الِإمام الغزالي انتقدها فخر الدين الرازي الأشعري بقوله: "ومن الأصحاب (يقصد الغزالي) من قال السميع البصير أكمل ممن ليس بسميع، والواحد منا سميع بصير، فلو لم يكن الله تعالى كذلك لكان الواحد منا أكمل من الله تعالى، وهو محال، وهذا ضعيف، لأن لقائل أن يقول: الماشي أكمل ممن لا يمشي، والحسن الوجه أكمل من القبيح، والواحد منا موصوف به، فلو لم يكن الله تعالى موصوفاً به لزم أن يكون الواحد منا أكمل من الله تعالى" (١).
ثم بعد أن قرر ابن العربي إثبات الصفات نفى أن يكون للباري جلّ وعلا شبه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله (٢)، وقد اعتمد في تنزيهه على مجرد نفي التشبيه، والاعتماد على مجرد نفي الشبيه ليس بسديد لأنه ما من شيئين إلاَّ بينهما قدر مشترك، وقدر مميز، ولا يلزم من الاشتراك أو المشابهة المماثلة في حقيقة المعنى المشترك بينهما فمن المعلوم أن كل موجودين لا بدّ بينهما من قدر مشترك، كاتفاقهما في مسمى الوجود مثلًا والقيام بالنفس ونحو ذلك، ونفي ذلك القدر من المشابهة يؤدي إلى التعطيل كما ذهب إلى ذلك الفلاسفة في نفيهم للصفات نفياً محضاً، فلا بد من إثبات خصائص الربوبية في كل ما يتصف به بما هو مشترك بينه وبين عباده، ولولا ذلك القدر المشترك لما استطعنا أن نفهم معنى ما خوطبنا به من الصفات الِإلهية، فنثبت له صفاته على وجه لائق به؛ لأنه ليس كمثله شيء، ولما لم يكن في إثبات ذاته مماثلة بينها وبين بقية الذوات، كذلك صفاته ليس في إثباتها مماثلة لصفات غيره. وهذه الطريقة التي اجتباها ابن العربي هي التي ألجأته إلى تأويل آيات وأخبار الصفات بحجة أن ظاهرها لا يفهم منه إلاَّ ما يدل على صفات المُحْدَثِين، وهكذا فإنه لزم من توحيد ابن العربي ومن ذهب مذهبه تعطيل الصفات وتأويلها.
ثم بعد أن استدل ابن العربي ﵀ على التوحيد ونفي التشبيه
стр. 247
أشار إلى القدرية واعتبرهم موازين في قولهم -إن العباد يخلقون الشر دون الله- للثنوية، وأبان ﵀ بأن الكل هو خلق الله واستدل بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] (١)، وهنا أود أن أقرر مذهب السلف ﵃ لأن مذهب ابن العربي في هذه المسألة أشعري المشرب، يقول بنظرية الكسب بمعنى أن أفعال العباد فعل الله، وليست للعبد، ولكنها تستند إليه لكسبه إياها، فهي مكسوبة للعبد وليست فعلاً له، وإن قدرة العبد لا تأثير لها في فعله ولا في صفة من صفاته وإنما أجرى الله سبحانه العادة بخلق مقدور العباد مقارناً لقدرتهم، فيكون الفعل مخلوقاً ومفعولاً لله وكسباً للعبد، فالكسب عندهم عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة، والخلق عن اقتران المقدور بالقدرة القديمة (٢).
ومذهب السلف في هذا الموضوع هو أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الذي خلق العبد هلوعاً إذا مسّه الشر جزوعاً وإذا مسّه الخير منوعاً، وأن العبد فاعل لفعله حقيقة، وله مشيئة وقدرة، قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] فالقرآن قد أثبت للعبد مشيئة، وأخبر أنها لا تكون إِلا بمشيئة الله، وهناك آيات عديدة تخبر بأن العباد يفعلون ويصنعون وأن لهم قوة واستطاعة، فالسلف يرون أن الله خالق لذلك كله، والعبد فاعل لفعله حقيقة. فالله خالق لكل شيء حقيقة ومن بينها أفعال العباد؛ لأنه خالق الأسباب ومسبباتها، وهو الذي أودع الأسباب قوة التأثير في مسبباتها، فالآيات التي تنسب الأفعال إلى الله تعالى هي حق فيما دلت عليه بدون تأويل؛ لأنَّ الله خالق كل شيء، والآيات التي تنسب الفعل إلى العبد هي حق فيما دلّت عليه بدون تأويل، لأن
стр. 248
العبد له قدرة مؤثرة في أفعاله كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، ولا شيء في ذلك من المجاز أو يحتاج إلى تأويل.
الإنسان هو العالم الأصغر:
ثم بعد أن ساق ابن العربي الأدلة العقلية والنقلية على وجود الله سبحانه واتصافه بصفات الكمال قال: "وهكذا تستدل أيها العبد بنفسك على ربك، حتى لقد غلا في ذلك بعضهم فقال: إن الِإنسان هو العالم الأصغر، والسموات والأرض بما تشتمل عليه هو العالم الأكبر، وأفرط في التشبيه بينهما والمناسبة لهما وليس ذلك بمعترض على الدين ولا قادح في عقيدة المسلمين" (١).
قلت: وهذا الذي ارتضاه ابن العربي غير مرضيّ ولا مقبول عند علماء المسلمين المتبعين للطريق المبين، وذلك لأن هذه الأقوال هي من سواقط كلام الفلاسفة (٢)، ومن المعلوم أن للفلاسفة اصطلاحاتهم التي تحمل تصورات كاملة للكون والحياة والوجود، فإذا ما استعرنا عباراتهم وتشبيهاتهم بحجة أنها لا تتعارض مع ما ورد في الشرع. فإن هذا لن يستقيم لنا، وسيغزو فكرهم عقائدنا بما يحمل من مدلولات مناقضة للشرع. وحتى نتبين خطورة هذه الفكرة التي قبلها ابن العريي مختاراً فإننا ننقل ملخصها كما جاءت في كتاب "الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة" (٣) لابن السيد البَطَلْيَوْسِي الأندلسي (ت: ٥٢١).
قال: " ... وخلق الله الِإنسان آخر المخلوقات، وجمع في خلقه جميع ما في العالم، فصار مختصراً منه، وجعله حدّاً بين عالم الحسن
стр. 249
وعالم العقل، فهو آخر الموجودات الطبيعية وأول الموجودات العقلية، وهو معرض لأن يعلو فيلحق بالملأ الأعلى، ويسفل فيلحق بالعالم الأدنى، وقد قلت في ذلك من الخفيف:
أنت وسط ما بين ضدين يا إنسان ... ركبت صورة في هيولى
أن عصيت الهوى علوت علواً ... أو أطعت الهوى سفلت سفولا
فمن أجل أنه جمع في خلقته جميع ما في العالم الأكبر، صار مهيئاً بفطرته الفاضلة، مستعداً بقوته العاقلة لأن يتصور جميع ما في العالم الأكبر، وبيان ذلك أن مدركات الِإنسان صنفان: محسوسات ومعقولات، فالأشخاص هي المحسوسات وأنواعها وأجناسها، ومبادئها هي معقولاتها، وله إدراكان: إدراك بالحس للأشياء المحسوسات، وإدراك بالعقل للأشياء المعقولة لأن كل شيء إنما يدرك بشكله، فإدراكه المحسوسات يسمى كماله الأول وحياته الأولى، وإدراكه المعقولات يسمى كماله الثاني وحياته الأخيرة، فإذا كان العالم كله صنفين -محسوساً ومعقولاً- وكان كمال جوهر الإنسان بإدراكهما معاً، وكان مهيئاً بفطرته لذلك صار الإنسان إذا أدرك المحسوسات والمعقولات فقد تصور بصورة العالم الأكبر، فالإنسان إذاً يستحق أن يسمى عالماً صغيراً من وجهتين:
أحدهما: خلقة لا عمل له فيها.
والثاني: لاكتساب يكتسبه، إلاَّ أن سعادته إنما هي بالاكتساب وحصول العقل المستفاد (١)، وأما خلقته فإنما هي هيئة واستعداد جعل معرضاً بهما لنيل السعادة، إن فهم ذاته وعلم مرتبته من العالم نجا وسعد، وإن جهل ذاته ولم يعرف ما الغرض بكونه آخر الموجودات هلك وطال شقاؤه، ولذلك قال
стр. 250
النبي ﷺ : الناس نِيَامٌ فَإذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا" (١). وقال: " أعْلَمُكُمْ بِنَفْسِهِ أعلَمُكُمْ بِرَبهِ" (٢).
