به شفائه وقد فعل، وهذا فيه من التأويلات البعيدة ألوان، نبينا صلوات الله عليه وسلامه غنيا بمدحة التتريل عن الأحادي الواهيات، فلماذا يا قوم نشبع بالموضوعات فيتطرق إلينا مقال ذوي الغل والحسد" «٨٣» .
هذه هي التبعات التي أفرزتها الطروحات الجديدة التي أضفاها القاضي عياض على نظرة المسلمين إلى شخص الرسول ﵌ في كتابه هذا.
نال هذا الكتاب مكانة بارزة عند العلماء حتى بلغت الشروحات والتعليقات والتخريجات لأحاديثه بحسب إحصائية أحد الباحثين ما يقارب الثلاثين شرحا وتعليقا وتخريجا «٨٤» ، فضلا عن ذلك فقد اهتم علماء آخرون بالحصول على إجازة برواية الكتاب حتى بلغ عدد العلماء الذين حصلوا على إجازة بروايته كثرة كاثرة للحد الذي لم يستطع أحد إحصاءهم، الأمر الذي دفع بالمقري إلى القول: " إن عددا لا يحصى من الأعلام رواه عنه" «٨٥» . وقد استمرت جهود العلماء حتى مدة متأخرة في الحصول على إجازة روايته، وقد بيّن شهاب الدين أحمد الخفاجي (ت ١٠٦٩ هـ) ذلك بقوله: " وأعلم أن سندي في هذا الكتاب من طرق عالية أعلاها روايتي عن خاتمة المحدثين الشيخ إبراهيم العلقمي ... " «٨٦» .
стр. 330
فضلا عن ذلك فقد لاقت مضامين الكتاب ومحاوره صدى طيبا عند المخالفين له في المذهب، وذلك لموافقتها ما طرحته هذه المذاهب من أفكار ونظريات، إذ نجد- مثلا- أن الخوانساري (ت ١٣١٣ هـ) قد وصف هذا الأمر بالقول:
" ونقل عنه أصحابنا الإمامية كثيرا، وفيه فوائد كثيرة، وتعليقات منيفة، وأحاديث جليلة في أحوال الرسول ﵌ من الولادة إلى الوفاة" «٨٨» .
ولم تقتصر اهتمامات العلماء بالكتاب على هذا الحد بل قام عدد منهم بتقريضه شعرا، ومن الأشعار التي قيلت فيه:
إن الشفاء شفاء للنفوس غدت ... تعنى باثار من حيزت له الأثر
جاز الإله العياضي الإمام بما ... يجزي به كل من يحي به الأثر «٨٩»
وأورد حاجي خليفة بعض الأبيات التي قيلت في مدح الكتاب وصاحبه وهي:
عوضت جنات عدن يا عياض ... عن الشفا الذي ألفته عوض
جمعت فيه أحاديث مصححة ... فهو الشفا لمن في قلبه مرض «٩٠»
стр. 331
المبحث الرابع المصنفات التي كتبت في المغازي النبوية
كان هذا المنحى في التصنيف مبكرا جدا في تاريخ الإسلام، إذ بينا في الأوراق الأولى من هذه الدراسة سبب التبكير في التصنيف فيه وبينا أسبقيته في الكتابة قبل أن تكتب أي سيرة شاملة للرسول ﵌ «١» ، وكان وراء هذه الأسبقية عامل أساس تمثل ببقاء فكرة أيام العرب في الجاهلية عالقة في أذهان الناس بعد الإسلام مدة طويلة امتدت حتى القرون الأولى منه «٢» .
كانت أسماء المصنفات التي كتبت عن سيرة الرسول ﵌ قد اشتركت في مسمياتها مع المصنفات التي اختصت بعرض أعمال الرسول ﵌ العسكرية، وذلك لارتباط معنى كل من لفظتي السيرة والمغازي «٣» ، وهذا ما جعل عملية فرز المصنفات التي عرضت سيرة الرسول ﵌ أو مغازيه والتي ذكرت فهارس الكتب أسماءها تحت اسم (كتب المغازي) «٤» ، عملية صعبة لفقدان معظم هذه المصنفات التي لم نعرف محاور الروايات التي وردت فيها باستثناء مصنف واحد
стр. 332
وصل إلينا كاملا وهو كتاب (المغازي) لمحمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) *، الذي من حسن الحظ أن بقي كتابه هذا إلى الان برغم قدمه.
شكل هذا الكتاب إحدى الدعامات المهمة التي استندت عليها معظم المصنفات عند عرضها لسيرة الرسول ﵌ وأحواله وأعماله العسكرية بخاصة، وذلك لأمور عدة أسهمت إسهاما فعالا في نيل هذا الكتاب تلك المرتبة السامية ضمن مصنفات السيرة، وهذه الأمور هي:
١. المشاهدة والمعاينة للمواقع التي جرت فيها الحوادث المتعلقة بمغازي الرسول ﵌ وتوابعها «٥» ، وهذه الخاصية قد بينها الواقدي بقوله: " ما أدركت رجلا من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء ولا مولى لهم إلا وسألته، هل سمعت أحدا من أهلك يخبرك عن مشهده وأين قتل؟ فإذا أعلمني مضيت إلى الموضع فأعاينه ... وما عملت غراة إلا مضيت إلى الموضع حتى أعاينه" «٦» .
