← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 97927

قانون التأويل

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (664 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فأعجب الفهري ذلك، والتفت إلى عطاء وقال له: قَيَّضَت (١) فِرَاخُنَا! فقال له عطاء: بل طارت. وذلك في الشهر الخامس أو السادس من ابتداء قراءتي. وكنا نفاوض الكَرامِية (٢) والمُعْتَزِلَة والمُشَبِّهَة (٣) واليهود، وكان لليهود بها حَبْرٌ منهم يقال له: التُّسْتَرِي، لَقِناً فيهم، ذكياً بطريقهم. وخاصمنا النصارى بها، وكانت البلاد لهم، يأكرون (٤) ضياعها، ويلتزمون أديارهم، ويعمرون كنائسها.

стр. 422

وقد حضرنا يوماً مجلساً عظيماً فيه الطوائف، وتكلم التستري الحبر اليهودي على دينه فقال: اتفقنا على أن موسى نبي مؤيد بالمعجزات، مُعَلم بالكلمات، فمن ادعى أن غيره نبي فعليه الدليل. وأراد من طريق الجدال أن يرد الدليل في جهتنا حتى يطرد له المرام، وتمتد أطناب الكلام. فقال له الفهري: إن أردت موسى الذي أُيِّدَ بالمعجزات وعُلِّمَ الكلمات وَبَشرَ بِأحْمَدَ، فقد اتفقنا عليه معكم، وآمنا به وصدقناه، وان أردت به موسى آخر فلا نعلم ما هو. فاستحسن ذلك الحاضرون وأطنبوا في الثناء عليه، وكانت نكتة جدلية عقلة قوية، فبهت الخصم وانقضى الحكم. ولم نزل على تلك السجية، حتى اطلعت -بفضل الله- على أغراض العلوم الثلاثة: علم الكلام وأصول الفقه ومسائل الخلاف التي هي عمدة الدين والطريق المَهْيَعُ إلى التَدَرب في معرفة أحكام المكلفين، الحاوية للمسألة والدليل، والجامعة للتفريع والتعليل، وقرأنا "المدونة" بالطريقتين القيروانية في التنظير والتمثيل، والعراقية على ما تقدم من معرفة الدليل. وفي أثناء ذلك، ورد علينا برسم زيارة الخليل صلوات الله عليه وسلامه وبنية الصلاة في المسجد الأقصى جماعة من علماء خُرَاسَان (١) كالزَوْزَنِي (٢)

стр. 423

والصاغَانِي (١) والزنْجَاني (٢) والقاضي الريْحَاني (٣)، ومن الطلبة جماعة كالبسْكَرِي (٤) وساتكين الترْكي (٥)، فلما سمعت كلامهم رأيت أنها درجة عاليَة، ومزية ثانية، وَبَز (٦) من المعارف أغلى، ومنزلة في العلوم أعلى، وكأني إذْ سمعت كلامهم ما قرأت ما يعْنِي، ولا يكفي في المطلوب ولا يُغني. وكان من غريب الاتفاق الإِلهي، أن المسألة التي سمعت أول دخولي بيت المقدس، ولم أفهم كلام القوم فيها، هي التى سمعت الصَّاغَانِي يتكلم عليها، فرأيت أنه أغْوَصُ على جَوَاهِرِ كتابِ الله، واستنباطٌ لا يُدْركه إلاَّ من اصطفاه الله، وكذلك سمعت كلام الزوْزَني في مسائل منها: قتل المسلم بالذمي، فرأيته يُقَرْطِسُ (٧) على غَرَض الصَّاغَانِي، وينظرون إلى المطلوب من حدقة واحدة، ويلجون بيت المعارف من باب واحد، فاستخرت الله تعالى على المشي إلى العراق، وصورة المسألة، وتسطير الكلامين، يكشف لك قناع الطريقتين.

стр. 424

قال مجلي في أول مجلس: من قتل في الحرم، أو في الحل، فلجأ إلى الحرم قتل، لأن الحرم بقعة لو وقع القتل فيها لاستوفي القصاص بها، فكذلك إذا وقع القتل في غيرها، أصله الحل. فقال له خصمه (١): لا يمتنع أن يقع القتل فيها ولا تعصمه، وإذا قتل في غيرها ولجأ إليها عصمته، كالصيد إذا لجأ إلى الحرم عصمه، ولو صال على أحد في الحرم لما عصمه، وهذا الفقه صحيح (٢)، وذلك أن القاتل في غير الحرم إذا لجأ إليه فقد استعاذ بحُرْمَته واستلاذ بأمَنَتِه وقد قال سبحانه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وإذا قَتَلَ فيه فقد هتك حرمته، وضيع أمنته، فكيف يعصمه؟. فقال له مَجَلِّي: هذا الذي ذكرت لا يصح ولا يَلْزَمُنِي لأن الحرم لم يحترم بحرمة القاتل، ولا باعتقاده واحترامه، وإنما احْتُرم بحرمة الله سبحانه التي جعلها الله فيه وحكم بها له، فسواء أقام القاتل هذه الحرمة أم لم يقمها لا يسقط شيء منها، فكان من حقك أن تعصمه على كل حال، لقيام الحرمة في الحرم لنفسه، وحكم الله بها له، ويخالف الصيد، فإن الله حرّم الصيد علينا ما دمنا حُرُماً، أي محرمين أو كائنين في الحرم، لكن الصيد إذا صال على أحد لم يجز قتله ولكنه يدفعه عن نفسه وإن أدى إلى قتله، كالمسلم فإنه احترم بحرمة الإِسلام، وعُصِمَ دمه بالشهادتين، فإذ صال على أحد وجب دفعه وإن أدّى ذلك إلى ذهاب نفسه.

