١ - مخطوطة أحمد بن منصور بـ "إبزو" بالمغرب الأقصى ورمزت لها بحرف "ب".
٢ - مخطوطة المرحوم الشيخ عبد الحي الكتاني، والموجودة بالخزانة العامة بالرباط، تحت رقم: ٢٥١ ك، ورمزت لها بحرف "ك".
٣ - مخطوطة الأستاذ الشيخ محمد المنوني -حفظه الله- ورمزت لها بحرف "م".
٤ - مخطوطة مكتبة الحاج سليم آغا بأسكدار بتركيا تحت رقم: ٤٩٩، ورمزت لها بحرف "أ".
وصف المخطوطة: "ب "
مكتوبة بخط مغربي متوسط الجودة (١)، كتبت عناوينها بخط بارز، خالية من السماع والتمليك والتاريخ، ٢٥ سطراً، من القطع المتوسط، تقع في ٩٨ صفحة. راجعها ناسخها فأثبت بعض التصحيحات في الهامش. ويوجد (ميكروفيلم) لها بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم: ٥٩٥.
تبتدىء بـ "بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، قال الإِمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي ﵁: هذه رسالة من المستبصر ... ".
وأول عنوان ذكر فيها هو: "ذكر ابتداء طلب العلم".
وآخر عنوان هو: "تعديد الكبائر من مجموع الأخبار وقسمتها على الجوارح".
وختمت بقول الناسخ: "كمل كتاب قانون التأويل لأبي بكر بن العربي ﵀".
стр. 387
ونلاحظ في هذه النسخة بعض البياضات التي نشأت عن الرطوبة، وسجل الناسخ عنوانات لبعض المباحث الفرعية التي أثارت انتباهه وإعجابه.
وصف المخطوطة "ك ":
تقع هذه المخطوطة ضمن مجموع تحت رقم: ٢٥١ ك في الخزانة العامة بالرباط، وهي من تركة شيخ شيوخنا عبد الحي الكتاني ﵀.
وهي مبتورة الأخير، سليمة من الخرم والطمس، كتبت بخط مغربي معتاد خال من الشكل، وميزت فيها العناوين بالخط العريض.
تقع في ٣٢ صفحة، تبتدىء صفحاتها ضمن المجموع المشار إليه من ٣٦٤ وتنتهي في: ٣٩٦. في كل صفحة (٣١) سطراً، ويشتمل السطر على (١٦ - ١٨) كلمة تقريباً.
تبتدىء بـ "بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، كتاب فيه رسالة المستبصر تأليف الفقيه الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري ﵁، قال الإِمام أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي قدس الله روحه ونوّر ضريحه: هذه رسالة المستبصر ... ".
وتنتهي هذه النسخة في أثناء موضوع "ذكر استيفاء الغرض في التقسيم" وآخر جملة وردت هي: "وتبين لك أن معرفة الرب تكون بالعلم" وكتب في الهامش بخط مغاير للناسخ الأصلي: "هذا ما وجدناه في الأم".
ويبدو أن ناسخ هذه المخطوطة قد قابلها مرة ثانية على المخطوطة التي وصفها "بالأم" ويتضح ذلك من التصحيحات والتعليقات الوارة في الحواشي، وبالرغم من كل هذا فقد شاع فيها التصحيف والتحريف وسقوط الألفاظ والجمل.
стр. 388
وصف المخطوطة "م ":
هذه المخطوطة من مخطوطات خزانة المؤرخ الثبت الأستاذ محمد المنوني -حفظه الله تعالى- تحت رقم ٣٧٨، وهي مبتورة الأول والأخير.
كتبت بخط مغربي في القرن العاشر ظناً، ميزت عنوانات المباحث والمسائل والفوائد والتنبيهات بخط عريض. وتقع في حوالي ٤٠ ورقة كل صفحة (١٨) سطراً، ويشتمل السطر على حوالي (١٢) كلمة.
يبدأ الموجود من هذه المخطوطة بالعبارة التالية: "عليها كالسيل في الانحدار .. إلخ"، ثم العنوان التالي: "ذكر ابتداء طلب العلم وتنتهي هذه النسخة في أثناء موضوع: "ذكر استيفاء الغرض في التقسيم" وآخر جملة وردت هي: "وتبين لك أن معرفة الرب تكون بالعلم"، وكتب في الهامش بخط دقيق: "هذا ما وجدناه بالأم".
ويبدو أن هذه النسخة قد اعتمد ناسخها على نفس الأصل الذي اعتمده ناسخ "ك" إذ أنهما يكادان يتفقان في كل شيء.
وصف المخطوطة "أ ":
وتوجد هذه النسخة بمكتبة الحاج سليم آغا بأسكدار في إستانبول تحت رقم ٤٩٩، ضمن مجموع (١٣٦/ أ-١٨٦/ ب) خطها، مشرقي جميل (١)، سطورها حوالي (٢٥) سطراً كل سطر يشتمل على (١٢ - ١٥) كلمة.
كتب في أول صفحة: "كتاب القانون تصنيف الشيخ الإِمام العالم العلامة الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري ﵁ وأرضاه" وفي الصفحة الثانية كتب ما يلي: "بسم الله الرحمن الرحيم، رب أعن بفضلك وكرمك، قال الشيخ الفقيه الإِمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري رحمة الله عليه: هذه رسالة من المستبصر .. ".
стр. 389
وكتب الناسخ في خاتمة الكتاب: "تم القانون بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمد نبيه الكريم وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مؤبداً".
وكان الفراغ من نسخ هذه المخطوطة كما جاء في آخرها: "فرغ من نسخه في العشر الأول من شهر ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة غفر الله لمصنفه ولمالكه وكاتبه وقارئه ومستمعه ولجميع المسلمين والحمد لله رب العالمين".
