← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 97927

قانون التأويل

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (664 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المبحث الرابع وَفَاته توفي ﵀ في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسمئة (١)، منصرفه من مراكش بعد أداء البيعة لعبد المؤمن بن علي (٢)، وذلك في

стр. 212

موضع يقال له "مَغِيلَة" (١) أو "رأس الماء" (٢)، وحمل ميتاً على الأعناق إلى فاس حيث دفن من الغد خارج باب المحروق (٣)، بتربة القائد المظفر، وقبره مشهور (٤) بفاس بنت عليه الأميرة خناثة بنت بكار (٥) المعافرية قبة ضخمة، ثم جدد في عهد الملك الحسن الثاني (٦) سامحهم الله.

стр. 213

أولاده وأحفاده: أنجب أبو بكر بن العربي جملة أولاد منهم: ١ - أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن العربي سمع من أبيه وأخذ عنه وعن أبي محمد بن عتاب وأبي الحسن بن مغيث، وسمع الحديث المسلسل في الأخذ باليد من أبي محمد بن أيوب الشاطبي، وكان من الفقهاء الجلة المشاورين، وكتب بخطه كثيراً، وكان بارع الخط. قال ابن الزبير (١): وقفت على سماعه على أبيه بتاريخ ٥٣٢، وأحسبه لم يُعَمِّر، وإن كان قد ولد له. وقال ابن الأبار (٢): وكان له اعتناء بسماع العلم، والمداومة عليه، ولم يبلغ مبلغ التحديث فيما أحسب. ٢ - أبو محمد عبد الله بن محمد بن العربي، سمع أباه في إشبيلية، وأبا الحسن بن شريح وغيرهم، كان من أهل النباهة والجلالة، معتنياً برواية الحديث والسماع، قتل خطأ على يد جنود الموحدين أثناء اقتحامهم إشبيلية عند صلاة العصر ١٣ شعبان سنة: ٥٤١، وحسن صبر أبيه عليه (٣). ٣ - أحمد بن محمد بن العربي، ذكر في بعض المصادر عرضاً (٤)، ولعله لم يكن له حظ من المعرفة. ومن أحفاده: ١ - أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن العربي، كان من أهل الفضل والدين والتواضع ولين الجانب بمكان، توفي سنة: ٦١٧ هـ (٥).

стр. 214

٢ - أبو الحسن علي بن عمر بن عبد السلام بن أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد ابن الحافظ أبى بكر بن العربي- كذا ذكر في عبير الآس (١)، وقال فيه: ميقاتي متقن، انتقل من فاس لمكناس وأسندت إليه رئاسة التوقيت بمنار مسجدها الجامع الكبير، وقال عنه أبو عبد الله بن غازي: فاضل دَيِّن، لم يل الأذان ببلدتنا مثله (٢). ٣ - أنجب هذا الميقاتي ولداً يعرف بأبي زيد عبد الرحمن بن علي بن العربي، كان فقيهاً حافظاً محدثاً، قيل أنه بلغ رتبة الاجتهاد، كان بفاس وانتقل إلى مراكش، وتوفي بها سنة: ٩٣٤ (٣).

стр. 215

الفصل الخامس دراساتٌ نَقديّة لأهَمّ الجوانب الكلَاميّة في قَانون التّأويل

стр. 216

درَاسَاتٌ نَقديّة لأهمّ الجوَانب الكلَاميّة في قَانون التّأويل مدخل: هذا الفصل هو عبارة عن دراسات نقدية تحليلية قمت بها لتساعد القارئ على تكوين فكرة مضيئة لكتاب "قانون التأويل"، فبعد مطالعتي الطويلة للنص، وجدت أنه يشتمل على عدة مسائل عقدية هامة يتعين التعليق عليها من وجهة نظر سنية أساسها كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، فسأقول متوكلًا على الله: من المعروف عن المؤلفين أنهم يسعون إلى اختيار عنوان الكتاب بحيث ينسجم مع المحتوى العام المقرر بين دفّتيه، وفقيهنا ابن العربي -رحمة الله عليه- قد وفّق إلى أبعد الحدود في اختيار العنوان المناسب، فقانون التأويل يشمل عند ابن العربي تفسير وتأويل كل ما عسى أن ينبهم من أغراض علوم الشريعة الِإسلامية، فهو بمنهجه هذا يستعمل كلمة "تأويل" كما هي مُقَررة عند السلف (١)، ولكن أنّى له أن يلتزم بهذا الفهم الصافي لمدلولات الألفاظ، وهو الذي درس العقيدة الأشعرية على من أرسوا قواعدها، وهذّبوا مناهجها، ومَهْمَا أُوتي المرء من قوة النزاهة وروح العدالة، فإن هناك مؤثرات -ربما كانت لا شعورية- تظلّ تفعل فعلها في نفسه، وخصوصاً حين يواجه المرء صعوبة الاختيار والتحديد، وهي صعوبة لا مَفَرَّ

стр. 217

منها حين يكون المقياس في التمييز غامضاً أو مطّاطّاً (١)، ويلاحظ الباحث أن ابن العربي كانت توجّهه في اختياره الآراء والحكم في بعض القضايا العقدية عواملُ كامنة لا يستطيع أن ينفكّ منها، فهو دوماً يسير على الخطّ الأشعري، مبرزاً رَأْيَ أئمته، مطنباً في مدح نظرياتهم واختياراتهم، وفي اعتقادنا أنه لم يفعل ذلك بداعي التعصب، ولكن الانتماء يحدد أحياناً مجالات الاختيار. ونظراً لهذا الغبش الفكري الذي ساد الفكر الإِسلامي، بل والألفاظ اللغوية ذاتها، أصبح حقاً عليّ واجباً أن أكشف عن معنى كلمة "تأويل" كما هي في اللغة العربية، وفي القرآن الكريم، وكما فهمها النبي ﷺ وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وأبين أن هذه الكلمة قد تراكمت عليها معاني حادثة بعيدة المطلب، وهذه المعاني الحادثة الغريبة هي التي أجمع أغلب علماء العقائد في القرون المتأخرة على القول بها، ضَارِبينَ بدلالة اللفظ -كما عرفه العرب الخلّص- عرض الحائط، ومن هذا الباب نشأ الاختلاف، ودخل الوهم، واضطربت الآراء وتباينت. معنى التأويل لغة: بالرجوع إلى أصل استعمال كلمة "تأويل" عند العرب، نجد أن استعمالها كان يدور على معنيين: المعنى الأول: الرجوع والمآل والعاقبة والعود والمصير، وإلى هذا التفسير ذهب أئمة اللغة المتقدمين أمثال أبي منصور محمد بن أحمد الأزْهَري (ت: ٣٧٠) الذي يذكر عن ابن الأعرابي أن الأوْل بمعنى الرجوع، من آل يؤول أوْلًا (٢). ويقول ابن فَارِس (ت: ٣٩٥): أوّل الحكم إلى أهله أي أرجعه وردّه

стр. 218

إليهم ... وآل جسم الرجل إذا نحف، أي رجع إلى تلك الحالة، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] يقول: ما يؤول إليه في وقت بعثهم ونشورهم (١): أي عاقبتهم ومصيرهم. المعنى الثاني: التفسير والبيان، قال الأزهري: وسئل أحمد بن يحيى عن التأويل فقال: التأويل والتفسير والمعنى واحد، قلت (أي الأزهري) أُلْتُ الشيء: جمعته وأصلحته، فكأن التأويل جمع معان مشكلة بلفظ واضح لا إشكال فيه، قال الليث: التأوّل والتأويل تفسير الكلام الذي تختلف معانيه (٢). وقد ذكر الجوهري (ت: ٤٠٠) هذا المعنى فقال: التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء وقد أولته وتأولته تأولاً بمَعْنىً (٣) قلت: ويتضح لنا بما سبق أن المعاجم اللغوية قد اتفقت على أَن لفظ: "التأويل" يستعمل في معنيين: الأول: التفسير والبيان. الثاني: المرجع والمصير. وهذان المعنيان هما اللذان يذكرهما المفسرون (٤) في تفسيرهم للفظ "التأويل" على أنهما المعنى اللغوي، وكذلك هما اللذان سادا في

