← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 97927

قانون التأويل

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (664 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

عند ابن العربي أن القلب بمداومة الطاعات والتفكر في ملكوت الأرض والسموات، يديم الله سبحانه له المعرفة التي هي علامة على النجاة في الآخرة (١). أبو بكر بن العربي ووزن الأعمال يوم القيامة: تعرض ابن العربي في فصل "ذكر المعنى الذي أوجب العثور في النظر إلى الكلام على وزن الأعمال يوم القيامة" فأتى بأقوال مختلف الطوائف مع بيان رأي أهل السنّة والجماعة، ولما كان كلامه في هذا الموضوع مختصراً، رأيت الاستعانة بما كتبه في هذا المجال بكتابه "العواصم من القواصم" حيث توسع في بيان المذهب الحق. فقال إنه ثمة ميزاناً ووزناً وموزوناً وكل واحد منها معلوم، وبعضها مرتبط ببعض، لا يصح أن ينفرد منها واحد عن الآخر للملازمة التي يقتضيها اللفظ، ويقضي لها العقل. قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] فعلمنا أن هناك وزناً. وقال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] فعلمنا أن هنالك ميزاناً نصاً، وموزوناً نصاً؛ لأنه قال: ﴿مَوَازِينُهُ﴾ بعد قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ﴾ فاقتضى ثقلاً في ميزان، وذلك هو الموزون فصارت الثلاثة كلها في القرآن، واقتضى ذلك موزوناً يخف تارةً، ويثقل أخرى. فيخف الميزان به ويثقل ولم يبق إلا تعيين الموزون، وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "يخرج من النار من قال لا الله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة" (٢). (٣)

стр. 352

ففي الحديث أنه يوزن عمله من إيمانه وحسناته، وبه يخرج من النار كما أن بعمله السيء دخلها، فإذا ثقلت السيئات ودخل النار، روعي له عند الخروج الإيمان من ذرة إلى شعيرة، ولو روعي له ذلك في الوزن الأول ما دخل النار لرجحانه له ولكنه تأخر، إما لوزن السيئات ورجحها، وإما لأنه مدخر للخروج من النار. فدل صحيح هذا الخبر على أن أعمال الجوارح توزن بها، ينجو من العذاب أو يقع فيه، وأنه بما في قلبه من الإيمان، إذ الأعمال تضعفه فإذا بقي له مقدار ذرة عصم من الخلود به (١). وينصح ابن العربي من آمن بالميزان ألا يقف دون الإيمان بالموزون يقول ﵀: "فلا نقول إذا لم نعلم عين الموزون يسقط الكل، وإنما وجب الرد في قياس الخلف لابتغاء بعض المقدمات على بعض، وأما هنا فألفاظ صحيحة ومعان صائبة وإمكان موجود" (٢). ويضيف شارحاً وجهة نظر أهل السنة قائلاً: "قد ثبت أن أعمال العباد مكتوبة في صحائف تنشر له، فيقع الوزن في الصحائف ويخلق الله فيها الثقل والخفة على حسب عمله بها، وهذا كله مبني على أصل يخالف فيه الفلاسفة والقدرية التي فرت من الوزن لأجله وذلك لأن الثقل والخفة عندهم، إنما هو بكثرة الأجزاء وقلتها، وعندنا بما يخلقه الله فيها، فجرت العادة في الدنيا بأن يتبع كثرة الأجزاء والخفة قلتها، فإذا خرق العادة ارتبط الثقل والخفة وزمان القيامة زمان خرق العادة عندنا وعندهم ... فإن قيل .. فأي حاجة إلى الميزان؟. قلنا: نصب الميزان ليس لحاجة، ولا نصب الصراط لحجة، وإنما ذلك لحكمة ليرى الخلق عياناً ما كان أخبرهم عنه برهاناً، وللعيان تأثير لا بد

стр. 353

منه في الدنيا والآخرة كما أخبر به. فلا ترجعوا عن الظاهر إلى الباطن، ولا تحترسوا في أمر لا بدّ لكم منه في كيفية أحوال الأعمال في الآخرة فإنه قد ثبت من تصورها صوراً وتشكلها أشكالًا ما لا مدفع فيه لأحد. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: إن البقرة وآل عمران معاً يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما حزقان من طير صواف (١) .. قال أبو بكر بن العربي: والسورة لا تأتي والحروف والأصوات لا تتشكل والخبر قد صح، وتأويل من قال يأتي ثوابهما كلام متسور لا علم عنده، فيرسل عذبة لسانه في الذي ليس من شأنه بما لا تتحصل حدوده، ولا يثبت وجوده وإنما يحمل على معان: منها أن الصحيفة التي قرأ فيها أو كتب الملك فيها قراءته تظله، أو ينشىء الله له غمامة يقال: هذه سورتك التي كنت تقرأ. فإن قيل: فهذا هو الثواب. قلنا: نعم، ولكن ليست الغمامة السورة، ولم يرد تسميتها ثواباً، فكيف يخبر عما يشكل بما يشكل، وإنما كان يقول يأتي ثوابهما لو قاله النبي ﷺ فيفسر به، وأما تفسير المشكل والمحتمل بمشكل محتمل فمما لا يجوز شريعة ولا يصح عربية" (٢). قلت: نعود إلى تتبع أهم القضايا العقدية الواردة بقانون التأويل لنقف مع ابن العربي في خاتمة الكتاب (٣) حيث خصص بعض الصفحات للكلام على المحكم والمتشابه (٤)، فما هو موقف السلف من هذه القضية؟ ..

стр. 354

المحكم والمتشابه في القرآن الكريم أما المحكم في القرآن فله ثلاث إطلاقات: أولاً: القرآن كله محكم، قال الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] فإن لفظ الحكيم هنا بمعنى المحكم، فهو "فعيل" بمعنى "مفعل" (١). وقال ﷻ : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] ومعنى الآية أنه محكم لا اختلاف فيه ولا اضطراب يصدق بعضه بعضاً، فصيح الألفاظ، صحيح المعاني، يهدي إلى الطريق المستقيم (٢). ثانياً: القرآن كله متشابه، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]. قال العلماء: إن المراد من وصف القرآن الكريم هنا بأنه كله متشابه -في حين أنه وصف في آيات أخرى بأنه كله محكم- أن بعضه يشبه بعضاً في الحق والصدق وفي سلامته من التناقض والاختلاف، كذلك يشبه بعضه بعضاً في هدايته وبلاغته وإعجاز ألفاظه وهو عكس المتضاد المختلف المذكور في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فلا تعارض إذاً بين وصف القرآن

стр. 355

كله مرة بأنه محكم، ووصفه مرة أخرى بأنه متشابه، فالقرآن كله محكم باعتبار وكله متشابه باعتبار آخر (١). ثالثاً: القرآن بعضه محكم وبعضه متشابه، يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] ولا شك أن نوع التشابه الذي وصف به الكتاب كله في آية الزمر هو غير التشابه الذي وصفت به بعض آياته في آل عمران. ولذا يحسن بنا أن نبين أنواع التشابه قبل الكلام عن المحكم والمتشابه واختلاف الناس فيه: النوع الأول: التشابه العام، وهو ضد الاختلاف وهو الذي وصف به القرآن كله بأنه ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] وهذا التشابه العام يوافق الإِحكام العام الذي وصف به القرآن كله بأنه ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] (٢). النوع الثاني: التشابه الخاص ببعض الآيات، وهو الذي وصفت به آيات لا بعينها في قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] في مقابلة وصف بعض آياته بأنهن ﴿مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] ونوع التشابه هنا غيره في النوع الأول لأن الله تعالى قد ذم متبعي المتشابه في النوع الثاني حيث قال بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] فحيث قد ذم متبعي المتشابه هنا، دل ذلك على أن المعنى المقصود هنا غيره هناك وإلا لكان معنى التشابه في الموضعين واحداً، فيكون كل متبع للمتشابه مذموماً. ووصف آيات القرآن كلها بأنها: ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] يمنع ذلك وإلا لكان كل متبع للقرآن مذموماً (٣).

