← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 97927

قانون التأويل

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (664 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ويرى تَفْسِيرَهَا يَقَظَة، وهذا مما يدركه المتقي، وَيتَأتَّى مِنَ الكَافِرِ كما يَتَأتَّى من المؤمن. ومن الغريب أنا كنا نحاصر بلداً من بلاد الروم، وكان معنا ذمي معاهدٌ حضر في غُمَارِ العسكرية بذمة سبقت له، فقاتلنا ذلك اليوم حتى كدنا نيأس منه، فلما كان صبيحة يوم جاءنا فتكلمنا في هذا الغرض، فقال لي: أظن البلد مأخوذاً، فإني كنت أرى البارحة حيةً تلسع الناس فكنت آخذها وأفتح بطنها ويخرج أولاد صغار فأرمي بهم في كِظَامَةٍ؟. فقلت لترجمان بيني وبينه: رؤيا صحيحة، وسأنظر. فقال الكافر: قد فَسَّرْتُهَا: الحية التي تلسع الناس هذه البلدة، وهي مأخوذة، وسيرمى بأهلها فيخرجون إلى بلادهم، فإنها مزابل عندكم، والرؤيا لكم ليس لنا فيها حظ. فعجبت من صدق رؤياه، وتفسيره لما رآه، وكذلك كان، فتحناها بعد يومين وَمَنَّ الأمير على مَنْ كان بها فخرجوا إلى بلادهم.

стр. 457

وقد اتفقت العقلاء في كلّ ملة عليها، وقام الدليل القاطع شرعاً وعقلاً على صحتها، وقد استدل النبي ﷺ بها، وأخبرنا عنها تارة يقول: رأيت ربّي، وأخرى، رأيت نفسي وثالثة رأيت أصحابي، ورابعة رأيت أمتي، وخامسة رأيت الدنيا، وسادسة الدار الأخرى، وقال ما لا يحصى: رأيت من الأحوال كذا ... فقد ثبت والحالة هذه صحة ذلك، وهذا قانون من التأويل على جهة التمثيل، وعلم خفي من الدليل على صحة الحقائق من المخلوقات، ووجود الباري وما هو عليه من الصفات. ذكر حَقِيقَةِ المَثَل (١) وهو باب من التأويل عظيم، وقانون إلى المعرفة مستقيم. إن الله -سبحانه وله الحمد- لو شاء لَتجَلَّى لعباده حتى يعلموا حقيقة ذاته، ولكنه احتجب عنهم بعظمته وكبريائه، وعرفهم نفسه بالأدلة، ولو شاء أيضاً لجعل الأدلة باباً واحداً، حتى يصل الخلق إلى العلم به من طريق واحدة، ولكنه بحكمته نصبها جليّة وخفية حتى يَرْفَع اللهُ الذين آمَنُوا منكُمْ وَالذينَ أوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ، ويسفلَ المعرضينَ، وأهلَ الجهل

стр. 458

درجَاتٍ، ليأخذ فريقاً حكمُ الهدى والنجاة، وآخرَ قضاء الضلال والهلكة، لتحق الكلمةُ، وتمتلىءَ جهنمُ والجنة. فمن خَفِيِّ أدلته ضربُ الأمثال، وهو سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. والمِثْلُ بكسر الميم وفتحها وإسكان الثاء وفتحها عند قوم بمعنى واحد، كقولهم: شِبْهٌ وَشَبَهٌ، وعند المحققين (١): المِثْلُ بكسر الفاء وإسكان العين، عبارة عن شَبَهِ المحسوس، وبفتحها عبارة عن شبه المعاني المعقولة، فالإنسان مخالف للأسد في صورته، مشبه له في جرأته وحدته، فيقال للشجاع أسد أي يشبه الأسد في الجرأة، وكذلك يخالف الإنسان الغيث في صورته، والكريم من الإنسان يشابهه في عموم منفعته (٢). وأنتم عارفون بشبه المعاني، فلا معنى للإطناب معكم فيه، وإذا عرفتم هذه الحقيقة، فقد ضرب الله لنفسه الأمثال في مواضع كثيرة من كتابه في معاني توحيده وربانيته، قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ -إلى قوله: تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥].

стр. 459

ذكر قانون من التأويل في آية معينة وهذه آية من التوحيد كريمة، وعلى مرتبة في العلم عظيمة، ضربها الله مثلاً للعلم والإيمان، كما ضرب للجهل والكفر مثلاً ما بعدها في قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ -إلى قوله- فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] قال علماؤنا: أراد الله مُنَوِّر السموات بما خلق فيها من الأنوار المحسوسة كالكواكب، ومنور القلوب بما خلق فيها من الهدى، ولذلك قالوا: نور بمعنى: هَادِي (١) التفاتاً إلى هذا المعنى (٢).

стр. 460

وقالوا: مثل نوره يعني في قلب المؤمن (١)، تأكيداً للمعنى المذكور، ولا يستقيم التنوير بالهدى إلا بعد العلم والعقل، ونهايته اليقين، ومن شروطه العمل الصالح. فقال قوم: نَوَّرَ السموات بالعقل، وقيل بالعلم، وقيل باليقين، وقيل بالقبول، ويرجع معناه إلى أهل السموات والأرض، وكلها ترجع إلى هادي لاستعمام الهدى لذلك كله، ولكل نور من هذه الأنوار مطرح شعاع، ومنتهى استضاءة، فالنهايات فيها هو الكمال، والتقصير عنها هو النقصان، ويكون ذلك على وجه لا يعترض على الأصل، وقد يعترض عليه. ومنه قوله- ﷺ : "لَا يَزْنِي الزانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن" (٢).

