← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 97927

قانون التأويل

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (664 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ففي هذه الآيات الكريمات بسط الملائكة أيديهم لتناولها، ووصفها بالإخراج والخروج، والإخبار بعذابها ذلك اليوم، والإخبار عن مجيئها إلى ربها. (١) الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠ - ٦١]. ففي هذه الآيات الِإخبار بتوفي النفس بالليل، وبعثها إلى أجسادها بالنهار، وتوفي الملائكة لها عند الموت. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. ففي هذه الآيات وصف النفس بالرجوع والدخول والرضا (٢). الدليل الرابع: قوله ﷺ لبلال: "إن الله قبض أرواحكم وردها إليكم حين شاء" (٣) فوصفها النبي ﷺ في هذا الحديث بالقبض والرد.

стр. 282

وهناك عدة أحاديث تؤكد هذا المعنى ومن أراد التوسع فعليه بكتاب شيخ الإِسلام ابن قيم الجوزية "الروح" فقد استعرض كل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤيد مذهب أهل السنة والجماعة والحمد لله رب العالمين. أبو بكر بن العربي وموقفه من علم الكلام (١): اعتذر ابن العربي لعلماء الكلام عدولهم عن أدلة الكتاب والسنّة إلى أدلة العقول بحجج واهية لا تفي بالمقصود (٢)، ونحن نبين -بإذن الله- في هذه التعليقة رأي أهل السنة والجماعة في مثل هذا الموضوع الخطير الذي تشعبت فيه الأقوال، وتضاربت حوله الآراء، والحق أن هذا الموضوع باب واسع لا يفيد الِإغراق في مناقشة آراء مجيزي استعمال هذا العلم إلاَّ ما يفيد التوسط والقصد من بيان موقف السلف (أهل السنة والجماعة)، فلا وجه إذاً للِإطالة ولما يكون سبباً للملالة (٣). فما هو موقف سلف الأمة وعلمائها من هذا الصنف من العلوم؟. اتفق السلف على ذم علم الكلام وأهله (٤)، بل صنف بعضهم (٥) كتباً

стр. 283

في هذا الشأن جمع فيه كلام الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين في التحذير منه، وسأقتصر في عرضي لمواقفهم على آراء الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على فضلهم وحسن معتقدهم. يروي أبو الفضل عبد الرحمن المقري بسنده عن عبد الرحمن بن مهدي (ت: ١٩٨) قال: دخلت على مالك بن أنس وعنده رجل يسأله عن القرآن، فقال: لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد (١)، لعن الله عمراً فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام، ولو كان الكلام علماً لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والتشريع ولكنه باطل يدل على باطل (٢). كما روى أبو الفضل كذلك بسنده عن أشهب بن عبد العزيز- (ت: ٢٠٤) قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إياكم والبدع، فقيل: يا أبا عبد الله وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان (٣). أما الإِمام أبو حنيفة النعمان فقد روي عنه أنه نهى ابنه حماد عن المناظرة في الكلام (٤). كما روى محمد بن الحسن (ت: ١٨١) صاحب أبي حنيفة قال: قال أبو حنيفة: لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا

стр. 284

يعنيهم من الكلام. قال: وكان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام (١). أما الِإمام الشافعي فقد عرف بإنكاره الشديد لعلم الكلام، روى ابن عساكر بسنده عن يونس بن عبد الأعلى المصري قال: سمعت الشافعي يقول: لأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه إلاَّ الشرك خير له من الكلام، ولقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت أن مسلماً يقول ذلك (٢). كما أثر عن الإِمام الشافعي أنه كان يقول: "حكي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويحملوا على الِإبل ويطاف بهم في العائر والقبائل وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام" (٣). كما روى البيهقي بسنده عن أبي ثور قال: سمعت الشافعي يقول: من ارتدى بالكلام لم يفلح (٤). أما الإِمام أحمد فعداؤه للكلام والمتكلمين مشهور وأحاديثه في هذا الشأن مبثوثة في مختلف كتب أهل السنّة والجماعة، يقول الإِمام البخاري في كتابه "خلق أفعال العباد": "المعروف عن أحمد وأهل العلم أنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة وتجنبوا أهل الكلام والخوض والتنازع" (٥).

стр. 285

ويروي ابن الجوزي بسنده عن محمد بن إبراهيم بن خالد قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كتب أبي إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان: لست بصاحب كلام ولا أرى الكلام في شيء من هذا إلاَّ ما كان في كتاب الله أو حديث عن رسول الله أو عن صاحب، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود (١). ويعلم من مجموع الأقوال السابقة أن السلف ﵃ ذمّوا الجدل والكلام على الجملة وإن قصد به المتكلم نصر الكتاب والسنة، فالبدعة عندهم لا تقابل بالبدعة، وهنا تكمن الحكمة في عدم مجالسة أهل البدع والضلال، فإن مجالستهم ومناظرتهم ومخاطبتهم قد تورّث شبهاً يستعصي حلها، وعليه فإن اجتنابهم قد يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم، فإن الحق إذا كان ظاهراً قد عرفه المسلمون، وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته فإنه يجب منعه من ذلك، وينبغي أن يهجر ويعزر كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بصبيغ بن عسل التميمي (٢)، وكما كان المسلمون يفعلونه، أو يقتل كما قتل المسلمون الجعد بن درهم (٣) وغيلان الدمشقي (٤)، فالمسلمون أقاموا الحجة على غيلان وغيره وناظروه وبينوا له الحق، فلما أبى قتل كفراً، والمصلحة في القتل أرجى، بخلاف ما لو ترك يدعو إلى بدعته وَهُوَ لَا يَقبل الحق، إما لهواه، وإما لفساد إدراكه.

стр. 286

والمقصود أن الحق إذا ظهر وعرف، ودعا دعاة البدعة إلى نحلتهم، قوبلوا بالعقوبة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦]. أما قول ابن العربي في الدفاع عن خوض العلماء مع المبتدعة واستعارتهم لمصطلحاتهم الكلامية "بأنهم أرادوا أن يُبَصَّرُوا الملاحدة، ويُعَرِّفُوا المبتدعة أن مجرد العقول التي يدعونها لأنفسهم، ويعتقدون أنها معيارهم لا حظَّ لهم فيها" (١)، فهو كلام يشعر بأن السلف قد خاضوا مع الخائضين في الجوهر والعرض وما إلى ذلك، وهذا غير صحيح، فإن السلف وإن كانوا أعرف الناس وأعلمهم، فإنهم سدُّوا للبدعة كل باب، فامتنعوا عن مجاراة أهل الكلام، وقد أحسن الإِمام الخطابي في تصوير هذا الموضوع في كتابه "الغنية عن الكلام" حيث قال: "واعلم أن الأئمة الماضين والسلف المتقدمين لم يتركوا هذا النمط من الكلام، وهذا النوع من النظر، عجزاً عنه، ولا انقطاعاً دونه، وقد كانوا ذوي عقول وافرة وأفهام ثاقبة وقد كان وقع في زمانهم هذه الشبه والآراء، وهذه النحل والأهواء، وإنما تركوا هذه الطريقة وأعرضوا عنها لما تخوفوه من فتنها، وحذروه من سوء مغبتها، وقد كانوا على بينة من أمرهم، وعلى بصيرة من دينهم لما هداهم الله من توفيقه، وشرح صدورهم من نور معرفته، ورأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب وحكمته، وتوقيف السنة وبيانها غناء ومندوحة عما سواها، وأن الحجة قد وقعت بهما، والعلة أزيحت بمكانهما، فلما تأخر الزمان، وقفت عنايتهم، واعترضهم الملحدون بشبههم، والمتحذلقون بجدلهم -حسبوا أنهم إن لم يردوا عن أنفسهم بهذا النمط من الكلام، ولم يدافعوهم بهذا النوع من الجدل، لم يظهروا في الحجاج عليهم، فكان ذلك ضلّة من الرأي، وغبناً فيه، وخدعة من الشيطان، والله المستعان" (٢).