стр. 425

وأما قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ فإنما عني به ما كان عليه الحرم في الجاهلية من تعظيم الكفار له، وأمن اللائذ منهم به. ودار الكلام على هذا النحو (١). ثم دخل علينا مدرسة أبي عقبة الحنفية ببيت المقدس بعد ذلك بمدة الصاغاني في جبة راع، وسلم واخترق الحلقة إِلى أن قعد بإزاء الشيخ وعليه سيماء الثروة وأسمال الرغبة، ففطن الشيخ -وهو القاضي الريحاني- له فقال: لعل الشيخ من أهل هذه الرفقة المسلوبة بالأمس. فقال له الصاغاني: نعم. فاسترجع له ودعا بالخير، ثم قال له: وهو من أهل العلم والله أعلم؟. فقال: ما أنا إلاَّ قرأت شيئاً يسيراً. فقال القاضي للأصحاب مبادراً: سلوه؟. فسألوه عن هذه المسألة فقال: إذا الجاني لجأ إِلى الحرم لا يقتل. ففرح القاضي وقال: وكأن الشيخ حنفي!

стр. 426

قال له: نعم. فسئل عن الدليل: فاستدل بقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]. ثم قال: قُرِىء: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ﴾ و ﴿لا تَقْتُلُوهم﴾ (١)، فإن قلنا بقراءة من قرأ ﴿ولا تَقْتُلُوهُمْ﴾ * فهو نَص في مسألتنا، وإذا قلنا: بقراءة من قرأ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ﴾ * كان تنبيهاً، لأنه إذا نهى عن القتال -وهو سبب القتل- فالنهي عن المسبّب الذي هو القتل أولى. قال له القاضي الريحاني: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. قال له الصَّاغاني: القاضي أجل قدراً من أن يتكلم بهذا، وكيف ينسخ الخاص العام؟ وإنما ينسخ القول القول إذا عارضه. فبهت القاضي، وهذا ما لا جواب عنه لأحد. وأعجب لبعض المغاربة (٢) ممن قرأ الأصول يحكي عن أبي حنيفة إن العام ينسخ الخاص إذا كان متأخراً عنه، وهذا ما قال به قط، ولولا أن أبا حنيفة ناقض فقال: لا يبايع في الحرم، ولا يكلم، ولا يجالس ولا يعان بمأكل ولا بمشرب ولا بملبس حتى يخرج عنه فتؤخذ العقوبة منه، ما قام له في هذه المسألة أحد (٣)، إلى مناظرات كثيرة ومسائل من التحقيق عديدة.

стр. 427

وخرجت حينئذٍ إلى عسقلان (١) متساحلاً، فألفيت بها بَحْرَ أدَب يَعُبُّ عُبَابُهُ، وَيغُبُّ (٢) مِيزَابُهُ، فأقمت بها لا أرتوي منه نحواً من سِتةِ أشهر، فلما كان في بعض الأوان، كنت منقلباً عن بعض الإخوان إلى أن جئت لَقَم (٣) طريق وقد امتلأ بالناس وهم مُنْقَصِفُونَ (٤) على جارية تغنِّي في طاق (٥)، فوقفت أطلب طريقاً أو أفكر في المشي على غيره وهي تترنَّمُ للتِّهَامي (٦): أقُولُ لَهَا وَالعِيسُ تَحْدِجُ لِلنوى ... أعِدي لِفَقْدي مَا اسْتَطَعْتِ مِنَ الصبْر ألَيْسَ مِنَ الخُسْرَانِ أن لَيَالِيَا ... تَمُرُّ بِلَا نَفْعٍ وتُحْسَبُ مِنْ عُمُرِي فقلت لنفسي: محمد، هذا بشهادة الله وحي صوفي وهاتف ديني،

стр. 428

أنت المراد وعليك دار هذا الترداد، ارحل من حينك إلى نيتك الأولى، وخذ بنفسك إلى ما هو الأحرى بك والأولى. وبادرت إلى داري وقلت لأبي: الرحيل الرحيل، فليس هذا المنزل بمقيل، فسر بذلك، إذ كان من قبل يراودني عليه، وأنا أمانعه عليه. ودخلنا البحر في الحين إلى عَكَّا (١)، وأنجدنا (٢) إلى طَبَرِيةَ (٣) وَحَوَرَان (٤)، وصمدنا دمشق، وفيها جماعة من العلماء رأسهم شيخ الوقت سناء وسنا، وعلماً وديناً نصر بن إبراهيم المَقْدِسِي (٥) النابلسي، وأصحابه. متوافرون، وهم على سبيل أهل الأرض المقدسة سائرون، وفي مدرجتهم سالكون، وبتلك الدرجة متمكنون. فَلَزِمْنَا شَيْخَنَا نَصْرَ بنَ إبراهيمَ في السماع وانتهينا إلى سماع "كتاب البُخَاري" بعد تقدم غيره عليه، وكان يقرؤه علينا بلفظه لثقل سمعه، فلما

стр. 429

بلغنا حديث أمِّ زَرْع قال لي: كنت أسمع الخطيب أبا بكر البغدادي (١) يقول في هذا الحديث (*): إن النبي ﷺ قال في آخره لعائشة: كنت لك كأبي زرع لأم زرع غير أنه طلقا وأنا لا أطلقك (٢). فحفظتها سريرةً وطويتها ذخيرة حتى دخلت مدينة السلام فذاكرت بها أحفظ من لقيت فيها محمد بن سعدون (٣) فقال: لا أعرفها، ولقي أبا الحسين الطُّيُورِي (٤) قبلي فسأله عنها فقال: نعم أعرفها، فأخرجها إليه وفيها حديث أم زرع كاملاً بأسماء النسوة ونسبهن وفيها هذه الزيادة بعد ذكرهن، فقرأ ذلك عليه وأخبرني به عنه، ثم لقيت أبا