стр. 461

فإن الشعاع المنبثّ من النور لم يصل إليه، فلم ير ما في الزنا من الفحشاء، وكذلك جميع المحرمات. وقال: "لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتى أكُونَ أحَب إِلَيْهِ مِنْ أهْلِهِ وَمَالِهِ وَالناسِ أجْمَعِينَ" (١). وهذا مطرح للشعاع ضيق، ونقصان مؤثر ذاهب إلى العدم، وتحقيق للظلمة في القلب وقال: "لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ" (٢). فهذا محل من المعرفة، ومجال للتكليف لم ينته إليه الشعاع، ولا كانت للنور فيه إضاءة، فلما أظلم عليه اقتحم الإِذَايَةَ للجار، وهي حالة نقصان لا تقتضي عدم الإيمان. وهكذا تركب عليه جميع أنواع التوحيد، من معرفة ذات وصفات وخصائص الرسول وجميع أعمال الطاعات، وتدريج بعضها على بعض في المراتب فيما تقدم، وفيما يتعلق به من كفر وَفِسْقٍ وتبديع، ومقابلة ظاهر بتأويل، ويدخل في مهامه من التفسير لا عمارة لها (٣)، وتركب بحوراً من المعارف لا ساحل لها.

стр. 462

ثم قال سبحانه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور: ٣٥]. فقال قوم: إن هذا مثل لذاته وضلوا. وخذوا مني نكتة هي خير لكم ما طلعت عليه الشمس. ذكر تنزيه الذات عن الأمثال اعلموا -أفادكم الله علمَه، وأوسعكُم حلمه- أن الباري تعالى نصب الأدلة على معرفة صفاته، وحجب الخلق عن ماهية ذاته حتى يعلموه إذا شاهدوه، فللعيان مزيةٌ في البيان، أنشدني القاضي الرشيد (١) ﵀ بالمسجد الأقصى طَهرَه الله (٢): لَئِنْ أصْبَحْتُ مُرْتَحِلًا بشَخْصِيِ (٣) ... فَرُوحِي عِنْدَكُمْ أبَداً مُقِيمُ وَلَكِنْ لِلْعِيَانِ لَطِيفُ مَعْنى ... لَهُ سَألَ المُعَايَنَةَ الكَلِيمُ فَخَبَّأ -والله أعلم- معرفة ذاته لمشاهدته، وأقام الأدلة على صفاته بمخلوقاته، ولذلك إذا نظرت إلى الأمثالِ في الكتاب والسنة وجدتَها على الصفات محالة، وفي بيانها واردة، والذاتُ مخبوءة تحت أستار الجلال والعظمة، يُخْبِرُ عنها بالتقديس، فَتَبَيَّنَ أن هذا المثلَ وغيرَه لصفاته. فضرب الله المثل في هذه الآيةِ لعَشْرٍ بعشر:

стр. 463

نور، مشكاة، مصباح، زجاجة، كوكب، إضاءة، إيقاد، بركة، شجرة، زيت، مُرَتِّباً على حذف واختصار، واستدلال بمذكور على متروك، وسبب على مسبب، وحالٍّ على محَلٍّ. والعشرة اللواتي في جانب المَثَلِ: هدى، قلب، إيمان، صدر، صفاء، انشراح، الاستضاء به في المعارف والأعمال. فضرب مثلًا للهدى (١) النور، وللقلب المشكاة، وللإيمان المصباح، وللصدر الزجاجة، ولصفاء الصدر وانشراحه الكوكب المضيء، وللاستضاءة سداد المعارف وصلاح الأعمال، وللإيقاد من الزيت الاستمداد من بحر المعارف، وللشجرة انقسام القلوب. والمعارف من أصل العلم الأول، على أغصان إلى أوراق إلى ثمار على اختلاف أنواع الشجر وصفات الأغصان واختلاف حال الثمار في الهيئات والطعوم، وإمكان الجني وتعذره، وحلوه ومره، إلى غير ذلك من معان لا تبلغها القدرة البشرية، ولا تنتهي إليها العلوم الجزئية، فبها تمام العشرة في المثل، وتشعبت، فلم يمكن إيرادُها في هذه العجالة، وامتزجت فلم يمكن تخليصُها مع هذه الحالة. وقد مهدنا لكم في سبيل هذه الآية في أمالي "أنوار الفجر" وكتاب "المشكلين" ما تستدلون به على أساليب كثيرة من الكلام في علوم القرآن. ووراء هذا وجوه من التأويل في الظاهر، ومعان في الباطن، هذا وسط منها في الحالين، فخذوها دستوراً، واتخذوها قانوناً.

стр. 464

وخص الشجرة بالبركة، لأن العلم يدعو بعضه إلى بعض، ويدل معنى منه على معنى، والبركة هي النماء والزيادة (١). وإنما أردنا أن نريكم نوعاً من التفسير، ونشرع لكم سبيلاً في فن من فنون التأويل، ونوضح لكم عن مشكل من التوحيد، ونعقد عندكم وصلًا من ربط المعاني بعضها إلى بعض، ونخلع لكم قشراً من الظواهر عن لباب الباطن. ذكر تمام الوصول إلى المقصود من معرفة النفس والرب وهيهات عنكم من هذا المطلوب إن كنتم تظنون أنه يكفيكم ما تقدم فيه، حتى يكونَ كل منكم جدَّ بصير بنفسه وتفاصيلها وأحوالها وصفاتها، فبقدر ما يحصل لك منها في معرفة نفسك بذلك القدر، يحصل لك من معرفة ربك، وفي هذا المقام زَلَّ مَنْ زَلَّ عن معرفة نفسه، فَضَلَّ عن علم ربه، ولا تتم معرفتك لنفسك إلا بعد أن تنعم النظر في عجائب صنع الله فيها، فهيت لكم. إنه تعالى خلقك -كما أشرنا إليه- على نوعين: مدرك بالبصر وهو الجسد، ومدرك بالبصيرة وهو الروح، وجعل ما بين الجسد والروح رابطة الحواس، وبذلك انتظم الخلق وقام الدليل على وجود الحق، وقد قال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨] (٢).

