الواسطة لترديد المناوئين للنبي ﷺ أخباره بالحشر والنشر كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] بين الافتراء والأخبار حال الجنة: أي حال المجنون، وذلك لأن المراد بالثاني وهو الأخبار حال الجنة، غير الكذب لأنه قسيمه، وغير الصدق لأنهم لم يعتقدوه؛ لأنهم منازعون في الرسالة، فكيف يعتقدون مقاله، فإذا خرج عن كونه صدقاً لما ذكر، وعن كونه كذباً لأنه في مقابلته، فلم يبق حينئذ إلاَّ أنه قسم برأسه، فلا يكون صدقاً ولا كذباً، وبذلك تثبت الواسطة بين الطرفين المتضادين وهما الصدق والكذب.
والمذهب الجاحظي هذا قد ردَّه المفسرون واقتصروا في ردهم على إبطال دليله وذلك بأن المقصود: أم لم يفتر، لأن الافتراء أخص من الكذب، إذ هو الكذب عن عمد فحينئذ يكون القسمان مندرجين تحت الأعم وهو مطلق الكذب.
وهناك رد مختصر لطيف رد به الإِمام المازري (ت: ٥٣٦) علي الجاحظ استخرجه من قوله ﵊: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ" (١) قال ﵀: ودليل هذا الخطاب يرد عليهم لأنه يدل على أن ما لم يتعمد يقع عليه اسم الكذب".
وتحليل جوابه أنه ﵊ أفصح العرب أخبر أن الكاذب عليه إن تعمد الكذب فليتبوأ مقعده من النار، ومن كذب ولم يتعمد فحكمه غير حكم الكاذب المتعمد فهو قد أطلق اسم الكاذب على المتعمد وغيره، وهو إطلاق واضح لا يحتمل وجهاً آخر ولو مع التكلف، وإذا أخذنا هذا في جانب الكذب، فالصدق لا يخرج عنه، إذ أنهما من واد واحد.
فما ادعاه الجاحظ من أن الكذب لا يكون كذباً، وكذلك الصدق إلاَّ إذا طابق الكلام الواقع والاعتقاد، أو خالفهما، ليس بشيء حيث أطلق النبي ﷺ
стр. 317
اسم الكذب على الكلام المخالف للواقع وإن لم يطابق الاعتقاد، وبهذا يظهر أن لا مدخل لمطابقة الاعتقاد في إطلاق الكذب، إذ هذا يطلق على ما طابق الاعتقاد وما خالفه، وإنما المراعى مطابقة الواقع" (*).
والآن وبعد أن عرفنا آراء المذاهب في مفهوم الصدق والكذب، ما هو رأي ابن العربي في هذه المسألة؟.
يقول ﵀ في قانون التأويل (١): "إن العلم لا بد أن يقوم عنه في النفس خبر، وذلك الخبر هو الكلام، وهو من الله صدق لموافقته العلم، ويتصور أن يكون في العبد صدق، وهو ما وافق علمه، ويكون كذباً، وهو ما جاء بخلاف العلم، والكذب مستحيل على الله تعالى، لأن العبد له حالة علم وشك، وظن وجهل ووسواس، فكل معنى من هذه المعاني قام عنه خبر في نفسه، والصدق منها ما وافق العلم".
قلت: وقد اعتقدت في أول وهلة أن ابن العربي في هذا النص يوافق النظام في قوله بأن الصدق هو مطابقة الكلام للاعتقاد، والكذب هو عدم مطابقته، ولكنني بعد رجوعي إلى سراج المريدين وجدته يعرف الكذب بقوله: "هو الِإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به" (٢) وهذا التعريف -كما عرفنا- هو الذي اتفق عليه الأشاعرة قاطبة (٣).
وهنا رجعت إلى نص "قانون التأويل" متأملاً، فوجدته لا يخرج عن اعتقاد سلفه الأشاعرة، فمراد ابن العربي -والله أعلم- أن الصدق هو مطابقة الكلام الذي هو المعنى القائم بالنفس للعلم الذي هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، فيكون الصدق مطابقة الكلام لما عليه الواقع، وقد تأكد لي هذا اللهم بنص آخر في الموضوع وجدته بكتاب "الأمد الأقصى" يقول فيه:
стр. 318
" ... فإن جماعة ظنوا أن الكذب إنما يتحقق بأن نقول: إن الكلام عبارة عن المعنى القائم بالنفس، واللسان يعبر عنه فإذا وافق اللسان عقد الجنان، فذلك الصدق، وإذا خالفه فهو الكذب (١)، وليس الأمر كذلك، بل نقول وهو الغاية في البيان والتحقيق: إن الكلام هو المعنى القائم في النفس، والعلم يتعلق بالمعلوم على ما هو به، فإذا كان الكلام النفسي أو الاعتقادي أو اللفظي موافقاً للعلم فهو الصدق، وإن كان مخالفاً له فهو الكذب، وقد يكون الكذب بقصد وبغير قصد، والحقيقة فيه واحدة، وإنما تختلف في الأجر والوزر" (٢).
ونكتفي بهذا القدر والحمد لله رب العالمين.
أبو بكر بن العربي والباطن من علوم القرآن:
ابن العربي -كما يبدو لدارسه بشكل عام- من أكبر مفكري الإِسلام، ولعله أقربهم إلى الابتكار، فآراؤه في الزهد والتربية وحدها يمكن أن تعتبر تجديداً مهماً في وضع قواعد سلوكية للذين يريدون سلوك طريق المهتدين، مع ما نستشعره من وعورة وتشعب هذا الجانب من المعرفة التي طرق أبوابها.
والحق أن ابن العربي وفق إلى أبعد الحدود في صياغة نظرية سنية متكاملة في السلوك والتربية في كتابه "سراج المريدين" (٣) وأثبت خلالها أنه ذو مقدرة فائقة على دحض أفكار المتصوفة الغالين، مع إفادته منها في الوقت نفسه، وقد أثمرت طريقته هذه -بإذن الله- فأصبحت مؤلفاته في تاريخ الحركات الإصلاحية في المجتمع الإِسلامي ذات شأن وأهمية لا يمكن تجاهلها بأي حال من الأحوال.
وبهذا الوضوح في الرؤية والسلامة في المنهج ناقش ابن العربي
стр. 319
المتصوفة وأصحاب الإشارات على اختلاف مشاربهم وأحوالهم، فحدثنا -رحمة الله عليه- في كتاب "العواصم" عن مذهب الصوفية في قولهم بالإشارة فقال:
" ... نبغت (طائفة) يقال لهم أصحاب الِإشارات جاؤوا بالألفاظ الشريعة من بابها، وأقروها على نصابها (١)، لكنهم زعموا أن وراءها معاني غامضة خفية، وقعت الإشارة إليها من ظواهر هذه الألفاظ، فعبروا إليها بالفكر، واعتبروا منها في سبيل الذكر، وزاحمتهم من الطوائف ... زمرة (٢) لبست لبسهم، وتكلمت كلمتهم، ونحن نجمع بين الطائفتين بمكان (٣) ... ومتعلقهم في ذلك أن السلف ما زالوا يبطنون مثل هذا المعنى، ويجعلونه من باطن علم القرآن الذي قالوا فيه: إن للقرآن ظاهراً وباطناً وحداً ومطلعاً (٤) .. ولقد صحبت منهم كثيراً، وفاوضتهم طويلاً .. وطالبتهم بالأدلة، فتعلقوا بما قدمته من آثار السلف، ومنهم من قال: هذا مقصود الشريعة من تأديب الخلق وإصلاحهم بالتصريح تارة، وبالِإشارة أخرى فإن القرآن نزل بلغة العرب ... وما من كلام إلا وهو في لسان العرب يحتمل وجوهاً، ويدل على معان لا يدرك حقيقتها إلا الكامل بنور العلم، أو لا ترى ما ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس أنه قال: كُنْتُ أُقْرِىءُ رِجَالًا مِنَ المهاجرين منهم عبدُ الرحمن ابنُ عَوْف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها، إذْ رَجَعَ إِليّ عَبْدُ الرحمن فقال: لو رأيتَ رجلاً أتى أميرَ المؤمنين، فقال: هل لك يَا أمِيرَ المؤمنين في فلان يقول: لو قد مَاتَ عمرُ لَقَد بَايَعْتُ فلاناً، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فَلْتَة فتمت، فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العَشِيَّةَ في الناس، فَمُحَذِّرُهُمْ هؤلاء الذين يريدون أن
стр. 320
يغصبوهم أمورهم، قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وَغَوْغَاءَهُم، وإنهم هم الذين يغلبون على قُرْبكَ حين تَقُومُ في الناس، فأنا أخشى أن تقومَ فتقول مقالة يطيرها عنك كل مُطِيَرٍ، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فَتَخْلُصُ بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكناً فَيَعِي أهْلُ العلم مقالتَك ويضعوها على مواضعها (١).