ونقرأ تحت هذه الخاتمة عبارة ختم الوقف وهي: "قد وقف هذا الكتاب المستطاب لوجه الله الملك الوهاب الحاج سليم آغا وشرط بألا يخرج ولا يرهن ومن بدله بعدما سمعه .. الخ".
ملاحظة:
كما اعتمدت في الصفحة الأولى من المخطوط على نسخة الأستاذ سعيد أعراب بواسطة ما نقله عنها الأستاذ عبد السلام أحمد الكنوني (١). وقد وصفها بأنها تقع في ٨٨ ورقة وتشمل على ثلاثين عنواناً.
وصدّرها الناسخ بالعبارة التالية: "قال الِإمام أبو بكر محمد بن عبد الله المعافري قدس الله روحه ونوّر ضريحه: هذه رسالة من المستبصر .. " ولا ذكر لتاريخ النسخ، ويفهم من عبارة الناسخ في ختام النسخة أنه نقلها وجادة عن نسخة أصلية وصفها بأنها "الأم"، قال: "انتهى ما وجدناه من الأم .. ".
كما اعتمدت في المقارنة في بعض المواضع من المخطوط على كتاب ابن العربي "واضح السبيل إلى معرفة قانون التأويل" (٢) نسخة دار الكتب
стр. 390
بالقاهرة رقم: ١٨٤ تفسير (١)، وقد رمزت إليها "بقانون القاهرة" كما اعتمدت على نسخة مكتبة دير الأسكريال بإسبانيا رقم: ١٢٦٤ (٢)، وقد رمزت لها "بمعرفة قانون الأسكريال" أو "قانون الأسكريال" (٣).
منهج التحقيق:
تعارف المحققون المعاصرون على خدمة النص بحل إشكالاته والتعريف بأعلامه من رجال ومواضيع، وشرح الغريب من ألفاظه ومصطلحاته، تيسيراً على القارئ لئلا يضطر إلى مراجعة مصادر عديدة وهو يقرأ فيه، ولكن حصل تباين كبير بين المحققين في ضابط التعليق وقدره، فذهب المستشرقون وجماعة من الباحثين العرب والمسلمين إلى الاقتصار على إخراج النص مصححاً مجردًا من كل تعليق، واكتفوا بالإشارة في الحواشي إلى اختلاف النسخ للكتاب الواحد في بعض الألفاظ. وذهبت طائفة أخرى من الباحثين إلى أنه من الواجب زيادة على الإشارة على اختلاف النسخ الخطية- توضيح النص بالهوامش والتعليقات والترجيح بين الآراء، أو تفنيد بعضها.
وقد آثرنا أن نتبع في تحقيق كتاب "قانون التأويل" الطريقة الثانية لأسباب توكدت قيمتها عندنا، وآمنا بأهميتها وجدواها، ويدركها كل من اطلع على نص "القانون".
ومن هذا المنطلق قمت بخدمة الكتاب بأقصى ما استطعت من قوة، وبما توفر لديّ من الكتب المطبوعة والمخطوطة، فجمعت نسخ الكتاب المبعثرة في خزائن الكتب العالمية، وهذا العمل لم يكن سهلاً ميسوراً، ولما كنت مؤمناً بضرورة مقارنة النص الذي ينقله ابن العربي من غيره، بأصول
стр. 391
الكتب الأصلية، فقد بذلت جهدي وطاقتي للوقوف على هذه الكتب، وقد وُفِّقْتُ في عزو بعض النصوص ولم أُوَفَّق في أخرى.
أما سيرتي في العمل فتتلخص في الخطوات التالية:
١ - تقويم النص وإظهاره بأفضل عبارة تتفق مع المعنى ومع مقتضى الأسلوب، وذلك باعتمادي على المنهج الانتقائي المقارن، الذي أثبت فيه ما صح في النسخ الأربع، وأشير إلى القراءات المرجوحة في الهامش، وهذه هي الطريقة المثلى -في نظري- فإذا ما شعر القارئ في بعض المواطن بأن العبارة قلقة واضطر إلى التقدير والترجيح، فيجب حينئذٍ أن يعود إلى الحواشي التي فيها فروق النسخ بالتفصيل، فيختار القارئ لنفسه الوجه الذي يرتضيه، ويعرف المحققون المشتغلون بهذا الفن الصعوبات الكثيرة المتأتية من رداءة خط الناسخ- ناهيك عن الخطوط المغربية التي كتبت بها أغلب النسخ التي اعتمدتها في التحقيق ..
كما وردت نصوص المخطوطات الأربع وهي مليئة بفوضى التنقيط وغياب الضوابط، فكم عانينا من كتابة الهمزة ومن ضبط النقاط على الحروف (١) متوقفين حائرين معيدين قراءة النص مرات للتثبت من المعنى قبل تثبيت اللفظ، وأسأل الله أن أكون قد وفقت إلى إصلاح بعض الخلل في هذا المضمار، وقد اهتممت بتنقيط النص تنقيطاً مشرقياً عصرياً على الصورة التي نقرأ بها اليوم. إضافة إلى عمل الفواصل وعلامات الاستفهام والتعجب وغير ذلك بما يزيد النص وضوحاً، ولكننا لم نقسم النص مع ذلك إلى فقرات على طريقة بعض المحققين، لأن المؤلف في هذا الكتاب قد قسمه إلى أقسام، وكل قسم تحت عنوان خاص، وفق التصميم الدقيق الذي بناه عليه.
٢ - أشرت إلى أرقام الآيات القرآنية الكريمة، وموردها في السور.
стр. 392
٣ - قمت بتخريج ما تمكنت من تخريجه من الأحاديث والأخبار الممكن تخريجها وذلك ببيان مظان الحديث، وربما أشير إلى درجته من حيث الضعف والحسن والصحة، بالاستعانة برجال هذا الفن.