стр. 219

استعمالات السلف منذ عهد النبي ﷺ ، فمن استعماله ﵊ للفظ "التأويل" بمعنى التفسير قوله ﷺ داعياً لابن عباس ﵄: "اللهم فَقَهْهُ في الدِّينِ وَعَلَّمْهُ التأوِيلَ" (١). ومن استعماله ﷺ للفظ "التأويل" بمعنى المرجع والمصير قوله ﷺ في بيان قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] وذلك عندما سئل عن معناها فقال ﷺ : "أما إنهَا كَائِنَةٌ وَلَمْ يَأتِ تَأوِيلهَا بَعْدُ" (٢). أي مآلها ومصيرها. وثمة معنى ثالث ذكره ابن منظور (ت: ٧١١) والزبيدي (ت: ١٢٠٥) للفظ "التأويل" إلاَّ أنهما ذكراه عمن لا يحتجّ بهم في اللغة، إذ أنهم ليسوا برواة لغة لأنهم وُجِدُوا في عصور متأخرة، وأقدم هؤلاء المنقول عنهم هذا المعنى الجديد هما أبو الفرج بن الجَوْزِيّ الحنبلي (ت: ٥٩٧) وابن الأثير (ت: ٦٠٦). يقول ابن الجوزي: التأويل نقل الكلام عن موضعه إلى ما يحتاج في إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ (٣). ويقول ابن الأثير عن التأويل: أنه نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ (٤). وهذا المعنى ينقله الزبيدي كذلك عن ابن الكمال (ت: ٩٤٠) إذ

стр. 220

يقول: "التأويل صرف الآية عن معناها إلى معنى تحتمله، إذا كان المعنى المحتمل الذي تصرف إليه الآية موافقاً للكتاب والسنة" (١). ثم ينقل عن جمع الجوامع للسبْكِي (ت: ٧٧١) أن التأويل "هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل لدليل فصحيح، أوْ لِمَا يظن دليلًا ففاسد، أو لا لشيء فلعب لا تأويل" (٢). قلت: والذي يبدو أن ما ذكره ابن منظور والزبيدي من هذا المعنى للتأويل، إنما ذكراه استطراداً، لا أنه من معانيه اللغوية، بدليل ما أشرنا إليه آنفاً إلى أن المنقول عنهم هذا المعنى الجديد لم يكونوا من المعاصرين لعصر الرواية حتى يُعْتَدَّ بكلامهم، إضافة إلى أن هذه المعاني أوردها ابن منظور والزبيدي مجرّدة عن الأمثلة والشواهد. وهذا عكس ما عهدناه منهما إزاء الاستعمالين الآخرين للفظ التأويل، حيث أورد كلّ منهما من الأمثلة والشواهد ما وضح به المعنى المراد من الكلمة. ويترتب على هذه الملاحظة نتيجة مهمة وهي: أن الكلمة لم تستعمل في هذا المعنى مطلقاً بين رجال اللغة في العصور المتقدمة، إذ لو استعملت عندهم في ذلك المعنى لأوْرَدُوا لها أمثلة وشواهد توضيحية كما فعلوا إزاء الاستعمالين الآخرين (٣).

стр. 221

وعلى الرغم من كل ما تقدم فقد كُتِبَ لهذا المعنى الثالث الغريب عن اللغة الذيوع والانتشار بين الفقهاء والأصوليين والمتكلمين، واستعملوه على أوسع نطاق، بحيث أصبح هو المتبادر إلى الذهن عند سماع لفظة "التأويل" وهو الشائع في معاجم اللغة المتأخرة، وقد تنوسي معه المعنيان المذكوران في معاجم اللغة المتقدمة في القرن الرابع وما قبله. التأويل في القرآن: معنى التأويل في القرآن الكريم لا يختلف عن معناه في اللغة، غير أن هذا لا يبدو واضحاً تمام الوضوح إلاَّ باستقراء الآيات الكريمة التي ورد فيها لفظ "التأويل" ومن أقوال السلف في تفسير هذا اللفظ. لقد تكررت كلمة التأويل في القرآن في سبع سور (١)، وتكرر ذكر كلمة التأويل في بعض السور أكثر من مرة كما في سورة يوسف والكهف. وأول سورة ذكر فيها التأويل هي سورة "آل عمران" والتى سوف نترك الحديث عنها لأننا سنتكلم عليها بإذن الله باستفاضة في مبحث المحكم والمتشابه (٢). ١ - التأويل في سورة النساء: وقد وردت كلمة التأويل في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن مجاهد (٣) أنه قال في تفسير

стр. 222

﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: أحسن جزاء (١). وقال قتادة: أحسن ثواباً وخير عاقبة، وقال السدي: عاقبة (٢). قال شيخ الإِسلام: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ قالوا: (أي السلف) أحسن عاقبة ومصيراً. فالتأويل هنا تأويل فعلهم الذي هو الردّ إلى الكتاب والسنة (٣). ٢ - التأويل في سورة الأعراف: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٢ - ٥٣]. يقول ابن جرير الطبري في تفسير معنى التأويل في هذه الآية الكريمة: أي ما يؤول إليه عاقبة أمرهم، من ورودهم على عذاب الله، وَصَلِيِّهِم جحيمه، وأشباه هذا مما أوعدهم الله به (٤). وقال قتادة: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ أي عاقبته، وفي رواية عنه: ثوابه (٥). قال ابن كثير: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾: أي ما وُعِدُوا به من العذاب والنكال .. قاله مجاهد وغير واحد.

стр. 223

وقال مالك: ثوابه (١). وقال شيخ الإِسلام: " ... وعن ابن عباس في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ تصديق ما وعد في القرآن، وعن قتادة تأويله: ثوابه، وعن مجاهد: جزاؤه، وعن السدي: عاقبته، وعن ابن زيد حقيقته، قال بعضهم: تأويله، ما يؤول إليه أمرهم من العذاب وورود النار" (٢). ٣ - التأويل في سورة "يونس ": قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩]. قال ابن جرير الطبري: "ما بهؤلاء المشركين يا محمد تكذيبك، ولكن بهم التكذيب بما لم يحيطوا بعلمه، مما أنزل الله عليك في هذا القرآن من وعيدهم على كفرهم، ولم يأتهم بعد ما يؤول إليه ذلك الوعيد الذي توعدهم الله به في هذا القرآن" (٣) وعن الضحّاك: يعني عاقبة ما وعد الله في القرآن أنه كان من الوعيد (٤). قال الشيخ رشيد رضا: "فسر أهل الأثر تأويله هنا بنحو ما تقدم، أي ما يؤول إليه الأمر من ظهور صدقه، ووقوع ما أخبر به، ولما كانت عاقبة المكذبين قبلهم الهلاك، كان تأويله أن تكون عاقبتهم كعاقبة من قبلهم" (٥). فالتأويل هنا المراد به: وقوع ما أخبر به القرآن، وهو الأثر الخارجي

стр. 224

والمدلول الواقعي بوعيد هؤلاء، ولا يصح بحال أن يكون معنى التأويل هنا أو في الآية السابقة: التفسير والبيان أو إرادة غير الظاهر (١). ٤ - التأويل في سورة "يوسف ": تكررت كلمة التأويل في سورة يوسف في ثمانية مواضع: الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ .... ﴾ [يوسف: ٦]. قال الطبري في تفسير هذه الآية الكريمة: أي ويعلمك ربك من علم ما يؤول إليه أحاديث الناس عما يرونه في منامهم، وذلك تعبير الرؤيا. وعن مجاهد: ويعلمك من تأويل الأحاديث قال: عبارة الرؤيا (٢). الموضع الثاني: قوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]. قال السدي في تأويل الآية الكريمة: أي تعبير الرؤيا، ومثله عن مجاهد وعن أبي نجيح. الموضع الثالث: قوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦]. فَسَّرهَا الطبري بمعنى أخبرنا بما يؤول إليه أمر ما أخبرناك أنا رأيناه في منامنا (٣)، وعن مجاهد: عبارته (٤).