стр. 356

النوع الثالث: التشابه الإضافي، وهو اشتباه الأمر على بعض الناس كقول بني إسرائيل ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] وكقول النبي ﷺ : الحلال بيِّن والحرام بيِّن؛ وبين ذلك أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس ... الحديث (١). فدل ذلك على أن التشابه قد يكون بالإضافة إلى بعض الناس دون بعض (٢). أقوال السلف في المحكم والمتشابه: ١ - القول الأول: ويرى أصحاب هذا القول أن المحكمات هي الآيات الثلاث من أواخر سورة الأنعام من قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ .... ﴾ [الأنعام: ١٥١] وأربع آيات من سورة الِإسراء من قوله تعالى.: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى آخر قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (الآيات: ٢٣ - ٢٦). روى هذا الرأي ابن جرير الطبري عن ابن عباس ﵄ (٣). ٢ - القول الثاني: ويرى أصحاب هذا القول أن المحكمات هي الناسخ، والحلال والحرام، والحدود، والفرائض، وما يؤمن به ويعمل به. والمتشابهات هي المنسوخ والمقدم والمؤخر (٤) والأمثال والإِقسام (٥). ٣ - القول الثالث: ويرى أصحابه أن المحكم هو ما أحكم الله فيه بيان

стр. 357

الحلال والحرام، والمتشابه ما سوى ذلك يصدق بعضه بعضاً، روي هذا عن مجاهد وعكرمة (١). ٤ - القول الرابع: ويرى أصحابه أن المتشابه هو الحروف المقطعة في أوائل بعض السور مثل: ﴿الم﴾، ﴿المص﴾ وهذا يروى عن ابن عباس ﵄ ومقاتل (٢). ٥ - القول الخامس: ويرى أصحابه أن المحكم هو قصص الرسل والأنبياء مع أممهم مما قد بينه سبحانه لنبيه ﷺ . والمتشابه ما اختلفت ألفاظه في قصصهم عند التكرير في السور، روي هذا القول عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٣). ٦ - القول السادس: ويرى أصحاب هذا الرأي أن المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً، والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجهاً، ويروى هذا القول عن الإِمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل (٤). ٧ - القول السابع: هو أن المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهم معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل بما استأثر الله بعلمه دون خلقه كقيام الساعة ووقت طلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ﵇ وما أشبه ذلك وهذا القول روي عن جابر بن عبد الله ﵁ (٥). وثمة أقوال كثيرة رويت عن السلف في كتب التفسير، والشيء الذي لم أقف عليه، والذي اعتقده جازماً أن أحداً من السلف الصالح لم يذهب إليه،

стр. 358

هو إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلاَّ الله، أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله. وفي هذا المقام لا بد لنا أن نبين رأي السلف ﵃ في الآية السابعة من سورة آل عمران، فإن معرفة رأيهم والوقوف على تفسيرهم في المراد بالمتشابه هو الذي ينير الطريق أمام السالك لطريق الحق، فقد اختلف الصحابة ومن جاء بعدهم في آية آل عمران ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الآية: ٧) (١) هل الوقف على لفظ الجلالة "الله" في قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أو الوقف على قوله تعالى ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؟. الرأي الأول: ذهب أصحابه إلى الوقف على لفظ الجلالة "الله" وبه قالت عائشة ﵂، وابن عباس وأُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس وغيرهم (٢). الرأي الثاني: الوقف على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. وبهذا القول قال ابن عباس فيما نقله عنه مجاهد، وجماعة من الصحابة أنه قال: "أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله" (٣).

стр. 359

وقال مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به. ومن العلماء من فصل في هذا المقام بما يجمع بين القولين السابقين لا سيما وأن بعض الصحابة كابن عباس ورد عنه القولان. ومن الواضح أن لفظ "التأويل" يطلق ويراد به في القرآن معنيان -كما أوضحنا من قبل- أحدهما بمعنى حقيقة الشيء، وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد. فإن أريد بالتأويل هذا المعنى فالوقف على لفظ الجلالة لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمها على الحقيقة إلا الله ، ويكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ و ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ خبره. ثانيهما: وأما إن أريد بـ (التأويل) معنى التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦] أي بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى (١) فالوقف على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لأنهم يعلمون ويفهمون معنى ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ حالاً من الراسخين، وهذا قول حسن، ورأي جيد يجمع بين القراءتين في الآية والأقوال المنقولة عن الصحابة والسلف من (٢) غير تكلف ولا تعسف. أما الخلف فإنهم لم يختلفوا عن السلف في موضع الوقف، منهم من

стр. 360

يرى الوقف على لفظ الجلالة "الله" ومنهم من يرى الوقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وإنما خالفوا السلف في المراد بالمتشابه والتأويل في الآية الكريمة حيث قصدوا بالمتشابه والتأويل معنى لم يقصده السلف (١)، وهو الذي ذهب إليه ابن العربي في قانون التأويل حيث اعتبر آيات الصفات من المتشابه، وراح يستدل على رأيه (٢) بما ورد عن السلف بالنهي عن الخوض في هذه الآيات، كقول الإِمام مالك ﵁: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة" فنسب إلى الإِمام مالك القول بجعل معرفة معاني آيات الصفات من التأويل الذي استأثر الله بعلمه، وهذا خطأ شنيع وقع فيه الخلف بعامة، والحق أن مالكاً ما كان قصده هذا النفي المطلق، فإنه قال: الاستواء معلوم، فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم، ولم يخبر عن الجملة، ثم قال: والكيف مجهول، ولو قصد ما ذهبوا إليه لقال: الاستواء مجهول؟ أو قال: تفسير الاستواء مجهول؟ أو بيان الاستواء مجهول؟ فالإمام مالك ﵁ لم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء لا العلم بنفس الاستواء، وهذا شأن جميع القول فيما وصف الله به نفسه، فلو قال قائل في قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] كيف يسمع وكيف يرى؟ لقلنا السمع والرؤيا معلوم والكيف مجهول، ولو قيل: كيف كلم موسى تكليماً، لقلنا التكليم معلوم والكيف غير معلوم، إذاً فالتأويل الذي اختص الله به هو حقيقة الذات والصفات، فإذا قيل لنا ما حقيقة علم الله وقدرته وسمعه وبصره؟ قلنا: هذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. أما قول ابن العربي بأن الآيات المتشابهات هي التي قال فيها السلف: "أمروها كما جاءت" فهذا بما لا يقوله عالم مطلع على التفسير وما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ ، فمن المعلوم لدى صغار الطلبة فضلاً عن علمائهم وأئمتهم بأن السلف قد تكلموا في جميع آيات الصفات وفي نصوص القرآن،

стр. 361

وفسروها بما يوافق معناها ودلالتها (١)، ولم يسكتوا عن بيان معنى آية ما، سواء في ذلك المحكم والمتشابه ولم يرو بطريق صحيح ولا سقيم أن أحداً من سلف الأمة وأئمتها جعل أسماء الله وصفاته من المتشابه الذي ينبغي إمراره وتفويضه إلى الله، كما لم يرو عنهم بأي طريق من طرق الرواية أنهم جعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، وقالوا: إن الله أنزل كلاماً لا يفهم أحد معناه، وإنما قالوا: تمر كما جاءت أي أثبتوا لها معاني صحيحة، ونهوا عن تأويلات الجهمية وردوها وأبطلوها وأقروا بالنصوص على ما دلت عليه من معناها ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، وهذا الفهم هو الفهم عينه الذي طبقوه في سائر النصوص كالوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك، فهذا الإِمام أحمد قال في غير أحاديث الصفات تمر كما جاءت، فقد روي عنه أنه قال مثل ذلك في الحديث الشريف: "من غشنا فليس منا" (٢) ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف كلمه عن مواضعه، كما هو الحال عند من يحرفه ويسمى تحريفه تأويلاً بالعرف المتأخر (٣). ونقول لفقيهنا أبي بكر بن العربي -غفر الله لنا وله-: إن الله سمى نفسه في القرآن الكريم بأسماء كثيرة، ووصف نفسه بصفات عديدة، فهل كل هذه الأسماء والصفات هي من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله؟ سيكون رد فقيهنا بالنفي على الوجه المعلوم في كتبه من إثبات بعض الصفات دون البعض كما هو مذهب الأشاعرة، فنقول له: إن دلالة القرآن الكريم على أنه سميع بصير عالم، كدلالته في ذكره لرحمته وعلوه واستوائه وما إلى ذلك من