٤ - عرّفت بكثير من التراجم الواردة في الكتاب عند أول ورودها في الغالب الأعم، وتركت المعروف المشهور منها، وقصرت تعريفي على الضروري من سيرهم مع ذكر تاريخ الوفاة، خوفاً من التطويل الذي أخشى أن أتهم به، وأحلت على مجموعة مختارة من المصادر والمراجع من غير استقصاء لها. وكرهت أن أحشد عند كل مكان مراجع كثيرة لا ينتفع بها قارئ الكتاب، اقتناعاً مني بأن القدر البسيط من المراجع قد يفيد الطالب والمثقف العادي، أما أهل العلم والتحقيق والتدقيق فهم أقدر مني على استيعاب ما يشاؤون من المراجع، وهم لذلك في غنى عن إدلائي عليهم بكثرة مراجعي وتنوعها.
٥ - عرفت بالمغمور من مواضع البلدان.
٦ - صححت كثيراً من أخطاء النحو أو أخطاء النسخ الواضحة، ولم أشر -في غالب الأحيان- إليها، وهذه الأخطاء النحوية موجودة في جميع الأصول، وهي من النساخ لا من المؤلف بطبيعة الحال.
٧ - تحقيق المسائل العلمية وذلك بأمرين:
أ- بيان المراجع المعتمدة في المسألة.
ب- بيان رأي السلف في أهم المسائل العقدية الواردة.
وكان في الإمكان أن أختصر كثيراً من التعليقات التي علقتها على أصل الكتاب، غير أن الذي بعثني على التبسيط فيها هي توصلي إلى مخطوطات لابن العربي نادرة جمة الفوائد، قد يستبعد الحصول عليها، ولا يؤمل طبعها، منها "سراج المريدين" و"المتوسط" و "معرفة قانون التأويل" وغيرها.
وأخيراً، فإنني بذلت جهدي في إخراج النص صحيحاً، ومع ذلك
стр. 393
فالمشتغل بتحقيق المخطوطات القديمة لا يستطيع مهما أوتي من علم وإحاطة وتبصر أن يجزم بكمال النص الذي حققه، وإني لآمل أن أجد من آراء الزملاء والأساتذة الدارسين ممن ينظرون في هذا الكتاب؛ ما يعين على استكمال أسباب التحقيق، من تقويم معوج، أو تصحيح خطأ أو تلافي نقص، وفوق كل ذي علم عليم.
المحقق
стр. 394
كتاب "قَانون التَّأويل"
стр. 395
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب أعن بفضلك وكرمك
قال الشيخ الفقيه الإِمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري رحمة الله عليه:
هذه رسالة من المستبصر بنقصه، المستقصر لنفسه، المضطرِّ إلى ربه، المستغفر لذنبه، إلى جميع الطالبين، والراغبين، والسَّالكين سبيل المهتدين.
إلى من صدقت إليه رغبته، واستمرت عليه عزيمته في تحرير مجموع في علوم القرآن، يكون مفتاحاً للبيان، ولج (١) عند التوقف عن ذلك في العتاب (٢)، وطمس في وجه الأعتاب (٣)، وأغلق إلى المعذرة كلّ باب.
стр. 396
واحتج بما شاهد من كلامي عليه إبّان كنت أليح (١) إلى من حضر من المسلمين بأنوار الفجر في مجالس الذكر.
وجذب مع نفسه جماعة لجُّوا بلجاجه، وعجُّوا (٢) بعجاجه .. وصمَّمُوا على أن العذر لا يلوح في هذا، لأن تلك الأقوال التي كنا نسمع، لو تقيدت في قراطيس، لكانت رحضاً لو ضر الجهالة، وحسماً لداء الحسادة، وَبَهْتاً لمن أحظر عناده، ولعمّت منفعتها من تقبلها وردّها، ومثلها كالغيث إذا همع (٣) أصاب الأباطح والرياض، وصاب (٤) على الحدائق والغياض. فيكون منها طائفة تمرّ عليها كالسيل في الانحدار، وأخرى تقبلته فحفظته على من يرد مع مرور الأعصار، وثالثة صرفته بوجوه التفطن والاستبصار، ورابعة جمعت فيه بين العلم به والعمل في الأذكار.
قالوا: ولو لم نشاهد إيرادك فيه لما يعجز أهل الوقت، ويوجب عليهم في ترك الاعتراف لك بالمقت، ولا سمعنا منك تلك الدرر،
стр. 397
والجواهر منظومة في سلك الأبداد (١)، قاضية لك بالانفراد في العلم والاستبداد، وبالغة من البيان إلى غاية المراد، لكنا نغبر في وجه الاعتراض عليك، ونلقي بمقاليد القول إليك ..
فأما وقد كان من بيانك ما كان، وبان للخلق منه ما بان، فلا يسعك والحالة هذه إلاَّ أن تقوم بهذا الحقّ المتعيّن عَلَيْكَ، أو تخرج عن ذلك بعذر يُقْبِلُ وجه القبول إليك (٢):
فقلت: معاشر المريدين، أبلعوني ريقي، تعرفوا تحقيقي، وخذوا خاتمة كلامي يتبين لكم الفصل بين مرامكم ومرامي، واجمعوا ساعة على إسعادي، فربما ساعدتموني بَعْدُ على مرادي.
إنَّ الله سبحانه -له الحمد وله الشكر، وبيده الخير والشر (٣)، ومنه
стр. 398
النفع والضر -يَسَّرَ لي طلب العلم على الوجه الذي كنا رتَّبنا بيانه في كتاب "ترتيب الرحلة للترغيب في الملة" (١)، فلما شذّ في معرض المقادير، واستلبته الحوادث بما سَبَقَ في علم الله من التدبير، رأينا أنْ نُجَدِّدَ مَا سَلِمَ في الرقاع الموجودة، مع ما حضر في الذكر، ليكون عنواناً لما جرى، وتنبيهاً على فضل من تَأوَّبَ، وَسِرّاً وحجّة لمن قال: قد تعدى من تمنّى أن يكون مثل من تعنى (٢)، ونقرن به من نُكَتِ المعارف، ما يقوم به مائلُ العذر، ويتضح منه ما استبهم لكم من الأمر، ونشير إلى الممكن من "قانون في التأويل لعلوم التنزيل" يرشد المبتدىء إلى ضالة الطِّلاب، ويفتح على المنتهي ما أُرْتِجَ (٣) من الأبواب.