стр. 225

الموضع الرابع: قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ [يوسف: ٣٧]. فسرها السدي بما يؤول إليه ويصير ما رأيا في منامهما من الطعام الذي رأيا أنه أتاهما فيه (١). الموضع الخامس: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٣ - ٤٤]. فسرها الطبري بمعنى: وما نحن بما تؤول إليه الأحلام الكاذبة بعالمين (٢). الموضع السادس: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف: ٤٥] فسرها الطبري بمعنى ما يؤول إليه المنام (٣). الموضع السابع: قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]. فسرها الطبري بمعنى أن يوسف قال لأبيه: هذا ما آلت إليه رؤياي التي كنت رأيتها .. قد حققها ربي لمجيء تأويلها على الصحة (٤). الموضع الثامن: قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١]. وفسرها مجاهد التأويل هنا بالتعبير (٥).

стр. 226

ونخلص من هذا العرض للمواضع الثمانية أن معنى التأويل يقصد به تعبير الرؤيا، أي ما تؤول إليه (١). ٥ - التأويل في سورة "الِإسراء ": قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥]. فسر مجاهد وقتادة كلمة التأويل هنا بالمآل والمرجع والعاقبة (٢) والثواب. ٦ - التأويل في سورة "الكهف ": قال تعالى حكايه عن موقف الخضر من موسى لما تتابعت أسئلته ولم يستطع صبراً على ما رآه من الخضر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]. فسرها الطبري بمعنى أن الخضر قال: سأخبرك بما يؤول إليه عاقبة أفعالي التي فعلتها ولم تستطع علي ترك مسألتك إياي عنها صبراً (٣). ولما بيَّن الخضر ما أشكل على سيدنا موسى قال له في النهاية: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في معنى الآية الكريمة: "وهذا تأويل فعله ليس هو تأويل قوله، والمراد به عاقبة هذه الأفعال بما يؤول إليه" (٤). يتبين لنا من هذه الآيات الكريمة أن لفظ التأويل لم يستعمل إلاَّ بمعنى

стр. 227

المآل والمرجع والمصير، أو الأثر الخارجي الذي يقع جزاء لقوم وعاقبة لهم، أو مآلاً لأحاديث الناس وتعبيراً لرؤياهم (١). التأويل في السنة وعند السلف: ثبت عن النبي ﷺ أنه دعى لعبد الله بن عباس فقال: "اللهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التأوِيل" (٢). فالتأويل هنا كما هو ظاهر يراد به التفسير وبيان معاني الآيات القرآنية وتوضيح المراد منها. وثبت عنه ﷺ أنه فسر الآية الكريمة: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ .... ﴾ [الأنعام: ٦٥] بأنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد (٣)، أي لم يحصل، ولم يحدث مدلولها العملي والواقعي الذي هو عين تأويلها، والذي هو مصير المخاطبين وعاقبة أمرهم (٤). ومنه قول عائشة: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سُبْحَانَكَ اللهُم رَبنا وَلَكَ الحَمْد، اللهُم اغْفِر لِي، يَتَأوَّل القُرْآنَ" (٥)، يعني قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ (٦) كما ثبت عن كثير من السلف أنهم كانوا يقولون في بعض الآيات: هذه ذهب تأويلها وهذه لم يأت تأويلها (٧).

стр. 228

أخرج الطبري بسنده عن أبي العتاهية قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوساً فكان بين رجلين ما يكون بين الناس حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإن الله تعالى يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] قال فسمعها ابن مسعود فقال: مه، لما يجىء تأويل هذه بعد! إن القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه ما وقع تأويلهن على عهد النبي ﷺ ، ومنه آي وقع تأويلهن بعد النبي ﷺ بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنة والنار .. الأثر (١). قلت: ولو رحنا نستقصي أقوال السلف وتفسيراتهم للفظ "التأويل" لطال بنا المقام، ونكتفي في هذه العجالة ببيان مراد السلف بعامة بلفظ "التأويل" فنقول: إن لهذا اللفظ في عرف السلف (٢) معنيين: أحدهما: تفسير الكلام وبيان معناه سواء أوافق ظاهره أم خالفه، فيكون التأويل والتفسير بهذا المعنى متقاربين أو مترادفين، وهذا الذي عناه ابن جرير الطبري في تفسيره عندما قال: القول في تأويل قوله كذا وكذا ... واختلف أهل التأويل في هذه الآية، ونحو ذلك، ومراده التفسير (٣).

стр. 229

الثاني: التأويل بمعنى الحقيقة الخارجية والأثر الواقعي المحسوس لمدلول الكلمة، وهو الذي تحدث به القرآن في كثير من الآيات، فقد تكررت -كما مر معنا- كلمة "التأويل في القرآن" في أكثر من عشرة مواضع، وكان معناها في جميع استعمالاتها هو الأثر الواقعي لمدلول اللفظ المستعمل سواء كان ذلك في الماضي أو المستقبل. فمن المعلوم أن الكلام ينقسم إلى نوعين: إنشاء وخبر. فالتأويل استعمل في الإنشاء في تنفيذ الأوامر والنواهي، ومن ذلك قول عائشة ﵂: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقولَ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللهم رَبنا وَبِحَمْدِكَ اللهمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأوَّلُ القُرْآنَ" (١)، تَعْنِىِ قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] (٢). ومن هنا قال السلف: إن السنة هي تأويل الأمر والنهي. وقد استعمل التأويل في الخبر وهو نفس الحقيقة المخبر عنها، وهذا يشمل إخبار الله عن أمور الغيب كالقيامة وأحوالها والبعث، ومن هذا الباب الكلام في الصفات، فهذا النوع لا يعلم حقيقته كيفاً وقدراً إلاّ الله (٣). والآن وبعد أن عرفنا معنى التأويل في اللغة والشريعة، أرى من الواجب