قال القاضي أبو بكر بن العربي: فقد كان خوف سوء التأويل للقول، وحمله على غير وجهه، مخوفاً في الصدر الأول" (٢).
قلت: هذه الأدلة هي أهم ما استدل به أصحاب الإشارات من أصل القول بالمعاني الباطنة والإشارات الخفية، وقد ردّ ابن العربي على هذه الادعاءات بعد النظر فيها وتمحيصها فقال:
"فتلقفت جميع ذلك ووعيته، وأنا إلى أصل المأخذ ناظر، وعلى أعطافه بالتفكر مائل، والذي تحرر بعد تحرير الافتكار في سبيل النظر والاعتبار، أن الصريح عام في الدين، به جاء البرهان، وعليه دار البيان، فلا يجوز أن يعدل بلفظ صريح معناه إلى سواه، فإن ذلك تعطيل للبيان، وقلب له إلى الإشكال، فإذا تقرر الصريح في نصابه، فالإِشارة بعد ذلك إلى الأمثال والأشباه.
والتنبيه لوجه التشبيه أصل عظيم في العقل، وباب متسع في الدين وسبيل واضحة في الشريعة، فإن كانت في الأحكام فهو باب القياس، وإن كانت في التذكير والوعظ، فالعبرة مباحة، وإن كانت في التوحيد ولم يذكر في معرض المثل، فهي على حقيقتها لاحظ فيها لغير التنبيه بقدرة على قدرة وبتقديس على تقديس ... " (٣).
стр. 321
(أما) قولهم إن السلف كانوا يبطنون مثل هذا المعنى فغير مسلَّم، إنما كانوا يستدلون بالتنبيه العرفي، أو الذي يقتضيه اللفظ من جهة اللسان، فأما الاعتبار بالمعنى الباطن الذي يجري مجرى الرموز، فلم تفعله قط، ولا يوجد في أغراضها من طريق صحيحة.
وأما قولهم: إن هذا المقصود في الشريعة من التأديب والإِصلاح، فكلاً إنما أدبت وأصلحت الخلق بما أذنت به وصرحت، وما اقتضاه لسان المخاطبين.
وأما حديث عمر ﵁ فأصل صحيح، فإن الناس ما زالوا قديماً وحديثاً بأغراضهم الفاسدة، يقلبون القرآن، ويبدلون ما سمعوا من النبي ﷺ ، كما قال عنه: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: ٧٥]، وكانوا يقولون للنبي ﵇: ﴿رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] (١) وأنتم ممن يبدل كلام الله، ولا تتأولونه كما يجب، وتضعونه في غير موضعه" (٢).
قلت: وبهذه الردود الحاسمة يتضح لنا موقف ابن العربي من التفسير الإشاري، فهو يرفضه جملة وتفصيلًا، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل وفَّى ابن العربي بالتقيد بهذا المنهج السني في كل ما حرره من مباحث وتعليقات؟ أعتقد أنه وفَّى بهذا الالتزام في كتابه العواصم حيث أنه رد على الذين فسروا الحديث النبوي الذي يقول فيه النبي ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة" (٣)، بأن معناه مع الإقرار بمعناه الظاهري - تنبيه على تطهير القلوب عن الحسد والحقد وسائر الصفات الذميمة، وإن القلوب هي منازل الملائكة، فإذا طهرت المنازل الحسية عن أجسام الكلاب
стр. 322
الحسية فتنزيه القلوب عن صفات المكروه أولى (١).
قال ابن العربي في الرد على من اعتقدوا هذه الِإشارة:
" ... هذه قدحة خاطر، ولمحة ناظر لا يحتاج إليها، وأصلها إنما هو من القوم الذين قدمنا شأنهم في تعطيل الشرائع، وإن كل ما جاء منها وجرى في ألفاظها، ليس على ظاهره، وإنما هو كله مبني على التعبير عن باطن سواه، وغرض آخر غيره، فأراد هذا القائل أن يتوسط، فذكر ذلك على هذا الوجه، وهو معنى فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه يكاد يقطع بأن هذا لم يكن مقصوداً للنبي ﷺ .
الثاني: أنا قد وجدنا التصريح بتطهير القلوب عن هذه الصفات الذميمة كلها منصوصاً عليه، فما الذي يحوجنا إلى أن نأخذه على بعد من لفظ آخر بمعنى من الاعتبار يبعد أو يقرب.
هذا من الفن الذي لا يحتاج إليه، وإنما هو احتكاك بتلك الأغراض الفلسفية، وهي عن نهج الشريعة قصية، كادت بها الدين طائفة خبيثة" (٢).
قلت: أما في كتاب "معرفة قانون التأويل" فإنه رأى -ولا أدري ما الحكمة في ذلك- أن يفسر بعض الآيات بطريق الإشارة والاعتبار (٣)، مع الإقرار بالمعنى الظاهر، فهذا وإن رضيه بعض العلماء، فإنه مخالفة صريحة لمذهبه الذي اعتقده ونصره في أغلب كتبه.
ابن العربي ونقده للفلاسفة والصوفية في مسألة الكشف:
تمهيد:
قبل التعرض لنقد ابن العربي لأقوال الفلاسفة والصوفية في الكشف
стр. 323
ينبغي لنا تسطير تمهيد مختصر نعرض فيه لنشأة هذه النظرية المشؤومة وتطورها على يدي الفلاسفة الإِسلاميين!!
كان المسلمون في عهد النبوة يستقون عقائدهم من منبعين أساسيين: الكتاب والسنة، فقد نزل القرآن الكريم على النبي ﷺ فبلغ الرسول الكريم لأمته ما أنزل إليه، كما كانت جميع تعاليمه وأقواله صادرة عن الوحي: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٣ - ٥] وبعد الفتوحات الإِسلامية دخل الناس في دين الله أفواجاً، وغاظ هذا الفتح المبين بعض الطوائف والجماعات، فأخذوا يكيدون للِإسلام، ويوجهون له الطعنات وصوبوا سهامهم نحو النبوة، فطعنوا فيها وأنكروها، واستمدوا أسلحتهم من مصادر شتى، فكان أحمد بن إسحاق الراوندي (ت: ٢٩٨) من الأوائل الذين كتبوا عدة كتب في إبطال النبوة وإنكار الرسل، ثم جاء بعده محمد بن هارون الورّاق (عاش في القرن الثالث) إذ يذكر ابن الجوزي أن كلا من الوراق هذا وابن الراوندي يدعي أنه صنف "كتاب الزمرد" وهو كتاب في الطعن علي رسول الله وشتمه والطعن في القرآن (١).
ومن الشخصيات التي أثارت مشكلة النبوة بغرض التشكيك فيها أبو بكر محمد بن زكريا الرازي في كتابيه "مخاريق الأنبياء أو حيل المتنبئين "و"نقض الأديان" (٢).
ويحدثنا أبو حيان التوحيدي (ت: ٤٠٠) عن رجل معاصر له يدعى أبا إسحاق النصيبي كان يشك في النبوات كلها، ويذكر التوحيدي بعض الشخصيات البارزة في عصره التي أضلها أبو إسحاق (٣).
стр. 324
وأمام هذه المحاولات التي تستهدف التشكيك في صحة النبوة أو إنكارها وقف مفكرو الإِسلام على اختلاف مشاربهم يصدون هذه الحملات وصنفوا الكثير من الكتب في دلائل النبوة وإثباتها.
وحاول المشتغلون بالفلسفة أن يسهموا بدورهم في الرد على حملات الطعن في النبوة وذلك بأن يعرضوا تفسيراً عقلياً فلسفياً للوحي، ولقد كان الفارابي معاصراً لابن الراوندي والرازي معاً، ويروي المؤرخون أنه كتب ردّين على كل منهما، إلاَّ أن هذين الردين لم يصلا إلينا. ويعتبر الفارابي أول من طبع نظرية النبوة بطابع فلسفي، وفصّل القول فيها، وكان لنظريته هذه تأثير كبير في خلفائه من فلاسفة المتكلمين والصوفية، فالفيلسوف ابن سينا نضجت نظرية النبوة -من الناحية الفلسفية- على يديه فهو يرى أن للنبي ثلاث قوى:
الأولى: قوة قدسية، وهي متابعة لقوة العقل النظري، ويتمكن بها النبي من إدراك الحد الأوسط دفعة واحدة.