قلت: إن الركون إلى مثل هذه العبارات والأفكار الفلسفية يفضي -لا محالة- إلى طريق مليء بالمنعرجات التي تؤدَّي إلى الهلكة، والناظر في مثل هذه الأقوال وان كان بعضها غير قادح في عقيدة المسلمين -على حد تعبير ابن العربي- فإن جلها ينطوي على شبهات إذا خالطت العقلَ واليقين تفسده، فيصاب المشتغل بها بالحيرة والشك والاضطراب، فالأحرى بالمسلم أن يقتصر على الألفاظ الواضحة ذات الدلالات الشرعية السليمة، والحمد لله فإن في مكتبتنا الإِسلامية السنية ثروة طائلة من الألفاظ الدقيقة والتعابير الحكيمة تزخر بها كتب التوحيد والحديث والتفسير وإنها لتدل بسلامتها وأصالتها ووضوحها ودقة تعبيرها وإحكام تحريرها على أن الذين تعاطوا العلوم الشرعية كانت مرضاة الله دائماً نصب أعينهم، فلم يحيدوا عن الطريق، فسددهم الله إلى سواء السبيل.
تأثر ابن العربي ببعض آراء الفلاسفة:
سبق أن عرفنا أن ابن العربي قد يستعير بعض الصور والأفكار من الفلاسفة والصوفية ويسكبها في قالب سني، ولكن هل وفق في منهجه هذا أم أخفق؟.
باستطاعة الباحث الجزم بأن القاضي ابن العربي وفق إلى أبعد الحدود في نقض كلام الفلاسفة وآراء مختلف الطوائف، ولكن -والعصمة لله ورسوله ﷺ لم يسلم من التأثر بمقولاتهم، وهنا أود أن أشير إلى أن ابن العربي لم يكن وحيد دهره في الانفراد بهذا التأثر، فإن الأمر أوسع من هذا،
стр. 251
فقد كان علم الكلام الذي نشأ إسلامياً (١) ثم أخذ ينجر بذاته ويجر المنجذبين إليه من العلماء القائمين بالتصدي للملل والنحل الكافرة، ويجر أيضاً المتشيعين لمباحثه من عموم المؤمنين المتعلقين بالمباحث الكلامية إلى الفلسفة، كما أن الفلاسفة الإِسلاميين!! الذين استبطنوا الفلسفة اليونانية وتشربوها -بحكم وجودهم في محيط إسلامي- كانوا مدفوعين إلى أن يصبغوا -من حيث شاؤوا أو لم يشاؤوا- مباحثهم الفلسفية بلون من التفكير الديني، إن يكن صحيحاً أو فاسداً، أو يكن عميقاً أو سطحياً. وبهذا المعنى أصبحت مباحث المتكلمين من جهة ومباحث الفلاسفة من جهة أخرى، متأثرة على التفاوت بعضها ببعض، وعلى هذا فإن الألفاظ التي تجري على ألسنة المتكلمين ومنهم ابن العربي لم تكن معهودة على ألسنة السلف، بل والمعاني التي يصورها المتكلمون وإن يكن بعضها راجعاً إلى معنى من التلاقي مع عقيدة السلف في الأصول الإِسلامية الإِجمالية العامة فإن صورة تفصيلها قد أصبحت فيها من الخلط والزيف الكثير، فمن هنا برزت النبوة الواضحة بين المنهج الكلامي وبين ما عليه جمهور المسلمين.
نعود إلى ابن العربي بعد هذا الاستطراد الذي لا يخلو من فائدة -إن شاء الله- فنقول:
لقد بحث ابن العربي في موضوعات فلسفية وصوفية، ولم يكن بحثه فيها إلا بحثاً جزئياً؛ لأنه تناول في "قانون التأويل" مسائل معينة وجزئيات محصورة لأجل تقويم المنهج الاستدلالي، مع الغايات التي يرمي إليها في الحفاظ على المقالات السُّنِّيَّةِ. وقد وفق ابن العربي في أغلب ما تطرق إليه من موضوعات مختلفة إلاَّ أننا نأخذ عليه بعض الهنات البسيطة والتي ربما تكون لها عواقب وخيمة، وذلك كقوله في فصل ذكر حقيقة النوم وحكمته": " ... وإن نظرنا إليه (أي إلى النوم) من حيث أنه انقطاع عن عالم التصرف
стр. 252
الأدنى مع الآدميين، والإكباب على الدنيا ومعانيها، وأنه إقبال على الملائكة المقربين، وتفريغ القلب لإدراك الحقائق بطريق الأمثال، والاطلاع على ما يكون غداً، رأينا أنه حياة صحيحة ... " (١).
قلت: قارن قوله هذا بقول شيخه الِإمام الغزالي في "المنقذ من الضلال" والذي يقول فيه: " ... وقد قرّب الله تعالى على خلقه بأن أعطاهم نموذجاً من خاصية النبوة، وهو النوم، إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب، إما صريحاً وإما في كسوة مثال يكشف عنه التعبير ... " (٢).
قلت: ويرى الدكتور إبراهيم بيومي مدكور أن عبارة الغزالي هذه تحمل في ثناياها أفكاراً فارابية واضحة، وأنه اعتنق تلك النظرية عن أساس من الفيض والإشراق (٣).
قلت: وقد صاغ الفارابي نظريته في النبوة على أساس قوله بالفيض (٤)، فقد رأى أن مخيلة النبي تتصل بالعقل الفعال الذي يفيض عليها فتدرك أمور الغيب. أما كيف يحدث هذا الاتصال. فالفارابي يقول إن المخيلة -كما أنها قوة قادرة على حفظ صور المحسوسات الخارجية- فهي أيضاً تستطيع أن
стр. 253
تشكل صوراً تحاكي بها الصور المخزونة فيها، وتتجلى استطاعتها هذه في الأحلام، ففي الحلم تبتدع المخيلة صوراً تناسب الأحوال العضوية والنفسية التي تشغل الشخص أثناء نومه .. على أنه قد يوجد من الناس من يتمتع يمخيلة تتمكن من أن تنصرف عن الشواغل الحسية، وترقى أثناء النوم إلى العالم الروحاني، وتطلع هناك على الحقائق التي تفيض عن العقل الفعال ... والمختارون من البشر هم الذين تتساوى عندهم أوقات اليقظة وأوقات النوم، فتصعد مخيلتهم إلى العقل الفعال في النهار، كما تصعد في الليل، وهؤلاء هم الأنبياء، وما تراه مخيلتهم أثناء اليقظة هو الوحي (١).
قلت: وقد أوضح الدكتور مدكور أن هذه النظرية قد تأثر صاحبها بنظرية الأحلام (٢) عند أرسطو (٣).
وقد حذا ابن سينا حذو الفارابي فأخذ عنه هذه النظرية بحذافيرها (٤).
وهكذا فإن تأثير أرسطو سرى بين الفلاسفة وعلماء الكلام إلى أن وصلت ملامح منه إلى الإِمام أبي بكر بن العربي.
والواقع أن هذه النظرية هي من أخطر النظريات التي دخلت الفكر الإِسلامي قصد تشكيك الناس في النبي والنبوة، وسنتكلم عنها في مبحث قادم -إن شاء الله تعالى- والذي نفتقر إليه الآن هو معرفة أن الرؤيا ثلاثة أنواع:
١ - رؤيا من الله .
٢ - رؤيا من الشيطان.
٣ - رؤيا من حديث النفس.
стр. 254
والرؤيا الصحيحة أقسام: منها إلهام يلقيه الله سبحانه في قلب العبد، ومنها مثل يضربه له ملك الرؤيا الموكل بها، ومنها دخول روح النائم إلى الجنة ومشاهدتها وغير ذلك من أنواع الرؤيا الصحيحة التي هي عند الناس من جنس المحسوسات، وهذا الموضع هو الذي اضطرب فيه العلماء واستغله الفلاسفة والصوفية لنشر مذهبهم، قال الِإمام ابن قيم الجوزية في هذا الموضوع: " ... فمن قائل أن العلوم كلها كامنة في النفس وإنما اشتغالها بعالم الحس يحجب عنها مطالعتها: فإذا تجردت بالنوم رأت منها بحسب استعدادها، ولما كان تجردها بالموت أكمل كانت علومها ومعارفها هناك أكمل. وهذا فيه حق وباطل، فلا يرد كله، ولا يقبل كله، فإن تجرد النفس يطلعها على علوم ومعارف لا تحصل بدون التجرد، لكن لو تجردت كل التجرد لم تطلع على علم الله الذي بعث به رسوله ﷺ وعلى تفاصيل ما أخبر به عن الرسل الماضية والأمم الخالية، وتفاصيل المعاد وأشراط الساعة، وتفاصيل الأمر والنهي، والأسماء والصفات والأفعال، وغير ذلك بما لا يعلم إلاَّ بالوحي، ولكن تجرد النفس عون لها على معرفة ذلك وتلقيه من معدنه أسهل وأقرب وأكثر بما يحصل للنفس المنغمسة في الشواغل البدنية" (١).
