← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 97927

قانون التأويل

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (664 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

تعالى، فَلْتُقَدَّم على طلب العلوم معرفةُ أقسامها، وهي على طريق التفصيل لا تُحصى، وإنما مُدْرَكُهَا الجمل، والذي يعلمها على التفصيل والجملة هو الله وحده. قال الله سبحانه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ..... ﴾ [الكهف: ١٠٩]. وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ..... الآية﴾ [لقمان: ٢٧]. وليست الكلمات ها هنا المعلومات (١) كما ظنه أهل الجهالات، وإنما المعنى فيه ما سردناه في كتاب "المشكلين" لبابه: أن العلم لا بد أن يقوم عنه في النفس خبر، وذلك الخبر هو الكلام (٢)، وهو من الله صدق لموافقته العلم، ويتصور أن يكون في العبد صدق، وهو ما وافق علمه، ويكون كذباً، وهو ما جاء بخلاف العلم، والكذب مستحيل على الله تعالى؛ لأن العبد له حالة علم وشك، وظن وجهل ووسواس، فكل معنى من هذه المعاني قام عنه خبر في نفسه، والصدق منها ما وافق العلم، واستحال على الله كل هذه الحالات إلا العلم فإنه له واجب، فخبره صدق قطعاً، لاستحالة وجود أحدهما دون الآخر، فلهذه القربى والملازمة بين العلم والكلام في الحقيقة، جاز بأن يعبر بأحدهما عن الآخر. وقد زل الجويني في هذه المسألة زلة عظيمة لا تقوم بها استقامة العمر كله، وذلك أنه أشار في كتاب

стр. 492

"البرهان" (١) إلى استحالة تعلق علم الله بالمعلومات على طريق التفصيل، وقال فيما أخبرني الطوسي والزنجاني عنه -"الذي يُقْطَعُ به، انحصارُ

стр. 493

الأجناس كالألوان، فإنها لو كانت غَيْرَ منحصرة لتعلق العلم بآحاد لا تتناهى على التفصيل. وذلك محال، ولا يقال الباري عالم بما لا يتناهى. فمعنى ذلك من غير تفصيل الآحاد، فإن من يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود يحيل وقوع تقديرات غير متناهية في العلم ... " (١). وكان "أبو حامد" صاحبه يعظم هذا عليه، ولا يلتفت إليه، وهي هفوة عظيمة، يُجَهَّلُ بها ولا يكفر على مذهب المأولة، فإن الذي قاله محال كله، وقد بيناه في كتب "الأصول" (٢)، إيجازه: إن تعلق العلم بآحاد لا تتناهى على التفصيل جائز، ونسبة المحال إليه دعوى لا مساعد فيها، ولا برهان عليها، والباري سبحانه عالم بالجملة عالم بالتفصيل، يُعلم ذلك بدليل العقل، فإن قِدَمَ عِلْمِهِ وَعُمُومَهُ واستحالةَ الجهل عليه وتقدسَهُ عن الغفلة ووجوبَ علمه لما خلقه على التفصيل، معلوم قطعاً، مبين في القرآن في مواضع شتى شرعاً. وقوله: "إن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود، يحيل وقوع

стр. 494

تقديرات غير متناهية في العلم". لأن العلم يتعلق بالمعدوم الذي يستحيل وجوده فلا يمتنع تعلق العلم بتقديرات لا توجد، ومن أفسد دليل اعتبار المعدوم بالموجود، وقد قال قبل هذا بأسطر "أنه لا قياس في العقليات، وإنما تثبت كل مسألة بدليلها، فإن قام فيها -يريد قياسه على الثابت- دليل مثل ما قام في الثابت، فالدليل أثبته ليس القياس، فالآن نريد اعتبار تعلق العلم بما لا يتناهى تقديراً باستحالة وجود ما لا يتناهى تحقيقاً" (١) وما أفسد هذا التنظير في الفقهيات! فضلاً عن العقليات وما هذا إلا هيام في الغفلات. عدنا إلى منتحانا فقلنا: أما معرفة العلوم لنا على الجملة فممكن، وضبطها بالتقسيم جامع لنشرها. وهي من وجه على ثلاثة أقسام: علم باللفظ، وعلم بالمعنى، وعلم بوجه دلالة اللفظ على المعنى. وهي تنقسم من وجه آخر على أقسام أخر، والتقسيم نوع من العلوم، فإن الشيء ينقسم من ذاته ومن صفاته، ومن متعلقاته، وقد لا ينقسم من الذات بطريق (٢).

стр. 495

وقد كنت أضرب لكم في ذلك الأمثال، وأشير إلى جمل من الاستدلال، إلاَّ أني لم أقصد للتوابع وإنما انتحيت المقاصد. وتنقسم (١) أيضاً إلى خالق ومخلوق، فالخالق هو المقصود، والمخلوق هو منهاج السالكين.