стр. 362

الصفات التي اصطلح عليها بالصفات الخبرية ولا دليل في التفرقة بين هذه وتلك فوجب إثبات الجميع والله تعالى أعلم. التوحيد وأنواعه عند أهل السنة والجماعة نهج أبو بكر بن العربي في بيان أنواع التوحيد منهج الأشاعرة متأثراً بشيوخه الذين أخذ عنهم مباشرة أو عن طريق التتلمذ على كتبهم، وقد اقتصر -تبعاً للمتكلمين- على ثلاثة معان للتوحيد: ١ - توحيد الذات. ٢ - توحيد الصفات. ٣ - توحيد الأفعال (١). ودلل على كل نوع من هذه الأنواع بقوله: " ... الله سبحانه واحد في ذاته بعدم التجزيء، واحد في صفاته، واحد في أفعاله ومخلوقاته، وكل واحد من هذه الأوجه الثلاثة واجب في وصفه فلا قسيم له في الذات ولا شبيه له في الصفات، ولا شريك له في تدبير المصنوعات؛ لأنه لو كان مقسماً كان قابلًا للتركيب، وما احتمل التركيب محدث، وما احتمل القسمة ليس بواحد، بل يكون شيئين فأكثر من ذلك، ولو كان له شبيه في صفاته، كان مستحقاً للإلهية كاستحقاق من هي له، وأدى ذلك إلى القول بتناهي مقدوراتهما ... ولو كان له شريك في مصنوعاته كان جائزاً وقوع التمانع بينهما لتصور اختلاف المرادين، وأدى ذلك إلى عجزهما، أو عجز أحدهما، والآخر هو الإله، فوجب لذلك وصف الواحد له بالوجوه الثلاثة على كمال معانيها ... " (٢).

стр. 363

قلت: وقد ركز ابن العربي والأشاعرة بعامة على النوع الثالث وهو "توحيد الأفعال" وأجهدوا أنفسهم في تقرير الأدلة العقلية معتمدين في ذلك على دليل التمانع، وهذا وإن كان يفضي إلى توحيد الربوبية والإيمان بوجود خالق مدبر لهذا الكون، إلاَّ أنه لا يفي بالمطلوب الذي بُعث من أجله الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم أجمعين (١). فتوحيد الربوبية لا يكاد ينازع فيه أحد، ولم تعتقد أي طائفة من الطوائف أن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال، فمشركو العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السموات والأرض واحد كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥]. كما أنهم لم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال مشركي باقي الأمم، يعتقدون فيها أنها تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والأولياء، فيتخذونهم شفعاء، ويتوسلون بهم إلى الله. وقد نبه شيخ الإِسلام ابن تيمية على هذه الحقائق فقال: "إن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر، غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، واحد في صفاته لا شبيه له، واحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث، وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق الأفعال واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرون من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وان هذا هو معنى قولِنَا "لا إله إلا الله" حتى أنهم يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع ومعلوم أن المشركين الذين بعث إليهم ﷺ لم

стр. 364

يكونوا يخالفون في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، حتى أنهم كانوا يقرون بالقدر أيضاً، وهم مع هذا مشركون ... " (١). قلت: أما والحالة هذه، فقد تعين علَيَّ بيان أنواع التوحيد على طريقة السلف الصالح فهي السبيل الواضحة، والطريق الصحيحة التي يسقط معها سؤال السائل وشك المتشكك فنقول مستعينين بالله : أ- توحيد الربوبية: وهو الاعتقاد بأن رب العالم وخالقه صانع واحد، وليس اثنين وهو الرب سبحانه الذي جبلت الفطر على الاعتراف به والخضوع له. وبناءً على هذا فإن توحيد الربوبية يعني الإقرار أن الله تعالى ربُّ كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي والمميت، النافع الضار الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على كل شيء ليس له في ذلك شريك لذلك كانت شؤون الربوبية كلها من الخلق والرزق والملك والتدبير والتصريف مختصة به سبحانه، لا يشاركه فيها أحد من خلقه، ولا ريب أن هذا الأمر مركوز في الفطرة لا يكاد ينازع فيه أحد حتى أن المشركين الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ كانوا يقرون بذلك، ولا ينكرونه، ولا يجعلون أحداً من آلهتهم شريكاً لله تعالى في ربوبيته غير أن هذا التوحيد لا يكفي الإنسان في حصول الإِسلام، بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمة من توحيد الإلهية. ب- توحيد الألوهية: ومعناه أن يُعْبَدَ الله وحده ولا يشرَكَ بعبادته أحدٌ من خلقه وفي هذا النوع يتحقق معنى قولنا "لا إله إلا الله" وهو دعوة كل رسول إلى قومه من لدن آدم إلى سيدنا محمد ﷺ . قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا

стр. 365

قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] وقال هود ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وقال صالح ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وقال شعيب ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٨٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وهذا التوحيد هو أول واجب على المكلف لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك كما هي أقوال أرباب الكلام ... فهو أول واجب وآخر واجب، وأول ما يدخل به الإسلام، وآخر ما يخرج به عن الدنيا (١). وطريقة تحقيق هذا التوحيد هو إفراد الله بالعبادة والنفي والبراءة من كل معبود دونه، والتحقيق أن تعرف أن الله جعل العبادة أنواعاً: ١ - عبادات اعتقادية: وهذه أساس العبادات كلها، وهي أن تعتقد أن الله هو الرب الواحد الأحد الذي له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر، وأنه الذي لا شريك له ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وإنه لا معبود بحق غيره سبحانه وغير ذلك من لوازم الألوهية. ٢ - عبادات قلبية: وهي التي ترجع إلى عمل القلب وحده، ولا يجوز أن يقصد بها إلا الله وحده، وصرفها لغيره شرك والعياذ باللهِ وهي كثيرة منها:

стр. 366

الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، والخشوع والخشية، والحب، والإنابة، والتوكل والخضوع. ٣ - عبادات قولية (أو لفظية): وهي التي تتعلق باللسان وهي كثيرة جداً أهمها النطق بكلمة التوحيد، إذ لا يكفي اعتقاد معناها بل لا بد من النطق بها، ومنها الاستعاذة بالله، والاستعانة والاستغاثة به، والدعاء له، وتسبيحه، وتمجيده، وتلاوة القرآن. ٤ - عبادات بدنية: وهي العبادات التي تؤدى بالجوارح وهي كثيرة معلومة كالصلاة والصوم والحج والنذر وغير ذلك. ٥ - عبادات مالية: كالزكاة وأنواع الصدقات والكفارات والأضحية وغيرها. جـ- توحيد الأسماء والصفات: ومعناه أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف أو تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، كما مرّ معنا في مبحث "الصفات الخبرية" (١). العلاقة بين أنواع التوحيد الثلاث: بعد الفراغ من الكلام على أنواع التوحيد الثلاث، يحسن بنا أن نعرف النسبة بينهما، وهل هي متلازمة في الوجود؟ بمعنى أن بعضها لا يوجد بدون الآخر؟ أم هي غير متلازمة؟ وهل يغني اعتقاد بعضها فقط؟ أم لا بد من اعتقاد جميعها؟. فتوحيد الربوبية الذي يقوم كما بينا على الاعتقاد أنه سبحانه رب كل شيء وخالقه ومدبره وأنه القائم على أمور عباده والكافل لها، والمربي لهم

стр. 367

بنعمة المادية والروحية، هذا التوحيد مستلزم لتوحيد الإلهية والعبادة، فهو منه كالمقدمة للنتيجة، فإنه إذا علم أنه سبحانه هو الرب وحده لا شريك له في الربوبية، كانت العبادة حقه الذي لا تنبغي إلا له سبحانه، فإنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان رباً خالقاً مالكاً مدبراً وما دام ذلك لله وحده فيجب أن يكون هو المعبود وحده الذي لا يجوز أن يكون معه لأحد شركة في شيء من صور العبادة (١). وأما توحيد الإلهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية، ومعنى كونه متضمناً له أن توحيد الربوبية داخل في ضمن توحيد الإلهية، فإن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئاً. لا بد أن يكون قد اعتقد أنه هو ربه ومالكه الذي لا رب غيره، ولا مالك سواه، فهو يعبد الله لاعتقاده أن أمره كله بيده، وأنه سبحانه هو الذي يملك نفعه وضره، وأن كل من يدعى من دونه فهو لا يملك لعابديه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. وأما توحيد الأسماء والصفات فإنه شامل للنوعين السابقين فهو يقوم على إفراد الله بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا التي لا تنبغي إلاَّ له سبحانه، ومن جملتها كونه رباً واحداً لا شريك له في ربوبيته، وكونه إلهاً واحداً لا شريك له في إلهيته وعبادته.