стр. 465

فَدَلَّ على التوحيد بتسويتها حسنةَ الخلقة في أحسن تقويم من اعتدال الصفة، ونبه على العلم والعمل، وذكر نكتة ينبغي أن تزدادوا بها تبصيراً، ولا تألوا في كل آية لها تذكيراً، وهي قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: والإِلهام (١) هو الذي يخلقه الله ابتداءً في النفس، ويأتي للعبد من غير نظر، فجاء بلفظ الإِلهام حين أراد العموم في الآدمي والبهيمة، ولما ذكر الآدمي وحده قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] (٢). وهكذا متى جاء ذكر الآدمي وحده على الاختصاص، ذكر الهدى، ومتى جاء مضافاً إلي غير جنسه، ذُكِرَ من الألفاظ ما يعمّ الجنسين من حقيقة ما هما عليه من المُتَعَلَّقَيْنِ. ثم بين الفجور والتقوى، وشرح النفع والضر، وأمر ونهي، ووعد وأوعد، ودبّر وقدّر، ونبّه على الفضيلة التي بها ينتظم حال الرد على الرذيلة ويتيسر بها جمع شملها في الوجودين، وللتقوى والفجور بواعث وعليها روادع وحثائث، ولهذا معين، ومن تلك قاطع، وجند الله منقسمة على

стр. 466

الوجهين، والعبد من حكم الله بين لِمَّتَيْنِ، ومن كل شيء خلق سبحانه زوجين، وهذا بحر آخر من التأويل لا ساحل له. وأصول الفضائل التي هي علامات النجاة للنفس باكتسابها لها، واكتسابها بخلع الله عليها أربعة: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة (١). أما الحكمة (٢) فهي العلم الذي تنزه عن تطرق الجهل والشك إليه والعمل بخلافه قال الله سبحانه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ -إلى قوله- كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وبها (تتطهر النفس عن البله والخبث، وذلك بأن تطيع داعي الحق وتعصي داعي الهوى، وأن تَحْكُمَ نفسك، ولا تُحَكِّم نفسك عليك، فتميل إلى رعونات البشرية، وتزيغ عن مقتضى الصفات الإلهية، وتركب عليها معنى الحكمة وتفسيرها وصواحباتها الثلاثة ومعانيها. ووصف الله بالحكيم (٣) الذي هو أصل هذا العلم والتعليم، وكيف

стр. 467

تتعلق هذه المعلومات بعضها ببعض، وترجع إلى وصف الله العلي واسمه الحسن. وأما الشجاعة (١) فهي ثبوت القلب عند تعارض المضادات من المخاوف والمرجوات، ولم يحز أحد في الإِسلام هذه الصفة حاشا أبي بكر الصديق ﵁، فإنه كان أشجع الأمة (٢) بعد رسول الله ﷺ ، إذ ثبت قلبه في مواضع زاغت فيها القلوب، وذلك إذ نزلت المصيبة العظمى بموت (٣) رسول الله ﷺ ، فاختلط عمر (٤)، وخرس عثمان (٥)، واستخفى علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، واستسلم سائر الخلق، فكان من أبي بكر في ذلك ما قصرت عنه جميع الأمة، قال (٦) للناس: "ما مات رسول الله ﷺ وإنما واعده الله كما واعد موسى (٧)، وَلَيَرْجِعَنَّ رسول الله ﷺ فليقطعن أيديَ الناس وأرجلَهُمْ، فجاء أبو بكر ﵁ وكان غائباً في منزله بالسُّنْح (٨)، فدخل منزل ابنته عائشة ورسول الله ﷺ مسجى بثوبه،

стр. 468

فكشف عن وجهه وقبله، وقال بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً ... الحديث (١). إلى أن خرج وصعد المنبر فقال: أيها الناس: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ..... الآية﴾ [آل عمران: ١٤٤]. فخرج الناس في سكك المدينة يتلونها كأنها لم تنزل إلاَّ ذلك اليوم (٢). واختلف الناس أين يدفن؟ فقال قوم: يدفن بالبقيع، وقال قوم: بمكة، وقال قوم: ببيت المقدس إذا فتحت يحمل إليها. فقال لهم أبو بكر: سمعته ﷺ يقول: "مَا دُفِنَ قَط نَبِي إلا حَيْثُ مَاتَ" (٣). واختلفوا في ميراثه، فقال أبو بكر: سمعته يقول: "لا نورِّثُ" (٤) فتذكروا قوله ورضوا حكمه، وارتدت العرب بمنع الزكاة فجزع جميع الناس وأشاروا عليه بترك الزكاة حتى يتمكن الإِسلام فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة (٥). وأرسل جيش أسامة (٦) على ما كان بَعَثَهُ رسول الله ﷺ في حياته. فقالوا: كيف تترك المدينة والعرب قد ارتدت حولها؟ فقال: والله لو لعبت

стр. 469

الكلاب بخلاخيل نساء أهل المدينة ما رددت جيشاً أنفذه رسول الله ﷺ أبداً، فقيل له: ومع من تقاتل العرب؟ قال: وحدي حتى تنفرد سالفتي (١). وهمت الأنصار بالاستبداد بالبيعة، فبادر إليهم، ودخل مجلسهم عليهم، وخطب خطبته المشهورة (٢) فيهم ثابت القلب، حاضر العلم، ذلق اللسان، بصيراً بمقاطع الأدلة والبيان، حتى انقادوا إلى خلافته، واختاروا أمراء الأجناد في الأقطار، فما وجد بعدهم أحد ينوب منابهم، هذا وفي نزعه ضعف، فكيف لو كانت فيه مرة؟. وبفضيلة الشجاعة تتطهر النفس من رذيلة الهلع والتهور. وأما العفة (٣): فهي كف النفس عن المكروه، وبها يكون الحياء والصبر والسخاء والورع والقصد والتؤدة وحسن السجية، وبها تتنزه النفس عن الشره والجمود. وأما العدالة (٤): فهي انتظام العلم والعمل على وفق المقصود من الخصال الثلاثة المتقدمة، وهي المراد عند بعضهم (٥) بقوله ﷺ في

стр. 470

المنام لمن رآه "شيبتني هود" لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]. وهي العدالة والصراط المستقيم الذي حملنا الله عليه، ودعانا إليه، وتركب ذلك كله من حال النفس وأحكامها وتصرفها على الآيتين، وتردُّ ذلك كلَّه إلى العدالة وتبين فضيلتها. وبهذه الفضيلة تتطهر النفس عن الجور، وهو الخروج عن المعنى الملائم للعقل والشرع. ذكر أقسام حال النفس وقسم الله حال النفس (١) قسماً به يتبين أمرها وتزيد المعرفة بها، ويدل