القوة الثانية: قوة خيالية، أو قوة المخيلة، أو التخيل والحس الباطن، بحيث يتمثل للنبي ما يعلمه في نفسه فيراه ويسمعه، فيرى في نفسه صوراً نورانية هي الملائكة، ويسمع أصواتاً هي كلام الله أو وحيه، وهذا كله من جنس ما يحصل للنائم في منامه، ومن جنس ما يحصل لبعض الذين يأخذون أنفسهم بالرياضيات الروحية، ومن جنس ما يحصل لبعض المجانين والذين يصابون بالصرع.
والقوة الثالثة: القوة النفسية التي يتمكن بها النبي من التأثير في مادة العالم، بحيث تحدث له الخوارق والمعجزات (١).
هذا هو تفسير ظاهرة النبوة عند الفلاسفة الذين ينتسبون إلى الإِسلام،
стр. 325
وقبل أن ننتقل إلى عرض آراء الغزالي -وهي التي عناها ابن العربي في ردّه على الصوفية بقانون التأويل- نودّ بيان حكم الإِسلام في هذه النظرية فنقول وبالله التوفيق:
لقد أخفق الفلاسفة في الدفاع عن النبوة بواسطة هذه النظرية وقد سئل عنها شيخ الإِسلام ابن تيمية، فخصص للإجابة عليها كتاب "الصفدية" (١) أعلن فيه أنها باطلة، وأن ما ورد فيها من كلام فهو كفر، ويذهب شيخ الإِسلام إلى أنه لا يجب أن يظن أن النبوة هي مجرد هذه الخصال الثلاث وأن من حصلت له فقد صار نبياً، ذلك أن كثيراً من آحاد المؤمنين تحصل له هذه الثلاث، بل وما هو أكمل منها، فتجعل له في نفسه قوة علمية، وتكون له في نفسه قوة عملية يكون بها مؤثراً، ويحصل له إحساس باطن، أو مخيلة قوية، فيرى ويسمع في باطنه، وهو مع ذلك كله من آحاد المؤمنين، فمن جعل هذا حد النبي ومنتهاه، كان مبطلًا جاحداً لحقيقة ما خص الله به أنبياءه (٢).
ولا يعني هذا أن ابن تيمية ينفي عن الأنبياء هذه الخصال الثلاث، ولكنه يرفض الاقتصار عليها وحدها، يقول ﵀:
"فنحن لا ننكر أن الله تعالى يخص النبي بقوة قدسية يعلم بها ما لا يعلم غيره، ولا ننكر أيضاً ما يمثله الله له إما في اليقظة وإما في المنام من الأمور الصادقة المطابقة للحقائق، ولا ننكر أيضاً أن الله قد يجعل في النفوس قوى يحصل بها تأثير في الوجود (٣)، ولكن دعوى المدعي أن معجزات نبينا أو غيره من الأنبياء هي من هذا الباب بهتان عظيم.
стр. 326
وتفصيل ذلك أن النفس قد يحصل لها نوع من الكشف (١) إما يقظة وإما مناماً بسبب قلة علاقتها مع البدن (٢)، وهذا هو الكشف النفساني، ولكن ثبت أيضاً بالدلائل العقلية مع الشرعية وجود الجن وأنها تخبر الناس بأخبار غائبة عنهم، كما للكهان والمصروعين وأهل العبادات الشيطانية من البراهمة وغيرهم، فهؤلاء جميعاً يسمع منهم من أنواع الكلام واللغة الغريبة وما يعلم أن المتكلم على لسان غيره، لا أن هذا الكلام صدر عن مجرد نفسه، وإذا كان هذا بما شوهد في النفوس الخبيثة، وأن كثيراً من إخباراتها تصدر عن أرواح شيطانية، فلأن يكون إخبار الأنبياء عن إخبار أرواح الملائكة بطريق أولى.
وإذا كان الوحي كما يزعم الفلاسفة تخيلاً في نفس النبي وليس له وجود في الخارج، فحينئذ يكون النبي من آحاد المسلمين، بل رجل من أضعف الصالحين، والتخيل يحصل لجميع الناس الذين يرون المنامات، ولكن ابن سينا يزعم أن النبي يرى في اليقظة ما يراه غيره في المنام، وهذا موجود عند كثير من الناس، وهم جعلوا مثل هذا يحصل للمجنون والمصروع والساحر، ولكن قالوا إن الساحر قصده فاسد، والمجنون والمصروع ناقص العقل، فجعلوا ما يحصل للأنبياء من جنس ما يحصل للمجانين والسحرة، وهذا قول الكفار في الأنبياء؛ كما قال تعالى:
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣].
стр. 327
أما قول الفلاسفة بأن المعجزات ترجع إلى تأثير قوى النفس: يعني أن النفس تكون مدركة لهذا التأثير وشاعرة به أو مريدة له، فمن المعلوم أن تأثير النفوس مشروط بإرادة هذه النفوس وشعورها ولكن خوارق العادات التي للأنبياء منها ما لا يكون النبي شاعراً بها، ومنها ما لا يكون مريداً لها، فلا يكون ذلك من فعل نفسه، بل ومنها ما يكون قبل وجوده، ومنها ما يكون بعد موته، مثال ذلك قصة أصحاب الفيل (١) الذين أرسل عليهم طيراً أبابيل، وكان ذلك كرامة للنبي، وكان عام الفيل عام مولده ﷺ (٢)، وقد حدثت هذه الكرامة قبل مولده بنحو خمسين ليلة، فلم تكن له قوة نفسانية يؤثر بها، ولا شعور بما جرى، ولا إرادة له في ذلك، وكذلك كان بقاء الكعبة ألوف السنين بعد موت من بناها كرامة لإبراهيم ﵇ (٣).
نكتفي بهذا القدر من معرفة رأي الفلاسفة في موضوع الكشف والنبوة، ونعود إلى الموضوع الذي أثاره ابن العربي في "قانون التأويل" (٤) وهو تأثر زمرة من الصوفية بآراء الفلاسفة.
فقد كثر جدل المتصوفة في موضوع علاقة القلب بالجسد، وابن العربي إذ يتعرض للآراء الإشراقية بالنقد والتزييف، إنما يقصد بالدرجة الأولى شيخه الإِمام الغزالي الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لمدرسة كبرى في التصوف الفلسفي أثرت في مسيرة الفكر الإِسلامي منذ القرن السادس إلى يومنا هذا، وذلك أن انصراف الإِمام الغزالي إلى دراسة الفلسفة والتبحر في مباحثها الشائكة إلى جانب رياضاته ومجاهداته الصوفية قد أثرا في كتاباته، فلم يسلم من التأثر المباشر وغير المباشر، وقد بدا واضحاً في "المنقذ من الضلال"
стр. 328
و "إحياء علوم الدين" جمعه بين التصوف والكلام، بل تعلقه الشديد بمنهج الرياضة والاستشراق، وطرحه لمنهج النظر والكلام. ودعا المتكلمين والفقهاء جميعاً إلي أن يسلموا لسلطان التصوف وأن يجعلوه الحقيقة العليا المطلوبة من المعارف الدينية، وأن يجعلوه الروح التي تجري في كلام المتكلم، وفي فقه الفقيه الذي إن لم يصحبه تصوف فما هو إلا زندقة.
ولقد تمسك الغزالي في هذا المجال بما تبرأ منه القشيري، ذلك أن القشيري تبرأ من أن يكون للصوفية نظريات خاصة بهم تختلف مع نظريات المتكلمين، واجتهادات تختلف عن اجتهادات الفقهاء، وبين أن الصوفية يسلمون للمتكلمين جميع ما قرروه من تكاليف الشريعة، ولكنهم يبحثون عقد شيء واحد هو طريق الوصول إلى تلك الغايات التي هي مطلوب المتكلمين ومطلوب الفقهاء (١).
فالتصوف حينئذ على طريقة القشيري منهج نظري لا يصطدم مع نظرية من النظريات التي هي قوام علم الكلام، إلاَّ أن الغزالي جاء يتمسك بذلك الذي تبرأ منه القشيري قبله فيدعي أن للصوفية نظريات، وأهمها نظريتهم في المعرفة التي تختلف تمام الاختلاف عن نظرية المتكلمين، وإن المتكلمين إذا كانوا يرون أن ملاك تحسين الحق إنما هو النظر العقلي فإن الغزالي مع الصوفية جميعاً يرون أن من المعارف ما لا طريق لإدراكه إلاَّ بالكشف الإشراقي الذي يأتي من الكمال الروحاني الذي هو نتيجة الرياضة والتجرد، وإن ذلك الأمر مرجوع فيه إلى التجربة، وليس مرجوعاً فيه إلى برهان آخر، وعلى ذلك بنى بحثه في نظرية المعرفة في "المنقذ من الضلال" (٢) حيث يذكر في هذا الكتاب أن المكاشفات والمشاهدات تحدث للصوفية في أول طريق التصوف حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء،
стр. 329
ويسمعون منهم أصواتاً، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق (١).