стр. 287

قلت: وقريباً من هذا الرأي استقر ابن العربي في آخر حياته إذ قال في كتابه "سراج المريدين" (١): " ... نشأت المبتدعة من القدرية وأترابهم، فتكلموا بألفاظ الأوائل من عرض وجوهر وحامل ومحمول، وخاضوا في أن العرض يتعدد، وأن الجوهر الفرد لا يتعدد، وركبوا عليه أدلة التوحيد، وهذا وإن كان يفضي إلى تحقيق!! ولكنه خروج عن سيرة السلف، ويصلح للغلبة فيِ الجدال، وإلا فقد أغنى الله في كتابه بما وضع من أدلته، ولَيْسَ مِنا مَنْ لَمْ يَتَغنَّ بِالقُرْآنِ، ولو لم يُمكِّنوا أنفسهم من هذه الألفاظ معهم، ولا انقادوا في تردادها في النظر إليهم، لكانوا قد سدوا من البدعة باباً، وطمسوا وجهاً، فإن المداخلة لهم فيها إطالة النفس وما حلت عقدة الجس". قلت: وبهذا نعلم أن الخلف (٢) هم الذين خاضوا في منافسات جدلية عقلية مع مختلف الفرق والطوائف، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل وفق علماء الكلام في الدفاع عن العقيدة الِإسلامية بمناهجهم العقلية التي صاغوها في قوالب فلسفية؟. الواقع أنهم وفقوا إلى أبعد الحدود في نقض العقائد المزيفة التي يدعيها اليهود والنصارى، وكذلك قاموا بواجبهم على أحسن وجه وأكمله في نقد خرافات الباطنية على اختلاف مدارسها. ولكنهم بالرغم من هذه الإيجابيات، فإن هناك ثمة سلبيات كثيرة أهمها ما يلي: أولاً: استعمالهم طريقة الجدل: وهي طريقة تعتمد على مسلمات الخصم وتتسم بالتدقيق وتحديد الاحتمالات والفروض، وتهدف أساساً إلى التغلب على الخصم، وهذه الطريقة هي من أكثر الطرق تعرضاً للنقد، بل هي من الأسباب القوية التي جلبت العداوة للكلام وأهله، وقد وصف الإِمام

стр. 288

الغزالي -وهو المتكلم النظار- أهل هذا الطريق بأنهم أهل جدل وشغب يتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة، وبين بطلان الجدل القائم على أساس القسمة العقلية حين قرر أننا لو سلمنا بأنهم وصلوا بقسمتهم العقلية إلى استقصاء جميع الاحتمالات، فإنه لا يلزم من إبطال ثلاث ثبوت رابع، فقد تكون الأقسام كلها باطلة (١). وكذلك عاب الخطابي طريقة الجدل هذه في رسالته "الغنية عن الكلام" في قوله: " ... والجدل لا يبين به حق ولا تقوم به حجة، وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين كلتاهما باطلة، ويكون الحق في ثالثة غيرهما، فمناقضة أحدهما صاحبه غير مصحح مذهبه، وإن كان مفسداً به قول خصمه" (٢). وأشار ابن الوزير اليماني إلى أن من أسباب فساد الأدلة الكلامية اعتماد المتكلمين فيها على مقدمات مختلف فيها، ولما كان من شرط المقدمات أن تكون جلية غير مشكوك فيها، وكانت الأدلة الكلامية قائمة على مقدمات مشكوك فيها مختلف عليها، كان ضرورياً أن تأتي محلاً للشك وكثرة الخلاف (٣). ومع هذا فإنه ينبغي أن نعلم بأن السلف ومن سار على هديهم جادلوا المخالفين الرأي ولكنهم التزموا بما ألزمهم الله في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]. فمناظرة السلف مع الكفار وأهل البدع كانت مناظرات محمودة، إذ استهدفت تبيين الحجة التي تهدي إلى الحق والصواب.

стр. 289

وما ذكره الله عن الأنبياء والمؤمنين من المجادلة يتناول هذا. وقد ذَمّ الله تعالى في القرآن ثلاثة أنواع من المجادلة: ذم صاحب المجادلة بالباطل ليدحض به الحق، وذم المجادلة في الحق بعد ما تبين، وذم المجادلة فيما لا يعلم المحاج. فقال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: ٥]. وقال تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦]. وقال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦]. والذي ذمه السلف والأئمة من المجادلة والكلام هو من هذا الباب، فإن أصل ذمهم الكلام هو الكلام المخالف للكتاب والسنّة، وهذا لا يكون في نفس الأمر إلاَّ باطلاً، فمن جادل به جادل بالباطل، وإن كان ذلك الباطل لا يظهر لكثير من الناس أنه باطل لما فيه من الشبهة، فإن الباطل المحض الذي يظهر بطلانه مشوباً بحق، كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١]. فما ينصبه الله من الأدلة، ويهدي إليه عباده من المعرفة يتبين به الحق من الباطل الذي يشتبه به، وهذا يتأتى بالاقتصار على المناهج المشروعة التي شرعها الله ورسوله ﷺ " (١). ثانياً: من النتائج الخطيرة التي ترتبت على الاشتغال بعلم الكلام، ما حدث من اختلاف المتكلمين فيما بينهم، وهذا خطر كبير مزق أمة الإِسلام شيعأاً وأحزاباً، وفرقها فِرَقاً متباينة متطاحنة ترمي كل منها الأخرى بالكفر والضلال، أو تنسبها إلى الفسق والابتداع، مما فل وحدة المسلمين وبدد قواهم، وفي

стр. 290

ذلك يقول أبو المظفر السمعاني في كتابه "الانتصار لأهل الحديث": " ... أما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع رأيتهم متفرقين شيعاً وأحزاباً لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يُبَدِّع بعضهم بعضاً، بل يترقون إلى التكفير، يكفر الابن أباه، والرجل أخاه، والجار جاره ... تنقضي أعمارهم ولما تتفق كلماتهم، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ... أوَ مَا سمعت أن المعتزلة مع اجتماعهم في هذا اللقب يكفر البغداديون منهم البصريين، والبصريون منهم البغداديين، ويكفر صاحب أبي علي أصحاب أبي هاشم، وكذلك سائر رؤوسهم وأرباب المقالات منهم" (١). ويرى الإِمام الغزالي أن الشر إنما نبع في هذه الأمة منذ ظهر علماء الكلام الذين أرادوا أن يضيقوا رحمة الله الواسعة وأن يجعلوا الجنة وقفاً على شرذمة يسيرة من المتكلمين. ومن الآثار الخطيرة التي ترتبت كذلك على الاشتغال بعلم الكلام وسلوك طريق المتكلمين: الطعن علي إيمان العوام من المسلمين والقول بكفرهم، وقد بين ذلك ابن السمعاني حين قال عن المتكلمين: "ومن قبيح ما يلزمهم في اعتقادهم أننا إذ بينا الحق على ما قالوا وأوجبنا طلب الدين بالطريق الذي ذكروه، وجب من ذلك تكفير العوام بأجمعهم لأنهم لا يعرفون إلاَّ الاتباع المجرد ... فإذا كفر هؤلاء الناس وهم السواد الأعظم وجمهور الأمة، فماذا إلاَّ طيّ بساط الإِسلام وهدم منار الدين وأركان الشريعة وأعلام الإِسلام، وإلحاق هذه الديار -أعني دار الإِسلام- بدار الكفر؟ ... ومتى يوجد في الألوف من المسلمين على الشرط الذي يراعونه لتصحيح معرفة الله" (٢).