ذكر ابتداء طلب العلم
عجباً لقوم يقادون بالحَكَمَةِ (٤) إلى الحِكْمَةِ، وإلى العلم بالسلاسل، وآخرين مهمِلِينَ بالعدل على الاسترسال في الشهوات، والتخلِّي في غمرة
стр. 399
البطالات، ولما خلق الِإنسان من نَتَنٍ وَقَذَرٍ بسابق القَدَرِ، ثم حُلِّي بعقل وسمع وبصر، كانت الرذيلة صفة لازمة، وعادت الفضيلة مكتسبة، وقد خلق على الفطرة، وصار من أصل يكون عليه، وفرع يعاد إليه.
وكان من حسن قضاء الله أني كنت في عنفوان الشباب وريان (١) الحداثة، وعند ريعان (٢) النشأة، رتب لي أبي (٣) ﵀ معلماً لكتاب الله، حتى حذقت (٤) القرآن في العام التاسع، ثم قَرَنَ بي ثلاثةً من المعلمين، أحدهم هو لضبط القرآن بأحرفه السبعة التي جمعها الله فيه، وَنَبَّهَ الصادق ﷺ عليها في قوله: "أُنْزِلَ القرآنُ عَلَى سَبْعَةِ أحْرفٍ" (٥) في تفصيل فيها.
стр. 400
والثاني لعلم العربية.
والثالث للتدريب في الحُسْبَانِ.
فلم يأت على ابتداء الأشد في العام السادس عشر من العدد، إلا وأنا قد قرأت من أحرف القرآن نحواً من عشرة، بما يتبعها من إدغام، وإظهار، وقصر، ومد، وتخفيف، وشد، وتحريك، وتسكين، وحذف، وتتميم، وترقيق، وتفخيم.
وقد جمعت من العربية فنوناً، وتصرفت فيها تمريناً، منها كتاب "الإيضاح" للفارسي (١)، والجمل (٢)، وكتاب النّحاس (٣)، و "الأصول"
стр. 401
لابن السَّرَّاج (١)، والدُّرَيْوَد (٢) وسمعت كتاب الثُّمَالِي (٣)، وكتاب الصناعة الأصلي الذي أنهى الخليل (٤) إلى سيبويه (٥) تصنيفه، ثم تولى سيبويه
стр. 402
نظمه وترتيبه، وقرأت من الأشعار جملة، منها الستة (١)، وشعر الطَّائِي (٢)، والجُعَفِيّ (٣)، وكثيراً من أشعار العرب والمُحْدَثِينَ.
وقرأت في اللغة كتاب ثَعْلَب (٤)، و "إصلاح المنطق" (٥) و"الأمالي" (٦) وغيرها.
وسمعت جملة من الحديث على المشيخة.
وقرأت علم الحسبان: المعاملات، والجبر، والفرائض عملاً، ثم كتاب
стр. 403
إقْلِيدِس (١) وما يليه إلى الشَّكْلِ القَطَّاعِ (٢)، وعدلت بالأزْيَاجِ الثلاثة (٣)، ونظرت في الأُسْطُرْلَابِ (٤)، وفي مسقط النقطة ونحوه.
يتعاقب على هؤلاء المعلمون من صلاة الصبح إلى أذان العصر، ثم ينصرفون عَنِّي، وآخذ في الراحَةِ إلى صبح اليوم الثاني، فلا تتركني نفسي فارغاً من مطالعة، أو مذاكرة، أو تعليق فائدة، وأنا بغرارة الشباب أجمع من هذه الجُمَلِ ما يَجْمُلُ وما لا يجمل، والقَدَرُ يخبِّؤُها عندي للانتفاع بها في الرد على الملحدين، والتمهيد لأصول الدين.
ثم حالت هذه الحالة الخاصة بالاستحالة العامة عند دخول المرابطين
стр. 404
بلدنا سنة أربع وثمانين وأربعمئة (١)، ووقع علينا من تلك الحوادث ما كان مدة أسفَّ (٢) فوقنا، وصاب بأرضنا شؤبوب فتنة يا طال ما دارت سحابة بنا، فانصدع الالتئام، وتعدد ذلك النظام، وكان لنا خيرةً وللِإسلام، ولم يكن بأرضنا المُقَام.
ذكر الرحلة في طلب العلم
فدعت الضرورة إلى الرحلة، فخرجنا والأعداء يشمتون بنا، وآيات القرآن تَنْزعُ لنا، وفي علم الباري جلت قدرته أنه ما مر عَلَيّ يوم من الدهر كان أعجبَ عندي من يوم خروجي من بلدي، ذاهباً إلى ربي، ولقد كنت مع غزارة السبيبة (٣)، ونضارة الشبيبة، أحْرصُ على طلب العلم في الآفاق، وأتَمَنَّى لَهُ حَالَ الصَّفَّاقِ الأفَّاقِ (٤)، وأرى أن التمكن من ذلك في جنب ذهاب الجاه والمال، وبُعْدِ الأهل بتغير الحال، ربح في التجارة، ونُجح في المطلب. وكان الباعث على هذا التشبث -مع هول الأمر- همة لزمت، وعزمة لجمت (٥)، ساقتها رحمة سبقت.