стр. 471

على وجود ربها، وصفاته، وحكمته في أحكامه، وذلك على ثلاثة أقسام لثلاثة أحوال: أمّارة بالسوء ولوّامة، ومطمئنة. فالأمّارة بالسوء (١) هي التي لا يلوح لها طمع إلاَّ تعرضت له، ولا تبدو لها شهوة إلاَّ اقتضتها، لم تسلك سبيل الرشاد، ولا استضاءت بنور السداد، ولا أحكمتها الرياضة، فهي تهيم من البطالة في كل واد، وذلك الذي يُعبّر عنه بالهوى. وأما اللوّامة: فإن الله كتب على ابن آدم حظه من المعصية، وأدرك ما قدره الله تعالى لا محالة، وخلق له الشهوة تقتضيها المعصية، وخلق له العقل يقتضيه الكف عنها، وخلق المَلَكَ معيناً للعقل، وخلق الشيطان معيناً للشهوة، ولكل واحد منهما إليه لمة، والقدر فوق ذلك كله فإن كف عن المعصية بسابق الفضل له بالعصمة فبها ونعمت، وإن وقع فيها بنافذ القدر، وأدركته رحمة، فأعقب ذلك ندامة على ما فعل، وملامة لنفسه فتلك حالة محمودة ولها -إن شاء الله- عاقبة جميلة لخلوص التربة، وهي حالة أكثر الخلق.

стр. 472

ولفضل هذه الحالة، أقسم الله سبحانه بها فقال: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]. وقيل التي أقسم الله بها هي التي تلوم على التقصير في الطاعة (١). وقيل: لم يقسم الله قط بنفس، وإنما نفى القسم بها، وقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ أصلية في النفي، وقيل: هي زائدة ولكن القسم على تقدير محذوف كأنه قال: أقسم برب يوم القيامة ونحوه (٢). وأما النفس المطمئنة (٣) فهي التي استقرت وتمكنت، ولها في الاستقرار منازل (٤) لم يحط بها العلماء. المنزلة الأولى: الطمأنينة بالتوحيد، حتى لا يكون بها انزعاج بريب. المنزلة الثانية: الطمأنينة بذكر الله، حتى لا يكون لغيره عندها (٥) قدر، قال النبي ﷺ "سِيرُوا هذا جُمدان، سَبَقَ المُفَرِّدُونَ قَالُوا: وَمَا المُفَردُونَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: الذاكِرُونَ الله كَثِيراً والذاكِرَاتُ" (٦). المنزلة الثالثة: الطمأنينة باليقين حتى لا يجري عليها وسواس، وهذا ليس لأحد (٧)، قال الله سبحانه لنبيه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ

стр. 473

بِاللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٦]. وقال الصحابة يا رسول الله إِنا نَجِدُ في أنْفُسِنَا شَيْئاً لأنْ نَخِرَّ مِنَ المَاءِ فَتَخْطَفنَا الطَّيْر أخَفُّ عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ذَلِكَ صَرِيحُ الِإيمَانِ (١). يعني مجاهدة دفعه، إذ لا بد من وقعه، فرحم الله الخلق حين ابتلاهم به بأن جعل مجاهدتهم في دفعه إيماناً صريحاً. المنزلة الرابعة: الطمأنينة بطاعة الله، حتى لا يكون له في المعصية حظ، وهذا ممكن في الكبائر لكل أحد، وفي الصغائر للأنبياء -صلوات الله عليهم- والأولياء. المنزلة الخامسة: الطمأنينة بالتوبة، حتى لا يبقى للمعصية في النفس أثر. المنزلة السادسة: الطمأنينة بالبشارة، كقول الصادق ﷺ : فلان في الجنة، أو قد غفر له (٢). المنزلة السابعة: الطمأنينة بالبشرى عند الموت، كقول المَلَك للميت (٣) اخرجي أيتها الروح المطمئنة إلى رحمة الله ورضوانه، وذلك

стр. 474

قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤]. وترَتبُ عليه سائرُ البشارات المترادفة في القبر والنشر والعرصات عند نزول المخاوف بما يشاهد من عظيم الهول وشدة الكَرب وجواز الصراط وتطاير الصحف ونصب الميزان وزفرةِ جهنمَ ونداءِ اَلرب المتحابين والمقسطين. فهذه أقسام النفس وأحوالها، وأصولُ مراتب كل قسم منها، ووجه ترتيبها في العلم وذكرها عند التعليم وما يرتبط بها، وسوقُها عند التعبير والتأويل، وتركيبُها على الآيات حيث ما وردت في كتاب الله، وضمُّ نشرها بذكر ما يتصل بها، وينفصل عنها، وإذا عرفت معنى النفس وحالها، وانقسامها في صفاتها، ونقصانها أو كمالها، وتصرفها في أفعالها، وأحكامها في انكفافها واسترسالها، وتوصلها إلى بارئها باستدلالها، فقد اختلف الناس كما قدمنا في القَسَمِ بِهَا: وتحقيق ذلك أن المخلوقاتِ منها ما عَظَّمَ اللهُ، -وَكُل عَظِيمٌ-، لأن الله خلقه، ومنها ما صَغَّرَهُ، لأن الله ذَمَّهُ وَحَقَرَهُ، أو يقال فيه أنه صغيرٌ بمعنى أن قُدْرَةَ الله أعظم منه. ولقد كنت يوماً في جامع الخليفة ببغداد لصلاة الجمعة، وإذا بصبي واقف عند حائط المقصورة لم يبلغ ثمانية أعوام بحال، وهو يتكلم في التوحيد ويورد فيه مسطوراً بديعاً، تعجز المشيخة عنه قد كان لُقِّنَهُ، فذكر أن عبد الله ابن المبارك سئل عن التوحيد فقال: هو ترك التعجب، ومعنى هذا: ألا ترى شيئاً بديعاً متقناً فتعجب منه لأن قدرة الله أعظم منه، فجعلت أنا أعجب وأطرق مدة متفكراً في جودة حفظه، وحسن إيراده على فرط صغر سنه. قلنا: أن نعظم ما عظم الله لأنه خلقُ الله، ولنا أن نصغره لأن الله أعظم