أكد تصرف الواقدي هذا مشاهدة أحد الناس له بمكة وهو واضع ركوته التي يحفظ فيها الماء على ظهره، فسأله هذا الشخص عن الوجهة التي يقصد إليها فقال له الواقدي. " أريد أن أمضي إلى حنين حتى أرى الموقع والوقعة" «٧» .
كان لهذه السمة التي اتصف بها الواقدي أثر ملموس في جعله موضع ثقة معاصرية في استمكان المواضع التي حصلت فيها حوادث السيرة بعامة والمغازي
стр. 333
بخاصة، إذ يروي لنا ابن سعد رواية عن شيخه الواقدي يبين فيها مكانته من بين معاصريه من معرفة هذه الأمور، وهذه الرواية مفادها: " حج أمير المؤمنين هارون الرشيد فورد المدينة فقال ليحيى بن خالد [البرمكي] ارتاد لي رجلا عارفا بالمدينة والمشاهد وكيف كان نزول جبريل ﵇ على النبي ﷺ ومن أي وجه كان يأتيه وقبور الشهداء، فسأل يحيى بن خالد فكل [من سأله] دله عليه، فبعث إلي فأتيته وذلك بعد العصر فقال لي يا شيخ أن أمير المؤمنين أعزه الله يريد أن تصلي عشاء الاخرة في المسجد وتمضي معنا إلى هذه المشاهد فتوقفنا عليها والموضع الذي يأتي جبريل ﵇ ... فأتيت به إلى دور المسجد فقلت له هذا الموضع الذي كان جبريل يأتيه [فيه] ... فلم أدع موضعا من المواضع ولا مشهدا من المشاهد إلا مررت بهما عليه ... فلم نزل كذلك حتى وافينا المسجد وقد طلع الفجر" «٨» .
أعطت هذه السمة التي اتصف بها الواقدي في عرض الحوادث بمشاهدته لأماكن وقوعها حالة من الواقعية والصدق والابتعاد عن المبالغات والضبابية في وصف الحوادث، وذلك بتسليط الضوء على الدور الذي لعبه الموقع الجغرافي واتخاذ الخطط الحربية المناسبة له، ولم يقتصر على هذا الأمر حسب بل أخذ يعرض أيضا المسارات التي تسلكها بعض الغزوات في خروجها من المدينة إلى أماكن حدوث وقائعها مع ذكر مناطق التوقف والمواقع التي يمرون بها «٩» .
نالت هذه الميزة التي اتصف بها الواقدي إعجاب محقق كتابه، إذ وصف هذه الميزة بالقول: " إنها بحق المرحلة الأولى في الأدب الجغرافي العربي إن لم تكن
стр. 334
اللبنات والأسس التي بنى عليها كل من جاء بعده مثل ابن سعد والبلاذري ومن تلاهما في التأليف لكتب الفتوح والبلدان" «١٠» .
٢. المفاضلة بين الروايات وإبداء الاراء فيها. وذلك باستعمال عبارات يستشف منها حكمه على هذه الروايات مثل: (القول الأول أثبت عندنا) «١١» ، أو: (وهذا الثبت عندنا) «١٢» ، وغير ذلك من العبارات التي يستشف منها هذا المنحى «١٣» .
فضلا عن استعمال هذه العبارات في هذا الكتاب، قام الواقدي باتباع مناح أخرى فيه وذلك بإعطاء حكمه على بعض الروايات التي تصف حادثة واحدة بتكراره الرواية التي يعتقد هو بصحتها «١٤» ، أو الخروج بمحصلة نهائية للحادثة بعد عرض رواياتها «١٥» ، ولم يخف الواقدي تردده في حكمه على بعض الحوادث التي تضاربت فيها الاراء، إذ عبر عن ذلك بعبارة: (يقال أو ليس بجمع عليها) «١٦» ، أو يذكر الروايات من دون تعليق عليها «١٧» .
٣. الأسلوب المستعمل في عرض حوادث الكتاب، إذ أورد الواقدي مصادره التي اعتمد عليها في كتابه هذا سواء أكانت مصادر مكتوبة أم مسموعة مع
стр. 335
عرض سريع للمغازي والسرايا وتواريخ حدوثها، وذلك في بداية كتابه، ليكون مدخلا له وعرضا سريعا لمحتوياته «١٨» .
انعكس هذا الأمر أيضا على بعض الغزوات التي عرضها في كتابه، إذ ذكر مصادره في بداية حديثه عن كل غزوة من هذه الغزوات «١٩» .
نال هذا الأمر إعجاب العديد من الباحثين الذين اطلعوا على كتاب الواقدي، إذ وصفه أحدهم بالقول: " ويبدو واضحا للقارئ الحديث إن من أهم السمات التي تجعل الواقدي في منزلة خاصة بين أصحاب السير والمغازي تطبيقه المنهج التاريخي العلمي الفني، فاننا نلاحظ عند الواقدي أكثر مما نلاحظ عند غيره من المؤرخين المتقدمين أنه كان يرتب التفاصيل المختلفة للحوادث بطريقة منطقية لا تتغير، فهو ... يبدأ مغازيه بذكر قائمة طويلة من الرجال الذين نقل عنهم تلك الأخبار، ثم يذكر المغازي واحدة واحدة مع تاريخ محدد للغزوة بدقة ... ثم يذكر المغازي التي غزاها [الرسول ﵌] بنفسه ... ومن اليسير أن نستدل على فطنة الواقدي وإدراكه كمؤرخ من المنهج الموحد الذي يستعمله" «٢٠» ، ويضيف آخر واصفا أسلوبه هذا بالقول إنه كان: " أكثر ارتباطا بأساليب مدرسة المدينة ... ونهجه في العرض منظم منطقي يذكر مصادره الأساسية وهي ٢٥ اسما وتواريخ المغازي" «٢١» .