ثم يقرر الغزالي أن من لم يرزق من طريق التصوف شيئاً بالذوق، فلا يمكنه أن يدرك من حقيقة النبوة إلاَّ الاسم، وإن كرامات الأولياء على التحقيق- هي بدايات الأنبياء (٢).
وعين هذا الكلام هو الذي حرره عنه تلميذه القاضي ابن العربي الذي قال في كتابه "العواصم من القواصم":
"ولقد فاوضت فيها أبا حامد الغزالي حين لقائي له بمدينة السلام في جمادى الآخرة سنة تسعين وأربعمئة، وقد كان راض نفسه بالطريقة الصوفية (٣) من سنة ست وثمانين إلى ذلك الوقت نحواً من خمسة أعوام، وتجرد لها، واصطحب مع العزلة، ونبذ كلّ فرقة ... فقرأت عليه جملة من كتبه، وسمعت كتابه الذي سماه بالِإحياء لعلوم الدين، فسألته سؤال المسترشد عن عقيدته، المستكشف عن طريقته، لأقف من سر تلك الرموز التي أومأ إليها في كتبه ... فقال لي من لفظه، وكتبه لي بخطه: إن القلب إذا تطهر عن علاقة البدن المحسوس، وتجرد للمعقول انكشفت له الحقائق، وهذه أمور لا تدرك إلاَّ بالتجربة لها عند أربابها، بالكون معهم، والصحبة لهم، ويرشد إليه طريق من النظر وهو أن القلب جوهر صقيل، مستعد لتجلي المعلومات فيه،
стр. 330
عند مقابلتها عرياً عن الحجب كالمرآة في ترائي المحسوسات عند زوال الحجب من صدء لائط، أو ستر من ثوب أو حائط، لكنه بتراكم الآفات عليه، يصدأ حتى لا يتجلى فيه شيء، أو يتجلى معلوم دون معلوم بحسب مواراة الحجاب له، من ازورار أو كثافة أو شفف، فيتخيل فيها مخيلة غير متجلية، كأنه ينظر من وراء شف، ألا ترى إلى النائم إذا أفلت قلبه من يد الحواس وانفك من أسرها، كيف تتجلى له الحقائق تارة بعينها وأخرى بمثالها.
قال لي: وقد تقوى النفس، ويصفو القلب حتى يؤثر في العوالم، فإن للنفس قوة تأثيرية موجدة، ولكن -كما قلنا- ما يتوارد عليها من شعوب البدن وعلائق الشهوات، يحول بينها وبين تأثيرها. حتى لا يبقى لها تأثير إلاَّ في محلها وهو البدن خاصة ... وقد تزيد قوتها بصفائها واستعدادها، فتعتقد إنزال الغيث، وإنبات النبات، ونحو ذلك من معجزات خارقات، فإذا نطقت به كان على نحوه، وهذه نفوس الأنبياء، وهي الآيات التي تأيّدت بها أحوالهم" (١).
قلت: وهذا الكلام الخطير من الِإمام الغزالي هو الذي جعل ابن العربي -على ما بينه وبين الغزالي من مودّة صادقة- يناقض هذه النظرية في "قانون التأويل" وينتقدها بعنف في "العواصم من القواصم" وهذا المعنى من محاولة إحداث نظرية منهجية للصوفية تختلف عن نظرية المتكلمين والأصوليين والفقهاء، هو الذي فرق بين الغزالي وبين جمهرة إخوانه في عصره من المتكلمين والفقهاء وحتى من الصوفية، فإن بعض الصوفية وإن كانوا قائلين بالكشف إلاَّ أنهم ملتزمون بأن الكشف الذي يقولون به لا يمكن أن يأتي بشيء فيما اختص به الشارع بالتوقيف، وعلى هذا بنيت الأصول التي استقر عليها جماعة من الصوفية (٢) قبل الغزالي وبعده مثل الشيخ عبد القادر
стр. 331
الجيلاني (ت: ٥٦٢) وأتباعه، وأصحاب أبي مدين التلمساني وأشهرهم الإِمام أبو الحسن الشاذلي (ت: ٦٥٦) فمحاولة الغزالي إحداث تلك النظرية المناكبة للكتاب والسنة هي التي أثارت عليه بالخصوص ضجة الأصوليين والمحدثين، والتي جعلته هدفاً لردود الفقهاء من معاصريه وبخاصة من المالكية المغاربة مثل الِإمام الطرطوشي والإمام المازري وتلميذه وصديقه أبي بكر بن العربي (١).
وقد تكفل هذا الأخير بالرد عليه بالتفصيل في "العواصم من القواصم" (٢) كما رد عليه بصورة إجمالية في "قانون التأويل" (٣)، فناقش قولهم (٤) "إن القلب مستعد بذاته لتعلم المعلومات" فبين أن هذا خطأ بحت ودعوى عريضة لا برهان عليها من العقل، ولا من جهة السمع (٥)، ولا يصح أن يكون شيء يعلم بذاته وإنما القلب موجود خلقه الله، ويخلق فيه على
стр. 332
الترتيب والتدريج ما شاء (١)، فالباري تعالى يخلق في القلوب إدراك العلوم ابتداء، ويركبه، فيجري التدبير فيها والتقدير (٢).
أما تجرد النفس أو القلب من علائق المحسوسات كي يترقى إلى المعقولات فتتجلى فيه المعلومات على حقائقها، فقد أنكره ابن العربي أشد الإنكار، وأجاب على هذا الرأي متهكماً: عسى أن يكون ذلك إذا مات!!، واستدل بقول النبي ﷺ :
"إنهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأسْتَغْفِرُ الله كَذَا مَرَّة" (٣).
فهذا رسول الله ﷺ وأفضل الأمة على الإطلاق كان يغان على قلبه فيستغفر الله، فكيف يصح أن يدعي عاقل فكيف عالم قلباً لا يدركه غين، ولا تتطرق إليه غفلة، حتى يترقى إلى حالة الفناء، وقد حف بالنبي ﷺ الأزواج وخالطهن بالوطء، فكيف يدعي أحد قطع علائق ربطها الله قبل، ولم يأذن بحلها، وكان النبي ﷺ يشدها، ويحث على النكاح وعلى انتقاء الأبكار لا على انتفاء الأفكار (٤).
أما قول الغزالي: "إن هذا الكشف ينال بالتجربة معهم والصحبة لهم" فقد رد عليه ابن العربي بأن التعرض للتجربة إنما يكون في الممكن، فيحك في مدق التجربة، فأما الذي لم يثبت بدليل، ولا سبقت به عادة فكيف يتعرض له بتجربة، والصحابة لم يسلكوا طريقه ولا نظروا تحقيقه، بل الوارد
стр. 333
عنهم ما رواه الِإمام مسلم عن حنظلة الأُسَيدِيَ قَالَ: لَقِيَنِي أبُو بَكْر فَقَالَ: كَيْفَ أنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ قَلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ. قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! ما تَقُولُ: قال: قلتِ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ يُذَكَرُنَا بالنارِ وَالجَنَةِ حَتَّى كَأنا رَأْيَ عَيْن (١)، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ الله ﷺ عَافَسْنَا الأزْوَاجَ وَالأوْلَادَ والضَيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيراً. قَالَ أبُو بَكْر: فَوَاللهِ إِنا لَنَلْقَى مِثْلِ هَذَا. فَانْطَلَقْتُ أنَا وَأبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قلت: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكرُنَا بالنارِ وَالجَنةِ حَتى كَأنَا رَأْيُ عَيْن (٢)، فَإذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدكَ عَافَسْنَا الأزْوَاجَ وَالأوْلَادَ وَالضيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيراً فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالذي نَفْسِي بيَدِهِ إنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِيٍ الذكْر لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعة". ثَلَاثَ مَراتٍ (٣).
قال أبو بكر بن العربي: فتفطن الصحابة لتغير القلب عند مفارقة النبي ﷺ عن الحالة التي يكون معه عليها، وسألوا النبي ﷺ عن ذلك فأخبرهم أن تلك الحالة لو دامت لصافحتم الملائكة معاينة، وذلك ممنوع من الله للخلق، فما يفضي إليه ممنوع، وإلا فلم لم يحضهم عليه، وهل كان فوق منزلة الخلفاء منزلة يرتقي إليها وما كلمهم ملك ولا صافحهم (٤).
أما استدلالهم بالمرآة (٥) فيرى ابن العربي أنه لا يصح التمثيل بها في هذا المجال لأنهم بنوا رأيهم على أن الإدراك في المرآة إنما يكون بانعكاس الأشعة على زوايا في مرايا، في حين أن الماء الصقيل إذا نظرت إليه رأيت نفسك معكوساً فيه وأنت مستقيم عليه، فإذا كان الِإدراك في الصقيل لا يكون
стр. 334
إلاَّ بانعكاس الشعاع فهذا أيضاً انعكاس في انعكاس، فكيف التقيا على خط وانحرفا في زاوية؟ (١).