стр. 430

الحسن فكتبتها عنه وقرأتها عليه من طريق الزبير (١)، ثم قرأتها بعد ذلك على أبي المطهر القاضي (٢) الوافد علينا من أصبهان حاجاً سنة تسعين -من طريق الحارث بن أبي أسامة (٣) وفيها حتى ذكر كلب أم زرع، وقرأتها بعد ذلك على أبي عبد الله محمد ابن أبي العلاء (٤) من طريق الخطيب التي كان الشيخ نصر ابن إبراهيم أشار إليها. ذكر الرحلة إلى العراق ثم خرجنا إلى العراق، فلما نزلنا ضُمَيْراً (٥) آخر السَّوَاد (٦) وأول السَّمَاوَة (٧)،

стр. 431

سقينا واستقينا، ثم خرجنا عنه مُصْحِرينَ في السمَاوَة عَشِيَّ يوم الأحدِ منسلخَ شَعْبَانَ سنة تسع وثمانين وأربعمائة. فبينا نحن نقطع المفازة إلى ماء يقال له الأطْوَاء (١)، أهَلَّ علينا هلال رمضان، فكبَّر الناس والتَفَتَ إِليَّ أبي رحمة الله عليه يُكَبِّرُ بِتَكْبِيرِهِم، فما صرفت بصري إليه كراهة في جهة المغرب التي كان بها وتشوقاً إلى جهة المشرق التي كنت أؤملها .. واستمر بنا المسير تظلنا السماء، وتقلنا السمَاوَة حتى بلغنا بغداد فنزلنا بها، وخرجت إلى جامع الخليفة يوم الجمعة فصليت وجلست إلى حلقة حسين الطَّبَرِي (٢) النائب في ولاية التدريس بالدارِ النِّظَامِيةِ في ذلك الوقت، فسمعتهم يتكلمون في مسألة إجبار السيد عبده على النكاح، ولا يفوتني من كلامهم شيء من الفساد والصلاح، ونظرت إلى حالي أول دخولي بيت المقدس وأنا أسمع كلام مجلي في مسألة الحرم، وحالي حين دخولي بغداد وسماعي مسألة إجبار العبد على النكاح، فَهَمَّ قلبي يغيظ وَكَادَ لِسَاني يفيض، ثم تماسكت وليتني تكلمت، وعلى هذه الحال فإني قلت لبعض الطلبة الذي كان يجاورني: كلام المستدل أقوى من كلام المعترض،

стр. 432

فرمقني منكراً! وقال لِمَا رأى عَلَيَّ من صغر السنن متعجباً: أنَّى لك هذا؟. فقلت: أمر ظهر إِلَيَّ، وأعرضت عنه لئلا يتصل الكلام فيفطن لي. وخرجت بعد ذلك إلى مجلس مسجد الإِسلام مؤيد السنة أبي سعد الحُلْوَاني (١) بدرب الجاكرية، ولما دخلت عليه جلست في مجلس متوسط منه وهم يتكلمون، فلما فرَغُوا من تلك المسألة وأخذوا في أخرى وهي البكر الزانية هل تستنطق في النكاح، فاستدل شافعيّ منهم على أن حكمها حكم الثيبِ، فقال لي الحُلْوَاني: أيها الشيخ، إن كان عندك علم فتكلم. وَخَصَّنِي حين رآني ارتقيت إلى مجلس رفيع، وتهمم بي، فقلت: إن أذن سيدنا فعلت. فقال: نعم. فقلت: استدل الشيخ الِإمام بقول النبي ﷺ : "الثيبُ يُعْرِب عَنْهَا لِسَانهَا" [وهذه ثيب، وهذا لا حجة فيه لأن النبي ﷺ قال: "الثَّيب يُعْرِبُ عَنْهَا لِسَانُهَا]، وَالبِكْرُ تُسْتَأمَرُ في نَفْسِهَا" (٢) فعلق الحكم على الثيوبة والبكارة،

стр. 433

وهما اسمان مشتقان، وإذا علق الشارع الحكم على اسم جامد أفاد ما تفيده الإِشارة وهي بيان المحل خاصة، وإذا علق الحكم على اسم مشتق أفاد تعليل الحكم بمعنى الاسم، وهذا بين في الأصول معلوم بالدليل، والثيوبة والبكارة اسمان مشتقان، فعلق الحكم بمعنى البكارة وهو الاستحياء، ولذلك قال في الحديث: "وَالبكْرُ تُسْتَأمَرُ في نَفْسِهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله: إِنَّهَا تَسْتَحِي، قَالَ: إِذْنُهَا صمَاتُهَا". فعلل الصمات بالحياء، وَهِيَ بَعْدَ الزنَا أشَدُّ حياء منها قبل الزنا، مع ما في النطق من إشاعة الفاحشة (١)، فأعجب الحُلْوَانيَّ كلامي وقال: وكذلك والله أعربت عن نفسك وأبنت عن مكانك، وأدنى مجلسي، وبقيت لديه مكرماً حتى فارقته. ثم فاوضت بعد ذلك العلماء، وواظبت المجالس، واختصصت بفخر الإِسلام أبي بكر الشاشي (٢)، فقيه الوقت وإمامُه، فطلعت لي شموس المعارف، فقلت: الله أكبر هذا هو المطلوب الذي كنت أصمد، والوقت الذي كنت أرقب وأرصد (٣)، فدرست وقَيَّدْتُ وارتويت وسمعت ووعيت