стр. 336
تبين لنا هذه الاراء التي وصفت أسلوب الواقدي هذا حجم الجهد الذي بذله في كتابته لمصنفه ومقدار النقلة النوعية التي اوجدها لكتابة السيرة النبوية بعامة، إذ انتهج هذا الأسلوب والمنحى مؤرخون عديدون كتبوا في سيرة الرسول ﵌ وأحواله «٢٢» .
٤. الاهتمام في إيراد المعجزات التي ظهرت من رسول الله ﵌ في المغازي، إذ وجدناه يتتبع أخبارها ويحدد أماكن وأوقات حدوثها «٢٣» ، فمنها ما ذكره عن معجزة نبع الماء من بين أصابعه عندما وضعها في ركوة ليس فيها إلا القليل من الماء بعد ما اشتد العطش بالمسلمين عند رجوعهم من غزوة تبوك «٢٤» .
كان عمل الواقدي هذا أحد الأسس والثوابت التي اتكأت عليها المصنفات التي اختصت بجمع دلائل نبوة الرسول محمد ﵌ ومعجزاته، إذ نجد أبا نعيم الأصفهاني (ت ٤٣٠ هـ) كثيرا ما كان ينقل نصوصا منه في كتابه [دلائل النبوة] «٢٥» ، واعتمد عليه أيضا البيهقي عند إحصائه معجزات الرسول ﵌ ودلائل نبوته «٢٦» .
مع كل هذه الأمور التي أوجدها الواقدي لكتابة السيرة فإنها لم تكن شافعة له بالحصول على ثقة علماء عصره في ما يرويه من حوادث ولا سيما من قبل
стр. 337
المحدثين فقد نعتوه بأنه كان كذابا ويفتعل الأحاديث ويضعها، ووصفوه أيضا بأنه كان يحدث بالمناكير ويضع الأسانيد ... الخ من الأحكام التجريحية التي وسم بها الواقدي «٢٧» ، ولكن مع هذه الصفات القاسية التي وصف بها الواقدي فقد وجد من يوثق الواقدي ويرفعه إلى مرتبة أمير المؤمنين في الحديث فضلا عن نعوت أخرى تعارض الكلام السابق الذي جرح فيه «٢٨» .
علل ابن سيد الناس (ت ٧٣٤ هـ) هذا التناقض بالأحكام الصادرة على شخص الواقدي من قبل علماء الجرح والتعديل بالقول: " إن سعة العلم مظنة لكثرة الأغراب وكثرة الأحزاب، مظنة للتهمة، والواقدي غير مدفوع عن سعة العلم فكثرت بذلك غرائبه ... وقد روينا عنه من تتبعه آثار المواقع وسؤاله في أبناء الصحابة والشهداء ومواليهم عن أحوال سلفهم ما يقتضي انفرادا بروايات وأخبار لا تدخل تحت الحصر وكثيرا ما يطعن في الراوي برواية وقعت له من أنكر تلك الرواية عليه واستغربها منه ثم يظهر له أو لغيره بمتابعة متابع أو سبب من الأسباب من مقتضى الطعن فيتخلص بذلك من العهدة" «٢٩» .
تبقى لنا ملاحظة تجب الإشارة إليها وهي معرفة مدى الموضوعية والأمانة في نقل وقائع الأحداث من دون مجاملة أو حذف، إذ قطع أحد الباحثين بأن الواقدي كان أمينا في عرضه لحوادث المغازي «٣٠» ، ولكن باحثا آخر لم يكن رأيه مشابها لهذا الرأي بل وصف الواقدي بالقول: " قلنا إن منهج الواقدي
стр. 338
متكامل في التأريخ والحوادث بصورة أكمل [من سابقيه] ولكن يجب علينا تحريا للإنصاف أن نتقبله بحذر في ذكر تأريخ بعض الحوادث" «٣١» ، ولكن هذا الباحث يستدرك على رأيه هذا فيقول: " أو على الرغم من هذه الاختلافات في التواريخ فإننا نجدها أدق وأثبت بعامة في نظامها من التواريخ المماثلة في كتب السيرة الأخرى هذا فضلا عما أنفرد به الواقدي حين يعرض في مغازيه الأخبار الكثيرة التي لا نجدها عند غيره ... وعلى الرغم مما ذكرت من آراء نقدية مثل الاختلاف في الواقع في بعض تواريخ الحوادث فلابد من الاعتراف بأن مغازي الواقدي أكمل وأتم مصدرا محايد دون تعصب لتأريخ حياة النبي في المدينة" «٣٢» .
هذه هي الاراء التي وصف بها الواقدي وأسلوبه وطريقة عرضه للحوادث وما أكسبته هذه الطريقة من تجديد وتطور في أساليب كتابة السيرة النبوية حتى اصبح هذا الكتاب أحد المصنفات المهمة التي لا يستغني عنها كل شخص يريد أن يتعرف على حوادث عصر الرسالة بعامة وأعمال الرسول ﵌ بخاصة.