стр. 368

الخَاتمَة على الرغم مما احتله أبو بكر بن العربي من المكانة المرموقة في الفكر الإِسلامي، فإن ما كتب عنه لا يتعدَّى صفحات قليلة ليس فيها غير ترديد لما هو شائع عنه في المصادر القديمة التي تناولت ترجمته، فكان محاولتي -على ما فيها من قصور- محاولة جديدة في الكشف عن شخصيته، وذلك بالاستفادة من أغلب المصادر والمراجع التي تحدثت عنه، مع الاعتماد على ما خلفه من آثار كتابية على أنحاء شتى من العلوم الشرعية. وقد استطعت في هذا البحث أن أوضح -ولو باختصار شديد- التطور الفكري -العقدي والمذهبي- في الأندلس، فخرجت بنتيجة مهمة وهي أن أهل المغرب الإِسلامي كانوا على طريقة السلف الصالح في الاعتقاد والعمل، ولم تنتشر العقائد الأشعرية وغيرها إلاَّ بعد ظهور عهدي الموحدين حيث فرضها بالقوة على العامة والخاصة، وكذا الحال بالنسبة للتصوف، فإنه لم يظهر بشكله الفلسفي إلاَّ بعد القرن الخامس وإن وجدت ملامح منه فهي عند أفراد قلائل لا يمثلون مجموع الأمة واعتقادها. كما تتبعت رحلات ابن العربي واستطعت أن أحدد زيارته للأماكن المقدسة بالحجاز، فصححت بذلك آراء بعض الباحثين في هذه المسألة. كما تناولت في البحث صلاته الشخصية وأثرها في تكوينه الفكري

стр. 369

فأثبت بأنه تأثر تأثراً كبيراً بشيوخه الأشاعرة فاعتقد مذهبهم، ونصره بكل ما أوتي من قوة. وأبنت مكانة ابن العربي العلمية، وذلك بدراسة مسهبة لآثاره المخطوطة والمطبوعة ولم يكن عملي في هذا المجال مقتصراً على تقديم قائمة جامدة بذلك، بل عنيت بدراسة كل ما استطعت الوقوف عليه من آثاره سواء كان مطبوعاً أم مخطوطاً وقدمت وصفاً مختصراً لنوعية الكتاب ومجاله وموضوعه بعبارة وجيزة، وخرجت بنتيجة مهمة وهي أن ابن العربي وإن كان مشاركاً في كثير من العلوم إلاَّ أن مكانته العلمية وبراعته ظهرتا في علم الكلام، ولو التزم بمذهب السلف في تقرير الأدلة وعدم التأويل والتفويض، لكان أكثر تألقاً وأحسن إشراقاً. ولمّا تناولت دراسة أهم الجوانب العقدية في "قانون التأويل" تمكنت أن أتلمس منظومة من الآراء العلمية ذات هدف إصلاحي تتوزع على محورين أساسيين: محور عقدي، ومحور تربوي: ١ - أما المحور الأول: فإن الآراء التي انتظمت في "قانون التأويل" حول الاستدلال على وجود الله ﵎ وحقيقة التوحيد، طريقة مبسطة وربما اتبع فيها منهج السلف في الاستدلال، ولكنني بعد الرجوع إلى كتبه الأخرى وجدته يوافق أئمة الأشاعرة في الاستدلال بالجواهر والأعراض على حدوث العالم زاعماً أنها طريقة إبراهيم الخليل ﵇، فبينت مخالفة ذلك لمذهب السلف، وفساد تصور من ذهب إلى ذلك. كذلك بالنسبة للصفات الخبرية فقد ذهب ابن العربي ﵀ إلى تأويل بعضها وتفويض بعضها الآخر، زاعماً أن التفويض هو مذهب السلف، وقد بينت فساد من نسب التأويل إلى السلف، كما بينت في تعليقي على "قانون التأويل" فساد من يقول بالتفويض وينسبه إلى السلف. وأوضحت أن مذهب السلف هو الإثبات الحقيقي لجميع الصفات إثباتاً لا تأويل فيه ولا تفويض ولا تشبيه.

стр. 370

وأثبت في هذا البحث أن ابن العربي قد تأثر بالأشاعرة إلى حدٍّ كبير في افتراضهم أن العقل يعارض الشرع في بعض المواضع، فبينت بالأدلة العقلية والشرعية عدم وجود معقول صريح يمكن أن يناقض منقولاً صحيحاً؛ لأن كلًا من العقل والنقل وسيلة قد وهبها الله للإنسان ليهتدي بها إليه ويعرف بها الطريق إليه، فكيف يتصور عقلاً أن يقع بينهما تعارض أو تناقض؟. كما تبين لي في هذا البحث أن نقد ابن العربي لآراء الصوفية في الكشف والِإشراق كان نقداً موضوعياً نزيهاً، لم يمنعه حبه وتقديره لشيوخه المتصوفة من بيان خطئهم ومدى بعدهم عن الصواب في هذا الموضوع الشائك. ٢ - أما المحور الثاني: فإن الآراء التربوية التي انتظمت في "قانون التأويل" تعتبر بحق آراء جديدة، إذ حاول ابن العربي أن يبتكر أساليب جديدة في أساليب التعليم وطرائق التحصيل، ميسراً لطلبة العلم سبيل الاستفادة من مختلف العلوم الشرعية، وقد وفق ﵀ توفيقاً ظهرت آثاره فيما بعد في نهوض العلوم وازدهارها. والحمد لله رب العالمين.

стр. 371

القسم الثاني (تحقيقُ النَّص)

стр. 372

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مدخل الكتاب "قانون التأويل " ١ - عنوان الكتاب: نصّ ابن العربي في أغلب كتبه (١) على اسم "قانون التأويل"، وعلى هذه التسمية اتفقت أغلب مخطوطات (٢) الكتاب، وأغلب من ترجموا لابن العربي من العلماء في القديم (٣) والحديث (٤). وممن خلع عليه اسماً مغايراً ابن خلدون في العبر (٥) والسيوطي في الِإتقان (٦) ومعترك الأقران (٧)، فأطلق

стр. 373

عليه ابن خلدون: "فوائد الرحلة"، وأطلق عليه السيوطي: "كتاب الرحلة" وأعتقد جازماً بأنهما يقصدان بهذه التسمية كتاب "قانون التأويل" إذ أنهما نقلا عنه نصوصاً كثيرة لا تترك مجالاً للشك أو الريب في ذلك (١)، فتمسميتهما له "بترتيب الرحلة" أو "كتاب الرحلة" هو اجتهاد منهما، لاحتمال أنهما وقفا على مقدمة "القانون" فقط والمحتوية على ذكر الرحلة وفوائدها، أو أنهما وقفا على الكتاب كله، ولكن لم يقفا على عنوان الكتاب كما اختاره المؤلف (٢)، فاجتهدا في إطلاق عنوان يناسب المحتوى العام، فلذلك اختلفت تسميتهما له. ٢ - توثيق نسبة الكتاب إلى ابن العربي: لا شك أننا بإثباتنا لعنوان الكتاب، قد أثبتنا نسبته إلى مؤلفه، ونزيد هذا بياناً فنقول: لم أجد خلافاً بين العلماء في صحة نسبة هذا الكتاب إلى ابن العربي، فقد أجمعوا على نسبته إليه، سواء بالنقل المباشر عنه (٣) أم بالِإشارة والتنويه به (٤)، وتتحقق صحة هذه النسبة بعدة أمور منها: أ- وجود اسمه على جميع مخطوطات الكتاب (٥). ب- إحالته فيه على أغلب كتبه.