стр. 434

حتى (١) ورد علينا دَانِشْمَنْد (٢)، فنزل برباط (٣) أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية (٤) معرضاً عن الدنيا، مقبلاً على الله تعالى، فمشينا إليه وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا الذي كنا ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة، وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن الخبر عن الغائب فوق المشاهدة ليس على العموم، ولو رآه علي ابن العباس (٥) لما قال: إذا ما مَدَحْتَ امْرَءاً غَائِبا ... فلا تغل في مدحه واقصد فإنك إن تغل تغل الظنو ... نُ فيه إلى الأمد الأبعد فيصغر من حيث عظمته ... لفضل المغيب على المشهد (٦) فإنه كان رجلاً إذا عاينته رأيت جمالاً ظاهراً، وإذا عالمته وجدت بحراً زاخراً، وكلما اختبرت احتبرت. فقصدت رباطه، ولزمت بساطه، واغتنمت

стр. 435

خلولته ونشاطه، وكأنما فَرَغَ لي لأبلُغَ منه أملي، وأباح لي مكانه، فكنت ألقاه في الصباح والمساء والظهيرة والعشاء، كان في بَزَتِّهِ (١) أو بَذْلَته (٢)، وأنا مستقل في السؤال، عالمٌ حيث تؤكل كتفُ الاستدلال، وألفيته حَفِيّاً بي في التعليم، وفياً بعهدة التكريم (٣). وكان من صنع الله الجميل بي توفيقُه لي إلى الإِقامة بأرض الشام، في بقعة مباركة وبين علماء حتى صار ذلك دَرَجاً للقاء المحققين الذين ينتقدون ما جهلت، ويفسرون ما أجملت، ويوضحون ما أبهمت، ويُكَملون ما نقصت، وصار ما حصل عندي من تلك المقدمات، استعداداً لقبول الحقائق فيها، وتقييد الشارد من معانيها، وصار ذلك كمن يدخل المعدن فيجمع النُّضَارَ (٤) بِرَغَامِهِ (٥)، ويحمله إلى دار السبك لتخليصه. ثم شرعت في القراءة عليه والسماع، والمباحثة والتتبع للمشكلات بالكشف عن خباياها، والدخول إلى زواياها، واشتفاف رواياها،

стр. 436

واستطعمته التحقيق، وباحثته عنه خالصاً من غير مشارك، واستقصيته عن ما كان إمام الحرمين (١) ﵀ يحوم في كتبه عليه، ويشير في أثناء كلامه إليه، فواساني مواساةَ الوالد، وآساني بل لم تنله قط الجماعة ولا الواحد. فلما طلع لي ذلك النور، وانجلى عني ما كان يغشاني من الديجور. قلت: هذا مطلوبي حقاً، هذا بأمانة الله منتهى السالكين، وغاية الطالبين للعلم المبين، إني تارك لما تطلبون، ونابذ ما كنتم تقولون، وقد علم الِإمام أني من السالكين في سبيل المهتدين، فَسَدَّدَنِي إلى سوائها، وأوجد لي معلوم دليلها، وأرشدني إلى لَقَم ظاهرها وتأويلها، وليس التحصيل بطول الصحبة، وإنما هو فضل من الله وموهبة، فقد صحب النَّضْر بن شُمَيِّل (٢) الخليل بضع عشرة سنة، وصحبه سيبويه سنوات، فانظر إلى ما بين التحصيلين في المدتين، والمنزلتين فيما بين وبين. ولقينا شيخ الشيوخ وصاحب الباب في العلم والرسوخ إسماعيل الطوسي (٣)، وقد بينا شرح ذلك في كتاب "عيان الأعيان" (٤).

стр. 437

ذكر المعرفة بأمير المؤمنين حين كان عوناً على طلب علم الدين وكان أبو الحسن المبارك بن سعيد البغدادي (١) قد ورد علينا تاجراً سنة ثلاث وثمانين وأربعمئة، فأنزله المعتمد بن عباد (٢) عندنا، فأكرمه أبي غاية الِإكرام، وعقد عليه مجلسنا في السماع، وتخلى له عن مناظرته في مسجده، وصدر الرجل عنا راضياً، فبينا نحن نمشي بعد ورودنا مدينة السلام بأيام قلائل في سوق الريحانيين (٣) بها، إذ لقينا أبا الحسن بن الخشاب المذكور فعانقنا ودعا لنا وقال: ها هنا أنتم، وكيف جئتم؟ فرس له أبي الحديث وبقر له عن النجيث، فمشى إلى الوزير عميد الدولة ابن جهير (٤)، فأعلمه بنا، وكنا قد حملنا من دمشق كتاب واليها وجماعة من رؤسائها إلى الوزير عميد الدولة، وكتاب القاضي نجم القضاة الشهرستاني (٥). بالتقريض لنا والتنبيه على مكاننا، فدخلنا الديوان إلى الوزير، ووقف على ما كان عندنا، ورفع

стр. 438

إلى أمير المؤمنين (١) أمرنا، فأمر بتكرمتنا وإدنائنا (٢)، وأجرى معروفاً كبيراً لنا، وأباح الديوان لمدخلنا ومخرجنا، فَوَقَّرَتْنَا العلماء، وأكرمتنا المشيخة، وأظهرت الجماعة لنا المزيّة، ونعم العون على العلم الرئاسة (٣). ذكر التوصل إلى المطلوب من العلم وكنت إبَّان طلبي في الأقطار، ودرسي آناء الليل والنهار، ولقائي أولي البصائر والأبصار، لا أمل لي إلاَّ التشوف إلى المقصد الأسنى، المنتحى في كل معنى، وهو معرفة الله تعالى؛ لأنا إن نظرنا في العالم لم ننظر فيه من حيث إنه متقن الصنعة، أو جميل المنظرة، أو عام المنفعة، أو كبير الجِرْم، وإنما نبتهل به، ونُقْبِلُ بوجه النظر إليه، من حيث إنه صنعة الله. وإن نظرنا في النبي ﷺ لم ننظر فيه من حيث أنه آدمي أو قرشي أو ذو منظر بهي، وإنما ننظر فيه من حيث أنه رسول الله.