стр. 475

منه، أو بإضافةٍ إلى غيره. وعلى هذا المعنى خرج قول النبي ﷺ : "يا أبا عُمَيْر، ما فعل النُّغَيْر" (١). ليس لنا نحن تصرف في الاعتقاد والقول في هذا إلاَّ هكذا. فأما الرب سبحانه فله أن يعظِّم ما شاء من مخلوقاته، ومن تعظيمها عنده أن يقسم بها، ألا ترى أنه أقسم بحياة محمد ﷺ إكراماً له وتشريفاً فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] (٢). ثم زاده تشريفاً بأن أقسم بخيله وضباحها، وضربها في الأرض وانقداحها وغاراتها في صباحها، وإذا قال ذلك سبحانه وعظم وأقسم بها وتكلم فيكون هذا مخصوصاً بالباري على قول (٣)، وفي آخر يكون لنا أن نقسم بما أقسم به خاصة دون غيره من المخلوقات، وذلك لأن القسم بغير الله كان ممنوعاً في صدر الإِسلام قطعاً، لذريعة تعظيم الخلق لغير الله، واعتقادهم أن لهم أثراً في نفع أو ضر، فنهوا عن ذلك حسماً للباب، حتى استقر التوحيد في القلوب وقدر الكل الله حق قدره، ولذلك روي أن النبي ﷺ قال: أفْلَحَ وَأبِيهِ إِنْ صَدَقَ، دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ (٤).

стр. 476

وقيل إنما أقسم بها لِمَا فيها من عظيم القدرة لله، وكل قَسَمٍ أقسم الله به في كتابه فإنه بمخلوقاته، إلاَّ في خمسة مواضع فإنه أقسم فيها بنفسه. الأول: قوله ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الذاريات: ٢٣]. الثاني: قوله ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]. الثالث: قوله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥]. الرابع: قوله ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]. الخامس: قوله ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]. والنكتة العظمى والفائدة الكبرى في ذكره لهذا القسم الخامس بإدخال حرف "لا" فيه أن يكون مساق قسمه فيه بنفسه مساق قسمه بمخلوقاته، لئلا يظن مقصر أنها زائدة، وذكر القول في تلك الأقسام على تقدير محذوف كما تقدم، فإن هذا كله ممتع في قوله ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ وهو شاف كاف لكل متكلف رمى بالقول في تلك الآيات من حيث لم يعلم، فافهموه ترشدوا، وَتَيَقَّنُوا أنها ليست بنفي، ولا برادّة لكلام متقدم، فقد رده قوله: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩]. ثم وقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾.

стр. 477

وأنا أقول إنه لو أقسم بها مقسم لما أقسم بها إلاَّ بالصيغة التي ذكر الله، مثل أن يقول: لا أحْلِف بمواقع النجوم أنه لقد كان كذا وكذا ... والصحيح الاقتداءُ بقول النبي ﷺ : "مَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ باللهِ أو ليَصْمُت" (١). فقد أقسم الله بما أقسم، فقوله الحق، وَأمرَ النبي بما أمرَ، وَشَرْعُهُ متبع، وَيَحِقُّ للنفس أن تُعَظَّمَ فَإِنَ لها خصالًا وصفاتٍ، وهي جادة المعرفة وطريق التوحيد، وبينها وبين الجسد منازعات. ذكر المنازعة بين الجسد والنفس وقد قال النبي ﷺ : "إِذَا أصْبَحَ ابنُ آدَمَ كَفَّرَتْ أعضَاؤُهُ اللَّسَانَ تَقُولُ: اتَّقِ اللهَ فِينَا، فَإِنكَ إِذَا اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِذَا اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا" (٢). فظاهر هذا أن الجسد تحت حكم النفس، وأنه يتقي الهلاك منها بما تلقي إليه، وَكَفَّرَ الجسد اللسان أي سَلَّمَ عليه بالخضوع والانحناء وهو

стр. 478

سلام الأعاجم، وَعَبَّرَ النبي ﷺ عن السلام بتكفير الأعاجم؛ لأنهما أعجميان، ولأنه الغاية في الخضوع، فضرب المثل به لعظيم التقية فيه. وفي الحديث حِكَم استوفينا شرحها في "مختصر النيرَيْنِ". ومنها أن يقول: كيف كَفَّرَ الجسد اللسان دون النفس وهي الحاكمة للسان؟. لأنها ملك البدن أو فارسه على اختلاف المقاصد في ضرب الأمثال، وبهذا استقرت في البدن استقرار الملك، والحواس جواسيس لها، ولكل واحد مطلع، فمطلع البصر الألوان، ومطلع السمع الأصوات، وهكذا إلى آخرها، فينهون إلى النفس ما يطلعون عليه. وعن كَعْب (١) "إن الإنْسَانَ عَيْنَاة هَاد، وَأذُنَاهُ قُمْعٌ، وَلِسَانُهُ تُرْجُمَان، وَيَدَاهُ جَنَاحَانِ، وَرِجْلَاهُ بَرِيدَانِ، وَالقَلْب مَلِك، فَإذَا طَابَ المَلِكُ طَابَتْ جُنُودُه" (٢).

стр. 479

وفي جامع عبد الرزاق (١) عن أبي هريرة (٢) قال: "القَلْبُ مَلِك وَلهُ جُنُود، فَإذَا أصْلَحَ الله المَلِكَ صَلُحَتْ جُنودُهُ، وَإذَا فَسَدَ فَسَدَتْ جُنُودُهُ، الأذُنَانِ قُمْعٌ، وَالعَيْنَانِ مسلحة، واللسان ترجمان، واليدان جناحان، والرجْلَانِ بَرِيدَانِ، الكَبدُ رحمة، والطحَالُ ضحك، والكليتان مكر، والرئةُ تنفس، فَإذا صَلَحَ المَلِكُ صَلُحَتْ جُنُودُهُ" (٣) وَتَصَرف في ذلك كله. ذكر الآيات الواردة في النفس والقلب والجوارح وإذا ذكرت الفلاسفة معنى هذه الأمثال، ففيها حجة عليها في قولها إن النفس تتجلّى لها الحقائق دون نظر، وإذا كان اللسان خادماً للنفس فكيف تكفِّره الأعضاء دونها؟. ونحن نقول: إن هذه التمثيلات الواردة في القرآن والحديث لا مطمع في الإحاطة بمتعلقاتها، وإنما يأخذ كل واحد منها بمقدار ما تفيض رحمة الله عليه منها، ولعل الجسد إنما يقصد اللسان لأنه الأدنى إليه والظاهر له.