وصل إلينا كتاب آخر في المدة قيد الدراسة تناول مغازي الرسول ﵌، صنفه أبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي (ت ٦٤٣ هـ) *، وأسماه [الاكتفا في مغازي الرسول والثلاثة الخلفا] «٣٣» .
стр. 339
كان في النية جعل هذا الكتاب من ضمن كتب السيرة المستقلة التي تناولناها في الفصول السابقة «٣٤» ، وذلك لما عاهد الكلاعي نفسه في مقدمة هذا الكتاب على تصنيفه كتابا يحوي ذكرا لسيرة الرسول ﵌ ومواقفه وأحواله وأعماله العسكرية التي يقول فيها: " هذا كتاب ذهبت فيه إلى إيقاع الإقناع وإمتاع النفوس والأسماع باتساق الخبر عن رسول الله ﷺ وذكر نسبه ومولده ومبعثه وكثيرا من خصائصه وأعلام نبوته ومغازيه وأيامه من لدن مولده إلى أن استأثر الله به روحه الطيبة إليه" «٣٥» ، ولكن الذي حصل أنه لم يقم بما اشترط به على نفسه من ذكر الأمور التي ذكر أيامه بعرضها في كتابه هذا، إذ بمجرد الوصول إلى حادثة الهجرة والحوادث التي رافقتها «٣٦» ، انعطف جانبا عن ذكر أحواله الخاصة التي عرضها قبل الهجرة «٣٧» ، ليقتصر في حديثه على ذكر إجراءات الرسول ﵌ عند دخوله المدينة فقط «٣٨» ، ثم بعد ذلك أخذ بسرد أعمال الرسول ﵌ العسكرية إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى «٣٩» .
هذه هي الأسباب التي دفعتنا إلى جعل هذا الكتاب منحصرا ضمن الكتب التي عرضت مغازي الرسول ﵌ وسراياه.
стр. 340
نهج الكلاعي في كتابه هذا منهجا مغايرا لما ألفته المصادر التي سبقته عند عرضها حوادث السيرة، فإنه لم يكن مقلدا لها بل كان صاحب نهج مستقل تمثل بمحاور عدة هي:
١. استعمال المحسنات البديعية في كتابة فقرات مختلفة من كتابه «٤٠» ، فمن هذه الفقرات ذكره لحادثة مولد الرسول ﵌ إذ يقول فيها: " فولد عبد الله بن عبد المطلب محمد رسول الله ﷺ ، خاتم النبيين وسيد المرسلين، ونخبة الخلق أجمعين، فنسبه أشرف الأنساب وسببه إلى الله سبحانه واصطفائه واختياره له أفضل الأسباب، وبيته من قريش أواسط بيوتها الحرمية وأعرق معادنها الكرمية، ... لؤاهم على من ناوأهم منصور وسؤدد البطحاء عليهم مقصور والعيون إليهم آية سلكوا صور" «٤١» .
وصف محقق كتاب الكلاعي هذا الأسلوب بالقول انه كان: " يلتزم شارات عصره من السجع والجناس والطباق وغير ذلك من المحسنات، فلذلك كان الأسلوب المرضي في ذلك الحين، ولكنه كان يتميز بحاسة مرهفة في اختيار الكلمات الرقيقة وحسن الملائمة بينها في الأسلوب وذلك هو مجال التفاضل بين الكتاب ... وتحسف روح كاتب يطاوعه الأسلوب وتحضره الكلمات المعبرة، ومع التزامه بالسجع فلا تجد فيه عبارة مستكرهة ولا لفظة مجتلبة في غير موضعها مع عاطفة بادية وشعور نابض" «٤٢» .
стр. 341
٢. طغيان الجانب العاطفي في كتابة هذا المصنف على الجانب العلمي الذي انعدم فيه وتضاءل، إذ لم نجد فيه نقدا لرواية أو نص أو تعليق على حادثة ما بل كان مجرد مصنف جمعت فيه بعض الأخبار التي تصف الأعمال العسكرية للرسول ﵌ ومجاهدته الكفار، وهذا ما بينته عبارته التي مفادها: " هذا كتاب ذهبت فيه إلى إيقاع الإقناع وإمتاع النفوس والأسماع باتساق الخبر عن سيرة رسول الله ﷺ ، وذكر نسبه ومولده ... إلى أن استأثر الله به وقبض روحه الطيبة ... وكل ذلك يشهد الله ان المراد فيه بالقصد الأول وجهه الكريم وإحسانه العميم ورحمته التي شق لنفسه منها الرحمة، ثم القصد الثاني، متوفر على إيثار الرغبة في إيناس الناس بأخبار نبيهم ﷺ هو عمارة خواطرهم بما يكون لهم في العاجل والاجل أنفع وأسلم ... فانه لا يخلو الحاضرون لهذا الكتاب من أن يسمعوا ما صنع الله لرسوله في أعداء تنزيله فيستجزلوا ثواب الفرح بنصر الله أو يستمعوا ما أمتحنه الله به من المحن التي لا يطيق احتمالها إلا نفوس أنبياء الله بتأييد الله فيعتبر بعظيم ما لقيه من شدائد الخطواب ويصطبروا لعوارض الكروب تأدبا لأدبه وجريا في الصبر على ما يصيبه والاحتساب لما ينوبهم على طريقة صبره واحتسابه، وتلك غايات لم نبلغ عفوها بجهدنا، ولن أدانيها بنهاية ركضها وشدنا وإنما علينا بذل الجهد في قصد الاهتداء، وعلى الله المعونة في الغاية والابتداء" «٤٣» ، ويضيف الكلاعي في مكان آخر من كتابه هذا عند حديثه عن أجداد الرسول ﵌
стр. 342
وأحواله والروايات التي ذكرت مشاركتهم في حوادث عصرهم «٤٤» قائلا:
" وكل هذه الأخبار وإن انقطعت بعض ما كنا بسبيله من أمر بني قصي فلا أيضا من الإفادة بنحو ما قصدنا وحسن الاستماع بالشأن المناسب لما اعتمدناه ما يحسن اعتراضها وينضم في سلك واحد مع ما مر في ذلك أو يأتي في أغراضها، وعلينا معونة الله تعالى في تجديد الترتيب كله ... ورد هذه الأحاديث المتفرقة في حكم الحديث المتصل فنطيل ولا نمل ونقصر فلا نقل فلذلك ببركة المختار الذي يهمنا تخليد أولية وتيمن لخدمة آثاره وسيرته ﷺ " «٤٥» .