стр. 230

أن أتكلم عن فكرة "قانون التأويل" لدى ابن العربي، ولدى العلماء الذين سبقوه وأثروا في منهجه وتفكيره فنقول: تمهيد: بما لا يقبل الشك أن ابن العربي نظر إلى أحوال العلماء في عصره نظرة مليئة بالنقد الدقيق، فهو من هنا فكر في وضع نهج عام يُخلّص به الثقافة الإِسلامية من الركود والجمود، بل ومن التبعية للفكر اليوناني الغريب عن الإِسلام. فقد سعى رحمةُ الله عليه لتهديم كلّ البناء الذي أنشأه الفلاسفة (الإِسلاميون!!)، متأثراً بشيخه الإِمام الغزالي (١)، على أن ابن العربي لم يقتصر على الناحية السلبية فحسب، بل عمل على ألاَّ يقف عمله على النقض والتهديم، بل تعداه إلى تشييد صرح ديني قوامه كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ (٢). فتميز تفكيره بأصالة الِإفادة من أفكار سابقيه، مع الابتكار في حدود الكتاب والسنة. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المبحث هو: هل وُفِّقَ ابن العربي إلى الالتزام بالكتاب والسنة في كل ما حرره من مباحث التوحيد ومتعلقاته؟ أم تأثر بشيوخه وثقافة عصره التي كانت تميل إلى المعقول المناكب -في بعض الأحيان- للمنقول. هذا ما سيكشف عنه بحثنا عن موقف ابن العربي من العلاقة بين العقل والشرع. فكرة قانون التأويل لدى العلماء: شغل ابن العربي في بداية طلبه للعلم بكثير من القضايا الفكرية المهمة

стр. 231

التي يُعَولُ عليها في فهم كتاب الله وسنة رسول الله صلوات الله عليه، فراح يستهدي العلماء في حل مشكلات هذه القضايا ومعرفة غامضها ومبهمها، فخص ﵀ الِإمام الغزالي بالنصيب الأوفر من هذه الأسئلة والاستفسارات العقدية المشكلة، فكان جواب الغزالي بمثابة القانون الكلي المعتمد، الذي يرجع إليه في تأويل كثير من قضايا ومباحث العقيدة. فالغزالي هو أول من تكلم عن التأويل من الأشاعرة بشكل منظم (١)، ووضع له قانوناً خاصاً بفضل الأسئلة التي طرحها عليه فقيهنا ابن العربي (٢). وقبل أن نتعرض لبحث قانون التأويل عند الجويني والغزالي وابن العربي أودّ أن أشير إلى أن قانوناً للتأويل كان قد وضعه الفيلسوف أبو علي ابن سينا (ت: ٤٢٨) نبهنا إليه شيخ الإِسلام ابن تيمية بقوله: ( ... وقد وضع ابن سينا وأمثاله قانونهم ... كالقانون الذي ذكره في "رسالته الأضحوية" وهؤلاء يقولون: الأنبياء قصدوا بهذه الألفاظ ظواهرها، وقصدوا أن يفهم الجمهور منها هذه الظواهر، وإن كانت الظواهر في نفس الأمر كذباً وباطلاً ومخالفة للحق، فقصدوا إفهام الجمهور بالكذب والباطل للمصلحة .... " (٣). قلت: وبالرجوع إلى هذه الرسالة الأضحوية (٤)، نرى ابن سينا يقول

стр. 232

فيها: " ... وأما الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد هو أن الشرع والملل الآتية على لسان نبي من الأنبياء يرام بها خطاب الجمهور كافةً .... " (١). قلت: وقد تكفل شيخ الإِسلام ابن تيمية بالرد على هذه الأقاويل والدعاوى (٢) في كتابه "درء تعارض العقل والنقل"، فأجاد وأفاد ﵁. والذي يهمنا في هذا المبحث هو: هل تأثر الِإمام الغزالي (٣) بآراء الفلاسفة في هذا الموضوع؟ أم استقل بفكره دون تأثير؟. الواقع أن هذا التساؤل من الأهمية بمكان، وليس باستطاعتنا في هذه العجالة أن ندلي برأينا مع التدليل عليه بالحجج والبراهين لأن هذا سيستغرق صفحات ليست بالقليلة، ولكن والحالة هذه، فلا مانع من القول بأن الِإمام الغزالي قد تأثر بالفلاسفة بعامة وابن سينا في رسالته الأضحوية بخاصة (٤)، وذلك باتساعه في تأويل ما لا يدرك عقلاً، وهذا ما رامه ابن سينا في رسالته. وهنا يصدق على الإِمام الغزالي ما قاله ابن العربي: "شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منها فما قدر" (٥).

стр. 233

قلت: ومن عجائب القدر، أن ابن العربي الذي أدرك هذه الحقائق وانتقد شيخه ومحبه من أجلها، نراه قد تأثر هو الآخر بالتأويل فقرره في كتبه على الطريقة الغزالية، مع اختلاف كثير (١) في التفصيلات التي تنجم عند تطبيق قانون التأويل على المسائل العقدية (٢). وقد ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية أن الغزالي قد سبقه إلى هذا القانون جماعة من المتكلمين مثل الباقلاني والجويني (٣)، وقد رجعت إلى كتب الباقلاني فلم أهتد إلى نصوص صريحة تدل على تبلور هذه الفكرة بشكل منهجي منظم، وإن كانت روح التأويل سارية في كل كتاباته، أما في كتب أبي المعالي الجويني فقد عثرت على النصوص التالية والتي تمثل الأساس الذي بني عليه الإِمام الغزالي أفكاره وكذا الأشاعرة من بعده إلى يومنا هذا. يقول الجويني: " ... اعلموا -وفقكم الله- أن أصول العقائد تنقسم إلى ما يدرك عقلاً، ولا يسوغ تقدير إدراكه سمعاً، وإلى ما يدرك سمعاً ولا يتقدر إدراكه عقلاً، وإلى ما يجوز إدراكه سمعاً وعقلاً (٤) ... فإذا ثبتت هذه المقدمة فيتعين على كل معتنٍ بالدين واثق بعقله أن ينظر فيما تعلقت به الأدلة السمعية، فإن صادفه غير مستحيل في العقل، وكانت الأدلة السمعية قاطعة في طرقها، لا مجال للاحتمال في ثبوت أصولها ولا في تأويلها، فما هذا سبيله، فلا وجه إلاَّ القطع به. وإن لم تثبت الأدلة السمعية بطرق قاطعة، ولم يكن مضمونها مستحيلًا في العقل، وثبتت أصولها قطعاً، ولكن طريق التأويل يجول فيها، فلا سبيل

стр. 234

إلى القطع، ولكن المتدين يغلب على ظنه ثبوت ما دلّ الدليل السمعي على ثبوته، وإن لم يكن قاطعاً. وإن كان مضمون الشرع المتصل بنا مخالفاً لقضية العقل، فهو مردود قطعاً فإن الشرع لا يخالف العقل .. " (١). قلت: وبعد الجويني جاء تلميذه الغزالي فأفصح عن هذه المعاني بصورة محكمة منظمة، وذلك في جوابه لأسئلة ابن العربي (٢)، حيث قسم الخائضين في التأويل إلى خمس فرق: الفرقة الأولى: هم الذين وقفوا مع المنقول وصدقوا بما جاء به النقل تفصيلاً وتأصيلاً وإذا شوفهوا بإظهار تناقض في ظاهر المنقول وكلفوا تأويلاً، امتنعوا وقالوا: إن الله قادر على كلّ شيء. الفرقة الثانية: وهم الذين وقفوا على النقيض من أصحاب الفرقة الأولى، فَجَرَّدُوا النظر في المعقول ولم يكترثوا بالمنقول، فإذا سمعوا في الشرع ما يوافقهم قبلوه، وإن سمعوا ما يخالف عقولهم، زعموا أن ذلك صوَّره الأنبياء للعوام على سبيل التمثيل، فغلوا في المعقول حتى كفروا، إذ نسبوا الأنبياء إلى الكذب لأجل المصلحة. الفرقة الثالثة: وهم الذين جعلوا المعقول أصلاً فطال بحثهم عنه، فضعفت عنايتهم بالمنقول، فلما سمعوا من الظواهر المخالفة للمعقول جحدوه وأنكروه، وكذبوا راويه، إلاَّ ما يتواتر عندهم كالقرآن، ولا يخفى ما في هذا الرأي من الخطر في ردِّ الأحاديث الصحيحة. الفرقة الرابعة: وهم الذين جعلوا المنقول أصلاً وطالت ممارستهم له، فاجتمعت لهم الظواهر الكثيرة، ولما لم يغوصوا في المعقول، ولم يخوضوا فيه، لم تتبين لهم المحالات العقلية.