стр. 405
ولقد كنت يوماً مع بعض المعلمين، فجلس إلينا أبي -رحمة الله عليه- يطالع ما انتهى إليه علمي في لحظة سرقها من زمانه مع عظيم أشغاله، وجلس بجلوسه من حضر من قاصديه، فدخل إلينا أحد السماسرة وعلى يديه رِزْمَةَ كُتُب، فَحَلَّ شِنَاقَهَا (١) وأرسل وِثَاقَهَا، فَإذَا بها من تأليف السِّمْنَانِيّ (٢) شَيْخِ البَاجِيّ (٣). فسمعت جميعهم يقولون: هذه كتب عظيمة، وعلوم جليلة، جلبها الباجيّ من المشرق، فصدعت هذه الكلمة كبدي، وقرعت خلدي، وجعلوا يوردون في ذكره ويصدرون، ويَحْكُون أن فقهاء بلادِنا لا يفهمون عنه ولا يعقلون، وناهيك من أمة يجلب إليها هذا القدر الطفيف، فلا يكون منهم أحد يضاف إليه، إلاَّ بصفة العاجز الضعيف، ونذرت في نفسي طية، لئن ملكت أمري لأهاجرن إلى هذه المقامات،
стр. 406
ولأفدن على أولاء الرجالات، وَلأتَمَرَّسنَّ بما لديهم من المعاقد والمقالات واكْتَتَمْتُهَا عزيمة غير مثنوية، فلما وقعت هذه الحال، كنت مع تفاقم الخَطْب، وتعاظم الأمر الواردين عليَّ، نِعْمَة سابغة، ونَعْمَة بالغة، أتسلّى بما كان في طَيَّتي من الرحلة، فترى كل من فقد نعمة يبتئس، وإذَا نَظَرْتَ إليَّ وَجَدْتَنِي أتَأنَّس.
فخرجنا (١) مُكْرَمِينَ، أو قل مكرهين، آمنين وإن شئت خائفين، وفررت منكم لما خفتكم، فوْهب لي ربي حكماً وجعلني من العالمين. وكتبني في أتباع من قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩].
стр. 407
ذكر ما لِقيتُه في العلم من المترسمين والعلماء الراسخين في أثناء رحلتي المشار إليها
فكان أول بلدة دخلت مَالَقَة (١)، فألفيت بها أمةً رأسهم الشعْبِي (٢) أشهر ما عنده نسبهُ، وعنده رواية ومسائل، ولديه حشمة، وله عند الأمراء قدم وجاه. ثم طفرت من أغَرْنَاطَة (٣) إلى المَرِيَّة (٤)، فرأيت بها رجالات
стр. 408
في المسائل والقراءات، وأدباء متوسطي المنزلة بين دَرَجَتَي التقصير والكمال، في أيام قلائل لبثت بها لَمْ أخْبُر بها حالَهُم، فربك أعلم بهم، إِلاَّ أني جالست قاضيَها ومقرئَها ابن شَفِيع (١).
وركبت البحر محفوزاً، فَأرْفَأنَا (٢) إِلى بِجَايَة (٣)، فرأيت فيها جماعةً من أهل المسائل، ولقيت بها محمد بن عمار الميورقي (٤) رأساً فيهم، مشاركاً في مَعَارِفَ حَدِيثٍ وَمَسَائِلَ وَأدَبٍ، وربما كانت عنده في الأصول إِشارة لا تُومِىءُ إلى المراد، منسوجة على منوال الباجي ونظرائه. ولقيت خاصة دولتها، ورأيت رأس وزعتها (٥): القاسم بن عبد الرحمن (٦)، رواء ورويّة، وإتقان في الأدب، وقوة على الصناعة الكتابية، جمالُ قطره، أو قل جلال عصره،
стр. 409
قَصَدَنَا إلى منزلنا وهو على محل من الدولة عظيم، وفي رؤسائها مقدم زعيم، في حجرة بخان (١) السلطان كنا تبوأناها، ولم ير عليه في ذلك غَضَاضَةً، كما يفعله من كان في المعلومات قُرَاضَة (٢). فسألنا عن حالنا وطريقنا وَمَقْصِدِنا، وتفاوضنا معه، والحديث يَسْحَبُ ذيلَهُ، ويولج في نهاره ليله، وهو في أكثر كلامه ينتحى قيلة، والكلام -كما جاء في المثل- ذو شجون (٣)، وفيه الصفاء والأجون، ولا يستنكر فيه الجد والمجون، حتى وقعنا في حديث جُرَيْج (٤)، فقلت له: سمعت التَّنُوخِيّ (٥) شيخ العربية عندنا يقول: ليس في كلام العرب اسم فيه فاءُ الفعل حرفاً واحداً إلا قوله في هذا الحديث: يا بابوس (٦). فقال على البديهة: وأين هو من دَدٍ (٧)، فأعجبني
стр. 410
استدراكه في بلده وهو فتى، على شيخ بلدي في معرفته وسنه. وكان ذلك بما رغبني في تحصيل العربية وضبط غريب الحديث. وقرأنا فيها كتاب أبي داود برواية التمار (١).
ثم خرجت عنها تارة متساحلين نقطع البحر قطع القفر، وحالة مُصحِرِينَ نطوي السباسب (٢) طيّ التجار للسَّبَائِب (٣)، فلقيت ببُونَة (٤) فقيهَها المسمى بسعد (٥) من أصحاب السُّيُوريّ (٦) شيخ متوسط في الطريقة.
ودخلنا تُونُسَ فكان بها قوم دون هذا الشيخ في المرتبة، وعندهم صلاح وإقبال على الأعمال.
ثم دخلت سُوسَةَ والمَهْدِيَّة (٧)، فلقيت بها جملة من أصحاب السيوري،
стр. 411
وغيرهم من فقهاء القيروان (١) كابن حبيب (٢) وحسان (٣) واللبيدي (٤)، وأبي الحسن بن الحداد (٥) في القراءات والأدب والكلام، ومن أصحاب ابن القديم (٦) جملة، وكان متكلماً مخصوصاً به، فلما لمح لي هذا الكوكب بطريقة القيروان (٧)، واستنارت لي فيها بنوع من البرهان، واستبرأتها بواضح من الدّلالات غَضِّ النبات والأفنان، قلت: هذا مطلبي.