стр. 291

وفي الختام أقول: إن القرآن الكريم قد اشتمل على البراهين العقلية على أصول الدين، وقد أثبتها الكثيرون من الفلاسفة (١) والمتكلمين (٢) إذ يرى الِإمام الغزالي أن الأدلة القرآنية أكثر إقناعاً من غيرها، وإنها لذلك أكثر فائدة حيث تصلح للعامة ولأهل المعرفة اليقينية في آن واحد، فالأدلة القرآنية فيما يرى الِإمام الغزالي كالماء الذي ينتفع به الصبي الرضيع والرجل القويّ، وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرة ويمرضون بها أخرى (*)، ولا ينتفع بها الصبى أصلاً، "فمن الجلي أن من قدر على الابتداء فهو على الِإعادة أقدر، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧] وإن التدبير لا ينتظم في دار واحدة بمديرين فكيف ينتظم في كلّ العالم؟. وإن من خلق علم كما قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] فهذه الأدلة تجري للعوام مجرى الماء الذي جعل الله منه كل شيء حياً، وما أحدثه المتكلمون وراء ذلك من تنقير وسؤال وتوجيه وإشكال ثم اشتغال بحلّه فهو بدعة، وضرره في حق أكثر الخلق ظاهر فهو الذي ينبغي أن يتوقى" (٣). نقد استدلال ابن العربي بقصة الخليل ﵇ على حدوث العالم . أشار ابن العربي ﵀ في "قانون التأويل" (٤) إلى أن الله قد أوعب القول في حدوث العالم، ونبه باختلاف الأعراض عليها في

стр. 292

الانتقالات، ويعتقد ابن العربي أن الاستدلال بالتغير على الحدوث، إليه يرجع كلّ بسيط وموجز من الأدلة، وعليه عوّل الخليل ﵇ (١)، وهذا الدليل هو الدليل المعتمد عند جمهور الأشاعرة، وملخصه أن هذه التغيرات الحاصلة في هذا العالم من وجود وعدم وتحول من حال إلى حال، سكون بعد حركة، أو حركة بعد سكون وغير ذلك، عبارة عن أعراض (٢) حلت بجواهر (٣) هذا العالم، والأعراض حادثة، بعضها بالمشاهدة وبعضها بالدليل، وما حلت به الأعراض فهو حادث مثلها، إذ العالم حادث، وإبراهيم ﵇ رأى هذه الأعراض حالة بتلك الكواكب حيث تحركت وانتقلت من محل لآخر، والحركة والسكون عرضان من الأعراض، وهذا دليل حدوثها، وما دامت حادثة فهي غير صالحة لأن تكون إلهاً (٤)، والنتيجة الأخيرة التي يتوصل إليها المتكلمون من هذه المقدمات هي الاستدلال بحدوث العالم على وجود الله . والواقع أن طريقتهم هذه طريقة باطلة (٥)؛ لأن المعلوم بداهة أن

стр. 293

النبي ﷺ لم يستدل بها، ولم يدع أحداً من أمته إلى الاستدلال بها على وجود الله ﵎، بالِإضافة إلى أن هذه الطريقة مبنية على استعمال ألفاظ مجملة، ومعان مبهمة لم يعرفها العرب في تخاطبهم، ولم يستعملوها فيما بينهم، وإنما اصطلح عليها المتأخرون وحملوا عليها ألفاظ الكتاب والسنة، وظنوا أن المعنى الذي اصطلحوا عليه هو المعنى العام الذي عرفه العرب للفظ عند الِإطلاق وليس الأمر كذلك؛ لأن المعاني العامة للألفاظ قد دونتها لنا كتب اللغة والمعاجم لا كتب المتكلمين وأرباب التأويل. يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية مبيناً زيف وتهافت طريقة حدوث العالم: "فهذه الطريقة بما يعلم بالاضطرار أن محمداً ﷺ لم يدع الناس بها إلى إلِإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه، ولهذا قد اعترف حذاق أهل الكلام -كالأشعري (١) وغيره (٢) - بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم ولا سلف الأمة وأئمتها وذكروا أنها محرمة عندهم، بل المحققون على أنها طريقة باطلة، وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدّعى بها مطلقاً، ولهذا تجد من اعتمد عليها في أصول دينه، فأحد أمرين لازم له: إما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة الفساد في الشرع والعقل، كما التزم جهم لأجلها فناء الجنة والنار (٣)، والتزم لأجلها أبو الهذيل انقطاع حركات أهل الجنة (٤)، والتزم قوم لأجلها -كالأشعري وغيره- أن الماء والهواء والتراب والنار له طعم ولون وريح ونحو ذلك (٥). والتزم قوم لأجلها ولأجل غيرها أن جميع الأعراض -كالطعم واللون

стр. 294

وغيرهما- لا يجوز بقاؤها بحال؛ لأنهم احتاجوا إلى جواب النقض الوارد عليهم لما أثبتوا الصفات لله مع الاستدلال على حدوث الأجسام بصفاتها، فقالوا: صفات الأجسام أعراض، أي أنها تعرض فتزول، فلا تبقى بحال، بخلاف صفات الله فإنها باقية" (١). قلت: ولا يعنيني -الآن- الردّ على هذه الطريقة المبتدعة، فهذا يحتاج إلى موضوع مستقل بنفسه (٢)، ولكن غرضي هو نقد القول: بأن هذه الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل ﵇ فيما حكى الله عنه بقوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] فقد تأول الأشاعرة الأفول بالحركة فقالوا: إن إبراهيم قد استدل على حدوث الكواكب بتحركها وتغيرها، لأن كل متحرك محدث، والمحدث لا يصلح أن يكون رباً. ولقد ابتعد المتكلمون عن جادة الصواب في الاستدلال بهذه الآية لأمور كثيرة منها: أولاً: أن الأفول ليس هو الحركة، وهذا المعنى لم تعرفه العرب كما هو مبين في كتب ومعاجم اللغة (٣)، كما لم تعرف أن الأفول هو التغير وإنما المعروف هو أن "أفل" بمعنى غاب واحتجب وأفلت الشمس تأفل وتأفل أفولًا أي غابت (٤).

стр. 295

ثانياً: أن إبراهيم الخليل لو استدل بالأعراض على نحو استدلال المتكلمين لما قال: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ أولًا، ولما فرق بن النجم والشمس والقمر، ولكان دليله على أن النجم محدث يدل بعينه على أن كل جسم محدث، سواء كان مستدلاً لنفسه أم ملزماً لغيره؛ لأنه يكون قد أقام الحجة على الخصم بحدوث الأجسام حين أبطل ربوبية النجم، فلم أعاد، إلاستدلال عند رؤية القمر ثم أعاده عند رؤية الشمس؟. ثالثاً: أن الله سبحانه ذكر عن الخليل ﵇ أنه لما ﴿رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦ - ٧٩] ومعلوم أنه لما بزغ القمر كان في بزوغه متحركاً وكذلك الشمس، فلو كان إبراهيم الخليل يقصد الاستدلال بالحركة التي يسمونها تغيراً، لكان قد قال ذلك من حين رأى الكواكب بازغة، ولما انتظر أفولها. رابعاً: أن إبراهيم ﵇ لم يكن بصدد إثبات الصانع، بل كان بصدد الاستدلال على نفي الشريك وإبطال عبادة ما سوى الله لأن قومه كانوا مقرين بالصانع ولكنهم كانوا يشركون في عبادته غيره (١). أو على سبيل

стр. 296

الاستدلال والترقي أو غير ذلك فليس مراده هذا رب العالمين القديم الأزلي الواجب الوجود بنفسه؛ لأن قومه ما كانوا يعتقدون أن الكواكب هي رب العالمين، بل كانوا يتخذونها أرباباً يدعونها ويتقربون إليها بالبناء عليها والدعوة والسجود لها، وسيدنا إبراهيم استدل بمغيب هذه الكواكب على عدم صلاحيتها للعبادة، لأن الذي يستحق العبادة لا ينبغي أن يغيب عن عين عابده، وهذه الكواكب لا تملك نفسها أن تمنعها من الاحتجاب والمغيب عن أعين العابدين لها (١). وبهذا يتبين لنا أن قصة الخليل ﵇ إنما كانت لنفي ألوهية الكواكب وعبادتها من دون الله لا إثبات حدوث العالم كما ذهب إليه ابن العربي والأشاعرة بعامة. ابن العريى وأقسام العلوم: أورد ابن العربي تقسيماً للعلوم في أثناء كلامه عن علوم القرآن (٢)، وجاء ذلك التقسيم ثنائياً تارة وثلاثياً تارة أخرى على حسب صفات العلم واختلاف متعلقاته وما يتصل أو يرتبط به. فالمعلومات عند ابن العربي على قسمين: معدوم وموجود، لا ثالث لهما ولا واسطة بينهما. فالمعدوم هو المنتفي الذي ليس بشيء، قال تعالي: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. فأخبر تعالى أن المعدوم ليس بشيء، والموجود هو الشيء الكائن الثابت، والموجود هو مظهر الأحكام في الخارج (٣).