стр. 480

وقيل المعنى أنه يورّعه بالله تعالى كما فعلت الصديقة حين قالت: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]. وهذا مثل ضربه الله لجناية اللسان على البدن، فإنه يتكلم بما فيه هلاكه وهلاك البدن معه. ومن الرباط الذي بين الجسد والنفس مثال غريب ضربه العلماء، وأسنده بعضهم إلى النبي ﷺ ، وإلى ابن عباس (١) ولم يصح، قالوا: "بَلَغَ مِنَ الخُصُومَةِ بَيْنَ الخَلْقِ يوم القيامة إلَى الروح وَالجَسَدِ، فيَقُولُ الرَّوح: رَبَ هَذَا الَّذِي عَمِلَ العَمَلَ، فَخَلدْ عَلَيْهِ العَذَابَ، فيَقُولُ لَهُ الجَسَد: وَمَا كُنْتُ أنَا؟ إِنَّمَا كُنْتُ أبْسُطُ بِهِ، وَأقْبضُ بهِ، وأعْمَلُ بهِ، وَأقُومُ بهِ وَأقْعُدُ، فَيُقَالَ لَهُمَا: أرَأيْتُمَا لَوْ أنَّ أعْمَى وَمُقْعَداً أُدْخِلَا حَائِطَاً مُثْمِراً، فَقًالَ البَصِيرُ لِلأعْمَى: أنَا لَا أنَالُهُ، فَقَالَ لَهُ الأعْمَى: أنَا أحْمِلُكَ عَلَى عُنُقِي حَتَّى تُدْرِكَهُ، فَأخَذَهُ فَحَمَلَهُ حَتَّى أخذ مِنَ الثمَرِ وَأكَلَا جَمِيعاً، عَلَى مَنْ يَكُونُ العَذَاب؟ فيقول: عَلَيْهمَا جَمِيعاً (٢). ولعظيم موقع معرفة النفس من معرفة الرب قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩].

стр. 481

فَإنَّكَ لا تغفل عن شيء من نفسك إلاَّ وقد تَرَكَّبت عليه غفلة بربك، لأن كل شيء منك دليل عليه، وطريق مهيع إليه، والباري سبحانه يبصرك نفسه بنفسك، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢١]. وفي كل شيء له آية، في السموات والأرض، وما بينهما، وفي النفس، ونفسك أقرب إليك وأقعد بك. فهذا طريق وأصل في التفسير، وقانون من التأويل، فخذ به، وركّب عليه ما في ابن آدم من الآيات، وقد قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]. قيل: تستدل بكل شيء من المخلوقات على الباري، فإذا عرفته، استدللت به على كلّ شيء، وقوله: "في الآفاق": من تغير الأحوال، وتبديل الدول، واختلاف الليل والنهار، والغيم والصحو، وظهور الإِسلام، وخمول الكفر، إلى غير ذلك من بحار التأويل، ومهامه التفسير، وتركب عليه ما يليق به من التنظير. نكتة في الباب: ولا يخفى فضلُ الروح على الجسد، فإن الله سبحانه لما ذكره قال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١]. فأضاف الجسد إلى الطين، ولما ذكر الروح أضافها إلى نفسه تشريفاً

стр. 482

فقال: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [ص: ٧٢]. وقد قام الدليلُ على أن الجسد يفنى والروح يبقى، والباقي أشرف من الفاني، وحقيقة التفضيل انما يكون عندنا بالصفات لا بالذوات، فإنَّ الدليل قد قام على أن الذوات متجانسة. مزيد بيان فيه: قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي .... الآية﴾ [الإسراء: ٨٥] (١). فحجبها عن الخلق، فتسلطوا عليها، وتابعت الصوفيةُ الفلاسفةَ (٢) في

стр. 483

شيء من أغراضها فيها، قالوا: العالمُ عالمان، عالم الخلق، وعالم الأمر، والروح (١) من عالم الأمر، وأشاروا إلى أن الخلق من العالم ما كان كَميّاً (٢) مُقَدَّراً، والأمرَ ما لم يكن مقدّراً، والروح عندهم حادث ولا يكون عندهم محدث في احترازات من مقاصدَ لا خير فيها قد بيناها في كتب "الأصول"، وأوضحنا أن العَالَمَ وكل ما سوى اللهِ مخلوقٌ داخل في الكميةِ مقدرٌ، وإنما الذي يتقدس عن الكمية ويتعالى عن التقدير هو الله وحدَهُ، ويكاد يكون هذا القولُ تحليقاً على مذاهب الحلولية، واعتصاماً بمذهب النصارى في عيسى، والقول مستوفىً في كتب "الأصول" على فساد ذلك كله بالدليل وما أبعده عن التحصيل وأفسده في التأويل، ولقد عجبت من حكايته الطوسي (٣) له، ولقد تأملته معه مذ فارقته، تأمل المنصف له، المجتهد في بيانه، فما وجدت له في الثبوت قدماً، ولا استمر على سبيل التحقيق لقاصد أمماً. وكذلك تسور القاضي عليها، وأطنب القول فيها، وأبان بالدليل أنها مخلوقة، وإذا ثبت ذلك، فلا يخلو أن تكون جوهراً أو عرضاً، وأشار إلى أنها عرض على الوجه المعلوم في كتبه (٤)، ومال الجُوَيني إلى أنها

стр. 484

جسم تعويلاً على ظواهر الشرع فيما أضاف إليها من الأفعال، وأخبر عنها من الأحوال، وخاصة في العروج والانتقال والأكل في الجنان، وذلك من خصائص الأجسام (١). وأشار جماعة إلى أن الروح تفارق البدن، وهي عرض فتقوم بجزء من الجسم تضاف إليه هذه الأوصاف كلُّها التي تستحيل على الأعراض، ولعل النبي ﷺ إنما أشار إلى هذا المعنى بقوله في الحديث الصحيح: "كُل ابْنِ آدَمَ يَفْنَى تَأكُلُهُ الأرْض إلا عَجْبُ الذَنَب مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكبُ" (٢) فتعارضت هذه الأعراض المشار إليها، فتوقف قوم عنها، والذي يتحصل من ذلك كله أمران: أحدهما: أن الروح بالدليل القاطع العقلي مخلوق من غير إشكال، يكفر جاحد ذلك. الثاني: أن الروح بالدليل القاطع الشرعي باقيةٌ لا فناء لها، والنظرُ