أما قول الغزالي بقوة النفس التأثيرية الموجدة، فقد تعجب ابن العربي من هذا القول فقال:
"سبحان الله! لقد (٢) أخذنا عنك في كل كتاب، وقيدنا على كل باب أن الله منفرد بالِإيجاد، متوحد بالاستبداد وأن ما سواه لا ينسب إليه فعل ولا يناط به حادث (٣) .. فالآن ترد التأثير إلى النفس، هيهات، ... فإن قلت أن النفس تؤثر ذلك عند تعلق القصد منها إليه، قلنا هذا فاسد من ثلاثة أوجه:
الأول: أن هذا مما يجب أن يثبت أولاً مشاهدة أو بخبر صدق يوجب العلم، وحينئذ تنسبه إلى الله إيجاداً بالقدرة الأزلية في الأصل، وتجعل النفس وما تعلقت به محلاً لمجاري مخلوقات الله.
الثاني: إنه وإن انكشفت له المعلومات، واتضحت له المعقولات واستبصر بالحقائق والكائنات، فليس في قوة القلب تأثير في الإِيجاد. وإنما غايته الِإدراك والكشف، فأما تعديه إلى الِإيجاد فلا يصح بحال.
الثالث: إن قلت وجدناه بالتجربة فهذا عمر قد قال: يا سارية الجبل (٤) ... قلنا: هذا الآن قول في كرامة الأولياء، وهي أصل الدين وعمدة من عمد المسلمين، لا ينكرها إلاَّ جاهل. اتفق عليها العلماء (٥)، واختلفوا
стр. 335
هل هي خرق عادة، أو إجابة دعوة، ونحن الآن لا نخوض في النظر فيها، فإنها تجوز بخرق العادة (١) على شروطها التي بيناها في أمالينا، ولكنها إذا جرت لا تجري بتأثير نفس، وإنما يسأل العبد الصالح ربه فيجيب دعاءه في مطلبه، ويكشف له بالمعرفة عن خفايا جهله، وهذا من الجائز القليل الوقوع، لكن الناس قد أكثروا فيه الرواية، وادعت طوائف كثيرة هذه المنزلة، فأحدث الإكثار من ذلك إنكاراً واستبعاداً في نفوس أكثر الخلق" (٢).
ويختم ابن العربي ردوده على الغزالي بذكر خاصية النبوة فيقول:
"والذي قيدت عنه (أي عن الِإمام الغزالي) وعن غيره قبله سماعاً ورواية، أن النبوة ليست بصفة ذاتية للنبي، وإنما هي عبارة عن قول الله تعالى: بلغ إلى خلقي كلامي، وهذا مما لا يصل إليه أحد بعمل، ولو كان أوفى من عمل الملائكة والآدميين، وإنما يأتي موهبة من الله، وهذه الموهبة -التي ليست لأحد فيها حيلة- دليل من الله، وهي خرق العوائد وتأثيرات في العالم، من فعل الله، تشهد بصدق الرسول .. فلا تكون من فعل أحد غير الفاعل المطلق بالحقيقة (وهو الله) " (٣).
ثم يوجه نقداً لاذعاً للغزالي بقوله:
"وبعد النظر الطويل الذي هذه إشارته، خرجت عن هذه الغمرة التي أوجبها استرسال مثله في هذه الألفاظ القلقة التي لا يصح أن يكون فيها إذن لأحد أن يذهبها، فضلاً عن أن يحققها ويسطرها، وهي أخلاط غالبة على الفؤاد، ومعاني حائدة عن سنن السداد" (٤).
قلت: والذي عليه جمهور سلف الأمة وأئمتها أن الله يصطفي من
стр. 336
الملائكة رسلاً ومن الناس، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فالنبي يختص بصفات ميزه الله بها على غيره في عقله ودينه، واستعد بها لأن يخصه الله بفضله ورحمته كما قال تعالى:
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٢].
وقال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥].
وقال تعالى: ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. [الأنعام: ٨٤ - ٨٥ - ٨٦ - ٨٧].
والأنبياء هم أفضل الخلق باتفاق المسلمين وهم أصحاب الدرجات العلى في الآخرة، ولا عبرة بأقوال الفلاسفة والصوفية المتأثرين بأقوال اليهود والنصارى في قولهم بالإلهام والكشف.
وبعد أن انتهى ابن العربي من ذكر بيان أن العلم قبل العمل، شرع في ذكر علم الأنبياء ﵈ (١)، فتطرق إلى حقيقة الأمثال وحكمتها، وذكر أنموذجاً لذلك، وفي هذا الفصل بالذات أرشد طلاب العلم إلى وجوب تأويل
стр. 337
الصفات الخبرية (١) وهذا منهج خاطئ في فهم صفات رب العالمين، ولكي نتبين الصواب لا بد من معرفة موقف السلف الصالح من هذا الموضوع فنقول مستعينين بالله:
موقف المسلم من الصفات الخبرية:
يقصد بالصفات الخبرية أو السمعية عند المتكلمين ما كان الدليل على ثبوتها لله تعالى الخبر من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ وتنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات الفعلية الاختيارية وهي الأمور المتعلقة بمشيئته تعالى وإرادته، يفعلها متى شاء وكيف شاء، وذلك مثل النزول والاستواء والقبض والإتيان والمجيء والمحبة والرضا والغضب والضحك والفرح والمقت وغيرها، منها ما وصف الله سبحانه بها نفسه في كتابه العزيز، ومنها ما وصفه بها رسوله ﷺ في السنة الشريفة، وهذا القسم من الصفات يقال له قديم النوع، فلم يزل الله فعالاً لما يريد، حادثة الآحاد، عند المثبتين (٢).
القسم الثاني: وهو الصفات الذاتية اللازمة للذات كالوجه واليدين والرجل والساق والأصبع واليمين.
وقبل أن نبين حكم الله فيما يجب على المسلم أن يعتقده في هذا الباب، لا بد لنا من أن نعرف -بإيجاز شديد- آراء الفرق في هذه الصفات:
رأي المشبهة:
والمشبهة (٣) يسمون بأسماء مختلفة ومنها: الهشامية والكَرَّامية والحشوية
стр. 338
وكلهم مجمعون على تشبيه الخالق بالمخلوق، فجوزوا عليه الجسمية فقالوا: إنه جثة على صورة إنسان وأنه من دم ولحم، وله أعضاء من يد ورجل ورأس وساق، وجوزوا عليه الانتقال والمصافحة، وإن المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة ويروى عن داود الجورابي المشبه أنه كان يقول: "اعفوني عن الفرج واللحية واسالوني عما بدا لكم" -تعالى الله عن ذلك.
وهذه الخزعبلات فيها من التنفير وسوء المقالة وقلة الأدب ما يمنع الباحث من الاسترسال معهم سواء بعرض آرائهم أو الردّ عليهم فمذهبهم ساقط لا يقول به عاقل.
رأي الفلاسفة:
أجمع فلاسفة الإِسلام (والإِسلام منهم براء) أمثال ابن سينا والفارابي وابن رشد وغيرهم على نفي الصفات الإلهية نفياً تاماً؛ لأن إثباتها في نظرهم يوجب التعدد ويدخل الكثرة في الذات الِإلهية (١). وهكذا جعلوا الإله فكرة مجردة لا مضمون لها.
رأي المعتزلة:
يذهب المعتزلة إلى نفي الصفات الإلهية بعامة وإلى نفي الصفات الخبرية بخاصة، وتأويل الآيات والأخبار التي وردت في هذا الموضوع؛ لأن إثباتها في نظرهم يؤدي إلى جسمية الله تعالى، فهم يؤولون قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] بقولهم إن الاستواء هو
стр. 339
الاستيلاء والاقتدار (١)، كما يؤولون الوجه بالذات (٢) واليد بالقدرة إلى غير ذلك من هذه التأويلات الباطلة (٣).
فنقول للمعتزلة: لا فرق بين إثبات الأسماء وإثبات الصفات، فإنكم إن قلتم: إنه إثبات الحياة والقدرة والغضب والنزول يقتضي التشبيه أو التجسيم لأنا لم نجد متصفاً بالصفات إلاَّ وهو جسم. قلنا: وكذلك في الأسماء إذ لا نجد ما هو مسمى بحي وعليم وقدير إلاَّ ما هو جسم فانفوا أسماء الله، فإن قالوا: هذه الأسماء تليق بكماله وجلاله، قلنا: وكذلك الصفات.