стр. 412
فأخذت في قراءة شيء من أصول الدين، والمناظرة فيها مع الطالبين، ولزمت مجالس المتفقهين، وكان فيها الأدب على حالة وسطى.
فلما حان وقت إقلاع المركب في البحر إلى ديار الحجاز، اعتزمنا فركبناه بعد أن وعيت جملاً من المعلومات، تفسيرها في موضعها مسطور، فركبناه، وقد سبق (١) في علم الله أن يُعْظِمَ علينا البحر بِزَوْله (٢) ويغرِقَنَا في هَوْلهِ. فخرجنا من البحر خروج الميت من القبر، وانتهينا بعد خطب طويل إلى بيوت بني كَعْب مِنْ سُلَيْم (٣)، ونحن من السغب (٤) على عطب، ومن العُرْيِ في أقبح زي، قد قذف البحر زقاق زيت مزقت الحجارة هيئَتها، ودسمت الأدهان وبرها وَجِلدتها، فاحتزمناها أزُراً، واشتملناها لَفَفاً، تمجنا الأبصار، وتخذِلُنَا الأنصار، فعطف أميرهم علينا لعرق كان فيه من الحَضَرِ، وَخَفَرَنَا (٥) بحرمة أورثتها عنده سجية مصرية، إذ كان نشأ في
стр. 413
ديار الإسكندرية، وَدَرَّت عليه هناك الدرَةُ الدينية، فآوينا إليه فآوانا، وأطعمنا الله على يديه وسقانا، وأكرم مثوانا وكسانا، بأمر حقير طفيف، وفن من العلم طريف، وشرحه:
إنا لما وقفنا على بابه، ألفيناه وهو يدير بأعواد الشاه (١)، فعل السامد (٢) اللاه. فدنوت منه في تلك الأطمار (٣)، وسمح لي بيادقته (٤)، إذ كنت من الصغر في حد يسمح فيه للأغمار، ووقف بإزائهم، أنظر إلى تصرفهم من ورائهم، إذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في مجلس البطالة، مع غَلَبَةِ الصَّبْوَة والجهالة. فقلت للبيادقة:
стр. 414
الأمير أعلم من صاحبه، فلمحوني شزراً، وَعَظُمْتُ في عيونهم بعد أن كنت نزراً، وتقدم إلى الأمير من نقل إليه الكلام، فاستدناني، فدنوت منه، فسألني: هل لي بما هم فيه بصر؟.
فقلت: لي فيه بعض نظر سيبدو لك ويظهر: حرك تيك القطعة، ففعل، وعارضه صاحبه، فأمرته أن يحرك أخرى، وما زالت الحركات بينهم كذلك تترى حتى هزمه الأمير، وانقطع التدبير، فقالوا: ما أنت بصغير، وكان في أثناء تلك الحركات قد تَرَنَّمَ ابن عم الأمير منشداً:
وَأحْلَى الهَوَى مَا شَكَّ في الوَصْلِ رَبُّهُ ... وَفِي الهَجْرِ فَهْوَ الدهْرُ يَرْجُو وَيَتقِي (١)
فقال: لعن الله أبا الطيب، أو يشك الرب؟.
فقلت له في الحال: ليس كما ظن صاحبك أيها الأمير، إنما أرَادَ بالرب ها هنا الصاحب، تقول: ألذُّ الهوى ما كان العاشق فيه من الوصال وبلوغ الآمال على رَيْب، فهو في وقته كله، بين رجاء لما يؤَمِّلُه، وتقاة لما يقطع به، كما قال:
стр. 415
إِذا لم يكن في الحب سَخَط وَلَا رِضَى ... فَأيْنَ حَلَاوَاتُ الرسَائِلِ والكُتْب (١)
وأخذنا نضيف إلى ذلك من الأغراض، في طرفي الِإبرام والانتقاض، ما حرك فيهم إلى مبرتي داعي الانتهاض، وأقبلوا يتعجبون مني، ويسألون كم سني، ويستكشفونني عني، فبقرت لهم حديثي، وذكرت لهم نجيثي (٢)، وأعلمت الأمير بأن أبي معي، فاستدعاه، وقمنا الثلاثة إلى ماواه، فخلع علينا خِلَعَهُ، وأسْبَلَ أدمُعَهُ، وجاء كل خِوَانٍ (٣) بأفنان الألوان (٤)، فقال لنا: لا تسرفوا فإن الشبَعَ بأثَرِ الجوع معطب، وكأني بكم لم ينزل بكم سغب.
وأقمنا عنده حتى ثابت إلينا نفوسنا، وذهب عنا بؤسنا، وَسَألَنَا الإقامة عنده على أن يُصَيِّرَ إلينا صدقات بني سُلَيْم كلها، فأبينا إلاَّ الاستمرار على العزيمة الأولى، والتصميمَ إلى المرتبة الكريمة التي كانت بنا أولى، ففارقناه على ضنانة بنا وحرص علينا، وإلى الآن يرد عَلَيَّ ذِكْرُهُ
стр. 416
وَسَلَامهُ، وينال كل من ذكرني عنده بره وإكرامه.
فانظر (١) إلى هذا العلم الذي هو إلى الجهل أقرب، مع تلك الصبابة اليسيرة من الأدب، كيف أنقذت من العطب، وهذا الذكر يرشدكم -إِنْ عَقَلْتُمْ- إلى المطلب.
وسرنا حتى انتهينا إلى ديار مصر، فألفينا بها جماعةً من المُحَدثِينَ والفقهاء والمتكلمين، والسلطان عليهم جَرِي (٢)، وهم من الخمول في سرب خفي، ومن هِجْران الخلق بحيث لا يرشد إليهم جَرِيء، لا ينسبون إلى العلم ببنت شفة، ولا يَنْتَسِبُ أحَدٌ منهم في فن إلى المعرفة، بَلْهَ الأدب، فنظرنا فيه مع قوم، منهم أبو عبد الله محمد بن قاسم العثماني (٣)، والسالمي (٤)، وشعيب العَبْدَرِي (٥) وآخرون سواهم ذكرناهم في موضعهم وسميناهم (٦).