стр. 235

الفرقة الخامسة: وهم الذين توسطوا في البحث فجمعوا بين المعقول والمنقول، وجعلوا كل واحد منهما أصلاً مستقلاً، وأنكروا أن يتعارض العقل والنقل، وذلك لأن من كذب العقل فقد كذب الشرع، إذ بالعقل عرف صدق الشرع، ولولا صدق العقل لما عرف الفرق بين النبي والمتنبي، والصادق من الكاذب، وكيف يكذب العقل بالشرع، وما ثبت الشرع إلاَّ بالعقل (١). قلت: وقد اعتبر الإِمام الغزالي أصحاب هذه الفرقة الخامسة هم المحقون الذين نهجوا منهجاً قويماً فراح يوصيهم بأن لا يكذبوا برهان العقل أصلاً، فإن العقل لا يكذب، ولو كذب فلعله كذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يعرف صدق الشاهد بتزكية المزكي الكاذب والشرع شاهد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع (٢). قلت: وإذا رجعنا إلى كتاب "قانون التأويل" لابن العربي، نراه قد حذا حذو شيخه في الكلام على التأويل والخائضين فيه فقال: "إن العقل والشرع إذا تعارضا، فإنما ذلك في الظاهر بتقصير الناظر، وقد يظهر للناظر المقصر أن يجعل الشرع أصلاً فيرد إليه العقل. وقد يرى غيره أن يجعل العقل أصلاً فيردّ الشرع إليه. وقد يتوسط آخر فيجعل كل واحد منهما أصلاً بنفسه. فالناظر الذي قدم المعقول، سيأتيه من ظاهر الشرع ما يقلب حقيقة الشرع، ولا سبيل إليه. والذي يجعل العقل أصلاً، والشرع تبعاً، إن أخذه كذلك مطلقاً، ورد ما ينكره القلب ببادىء الرأي في مورد الشرع بما يستحيل في العقل، فإن وقف في وجه الشرع فهو مكذب، وإن قال بما في الشرع فهو متناقض، وإن

стр. 236

توسط فهو الناظر العدل، يجعل كل واحد منهما أصلاً عقلاً ونقلاً" (١). قلت: ومفهوم التوسط عند ابن العربي هو تقديم العقل على الشرع، فقد صرح بهذا في كتابه "المتوسط في الاعتقاد" حيث قال: " ... إن الشرع لا يجوز أن يَرِدَ بما يَرُدُّهُ العقل، وكيف يصحّ ذلك والعقل بمثابة المزكي للشرع والمعدِّل له، فكيف يصح أن يجرَّح الشاهد مزكيه .. " (٢). العقل والنقل، هل يتعارضان؟. إن مبحث صلة العقل بالنقل من أهم المباحث التي ثار حولها الجدل بين أهل الحديث المتبعين للكتاب والسنة، وبين علماء الكلام والفلاسفة الإِسلاميين المبتدعين للمناهج العقلية المناكبة للأدلة الشرعية، وقد رأينا ابن العربي قد أعجب بمناهج المتكلمين في وضع قانونهم الكلي، فتابعهم متابعة المأموم للإمام، باذلاً وسعه في تطبيق ما ارتضاه على مباحث الشريعة والتي يوهم ظاهرها منافاة صريح العقل، مع أن العقل الصريح لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يناقض منقولاً صحيحاً، وإنما الَّذي يظن أنه معقول قد عارض المنقول الصحيح فإنه لا يعدو أن يكون شبهات وخيالات طارئة أو كما سماها شيخ الإِسلام ابن تيمية: شبه سوفسطائية لا براهين عقلية (٣). وكذلك ما يظن أنه منقول صحيح قد عارض المعقول الصريح، قد يكون المستدل به غالطاً في المتن بحيث يكون ذلك النص غير منقول عن الرسول ﷺ ، بل قد يكون مكذوباً عليه، وقد يكون غالطاً في الاستدلال

стр. 237

بحيث يكون هذا النص لا يستدل به على مثل مطلوبه، وهذا كثيراً ما يحدث في جميع الفرق (١). بيان استحالة اعتبار العقل أصلاً للشرع: الحجة الأولى: لو تتبعنا كلام الفلاسفة والمتكلمين في الِإلهات والسمعيات لوجدنا أن كلا منهم يتأول الآية أو الخبر الصحيح بحجة أن عقله القاطع أبطل ظاهر الآية أو صحيح الأثر، فالمعتزلة ومن اتبعهم من الشيعة يقوان: إن أصلهم المتضمن لنفي الصفات والتكذيب بالقدر (٢)، معلوم بالأدلة العقلية القطعية، ومخالفوهم من أهل الإثبات (٣) يقولون: إن نقيض ذلك معلوم بالأدلة القطعية العقلية، ومن يتأول السمع والبصر، يدعي أن عقله قطع بإحالة ذلك على الله، وكذلك من ينكر المجيء والاستواء والنزول فلا نجد مع أحدهم إلاَّ دعوى أن عقله القاطع أحال ذلك على الله تعالى. يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية: " ... فلو قيل بتقديم العقل على الشرع، وليست العقول شيئاً واحداً بَيِّناً بنفسه، ولا عليه دليل معلوم للناس، بل فيها هذا الاختلاف والاضطراب، لوجب أن يحال الناس على شيء لا سبيل إلى ثبوته ومعرفته، ولا اتفاق للناس عليه. وأما الشرع فهو في نفسه قول صادق، وهذه صفة لازمة، لا تختلف باختلاف أحوال الناس، والعلم بذلك ممكن، ورد الناس إليه ممكن، ولهذا جاء التنزيل برد الناس عند التنازع إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ

стр. 238

فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] فأمر الله تعالى المؤمنين عند التنازع بالردَّ إلى الله والرسول، وهذا يوجب تقديم السمع، وهذا هو الواجب، إذ لو ردُّوا إلى غير ذلك من عقول الرجال وآرائهم ومقاييسهم وبراهينهم لم يزدهم هذا الردّ إلاَّ اختلافاً واضطراباً، وشكاً وارتياباً .. " (١). الحجة الثانية: إن ذهاب المتكلمين بعامة وابن العربي بخاصة إلى تقديم العقل على النص غير صحيح، وذلك لأنهم إما أن يريدوا بالعقل أنه أصل في إثبات الشرع في نفسه، أو يريدوا أنه أصل في علمنا بصحته. والأول محال لا يقول به عاقل، فإن ما هو ثابت في نفس الأمر بالسمع أو بغيره، هو ثابت سواء علمنا بالعقل أو بغير العقل ثبوته، أو لم يعلم ثبوته، وعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في أنفسها، فما أخبر به النبي ﷺ هو ثابت في نفس الأمر سواء علمنا صدقه أو لم نعلمه، ومن أرسله الله تعالى إلى الناس فهو رسوله، سواء علمنا صدقه أو لم نعلم، فثبوت الرسالة في نفسها، وثبوت صدق الرسول وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر، ليس موقوفاً على وجودنا، فضلاً عن أن يكون موقوفاً على عقولنا، أو على الأدلة التي نعلمها بعقولنا (*). فتبين من هذا أن العقل ليس أصلاً لثبوت الشرع في نفسه، ولا معطياً له صفة كمال أو أي صفة لم تكن له (٢).