كان وراء انتهاجه لهذا المسلك عامل جوهري تمثل بالظروف التي تعيشها الأندلس في عصره من الحروب المستمرة والمستعرة بين المسلمين والفرنجة «٤٦» ، فكان هذا الكتاب أحد الوسائل التي أراد بها الكلاعي بث الحماس في صفوف المسلمين في تلك البقعة من أرض الإسلام وذلك بعرضه للمواقف التي بدرت من الرسول ﵌ وصحابته الكرام في الدفاع عن الإسلام بالروح والجسد والمال والأولاد، ولم يقتصر الكلاعي على ذلك بل كان هو نفسه في طليعة المجاهدين الذين حاربوا الفرنجة وسقط شهيدا في أرض إحدى المعارك التي حصلت معهم «٤٧» .
стр. 343
٣. إدخال النصوص الشعرية المتأخرة عن عصر الرسالة في سياق عرضه لحوادث السيرة «٤٨» ، فمن هذه النصوص الشعرية التي أوردها الكلاعي في كتابه هذا قصيدة طويلة بلغ عدد أبياتها (١٢١ بيتا) سميت معراج المناقب ومنهاج الحسب الثاقب «٤٩» .
علل الكلاعي سبب إيراده هذه القصيدة الطويلة في كتابه هذا بالقول:
" وقد اعتنى الناس بنسبه نثرا ونظما [يقصد نسب الرسول ﵌ الشريف] ...
وقد رأيت أن أورد منها هنا ما يختص بهاذ النسب الكريم ... إذ المنظوم أعذب جريا على الألسن وأذهب رأيا في الإفادة بالمستحسن" «٥٠» .
كان عمل الكلاعي هذا سنة متبعة في عصره ولكنها لم تكن بمثل هذه الصورة من الترتيب والتنظيم والكثرة، إذ وجدنا مصنفات عدة قد نحت منحاه هذا، بتطعيم بعض الحوادث التاريخية لعصر الرسالة بما قيل في وصفها من شعر لدى المتأخرين «٥١» .
٤. الاختصار والإحالة إلى صفحات كتابه، وذلك بعدم تكرار الروايات التي تشترك في سياق حوادث كثيرة «٥٢» ، فمن ذلك عرضه لأخبار أجداد الرسول ﵌ وأحوالهم «٥٣» ، ويعرض أخبار جده قصي بن كلاب بشيء من
стр. 344
التوسعة في العرض ولكنه ينعطف ويقول: " والحديث في ذلك طويل وسنذكره إن شاء الله عند ذكره ولايته للبيت، وهناك نذكر ماثره وعظم غنائه في إقامة أمر قومه إن شاء الله، فان القصد هنا الإيجاز ما أمكن في إيراد هذا النسب المبارك لتحصل لسامعه الفائدة في انتظامه واتصاله ولا يظل ذلك عليه بما تخلل أثنائه من القواطع التي تباعد بين أطرافه" «٥٤» ، هذا مع العلم أن المسعودي قد سبقه في ذلك، ولكنه لم يكن بطريقته نفسها في اختصار الخبر وإحالة القارئ إلى صفحات أخر من الكتاب بل كان المسعودي يكرر ذكره للرواية بالحيز نفسه الذي خصصه لها مسبقا، ولكن باختصار جزئي ضئيل فيها «٥٥» .
٥. الاعتماد على المصنفات المكتوبة بدلا من الروايات الشفوية في عرض حوادث الكتاب، وهذا ما أشارت إليه مقدمة كتابه التي ذكر فيها إحصائية للمصادر التي اعتمد عليها في كتابة مصنفه هذا «٥٦» ، والتي كان للسيرة التي كتبها ابن إسحاق أثر بارز في هذه المصادر، إذ وصف هذا الاعتماد من قبله على هذه السيرة بالقول: " ولكن عظم المعول بحكم الخاطر الأول على كتاب ابن إسحاق، إياه أردت وتجريده من اللغات وكثيرا من الأنساب والأشعار قصدت، وعلى ترتيبه غالبا جريت ومترعه في أكثر ما يخص المغازي تحريت، فأنه الذي شرب ماء هذا الشأن فأنقع وحل كتابه في نفوس العام والخاص أجل موقع" «٥٧» .
стр. 345
نال هذا الكتاب مكانة في نفوس العلماء المتأخرين عنه، إذ عدّوه من المصنفات المرموقة في مغازي الرسول ﵌ وتوابعها «٥٨» .