стр. 439

وإن نظرنا في أعمالنا لم ننظر فيها من حيث أنها حركات تجلب منفعة أو تدفع مضرة، وإنما ننظر فيها من حيث أنها خدمة الله أو تخالف أمر الله، فالمقصود بكل نظر وفي كل قول وعمل إنما هو الله سبحانه. وحين استنورت الطريق، ولاحت لي جادةُ التحقيقِ، وتحقَّقَ عندي أن كتاب الله هو المرشدُ إليه، والدليلُ عليه، لم آل في الترقي إلى دَرَجِ المعرفة، وإذا لم يأت العبدَ من الله سداده، ولا كان من بحره استمداده، لم يغن عنه اجتهاده. فقرأت (١) من كتب التفسير كثيراً، ووعيت من حديث رسول الله ﷺ عيوناً، كتفسير الثعَالِبِي (٢) الذي كان وقفاً في كتب الصخرة المقدسة، ونسخة الطرْطُوشِي (٣)، فزاد فيه ونقص فجاء تأليفاً له، وكتاب المَاوَرْدِي (٤) ومختصر (٥)

стр. 440

الطبري، وكتاب ابن فُوْرَك (١) وهو أقلها حجماً وأكثرها علماً وأبدعها تحقيقاً، وهو ملامح من كتاب "المُخْتَزن" الذي جمعه في التفسير الشيخ أبو الحسن في خمسمائة مجلد (٢)، وكتاب النَّقَّاش (٣) وفيه حشو كثير، ومن كتب المخالفين كثيراً، ومن المسانيد جمّاً غفيراً، وأكثر ما قرأت للمخالفين كتاب عبد الجبار الهَمَدَاني الذي سماه بـ "المحيط" (٤) مئة مجلد، وكتاب الرُّمَّانِي (٥) عشر مجلدات، وفاوضت فيه علماء المؤالفين والمخالفين وأهل

стр. 441

السنة والمبتدعين، فاستفدت من أهل السنة، وجادلت بالتي هي أحسن أهل البدعة، وأفنيت عظيماً من الزمان في طريقة الصوفيين، ولقيت رجالاتهم في تلك البلاد أجمعين، وما كنت أسمع بأحد يشار إليه بالأصابع أو تُثْنى عليه الخناصر، أو تُصِيخُ إلى ذكره الآذان، أو ترفع إلى منظرته الأحداق، إلاَّ رحلت إليه قصياً، أو دخلت إليه قرياً. وقد كان تأصل عندي بما قدمتُه تثقيف الدليل وقانون التأويل، فولجت من ذلك جنة لا يتكدر تسنيمها (١)، ولا يتغير نعيمها. وقد كان دَانِشْمَنْد ﵀ حين عرضي عليه، زَيَّفَ مَا زَيَّفَ، وعَرَّف ما عَرف، فتخلَّص الاعتقاد، وتحصل المراد، ووقف الأمر على قسمين: أحدهما معرفة النفس، والثاني معرفة الرب. ذكر معرفة النفس اعلموا -أنالكم الله آمالكم في المعلومات- أن معرفة العبد نفسه من أوْلَى ما عليه وأوْكَده، إذ (٢) لا يعرف ربه إلاَّ من عرف نفسه: قال الله سبحانه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]. وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]

стр. 442

ولو شاء ربنا لخلق المعرفة لعبده ابتداءً من غير أن يَنْصُبَ لَهُ عليه دليلاً، ويُعَرّفَهُ بوجه الدليل، ولكنه بحكمته خَلَقَهُ غَيْرَ عالِم، ثم رَتبَ فيه العلم درجات (١)، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] (٢). فلا إخراج أنفسهم علموه، ولا وصف ربهم عَرَفُوه، ولا شاورهم فيه، ولا علموا بحالة من أحواله. فخلق السمع لخطابه، والبصر للاعتبار به، والأفئدة لِمَقَر عِلْمِهِ (٣). وعرف العبد نفسه في قوله: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] لئلا يعجب بنفسه ولئلا يتعجب أحد أيضاً من سوء فعله، ثم قال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. ليعرفك أن الشرف والقَدْر إنما هو للترْبِيةِ لا للتُرْبة (٤). فإذا نظر العبد في نفسه علم أنه موجود لغيره، وتحقق أن ذلك الغير لا

стр. 443

يصح أن يوجده غيره؛ لأنه لو كان أيضاً موجوداً لغيره لافتقر ذلك الغير الي مثله، وتسلسل (١) الأمر ولم يتحصل، وعنه وقع البيان بقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]. فإنك بأي شيء بدأت، فعند الباري تعالى تقف، ابتداء خلق الأشياء من عنده، وانتهاؤها إليه، وفاتحةُ العلوم من قبله، وغايتها عنده، لا معلوم بعده، فصح أنه لا بد من الوقوف بالعلم على مُوجِدٍ، لا مُوجِدَ سواه. وإذا رأى العبد ما هو عليه من الخروج من حالة عدم إلى حالة وجود، والانتقال من صفة إلى صفة، والاختصاص بحالة دون حالة، بالمزايا الشريفة من العلم والنطق والتدبير والحياة والقدرة، علم أنه موجود لموجد (٢) قادر، وعليه دل بقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١] (٣).

стр. 444

ويدلّ إتقان جبلّته وإحكام صنعته على أنه عالم (١)، إذ لا يصح تقديرُ موجد لا علم له ولا قدرة ويتحقق بعد أنه حَيٌّ، إذ القدرةُ والعلم يستحيل وصف الموات بهما. قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قال سبحانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ [غافر: ٦٥] (٢). ويثبت عنده أنه مريد لأنه يرى نفسه على أحوال وصفات تقرر عنده أن كون المحل على غيرها بدلاً منها ممكن، فلا بدّ والحالة هذه من معنى تستند إليه هذه الخصيصة، وهي صفة شأنها تمييز الشيء عن مثله وهي الإرادة، عبر عنها قوله سبحانه: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] (٣). ليس عليه حَجْرٌ، ولا فوقه أحد (٤).