أبو بكر بن العربى وتأويله لاسم الجلالة "النور ":
تعرض المؤلف ﵀ في فصل "ذكر قانون من التأويل في آية معينة" إلى شرح قوله تعالى:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية (٢) [النور: ٣٥] فقال:
"قال علماؤنا: أراد الله منوّر السموات بما خلق فيها من الأنوار
стр. 255
المحسوسة كالكواكب، ومنور القلوب بما خلق فيها من الهدى، ولذلك قالوا: نور بمعنى هادي التفاتاً إلى هذا المعنى" (١).
قلت: وابن العربي تأثر بالمعتزلة في هذا التأويل الغريب الذي رفضه في كتابه "الأمد الأقصى" كما سيأتي معنا.
وقد ذهبت المعتزلة عن بكرة أبيها إلى وجوب تأويل اسمه تعالى "النور" فيكون مجازاً، معناه منور السموات والأرض بالنور المخلوق، ويتعين المجاز -في رأيهم- لأن كل عاقل يعلم بالضرورة أن الله تعالى ليس هو هذا النور المنبسط على الجدران ولا هو النور الفائض من جرم الشمس والقمر والنار، فإما أن يكون مجازه منوِّر السموات، أو هادي أهلها.
قلت: وهذا الذي ارتضوه باطل لا يقول به عاقل، وذلك من عدة أوجه:
أولاً: أن اسم "النور" جاء في أسمائه تعالى، وهذا الاسم مما تلقته الأمة بالقبول، وأثبتوه في أسمائه تعالى، وهو مثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً، مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَةَ. هُوَ الله لَا إلهَ إلاَّ هُوَ الرحْمنُ الرحِيمُ .. الحديث إلى ذكر اسْمِهِ تَعَالَى "النور" (٢).
وهذا الحديث لم ينكره أحد من السلف ولا أحد من أئمة أهل السنة، ومحال أن يسمي نفسه نوراً وليس له نور ولا صفة النور ثابتة له، كما أن من المستحيل أن يكون عليماً قديراً سميعاً بصيراً ولا علم له ولا قدرة، بل صحة
стр. 256
هذه الأسماء عليه مستلزمة لثبوت معانيها له، وانتفاء حقائقها عنه مستلزم لنفيها عنه، والثاني باطل قطعاً فتعين الأول (١).
الثاني: ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل: "اللهُم لَكَ الحَمْدُ، أنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْض، وَلَكَ الحَمْدُ أنْتَ قَيَّامُ (٢) السمَوَاتِ والأرْض، ولَكَ الحَمْدُ أنْ رَب السَّمَوَاتِ وَالأرْض ... " الحديث (٣).
وهذا الحديث الشريف يقتضي أن كونه نور السموات والأرض مغاير لكونه رب السموات والأرض، ومعلوم أن إصلاحه السموات والأرض بالأنوار وهدايته لمن فيهما هي ربوبيته، فدلّ على أن معنى كونه نور السموات والأرض أمر وراء ربوبيتهما، يوضحه أن الحديث تضمن ثلاثة أمور شاملة عامة للسموات والأرض، وهي ربوبيتهما وقيوميتهما ونورهما، فكونه ربّاً لهما وقيُّوماً لهما ونوراً لهما أوصاف له، فآثار ربوبيته وقيوميته ونوره قائمة بهما، وصفة الربوبية ومقتضاها هو المخلوق المنفصل، وهذا كما أن صفة الرحمة والقدرة والِإرادة والرضى والغضب قائمة به سبحانه، والرحمة الموجودة في العالم والإِحسان والخير والنعمة والعقوبة آثار تلك الصفات، وهي منفصلة عنه، وهكذا علمه القائم به هو صفته، وأما علوم عباده فمن آثار علمه، وقدرتهم من آثار قدرته وهكذا (٤).
الثالث: إن المعتزلة ومن ارتضى مذهبهم قد وقعوا في المحظور أولاً ثم حاولوا التخلص فما قدروا، فإنهم فهموا أن حقيقة النور ومدلوله هو هذا النور
стр. 257
الواقع على الحيطان والجدران، وهذا الفهم الفاسد هو الذي أدى بهم إلى إنكار حقيقة النور، فجمعوا بين الفهم الفاسد وإنكار المعنى الحق، فالنور الذي عنوه ليس هو نور الرب القائم به الذي هو صفته، وإنما هو مخلوق له منفصل عنه كما سبق أن أشرنا، والنبي ﷺ عندما قال: "أنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْض" لم يفهم منها قطعاً أن الله هو هذا النور المنبسط على الحيطان والجدران، ولا فهمه الصحابة عنه، بل علموا أنَّ لنور الرب تعالى شأناً آخر هو أعظم من أن يكون له مثال، فالقرآن والسنة وأقوال الصحابة ﵃ متطابقة يوافق بعضها بعضاً، وتصرح بالفرق الذي بين النور الذي هو صفته والنور الذي هو خلق من خلقه، وكما أنه لا يماثل في صفة من صفات خلقه، فكذلك نوره سبحانه لا كالأنوار المخلوقة (١).
الرابع: إن كبار علماء الكلام كأبي محمد بن عبد الله بن سعيد بن كُلاَّب (ت: ٢٤٠) (٢)، وأبي الحسن الأشعري، وجماعة من أئمة المتكلمين لم يذكروا الخلاف في اسمه تعالى "النور" إلاَّ عن المعتزلة، فإنكار كونه نوراً هو قول المبتدعة، ولا يحسن بالإمام ابن العربي -وهو الشديد على أهل البدعة- أن يكون متبعاً في هذه الفكرة أهل الجحود والتعطيل.
قال الإِمام ابن فورك في كتابه "مقالات أبي محمد بن كُلاب وأبي الحسن الأشعري:
"إن المشهور من مذهبه (أي مذهب الأشعري والله أعلم) بأن الله سبحانه نور لا كالأنوار حقيقة، لا بمعنى أنه هاد" (٣).
وقال في كتابه "التوحيد":
стр. 258
إن سأل سائل عن الله سبحانه أنُورٌ هو؟ قيل له: كلامك يحتمل وجهين: إن كنت تريد أنه نور يتجزأ تجوز عليه الزيادة والنقصان فلا، وهذه صفة النور المخلوق، وإن كنت تريد معنى ما قاله الله سبحانه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فالله سبحانه نور السموات والأرض على ما قال، فإن قال: فما معنى قولك: نور؟ قيل له: قد أخبرناك ما معنى النور المخلوق، وما معنى نور الخالق، وهو سبحانه الذي ليس كمثله شيء، ومن تعدى أن يقول: الله نور، فقد تعدى إلى غير سبيل المؤمنين؛ لأن الله لم يكن يسمي نفسه لعباده بما ليس هو به، فَإنْ قال: لا أعرف النور إلاّ هذا النور المضيء المتجزىء قيل له: فإن كان لا يكون نور إلا كذلك، فكذلك لا يكون شيئاً إلاَّ وحكمه حكم ذلك الشيء ... فإذا قال : إنِّي نور، قلت أنا: هو نور على ما قال ، وقلت أنت: ليس هو نوراً، فمن المثبت له على الحقيقة أنا أو أنت؟ وكيف يتبين الحق فيه إلاَّ من جهة ما أخبر الله سبحانه، والدافع لما قال الله كافر بالله، وإن لزمنا أن لا نقول إن الله نور لأن ذلك موجود في الخلق، لزمنا أن لا نقول إن الله حيّ سميع بصير موجود، لأن ذلك موجود في الخلق، وَمَعْنَانَا في هذا الباب خلاف مَعْنَاكمْ، لأن معناكم في ذلك التعطيل، وَمَعْنَانَا في قولنا: الله نور، نثبت لله تعالى (اسم النور) على ما ورد به في كتابه بما تسمى به عندنا، فنحن مُتبعون ما أخبرنا به في كتابه، فإن جاز لكم أن تقولوا: شيئاً لا كالأشياء، جاز لنا أن نقول: نور لا كالأنوار (١)، وأنتم ظلمة فيما سألتم، جحدة لما أخبر به عن نفسه في كتابه" (٢). قلت: سبق أن ذكرت أن ابن العربي لم يؤول اسم الجلالة "النور" في كتابه "الأمد الأقصى" بل ارتضى ما ذهب إليه الِإمام الأشعري بأنه نور لا كالأنوار، وقد تعرض لأقوال العلماء في هذا الموضوع وذكر بعض آراء منها:
стр. 259
القول الأول: إن النور بمعنى هادي، قاله ابن عباس (١).