بينت هذه المكانة كثرة النسخ الخطية الهائلة لهذا الكتاب التي أشار أحد الباحثين إلى أماكن وجودها في المكتبات التي احتفظت بها «٥٩» .
مع كل ما ذكرناه فإن هذا الكتاب لم يسهم إسهاما جادا وجوهريا في تطور كتابة السيرة لأنه لم يصنف كتابه هذا لغاية علمية فيناقش بعض الروايات ويستدل على صحة بعض الحوادث بل كان هدفه كما رأينا هدفا أخلاقيا تمثل بعرض صفحات من حياة الرسول ﵌ الجهادية في مجابهة المشركين.
стр. 346
المبحث الخامس المصنفات التي كتبت في أعلام ودلائل نبوة الرسول محمد ﵌
كان لانتشار الإسلام في الأقاليم المجاورة للجزيرة العربية «١» أثر فعال في امتزاج وتلاقح هذا الدين وأهله مع أصحاب الديانات التي اعتنقتها الأقوام المجاورة لهم «٢» .
ولّد هذا الامتزاج والتلاقح الفكري أرضية ملائمة لنشوء الاحتجاجات الفكرية بين أصحاب الدين الجديد وأصحاب الملل والأديان التي يدين بها أهل الأرض المفتوحة والمحررة الذين لم يدخلوا الإسلام بل دفعوا الجزية «٣» ، فما كان من المسلمين إلا أن أخذوا على عاتقهم مهمة إقناع وإفحام أصحاب هذه الملل والأديان، وذلك بتبيان فساد وبطلان هذه المعتقدات أمام الدين الإسلامي. وقد اتخذ المسلمون مسارين في هذا المنحى: المسار الأول: تمثل باستعمال الدليل العقلي على بطلان الدعاوى التي يطلقها علماء هذه الأديان في إنكار حقيقة نبوة الرسول محمد ﵌. أما المسار الثاني: تمثل باستعمال الدليل النقلي وبعرض مجموعة من البراهين والأدلة على إثبات نبوة الرسول محمد ﵌. وهذا المسار
стр. 347
هو مكمل للمسار الأول، لأن الاقتناع بحقيقة هذه البراهين لا يحصل إلا من بعد أن يؤمن الفرد بفساد الدعاوى السابقة المنكرة للنبوة بعامة، ولنبوة الرسول محمد ﵌ بخاصة. إذ تبنى مهمة ذلك جمع من العلماء أطلق عليهم اسم [المتكلمين] «٤» .
عرفت الكتب التي صنفها هؤلاء العلماء باسم (كتب علم الكلام) ، التي عنيت بترسيخ عقيدة المسلم والرد على الشبهات والاراء المنحرفة ومحاججة المخالفين لهم، وقد ظهرت هذه الكتب بعد ترجمة المسلمين لكتب الأقوام المجاورة لهم ولا سيما كتب الهنود واليونان «٥» .
نشأت من هذه الكتب التي تناولت قضية إثبات النبوة ضمن مباحثها مصنفات مستقلة عنها اقتصرت في حديثها على إثبات نبوة محمد ﵌ بجمع الحجج والبراهين الدالة عليها وذلك باستعمال الدليلين العقلي والنقلي في إثباتها.
اعتمدت هذه المصنفات على مختلف المصادر التي سبقتها سواء أكانت كتب سيرة أم كتب حديث، إذ تشير النصوص التي وردت في هذه الكتب الى أن أصحابها قد جمعوا هذه الأدلة والبراهين النقلية حصرا قبل أن تخصص لها مصنفات مستقلة «٦» .
стр. 348
اتخذت هذه الكتب أسماء عدة، فتارة تطلق على نفسها (كتب أعلام النبوة) أو (كتب دلائل النبوة) ، مع العلم أن كلا من لفظتي (أعلام ودلائل) لهما المعنى نفسه الذي يقصد به: " كل دليل يثبت نبوة محمد ﷺ ويبرهن على صدقه دون تقييده بشروط معينة فيشمل حتى السمات الخاصة في جسده ﵇ كخاتم النبوة، ويشمل تبشير الكتب السماوية ببعثته" «٧» ، ولكن الأعلام والدلائل تخالف في معناها ومدلولها ما عنته المعجزات التي أدخلت هي الأخرى في هذه الكتب والتي وصفت بأنها: " أمور خارقة للعادة مقرونة بالتحدي فالمعجزة أخص من الدليل والعلامة" «٨» ، إذ نرى من ذلك أن الأعلام والدلائل لم تكن تهدف إلى تحدي الناس بل كان الهدف منها هو ترسيخ فكرة النبوة في شخص النبي محمد ﵌ من قبل أتباعه، فضلا عن كون المعجزات هي الأخرى دليلا على صدق نبوته لأنها تثبتها وتأكدها، فمن هذا نخرج إلى نتيجة أن كل معجزة هي دليل على نبوة سيدنا محمد ﵌ ولكن ليس كل دليل على هذه النبوة معجز.
بين ابن حجر العسقلاني هذا الترابط بين معاني هذه الألفاظ آنفة الذكر، وذلك بقوله: " فكل معجزة علامة على نبوة صاحبها حتما ولكن ليس كل علامة أو دليل على النبوة أمرا معجزا يكون خارقا للعادة مقرونا بالتحدي فالمعجزة أخص من الدليل والعلامة" «٩» ، ولكن ابن كثير بين هذا الأمر بأسلوب
стр. 349
مغاير عما طرحه ابن حجر، إذ وصف الدلائل بأنها تنقسم على قسمين: حسية وهي المعجزات، وأخرى معنوية وهي الأمانة والصدق والشجاعة والزهد وإيثار الاخرين على نفسه ... الخ من الصفات التي اتسم بها الرسول محمد «١٠» ﵌.