ثم نقول لهم إنكم تؤولون الصفات بقصد التنزيه ونفي التشبيه، ولكن السؤال المطروح هو: عن أي شيء تنزهونه؟ هل تنزهونه عن النقائص أو عن الكمالات؟ فستقولون ننزهه عن النقائص، فهل تعتبرون وصفه بما وصف به نفسه، وما وصف به رسوله ﷺ من النقائص؟ في رأينا أن مذهب المعتزلة في الصفات الخبرية مذهب متهافت لا حجة معه.
رأي الأشاعرة:
من المعروف أن الأشاعرة يثبتون بعض الصفات لله تعالى كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والِإرادة (٤)، ويجعلونها صفات حقيقية ثم ينازعون في الصفات الخبرية فيأولونها أو يفوضون معناها إلى الله .
ويذهب أبو بكر بن العربي مع الأشاعرة (٥) قولًا واحداً في وجوب
стр. 340
التأويل، بل ونراه يحض على التأويل بحماس شديد في كتابه "قانون التأويل" إذ قال فيه في معرض كلامه عن الألفاظ الموهمة للتشبيه في نظره: "وأبطل المستحيل عقلاً بأدلة العقل، والممتنع لغة بأدلة اللغة، والممتنع شرعاً بأدلة الشرع، وأبق الجائز من ذلك كله بأدلته المذكورة، ورجح بين الجائزات من ذلك كله إن لم يمكن اجتماعها في التأويل، ولا تخرج في ذلك عن منهاج العلماء، فقد اهتدى من افتدى، ولن يأتي أحد بأحسن بما أتى به من سبق أبداً" (١).
قلت: ويا ليت ابن العربي ﵀ وعفى الله عنا وعنه- دلنا على التقيد بمنهاج علماء السلف الذين يثبتون هذه المتشابهات -في نظره- بدون تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، ولكنه -عفى الله عنا وعنه- أبى إلاَّ أن يتبع منهاج الخلف الذي لا يثبت أمام أدلة وبراهين أئمة السلف. وقد يطول بنا المقام لو رحنا نستقصي أدلة وحجج أهل السنة والحديث في إبطال تأويل الصفات الخبرية، ولكنني سأحاول أن ألخص بعض الردود اللطيفة التي
стр. 341
احتج بها أصحاب الاتجاه السلفي. ثم أذيل هذا المبحث بالروايات التي أثرت عن الأئمة الكبار من أهل السنة والجماعة لأن الإتيان بكلامهم أشفى للغليل وأبلغ إلى الغاية وأظفر بالمراد بإذن الله .
الرد على مؤولة الصفات الخبرية:
١ - إن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر فما دام الأشاعرة قد أثبتوا لله الحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر والكلام والإرادة وجعلوها صفات حقيقية، ثم نازعوا في محبة الله ورضاه وغضبه وكراهيته وجعلوا ذلك مجازاً، فيقال لهم: لا فرق بين ما أثبتموه وما نفيتموه، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن كنتم تقولون حياته وعلمه .. كحياة المخلوقين وعلمهم، فيلزمكم أن تقولوا في رضاه ومحبته كذلك، وإن قلتم له حياة وقدرة ... تليق به ولا تشبه حياة المخلوقين وقدرتهم، فيلزمكم أن تقولوا في رضاه ومحبته كذلك.
٢ - إن ذهاب المتكلمين إلى تأويل الصفات الخبرية يدل على أنهم وقعوا في التشبيه أولاً، حيث لم يفهموا من آيات الصفات إلا ما يليق بالمخلوق المحدث، ولم يفهموا منها صفة تليق بذاته المقدسة، ثم عطلوا -ثانياً- بنفيهم ما وصف الله به نفسه لظنهم أن ذلك من صفات المحْدَثِين ثم تأولوا آيات الصفات على مذهبهم في النفي، ثم وقعوا بعد ذلك فيما فروا منه، حيث وصفوه بالسلب والنفي، فشبهوه بالمعدومات التي لا وجود لها خارج الأذهان، وظنوا أن ذلك أكمل وأبلغ في التنزيه من وصفه بما وصف به نفسه.
٣ - كما قرر السلف أن الرب سبحانه مستحق للكمال المطلق (١) كما
стр. 342
أخبرت بذلك رسل الله صلوات الله عليهم أجمعين، فكل ما اتصف به المخلوق من كمال فالله أولى به، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، والكمال الذي استفاده المخلوق إنما استفاده من خالقه، لذلك فالله أولى أن يوصف به.
يقول شيخ الإِسلام في ذلك: " ... إن كل كمال ثبت للممكن أو المحدث لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وهو ما كان كمالًا للموجود غير مستلزم للعدم، فالواجب القديم أولى به، وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه للمخلوق المعلول المدبر، فإنما استفاده من خالقه ومدبره، فهو أحق به".
أقوال أئمة الإِسلام في الصفات الخبرية:
لقد آثرت الإتيان بجل ما ظفرت به من أقوال أهل العلم المتفق على إمامتهم وعلو منزلتهم في العلم والدين، فالله ﵎ علم إخلاصهم له ولرسوله صلوات الله عليه، فأضفى على كلامهم إشراقاً وبهاءً وزينة بالقبول والنفع، فدعوا إلى الرشاد، ودلوا على النهج، وفتحوا باب اليمن والبركة.
قول أبي عبد الله محمد بن أبي زمتين (ت: ٣٣٩):
قال ﵀ في كتابه "أصول السنة" باب "في الإيمان بصفات الله وأسمائه": (١)، واعلم أن أهل العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورسله يرون الجهل بما لم يخبر به ﵎ عن نفسه علماً، والعجز عن ما لم يدع إليه إيماناً، وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه وعلى لسان نبيه، وقد قال وهو أصدق القائلين: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] .. وقال: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
стр. 343
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِيِنِه﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] ... وقَالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] ومثل هذا في القرآن كثير: فهو ﵎ نور السماوات والأرض كما أخبر عن نفسه، وله وجه ونفس وغير ذلك كما وصف به نفسه، ويسمع ويرى ويتكلم، الأول ولا شيء قبله والآخر الباقي إلى غير نهاية، لا شيء بعده، والظاهر العالي فوق كل شيء ... وهو بكل شيء عليم (١)، قيوم حي لا تأخذه سنة ولا نوم" (٢).
قلت: وبعد هذه المقدمة يسوق المؤلف ﵀ الأحاديث الدالة على إثبات الصفات ثم يختمها بقوله:
"فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها نبيه ﷺ ، وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] لم تره العيون فتحده كيف هو كينونته (كذا)؟ لكن رأته القلوب في حقائق الإيمان به" (٣).
قول الحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣):
قال ﵀ في رسالته "الصفات": " ... وأما الكلام في الصفات فإن ما روي منها في السنن الصحاح، فمذهب السلف ﵃ إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، والأصل في هذا أن
стр. 344
الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ونحتذي في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلوماً أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا: يد وسمع وبصر، فإنما هو إثبات صفات أثبتها الله تعالى لنفسه، ولا نقول: أن معنى اليد القدرة، ولا أن معنى السمع والبصر، العلم. ولا نقول: إنها جوارح وأدوات للفعل، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار، التي هي أدوات وجوارح للفعل. ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]. (١)
قول الإِمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي (ت: ٤٦٣): قال ﵀ في كتابه "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد": "أهل السنّة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلاَّ أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة والحمد لله" (٢).
стр. 345
قول الإِمام أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (ت: ٤٧٨):
قال ﵀ في "العقيدة النظامية": "قد اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنّة. وامتنع على أهل الحق فحواها وإجراؤها على موجب ما تبرزه أفهام أرباب اللسان منها، فرأى بعضهم تأويلها والتزام هذا المنهج في آي الكتاب، وفيما صح من سنن النبي ﷺ ، وذهبت أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها.
وتفويض معانيها إلى الرب سبحانه، والذي نرتضيه رأياً، وندين الله به عقداً: اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع، والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب النبي ﷺ على ترك التعرض لمعانيها، ودرك ما فيها، وهم صفوة الإِسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الآي والظواهر (سائغاً) أو محتوماً، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإِضراب عن التأويل، وكان ذلك قاطعاً بأنه الوجه المتبع بحق فعلى ذي الدين أن يعتقد تنزيه الرب عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تعالى ... ومما استحسن من إمام دار الهجرة مالك بن أنس أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
فقال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عنه بدعة (١). فلتجر آية الاستواء والمجيء وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وما صح من أخبار الرسول ﷺ النزول وغيره على ما ذكرنا فهذا بيان ما يجب لله تعالى" (٢).
стр. 346
قلت: ولا شك أن من تمعن في كلام إمام المتكلمين أبي المعالي الجويني وفهمه فهماً بليغاً، ووعاه وعياً تاماً، بأن له الرشد في جملته وتفصيله لكون الإِمام ﵀ قد توخى الحق في تضاعيفه، والصدق في إيضاحه وإثباته.