وترددت في لقاء الناس بين أسفل وفوق، بما كنت فيه من المعارف
стр. 417
من التوق، وناظرت الشِّيعَة (١) والقَدَرِيَّة (٢)، وتدربت في جمل من الجدل، ونظرت في نبذ من علم الكلام، وتفطنت من سخافة هذه الطائفة بنفسي، إلى معان تممها لي النظر في المعارف والتمرس بالمشايخ. أمة غلب عليها سوء الاعتقاد، وَنُشِّئَتْ من غير فطم بلبن العِنَادِ، واستولى اليأس منهم بما هم فيه من الفساد.
ذكر دخول بيت المقدس
ثم رحلنا عن ديار مصر إلى الشام، وأملنا الِإمام، فدخلنا الأرض المقدسة، وبلغنا المسجد الأقصى، فلاح لي بدر المعرفة، فاستنرت به أزيد من ثلاثة أعوام، وحين صليت بالمسجد الأقصى فاتحة دخولي له، عَمَدْتُ إلى مدرسة الشافعية (٣) بباب الأسْبَاطِ (٤)، فألفيت بها جماعة من علمائهم
стр. 418
في يوم اجتماعهم للمناظرة عند شيخهم القاضي الرشيد (١) يحيى الذي كان استخلفه عليهم شيخنا الإِمام الزاهد نصْرُ بنُ إبراهيمَ النابلسي المقدسي (٢)، وهم يتناظرون على عادتهم، فكانت أول كلمة سمعتها من شيخ من علمائهم يقال له مَجَلِّي (٣): "بُقْعَةٌ لَوْ وَقَعَ القتل فِيهَا لاستُوفِيَ القِصَاصُ بهَا، وَكَذَلِكَ إذا وَقَعَ في غَيْرِهَا أصْلُهُ الحِل".
فلم أفهم من كلامه حرفاً، ولا تحققت منه نكراً ولا عرفاً، وأقمت حتى انتهى المجلس، فكررت راجعاً إلى منزلي وقد تَأوَّبَنِي حرصي القديم، وغلبني على جدي في التحصيل والتعليم، فقلت لأبي رحمة الله عليه: إنْ كانت لك نية في الحج، فامض لعزمك، فإني لست برائم عن هذه البلدة حتى أعلمَ علمَ من فيها، وأجعل ذلك دستوراً للعلم وسلماً إلى مراقيها، فساعدني حين رأى جِدَّي، وكانت صُحبته لي من أعظم أسباب
стр. 419
جِدِّي. ونظرنا في الإِقامة بها وخزلنا أنفسنا عن صحبة كنا نظمنا بهم في المشي إلى الحجاز، إذ كانوا في غاية الانحفاز.
ومشيت إلى شيخنا أبي بكر الفِهْرِي (١) رحمة الله عليه، وكان ملتزماً من المسجد الأقصى -طهره الله- بموضع يقال له الغوير بين باب الأسباط ومحراب زكريا ﵇ (٢) فلم نلقه به، واقتفينا أثره إلى موضع منه يقال له السكينة فألفيناه بها، فشاهدت هديه، وسمعت كلامه، فامتلأت عيني وأذني منه، وأعلمه أبي بنيتي فأناب، وطالعه بعزيمتي فأجاب، وانفتح لي به إلى العلم كل باب، ونفعني الله به في العلم والعمل، ويسر لي على يديه أعظمَ أمل، فاتخذت بيت المقدس مباءة، والتزمت فيه القراءة، لا أقْبِل على دنيا، ولا أكلم إنسياً، نواصل الليل بالنهار فيه، وخصوصاً بقبة السلْسِلَة (٣)، منه تطلُعُ الشمس على الطُورِ (٤)
стр. 420
وتغرب على محراب داود (١)، فيخلفها البدر طالعاً وغارباً على الموضعين المكرمين، وأدخل إلى مدارس الحنفية والشافعية في كل يوم، لحضور التناظر بين الطوائف، لا تُلْهِينَا تِجَارَة، وَلَا تَشْغَلُنَا صِلَةُ رَحِم، ولا تَقْطَعُنَا مُوَاصَلَةُ وَلِي، وَتُقَاةُ عَدُو.
فلم تمر بنا إلاَّ مدة يسيرة حتى حضر عندنا بالغوير ونحن نتناظر فقيه الشافعية عطاء المقدسي (٢) فسمعني وأنا أستدل على أن مُدَّ (٣) عَجْوَةٍ (٤) ودرهم، بِمُدي عَجْوَة لا يجوز، وقلت: الصفقة إذا جمعت مالي ربا ومعهما أو مع أحدهما ما يخالفه في القيمة سواء كان من جنسه، أو من غير جنسه، فإن ذلك لا يجوز، لما فيه من التفاضل عند تقدير التقسيط والنظر والتقويم في المقابلة بين الأعواض، وهذا أصل عظيم في تحصيل مسائل الربا (٥).
стр. 421
فأعجب الفهري ذلك، والتفت إلى عطاء وقال له: قَيَّضَت (١) فِرَاخُنَا! فقال له عطاء: بل طارت.
وذلك في الشهر الخامس أو السادس من ابتداء قراءتي.
وكنا نفاوض الكَرامِية (٢) والمُعْتَزِلَة والمُشَبِّهَة (٣) واليهود، وكان لليهود بها حَبْرٌ منهم يقال له: التُّسْتَرِي، لَقِناً فيهم، ذكياً بطريقهم. وخاصمنا النصارى بها، وكانت البلاد لهم، يأكرون (٤) ضياعها، ويلتزمون أديارهم، ويعمرون كنائسها.