стр. 374

ج - إحالته في كتبه المختلفة -والمتفق على ثبوتها إليه- على "قانون التأويل" (١). د- ثمة نصوص كثيرة في "القانون" هي عينها الموجودة بكتبه الأخرى دَرَجَ المُؤلِّفُ إثباتها -لأهميّتها- في أكثر من كتاب من كتبه، وقد أشرنا إلى هذا في تعليقنا على القانون (٢). و- إن الناظر في كتب ابن العربي ﵀ والمتتبع لمسائله في البحث لا يجد تفاوتاً بينها وبين "قانون التأويل" من حيث الأسلوب وطريقة العرض، والاعتماد على المصادر إلاَّ بمقدار ما يتطلبه الموضوع المبحوث. ٣ - بواعث تأليف الكتاب: لقد تكفل ابن العربي ﵀ ببيان سبب تأليفه لقانون التأويل بأسلوب مشرق أخاذ فقال في كتابه القبس (٣): " ... وقد كنا أملينا فيه (أي في التفسير) في كتاب "أنوار الفجر" في عشرين عاماً ثمانين ألف ورقة، وتفرقت بين أيدي الناس، وحصل عند كل طائفة منها فن، وندبتهم إلى أن يجمعوا منها ولو عشرين ألفاً، وهي أصولها التي ينبني عليها سواها، وينظمها على علوم القرآن الثلاثة: التوحيد، الأحكام، التذكير، إذ لا تخلو آية منه بل حرف عن هذه الأقسام الثلاثة، إلاَّ أن فساد الزمان ومواصلة الإخوان .. والأقران، وضرورة الرياض والمعاش الملازمة للإنسان، قواطع نفي المتاع بقطع أسباب الإمتاع. وقد كُنَّا عوتبنا في إعراضنا عن مجموع في تفسير القرآن يثلج حرارة

стр. 375

الصدور ... فاعتذرنا، فما قبل عذري، وقيل لي: قد شاهدناك تملي فيه نيف على عشرين عاماً بالوسطى لملأ النشر، وأعجز عن تحصيله البشر، فقلت: كان ذلك والشباب بنضارته، والعمر في عنفوانه، فأما الآن وقد ولّيا، فقد ولّيا معهما، وهذا أوان تفريقي، فكيف أحاول أن أجمع تحقيقي (١) .... فجردت مئة ورقة قانوناً في التأويل لعموم آي التنزيل، تأخذ بصيغ الشادي، وتبيد الهمم للهادي (٢)، فمن وجده فإنه لباب الألباب، وشارع عظيم إلى كلّ باب". قلت: وصدق المؤلف فيما ادّعاه من وضعه لهذا القانون لعموم آي التنزيل، فقد تناول في هذا الكتاب -على صغر حجمه بالمقارنة بتآليفه الأخرى- ما تباعد من العلوم المتصلة بالإِسلام تناول التقريب والتأليف، حتى أخرج من مجموعها مدارك عائدة على جميعها، تُبَصِّرُ بالغايات، وتكشف عن أسرار الحياة. وإنه لحقيق لهذا الكتاب -بعد تحقيقه والتعليق على المسائل العقدية الواردة فيه- أن يأخذ بيد طلاب العلم إلى الغوص في أسرار العلوم والمعارف، والتمرس بأقوال العلماء. ولقد أحس ابن العربي -وهو العالم المطلع على مختلف مناهج العلماء بالنقص المنهجي الشديد الذي يعانيه طلاب العلم، وبخاصة أن الأندلس -آنذاك- قد اعترى نجمها أفول طامس دخلت الأمة فيه في دور الوجود الأجدب، لما فارقت حرصها المعهود على طلب العلوم والتوق إلى المعارف، فأراد إمامنا -ابن العربي- أن يجدد العهد النيّر لأمته، فيعيد تكوين شخصيتها، ويربي كيانها، ويبعث فيها روح الحياة. وذلك بتأصيل قوانين وقواعد منهجية تُوجّه إلى مطالب اعتقادية وعملية مبدؤها وغايتها روح الدين،

стр. 376

وإن هذه المطالب ارتبطت بمعارف واستدعت مباحث واقتضت تأصيل أصول وتفريع فروع. وضبط معاقد بما يرجع إلى عموم نواحي المعرفة، من علوم شرعية تستفاد من النبوة، وعلوم غير شرعية بما يرشد إليه العقل وتواضع عليه العلماء، فقام عالمنا -رحمة الله عليه- بكتابة قانونه على أفضل وجه وأكمله. ٤ - زمن تأليف الكتاب: أملى ابن العربي كتابه "قانون التأويل" سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، يقول ﵀ في العارضة: " ... فَطُرُقُ تفسيره محكمة في كتاب "قانون التأويل" أمليناه سنة ثلاث وثلاثين بجميع وجوهها، خذ ومعنى اللفظ عربية ... " (١). قلت: وأغلب الظن أنه أملاه في قرطبة، فابن العربي في هذا الظرف كان لاجئاً إلى قرطبة لأسباب ذكرناها في دراستنا لحياة المؤلف في هذا البحث (٢). ٥ - موضوع الكتاب وتحليل مختصر لمضمونه: كتاب "قانون التأويل" لا ينسب إلى علم من العلوم الإِسلامية على الوجه الواضح في النسبة إلى تلك العلوم، وإنما هو خلاصة لها على وجه العموم، فهو كتاب فريد في فنه، جامع لشتيت الفوائد ومنثور المسائل ومتشعب الأغراض. فمعرفة ابن العربي الواسعة الشاملة التي امتاز بها، أفادته فيما رامه من وضع "قانونه"، فقدرته على استحضار الأفكار الإِسلامية بمذاهبها ومناحي آرائها وطرائق عرضها، ومحاولاته الجادة في الالتزام بكتاب الله وما صح من سنة رسول الله ﷺ ، قد خلّصاه من كثير من الأخطاء العقدية والفكرية

стр. 377

التي وقع فيها معاصروه من الفلاسفة والمتكلمين (١)، إلا أن هذا لا ينبغي أن يحملنا على التعصب لطريقته التي اجتباها، فالذي ينظر إلى الحقائق بنور المنطق الصحيح، ويهتدي في سبيلها بمنار البحث والتحقيق، يجب أن لا يقضي في هذا الأمر الشائك حتى يرجع إلى مجمل تراث ابن العربي فيدرسه دراسة تحقيق وتمحيص، إلى جانب دراسة الآثار التي خلفها معاصروه من الفلاسفة والمتكلمين فيوازن بينها، وينظر في كل واحدة منها نظر تحليل للمعاني والأغراض، ورجوع إلى المفاسد والظروف، ثم ينظر فيها مجموعة نظرة مقارنة من جميع هذه النواحي، قاصداً بهذا العمل مرضاة الله، فعندئذٍ يمكننا أن نحكم على قيمة هذا التراث أو ذاك بالحق المنزَّه عن الهوى. أعود من هذا الاستطراد إلى موضوع الكتاب فأقول: ليست غايتي في هذا المدخل المختصر لكتاب "قانون التأويل" أن أذكر أبواب الكتاب بالتفصيل، وما اشتمل عليه من فصول واستطرادات، فذلك أمر لا يتسع له هذا المدخل، ولكني أحاول قدر استطاعتي أن أعرض لأهم ما جاء فيه، ليكون القارئ على بيّنة من أمره. اشتمل الكتاب على حوالي نيف وخمسين عنواناً بما في ذلك خطبة الكتاب وخاتمته. أما الخطبة فصدرها بذكر الأسباب التي دعته إلى وضع قانون التأويل (٢). ثم شرع ﵀ في ذكر مرحلة طلبه للعلم في الأندلس وخارجها (٣)، وثمة فضائل يستخرجها النظر والتمحيص في هذا الفصل، فإن ابن العربي حيث تعمّد تخيّر الأخبار المصورة لشخصيات من ذكرهم، أمدّنا