وأنا لا أوافق الشيخ الكوثري الذي فهم من هذا النص أنه يدعو إلى التفويض حيث قال: "وقد فرح بعض الحشوية في غير مفرح ظناً منهم أنه مال إليهم في آخر أمره، وأنّى ذلك؟ وقد صرّح في فصول الكتاب بتنزيه الله قطعاً من الحوادث وصفات المحدثين" (١).
قلت: وهذه مغالطة من الشيخ الكوثري -غفر الله لنا وله- فمن قال بأن السلف وأهل الحديث -والذي ينبزهم بالحشوية ظلماً وبهتاناً- لا ينزهون الله عن الحوادث وصفات المحدثين، وهذه كتبهم تشهد لهم بالتنزيه ونقد المجسمة وأهل التشبيه، فإطلاق الأحكام على سلف هذه الأمة بدون ضابط ولا قيد لا يليق بالعلماء فضلاً عن كرامهم.
والذي ذهبنا إليه في تأويل كلام الجويني هو الصحيح، بدليل أن الإِمام الذهبي اعتبره من المثبتين للصفات بعامة ولصفة العلو بخاصة، وذلك في كتابه "العلو للعلي الغفار" صفحة: ٢٧٤ - ٢٧٥ (٢).
ونختم هذا المبحث المفيد -إن شاء الله- بما قاله شيخ الإِسلام ﵁ في تنزيه الله ، فهو الردّ المفحم لكل من تسوّل له نفسه أن يتهم سلف هذه الأمة بالميل إلى التشبيه لكونهم وصفوا الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ .
يقول ﵀: " .. كما يجب تنزيه الرب عن كل نقص وعيب،
стр. 347
يجب تنزيهه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفات الكمال الثابتة له .. فالنقائص جنسها منفي عن الله تعالى، وكل ما اختص به المخلوق فهو من النقائص التي يجب تنزيه الرب عنها، بخلاف ما يوصف به الرب، ويوصف به العبد بما يليق به مثل العلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك، فإن هذه ليست نقائص، بل ما يثبت للعبد من هذه المعاني فإنه يثبت لله على وجه لا يقاربه فيه أحد من المخلوقات، فضلاً عن أن يماثله فيه ... " (١).
ويقول في موضع آخر: " ... فمن المعلوم أن ما يتصف به الرب سبحانه من صفات الكمال مباين لصفات خلقه أعظم من مباينة مخلوق لمخلوق ... " (٢).
قلت: ويفهم من هذا الكلام المصفى أن أئمة السلف كانوا يعتقدون أن الله لما كان لا يشبه المخلوقات لا في ذاته ولا في صفاته بأي وجه من وجوه المشابهة ولما وجب أن يتصف سبحانه بكل صفات الكمال، وأن ينزه عن كل صفات العيب والنقص، فإنه يجب إثبات كل الصفات الواردة في الكتاب والسنة لله تعالى بدون تشبيه، أي إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل. وقالوا: لا بدّ من إجراء الصفات على ظاهرها وحملها على الحقيقة لا المجاز مخالفين في ذلك أئمة التعطيل والتأويل من الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم.
يقول شيخ الإِسلام: "ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، يثبتون لله ما أثبته من الصفات وينفون عنه مشابهة المخلوقات، يثبتون له صفات الكمال، وينفون عنه ضروب الأمثال وينزهونه عن النقص والتعطيل، وعن التشبيه والتمثيل، إثبات بلا تعطيل. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ
стр. 348
شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]: رد على الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]: رد على المعطلة، ومن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق فهو المشبه المبطل المذموم" (١).
أبو بكر بن العربي ورده على الفلاسفة في بعض الجزئيات:
تعرض ابن العربي ﵀ في فصل "ذكر بيان أن العلم قبل العمل" إلى الرد على الفلاسفة في اعتقادهم أن ما في الدار الآخرة إنما هو خيالات وتمثيلات (٢) وأوضح أنهم أخطؤوا في فهم قول رسول الله ﷺ : "إن أقَل أهْلِ الجَنةِ مَنْزِلَةً يُؤْتى مِثْل الدنْيَا وَعَشْرِ أمْثَالِهَا" (٣) فاستبعدوا ذلك لأمرين:
الأمر الأول: لجهلهم بعموم قدرة الله وعلمه وسعة مخلوقاته قياساً على أنفسهم وقصراً لخواطرهم القاصرة عن منتهى العلوم.
الأمر الثاني: اعتقادهم أن الجنة هي السموات وهي لا تتسع لهذا، وكيف وهي من الدنيا؟ فذلك أبعد.
وقد نقل ابن العربي عن أبي حامد الغزالي أنه قال في تفسير هذا الحديث: إنما يؤتى مثل الدنيا في القيمة والقدر، لا في المساحة، وقدر شبر في الجنة خير من الدنيا بغير حصر بمثل ولا بعشرة أمثالها، ولا بأكثر من ذلك كما يقال: هذه ياقوتة خير من ألف مثقال لا في الوزن، ولكن في القيمة والمنفعة لأنها تساوي بالتقويم أكثر من ألف (٤).
وقد تعجب ابن العربي من صدور هذا القول -المشوب بآراء الفلاسفة- عن الإِمام الغزالي ورد عليه قائلاً:
стр. 349
"هذا المذكور -في الحديث- يؤتى مثل الدنيا في عشر مرات مساحة وقيمة فإن القيمة لا تنحصر، إذ نصيف حورية خير من الدنيا، والقدرة متسعة للمساحة والقيمة جميعاً، والخلاء يحتملها، فافرض ما شئت من العدم، وإخراجه إلى الوجود جاز عقلاً وصح. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: "ليس في الجنة من الدنيا إلا الأسماء" وليس هذا بإخراج لها من حد المحسوس إلى المعقول كما تقول الفلاسفة، وإنما هو للفرق بينهما من أوجه كثيرة.
أحدها: إن الجنة لا تفنى والدنيا تفنى، والجنة لا تستحيل ولا تتغير، والدنيا بخلافها، والجنة لا آفة لها والدنيا كلها آفات من لغو وهمّ وملل وعلل وحسد ومنازعة، وكل ما يكدر نعم الدنيا فالجنة منزهة عنه في ذات وصفات وأفعال، وبذلك تم النعيم وكمل الأمر وطاب العيش.
والدنيا ما يكون فيها ينشأ بتركيب وتدريب وترتيب، والجنة إنما يقول العبد فيها للشيء كن فيكون، وكل شيء في الدنيا ينفع ويضر، والجنة منفعة بجميع ما فيها لا مضرة معها، فهذه سبعة وجوه أصول بله ما يتبعها من عظيم التفصيل (١).
قلت: وأشار ابن العربي في هذا الفصل -قضية العلم والعمل (٢) - فقال: قد قام الدليل العقلي على أن العلم قبل العمل، كما قام الدليل الشرعي على أن العالم بالله هو الذي لا يعصي، قال الله ﵎ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] (٣) وقد ردّ ابن العربي على من زعموا من الصوفية بأن العلم هو من ثمرات العمل حيث تشبثوا بقول الإِمام مالك: ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور يضعه الله في قلب من يشاء.
стр. 350
فقال بأن هذا المقطع الشريف من قول إمام الأئمة مالك ليس من غرضهم في شيء، وإنما له حقيقة معلومة، وهي أن العبد إذا واظب الطاعات ونبذ المعاصي لم يكن له إلاَّ استثمار علمه واستدامة نيته، فإن العمل بالقصد، والقصد يرتبط بالعلم فإنهما إخوان، فإذا دام العمل الصالح دل على دوام العلم، وإذا علم ولم يعمل أوشك أن يذهب العلم، ويكون نقصان العمل علامة على نقصان العلم أو ذهابه (١).
وتساءل ابن العربي قائلاً: وكيف يذهب العلم بذهاب العمل، والعلم أصل والعمل فرع عليه، والفرع هو الذي يذهب بذهاب الأصل؟.
وأجاب على هذا التساؤل بجوابين:
الأول: ومثل له بأن الإنسان يرى الغصن الذابل في الشجرة الناضرة، فيستدل به على نقصان مادة الأصل التي كانت تمده بالريّ، ولولا نضوب المادة لما ذبل الغصن في الشجرة الناضرة، فكان ذهاب الفرع لذهاب الأصل، وعلامة عليه.