وقد ناقش ابن قيم الجوزية هذا القول فأوضح بأن هذا التفسير عن عبد الله بن صالح بن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس في ثبوت ألفاظه عن ابن عباس نظر، لأن الوالبي لم يسمعها من ابن عباس فهو منقطع، وأحسن أحواله أن يكون منقولًا عن ابن عباس بالمعنى، ولو صحّ ذلك عن ابن عباس فليس مقصوده به نفي حقيقة النور عن الله، وأنه ليس بنور، ولا نور له، كيف وابن عباس هو الذي سمع من النبي ﷺ قوله في صلاة الليل اللهُم لَكَ الحَمْدُ أنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ" (٢)، وكذلك لفظ الآية والحديث ينبو عن تفسير النور بالهادي؛ لأن الهداية تختص بالحيوان، وأما الأرض نفسها والسماء فلا توصف بهدى. والقرآن والحديث وأقوال الصحابة صريح بأنه نور السموات والأرض، ولكن عادة السلف أن يذكر أحدهم في تفسير اللفظة بعض معانيها ولازماً من لوازمها، أو الغاية المقصودة منها، أو مثالاً ينبه السامع على نظيره، وهذا كثير في كلامهم، فكونه سبحانه هادياً لا ينافي كونه نوراً (٣).
القول الثاني: معناه مُنَوِّر، قاله ابن مسعود، وروى أن في مصحفه: ﴿مُنَوِّرُ السمَوَاتِ وَالأرْض﴾ (٤).
رد ابن قيم الجوزية على أصحاب هذا القول بأن هذا لا ينافي كونه تعالى في نفسه نوراً، وأن يكون النور من أسمائه وصفاته، بل يؤكد ذلك، فإن الموجودات النورانية نوعان: منها ما هو في نفسه مستنير ولا ينير غيره كالجمرة
стр. 260
مثلاً، فهذا يقال له نور، ومنها ما هو مستنير في نفسه وهو منير لغيره كالشمس والقمر والنار، وليس في الموجودات ما هو مُنوِّرٌ لغيره، وهو في نفسه ليس بنور، بل إنارته لغيره فرع كونه نوراً في نفسه، فقراءة عبد الله بن مسعود مُنوِّر تحقيق لمعنى كونه نوراً، وهذا مثل كونه متكلماً معلماً مرشداً، مقدراً لغيره، فإن ذلك فرع كونه في نفسه متكلماً عالماً رشيداً قادراً (١).
القول الثالث: إنه مزين، قاله أُبي بن كعب (٢).
قال ابن قيم: إن هذا القول لا أصل له عن أبي بن كعب، وهو بالكذب عليه أشبه، فإن تفسير أبيّ ﵁ لهذه الآية معروف رواه عنه أهل الحديث من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي، ذكره ابن جريج ومعمر ووكيع وهشيم وابن المبارك وعبد الرزاق والإمام أحمد وإسحاق وخلائق غيرهم، وذكر ابن جرير (٣) وسعيد وعبد بن حميد وابن المنذر في تفاسيرهم عن طريق عبد الله بن موسى عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس بن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: فبدأ بنور نفسه فذكره، ثم ذكر نور المؤمن فقال: "مَثَلُ نُورِهِ"، يقول: مثل نور المؤمن، قال: وكان أبي بن كعب يقرأها كذلك مثل نور المؤمن. قال: فهو عبد جعل الإيمان في صدره كالمشكاة، قال: المشكاة صدره فيها مصباح، قال المصباح: القرآن والِإيمان الذي جعل في صدره ... إلخ. فهذا هو التفسير المعروف عن أبي بن كعب (٤)؛ لا ما ذكر آنفاً.
ونكتفي بهذا القدر من مناقشة أقوال العلماء في معنى "النور" مرددين مع ابن العربي قوله: "والصحيح عندنا أنه نور لا كالأنوار (٥)؛ لأنه الحقيقة
стр. 261
والعدول عن الحقيقة إلى أنه نور هادي أو منور وما أشبه ذلك مجاز من غير دليل لا يصح" (١).
أبو بكر بن العربي وموقفه من الفضائل الأربعة:
تكلم ابن العربي في فصل "ذكر تمام الوصول إلى المقصود من معرفة النفس والرب" (٢) عن أصول الفضائل التي هي علامات النجاة للنفس باكتسابها لها، وحصرها في أربعة مواطن: الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة، وبالرغم من اتباعه لمنهج الفلاسفة في هذا الحصر، فإنه لم يسلم بالمعاني والتفسيرات التي ارتضوها، بل حاول جاهداً أن يستخرج أصول هذه الفضائل من الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة. معتمداً على المعاني اللغوية الأصلية، فهل وُفِّقَ ابن العربي في تصديه لهذا الغزو الفكري الذي غزا عقول جماعة كبيرة من علماء الأخلاق الِإسلاميين؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذا المبحث مستعينين بالله وحده:
اختلفت آراء الفلاسفة في تحديد الفضيلة منذ زمن طويل، فكان السوفسطائيون يزعمون أنهم مُعَلِّمُو فضيلة، ويقصدون بالفضيلة أنها كمال استعداد كل كائن فيما خلق له، ففضيلة السياسي كماله في المهارة وفوزه من أي طريق، وفضيلة الرائض مهارته في تدريب الخيول ... إلخ (٣).
ولكن سقراط كان يرى أنه لا فضيلة إلاَّ المعرفة، ويترتب على ذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يعمل الخير ما لم يعلم الخير، وكل عمل صدر لا عن علم بالخير فليس خيراً ولا فضيلة، وإذا كان العلم هو الفضيلة فالجهل هو الرذيلة، وقد اعترض على نظرية سقراط هذه بأنه يحدث كثيراً أن نعلم الخير
стр. 262
ومع ذلك لا نفعله، ونعلم الشر ولا نتجنبه، فالمعرفة إذاً غير كافية في حمل الإنسان على العمل وفق ما علم.
وقد هاجم أرسطو (١) نظرية سقراط فقال: لقد تناسى سقراط أن نفس الإنسان ليست مركبة من العقل وحده، وتخيل أن كل أعمال الإنسان خاضعة لحكم العقل، وعلى ذلك إذا علم العقل صدر العمل، ولكن سقراط غاب عنه أن معظم الأفعال محكومة بالعواطف والشهوات، ولذلك فقد يقع الإنسان في الخطأ رغم علم العقل، وقد قرر أفلاطون أيضاً عدم كفاية النظرية السقراطية (٢).
وكان أفلاطون يرى أن أصول الفضائل أربعة: الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة، وقد جرى ابن مسكويه (ت: ٤٢١ هـ) والإمام الغزالي (٣) على رأي أفلاطون في أصول الفضائل الأربع المشار إليها.
يقول ابن مسكويه: "أجمع الحكماء على أن أجناس الفضائل أربع وهي: الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة، ولهذا لا يفتخر أحد ولا يتباهى إلاَّ بهذه الفضائل فقط" (٤).
الحكمة:
يرى أفلاطون أن الحكمة هي الفضيلة العليا التي تنشأ من سيطرة القوة
стр. 263
العاقلة على القوة الغضبية والقوة الشهوانية، ويتابع الإمام الغزالي أفلاطون فى أن الحكمة فضيلة القوة العقلية (١).
أما ابن العربى فإن الحكمة عنده ليست إلاّ العلم غير أنها تزيد على العلم معنى العمل. يقول ﵀ تعالي في كتاب الأمد الأقصى:
"وقد اختلف الناس في الحكمة على أقوال يكثر تعدادها جماعها خمسة عشر قولاً:
الأول منها: أنها العقل.
الثاني: العلم (٢).
الثالث: أشرف العلوم.
الرابع: الفهم.
الخامس: العلم.
السادس: علم الله.
السابع: علم السنة.
الثامن: الِإيمان.
التاسع: النبوة.
العاشر: اجتماع العلم والعمل.
الحادي عشر: صواب الأمر.
الثاني عشر: القضاء بالحكم.
الثالث عشر: ما يمنع من الجهل.
الرابع عشر: الكلام الموجز الدال على المعنى الكثير.
الخامس عشر: ما وقع بقصد فاعله" (٣).
стр. 264
قلت: ثم بعد أن عدد ﵀ هذه المعاني، ذكر المختار منها فقال:
"اعلموا أن بعض المحققين من علمائنا قالوا أن حروف "ح ك م" كيف ما تصرفت إنما ترجع إلى العلم، والعقل نوع من العلم، والسنة نوع من العلم، والعلم بالله والنبوة علم شريف، واجتماع العلم والعمل علم، ولذلك قال ﷺ : "لَا يَزْني الزَّاني حِينَ يَزْني وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (١).