стр. 297

وتنقسم الموجودات إلى قسمين: خالق ومخلوق (١). فالخالق هو الله . والمخلوق هو المحدث الذي لوجوده أول (٢). كما أن العلم ينقسم من جهة صفاته إلى قسمين: قديم ومخلوق. ١ - فالقديم هو علم الله الذي لا أول له، يتعلق بالمعلومات كلها على اختلاف أنواعها من قديم ومحدث وموجود ومعدوم، على الجملة والتفصيل، فهو بكل شيء عليم، وهذا العلم ليس بعلم ضروري ولا استدلالي. قال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] وَقَالَ: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] فأثبت الله العلم لنفسه ونص على أنه صفة له في نص كتابه. ٢ - المخلوق، وهو علم الخلق، ويتصف بالقصور، فهو يعلم جملة من تفصيل، وقليلاً من كثير، إذ لا إحاطة له خاصة، ويعلم من وجه ويجهل من وجه، ويطرأ عليه السهو والذهول والشك؛ ويعدم كذلك (٣). وتنقسم العلوم من جهة طرقها إلى ثلاثة أقسام: ١ - قسم يثبت في النفس ابتداء لا عن إدراك ببعض الحواس، وذلك نحو علم الإنسان بوجود نفسه وما يحدث فيها وينطوي عليها من اللذة والألم والغم والفرح والقدرة والعجز والصحة والسقم، والعلم بأن الضدين لا يجتمعان، وأن الاثنين أكثر من الواحد.

стр. 298

٢ - قسم يعلم بالحواس، كدرك الحواس الخمس وهي: حاسة الرؤية وحاسة السمع، وحاسة الذوق، وحاسة الشم، وحاسة اللمس، وكل مدرك بحاسة من هذه الحواس من جسم ولون وكلام وصوت ورائحة وطعم وحرارة وبرودة ولين وخشونة وصلابة ورخاوة، فالعلم به يقع ضرورة (١). ٣ - قسم بعلم بالقياس على هذين القسمين وهو ما احتيج في حصوله إلى الفكر والروية، وكان طريقه النظر والحجة وهو القسم المأمور به والمسمى بالعلم النظري. وينقسم العلم من جهة متعلقاته إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وهو المطلوب. القسم الثاني: معرفة أفعال المكلفين. القسم الثالث: معرفة الجزاء في الآخرة (٢). كما ينقسم العلم من وجه آخر إلى قسمين: ١ - علم باللفظ وهو معرفة وقوع العبارة على المعنى المراد. ٢ - وعلم بالمعنى وهو الذي يعرف به أحوال اللفظ العربي الذي يطابق مقتضى الحال، وهذا العلم هو المطلوب (٣).

стр. 299

وتنقسم العلوم من وجه آخر إلى ثلاثة أقسام: ١ - علم عقد: وهو معرفة الله تعالى. ٢ - علم قول: وهو الإيمان بالله تعالى وصفاته وما يرتبط بذلك. ٣ - علم عمل (١): وهو معرفة الجسد والغرور والنية والتوكل (٢). وتنقسم من وجه آخر إلى قسمين: ١ - علم ظاهر كاللغات وتفسيرها والقراءات وتقييدها. ٢ - وعلم باطن كعلم أصول الفقه مثلاً (٣). وهكذا ينتهي ابن العربي من مجموع هذه التقسيمات إلى تقسيم علوم القرآن أو علوم الشريعة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: التوحيد وتدخل فيه معرفة المخلوقات بحقائقها، ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله. القسم الثاني: علم التذكير ويشمل الوعد والوعيد، والجنة والنار، والحشر وتصفية الباطن والظاهر عن أخلاط المعاصي. القسم الثالث: الأحكام وهو التكليف كله من العمل في قسم النافع منه والضار، وحظ الأمر والنهي والندب (٤). تعقيب: يعتبر الكندي (ت: ٢٥٢) والفارابي (ت: ٣٣٩) وابن سينا (ت: ٤٣٨) من أوائل من تطرقوا لموضوع تصنيف العلوم أو علم تقاسيم العلوم (٥)،

стр. 300

فخصصوا له الرسائل المستقلة، وضمنوه كتبهم، فالكندي مثلًا يقوم تصنيفه للعلوم على تقسيمها إلى: ١ - العلوم الإنسانية وهي العلوم الفلسفية التي يصل إليها الإنسان بالتكلف والبحث والرياضيات والمنطق، والتي تحتاج إلى زمان لاكتسابها. ٢ - العلوم الدينية: ويسميها العلم الإلهي وعلم الرسل (١). أما الفارابي فقد أجمل تقسيم العلوم فيما يلي: ١ - علم اللسان: ويشمل علم الألفاظ ومدلولاتها وعلم اللغة وما إلى ذلك. ٢ - علم المنطق: ويعرفه بأنه صناعة تعطي جملة القوانين التي من شأنها أن تقوّم العقل وتسدد الإنسان نحو طريق الصواب (٢). ٣ - علم التعاليم: ويدخل فيه علم الهندسة وعلم المناظر وعلم النجوم وغيرها. ٤ - العلم الطبيعي والإلهي. ٥ - العلم المدني وعلم الفقه وعلم الكلام (٣). ويقسم ابن سينا العلوم الفلسفية إلى نظرية وعملية وآلية، ثم يقسم النظرية إلى علم طبيعي ورياضي وإلهي، ولكل واحد منهما عنده علوم أصلية وفرعية ثم يقسم العلوم العملية إلى ثلاثة: أخلاق وتدبير المنزل وتدبير المدينة (٤).

стр. 301

ومن الملاحظ أن هؤلاء الفلاسفة قد تأثروا في تقسيمهم للعلوم بالتقسيم الأرسطي الذي يقوم على تفصيل ثلاثي للعلم: علم نظري وعلم عملي وعلم شعري (١). والآن ما هو موقع التقسيم الذي أورده ابن العربي من هذه التقاسيم التي سبقته؟ وما هي خصائصه ومميزاته؟. لعل أول ما نلاحظه أن تقسيم ابن العربي ﵀ يكاد يكون متحرراً من تقسيم أرسطو، وهو قائم على تصور عقدي صرف، فعلم الله المحيط بكل شيء، ومقابله علم المخلوق القاصر، وكذلك معرفة الله وصفاته، ومعرفة أحكام المكلفين وما إلى ذلك، كل هذا من وحي علوم الشريعة. وفي مقابل هذا، فإننا نجد في التقسيم اهتماماً بعلوم اللغة وهو ما يعكس شغف ابن العربي باللغة واهتمامه بها وتركيزه عليها. ومن الواضح أنه بني تصنيفه على نظر في واقع العلوم كما هي، إلى جانب انطلاقه من صورة ذهنية للعلم حددت له ما هو واجب على المسلم أن يعتقده، وبفضل هذه النظرة المزدوجة جاء تقسيمه متحرراً -إلى حد ما- من التقاسيم التي سبقته، إلى جانب أن البنية العامة التي اعتمدها هي بنية طريفة وعملية، تدل على تمكنه من الثقافة الِإسلامية وتبحره فيها.

стр. 302

أبو بكر بن العربي ونقده للجويني في مسألة "علم الله بالجزئيات ": تكلم ابن العربي في فصل "ذكر أقسام العلوم" (١) عن علم الله ، وانتقد الإِمام الجويني بشدة وعنف لقوله باستحالة علم الله بالجزئيات، ونحن في هذا المبحث سنقوم بتوضيح موقف ابن العربي من هذه الدعوى الخطيرة مستعينين بالله ثم بما كتبه ابن العربي في "العواصم من القواصم" (٢) حول هذا الموضوع الشائك، وقبل الشروع في مناقشة ما ذهب إليه الجويني أرى من الواجب أن أبين صفة العلم كما هي عند السلف فأقول متوكلاً على الله وحده: العلم صفة لله بها يدرك جميع المعلومات على ما هي عليه، فلا يخفى عليه منها شيء (٣). فالله تعالى عالم بجميع الموجودات، ومحيط بجميع المعلومات، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وقد نبه القرآن الكريم على إثبات هذه الصفة في آيات كثيرة، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]. وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت: ٤٧].