стр. 239

أما إن أرادوا بالعقل أنه أصل في معرفتنا بالشرع ودليل لنا عليه، فلا بدّ من التساؤل عن ماهية العقل الذي يعنونه؟. أهو الغريزة التي فينا والتي هي شرط في تحصيل العلوم؟. أم هو العلوم المستفادة من وجود تلك الغريزة؟. أما الأول فيمتنع أن يكون هو المراد؛ لأن وجود تلك الغريزة شرط في تحصيل أي علم عقلي أو سمعي، وما كان شرطاً في الشيء امتنع أن يكون منافياً له. أما إذا عنوا بالعقل تلك المعرفة الحاصلة والتي استفدناها بوجود غريزة العقل -وهذا ما يعنيه فقيهنا ابن العربي إذ عَرَّفَ العقل بأنه العلم بعينه (١) - فإنه لا يسلم لهم؛ لأن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر. وليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلاً للسمع ودليلاً على صحته، إذ العلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ما به يعلم صدق الرسول. وهذه الحقيقة قال بها ابن العربي نفسه في قانون التأويل (٢) حيث أثبت "أنه لا يصح أن يأتي في الشرع ما يضاد العقل، فإنه الذي يشهد بصحة الشرع ويزكيه من وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول". فإذا كان الأمر كذلك لم تكن جميع المعقولات أصلاً للنقل، فإذا وجد ما يعارض السمع من المعقولات التي لا يتوقف العلم بصحة السمع عليه، لم يكن القدح فيه قدحاً في أصل السمع، وليس القدح في بعض العقليات قدحاً في جميعها، ولا يلزم من صحة بعض العقليات صحة جميعها، كما لا يلزم من صحة بعض السمعيات صحة جميعها. وحينئذ فلا يلزم من صحة المعقولات التي تبنى عليها معرفتنا بالسمع

стр. 240

صحة غيرها من المعقولات، ولا من فساد هذه فساد تلك، فضلاً عن صحة العقليات المناقضة للسمع (١). الحجة الثالثة: إن الدليلين المتناقضين لا يخلوان إما أن يكونا قطعيين أو ظنيين، أو أحدهما قطعياً والآخر ظنياً. أما الأول فباطل؛ لأنه لا تعارض بين القطعيات. وأما الثاني فجائز، وفي هذه الحال يقدم السمعي على العقلي. وأما الثالث فجائز أيضاً وفي هذه الحال يقدم القطعي -أياً كان عقلياً أو سمعياً- ويردّ الظني -أياً كان سمعياً أو عقلياً. فتبين لنا أن الجهة التي يجب أن يرجح الدليل من أجلها هي كون دلالته على المطلوب قطعية، وليس من أصل كونه عقلياً أو سمعياً، وحينئذ يجب أن يرجح الدليل لكونه قطعياً لا لكونه عقلياً. وجوب تقديم السمع على العقل: قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "إذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم الشرع؛ لأن العقل مصدق للشرع في كلِّ ما أخبر به، والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به، ولا العلم بصدقه موقوف على كل ما يخبر به العقل" (٢). قلت: وقد توسع شيخ الإِسلام في البرهنة على مطلوبه، وأبدع في ضرب الأمثلة من الواقع التي تبرهن على صحة وجوب تقديم السمع على العقل.

стр. 241

فالإنسان إذا علم بالعقل أن هذا رسول الله، وعلم أنه أخبر بشيء، ووجد في عقله ما ينازعه في خبره- كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، وأن لا يقدم رأيه على قوله، ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه، وأنه أعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته واليوم الآخر منه. أما قول ابن العربي السابق الذكر الذي يقول فيه: "إنَّ الشرع لا يجوز أنْ يَرِدَ بما يردَّه العقل وكيف يصح ذلك والعقل بمثابة المزكي للشرع والمعدل، فكيف يصح أن يجرح الشاهد مزكيه" (١) وكذلك قوله: "لا يصح أن يأتي في الشرع ما يضاد العقل فإنه الذي يشهد بصحة الشرع ويزكيه .. فكيف يأتي الشاهد بتكذيب المزكي" (٢). قلت: وقد تكفل شيخ الإِسلام بالرد على هذه الدعاوى الباطلة من عدّة وجوه، وسأقتصر على نقل وجهين فقط في هذا المبحث وذلك لضيق المجال. قال ابن تيمية: "الشاهد إذا صرّح بتكذيب معدليه لم يكن تكذيب المعدَّل من عدله في قضية معينة مستلزماً للقدح في تعديله؛ لأنه يقول: كان عدلاً حين زكاني، ثم طرأ عليه الفسق، فصار يكذب بعد ذلك، ولا ريب أن العدول إذا عدّلوا شخصاً، ثم حدث ما أوجب فسقهم، لم يكن ذلك قادحاً في تعديلهم الماضي، كما لا يكون قادحاً في غير ذلك من شهاداتهم. فتبين أن تمثيل معارضة الشرع للعقل بهذا ليس فيه حُجة على تقديم آراء العقلاء على الشرع بوجه من الوجوه. وأيضاً فإذا سلّم أن هذا نظير تعارض الشرع والعقل فيقال: من المعلوم أن الحاكم إذا سمع جرح المعدَّل وتكذيبه لمن عدَّله في بعض ما أخبر به لم

стр. 242

يكن هذا مقتضياً لتقديم قول الذينَ زكُّوه، بل يجوز أن يكونوا صادقين في تعديله، كاذبين فيما كذبهم فيه، ويجوز أن يكونوا كاذبين في تعديله، وفي هذا، ويجوز أن يكونوا كاذبين في تعديله، صادقين في هذا، سواء كانوا متعمدين للكذب أو مخطئين، وحينئذ فالحاكم يتوقف حتى يتبين له الأمر، لا يردّ قول الذين عدّلوه بمجرد معارضته لهم، فلو كان هذا وِزَانَ تعارض العقل والشرع، لكان موجب ذلك الوقف دون تقديم العقل" (١). وأختم هذه الردود برد لطيف ذكره الِإمام محمد بن المرتضى اليماني من مجتهدي القرن الثامن باليمن وهو: إن العلوم يستحيل تعارضُها في العقل والسمع، فتعارضها تقدير محال، فإنه لو بطل السمع أيضاً بعد أن دل العقل على صحته لبطلا معاً أيضاً؛ لأن العقل قد كان حكم بصحة السمع وأنه لا يبطل، فحين بطل السمع علمنا ببطلانه بطلان الأحكام العقلية (٢). وبعد: فإن تقديم العقل على الشرع من أعظم الخطايا التي وقع فيها المتكلمون والتي أدَّت بنا إلى التحزب والفرقة والتكفير. فهذا الأصل الذي اتخذوه قانوناً أعظم فرية وأشدّ بلية وأكبر إثماً من كثير بما أجمعوا عليه أنه بدعة أو كفر. فمذهب السلف ﵃ فيه الإنسة والحجة وغيره فيه الوحشة والشبهة، وهذا المذهب هو الذي مال إليه فقيهنا ابن العربي في أواخر حياته حين قال: " ... إن ما لا يوافق الشرع المنقول مطروح وإن قبلته ظواهر العقول ... " (٣).