стр. 422
وقد حضرنا يوماً مجلساً عظيماً فيه الطوائف، وتكلم التستري الحبر اليهودي على دينه فقال: اتفقنا على أن موسى نبي مؤيد بالمعجزات، مُعَلم بالكلمات، فمن ادعى أن غيره نبي فعليه الدليل. وأراد من طريق الجدال أن يرد الدليل في جهتنا حتى يطرد له المرام، وتمتد أطناب الكلام.
فقال له الفهري: إن أردت موسى الذي أُيِّدَ بالمعجزات وعُلِّمَ الكلمات وَبَشرَ بِأحْمَدَ، فقد اتفقنا عليه معكم، وآمنا به وصدقناه، وان أردت به موسى آخر فلا نعلم ما هو.
فاستحسن ذلك الحاضرون وأطنبوا في الثناء عليه، وكانت نكتة جدلية عقلة قوية، فبهت الخصم وانقضى الحكم.
ولم نزل على تلك السجية، حتى اطلعت -بفضل الله- على أغراض العلوم الثلاثة: علم الكلام وأصول الفقه ومسائل الخلاف التي هي عمدة الدين والطريق المَهْيَعُ إلى التَدَرب في معرفة أحكام المكلفين، الحاوية للمسألة والدليل، والجامعة للتفريع والتعليل، وقرأنا "المدونة" بالطريقتين القيروانية في التنظير والتمثيل، والعراقية على ما تقدم من معرفة الدليل.
وفي أثناء ذلك، ورد علينا برسم زيارة الخليل صلوات الله عليه وسلامه وبنية الصلاة في المسجد الأقصى جماعة من علماء خُرَاسَان (١) كالزَوْزَنِي (٢)
стр. 423
والصاغَانِي (١) والزنْجَاني (٢) والقاضي الريْحَاني (٣)، ومن الطلبة جماعة كالبسْكَرِي (٤) وساتكين الترْكي (٥)، فلما سمعت كلامهم رأيت أنها درجة عاليَة، ومزية ثانية، وَبَز (٦) من المعارف أغلى، ومنزلة في العلوم أعلى، وكأني إذْ سمعت كلامهم ما قرأت ما يعْنِي، ولا يكفي في المطلوب ولا يُغني.
وكان من غريب الاتفاق الإِلهي، أن المسألة التي سمعت أول دخولي بيت المقدس، ولم أفهم كلام القوم فيها، هي التى سمعت الصَّاغَانِي يتكلم عليها، فرأيت أنه أغْوَصُ على جَوَاهِرِ كتابِ الله، واستنباطٌ لا يُدْركه إلاَّ من اصطفاه الله، وكذلك سمعت كلام الزوْزَني في مسائل منها: قتل المسلم بالذمي، فرأيته يُقَرْطِسُ (٧) على غَرَض الصَّاغَانِي، وينظرون إلى المطلوب من حدقة واحدة، ويلجون بيت المعارف من باب واحد، فاستخرت الله تعالى على المشي إلى العراق، وصورة المسألة، وتسطير الكلامين، يكشف لك قناع الطريقتين.
стр. 424
قال مجلي في أول مجلس: من قتل في الحرم، أو في الحل، فلجأ إلى الحرم قتل، لأن الحرم بقعة لو وقع القتل فيها لاستوفي القصاص بها، فكذلك إذا وقع القتل في غيرها، أصله الحل.
فقال له خصمه (١): لا يمتنع أن يقع القتل فيها ولا تعصمه، وإذا قتل في غيرها ولجأ إليها عصمته، كالصيد إذا لجأ إلى الحرم عصمه، ولو صال على أحد في الحرم لما عصمه، وهذا الفقه صحيح (٢)، وذلك أن القاتل في غير الحرم إذا لجأ إليه فقد استعاذ بحُرْمَته واستلاذ بأمَنَتِه وقد قال سبحانه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وإذا قَتَلَ فيه فقد هتك حرمته، وضيع أمنته، فكيف يعصمه؟.
فقال له مَجَلِّي: هذا الذي ذكرت لا يصح ولا يَلْزَمُنِي لأن الحرم لم يحترم بحرمة القاتل، ولا باعتقاده واحترامه، وإنما احْتُرم بحرمة الله سبحانه التي جعلها الله فيه وحكم بها له، فسواء أقام القاتل هذه الحرمة أم لم يقمها لا يسقط شيء منها، فكان من حقك أن تعصمه على كل حال، لقيام الحرمة في الحرم لنفسه، وحكم الله بها له، ويخالف الصيد، فإن الله حرّم الصيد علينا ما دمنا حُرُماً، أي محرمين أو كائنين في الحرم، لكن الصيد إذا صال على أحد لم يجز قتله ولكنه يدفعه عن نفسه وإن أدى إلى قتله، كالمسلم فإنه احترم بحرمة الإِسلام، وعُصِمَ دمه بالشهادتين، فإذ صال على أحد وجب دفعه وإن أدّى ذلك إلى ذهاب نفسه.
стр. 425
وأما قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ فإنما عني به ما كان عليه الحرم في الجاهلية من تعظيم الكفار له، وأمن اللائذ منهم به. ودار الكلام على هذا النحو (١).
ثم دخل علينا مدرسة أبي عقبة الحنفية ببيت المقدس بعد ذلك بمدة الصاغاني في جبة راع، وسلم واخترق الحلقة إِلى أن قعد بإزاء الشيخ وعليه سيماء الثروة وأسمال الرغبة، ففطن الشيخ -وهو القاضي الريحاني- له فقال: لعل الشيخ من أهل هذه الرفقة المسلوبة بالأمس.
فقال له الصاغاني: نعم.
فاسترجع له ودعا بالخير، ثم قال له: وهو من أهل العلم والله أعلم؟.
فقال: ما أنا إلاَّ قرأت شيئاً يسيراً.
فقال القاضي للأصحاب مبادراً: سلوه؟.
فسألوه عن هذه المسألة فقال: إذا الجاني لجأ إِلى الحرم لا يقتل.
ففرح القاضي وقال: وكأن الشيخ حنفي!