وقول المتكلم الحكمة ما وقع بقصد فاعله، إشارة إلى أن الفعل الواقع على وفق الإرادة يسمى حكمة؛ لأنه لا يقع كذلك إلا موافقاً للعلم" (٢) فهذا هو رأي ابن العربي في الحكمة، وقد انتقد الفلاسفة بشدة حيث قال: "فزعمتم أنها (أي الحكمة) قُوَّةٌ عقلية تتلقى بها العلوم من الملأ الأعلى، في كلام طويل تركبون عليه مقاصدكم، وليس للحكمة معنى إلا العلم، ولا للعلم معنى إلا العقل، إلا أن في الحكمة إشارة إلى ثمرة العلم وفائدته، ولفظ العلم مجرد عن دلالة على غير ذاته، وثمرة العلم العمل بموجبه، والتصرف بحكمه، والجري على مقتضاه في جميع الأقوال والأفعال .. وليس يمتنع في اللسان العربي أن يسمى العمل بمقتضى العلم حكمة، على معنى تسمية الشيء بثمرته وفائدته" (٣).
قلت: ومنع ابن العربي أن تطلق الحكمة على من لا يستحقها من الأطباء والشعراء والمنجمين وحاسبي الرمل في الشوارع، وأسف لهذا الوضع المقلوب.
الشجاعة:
الشجاعة هي إحدى الفضائل الأربع الرئيسية -كما سبق أن ذكرنا- في الفلسفة اليونانية، عرفها ابن مسكويه بقوله:
стр. 265
"الشجاعة فضيلة النفس الغضبية وتظهر في الِإنسان بحسب انقيادها للنفس الناطقة المميزة، واستعمال ما يوجبه الرأي في الأمور الهائلة" (١).
ومثل هذا عند الغزالي الذي يرى أن الشجاعة هي القوة الغضبية بكونها قوية الحمية، وهي وسط بين التهور والجبن، فالتهور عنده هو الزيادة على الاعتدال، وهي الحالة التي بها يقدم الِإنسان على الأمور المحظورة التي يجب في العقل الإحجام عنها. والجبن حالة بها تنقص حركة القوة الغضبية عن القدر الواجب فتنصرف عن الإِقدام حيث يجب الِإقدام (٢).
ورأيُ كل من ابن مسكويه والغزالي هنا متفق في جملته مع رأي كل من أفلاطون وأرسطو.
أما الشجاعة عند ابن العربي فترجع إلى حقيقة أخرى غير ما ذهب إليه الفلاسفة ومن ارتضى مذهبهم من العلماء المسلمين، فهي عنده: ثبات النفس عند حلول المصائب (٣)، أو ثبوت القلب عند تعارض المضادات من المخاوف والمرجوات (٤). ويعود هذا الثبات في نظره إلى صفة العلم التي يتصف بها صاحب الشجاعة، لأن المرء إذا اعترضه أمر وكان جاهلاً به أو ذاهلًا غير محصل له، فإنه سيرتبك ويضطرب فلا يهتدي إلى حل مشكله، ولا يتبصر وجه كشفه، أما إن اعترضه أمر وكان عالماً به غير ذاهل عنه، فإنه لا يبالي عما ينزل به من مصيبة، أو يطرأ عليه من مشكل إذ أنه قد حصن نفسه وأعدّها لمثل هذا الموقف، وذلك بما عنده من وضوح لما طرأ عليه وانكشاف لما حلّ به (٥).
وينتقد ابن العربي الفلاسفة في زعمهم بأن الشجاعة هي عبارة عن
стр. 266
فضيلة القوة الغضبية، فَهوَ لَا يقِرُّهُمْ على أن للغضب قوة ولا للحمية التي يزعمون أنها تنضاف إليها أو تتعاضد معها، ويحجّهم بنفس سلاحهم فيقول لهم بأنه إذا كانت الشجاعة فضيلة القوة الغضبية، وكانت القوة الغضبية ناشئة -على أصلكم- عن النفس بطريق التوليد (١)، فإنها تكون ضرورية، وأمر طبيعي، وغير داخلة في الفضائل الواقعة عن علم واختيار، وإرادة الفلاسفة أن يركّبوا على هذه الفكرة فكرة القوة الغضبية دَعْوَى. ولذلك بنوا عليها ما يجري مجرى الخطب والشعر التي ليست من البرهان والتحقيق في شيء عندهم أنفسهم.
كما انتقدهم في قولهم إن التهور زيادة على اعتدال القوة الغضبية، والجبن نقصان منها، وأشار إلى أن هذا الكلام كلّه هو كما قال أهل بغداد: "بناء شاذوف على قاذوف ليأتي منه لافوف" (٢)، وهذا كما يبدو للقارىء سخرية لاذعة بالفلسفة الخلقية اليونانية المبنية على القوى النفسية المجهولة المعنى. فابن العربي -رحمة الله عليه- نظرته نظرة واقعية تجريبية، إذ أنه فسر لنا معنى التهور ومعنى الجبن بنقصان التصرف الملائم واضطراب المواجهة، مواجهة الموقف بسبب ما طرأ عليه من الآفات المفاجئة التي تجعل حركة المواجهة صادرة عن جهل، ويؤدي ذلك إلى تصرف غير مناسب، وغير موافق لما يتطلبه الموقف الجديد المفاجىء (٣).
стр. 267
العفة:
العفة كما يعرفها الغزالي هي: "فضيلة القوة الشهوية وهي انقيادها على يسر وسهولة للقوة العقلية حتى يكون انقباضها وانبساطها بحسب إشارتها" (١).
وقد انتقد ابن العربي تعريفهم هذا، وأشار إلى أنهم جعلوا لذلك أسباباً من الحساب في الجوع والعطش، وحملوا تقليلها على تقليل الطعام والشراب، وتكثيرها على كثرتهما، ونفى أن يكون الأمر كما يزعمون لا سيما وأن زعيم الفلاسفة الأكبر أرسطو يقرر أنه ليس يوجد اعتدال بحال.
واستند ابن العربي في بيان حقيقة العفة إلى بناء الكلمة اللغوي، فأوضح أن بناء "ع ف ف" وبناء "ك ف ف" هو على بناء "ت ر ك" والترك هو عبارة عن فعل، وأشار إلى أن الفلاسفة والقدرية قد جهلوا ولم يتحققوا معنى "الترك" فضلوا عن السبيل، وإنما الذين أدركوا هذا المعنى هم أهل السنة والجماعة (٢)
ثم بين أن العفة هي ترك الأفعال القبيحة إذا علم قبحها وتحقق مضرتها (٣)، ويعرفها في "قانون التأويل" بقوله:
"هي كف النفس عن المكروه، وبها يكون الحياء والصبر والسخاء والورع والقصد والتؤدة وحسن السجية، وبها تتنزه النفس عن الشره والجمود" (٤).
ولا ينسى ابن العربي -وهو الإِمام الغيور على مقدسات هذه الأمة- أن يضع لنا بعض القواعد المنهجية التي تعرف بها دسائس وخبايا الملل والنحل المناهضة للِإسلام فيقول:
стр. 268
"وهذه الألفاظ التي يستعملونها، ليس لها عندهم أصل، إذ لا قوة عندهم ولا قدرة، وإنما هي طبيعة غالبة ومعان مرتبة دائرة ضرورة، لا تتعلق بإيثار، ولا تجري على اختيار، فيريدون أن يدمجوا لفظ الطبيعة ويخرجوا لفظ القوة. يثبتوا للجماد قدرة، وينفوا قدرة الفاعل الأول، فَيُخْلِطُوا وَيُخَلِّطُوا، وينظموا هوسهم في سلك الألفاظ العربية والنبوية تيمناً بها واسترسالاً للعامة عليها، ويخترعوا لذلك أخباراً عن النبي ﷺ لا أصل لها، تلوح بإشارات إلى أغراض يوهمون أنها أمور غامضة يقصر الخلق عنها، فيشار إلى الأفراد بها" (١).
العدل:
يرى أفلاطون أن العدالة حالة التناسب بين قوى النفس الثلاث: العقلية والغضبية والشهوية، وليست العدالة عنده فضيلة خاصة ولكنها حال الصلاح والتناسب الناشىء عن اجتماع الحكمة والشجاعة والعفة، ويسير الغزالي على رأي أفلاطون فيرى أن العدالة حالة للقوى الثلاث العقلية والغضبية والشهوية في انتظامها، بل هي عبارة عن جملة الفضائل (٢)، ويعرفها ابن مسكويه فيقول:
"فأما العدالة فهي فضيلة للنفس تحدث لها من اجتماع هذه الفضائل الثلاث التي عددناها، وذلك عند مسالمة هذه القوى بعضها للبعض، واستسلامها للقوة المميزة حتى لا تتغالب ولا تتحرك لنحو مطلوباتها ... ويحدث للإنسان بها (أي بالعدالة) سمة يختار بها أبداً الِإنصاف من نفسه على نفسه أولاً، ثم الإِنصاف والانتصاف من غيره وله .. " (٣).