стр. 445

ولا بدّ من الاعتقاد بأنه سميع بصير، وقد اختلفت أغراض (١) العلماء في الدليل على ذلك، فقال الأستاذ أبو إسحاق (٢): لأنه قد خلقهما للعبد (٣) ومحال أن يخلق ما لا يعلم، وعليه نبه بقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] (٤). وَعَوَّلَ الجويني على أن الأمةَ قد أجْمَعَت على نفي الآفات عن الباري تعالى، ولا مستند إلا السمع، وما قاله المتكلمون لا يرتضيه (٥).

стр. 446

قال الإِمام الحافظ أبو بكر محمد بن العربي ﵁: وإنما ذكرنا لكم هذا لتتخذوه قانوناً، وتعجبوا من رأس المحققين يُعَوِّلُ في نَفْي الآفات على السمع، ولا يجوز أن يكون السمعُ طريقاً إلى معرفة الباري ولا شيء من صفاته، لأن السمع منه، فلا يعلم السمع إلا به ولا يعلم هو إلا بالسمع، فيتعارض ذلك ويتناقض (١)، وقد مهدناه في المقسط وغيره. وقد رام الجويني أن يتخلص من ذلك بأسئلته وأجوبته فلم يستطع (٢). وعَوَّلَ الطُّوسي على أن الكمال واجب لله تعالى ومن المحال أن يكون للعبد صفةُ كمال ليست للخالق تعالى (٣)، وهو أقوى من كلام الجويني، ولكن المُعَوّل على ما سبق للأستاذ وفيه تتبع عظيم يتبين في موضعه. وكذلك لا يجوز أن يُشَبَّهَ بشيء من خلقه؛ لأنه لو كان مثله، لما كان أحدهما أولى بأن يكون الموجد من الآخر.

стр. 447

ولا يجوز أن يكون له شبه في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكل من أضاف ذلك إليه فهو مُشَبِّهٌ، ولذلك كان جميع من يخرج عن رسم المُوَحِّدِينَ مُشَبِّهاً (١)، وقد أحكم الله بيان ذلك بقوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤ - ٩٩]. ومن أئمة المجرمين القدرية (٢) الذين ساووا الثَّنْويَّة (٣)، فقالوا: "إن العباد يخلقون الشر دون الله"، فسووا بينهم وبين الخالق، وأخذوا منه ما أثبته لنفسه في قوله: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. فأخبر سبحانه أنه خلق أعمالهم كخلقه لهم. ألا ترى كيف زاده بياناً ليثبته برهاناً فقال عنهم وعن أمثالهم: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ في ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٧ - ٤٩] (٤).

стр. 448

وهكذا تستدل أيها العبد بنفسك على ربك، حتّى لقد غلا في ذلك بعضهم فقال: إن الِإنسان هو العالم الأصغر، والسموات والأرض بما تشتمل عليه هو العالم الأكبر، وأفرط في التشبيه بينهما والمناسبة لهما، وليس ذلك بُمعْتَرض على الدين، ولا قادح في عقيدة المسلمين، ولا بعيد من حكمة الملك الحق المبين. فلا معنى لِإنكاره، فإنك لا تنظر إلى معنى في نفسك إلا ولله فيك دليل شاهد على أنه واحد. وإن العبد منا ليؤلف كتاباً مُوعباً في علم، ثم يختصره في طريق، ثم يشير إلى نكته في آخر، فيأتي عمله بسيطاً ووجيزاً وخلاصة، ويدل الأول على الآخر، ويقتضي القليل الكثير. وإذا تأملت هذا تأملًا محققاً، وأمعنت النظر، لم يبعد أن يخلق الباري سبحانه الجنة والنار وهو الخلق الأعظم، ثم خلق السموات والأرض بما فيهن وبينهن، وهو الخلق الأوسط وخلق الإنسان آخراً، وخاتمة بعد تمام المخلوقات كلها، وهو الخلق الأصغر (١). ومن حكمة الله أن خلق العالم الأكبر كله للعالم الأصغر نعيماً للطائع وعذاباً للعاصي، ولذلك جعل العالم الأصغر فريقين، لما خلق العالم الأكبر دارين، وبهذه المعاني سمي الخالق البارىء المصور، فإن الخالق هو الموجد المُقَدِّر، والباري هو الموجد المصور، والمصور هو

стр. 449

المظهر لتركيبها وصورها، والخالق أيضاً هو المخترع، والباري هو المصور على مثال، والمصور هو الجاعل له على هيئات وليس إيجاده لما أوجده على مثال للحاجة إليه، ولكنه سبحانه هو القادر المريد، إن شاء أن يوجد ابتداءً أوجد، وإن شاء أن يوجد على مثال أوجد، وله في ذلك القدرة الواسعة والحكمة البالغة. وقد خلق أصول العالم أولاً من غير شيء، ثم رتب بعضها على بعض، ومن جملة ذلك ترتيب "آدم" على خلق "حواء" منه على ما ورد به الأثر الصحيح في قوله: "إن المرأة خلقت من ضِلَع إن ذهبت أن تقيمها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها على عِوَجٍ" (١). ولهذا منع العبد من التصوير لئلا يضاهي خلق الله (٢)، وقد ارتبطت هذه الأسماء الثلاثة في حق الباري سبحانه بجميع المخلوقات ارتباطاً عاماً على اختلاف متعلقاتها كلها عموماً وخصوصاً حسبما رتبناه مبيناً في كتاب "الأمد الأقصى في الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال العدلى"

стр. 450

فلينظر (١) ففيه العجب العجاب من لباب الألباب، ومنه يفتح إلى المعرفة في ذلك كلُّ باب. وهذا تحقيق عظيم فيه كلام طويل تنفجر منه ينابيع معارف لا تحصر، هذا قانون فيها. وقد رُوِيَ أن العَالَمَ الأصغر إذا انتهى إلى العَالَم الأكبر تَمَنَّى أخيراً أن يرى منه ما رأى في الأولى، فَرُوِيَ أنه يتمنَّى في الجنة أن يكون له ولد (٢) وإبل، وفرس (٣)، وسوق (٤)، وزرع (٥)، وقيل لهم: قولوا ما تريدون فإنه كائن.