стр. 303

وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. فهذه الآيات (١) الكريمات تفيد إثبات صفة العلم للباري تعالى. وأنه عليم بدقائق الأمور وبواطنها، وعلمه شامل ومحيط بكل شيء، بعكس بني آدم فإنهم وإن كانوا يوصفون بالعلم، فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالماً بالفقه غير عالم بالنحو وعالماً بهما غير عالم بالحساب والطب ونحوهما من الأمور، فعلم الله -سبحانه- عِلْمُ حَقِيقَةٍ وَكمَال ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٢)، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (٣). فعلم الله ﵎ صفة ذاتية لازمة له تعالى، لا يخلو منها في وقت من الأوقات فهو قديم لا يتصور انفكاك ذات الله عنه، وإلى هذا أشار الإِمام أحمد ﵁ بقوله: "فإن قال الجهمي (٤): ليس له علم، كفر، وإن قال: لله علم محدث، كفر، حيث زعم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى أحدث له علماً فعلم، فإن قال لله علم وليس مخلوقاً ولا محدثاً، رجع عن قوله كله، قال بقول أهل السنة" (٥). ونكتفي بهذا القدر من بيان صفة العلم لندخل في المناقشة الحادة التي أدارها ابن العربي مع الجويني حول علم الله بالجزئيات فنقول: قال إمام الحرمين في البرهان:

стр. 304

"تردد المتكلمون في انحصار الأجناس (١) كالألوان. فقطع قاطعون بأنها غير متناهية في الِإمكان كآحاد كل جنس، وزعم آخرون أنها منحصرة، وقال المقتصدون: لا ندري أنها منحصرة أم لا؟ ولم يثبتوا مذهبهم على بصيرة وتحقيق. والذي أراه قطعاً أنها منحصرة فإنها لو كانت غير منحصرة، لتعلق العلم منها بأجناس لا تتناهى على التفصيل، وذلك مستحيل، فإن استنكر الجهلة ذلك وشمخوا بآنافهم وقالوا: الباري سبحانه عالم بما لا يتناهى على التفصيل، سفهنا عقولهم وأحلنا تقرير هذا الفن على أحكام الصفات، وبالجملة علم الباري إذا تعلق بجواهر لا تتناهى، فمعنى تعلّقه بها استرساله عليها من غير فرض تفصيل الآحاد مع نفي النهاية، فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود، يحيل وقوع تقديرات غير متناهية في العلم، والأجناس المختلفة التي فيها الكلام يستحيل العلم بها، فإنها متباينة بالخواص، وتعلق العلم بها على التفصيل مع نفي النهاية محال، وإذا لاحت الحقائق فليقل الأخرق بعدها ما شاء" (٢). قلت: وقد مهّد ابن العربي في نقده لكلام الجويني بتقرير القواعد التالية: إن المعلومات من جهة الكون (٣) تنقسم إلى واجب وجائز ومستحيل، والواجب على قسمين: واجب مطلق وهو الله وحده وصفاته، وواجب من وجه وهو ما خلقه الله تعالى من أصول العالم كالجواهر والأجسام والأعراض، فهذه يجب كونها على هذه الصفة فلا يتصور خروج الجوهر عن كونه جوهراً، ولا

стр. 305

العرض عن كونه عرضاً، ولا خروج الجسم عن كونه جسماً، ومن أصول هذه الأصول أن الجوهر لا يخلو عن عرض، وأن العرض لا يصح وجوده دون ما يقوم به من جوهر أو جسم، وهذا كله متفق عليه بين العقلاء، ومعلوم عندهم قطعاً قبل النظر، ومنه ما هو معلوم بنظر، ويتركب عليه وجود الأكوان والألوان بالجواهر والأجسام على البدل والانفراد حسب نسبة كل واحد منها إلى الآخر من ضد أو خلاف، ويتركب عليه بعد ذلك النظر في أحكام جميعه بالنسبة إلى سَبَبٍ نَشَأتْ عَنْهُ، أو إلى كيفية هي عليه، أو إلى تركيب في وجود أو عدم، أو صفة فناء أو بقاء، أو إلى حال تركيب واستحالة، يكون بعده نظر في انحصار الأعراض إلى ألوان وأكوان، وانحصار الأكوان إلى حركة (١) وسكون (٢)، وانحصار الألوان إلى أحمر وأسود، وما بينهما من واسطة ترجع إليهما، أو تقف بينهما. وأعظم من ذلك القول في انحصار العالم إلى الموجودات على ترتيبها وتدبيرها، ما بين وجود وعدم، وبقاء وفناء، وتكليف وإعفاء، وتعجيل وإمهال، ودنيا وآخرة، وثواب وعقاب، في عموم ذلك. ومن هذا المتقدم أصل متفق عليه بين منزلتيْ النفي والإثبات وهو الوجود والعدم، والحركة والسكون فرعاً عليه (٣)، ومنه متفق عليه بين أهل الملل ومنه متفق عليه بين أهل السنة، ومن جملة المتفق عليه بما تقدم أن الجوهر لا يخلو عن حركة أو سكون ... ومن المختلف فيه القول في وجود لون خلاف ما شاهدناه، فمن قائل أن الألوان منحصرة، ومن قائل أنها غير منحصرة (٤) ومن واقف لم يحكم عليها بالحصر أو عدمه (٥).

стр. 306

قلت ثم بين ابن العربي أن مسألة الانحصار هذه مسألة شائكة وتحيط بها إشكالات عديدة؛ لأن العلم الذي به أدرك الِإنسان انقسام الموجودات إلى جواهر وأعراض، به أدرك كذلك أن ثمة موجود آخر ليس بجوهر ولا عرض ولكن لا يحيط به علماً، وكذلك أن الكون من حركة وسكون لا ثالث لهما، وأن السواد والحمرة لا غاية وراءهما، وإن كان بينهما وسائط (١). وأن العلم لا تعلق له بالعلم المحض، وإنما يتعلق بمعدوم مقدر، فإن قدر الِإنسان عالماً آخر، وأمكنه فهمه، فقدر موجوداً ليس بجوهر ولا عرض، وكوناً ليس بحركة ولا سكون. ولوناً ما ليس بحمرة ولا سواد، فإن وجب أن ينحصر ذلك في المعلوم، فلا يسأل عما وراءه بنفي أو إثبات. ويقرر ابن العربي بأن القول بتناهي الأجناس والأنواع ليس إلاَّ لغواً من الكلام، إذ ليس هناك من دليل نظري ولا ضروري يدل على الانحصار وتناهي الموجودات في هذه الأجناس والأنواع المعروفة لدينا. واستدل على ما ذهب إليه بحديث المعراج الذي صرح فيه النبي ﷺ بما يفيد عدم تناهي الأجناس والأنواع حيث قال: "ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتُهِيَ بِي إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، فَغَشِيَهَا ألوَانٌ لَا أدرِي مَا هِيَ .. " (٢) فهذا الحديث يدل عند ابن العربي على عدم انحصار الألوان، إذ لم ير النبي ﷺ في سدرة المنتهى شيئاً يشابه ما عهده في الدنيا، ويؤيده الحديث القدسي الذي يقول فيه النبي ﷺ : "قال الله : أعدَدْتُ لِعِبَادِي الصالِحِينَ مَا لَا عَيْن رَأت، ولا أذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ .. الحديث" (٣). وهذا يشير إلى أشياء مخالفة لأجناس الموجودات وأنواعها المعروفة لدينا (٤).

стр. 307

وبعد هذه المقدمة الضرورية شرع ابن العربي في نقد مقالة الجويني فقرة فقرة فأورد قول الجويني: "والدليل على أنها منحصرة أنها لو كانت غير منحصرة، لتعلق العلم بها بآحاد لا تتناهى على التفصيل وذلك محال". وعارضه بقوله: إن هذا الكلام محذوف لأن قوله: "لو كانت غير منحصرة" مقدمة واحدة لا تنتج شيئاً باتفاق العقلاء (١)، فلا يصح أن يرتب عليها قوله "لتعلق العلم منها بآحاد لا تتناهى على التفصيل" حتى يقول (أي يستنتج) هي منحصرة. ويرى ابن العربي أنه لكي نثبت أنها منحصرة يجب أن نثبت قبل ذلك أنها معلومة؛ لأن الحكم على المجهول بحصره أو عدم حصره محال، وإذا قررنا أنها معلومة فمعنى ذلك أن العلم متعلق بها تفصيلًا، وليس معنى التفصيل إلاَّ الحصر، فآل نفي الحصر إلى إثباته، فبطل في نفسه وهذا هو برهان الخلف (٢). أما قول الجويني: "وإن قالوا: إن الباري عالم بما لا يتناهى على التفصيل سفهنا عقولهم" فهذا الكلام عند ابن العربي كلام متناقض غير معقول، وذلك لأن التفصيل عند الجويني يقتضي الحصر، وما لا يتناهى ينفيه. فتناقضت القضيتان، فالجمع بينهما سفه في العقل (٣). وكذلك قول الجويني: "إن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود، يحيل وقوع تقديرات غير متناهية في العلم" كلام متناقض أيضاً، يفتقر إلى