وانتقد ابن العربي آراء الفلاسفة في العدل قائلاً:
стр. 269
"وأما العدل فهو عندهم عبارة عن اتساق قوى هذه الفضائل الثلاث في جهتي الِإباء والانقياد على التناسب والسداد، ويقال لهم: ليس هناك قوة ولا قدرة، والانتظام إنما يكون على النظام الأسدِّ الذي رتبه صاحب الشرع، وأنتم لا تدرونه" (١).
وأوضح ﵀ في كتابه "الأمد الأقصى" حقيقة العدل في اللغة فقال بأنه ضد الجور، ورجل عدل إذا كان مستمر الطريقة، وهذا عدل إذا كان مساوياً له، وأصل ما ورد على اللفظ يرجع إلى هذا المعنى (٢).
ويضيف قائلاً: "وإذا علمتم ما تقرر في اللغة من معنى هذا اللفظ، وأن العدل هو الذي لا يميل به الهوى ولا يجور في الحكم، فإن معنى العدلية بما اختلفت فيه عبارات علمائنا على ثلاثة أوجه:
الأول: فعل ما للفاعل أن يفعله.
الثاني: إن كل فعل وقع.
الثالث: العدل ما فعله الفاعل وكان مالكاً لفعله.
والعبارة الأولى أوجز وأحق في البيان لأنها تعم المحدث والقديم" (٣).
قلت: وبناء على هذا الاختيار فيرى ابن العربي بأن الباري تعالى هو العدل وحده بالحقيقة؛ لأنه له أن يفعل ما يشاء من تعذيب جميع الخلق أو تنعيمهم، أما العدل الِإنساني فحقيقته: فعل المأمور به، فيرجع العدل والعدالة إلى العلم ارتباطاً؛ لأن الإنسان إذا عمل بما علم كان عدلاً (٤)، وهذا
стр. 270
ما عبر عنه في "قانون التأويل" عندما عرّف العدالة بقوله: "هي انتظام العلم والعمل" (١).
قلت: وبتعريف العدالة ختم ابن العربي ﵀ فصل "ذكر تمام الوصول من المقصود من معرفة النفس والرب" (٢) وشرع في ذكر أقسام حال النفس.
أبو بكر بن العربي وموقفه من الروح:
تكلم ابن العربي في فصل "ذكر الآيات الواردة في النفس والقلب والجوارح" (٣) عن الروح (٤)، ولكنه لم يتوسع في ذكر آراء العلماء والفرق فيها، وقبل أن أتعرض لرأيه في هذا الموضوع أرى من المستحسن أن أذكر -باختصار- أهم آراء العلماء في هذا الموضوع (*) فأقول:
لقد اكتنف محاولات البحث عن ماهية الروح وحقيقتها قصور وعجز في مختلف الثقافات والديانات العالمية، وعلى الرغم من الوضوح التام الذي جاء به الإِسلام، إلاَّ أن علماء المسلمين سرعان ما اندفعوا بجرأة وتطاول يستكشفون ماهية الروح، ويحاولون الوصول إلى كنهها، متأثرين -بلا شك- بالثقافة اليونانية وغيرها من الفلسفات البشرية، ويمكن إجمال الآراء المختلفة في مدارس الفكر الِإسلامي في الاتجاهات التالية:
الأول: أنكرت طائفة وجود النفس كجوهر روحاني مستقل عن البدن
стр. 271
ومتميز عنه، وقالوا: إن الإِنسان عبارة عن البنية المحسوسة، وعن هذا الجسم المحسوس، ويرى هؤلاء أن الِإنسان لا يحتاج تعريفه إلى ذكر حدّ ورسم، بل الواجب أن يقال: إن الإنسان هو الجسم المبني بهذه البنية المحسوسة ومن أوضح الأمثلة على هذا التصور المادي الصرف للنفس، موقف الأصم المعتزلي (١) الذي كان يقول:، الِإنسان هو الذي يرى، وهو شيء واحد لا روح له، وهو شيء واحد" ونفى إلا ما كان محسوساً مدركاً. وكان يقول: "ولست أعقل إلا الجسد الطويل العريض العميق الذي أراه أو أشاهده" كما كان يقول: "النفس هي هذا البدن بعينه لا غير" (٢)، وحُكِيَ عن قوم آخرين أنهم قالوا:، إن البدن هو الِإنسان" (٣) وقد زعم الرازي أن هذا المذهب هو اختيار طائفة عظيمة من المتكلمين (٤)، وتابعه في هذا الزعم شارح كتاب "المواقف" (٥).
الثاني: طائفة من ذوي الاتجاه الروحي الخالص القائم على أن النفس ليست جسماً ولا في مكان بل هي جوهر روحاني خالص منفصل من البدن، وهذا الرأي هو معتقد أكثر الإلهيين من الفلاسفة كسقراط وأفلاطون، وقد أخذ به من المنتسبين إلى الإِسلام جماعة منهم معمر بن عمار السلمي (٦)، وكثير من الإمامية (٧) كما أخذ به -مع اختلاف بسيط- الراغب الأصفهاني والإمام الغزالي، وقد وصف الإِمام ابن قيم الجوزية هذا المذهب بأنه أردى المذاهب وأبعدها من الصواب (٨).
стр. 272
الثالث: اعتبر جماعة من المفكرين أن الروح عرض من جوهر مادي، وممن ذهب إلى هذا الرأي العلاف المعتزلي والأشعري والباقلاني أنصار مذهب الجوهر الفرد، الذين يرون العالم مؤلفاً من جواهر وأعراض لا تستمر آنين، وهكذا فالروح مثل الذرات تخلق وتعدم في كل آن وباستمرار، وعلى مذهبهم أن الباري تعالى: يخلق الأجسام وأرواحها التي هي عرض لها خلقاً متجدداً مستمراً بلا انقطاع، وقد انتقدهم الرازي بقوله: "إن هذا بما لا يقول به عاقل لأن من المعلوم بالضرورة أن الِإنسان جوهر، لأنه موصوف بالعلم والقدرة والتدبير والتصرف، ومن كان كذلك كان جوهراً والجوهر لا يكون عرضاً (١).
والآن وبعد هذا العرض المختصر لأهم الآراء التي قيلت في الروح، ما هو موقف ابن العربي من هذا الموضوع الشائك (*)؟.
الواقع أن ابن العربي أمسك عن الخوض في هذا الموضوع في كتابه "أحكام القرآن" حيث قال: " ... إن الأنبياء لا يتكلمون مع الخلق في المتشابهات، ولا يفيضون معهم في المشكلات، وإنما يأخذون في البيِّن من الأمور المعقولات، والروح خلق من خلق الله تعالى، جعله الله في الأجسام فأحياها بها، وعلمها وأقدرها، وبنى عليها الصفات الشريفة والأخلاق الكريمة، وقابلها بأضدادها لنقصان الآدمية، فإذا أراد العبد إنكارها لم يقدر لظهور آثارها، وإذا أراد معرفتها وهي بين جنبيه لم يستطع؛ لأنه قصر عنها وقصر به دونها" (٢).
قلت: أما في "قانون التأويل" فقد تعرض لمسألة "الروح" فأورد قول الصوفية فيها وأنكره بشدة، قال ﵀:
" ... وتابعت الصوفية الفلاسفة في شيء من أغراضها فيها (أي في
стр. 273
الروح) قالوا: العالم عالمان: عالم الخلق وعالم الأمر، والروح من عالم الأمر، وأشاروا إلى أن الخلق من العالم ما كان كَمِّياً مُقَدَّراً، والأمر ما لم يكن مقدراً، والروح عندهم حادث، ولا يكون عندهم محدث في احترازات من مقاصد لا خير فيها .. ويكاد يكون هذا القول تحليقاً على مذاهب الحلولية واعتصاماً بمذهب النصارى في عيسى" (١).
قلت: ونفهم من هذا النص المختصر مدى تأثر الصوفية بآراء الفلاسفة، فمن المعلوم أن الأفلاطونية ترى أن الروح أزلية خالية وجدت قبل البدن، وتحيا بعد فنائه، وقد تطورت هذه النظرية وتحددت معالمها على يد الفلاسفة المنسوبين إلى الإِسلام أمثال الفارابي وابن سينا ثم اعتنقها بعد ذلك جمهور الصوفية.