стр. 496

وينقسم العلم بالمخلوق إلى قسمين: علم دنيا، وعلم آخرة. فتناول علم الدنيا قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]. وتنقسم العلوم من وجه آخر إلى ظاهر وباطن، وفي الأثر: "لِكُل آيَةٍ ظَهْر وَبَطْن، ولِكُل حَرْف حَد، وَلِكُلَ حَدٍّ مَطْلَع" (١). وتنقسم من وجه آخر إلى نظري وعملي. وتنقسم من وجه آخر إلى علم عقد، وعلم عمل. فأما انقسامها إلى ثلاثة، وهو علم باللفظ إلى آخره، فهو فن لغوي، وذلك بمعرفة وقوع العبارة على المعنى المراد، كعلمك بالبيان أنه الدليل (٢)، وبالنسخ أنه الإزالة (٣)، وهذا يقرب تارةً ويبعد أخرى. وأما معرفة وجه دلالة اللفظ على المعنى، فينقسم إلى ثلاثة أقسام: (٤)

стр. 497

الأول: دلالة المطابقة، كقولك: "بيت" (١). ودلالة التضمن، كدلالة البيت على السقف. ودلالة الالتزام، كدلالة السقف على الحائط (٢). الثاني: أن الألفاظ بالإضافة إلى خصوص المعنى وعمومه تنقسم إلى لفظ يدل على عين واحدة كقولك: هذا زيد، وسواد، وإلى ما يدل على أشياء متعددة كقولك: السواد ولنسمه المطلق (٣). الثالث: أن الألفاظ إذا تعدت بالإِضافة إلى المسميات على أربع مراتب: المترادفة (٤): كالليث والأسد. والمتواطئة (٥): كالرجل والجسم.

стр. 498

المشتركة (١): كالعين تطلق على مسميات كثيرة. المتباينة (٢): كالعلم والقدرة، وهي أكثر في الألفاظ. وهذا أنموذج لا غنى عنه في معرفة التأويل، وهو أصل ينظم الدليل ولا غنى للناظر عنه. وأما علم المعنى فهو المطلوب الذي يوصلك إليه هذان العلمان. وأما انقسامها إلى ظاهر وباطن. فالظاهر كاللغات وتفسيرها والقراءات وتقييدها، والباطن كعلم أصول الفقه مثلًا. وفي تحقيق الظاهر من الباطن كلام وَرِجَام بيانه في كتاب، "شرح المشكلين". ونعني بالظاهر الآن ما تبادر إلى الأفهام من الألفاظ ونعني بالباطن ما يفتقر إلى نظر، فإذا تأملنا الألفاظ التي هي طريق العلم بالمعنى، فهي متعلقات كثيرة جداً، متشعبة. وتحصيل القراءات والروايات علم اللغة، علم النحو وقد نقل القرآن نقل تواتر يوجب العلم، ويقطع العذر، وقراءاته (٣) نقلت نقل آحاد، وقد بينا ذلك في تفسير قوله: "أُنزِلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ" (٤). وعلم الحروف (٥) فإن الكلمة منه تتركّب، والكلام يتركّب من

стр. 499

الكلمات، وهو أيضاً متشعب إلى معرفة مخارجه وفوائده، وروابطه ومتعلقاته، ولم يكن أحد أعلم به من "سيبويه"، وأبرزه من مخبآت إشارات "سيبويه" "الفارسي" و"ابن جِنِّي" (١)، وذلك أن الباري تعالى خلق الكلام في النفس لزيم، العلم وقرينه كما بيناه (٢)، فيجد المرء نفسه عالماً مخبراً عن علمه، كل ذلك في نفسه، ثم افتقر إلى إعلام الغير بما هو به عالم، لأجل ضرورات الاصطحاب والاجتماع والتعاون على الانتفاع، فجعل اللسان دليلًا على الفؤاد، وخلقه رطباً ذلقاً ليقطع بعده الأصوات المخلوقة لأداء المعاني المفهومة، وجعلت الأسنان له سنداً، والشفتين قادة ليعتمد في التقطيع عليها فيكون ذلك أثبت في التقطيع، وأبين عند الجمع وموالاة تَرْدَادِ القطع والاتصال بين الحركات، وخلق من الحروف ما لا يفتقر إلى اللسان وما معه، وهي التي تُسَمى حروف الحلق، ولاستبدادها جعل لها قوة القلب فيما يخرج من الأسنان والشفتين، فيقولها اللسان مفردة، ويقولها إذا شاء مجموعة، فيقول "ألف" "لام" "هاء" ثم يقول: "الله" فيكون ذلك مطابقاً للمعنى القائم بالنفس الملائم للعلم، فيعبر عنه في كتاب الله قراءة، ويعبر عن غيره بأسمائه، كالإنشاد في الشعر، ويعم هذا اللفظ لكتاب الله وغيره (٣).