стр. 243

ابن العربي واستدلاله على وجود الله وصفاته العلى: تعرض ابن العربي ﵀ في فصل "ذكر معرفة النفس" إلى دلالة الأنفس على وجود الله سبحانه فأجاد وأفاد، ملتزماً في سوقه للأدلة بالطريقة الشرعية (١). وتعتمد هذه الدلالة على ما يعرض للِإنسان من أطوار، كما تعتمد من جهة أخرى على أنه خلق في أحسن تقويم، وذلك كله مشاهد لا يخفى على أحد. فكل عاقل يعرف من أحوال نفسه أنه كان نطفة، فصارت النطفة علقة، ثم مضغة، ثم لحماً وعصباً وعظاماً. وآلات وحواس موافقة لمصالحه، ثم بعد الانفصال من قرار مكين، تعاقبت عليه الأحوال من صغر وكبر، وقوة وضعف، وجهل وعقل، فلا بد لهذه التغيرات من مغيّر قادر عالم، فتبارك الله أحسن الخالقين. كذلك هذا الِإحكام الدقيق، والعناية والِإبداع العجيب في خلق الإِنسان، وتركيب حواسه، ووضع كل عضو في موضعه المناسب لأداء وظيفته (٢)، كل هذا يدل دلالة واضحة لا لبس فيها ولا غموض على وجود الخالق (*). ويذهب ابن العربي -أحياناً- مذهباً آخر، فيثبت صفات الباري تعالى بطريق العقل (٣)، معتمداً على ما ذهب إليه شيوخ الأشاعرة، فرؤية العبد لما هو عليه من الخروج من حالة العدم إلى حالة الوجود، والانتقال من صفة إلى صفة، والاختصاص بحالة دون حالة بالمزايا المختلفة من العلم والنطق

стр. 244

والتدبير والحياة والقدرة، دليل على أنه كائن لموجد قادر، فهذه أول صفة من صفات الخالق الموجد وعلى ذلك دلّ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). كما انتهج ابن العربي في الدلالة على كونه تعالى عالماً طريق المتكلمين بعامة (٢) والذي يرتكز على مبدأ الِإحكام والِإتقان بمعنى أن هذا العالم منسق ومنظم ومدبر أحسن تنسيق وتنظيم وتدبير، وكلّ شيء فيه يسير نحو غاية معينة مرسومة، يقول ابن العربي: "ويدل إتقان جبلَّته وإحكام صنعته على أنه عالم" (٣). وإذا كان إحكام صنعته يدلّ على أنه عالم، فإن ذلك يقتضي -عند ابن العربي -أيضاً أن يكون ذلك القادر العالم حيّاً، إذ يستحيل وصف الجماد الموات بالقدرة والعلم (٤). وتعيين أحد جائزي الوجود من صفة وهيئة يدلّ على الإرادة، وهكذا فإن ابن العربي يعتمد على فكرة الإِمكان أو الجواز بمعنى أن الصفتين اللتين يمكن أن تتعاقبا على موصوف أو محل ما فإن اتصاف المحل بإحداهما لا يكون إلا بسبب يعين أو يرجح إحدى الصفتين الممكنتين أو الجائزتين، وهذا التعيين إنما هو وظيفة الِإرادة، إذ لا يمكن لنا أن نضيف ذلك إلى القدرة أو الحياة أو العلم (٥).

стр. 245

أما إثبات صفتي السمع والبصر للباري جلّ شأنه فقد اختار ابن العربي منهج العقل في إثباتها مشنعاً على من ارتضى طريق السمع وحده، والحق أن طريق المتكلمين -في إثبات هاتين الصفتين- قد تباينت فمن قائل أن الدليل عليهما هو السمع فقط (١) ومن قائل بأن الأدلة عقلية ونقلية. وقد اعتمد ابن العربي على نصّ لأبي إسحاق الِإسفراييني (ت: ٤١٨) من الأهمية بمكان، لم أعثر على من نسبه إليه في كتب المتكلمين رغم بحثي الجادّ عنه، وهو قوله في إثبات صفتي السمع والبصر: "لأنه قد خلقهما للعبد ومحال أن يخلق ما لا يعلم، وعليه نبه بقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] (٢) وقريباً من قول الإسفراييني ذهب ابن رشد (٣) في "مناهج الأدلة" (٤) حيث قال: "ولما كان الصانع من شرطه أن يكون مدركاً لكل ما في المصنوع وجب أن يكون له هذان الإدراكان، فواجب أن يكون عالماً بمدركات البصر وعالماً بمدركات السمع، إذ هي مصنوعات له .. ". قلت: وقد ساق ابن العربي قول الغزالي في إثبات الصفتين السابقتين والذي معتمده فيه حجّة الكمال المشهورة، يقول الإِمام الغزالي: "من المعلوم أن الخالق أكمل من المخلوق، ومعلوم أن البصير أكمل ممن لا يبصر والسميع أكمل ممن لا يسمع، فيستحيل أن يثبت وصف كمال للمخلوق ولا نثبته للخالق" (٥). قلت: ودليل الغزالي هذا يقرب من قول الِإسفراييني وابن رشد وثلاثتهم يعتمدون على فكرة واحدة وهي إثبات الكمال كله لله. إلاَّ أن حجة

стр. 246

الِإمام الغزالي انتقدها فخر الدين الرازي الأشعري بقوله: "ومن الأصحاب (يقصد الغزالي) من قال السميع البصير أكمل ممن ليس بسميع، والواحد منا سميع بصير، فلو لم يكن الله تعالى كذلك لكان الواحد منا أكمل من الله تعالى، وهو محال، وهذا ضعيف، لأن لقائل أن يقول: الماشي أكمل ممن لا يمشي، والحسن الوجه أكمل من القبيح، والواحد منا موصوف به، فلو لم يكن الله تعالى موصوفاً به لزم أن يكون الواحد منا أكمل من الله تعالى" (١). ثم بعد أن قرر ابن العربي إثبات الصفات نفى أن يكون للباري جلّ وعلا شبه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله (٢)، وقد اعتمد في تنزيهه على مجرد نفي التشبيه، والاعتماد على مجرد نفي الشبيه ليس بسديد لأنه ما من شيئين إلاَّ بينهما قدر مشترك، وقدر مميز، ولا يلزم من الاشتراك أو المشابهة المماثلة في حقيقة المعنى المشترك بينهما فمن المعلوم أن كل موجودين لا بدّ بينهما من قدر مشترك، كاتفاقهما في مسمى الوجود مثلًا والقيام بالنفس ونحو ذلك، ونفي ذلك القدر من المشابهة يؤدي إلى التعطيل كما ذهب إلى ذلك الفلاسفة في نفيهم للصفات نفياً محضاً، فلا بد من إثبات خصائص الربوبية في كل ما يتصف به بما هو مشترك بينه وبين عباده، ولولا ذلك القدر المشترك لما استطعنا أن نفهم معنى ما خوطبنا به من الصفات الِإلهية، فنثبت له صفاته على وجه لائق به؛ لأنه ليس كمثله شيء، ولما لم يكن في إثبات ذاته مماثلة بينها وبين بقية الذوات، كذلك صفاته ليس في إثباتها مماثلة لصفات غيره. وهذه الطريقة التي اجتباها ابن العربي هي التي ألجأته إلى تأويل آيات وأخبار الصفات بحجة أن ظاهرها لا يفهم منه إلاَّ ما يدل على صفات المُحْدَثِين، وهكذا فإنه لزم من توحيد ابن العربي ومن ذهب مذهبه تعطيل الصفات وتأويلها. ثم بعد أن استدل ابن العربي ﵀ على التوحيد ونفي التشبيه