واحتجاج الصوفية بأن الروح من أمر الله، وأمره غير مخلوق، يقتضي أن تكون قديمة (٢)، وهذا قول بعيد كل البعد عما اعتقده السلف الصالح، فقد أجمعت الرسل على أن الروح محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة، وهذا معلوم من الدين بالضرورة (٣)، كما يعلم بالاضطرار أن العالم حادث وأن معاد الأبدان واقع، وأن الله وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق له، وقد انطوى عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم -وهم القرون المفضلة- على ذلك من غير اختلاف بينهم في حدوثها وأنها مخلوقة (٤).
وقد أنكر شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ على أبي حامد الغزالي (وهو الذي اكتملت على يديه صياغة هذه النظرية) تفرقته بين عالم الخلق
стр. 274
وعالم الأمر فقال: "وأبو حامد يفرق بين عالم الخلق وعالم الأمر، فيجعل الأجسام عالم الخلق، والنفوس والعقول عالم الأمر، وهذا أيضاً ليس من دين المسلمين، بل كل ما سوى الله مخلوق عند المسلمين، والله تعالى خالق كل شيء" (١).
وقد صدق ابن العربي عندما وصف أصحاب هذا الاتجاه بأنه اعتصام بمذهب النصارى من أن الروح انفصل من ذات الله وحل بعيسى فعبدوه، فعيسى عندهم روح من الله حل في مريم فهو غير مخلوق، ولا خلاف بين المسلمين أن الأرواح التي في آدم وبنيه وعيسى ومن سواه من بني آدم كلها مخلوقة لله، خلقها وأنشاها وكونها واخترعها، ثم أضافها إلى نفسه كما أضاف إليه سائر خلقه قال تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].
فأما احتجاج الصوفية في إثبات مذهبهم بقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]. فمعلوم قطعاً أنه ليس المراد ها هنا بالأمر الطلب الذي هو أحد أنواع الكلام، بل المراد به ها هنا المأمور، وهو عرف مستعمل في لغة العرب، وفي القرآن منه كثير كقوله تعالى:
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] أي مأموره الذي قدره وقضاه وقال له كن فيكون.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠١] أي مأموره الذي من إهلاكهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧].
стр. 275
فليس في قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ما يدل على أنها قديمة غير مخلوقة بوجه ما (١).
أما استدلالهم بإضافتها إليه بقوله: "من روحي" فينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله تعالى نوعان: صفات لا تقوم بأنفسها كالعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر، فهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها، فعلمه وكلامه وقدرته وحياته صفات له، وكذا وجهه ويده سبحانه، والثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه، كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، لكن إضافة تقتضي تخصيصاً وتشريفاً، يتميز بها المضاف عن غيره (٢)
كبيت الله وإن كانت البيوت كلها ملكاً له، وكذلك ناقة الله، والنوق كلها ملكه وخلقه، لكن هذه إضافة إلى إلهيته تقتضي محبته لها وتكريمه وتشريفه، بخلاف الِإضافة العامة إلى ربوبيته حيث تقتضي خلقه وإيجاده، فالإضافة الشفافة تقتضي الإيجاد، والخاصة تقتضي الاختيار، وإضافة الروح إليه من هذه الِإضافة الخاصة لا من العامة، ولا من باب إضافة الصفات (٣).
أما قولهم: إن الروح من عالم الأمر والأمر ما لم يكن كَمِّياً مقدراً، فهذا من لغو الكلام، فإن العقلاء متفقون على أن الإنسان هو هذا الحي الناطق المتغذي الحساس المتحرك بالإرادة وهذه الصفات نوعان: صفات لبدنه، وصفات لروحه، فلو كانت الروح جوهراً مجرداً لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلة به ولا منفصلة عنه، لكان الإنسان لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، أو كان بعضه في العالم، وبعضه لا داخل العالم ولا خارجه، وكل عاقل يعلم بالضرورة بطلان ذلك.
أما الأدلة على خلق الروح فهي كثيرة جداً نقتصر على بعضها فنقول:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢].
стр. 276
فهذا اللفظ عام لا تخصيص فيه بوجه ما، ولا يدخل في ذلك صفات الله تعالى، فإنها داخلة في مسمى اسمه، فالله تعالى هو الإله الموصوف بصفات الكمال، فعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وجميع صفاته داخلة في مسمى اسمه، فهو سبحانه بذاته وصفاته الخالق، وما سواه مخلوق، ومعلوم قطعاً أن الروح ليست هي الله، ولا صفة من صفاته وإنما هي من مصنوعاته (١).
الدليل الثاني: قوله تعالى لزكريا ﵇: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩].
فهذا الخطاب موجه للإنسان، والِإنسان اسم لروحه وجسده وهذا الخطاب موجه لشخص زكريا أي لروحه وبدنه، وليس لبدنه فقط، فإن البدن وحده لا يفهم ولا يخاطب ولا يعقل، وإنما الذي يفهم ويعقل ويخاطب هو الروح (٢).
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١].
فلو كانت روحه قديمة لكان الإنسان لم يزل شيئاً مذكوراً.
الدليل الرابع: النصوص الدالة على أن الله سبحانه كان ولم يكن شيء غيره كما ثبت في البخاري عن عمران بن حصين أن أهل اليمن قالوا يَا رَسُولَ الله: جِئْنَا لِنَتَفَقَّهَ في الذينٍ، وَلِنَسْألَكَ عَنْ أوَّلِ الأمْرِ مَا كَانَ؟ قَالَ: كَانَ الله وَلَمْ يَكُنْ شَيء قَبْلَهُ، وَكَان عَرْشُه عَلَى المَاءِ، ثُم خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ، وَكَتَبَ في الذِّكْرِ كُل شَيْءٍ .. الحديث (٣).
стр. 277
فهذا الحديث يدل على أنه لم يكن مع الله أرواح ولا نفوس قديمة يساوي وجودها وجوده تعالى، بل هو الأول وحده لا يشاركه غيره في أوليته بوجه (١).
الدليل الخامس: من المعلوم أن الروح توصف بالوفاة والقبض والإِمساك والِإرسال وهذا شأن المخلوق المحدث المربوب، قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢]. والأنفس ها هنا هي إلأرواح قطعاً، جاء في الحديث الصحيح عن أبي قتادة ﵁ قال: "سِرْنَا مَعَ النَّبِي ﷺ ليلة، فقال بعض القوم: لو عَرَّسْتَ (٢) بنا يا رسول الله؟ قال: أخاف أن تناموا عن الصلاة، فقال بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي ﷺ وقد طلع حاجب الشمس، فقال: يا بلال، أين ما قلت؟ قال: ما ألقيت عليّ نومة مثلها قط، قال: إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء. الحديث" (٣).
فهذه الروح المقبوضة هي النفس التي يتوفاها الله حين موتها وفي منامها (٤).
стр. 278
وأختم هذه الأدلة بقول قيم لابن القيم ﵀ الذي يقول في كتابه الروح: " ... وكيف تكون (أي النفس) قديمة مستغنية عن خالق محدث مبدع لها، وشواهد الفقر والحاجة والضرورة أعدل شاهد على أنها مخلوقة مربوبة مصنوعة، وإن وجود ذاتها وصفاتها وأفعالها من ربها وفاطرها، ليس لها من نفسها إلا العدم، فهي لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، لا تستطيع أن تأخذ من الخير إلا ما أعطاها وتتقي من الشر إلا ما وقاها، ولا تهتدي إلى شيء من صالح دنياها وأخراها إلا بهداه ... فهو الذي خلقها فسواها، وألهمها فجورها وتقواها، فأخبر سبحانه أنه خالقها ومبدعها، وخالق أفعالها من الفجور والتقوى" (١).
نعود إلى ابن العربي في "قانونه" فنراه يستعرض أقوال العلماء مثل الجويني الذي يعتقد في الروح معتقد أهل السنة والجماعة، والباقلاني الذي يرى أنها عرض، ثم تحصل لابن العربي من تلك الأقوال كلها أمران:
أحدهما: أن الروح بالدليل القاطع العقلي (٢) مخلوق من غير إشكال، يكفر جاحد ذلك.
الثاني: أن الروح بالدليل القاطع الشرعي باقية لا فناء لها (٣).
ولو اقتصر المؤلف على هذا لكفى ولكنه ﵀ قال: "والنظر بعد ذلك في أنها عرض لوجود أو جوهر؟ فهذا موضع الِإشكال، ومحل الاجتهاد، وسبيل العذر في ذلك ممهد لمن اضطرب فيه قوله، واختلف عليه رأيه، والأقوى أنها عرض لا جوهر، وصفة غير موصوف، فإن التحامل على الألفاظ في تأويلها وصرفها من الحقيقة إلى المجاز، أقرب في النظر من الاضطراب في الأدلة العقلية التي توجب أنها لا تقوم بنفسها" (٤).