стр. 378

بقدر وافر من الوثائق النافعة في الاستدلال على الحياة الاجتماعية والثقافية في عصره، سواء بالمشرق أو بالمغرب، وبخاصة أنه ﵀ أرسل سجيته في هذا الفصل بلا محاكاة ولا تكلف، فنطق مزاجه بما ينم عن ضميره وخلجات إحساسه في أمثال تلك المواقف. فهو يبدي في تناول الشخصيات وفي وصفها وتحليلها مقدرة فائقة تجعله يحتل مكانة مرموقة مع كبار كتّاب التراجم والطبقات، فغزارة المادة مع التنويع والابتكار في التنقل في نواحي الوصف من الأخلاق الشخصية إلى المواهب الأدبية إلى الحوادث الجارية قد أكدت لنا أهمية هذه القطعة القيّمة من "القانون" والتي هي خلاصة لكتاب قدّر الله أن يضيع في حياة مؤلفه وهو "ترتيب الرحلة في الترغيب إلى الملّة" (١). ثم بعد الانتهاء من عرض رحلته إلى المشرق واتصاله بالعلماء والساسة، ينتقل إلى الغرض الثاني من الكتاب وهو المخصص للتوحيد (٢)، لأنه هو المطلوب الأول من العلم، وبه يُعرف الله . وبدأ في هذا القسم بمعرفة النفس، وذكر المرآة لأنها تعكس كل ما يقع عليها، ولها اتصال بالنفس الإنسانية من حيث تجلي الصور فيها، وتجلي الحقائق للنفس بما تلقي إليها الحواس من المعاني (٣). وذكر حقيقة النوم (٤)، وتحدث عن المثل "وهو باب في التأويل عظيم، وقانون إلى المعرفة مستقيم" (٥) وذات الله سبحانه منزهة عن الأمثال. وقدم أنموذجاً لتفسير الآية: ٣٩ من سورة النور، على القانون (٦).

стр. 379

وفي ذكر "تمام الوصول إلى المقصود من معرفة النفس والرب" (١) تحدث عن النفس وتفاصيلها، وأحوالها وصفاتها وأصول فضائل النفس الأربعة. ثم اعتذر للعلماء في عدولهم عن أدلة المنقول إلى أدلة العقول (٢). ثم تعرض للباطن من علوم القرآن وحذر مما وقع فيه الباطنية من سخافات وكفر بواح (٣)، وتطرق إلى الحروف المقطعة في أوائل السور واعتبرها من علم الباطن (٤). ثم ربط خلق الكلام وتسخير القلم بالدلالة على التوحيد، حيث إن الله "نصب المخلوقات عليه دليلاً، كما وضع الحروف والأصوات دليلاً على كلامه، وكما أن ذاته العلية مخبوءة تحت أستار الدلائل، فكذلك كلامه العظيم مخبوء تحت أستار العبارات، فلا ينال بالعبارات من كلامه إلاَّ ما ينال بالدلائل من ذاته" (٥). ثم مثّل للتفسير الإشاري بتفسير قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، وكنا نود لو نزه "قانونه" هذا عن كل ما عسى أن يشينه من صرف لفظ عن ظاهره، أو تفسير آية بطريق الإشارة، وأعتقد أن ابن العربي بِإدْخَالِهِ هذه الأفكار في كتابه قد خرج عن منهجه المعتاد والذي يحث فيه دَوْماً على الالتزام بمنهج السلف والابتعاد عن مناهج الباطنية والإسماعيلية وأضرابهم من الزنادقة والملاحدة، على أننا لو فرضنا أن هذه الهنات كانت ناشئة عن تقليد لشيوخه أو تساهلات رآها غير ذات بال، فلا ينبغي أن يقلل هذا الخروج الاختياري عن منهجه من قيمة

стр. 380

"قانون التأويل" وما أقل الكتب التي لقيت تقديراً وعناية وحظوة، كذلك التقدير وتلك العناية والحظوة التي لقيها كتابه عند العلماء، سواء كان ذلك بالتنويه بشأن الكتاب، أو بنقده والرد عليه، أو الاقتباس منه والاعتماد على ما ورد فيه من معلومات. فابن العربي مع الأخطاء التي يمكن أن نأخذها عليه، خليق بالإِعجاب جدير بالإعظام، لا ينبغي أن تقف هذه الهنات دون تقديره والرفع من شأنه. أعود إلى موضوعنا فأقول: وقسّم ابن العربي -على عادته في باقي كتبه - علوم القرآن إلى ثلاثة أقسام: توحيد، أحكام، تذكير، ونبه على كل ما يدخل في كل قسم من هذه الأقسام، وأتى بآيات ركب عليها هذا التقسيم كتطبيق لما ذهب إليه (١). ثم أتى بخلاصة لاستيفاء الغرض من تقسيم العلوم والمعلوم، فعلوم القرآن ثلاثة، والمعلومات أربع: النفس، الرب، العمل النافع والضار، وهنا تخلّص للكلام عن العمل، وأكد أن العلم قبل العمل، وناقش الصوفية والفلاسفة في قولهم بالكشف فأجاد وأفاد ﵀ (٢). وابن العربي عندما ينتقد الصوفية لم يأب صحة الزهد والتزكية، ولم ينكر مكان الحاجة إليهما في الطريق إلى الله ، وإنما أنكر أشياء ابتدعوها، وفضول أقوال تكلفوها، ومسائل عويصة تجشموا الفكر فيها، فأصبح صنيعهم هذا أشبه بأن يكون صدّاً عن كتاب الله وعن معرفة معانيه، لذلك نرى ابن العربي يُغْلظ القول في الصوفية والفلاسفة معاً، وينكر القول بالكشف جملة وتفصيلاً، وفي اعتقادي أن ابن العربي لم يبلغ في إنكاره لمذهب الكشف والإشراق ما بلغه، إلاَّ لأن الخطأ فيه عظيم، يفضي بصاحبه إلى أن ينكر النبوة ويبطل الرسالة. ثم تحدث ﵀ عن آية التوحيد ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا

стр. 381

هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] (١) وأورد فيها اثنين وعشرين سؤالاً وأجاب عليها. وهنا تستوقفنا طريقة المؤلف في المسائل التطبيقية التي عرض فيها لآيات الذكر الحكيم ونحن نجيل النظر في الآيات التي فسرها، ذلك أنه سلك في معالجة الموضوع الذي يريد تفهيمه للقارىء طريقة "المسائل" فكان يأتي بالآية ويطرح حولها جملة من الأسئلة، تليها إجابات عنها، وهو أسلوب تعليمي سديد، ويستفيد المؤلف من ثقافته المتنوعة في هذا الميدان، فينوع الإجابات على أنواع عديدة من المعارف والفنون. ثم تكلّم عن النوع الثاني وهو علم التذكير، وشرح فيه سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. وتطبيقاً لكل القوانين التي ذكرها في علوم القرآن، بسط ابن العربي أمام طلابه ومريديه سورة تجمع كل تلك العلوم، وهي "الفاتحة" فوضع مخططاً محكماً لها قصد تأويلها على القانون (٢)، وهو منهج تعليمي يعتمد على التطبيق العملي. فالغاية من هذه الطريقة تعليمية، تقود الطالب إذا وعى -بعد النظر في الموضوع- إلى التمرس بتفسير القرآن وقياس الأشباه بنظائرها. ثم بعد ذلك تحدث ﵀ عن نظريته التربوية المشهورة (٣)، وأثار مشكلة العقل والشرع، وقد تكفلنا ببيان الرأي الحق في المسألة في دراستنا لأهم الجوانب العقدية الواردة بالقانون. وابن العربي ممن يستغلون الحكاية في المجال التعليمي والتربوي، فنراه لا يُخفي على طلابه ما حدث له مع شيخه الغزالي (٤)، بل نعتبر مقدمة "القانون" كلها خدمة لهذا الهدف التربوي النبيل.