стр. 308

تتميم؛ لأن قوله: "ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود" يعني به أن ذلك إذا كان في زمن محدود متناه، وإلا فدورات الأفلاك عند الفلاسفة لا نهاية لها، ونعيم الجنة عند الموحدين لا نهاية له، وذهب ابن العربي إلى أن الوجود في هذه الأشياء اللامتناهية إنما يحال فيها على أزمنتها المستقبلة، فيكون لكل موجود زمان معين. ثم خرّج ابن العربي أقوال الجويني على الطريقة التالية: أما قول الجويني: "يحيل وقوع تقديرات غير متناهية في العلم" فيعني بقوله: "وقوع": وجود، وقوله: "تقديرات" يريد تصوير موجودات، وقوله: "غير متناهية" يعني في زمان متناه، وذلك بما لا يتعلق به علم؛ لأنه لا يتصور له ثبات، وقوله: "فتعلق العلم بها على التفصيل مع نفي النهاية محال" فهذا مبني على أصل في أن التفصيل هو الحصر والانتهاء (١). وبعد هذا النقد المختصر (٢) لأقوال الجويني لا ينسى ابن العربي أن يذكرنا بالطريقة المثلى التي ينبغي أن تتبع في مثل هذه المشكلات فيقول ﵀: "إن هذه الألفاظ من الجملة والتفصيل والحصر، ألفاظ مولدة ركّبت عليها المبتدعة علومها، وخاض فيها علماؤنا معهم، ولكل واحد فيها اصطلاح تركيب معناه على ما اصطلح عليه فيها، ويختلف الاثنان في الوجه المصطلح عليه فيتباريان ويتعارضان، ونحن إذا تكلمنا على ذلك قلنا: دعونا من العبارات المحدثة الفاسدة، الباري تعالى عالم بعلم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما كان وما يكون، ولا يقدر شيء إلا

стр. 309

هو، عالم به، فإن قلتم على التفصيل يعلم أو على الجملة؟ قلنا: لا ندرك ما تريدون! فإن أردتم بقولكم: على التفصيل، أنه لا يخفى عليه شيء فذلك صحيح، وإن أردتم بالجملة أنه يعلم شيئاً ويخفى عليه شيء فلا يصح؛ لأن الدليل قد قام على أنه لا يخفى عليه شيء فإنما نتكلم معكم في عموم علمه وخصوصه، والجملة والتفصيل عبارات باردة لا نلتفت إليها (١)، ولا نبني عليها حكماً، ولا نصف الباري بشيء منهلا، نفياً ولا إثباتاً، وإنما نصفه بما وصف به نفسه، ودلّ الدليل عليه من سعة علم، وتقدس ذاته وصفاته، وأنه لا يخفى عليه شيء كان أو لم يكن، تقدم أو تأخر فعلى هذا عوَّلوا، ودعوا بنيات الطرق، والألفاظ المحدثة، وخذوا ذات اليمين، وهو ما كان عليه السلف المتقدمون من الصحابة والتابعين" (٢). قلت: وهكذا يعود ابن العربي بعد هذه المناقشات الحادة ليؤكد لنا أن طريقة السلف هي الأحكم والأسلم في مثل هذه المواقف التي اختلط فيها الحق بالباطل، وينبهنا على قضية مهمة في سبب نشأة الخلاف بين المتكلمين وهي الإجمال والغموض في الألفاظ والمعاني الاصطلاحية، فاستعمال الفلاسفة والمتكلمين للألفاظ العربية، بعيد كل البعد عن معانيها اللغوية الأصيلة التي استعملها العرب كما هو مدون في كتب اللغة والمعاجم، فلو فصل ما في هذه الألفاظ من الإجمال، ووضح ما في معناها من الغموض والِإبهام، فيثبت ما فيها من حق، وينفي ما فيها من الباطل لكان ذلك منهجاً قويماً ولانحل الِإشكال، واتضح الأمر. وفي الختام أرى من المستحسن أن أثبت في هذا المبحث بعض النكت العلمية اللطيفة التي ذكرها ابن العربي في كتابه "الأمد الأقصى في شرح أسماء الله الحسنى" (٣) في أثناء كلامه على اسم الجلالة "العليم" قال رحمه

стр. 310

الله مبيناً المنزلة العليا للرب سبحانه في الاسم: ... ولا يخفى على العبد "العلم" لأنه قد احتوى، منه على أنموذج يستدل به على ربه، وهذه هي الحكمة في أن جعلت فيه صفات تشترك في الأسماء مع صفات الخالق وأسْمائِهِ لتكون عوناً له في استدلاله عليه، ومعرفته به، والله ﵎ قد اختص في هذا الاسم بأحكام جماعها عشرة: الأول: عدم الأولية في علمه، لاستحالة أن يكون مخلوقاً. الثاني: استحالة العدم عليه. الثالث: أنه يعلم به جميع المعلومات وعلم العبد محصور بالمعلوم. الرابع: أنه يعلمه جملة وتفصيلًا وعلم العبد يتعلق بالجملة دون التفصيل. الخامس: أن علمه يتعلق بالتفريع والتأصيل، وعلم العبد يتعلق بأصل خاصة دون فروعه. السادس: أن علم الله سابق الموجودات، وعلم العبد مسبوق بالمعلوم. السابع: أنه لا يتطرق إلى علمه آفة، وعلم العبد معرض لكل آفة. الثامن: أن علم الرب بالمعلومات في غاية الكشف والِإيضاح، وعلم العبد وإن بلغ غاية فإنه مقصر كأنه من وراء ستر، وقد بين ذلك بقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. التاسع: أنه لا يشغله شأن عن شأن. العاشر: أن علم الرب أفاد الموجودات، وعلم العبد مستفاد من الموجودات. أما المنزلة الثانية فعلى العبد في علم ربه حكمان: أحدهما: أن يفوض إليه ويستسلم لسابق علمه.

стр. 311

الثاني: أن يستغني في اكتساب العلم به من كل وجه، إذ هو أشرف المكتسبات، وكلما كثرت طرق العلم به، زاد العلم به، فلذلك شرف علم الملائكة والأنبياء على علم الخلق لكثرة دلائلهم". قلت: نعود إلى ابن العربي في كتابه "قانون التأويل" لنستكمل عرض أهم القضايا العقدية الواردة فيه فنقول: أشار ابن العربي أثناء مناقشته للجويني في مسألة علم الله بالجزئيات قضية القياس في العقليات (١)، فقد ورد في برهان الجويني قوله: "إن قام الدليل على المطلوب في الغائب فهو المقصود، ولا أثر لذكر الشاهد، وإن لم يتم دليل على المطلوب في الغائب، فذكر الشاهد لا معنى له، وليس في المعقول قياس" (٢). وهذا الذي ارتضاه الجويني مخالف لما ذهب إليه جمهور المتكلمين، فقد اتفق أكثرهم على صحة القياس في العقليات ومنه نوع يسمى إلحاق الغائب بالشاهد، وبناء الغائب على الشاهد وما يجري مجراهما، واتفق القائلون به على أنه لا بد فيه من جامع عقلي، وإلاّ كان الجمع تحكماً محضاً، ثم حصروا الجامع في العلة (٣)، والحد (٤)، والشرط (٥)، والدليل (٦). فالأول كقول المتكلمين إذا كانت العالمية شاهداً فيمن له العلم، معللة بالعلم، وجب أن يكون في الغائب كذلك.

стр. 312

أما الجمع بالحد فكقول القائل. حد العالم في الشاهد من له العلم، فيجب طرد هذه الحقيقة في الغائب كذلك. أما الجمع بالشرط فكقول القائل: العلم مشروط بالحياة شاهداً، فكذلك الحال في الغائب. أما الجمع بالدليل فكقول القائل: التخصيص والأحكام يدلان على العلم والإرادة في الشاهد، فكذلك الأمر في الغائب (١). وقد ارتضى شيخ الإِسلام ابن تيمية القول بالقياس في المعقولات ونصره، قال في الفتاوى: " ... من قال أن العقليات ليس فيها قياس وإنما القياس في الشرعيات ولكن الاعتماد في العقليات على الدليل الدال على ذلك مطلقاً، فقولهم مخالف لقول نظار المسلمين، بل وسائر العقلاء، فإن القياس يستدل به في العقليات كما يستدل به في الشرعيات، فإذا ثبت أن الوصف المشترك مستلزم للحكم، كان هذا دليلاً في جميع العلوم، وكذلك إذا ثبت أنه ليس بين الفرع والأصل فرق مؤثر، كان هذا دليلًا في جميع العلوم، وحيث لا يستدل بالقياس التمثيلي (٢) لا يستدل بالقياس الشمولي (٣).