стр. 279
قلت: القول بأن الروح عرض قول مردود بالعقل والنقل معاً، فلو كانت الروح عبارة عن عرض من أعراض البدن، لكان قول القائل: خرجت وذهبت وقمت وجئت وقعدت وتحركت ودخلت ورجعت ونحو ذلك كله: أقوالًا باطلة، لأن هذه الصفات ممتنعة الثبوت في حق الأعراض وكل عاقل يعلم صدق قوله وقول غيره ذلك، فالقدح في ذلك قدح في أظهر المعلومات وهذا من باب السفسطة (١).
كما أن كل واحد يقطع أن نفسه موصوفة بالعلم والفكر والحب والبغض والرضا والسخط وغيرها من الأحوال النفسانية، ويعلم أن الموصوف ليس بذلك عرضاً من أعراض بدنه ولا جوهراً مجرداً منفصلاً عن بدنه غير مجاور له (٢)، ويقطع ضرورة بأن هذه الِإدراكات لأمر داخل في بدنه، كما يقطع بأنه إذا سمع وأبصر وشمّ وذاق ولمس وتحرك وسكن، فتلك أمور قائمة به مضافة إلى نفسه، وأن جوهر النفس هو الذي قام به ذلك كله، ولم يقم بمجرد ولا بعوض بل قام بمتحيز داخل العالم منتقل من مكان إلى مكان، يتحرك ويسكن ويخرج ويدخل، وليس إلاّ هذا البدن والجسم الساري فيه المشابك له الذي لولاه لكان بمنزلة الجماد (٣).
وقوله ﷺ : "الأرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، ومَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ" (٤) فوصفها النبي ﷺ بأنها جنود مجندة والجنود ذوات قائمة بنفسها، ووصفها بالتعارف والتناكر، ومحال أن تكون هذه الجنود أعراضاً، أو تكون لا داخل العالم ولا خارجه كما هو مذهب الصوفية (٥).
стр. 280
والآن بعد أن عرفنا بعض الآراء التي قيلت في أمر الروح، ما هو رأي أهل السنة والجماعة الذي ينبغي للمسلم أن يعتقده؟ هذا ما سنحاول بيانه - إن شاء الله- مع التدليل عليه من الكتاب والسنة. الذي يدلّ عليه الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة وإجماع الصحابة الأجِلاء وأدلة العقل أن الروح جسم (١) مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع الجسد. كما تظاهرت الأدلة على أن الروح أو النفس تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل وتخرج وتذهب وعلى هذا أكثر من دليل نقتصر على الأدلة القرآنية التالية:
الدليل الأول: قوله تعالي:
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤ - ٩٥].
стр. 281
ففي هذه الآيات الكريمات بسط الملائكة أيديهم لتناولها، ووصفها بالإخراج والخروج، والإخبار بعذابها ذلك اليوم، والإخبار عن مجيئها إلى ربها. (١)
الدليل الثاني: قوله تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠ - ٦١].
ففي هذه الآيات الِإخبار بتوفي النفس بالليل، وبعثها إلى أجسادها بالنهار، وتوفي الملائكة لها عند الموت.
الدليل الثالث: قوله تعالى:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].
ففي هذه الآيات وصف النفس بالرجوع والدخول والرضا (٢).
الدليل الرابع: قوله ﷺ لبلال: "إن الله قبض أرواحكم وردها إليكم حين شاء" (٣) فوصفها النبي ﷺ في هذا الحديث بالقبض والرد.
стр. 282
وهناك عدة أحاديث تؤكد هذا المعنى ومن أراد التوسع فعليه بكتاب شيخ الإِسلام ابن قيم الجوزية "الروح" فقد استعرض كل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤيد مذهب أهل السنة والجماعة والحمد لله رب العالمين.
أبو بكر بن العربي وموقفه من علم الكلام (١):
اعتذر ابن العربي لعلماء الكلام عدولهم عن أدلة الكتاب والسنّة إلى أدلة العقول بحجج واهية لا تفي بالمقصود (٢)، ونحن نبين -بإذن الله- في هذه التعليقة رأي أهل السنة والجماعة في مثل هذا الموضوع الخطير الذي تشعبت فيه الأقوال، وتضاربت حوله الآراء، والحق أن هذا الموضوع باب واسع لا يفيد الِإغراق في مناقشة آراء مجيزي استعمال هذا العلم إلاَّ ما يفيد التوسط والقصد من بيان موقف السلف (أهل السنة والجماعة)، فلا وجه إذاً للِإطالة ولما يكون سبباً للملالة (٣).
فما هو موقف سلف الأمة وعلمائها من هذا الصنف من العلوم؟.
اتفق السلف على ذم علم الكلام وأهله (٤)، بل صنف بعضهم (٥) كتباً
стр. 283
في هذا الشأن جمع فيه كلام الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين في التحذير منه، وسأقتصر في عرضي لمواقفهم على آراء الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على فضلهم وحسن معتقدهم.
يروي أبو الفضل عبد الرحمن المقري بسنده عن عبد الرحمن بن مهدي (ت: ١٩٨) قال: دخلت على مالك بن أنس وعنده رجل يسأله عن القرآن، فقال: لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد (١)، لعن الله عمراً فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام، ولو كان الكلام علماً لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والتشريع ولكنه باطل يدل على باطل (٢).
كما روى أبو الفضل كذلك بسنده عن أشهب بن عبد العزيز- (ت: ٢٠٤) قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إياكم والبدع، فقيل: يا أبا عبد الله وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان (٣).
أما الإِمام أبو حنيفة النعمان فقد روي عنه أنه نهى ابنه حماد عن المناظرة في الكلام (٤).
كما روى محمد بن الحسن (ت: ١٨١) صاحب أبي حنيفة قال: قال أبو حنيفة: لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا
стр. 284
يعنيهم من الكلام. قال: وكان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام (١).
أما الِإمام الشافعي فقد عرف بإنكاره الشديد لعلم الكلام، روى ابن عساكر بسنده عن يونس بن عبد الأعلى المصري قال: سمعت الشافعي يقول: لأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه إلاَّ الشرك خير له من الكلام، ولقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت أن مسلماً يقول ذلك (٢).
كما أثر عن الإِمام الشافعي أنه كان يقول: "حكي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويحملوا على الِإبل ويطاف بهم في العائر والقبائل وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام" (٣).
كما روى البيهقي بسنده عن أبي ثور قال: سمعت الشافعي يقول: من ارتدى بالكلام لم يفلح (٤).
أما الإِمام أحمد فعداؤه للكلام والمتكلمين مشهور وأحاديثه في هذا الشأن مبثوثة في مختلف كتب أهل السنّة والجماعة، يقول الإِمام البخاري في كتابه "خلق أفعال العباد": "المعروف عن أحمد وأهل العلم أنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة وتجنبوا أهل الكلام والخوض والتنازع" (٥).
стр. 285
ويروي ابن الجوزي بسنده عن محمد بن إبراهيم بن خالد قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كتب أبي إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان: لست بصاحب كلام ولا أرى الكلام في شيء من هذا إلاَّ ما كان في كتاب الله أو حديث عن رسول الله أو عن صاحب، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود (١).
ويعلم من مجموع الأقوال السابقة أن السلف ﵃ ذمّوا الجدل والكلام على الجملة وإن قصد به المتكلم نصر الكتاب والسنة، فالبدعة عندهم لا تقابل بالبدعة، وهنا تكمن الحكمة في عدم مجالسة أهل البدع والضلال، فإن مجالستهم ومناظرتهم ومخاطبتهم قد تورّث شبهاً يستعصي حلها، وعليه فإن اجتنابهم قد يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم، فإن الحق إذا كان ظاهراً قد عرفه المسلمون، وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته فإنه يجب منعه من ذلك، وينبغي أن يهجر ويعزر كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بصبيغ بن عسل التميمي (٢)، وكما كان المسلمون يفعلونه، أو يقتل كما قتل المسلمون الجعد بن درهم (٣) وغيلان الدمشقي (٤)، فالمسلمون أقاموا الحجة على غيلان وغيره وناظروه وبينوا له الحق، فلما أبى قتل كفراً، والمصلحة في القتل أرجى، بخلاف ما لو ترك يدعو إلى بدعته وَهُوَ لَا يَقبل الحق، إما لهواه، وإما لفساد إدراكه.