стр. 382

ثم عنون لفصل من أواخر فصول كتابه بـ "خاتمة الكتاب" وهدفه من هذه الخاتمة تربية أرواح طلابه ومريديه وتنقية باطنهم، فلم يعد يخاطب عقولهم، بل أصبح يخاطب أرواحهم ووجدانهم (١). يقول ﵀: "فإذا وصلتم إلى هذا المقام من اليقين بصحة الاعتقاد .. فقد خرجتم عن عهدة الجهل التي لزمتكم في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، وتعين عليكم الخروج من عهدة الخدمة بشكر النعمة فيما أسدى إليكم، وأنعم به عليكم، حسبما توجه في التكليف إليكم .. " (٢). ثم عاد فتكلم عن المحكم والمتشابه، وقد تكفلنا ببيان رأي أهل السنة والجماعة في دراستنا لأهم المسائل العقدية الواردة في "القانون". ثم تحدث عن تيسير العمل بالعلم (٣)، وختم الكتاب بتعديد الكبائر وقسمتها على الجوارح (٤). ودعا إلى ذكر الله بما يصح من الأدعية، لأن هناك طوائف من المتصوفة انحرفت عن هذا القصد، يقول ﵀: "فإن الشيطان إذا لم يقدر عن صرف العبد عن ذكر الله، أقبل عليه، فجعل يشغله بالأذكار والأدعية التي لا تصحّ، فيربح معه العدول عن صحيح الحديث إلى سقيمه" (٥). ثم أوصى ﵀ طلابه بالتقيد بالسنة الصحيحة وقال: "فإذا التزمت هذا كلّه -وهو يسير بتوفيق الله وتيسيره- فتح الله لك أبواب الرحمة، وجرت على لسانك ينابيع الحكمة، وقرب لك امتثال ما بقي عليك من

стр. 383

المأمورات، ويسر عليك اجتناب سائر المنهيات ... وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين" (١). قلت: تلك هي الصورة التي انتظمت موضوع كتاب "قانون التأويل" وجعلته بهذه الهيئة بناء عضوياً متكامل الأجزاء، يفضي كل قسم منه إلى الذي يليه، ويرتبط كل عضو منه بالذي يحاذيه، وقد تخيّر ﵀ المواضيع المهمة -في نظره- فأوردها على نحو يتلاءم مع الصورة التي رسمها، والموضوع المتشعب الذي تناوله بالتحليل. ٦ - مصادر الكتاب: كان المؤلف في بعض الأحيان- يعتمد المنهج الانتقائي، فيستمد مادّته من عدة مصادر، ثم يلائم بين أجزائها بدقة تجعل القارئ يحس بمدى ما يبذله في سبيل الانتقاء والدقة معاً من جهد. وباستعراض موضوعات الكتاب نجده قد استفاد من عدة مصادر أهمها: ١ - "حقائق التفسير" للسُّلَمِي (٢). ٢ - "اللطائف والإشارات" للقُشَيْرِي (٣). ٣ - كتب الغزالي بعامة كالإِحياء، ومقاصد الفلاسفة، ومعيار العلم وغيرها (٤). ٤ - كتب الحديث بعامة، كجامع عبد الرزاق الصَّنْعَاني وموطأ مالك وغيرهما.

стр. 384

وحسبنا هذه الكتب والمصادر مثالاً، ويمكن للقارىء أن يقف على مواطن نقله عنها أو استفادته منها خلال قراءته الكتاب، وقد نبهنا على بعضها في الهوامش. وتبقى أغلب أقسام الكتاب هي من بنات فكره وعصارة ذهنه وتأملاته، إلى جانب -كما سبق أن أوضحت- ما قرأه وصاغه في أسلوبه الخاص من آراء العلماء السابقين وابن العربي لا يأخذ آراء الأعلام من العلماء سهلةً موفورةَ الكرامة، بل يناقش قائلها مناقشة قوامها النصفة والعدل الذي لا يبالي على من وجبت عليه الحجة. ٧ - قيمة الكتاب: إن قيمة "قانون التأويل" متعددة الجوانب، فأولها أنه يكشف عن وجه جديد من شخصية ابن العربي الفقيه صاحب كتاب "الأحكام" فهو في القانون مربي متكلم نظار، صاحب آراء في التربية والسلوك والكلام. وثاني تلك الجوانب، الجانب الأدبي من تعبير رفيع وأداء راق، فالكتاب يمتاز بأسلوب رصين مشرق، ولفظ جزل مختار، خال من روح التكلف الذي يجني أحياناً على الأسلوب والمعنى، كما يلاحظ أن له براعة خاصة في تخيّر الألفاظ وإبراز المعاني، لا يجاريه فيها كثير من كبار الكتّاب، كما له مقدرة فائقة على تخير أساليب المدح والذم، ومديحه غالباً من النوع الرفيع الذي لا يشوبه التنزل الوضيع (١)، بل تطبعه دائماً نزعة من الاعتزاز والكرامة، وهنا أود أن أشير إلى أمر طالما شعرت به وأنا أطالع كتب ابن العربي، وهو مبالغته -أحياناً- في الاعتزاز بكرامته وعلو منزلته، ويذهب في ذلك إلى حدود العجب والكبر، وهو لا يحجم أحياناً عن أن يذكرنا بأنه

стр. 385

أعظم شخصيات عصره في العلم والأدب (١). وقد لاحظت أنا أسلوبه في "القانون" بخاصة لا يخلو -في بعض الأحيان- من الضعف والتفكك، وهذا قليل جداً، وهو ناتج -في تقديري- عن طريقة التأليف المتبعة عند ابن العربي وهي الإملاء، كما أن طابع النقول التي تحكمت في عباراته قد حالت دون أحكام صياغتها على شكل مطرد في سائر أقسام الكتاب. وثالث هذه الجوانب، الجانب الثقافي، وأعني بذلك أن الكتاب يعكس لنا ثقافة القرن السادس، وما كان يسودها من قيم وآراء، سواء في النظر والاعتقاد، أو الذوق الأدبي وطرق التعبير. ورابع هذه الجوانب الجانب الصوفي، إذ يعكس لنا هذا الكتاب بداية دخول التفسير الإشاري إلى مدرسة التفسير بالأندلس، كما يأتي بالجديد حقاً عندما يضع التصوف بإزاء المذاهب الباطنية، ويصف أهله بأنهم غالون، فبفضل هذه المقارنة، تحددت -على الأقل بالنسبة لي- عدة أمور كانت مبهمة حول فترة مبكرة من تاريخ الفكر الإِسلامي بالأندلس. وآخر هذه الجوانب، الجانب الشكلي أو الفني في التأليف، فطريقة ابن العربي في التنسيق بين فروع هذا الموضوع الواسع ومزجها بمعطيات الكلام، وجعلها ضمن بناء عضوي محكم الأجزاء، طريقة بديعة شيّقة لم يُسبق إليها والله أعلم. ٨ - وصف المخطوطات المعتمدة في التحقيق: وقد اعتمدت في تحقيق كتاب "قانون التأويل" على أربع مخطوطات هي كالتالي:

стр. 386

١ - مخطوطة أحمد بن منصور بـ "إبزو" بالمغرب الأقصى ورمزت لها بحرف "ب". ٢ - مخطوطة المرحوم الشيخ عبد الحي الكتاني، والموجودة بالخزانة العامة بالرباط، تحت رقم: ٢٥١ ك، ورمزت لها بحرف "ك". ٣ - مخطوطة الأستاذ الشيخ محمد المنوني -حفظه الله- ورمزت لها بحرف "م". ٤ - مخطوطة مكتبة الحاج سليم آغا بأسكدار بتركيا تحت رقم: ٤٩٩، ورمزت لها بحرف "أ". وصف المخطوطة: "ب " مكتوبة بخط مغربي متوسط الجودة (١)، كتبت عناوينها بخط بارز، خالية من السماع والتمليك والتاريخ، ٢٥ سطراً، من القطع المتوسط، تقع في ٩٨ صفحة. راجعها ناسخها فأثبت بعض التصحيحات في الهامش. ويوجد (ميكروفيلم) لها بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم: ٥٩٥. تبتدىء بـ "بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، قال الإِمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي ﵁: هذه رسالة من المستبصر ... ". وأول عنوان ذكر فيها هو: "ذكر ابتداء طلب العلم". وآخر عنوان هو: "تعديد الكبائر من مجموع الأخبار وقسمتها على الجوارح". وختمت بقول الناسخ: "كمل كتاب قانون التأويل لأبي بكر بن العربي ﵀".