стр. 313

وجمهور النظار يقيسون الغائب على الشاهد إذا كان المشترك مستلزماً للحكم، كما يمثلون به من الجمع بالحد والعلة والشرط والدليل. فمتى قام الدليل على أن الحكم معلق بالوصف الجامع لم يحتج إلى الأصل، بل نفس الدليل الدال على أن الحكم يتعلق بالوصف كاف، لكن لما كان هذا كلياً، والكلي لا يوجد إلاَّ معيناً، كان يتعين الأصل مما يعلم به تحقيق الكلي، وهذا أمر نافع في الشرعيات والعقليات. فعلمت أن القياس حيث قام الدليل على أن الجامع مناط الحكم، أو على إِلغاء الفارق بين الأصل والفرع، فهو قياس صحيح، ودليل صحيح في أي كان" (١). قلت: وقبل أن ننتقل إلى الكلام عن مفهوم الباطن وعن التفسير الِإشاري للنصوص الشرعية، أود أن أبين رأي ابن العربي في مشكلة "الصدق والكذب" فقد تعرض لهذه القضية في مدخل فصل "ذكر أقسام العلوم" (٢) والغريب في الأمر أنه ذهب في كلامه عن الصدق والكذب مذهب النظام، وهذا يخالف ما كتبه في "سراج المريدين"، فهل رجع عن اعتقاد جمهور الأشاعرة وارتضى مذهب النظام؟ هذا ما سنحاول الِإجابة عليه في هذا المبحث، ولكي تتضح لنا المسألة جلياً، نذكر قول المذاهب في الصدق والكذب (٣): المذهب الأول: وهو مذهب الأشاعرة الذي يرى أن النسبة الذهنية المفهومة من الكلام في الكلام الخبري، إذا كانت متطابقة مع النسبة الخارجية بأن تكون النسبتان ثبوتيتين أو سلبيتين، فذلك الصدق، وإن اختلفتا في الثبوت والسلب بأن كانت إحداهما ثبوتية، والأخرى سلبية، فذلك

стр. 314

الكذب، فلا نظر عند الأشاعرة في الصدق والكذب إلاَّ إلى التطابق بين الكلام ونسبته الخارجية. المذهب الثاني: مذهب النظام (١) ومن تابعه، وهو أن الصدق مطابقة الكلام لاعتقاد المخبر، ولو كان الاعتقاد خطأ، بمعنى أنه غير مطابق للواقع، والكذب عدم مطابقته لاعتقاد المخبر، والمراد بالاعتقاد ما يشمل الظن، فلو قال قائل: السماء تحتنا وهو يعتقد ذلك كان صدقاً، ولو قال: السماء فوقنا وهو لا يعتقد بذلك كان خبره كذباً. واحتج النظام لمذهبه بقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. وأجاب الأشاعرة عن استدلال النظام على مذهبه بهذه الآية الكريمة بثلاثة أوجه: الأول: إن التكذيب راجع إلى الشهادة لأنهم كأنهم قالوا: إن شهادتنا واطأت فيها قلوبنا ألسنتنا، وهذا كذب؛ لأن المنافقين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فتكذيبهم راجع إلى ادِّعاء المواطأة، لا إلى المشهود به الذي هو إنك لرسول الله كما يدعي النظام، فإنه وإن كان مطابقاً للواقع إلاَّ أنه غير مطابق لاعتقادهم، وإذا كان غير راجع للمشهود به كما يدعي النظام، بل هو راجع للمواطأة سقط استدلاله. والعجب من النظام كيف يستدل بهذه الآية مع أنها لا تحتمل إلاّ الوجه

стр. 315

الذي حملها عليه الأشاعرة، وهذا الزمخشري وهو من الاعتزال بمكان ومع ذلك يقول: وَالله يشهد أنهم لكاذبون في قولهم: "نشهد" وادعائهم فيه المواطأة (١). الوجه الثاني: من أوجه الردّ على النظام أن تكذيبهم راجع إلى تسمية إخبارهم -بكسر الهمزة- شهادة، إذ هي ما تكون على وفق الاعتقاد. الوجه الثالث: أنه على فرض التنزل مع النظام بأن يكون التكذيب من الله تعالى راجعاً للمشهود به -وهو إنك لرسول الله- لكن ليس على ما ذهب إليه، بل إظهار لما هو في قرارة نفوسهم من زعمهم الكاذب في عدم الِإقرار بالنبوة، فيكون المعنى أنهم يزعمون أنهم كاذبون في هذا الخبر الصادق. المذهب الثالث: مذهب الجاحظ (ت: ٢٥٠) وينكر فيه انحصار الخبر في الصدق والكذب كما هو مذهب الأشاعرة، وكما هو مذهب سلفه النظام الذي لا مخالفة بينه وبين أهل السنة في الانحصار، وإنما مخالفته فيها هو المراد بالتطابق، وأما الجاحظ فيرى أن هناك واسطة بين الصدق والكذب، لأنه يرى أن الصدق يتوقف على مطابقة أمرين وهما: الواقع، واعتقاد المتكلم، والكذب هو عدم المطابقة فيهما، فكأنه أراد التوفيق بين سلفه النظام وما عليه غيره. وبناء على رأي الجاحظ فإنه يلزم أن تكون هناك أخبار لا توصف بصدق ولا كذب، وهي الأخبار التي تكون مطابقة للواقع، لكن يعتقد المتكلم أنها غير مطابقة، أو يكون غير معتقد شيئاً، وكذلك في عدم المطابقة للواقع والمتكلم يعتقد المطابقة، أو ينتفي اعتقاده بأن لا يكون له اعتقاد أصلاً. وذهب الجاحظ إلى ما ذهب إليه اعتماداً على ما استنتجه من قوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨] إلاَّ أن هناك تلك

стр. 316

الواسطة لترديد المناوئين للنبي ﷺ أخباره بالحشر والنشر كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] بين الافتراء والأخبار حال الجنة: أي حال المجنون، وذلك لأن المراد بالثاني وهو الأخبار حال الجنة، غير الكذب لأنه قسيمه، وغير الصدق لأنهم لم يعتقدوه؛ لأنهم منازعون في الرسالة، فكيف يعتقدون مقاله، فإذا خرج عن كونه صدقاً لما ذكر، وعن كونه كذباً لأنه في مقابلته، فلم يبق حينئذ إلاَّ أنه قسم برأسه، فلا يكون صدقاً ولا كذباً، وبذلك تثبت الواسطة بين الطرفين المتضادين وهما الصدق والكذب. والمذهب الجاحظي هذا قد ردَّه المفسرون واقتصروا في ردهم على إبطال دليله وذلك بأن المقصود: أم لم يفتر، لأن الافتراء أخص من الكذب، إذ هو الكذب عن عمد فحينئذ يكون القسمان مندرجين تحت الأعم وهو مطلق الكذب. وهناك رد مختصر لطيف رد به الإِمام المازري (ت: ٥٣٦) علي الجاحظ استخرجه من قوله ﵊: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ" (١) قال ﵀: ودليل هذا الخطاب يرد عليهم لأنه يدل على أن ما لم يتعمد يقع عليه اسم الكذب". وتحليل جوابه أنه ﵊ أفصح العرب أخبر أن الكاذب عليه إن تعمد الكذب فليتبوأ مقعده من النار، ومن كذب ولم يتعمد فحكمه غير حكم الكاذب المتعمد فهو قد أطلق اسم الكاذب على المتعمد وغيره، وهو إطلاق واضح لا يحتمل وجهاً آخر ولو مع التكلف، وإذا أخذنا هذا في جانب الكذب، فالصدق لا يخرج عنه، إذ أنهما من واد واحد. فما ادعاه الجاحظ من أن الكذب لا يكون كذباً، وكذلك الصدق إلاَّ إذا طابق الكلام الواقع والاعتقاد، أو خالفهما، ليس بشيء حيث أطلق النبي ﷺ