تمثلت هذه الفكرة بما كتبه البيهقي في كتابه دلائل النبوة حين جعل سيرة الرسول ﵌ برمتها دليلا من دلائل نبوته «١١» ، وما صرح به ابن حزم حين عدّ سيرة الرسول ﵌ دليلا من دلائل نبوته، وذلك بقوله: " إن سيرة الرسول لمن تدبرها تقتضي تصديقه ضرورة، تشهد له بأنه رسول الله ﷺ حقا، فلو لم تكن معجزة غير سيرته ﷺ لكفى" «١٢» .
ابتدأ التصنيف في هذه الأمور في مدة مبكرة من تاريخ الإسلام الفكري، إذ تخبرنا فهارس الكتب عن تصنيف العلماء لها في بداية القرن الثالث الهجري، إذ ذكر ابن النديم أسماء عدّة مصنفات تناولت أعلام الرسول ودلائل نبوته «١٣» ، ثم أخذت المصنفات بالتكاثر شيئا فشيئا من بعد منتصف هذا القرن حتى نهايته، إذ اجمل أحد الباحثين عددها ب (٩ مصنفات) «١٤» ، وهذه المصنفات التي ذكرها هذا الباحث لم تصل إلينا، فضلا عن ذلك فقد كانت مصنفات القرن الرابع والخامس الهجري أوفر حظا من المصنفات التي سبقتها، إذ وصلت إلينا منها
стр. 350
مصنفات عدة أسهم كل واحد منها في تطور كتابة أعلام ودلائل النبوة ضمن كتب السيرة النبوية، وهذه المصنفات هي:
١. دلائل النبوة لأبي بكر جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي (ت ٣٠١ هـ) :
ولد هذا المصنف في فرياب وهي قرية في نواحي بلخ في بلاد ما وراء النهر سنة (٢٠٧ هـ) ، وكان أحد الحفاظ المجدين الذين حفظوا الحديث ونشروه في بلادهم، وصنفوا العديد من الكتب التي انصب معظمها على الحديث وعلومه «١٥» .
يعدّ كتاب الفريابي هذا من الكتب المهمة في دلائل نبوة الرسول ﵌ وذلك لأمور عدة هي:
١. التعويل والاعتماد على مروياته في دلائل نبوة الرسول ﵌ من قبل الذين تأخروا عنه وتعرضوا لهذه الجوانب في مصنفاتهم، إذ اعتمد عليه أبو نعيم الاصفهاني في مواضع عدة من كتابه دلائل النبوة التي بلغت أربعة مواضع «١٦» ، ونقل البيهقي روايات عنه أيضا «١٧» ، فضلا عن نقل ابن كثير ثلاث روايات عنه ١ ١٧ أ، وقد بينت هذه النقول بمجملها مكانة هذا الكتاب وأثره في المصنفات التي تلته.
стр. 351
٢. الاهتمام بروايته والحصول على الإجازة بها من قبل العلماء وذلك حتى عصور متأخرة «١٨» .
٣. اكتسابه صفة القدم بالنسبة الى المصنفات التي وصلت إلينا عن دلائل وأعلام النبوة.
هذه الأمور التي تضمنها هذا الكتاب والتي أكسبته أهمية كبيرة ضمن كتب دلائل النبوة، فضلا عن اتصافه بمميزات عدّة تمثلت بمحاور عدة:
١. التخصص باستعراض جانبين من الجوانب التي شملتها المعاجز الحسية*، وهذان الجانبان هما:
أ. ذكر البركة التي حصلت في الطعام القليل الذي أكل منه الرسول ﵌ ليشبع الباقي منه عددا غفيرا من المسلمين، وذلك بإيراد الروايات التي تطرقت إلى هذا الأمر «١٩» .
ب: ذكر تكرار حادثة نبع الماء من بين أصابعه عند وضعه لهن في ماء قليل لا يكفي من حوله من الناس، وذلك بجمع طرق الروايات التي اتفقت على حدوث هذه المعجزة وفي مواطن عدة «٢٠» .
стр. 352
مع العلم أن الفريابي لم يقتصر على ذكر الروايات التي اختصت بعرض المعاجز التي حصلت ضمن هذين المحورين، إذ أقحم في أحد مواضع كتابه هذا روايات تتضمن دعوة الرسول ﵌ في الأشجار لتكون فيها البركة والخير والنماء «٢١» .
تدل هذه الميزة التي اتصف بها منحى الفريابي على رغبة جامحة تتمثل بإيجاد مجموع بسيط يضم جوانب محدودة من المعجزات الحسية للرسول ﵌ من دون الإكثار منها والاستفاضة بإيراد جميع ما اثر عن النبي ﵌ من معاجز حسية.
٢. تعدد طرق الروايات في الخبر الواحد، إذ نراه يورد أكثر من طريق لحادثة واحدة تضمنت ذكرا لمعجزة من معجزات الرسول ﵌ وإن اختلفت هذه الطرق في ألفاظها ولكنها أعطت المعنى نفسه «٢٢» .