стр. 451

﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]. ولدينا مزيد مما لا تعلمون. ذكر معرفة الرب قد سردنا من معرفة الرب في معرفة النفس أنموذجاً يتبين به المطلوب، ويظهر منه وجهُ الدليل، ويحكم به لمن قال "من عرف نفسه عرف ربه بالعلم" (١). وإذا أضاء لك الفجر على الطريق فاسلكه، حتى تطلع الشمس فيرتفع اللبس، وقد قال العلماء قولاً متفرقاً نظمنا من كلامهم فائدةً مجموعةً: إن الله خلق العبد جسماً مواتاً، ثم نفخ فيه الروح، فإذا به قد صار

стр. 452

حياً عَالِماً، قادراً، سميعاً، بصيراً، حكيماً، مُدَبِّراً. فَإِذَا رَدَّ العَبْدُ نظره إلى نفسه، ورآها على هذه الصفات، متمكناً في هذه المرتبة باقتران معنىً موجود بالذات سماه الله روحاً تارة، وسماه نفساً أخرى، ولم يقدر العبد على إدراك حقيقةِ هذا المعنى الذي اقتضى اقترانَهُ بالذات وجودُ هذه الصفاتِ، كان ذلك دليلًا على صحة الاستدلال على وجود الله تعالى بأفعاله، وإن لم تدرك ماهية ذاته، ولا يقدر عاقل أن ينكر وجود الروح مع نفسه لوجود أفعاله، وإن كان لم يدرك حقيقته، كذلك لا يقدر أن ينكر وجود الباري سبحانه الذي دلت أفعاله عليه وإن لم يُدْرِكْ حقيقَتَهُ. ذكر المرآة قالوا: وكذلك خلق الله المرآة يتشكل فيها لصفائها ما قابلها، فيرى العبد نفسه فيها، ولا يقدر أن يقول رأيت شخصي في المرآة، ولا مثالي؛ لأن المرآة قشرةٌ رقيقةٌ لَا تَحْمِلُ طُول الصورة ولا عَرْضَهَا، ولا تتسع لِإقبالها إذا أقبلت على المرآة، ولا تتسع أيضاً لإدبارها إذا أدبرت عنها. فثبت أن الذي يُرَى في المرآة نَفْسُهُ بواسطة مقابلة المرآة له، ويستحيل أن يكون الِإنسان من نفسه في جهة (١)، وقد أطنبنا القول في ذلك في كتاب "المقسط" وغيره (٢). وبذلك يعلم بواسطتها وتَجَلَّي الصور فيها تجلي الحقائق للنفس مما

стр. 453

تلقي إليها الحواس من المعاني، وهي تطّلع عليها من حيث لا تشعر النفس بها، ولا يتفطن العبد لوجهها، وقد يشعر إذا كان مقبلاً على الحقائق وطريق تحصيلها، وعلى النظر في الأدلة وتفاصيلها، وَلَمْ تَشْغَلْهُ العوائق، ولا صرفته الخواطر، ولا شعبت عليه الأطماع، ولا جذبته علائق الآمال (١). ذكر حقيقة النوم وحكمته وكذلك خلق الله للعبد النوم، ليعلم به كيفية الانتقال من حال إلى حال، وصفة الخروج من دار إلى دار، فإنه موت أصغر، وقد يقال بنظر آخر أنه يَقَظَةٌ صغرى، فإن نظرنا إليه من حيث عدم الحركة والحس والتصرف بالأفعال معه، قلنا هو موت (٢) لعدم ذلك كله به، وقد قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وقال ﷺ : "أخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أخَذَ بِنَفْسِكَ" (٣). وإن نظرنا إليه من حيث إنه انقطاع عن عالم التصرف الأدنى مع الآدميين والإكباب على الدنيا ومعانيها، وأنه إقبال على الملائكة المقربين،

стр. 454

وتفريغ القلب لإدراك الحقائق بطريق الأمثال، واطلاع على ما يكون غداً (١)، رأينا أنه حياة صحيحة، ويقظة محققة بدلاً عن موت مفقد، ونوم مفسد. وقد يرى نفسه في الرؤيا كبيراً، وهو صغير، وصغيراً وهو كبير، وطائراً وهو يمشي، وبهيمة وهو آدمي، وقريباً وهو بعيد، وبعيداً وهو قريب، ومدركاً لما لا يناله في يقظته بحال، فلا يستنكر أن يكون له حالةُ وجود أخرى، يوجد ذلك كله فيها وهي الجنة، فيرتقي فيها إلى درجة عظيمة بتسخير الباري سبحانه له جميعَ الموجودات فيقول للشيء كن فيكون كما قال وأراد. وقد يرى ذلك في منامه متفرقاً ومجتمعاً، وكذلك لا يبعد أن يكون جبريل ﵇ تارة كبيراً حتى يملأ بجسمه الآفاق (٢)، وتارة صغيراً

стр. 455

حتى يكون على قَدْرِ دِحْيَة (١)، ويأتي مرة في صفة طائر (٢) وأخرى في هيئة آدمي (٣)، وربما ظن جاهل (٤) أن حالة النوم (٥) حالة تخيل، وهذا جهل عظيم، وقد بينا الكلام عليه في كتبنا وخاصة في رسالة "محاسن الإحسان في جوابات أهل تلمسان" (٦)، والمشاهدةُ تدفع قولَهُ، فإن المرء يرى الرؤيا نائماً