стр. 247

أشار إلى القدرية واعتبرهم موازين في قولهم -إن العباد يخلقون الشر دون الله- للثنوية، وأبان ﵀ بأن الكل هو خلق الله واستدل بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] (١)، وهنا أود أن أقرر مذهب السلف ﵃ لأن مذهب ابن العربي في هذه المسألة أشعري المشرب، يقول بنظرية الكسب بمعنى أن أفعال العباد فعل الله، وليست للعبد، ولكنها تستند إليه لكسبه إياها، فهي مكسوبة للعبد وليست فعلاً له، وإن قدرة العبد لا تأثير لها في فعله ولا في صفة من صفاته وإنما أجرى الله سبحانه العادة بخلق مقدور العباد مقارناً لقدرتهم، فيكون الفعل مخلوقاً ومفعولاً لله وكسباً للعبد، فالكسب عندهم عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة، والخلق عن اقتران المقدور بالقدرة القديمة (٢). ومذهب السلف في هذا الموضوع هو أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الذي خلق العبد هلوعاً إذا مسّه الشر جزوعاً وإذا مسّه الخير منوعاً، وأن العبد فاعل لفعله حقيقة، وله مشيئة وقدرة، قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] فالقرآن قد أثبت للعبد مشيئة، وأخبر أنها لا تكون إِلا بمشيئة الله، وهناك آيات عديدة تخبر بأن العباد يفعلون ويصنعون وأن لهم قوة واستطاعة، فالسلف يرون أن الله خالق لذلك كله، والعبد فاعل لفعله حقيقة. فالله خالق لكل شيء حقيقة ومن بينها أفعال العباد؛ لأنه خالق الأسباب ومسبباتها، وهو الذي أودع الأسباب قوة التأثير في مسبباتها، فالآيات التي تنسب الأفعال إلى الله تعالى هي حق فيما دلت عليه بدون تأويل؛ لأنَّ الله خالق كل شيء، والآيات التي تنسب الفعل إلى العبد هي حق فيما دلّت عليه بدون تأويل، لأن

стр. 248

العبد له قدرة مؤثرة في أفعاله كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، ولا شيء في ذلك من المجاز أو يحتاج إلى تأويل. الإنسان هو العالم الأصغر: ثم بعد أن ساق ابن العربي الأدلة العقلية والنقلية على وجود الله سبحانه واتصافه بصفات الكمال قال: "وهكذا تستدل أيها العبد بنفسك على ربك، حتى لقد غلا في ذلك بعضهم فقال: إن الِإنسان هو العالم الأصغر، والسموات والأرض بما تشتمل عليه هو العالم الأكبر، وأفرط في التشبيه بينهما والمناسبة لهما وليس ذلك بمعترض على الدين ولا قادح في عقيدة المسلمين" (١). قلت: وهذا الذي ارتضاه ابن العربي غير مرضيّ ولا مقبول عند علماء المسلمين المتبعين للطريق المبين، وذلك لأن هذه الأقوال هي من سواقط كلام الفلاسفة (٢)، ومن المعلوم أن للفلاسفة اصطلاحاتهم التي تحمل تصورات كاملة للكون والحياة والوجود، فإذا ما استعرنا عباراتهم وتشبيهاتهم بحجة أنها لا تتعارض مع ما ورد في الشرع. فإن هذا لن يستقيم لنا، وسيغزو فكرهم عقائدنا بما يحمل من مدلولات مناقضة للشرع. وحتى نتبين خطورة هذه الفكرة التي قبلها ابن العريي مختاراً فإننا ننقل ملخصها كما جاءت في كتاب "الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة" (٣) لابن السيد البَطَلْيَوْسِي الأندلسي (ت: ٥٢١). قال: " ... وخلق الله الِإنسان آخر المخلوقات، وجمع في خلقه جميع ما في العالم، فصار مختصراً منه، وجعله حدّاً بين عالم الحسن

стр. 249

وعالم العقل، فهو آخر الموجودات الطبيعية وأول الموجودات العقلية، وهو معرض لأن يعلو فيلحق بالملأ الأعلى، ويسفل فيلحق بالعالم الأدنى، وقد قلت في ذلك من الخفيف: أنت وسط ما بين ضدين يا إنسان ... ركبت صورة في هيولى أن عصيت الهوى علوت علواً ... أو أطعت الهوى سفلت سفولا فمن أجل أنه جمع في خلقته جميع ما في العالم الأكبر، صار مهيئاً بفطرته الفاضلة، مستعداً بقوته العاقلة لأن يتصور جميع ما في العالم الأكبر، وبيان ذلك أن مدركات الِإنسان صنفان: محسوسات ومعقولات، فالأشخاص هي المحسوسات وأنواعها وأجناسها، ومبادئها هي معقولاتها، وله إدراكان: إدراك بالحس للأشياء المحسوسات، وإدراك بالعقل للأشياء المعقولة لأن كل شيء إنما يدرك بشكله، فإدراكه المحسوسات يسمى كماله الأول وحياته الأولى، وإدراكه المعقولات يسمى كماله الثاني وحياته الأخيرة، فإذا كان العالم كله صنفين -محسوساً ومعقولاً- وكان كمال جوهر الإنسان بإدراكهما معاً، وكان مهيئاً بفطرته لذلك صار الإنسان إذا أدرك المحسوسات والمعقولات فقد تصور بصورة العالم الأكبر، فالإنسان إذاً يستحق أن يسمى عالماً صغيراً من وجهتين: أحدهما: خلقة لا عمل له فيها. والثاني: لاكتساب يكتسبه، إلاَّ أن سعادته إنما هي بالاكتساب وحصول العقل المستفاد (١)، وأما خلقته فإنما هي هيئة واستعداد جعل معرضاً بهما لنيل السعادة، إن فهم ذاته وعلم مرتبته من العالم نجا وسعد، وإن جهل ذاته ولم يعرف ما الغرض بكونه آخر الموجودات هلك وطال شقاؤه، ولذلك قال

стр. 250

النبي ﷺ : الناس نِيَامٌ فَإذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا" (١). وقال: " أعْلَمُكُمْ بِنَفْسِهِ أعلَمُكُمْ بِرَبهِ" (٢). قلت: إن الركون إلى مثل هذه العبارات والأفكار الفلسفية يفضي -لا محالة- إلى طريق مليء بالمنعرجات التي تؤدَّي إلى الهلكة، والناظر في مثل هذه الأقوال وان كان بعضها غير قادح في عقيدة المسلمين -على حد تعبير ابن العربي- فإن جلها ينطوي على شبهات إذا خالطت العقلَ واليقين تفسده، فيصاب المشتغل بها بالحيرة والشك والاضطراب، فالأحرى بالمسلم أن يقتصر على الألفاظ الواضحة ذات الدلالات الشرعية السليمة، والحمد لله فإن في مكتبتنا الإِسلامية السنية ثروة طائلة من الألفاظ الدقيقة والتعابير الحكيمة تزخر بها كتب التوحيد والحديث والتفسير وإنها لتدل بسلامتها وأصالتها ووضوحها ودقة تعبيرها وإحكام تحريرها على أن الذين تعاطوا العلوم الشرعية كانت مرضاة الله دائماً نصب أعينهم، فلم يحيدوا عن الطريق، فسددهم الله إلى سواء السبيل. تأثر ابن العربي ببعض آراء الفلاسفة: سبق أن عرفنا أن ابن العربي قد يستعير بعض الصور والأفكار من الفلاسفة والصوفية ويسكبها في قالب سني، ولكن هل وفق في منهجه هذا أم أخفق؟. باستطاعة الباحث الجزم بأن القاضي ابن العربي وفق إلى أبعد الحدود في نقض كلام الفلاسفة وآراء مختلف الطوائف، ولكن -والعصمة لله ورسوله ﷺ لم يسلم من التأثر بمقولاتهم، وهنا أود أن أشير إلى أن ابن العربي لم يكن وحيد دهره في الانفراد بهذا التأثر، فإن الأمر أوسع من هذا،
следующие страницы →