الجواب الثاني: هو أن التقوى والعلم جميعاً من جملة الأعمال، وكلاهما من الأعمال القلبية، وتنفرد التقوى بقسم منها، وهو عمل الجوارح، فإذا اتقى الإنسان الله بقلبه أولاً كما يجب، كان ذلك تعليماً من الله للإنسان، بوضع الحجب التي تقيه عذابه، فإذا نقص العمل كان لنقصان العلم ضرورة، ولهذا قال النبي ﷺ "لَا يَزْنِي الزانِي حِينَ يَزْنِي وَهوَ مؤْمِن (٢) فأخبر النبي ﷺ أن الزاني لا يقدم على الزنا إلا بعد فوات جزء من العلم (٣).
ولا ينكر ابن العربي أن صفاء القلب وطهارته مقصود شرعي وإنما الذي يستنكره هو القول بأن صفاء القلب يوجب تجلي العلوم فيه بذاته، والصحيح
стр. 351
عند ابن العربي أن القلب بمداومة الطاعات والتفكر في ملكوت الأرض والسموات، يديم الله سبحانه له المعرفة التي هي علامة على النجاة في الآخرة (١).
أبو بكر بن العربي ووزن الأعمال يوم القيامة:
تعرض ابن العربي في فصل "ذكر المعنى الذي أوجب العثور في النظر إلى الكلام على وزن الأعمال يوم القيامة" فأتى بأقوال مختلف الطوائف مع بيان رأي أهل السنّة والجماعة، ولما كان كلامه في هذا الموضوع مختصراً، رأيت الاستعانة بما كتبه في هذا المجال بكتابه "العواصم من القواصم" حيث توسع في بيان المذهب الحق.
فقال إنه ثمة ميزاناً ووزناً وموزوناً وكل واحد منها معلوم، وبعضها مرتبط ببعض، لا يصح أن ينفرد منها واحد عن الآخر للملازمة التي يقتضيها اللفظ، ويقضي لها العقل.
قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] فعلمنا أن هناك وزناً. وقال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] فعلمنا أن هنالك ميزاناً نصاً، وموزوناً نصاً؛ لأنه قال: ﴿مَوَازِينُهُ﴾ بعد قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ﴾ فاقتضى ثقلاً في ميزان، وذلك هو الموزون فصارت الثلاثة كلها في القرآن، واقتضى ذلك موزوناً يخف تارةً، ويثقل أخرى. فيخف الميزان به ويثقل ولم يبق إلا تعيين الموزون، وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "يخرج من النار من قال لا الله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة" (٢). (٣)
стр. 352
ففي الحديث أنه يوزن عمله من إيمانه وحسناته، وبه يخرج من النار كما أن بعمله السيء دخلها، فإذا ثقلت السيئات ودخل النار، روعي له عند الخروج الإيمان من ذرة إلى شعيرة، ولو روعي له ذلك في الوزن الأول ما دخل النار لرجحانه له ولكنه تأخر، إما لوزن السيئات ورجحها، وإما لأنه مدخر للخروج من النار.
فدل صحيح هذا الخبر على أن أعمال الجوارح توزن بها، ينجو من العذاب أو يقع فيه، وأنه بما في قلبه من الإيمان، إذ الأعمال تضعفه فإذا بقي له مقدار ذرة عصم من الخلود به (١).
وينصح ابن العربي من آمن بالميزان ألا يقف دون الإيمان بالموزون يقول ﵀: "فلا نقول إذا لم نعلم عين الموزون يسقط الكل، وإنما وجب الرد في قياس الخلف لابتغاء بعض المقدمات على بعض، وأما هنا فألفاظ صحيحة ومعان صائبة وإمكان موجود" (٢).
ويضيف شارحاً وجهة نظر أهل السنة قائلاً:
"قد ثبت أن أعمال العباد مكتوبة في صحائف تنشر له، فيقع الوزن في الصحائف ويخلق الله فيها الثقل والخفة على حسب عمله بها، وهذا كله مبني على أصل يخالف فيه الفلاسفة والقدرية التي فرت من الوزن لأجله وذلك لأن الثقل والخفة عندهم، إنما هو بكثرة الأجزاء وقلتها، وعندنا بما يخلقه الله فيها، فجرت العادة في الدنيا بأن يتبع كثرة الأجزاء والخفة قلتها، فإذا خرق العادة ارتبط الثقل والخفة وزمان القيامة زمان خرق العادة عندنا وعندهم ... فإن قيل .. فأي حاجة إلى الميزان؟.
قلنا: نصب الميزان ليس لحاجة، ولا نصب الصراط لحجة، وإنما ذلك لحكمة ليرى الخلق عياناً ما كان أخبرهم عنه برهاناً، وللعيان تأثير لا بد
стр. 353
منه في الدنيا والآخرة كما أخبر به. فلا ترجعوا عن الظاهر إلى الباطن، ولا تحترسوا في أمر لا بدّ لكم منه في كيفية أحوال الأعمال في الآخرة فإنه قد ثبت من تصورها صوراً وتشكلها أشكالًا ما لا مدفع فيه لأحد.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: إن البقرة وآل عمران معاً يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما حزقان من طير صواف (١) ..
قال أبو بكر بن العربي: والسورة لا تأتي والحروف والأصوات لا تتشكل والخبر قد صح، وتأويل من قال يأتي ثوابهما كلام متسور لا علم عنده، فيرسل عذبة لسانه في الذي ليس من شأنه بما لا تتحصل حدوده، ولا يثبت وجوده وإنما يحمل على معان: منها أن الصحيفة التي قرأ فيها أو كتب الملك فيها قراءته تظله، أو ينشىء الله له غمامة يقال: هذه سورتك التي كنت تقرأ.
فإن قيل: فهذا هو الثواب.
قلنا: نعم، ولكن ليست الغمامة السورة، ولم يرد تسميتها ثواباً، فكيف يخبر عما يشكل بما يشكل، وإنما كان يقول يأتي ثوابهما لو قاله النبي ﷺ فيفسر به، وأما تفسير المشكل والمحتمل بمشكل محتمل فمما لا يجوز شريعة ولا يصح عربية" (٢).
قلت: نعود إلى تتبع أهم القضايا العقدية الواردة بقانون التأويل لنقف مع ابن العربي في خاتمة الكتاب (٣) حيث خصص بعض الصفحات للكلام على المحكم والمتشابه (٤)، فما هو موقف السلف من هذه القضية؟ ..
стр. 354
المحكم والمتشابه في القرآن الكريم
أما المحكم في القرآن فله ثلاث إطلاقات:
أولاً: القرآن كله محكم، قال الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] فإن لفظ الحكيم هنا بمعنى المحكم، فهو "فعيل" بمعنى "مفعل" (١).
وقال ﷻ : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] ومعنى الآية أنه محكم لا اختلاف فيه ولا اضطراب يصدق بعضه بعضاً، فصيح الألفاظ، صحيح المعاني، يهدي إلى الطريق المستقيم (٢).
ثانياً: القرآن كله متشابه، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].
قال العلماء: إن المراد من وصف القرآن الكريم هنا بأنه كله متشابه -في حين أنه وصف في آيات أخرى بأنه كله محكم- أن بعضه يشبه بعضاً في الحق والصدق وفي سلامته من التناقض والاختلاف، كذلك يشبه بعضه بعضاً في هدايته وبلاغته وإعجاز ألفاظه وهو عكس المتضاد المختلف المذكور في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فلا تعارض إذاً بين وصف القرآن
стр. 355
كله مرة بأنه محكم، ووصفه مرة أخرى بأنه متشابه، فالقرآن كله محكم باعتبار وكله متشابه باعتبار آخر (١).
ثالثاً: القرآن بعضه محكم وبعضه متشابه، يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] ولا شك أن نوع التشابه الذي وصف به الكتاب كله في آية الزمر هو غير التشابه الذي وصفت به بعض آياته في آل عمران. ولذا يحسن بنا أن نبين أنواع التشابه قبل الكلام عن المحكم والمتشابه واختلاف الناس فيه:
النوع الأول: التشابه العام، وهو ضد الاختلاف وهو الذي وصف به القرآن كله بأنه ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] وهذا التشابه العام يوافق الإِحكام العام الذي وصف به القرآن كله بأنه ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] (٢).
النوع الثاني: التشابه الخاص ببعض الآيات، وهو الذي وصفت به آيات لا بعينها في قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] في مقابلة وصف بعض آياته بأنهن ﴿مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] ونوع التشابه هنا غيره في النوع الأول لأن الله تعالى قد ذم متبعي المتشابه في النوع الثاني حيث قال بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] فحيث قد ذم متبعي المتشابه هنا، دل ذلك على أن المعنى المقصود هنا غيره هناك وإلا لكان معنى التشابه في الموضعين واحداً، فيكون كل متبع للمتشابه مذموماً. ووصف آيات القرآن كلها بأنها: ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] يمنع ذلك وإلا لكان كل متبع للقرآن مذموماً (٣).