стр. 485

بعد ذلك في أنها عرض لوجود أو جوهر؟ فهذا موضع الِإشكال، ومحل الاجتهاد، وسبيل العذر في ذلك ممهد لمن اضطرب فيه قوله، واختلف عليه رأيه، والأقوى أنها عرض لا جوهر، وصفة غيرُ مَوْصُوف، فإن التحامل على الألفاظ في تأويلها وصرفها من الحقيقة إلى المجاز، أقرب في النظر من الاضطراب فيكم، الأدلة العقلية التي توجب أنها لا تقوم بنفسها حسب ما سطرناه في كتب "الأصول" من كلامنا ونقلناه منتحلاً عن علمائنا (١)، وهو قانون عظيم، فتمسكوا به في الأغراض العلمية، وصرّفوه في الِإبرام والانتقاض عند التصرف في وجوه التأويل. ذكر الاعتذار عن عدول العلماء عن الكتاب إلى أدلة العقول فإن قيل فما عذر علمائكم في الِإفراط بالتعلق بأدلة العقول دون الشرع المنقول في معرفة الرب، واستوغلوا في ذلك (٢)؟. قلنا: لم يكن هذا لأنه خفي عليهم، إن كتاب الله مفتاح المعارف، ومعدن الأدلة، لقد علموا أنه ليس إلى غيره سبيل، ولا بعده دليل، ولا وراءه للمعرفة معرس ولا مقيل، وإنما أرادوا وجهين:

стр. 486

أحدهما: أن الأدلة العقلية وقعت في كتاب الله مختصرة بالفصاحة، مشاراً إليها بالبلاغة، مذكوراً في مساقها الأصول، دون التوابع والمتعلقات من الفروع، فَكَمَّلَ العلماء ذلك الاختصار، وَعَبَّرُوا عن تلك الِإشارة بتتمّة البيان، واستوفوا الفروع والمتعلقات بالإِيراد. الثاني: أنهم أرادوا أن يُبصَّروا الملاحدة، ويُعَرِّفُوا المبتدعة أن مجرد العقول التي يَدَّعُونَهَا لأنفسهم، ويعتقدون أنها معيارهم، لا حظ لهم فيها، وزادوا ألفاظاً حرروها بينهم، وساقوها في سبيلهم، قصداً للتقريب ومشاركة لهم في ذلك من منازعتهم، حتى يتبينَ لهم أنه كيف دارت الحالُ معهم من كلامهم بمنقول أو معقول، فإنهم فيه على غير تحصيل (١)، وذلك يتبين بتتبع أدلتهم في الفصول. فقد علمتم أن الله سبحانه قد أوعب القول في حدث العالم، ونبه باختلاف الأعراض عليها في الانتقالات (٢)، وكذلك كرر

стр. 487

القول في دلالة التوحيد بالتمانع (١) في قوله: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]. وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. وهذان الدليلان همان اللذان بسط العلماء ومهدوا بما يتعلق بهما من فصول وتوابع، ثم تكلموا مع المخالفين بمجرد الأدلة العقلية غير هذين ليرى الملحد أنه محجوج بكل طريق، وقد مهدنا ذلك في كتب "الأصول"، فلينظر فيها ولينقل منها.

стр. 488

وقد غلا بعض الناس فقال: ليس من كلام الناس شيء إلاَّ وهو في القرآن، وتكلف سرد ذلك، فما ظنك بأدلة العقول وما سطّره العلماء، إنه بذلك لأجد وفيه لأوحد. ذكر الخبر عن علوم القرآن وقد تحقق كل عالم أن كتاب الله وسنة نبيه بيان لكل معلوم، فإن العقول وإن كانت خلقت مستعدة لقَبُول المعارف وتمييز الحقائق، فليس في الإِمكان إحاطتها بجملتها، فإن الإِحاطة لا تكون إلا للمحيط، وذلك معلوم قطعاً، حتى أن الأوائل قالوا: إن الجزء يستحيل أن يكون مسيطراً على

стр. 489

الكل، واستحسنه إمام الحرمين (١)، وليس ذلك بحسن، فإنه أمر معلوم من طريق العادة، ليس من طريق الوجوب العقلي، إذ من الجائز أن ييسر الله للعقول إدراك كل معقول، كما يتيسر بإذنه في الدار الآخرة (٢)، وقد بينا ذلك في كتب الأصول. وإيجاز شرحه: أن المعلومات على قسمين معدوم وموجود، والموجودات على قسمين: خالق ومخلوق، والأوقات قسمان: دنيا وأخرى، والأعمال قسمان: نافع وضار. وعلى هذا تُخَرَّجُ جميع علوم القرآن، وهو مما اتفق عليه العقلاء من المتشرعين، وإنما اختلف المختلفون وتشبث الملحدون بتفسير هذه المعاني، فَفَسَّرَها قوم بمعاني فارغة، وآخرون بمعاني باطنة، وطائفة بظاهر، وجملة بتأويل مجازي، ولمة برد كلي، واستيفاء القول في هذه المعاني في كتب "الأصول"، وبيانها كلها على ما هي عليه من حقائق الصفات في كتاب الله تعالى.