٣. عدم إبداء الاراء من قبل الفريابي في الروايات التي يوردها في كتابه هذا، إذ حشد فيه ما وصل إليه منها في هذا الجانب من دون تبيان مقدار صحة أو ضعف أو غريب هذه الروايات، التي قسمها المحدثون إلى أنواع عدة «٢٣» ، ولأجل ذلك ظهرت روايات عدة اتسمت بالغرابة وأتسم رواتها بالضعف «٢٤» .
أعطى البيهقي تعليلا لبروز هذه الحالة في مثل هذه المصنفات إذ يقول: " ومما يجب معرفته في هذا الباب أن تعلم أن الأخبار الخاصة المروية على ثلاثة أنواع
стр. 353
نوع أتفق أهل العلم بالحديث على صحته وهذا على حزبين أحدهما أن يكون مرويا من أوجه كثيرة وطرق شتى حتى دخل في حد الانتشار وبعد من توهم الخطأ فيه، أو تواطؤ الرواية على الكذب فيه فهذا الضرب من الحديث يحصل به العلم المكتسب ومن ذلك ما روي في المعجزات والفضائل والأحكام، فقد روي بعض أحاديثها من أوجه كثيرة، والضرب الثاني أن يكون مرويا من جهة الاحاد، ويكون مستعملا في الدعوات والترغيب والترهيب ... وأما في المعجزات ... فقد روت فيها أخبار الاحاد في ذكر أسبابها إلا أنها مجتمعة في إثبات معنى واحد وهو ظهور المعجز على شخص واحد ... ، بل إذا جمع بينها وبين الأخبار المستفيضة في المعجزات والايات التي ظهرت على سيدنا المصطفى ﷺ دخلت في حد التواتر الذي يوجب العلم الضروري وتثبت بذلك خروج رجل من العرب يقال له محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ادعى أنه رسول رب العالمين وظهرت عليه الايات وأورد على الناس من المعجزات التي باين بها من سواه بما آمن عليه من أنعم الله عليه بالهداية مع ما بقي من أمته من القرآن المعجز" «٢٥» .
ومن ثم فقد أصبح من المتيقن أن كتّاب الدلائل قد أرادوا إثبات هذه الروايات لأنها قد اتفقت على معنى واحد وهو ظهور المعجزات من شخص الرسول ﵌ مع اختلاف في فحوى هذه المعجزات وكيفياتها.
стр. 354
أمتاز أسلوب الفريابي بالدوران في فلك الرواية وعدم إبداء وجهات النظر في الأخبار التي ذكرها أو التعليق عليها مقتفيا بذلك أثر المحدثين عند تصنيفهم الكتب وذلك بالتركيز في جمع الروايات على وفق الأبواب التي تنتمي إليها من دون إضفاء أي رأي عليها.
هذه هي الأمور التي اضفاها الفريابي في كتابه هذا على كتابة دلائل النبوة أولا وكتب السيرة ثانيا في الإسهام بتطور كتابتها.
٢. تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ت ٤١٦ هـ) :
هو قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن الخليل بن عبد الله الهمداني، وهو من كبار علماء المعتزلة ومتكلميهم الذي انتهت إليه رئاستهم حتى صار شيخها غير مدافع، وفاقت شهرته في الأقاليم الإسلامية حد الوصف، فضلا عن قيامه بتصنيف كتب عديدة في الانتصار لجماعته وتبيان أفكارها وعقائدها «٢٦» .
كانت فكرة النبوة وإثباتها من المسائل المهمة التي تناولها القاضي عبد الجبار بالبحث والدراسة، بل خصص لها حيزا كبيرا في مصنفه الكبير (المغني) «٢٧» ، فضلا عن تخصيصه مصنفا مستقلا لها أسماه (تثبت دلائل النبوة) ، وهذا الكتاب هو مدار بحثنا.
стр. 355
تناول القاضي عبد الجبار هذه الفكرة بفرز واستقلال عن باقي المسائل الاعتقادية الأخرى، إذ عرض القرائن والدلائل التي تؤكد نبوة محمد ﵌ «٢٨» .
حدد القاضي عبد الجبار تاريخ تصنيفه هذا الكتاب بسنة (٣٨٥ هـ) «٢٩» ، وهذا التاريخ يجعلنا في محل تريث قبل التسرع في تبيان المحاور التي تناولها هذا الكتاب وإسهامه في تطور كتب الدلائل ضمن كتب السيرة النبوية، إذ كتب هذا المصنف في عصر احتدمت فيه الطروحات الفكرية التي تبنتها الفرق والنحل الإسلامية وغير الإسلامية كافة «٣٠» ، ومن المستبعد أن يكتب القاضي عبد الجبار مصنفه هذا في مثل هذا العصر من دون أن يحاكي مجرياته ومحدثات أموره سواء أكانت بطريقة مباشرة أم غير مباشرة، وذلك لأن لكل عصر أثرا ملموسا في كل مصنف يكتب فيه «٣١» ، إذ تشير المصادر التي ترجمت لهذه الشخصية الى أنه قد نال مكانة بارزة ضمن علماء عصره، فضلا عن كونه متكلم المعتزلة ورئيسهم «٣٢» ، إذا ما علمنا أن هذه الطائفة قد اسهمت إسهاما بارزا في شحذ همم المسلمين على المحاججة والمناظرة معهم ثم مع الملل الأخرى وتأسيس حلقات الدرس لهذه الأمور مجتمعة «٣٣» .