стр. 317

اسم الكذب على الكلام المخالف للواقع وإن لم يطابق الاعتقاد، وبهذا يظهر أن لا مدخل لمطابقة الاعتقاد في إطلاق الكذب، إذ هذا يطلق على ما طابق الاعتقاد وما خالفه، وإنما المراعى مطابقة الواقع" (*). والآن وبعد أن عرفنا آراء المذاهب في مفهوم الصدق والكذب، ما هو رأي ابن العربي في هذه المسألة؟. يقول ﵀ في قانون التأويل (١): "إن العلم لا بد أن يقوم عنه في النفس خبر، وذلك الخبر هو الكلام، وهو من الله صدق لموافقته العلم، ويتصور أن يكون في العبد صدق، وهو ما وافق علمه، ويكون كذباً، وهو ما جاء بخلاف العلم، والكذب مستحيل على الله تعالى، لأن العبد له حالة علم وشك، وظن وجهل ووسواس، فكل معنى من هذه المعاني قام عنه خبر في نفسه، والصدق منها ما وافق العلم". قلت: وقد اعتقدت في أول وهلة أن ابن العربي في هذا النص يوافق النظام في قوله بأن الصدق هو مطابقة الكلام للاعتقاد، والكذب هو عدم مطابقته، ولكنني بعد رجوعي إلى سراج المريدين وجدته يعرف الكذب بقوله: "هو الِإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به" (٢) وهذا التعريف -كما عرفنا- هو الذي اتفق عليه الأشاعرة قاطبة (٣). وهنا رجعت إلى نص "قانون التأويل" متأملاً، فوجدته لا يخرج عن اعتقاد سلفه الأشاعرة، فمراد ابن العربي -والله أعلم- أن الصدق هو مطابقة الكلام الذي هو المعنى القائم بالنفس للعلم الذي هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، فيكون الصدق مطابقة الكلام لما عليه الواقع، وقد تأكد لي هذا اللهم بنص آخر في الموضوع وجدته بكتاب "الأمد الأقصى" يقول فيه:

стр. 318

" ... فإن جماعة ظنوا أن الكذب إنما يتحقق بأن نقول: إن الكلام عبارة عن المعنى القائم بالنفس، واللسان يعبر عنه فإذا وافق اللسان عقد الجنان، فذلك الصدق، وإذا خالفه فهو الكذب (١)، وليس الأمر كذلك، بل نقول وهو الغاية في البيان والتحقيق: إن الكلام هو المعنى القائم في النفس، والعلم يتعلق بالمعلوم على ما هو به، فإذا كان الكلام النفسي أو الاعتقادي أو اللفظي موافقاً للعلم فهو الصدق، وإن كان مخالفاً له فهو الكذب، وقد يكون الكذب بقصد وبغير قصد، والحقيقة فيه واحدة، وإنما تختلف في الأجر والوزر" (٢). ونكتفي بهذا القدر والحمد لله رب العالمين. أبو بكر بن العربي والباطن من علوم القرآن: ابن العربي -كما يبدو لدارسه بشكل عام- من أكبر مفكري الإِسلام، ولعله أقربهم إلى الابتكار، فآراؤه في الزهد والتربية وحدها يمكن أن تعتبر تجديداً مهماً في وضع قواعد سلوكية للذين يريدون سلوك طريق المهتدين، مع ما نستشعره من وعورة وتشعب هذا الجانب من المعرفة التي طرق أبوابها. والحق أن ابن العربي وفق إلى أبعد الحدود في صياغة نظرية سنية متكاملة في السلوك والتربية في كتابه "سراج المريدين" (٣) وأثبت خلالها أنه ذو مقدرة فائقة على دحض أفكار المتصوفة الغالين، مع إفادته منها في الوقت نفسه، وقد أثمرت طريقته هذه -بإذن الله- فأصبحت مؤلفاته في تاريخ الحركات الإصلاحية في المجتمع الإِسلامي ذات شأن وأهمية لا يمكن تجاهلها بأي حال من الأحوال. وبهذا الوضوح في الرؤية والسلامة في المنهج ناقش ابن العربي

стр. 319

المتصوفة وأصحاب الإشارات على اختلاف مشاربهم وأحوالهم، فحدثنا -رحمة الله عليه- في كتاب "العواصم" عن مذهب الصوفية في قولهم بالإشارة فقال: " ... نبغت (طائفة) يقال لهم أصحاب الِإشارات جاؤوا بالألفاظ الشريعة من بابها، وأقروها على نصابها (١)، لكنهم زعموا أن وراءها معاني غامضة خفية، وقعت الإشارة إليها من ظواهر هذه الألفاظ، فعبروا إليها بالفكر، واعتبروا منها في سبيل الذكر، وزاحمتهم من الطوائف ... زمرة (٢) لبست لبسهم، وتكلمت كلمتهم، ونحن نجمع بين الطائفتين بمكان (٣) ... ومتعلقهم في ذلك أن السلف ما زالوا يبطنون مثل هذا المعنى، ويجعلونه من باطن علم القرآن الذي قالوا فيه: إن للقرآن ظاهراً وباطناً وحداً ومطلعاً (٤) .. ولقد صحبت منهم كثيراً، وفاوضتهم طويلاً .. وطالبتهم بالأدلة، فتعلقوا بما قدمته من آثار السلف، ومنهم من قال: هذا مقصود الشريعة من تأديب الخلق وإصلاحهم بالتصريح تارة، وبالِإشارة أخرى فإن القرآن نزل بلغة العرب ... وما من كلام إلا وهو في لسان العرب يحتمل وجوهاً، ويدل على معان لا يدرك حقيقتها إلا الكامل بنور العلم، أو لا ترى ما ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس أنه قال: كُنْتُ أُقْرِىءُ رِجَالًا مِنَ المهاجرين منهم عبدُ الرحمن ابنُ عَوْف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها، إذْ رَجَعَ إِليّ عَبْدُ الرحمن فقال: لو رأيتَ رجلاً أتى أميرَ المؤمنين، فقال: هل لك يَا أمِيرَ المؤمنين في فلان يقول: لو قد مَاتَ عمرُ لَقَد بَايَعْتُ فلاناً، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فَلْتَة فتمت، فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العَشِيَّةَ في الناس، فَمُحَذِّرُهُمْ هؤلاء الذين يريدون أن

стр. 320

يغصبوهم أمورهم، قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وَغَوْغَاءَهُم، وإنهم هم الذين يغلبون على قُرْبكَ حين تَقُومُ في الناس، فأنا أخشى أن تقومَ فتقول مقالة يطيرها عنك كل مُطِيَرٍ، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فَتَخْلُصُ بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكناً فَيَعِي أهْلُ العلم مقالتَك ويضعوها على مواضعها (١). قال القاضي أبو بكر بن العربي: فقد كان خوف سوء التأويل للقول، وحمله على غير وجهه، مخوفاً في الصدر الأول" (٢). قلت: هذه الأدلة هي أهم ما استدل به أصحاب الإشارات من أصل القول بالمعاني الباطنة والإشارات الخفية، وقد ردّ ابن العربي على هذه الادعاءات بعد النظر فيها وتمحيصها فقال: "فتلقفت جميع ذلك ووعيته، وأنا إلى أصل المأخذ ناظر، وعلى أعطافه بالتفكر مائل، والذي تحرر بعد تحرير الافتكار في سبيل النظر والاعتبار، أن الصريح عام في الدين، به جاء البرهان، وعليه دار البيان، فلا يجوز أن يعدل بلفظ صريح معناه إلى سواه، فإن ذلك تعطيل للبيان، وقلب له إلى الإشكال، فإذا تقرر الصريح في نصابه، فالإِشارة بعد ذلك إلى الأمثال والأشباه. والتنبيه لوجه التشبيه أصل عظيم في العقل، وباب متسع في الدين وسبيل واضحة في الشريعة، فإن كانت في الأحكام فهو باب القياس، وإن كانت في التذكير والوعظ، فالعبرة مباحة، وإن كانت في التوحيد ولم يذكر في معرض المثل، فهي على حقيقتها لاحظ فيها لغير التنبيه بقدرة على قدرة وبتقديس على تقديس ... " (٣).
следующие страницы →