стр. 490

بلى: إن علماءنا -رحمة الله عليهم- قالوا: "ليس يمكن بالعقول إدراك كل معقول". بيد أن الباري يصطفي من عباده من يطلعه على العلوم (١)، فيصل إلى الخلق بواسطة، وذلك المصطفى منه يكون التعليم، وعنه يؤخذ القانون، وعليه يكون التعويل، وبه يتوصل إلى الدليل، ووحي الله هو تبيان لكل شيء، وهدى لكل مشكل، إلا أن المرء لا تمكنه الِإحاطةُ بجميع العلوم، فإن العمر الطويل لا يتسع لها، فكيف أعمارنا القاصرة، وهذه الدار لم تخلق له، والآدمي لم يُعَدَّ لها كما هو عليه، وإنما الممكن الاطلاعُ على جمل العلوم، والإشراف على مقاصدها دون درك التفاصيل، فإذا وصل إلى هذه المرتبة، وقف عندها، وعطف على المقصود الأوفى، وتعرض للمطلوب الأعلى، ولو أن عبداً تجرد لعلم واحد ليدرك تفاصيله، ويضاعف له عمره ما أحاط به. بلى: إنه إذا بلغ مرتبة الِإشراف يجد من نفسه مُنَّةَّ على درك التفاصيل، حتى إذا تعرض لذلك نالها بالقانون، فإذا وَصَلْتَ هذه المرتبة، فاجْتَهِد لنفسك أن تكون من العاملين، فإن لم تقدر فمن المبلِّغين فكلاهما في نضرة ونعيم. قال النبي ﷺ : نضَر اللهُ امرءاً سمع مقالتي فَوَعَاهَا فَأدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هوَ أفْقَهُ مِنْهُ، وَرب حَامِلِ فِقْهٍ غَيْر فَقِيهٍ (٢). ذكر أقسام العلوم وإذا كانت العلوم مطلوبة للتوصل إلى العلم الأقصى، وهو معرفة الله

стр. 491

تعالى، فَلْتُقَدَّم على طلب العلوم معرفةُ أقسامها، وهي على طريق التفصيل لا تُحصى، وإنما مُدْرَكُهَا الجمل، والذي يعلمها على التفصيل والجملة هو الله وحده. قال الله سبحانه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ..... ﴾ [الكهف: ١٠٩]. وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ..... الآية﴾ [لقمان: ٢٧]. وليست الكلمات ها هنا المعلومات (١) كما ظنه أهل الجهالات، وإنما المعنى فيه ما سردناه في كتاب "المشكلين" لبابه: أن العلم لا بد أن يقوم عنه في النفس خبر، وذلك الخبر هو الكلام (٢)، وهو من الله صدق لموافقته العلم، ويتصور أن يكون في العبد صدق، وهو ما وافق علمه، ويكون كذباً، وهو ما جاء بخلاف العلم، والكذب مستحيل على الله تعالى؛ لأن العبد له حالة علم وشك، وظن وجهل ووسواس، فكل معنى من هذه المعاني قام عنه خبر في نفسه، والصدق منها ما وافق العلم، واستحال على الله كل هذه الحالات إلا العلم فإنه له واجب، فخبره صدق قطعاً، لاستحالة وجود أحدهما دون الآخر، فلهذه القربى والملازمة بين العلم والكلام في الحقيقة، جاز بأن يعبر بأحدهما عن الآخر. وقد زل الجويني في هذه المسألة زلة عظيمة لا تقوم بها استقامة العمر كله، وذلك أنه أشار في كتاب

стр. 492

"البرهان" (١) إلى استحالة تعلق علم الله بالمعلومات على طريق التفصيل، وقال فيما أخبرني الطوسي والزنجاني عنه -"الذي يُقْطَعُ به، انحصارُ

стр. 493

الأجناس كالألوان، فإنها لو كانت غَيْرَ منحصرة لتعلق العلم بآحاد لا تتناهى على التفصيل. وذلك محال، ولا يقال الباري عالم بما لا يتناهى. فمعنى ذلك من غير تفصيل الآحاد، فإن من يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود يحيل وقوع تقديرات غير متناهية في العلم ... " (١). وكان "أبو حامد" صاحبه يعظم هذا عليه، ولا يلتفت إليه، وهي هفوة عظيمة، يُجَهَّلُ بها ولا يكفر على مذهب المأولة، فإن الذي قاله محال كله، وقد بيناه في كتب "الأصول" (٢)، إيجازه: إن تعلق العلم بآحاد لا تتناهى على التفصيل جائز، ونسبة المحال إليه دعوى لا مساعد فيها، ولا برهان عليها، والباري سبحانه عالم بالجملة عالم بالتفصيل، يُعلم ذلك بدليل العقل، فإن قِدَمَ عِلْمِهِ وَعُمُومَهُ واستحالةَ الجهل عليه وتقدسَهُ عن الغفلة ووجوبَ علمه لما خلقه على التفصيل، معلوم قطعاً، مبين في القرآن في مواضع شتى شرعاً. وقوله: "إن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود، يحيل وقوع

стр. 494

تقديرات غير متناهية في العلم". لأن العلم يتعلق بالمعدوم الذي يستحيل وجوده فلا يمتنع تعلق العلم بتقديرات لا توجد، ومن أفسد دليل اعتبار المعدوم بالموجود، وقد قال قبل هذا بأسطر "أنه لا قياس في العقليات، وإنما تثبت كل مسألة بدليلها، فإن قام فيها -يريد قياسه على الثابت- دليل مثل ما قام في الثابت، فالدليل أثبته ليس القياس، فالآن نريد اعتبار تعلق العلم بما لا يتناهى تقديراً باستحالة وجود ما لا يتناهى تحقيقاً" (١) وما أفسد هذا التنظير في الفقهيات! فضلاً عن العقليات وما هذا إلا هيام في الغفلات. عدنا إلى منتحانا فقلنا: أما معرفة العلوم لنا على الجملة فممكن، وضبطها بالتقسيم جامع لنشرها. وهي من وجه على ثلاثة أقسام: علم باللفظ، وعلم بالمعنى، وعلم بوجه دلالة اللفظ على المعنى. وهي تنقسم من وجه آخر على أقسام أخر، والتقسيم نوع من العلوم، فإن الشيء ينقسم من ذاته ومن صفاته، ومن متعلقاته، وقد لا ينقسم من الذات بطريق (٢).

стр. 495

وقد كنت أضرب لكم في ذلك الأمثال، وأشير إلى جمل من الاستدلال، إلاَّ أني لم أقصد للتوابع وإنما انتحيت المقاصد. وتنقسم (١) أيضاً إلى خالق ومخلوق، فالخالق هو المقصود، والمخلوق هو منهاج السالكين.
следующие страницы →