стр. 387

ونلاحظ في هذه النسخة بعض البياضات التي نشأت عن الرطوبة، وسجل الناسخ عنوانات لبعض المباحث الفرعية التي أثارت انتباهه وإعجابه. وصف المخطوطة "ك ": تقع هذه المخطوطة ضمن مجموع تحت رقم: ٢٥١ ك في الخزانة العامة بالرباط، وهي من تركة شيخ شيوخنا عبد الحي الكتاني ﵀. وهي مبتورة الأخير، سليمة من الخرم والطمس، كتبت بخط مغربي معتاد خال من الشكل، وميزت فيها العناوين بالخط العريض. تقع في ٣٢ صفحة، تبتدىء صفحاتها ضمن المجموع المشار إليه من ٣٦٤ وتنتهي في: ٣٩٦. في كل صفحة (٣١) سطراً، ويشتمل السطر على (١٦ - ١٨) كلمة تقريباً. تبتدىء بـ "بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، كتاب فيه رسالة المستبصر تأليف الفقيه الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري ﵁، قال الإِمام أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي قدس الله روحه ونوّر ضريحه: هذه رسالة المستبصر ... ". وتنتهي هذه النسخة في أثناء موضوع "ذكر استيفاء الغرض في التقسيم" وآخر جملة وردت هي: "وتبين لك أن معرفة الرب تكون بالعلم" وكتب في الهامش بخط مغاير للناسخ الأصلي: "هذا ما وجدناه في الأم". ويبدو أن ناسخ هذه المخطوطة قد قابلها مرة ثانية على المخطوطة التي وصفها "بالأم" ويتضح ذلك من التصحيحات والتعليقات الوارة في الحواشي، وبالرغم من كل هذا فقد شاع فيها التصحيف والتحريف وسقوط الألفاظ والجمل.

стр. 388

وصف المخطوطة "م ": هذه المخطوطة من مخطوطات خزانة المؤرخ الثبت الأستاذ محمد المنوني -حفظه الله تعالى- تحت رقم ٣٧٨، وهي مبتورة الأول والأخير. كتبت بخط مغربي في القرن العاشر ظناً، ميزت عنوانات المباحث والمسائل والفوائد والتنبيهات بخط عريض. وتقع في حوالي ٤٠ ورقة كل صفحة (١٨) سطراً، ويشتمل السطر على حوالي (١٢) كلمة. يبدأ الموجود من هذه المخطوطة بالعبارة التالية: "عليها كالسيل في الانحدار .. إلخ"، ثم العنوان التالي: "ذكر ابتداء طلب العلم وتنتهي هذه النسخة في أثناء موضوع: "ذكر استيفاء الغرض في التقسيم" وآخر جملة وردت هي: "وتبين لك أن معرفة الرب تكون بالعلم"، وكتب في الهامش بخط دقيق: "هذا ما وجدناه بالأم". ويبدو أن هذه النسخة قد اعتمد ناسخها على نفس الأصل الذي اعتمده ناسخ "ك" إذ أنهما يكادان يتفقان في كل شيء. وصف المخطوطة "أ ": وتوجد هذه النسخة بمكتبة الحاج سليم آغا بأسكدار في إستانبول تحت رقم ٤٩٩، ضمن مجموع (١٣٦/ أ-١٨٦/ ب) خطها، مشرقي جميل (١)، سطورها حوالي (٢٥) سطراً كل سطر يشتمل على (١٢ - ١٥) كلمة. كتب في أول صفحة: "كتاب القانون تصنيف الشيخ الإِمام العالم العلامة الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري ﵁ وأرضاه" وفي الصفحة الثانية كتب ما يلي: "بسم الله الرحمن الرحيم، رب أعن بفضلك وكرمك، قال الشيخ الفقيه الإِمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري رحمة الله عليه: هذه رسالة من المستبصر .. ".

стр. 389

وكتب الناسخ في خاتمة الكتاب: "تم القانون بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمد نبيه الكريم وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مؤبداً". وكان الفراغ من نسخ هذه المخطوطة كما جاء في آخرها: "فرغ من نسخه في العشر الأول من شهر ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة غفر الله لمصنفه ولمالكه وكاتبه وقارئه ومستمعه ولجميع المسلمين والحمد لله رب العالمين". ونقرأ تحت هذه الخاتمة عبارة ختم الوقف وهي: "قد وقف هذا الكتاب المستطاب لوجه الله الملك الوهاب الحاج سليم آغا وشرط بألا يخرج ولا يرهن ومن بدله بعدما سمعه .. الخ". ملاحظة: كما اعتمدت في الصفحة الأولى من المخطوط على نسخة الأستاذ سعيد أعراب بواسطة ما نقله عنها الأستاذ عبد السلام أحمد الكنوني (١). وقد وصفها بأنها تقع في ٨٨ ورقة وتشمل على ثلاثين عنواناً. وصدّرها الناسخ بالعبارة التالية: "قال الِإمام أبو بكر محمد بن عبد الله المعافري قدس الله روحه ونوّر ضريحه: هذه رسالة من المستبصر .. " ولا ذكر لتاريخ النسخ، ويفهم من عبارة الناسخ في ختام النسخة أنه نقلها وجادة عن نسخة أصلية وصفها بأنها "الأم"، قال: "انتهى ما وجدناه من الأم .. ". كما اعتمدت في المقارنة في بعض المواضع من المخطوط على كتاب ابن العربي "واضح السبيل إلى معرفة قانون التأويل" (٢) نسخة دار الكتب

стр. 390

بالقاهرة رقم: ١٨٤ تفسير (١)، وقد رمزت إليها "بقانون القاهرة" كما اعتمدت على نسخة مكتبة دير الأسكريال بإسبانيا رقم: ١٢٦٤ (٢)، وقد رمزت لها "بمعرفة قانون الأسكريال" أو "قانون الأسكريال" (٣). منهج التحقيق: تعارف المحققون المعاصرون على خدمة النص بحل إشكالاته والتعريف بأعلامه من رجال ومواضيع، وشرح الغريب من ألفاظه ومصطلحاته، تيسيراً على القارئ لئلا يضطر إلى مراجعة مصادر عديدة وهو يقرأ فيه، ولكن حصل تباين كبير بين المحققين في ضابط التعليق وقدره، فذهب المستشرقون وجماعة من الباحثين العرب والمسلمين إلى الاقتصار على إخراج النص مصححاً مجردًا من كل تعليق، واكتفوا بالإشارة في الحواشي إلى اختلاف النسخ للكتاب الواحد في بعض الألفاظ. وذهبت طائفة أخرى من الباحثين إلى أنه من الواجب زيادة على الإشارة على اختلاف النسخ الخطية- توضيح النص بالهوامش والتعليقات والترجيح بين الآراء، أو تفنيد بعضها. وقد آثرنا أن نتبع في تحقيق كتاب "قانون التأويل" الطريقة الثانية لأسباب توكدت قيمتها عندنا، وآمنا بأهميتها وجدواها، ويدركها كل من اطلع على نص "القانون". ومن هذا المنطلق قمت بخدمة الكتاب بأقصى ما استطعت من قوة، وبما توفر لديّ من الكتب المطبوعة والمخطوطة، فجمعت نسخ الكتاب المبعثرة في خزائن الكتب العالمية، وهذا العمل لم يكن سهلاً ميسوراً، ولما كنت مؤمناً بضرورة مقارنة النص الذي ينقله ابن العربي من غيره، بأصول
следующие страницы →