стр. 456

ويرى تَفْسِيرَهَا يَقَظَة، وهذا مما يدركه المتقي، وَيتَأتَّى مِنَ الكَافِرِ كما يَتَأتَّى من المؤمن. ومن الغريب أنا كنا نحاصر بلداً من بلاد الروم، وكان معنا ذمي معاهدٌ حضر في غُمَارِ العسكرية بذمة سبقت له، فقاتلنا ذلك اليوم حتى كدنا نيأس منه، فلما كان صبيحة يوم جاءنا فتكلمنا في هذا الغرض، فقال لي: أظن البلد مأخوذاً، فإني كنت أرى البارحة حيةً تلسع الناس فكنت آخذها وأفتح بطنها ويخرج أولاد صغار فأرمي بهم في كِظَامَةٍ؟. فقلت لترجمان بيني وبينه: رؤيا صحيحة، وسأنظر. فقال الكافر: قد فَسَّرْتُهَا: الحية التي تلسع الناس هذه البلدة، وهي مأخوذة، وسيرمى بأهلها فيخرجون إلى بلادهم، فإنها مزابل عندكم، والرؤيا لكم ليس لنا فيها حظ. فعجبت من صدق رؤياه، وتفسيره لما رآه، وكذلك كان، فتحناها بعد يومين وَمَنَّ الأمير على مَنْ كان بها فخرجوا إلى بلادهم.

стр. 457

وقد اتفقت العقلاء في كلّ ملة عليها، وقام الدليل القاطع شرعاً وعقلاً على صحتها، وقد استدل النبي ﷺ بها، وأخبرنا عنها تارة يقول: رأيت ربّي، وأخرى، رأيت نفسي وثالثة رأيت أصحابي، ورابعة رأيت أمتي، وخامسة رأيت الدنيا، وسادسة الدار الأخرى، وقال ما لا يحصى: رأيت من الأحوال كذا ... فقد ثبت والحالة هذه صحة ذلك، وهذا قانون من التأويل على جهة التمثيل، وعلم خفي من الدليل على صحة الحقائق من المخلوقات، ووجود الباري وما هو عليه من الصفات. ذكر حَقِيقَةِ المَثَل (١) وهو باب من التأويل عظيم، وقانون إلى المعرفة مستقيم. إن الله -سبحانه وله الحمد- لو شاء لَتجَلَّى لعباده حتى يعلموا حقيقة ذاته، ولكنه احتجب عنهم بعظمته وكبريائه، وعرفهم نفسه بالأدلة، ولو شاء أيضاً لجعل الأدلة باباً واحداً، حتى يصل الخلق إلى العلم به من طريق واحدة، ولكنه بحكمته نصبها جليّة وخفية حتى يَرْفَع اللهُ الذين آمَنُوا منكُمْ وَالذينَ أوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ، ويسفلَ المعرضينَ، وأهلَ الجهل

стр. 458

درجَاتٍ، ليأخذ فريقاً حكمُ الهدى والنجاة، وآخرَ قضاء الضلال والهلكة، لتحق الكلمةُ، وتمتلىءَ جهنمُ والجنة. فمن خَفِيِّ أدلته ضربُ الأمثال، وهو سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. والمِثْلُ بكسر الميم وفتحها وإسكان الثاء وفتحها عند قوم بمعنى واحد، كقولهم: شِبْهٌ وَشَبَهٌ، وعند المحققين (١): المِثْلُ بكسر الفاء وإسكان العين، عبارة عن شَبَهِ المحسوس، وبفتحها عبارة عن شبه المعاني المعقولة، فالإنسان مخالف للأسد في صورته، مشبه له في جرأته وحدته، فيقال للشجاع أسد أي يشبه الأسد في الجرأة، وكذلك يخالف الإنسان الغيث في صورته، والكريم من الإنسان يشابهه في عموم منفعته (٢). وأنتم عارفون بشبه المعاني، فلا معنى للإطناب معكم فيه، وإذا عرفتم هذه الحقيقة، فقد ضرب الله لنفسه الأمثال في مواضع كثيرة من كتابه في معاني توحيده وربانيته، قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ -إلى قوله: تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥].

стр. 459

ذكر قانون من التأويل في آية معينة وهذه آية من التوحيد كريمة، وعلى مرتبة في العلم عظيمة، ضربها الله مثلاً للعلم والإيمان، كما ضرب للجهل والكفر مثلاً ما بعدها في قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ -إلى قوله- فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] قال علماؤنا: أراد الله مُنَوِّر السموات بما خلق فيها من الأنوار المحسوسة كالكواكب، ومنور القلوب بما خلق فيها من الهدى، ولذلك قالوا: نور بمعنى: هَادِي (١) التفاتاً إلى هذا المعنى (٢).

стр. 460

وقالوا: مثل نوره يعني في قلب المؤمن (١)، تأكيداً للمعنى المذكور، ولا يستقيم التنوير بالهدى إلا بعد العلم والعقل، ونهايته اليقين، ومن شروطه العمل الصالح. فقال قوم: نَوَّرَ السموات بالعقل، وقيل بالعلم، وقيل باليقين، وقيل بالقبول، ويرجع معناه إلى أهل السموات والأرض، وكلها ترجع إلى هادي لاستعمام الهدى لذلك كله، ولكل نور من هذه الأنوار مطرح شعاع، ومنتهى استضاءة، فالنهايات فيها هو الكمال، والتقصير عنها هو النقصان، ويكون ذلك على وجه لا يعترض على الأصل، وقد يعترض عليه. ومنه قوله- ﷺ : "لَا يَزْنِي الزانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن" (٢).
следующие страницы →