стр. 500

فإذا كانت قراءة، اختلفت جهة التعبير فيها باختلاف اللغات، فلم يكن بُدٌّ من ضبط الأمرين لاختلاف المعنى باختلافهما، حتى يترتب المعنى على اللغات، وقانونها وهو النحو لتغير المعنى بتغيرهما. وكذلك "علم الحديث" (١) يفتقر المحدث فيه إلى هذا. وعلوم الحديث ستون علماً، وعلوم القرآن (٢) أكثر، ومن علوم القرآن ما لا مدخل له في الحديث، ومن علوم الحديث ما لا مدخل له في القرآن، وهذا يتبين بتتع الآيات والأحاديث حتى تظهر لك ما ألقي إليك علمه عيناً. ألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]. فقد اختلف العلماء في المقتول عمداً، هل يكون لوليه القتل خاصة؟ أم هو مخير بين القتل والدية؟ ومبنى هذا الاختلاف على معرفة معنى العفو، فإنه في اللغة على سبعة معاني، منها البدل، ومنها الإِسقاط، فلا بدّ من تركيب الآية على جميع معاني العفو حتى يبقى معنى البدل والإِسقاط تحت النظر والترجيح، فتقابله بمعنى "بدل" وتقابله بمعنى "إسقاط"، فأيهما كان به ألوط ولمعانيه أضبط فقل به، وأسقط الآخر، وبيانه في كتاب "أحكام القرآن" (٣). وقوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] (٤). يقال أحرم الرجل إذا دخل في الشهر الحرام، ولا شيء على من قَتَلَ

стр. 501

فيه، ويقال أحرم إذا تلبس بالإحرام، ومن قَتَلَ فيه، عليه الجزاء اتفاقاً، ويقالُ أحرم الرجل إذا دخل في الحرم، واختلفوا في جزاء ما قتل فيه؟ وهذا مدرك اللغة فليطلب منها. وكذلك اختلفوا فيمن قتل صيداً، هل عليه القيمة، أو المِثْل من النّعَم؟ لأجل اختلاف القراءات في قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ﴾ [المائدة: ٩٥] بإضافة الجزاء إلى المثل، أوْ وَضْعِهِ نَعْتاً لَهُ (١)، فلم يكن بُد من معرفة القراءات واللغات وقانونها النحو، وتركيب الأحكام على ذلك مما اضطر الناس إليه حين فسد عليهم الكلام العربي وافتقروا إلى تحصيله بالتعليم الصناعي. ولَمَا أرَادَ الله مِنْ حِفْظِ دينه وضبط شريعته وإنجاز وعده في إكمال دينه اختار "الخليل" نشأة فارسية، وأمر فاخْتُطِفَ من بينهم، ويسر له ضبط اللغة، وترتيب قوانينها، وجاء بالمعجز للعالَم في ذلك، وألقى ما علم منه إلى حذّاق من أصحابه فلم يكن فيهم من لقنه إلاَّ "سيبويه" وزاد "الخليل" بأن أخذ في علم الألحان ليضبط على العرب الأوزان التي لا يتم الشعر إلا بها،

стр. 502

وهو ديوانها، وقد كانت تسترسل والماء في كلامها نَمِيرٌ (١)، والغصن نضير، فكيف، وقد كدرته الدلاء، وجففته حرارة الانتواء (٢). ذكر الباطن من علوم القرآن وأما علم الباطن، فقد ضلّت فيه الأمم فأوغدوا (٣) في هذا الباب وأوعدوا (٤)، حتى كفرت منهم طائفة لا يحكى قولها الآن لسخافته، وتسورت عليه أخرى، وادعى كل واحد منهم أن علمه في كتاب الله، ليحرص عليه من يطلبه. وإنما عني العلماء بقولهم: "إن العلوم كلها في كتاب الله" ما كان علماً لذاته، لا ما وقعت الدعوى فيه أنه علم وهو جهل، وذلك يرجع إلى العلوم الشرعية، والحقائق العقلية، فإن جميعها مضمّن في كتاب الله، والدليل عليه مبين، وكل جهالة وسخافة ادعتها طائفة فالرد عليها في كتاب الله موجود أيضاً مبين. وتكلفت طائفة ما يُستغنى عنه وهم جماعة من الصوفية أنحاء غريبة

стр. 503

منها قولهم "إن الله لما خلق آدم قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] (١) ولم يقل: إني خالق عرشاً ولا سماء ولا أرضاً ولا جنّة ولا ناراً ولا شجراً ولا حيواناً، حتى خلق آدم، وقال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فما الحكمة فيه؟ ". ثم اختلفت مدارك خواطرهم في بيان ما تكلفوا سؤاله، فَرَكَّبَ كل واحد منهم على ذلك فناً من فنون المقاصد عظيماً، وولجوا مفازة لا تقطعها المهارى ولا يزال الفكر فيها حيارى، حتى أدخلها المتأخرون في كل آية وحرف، وغادروا في سبيلها رَذِيَّة كُل جَلَدِيَّةٍ وَحَرْفٍ (٢)، ولم أزل أطلب هذا الفن في مظانه، وفي مراجعة شيوخه حتى وقفت على حقيقة مذهبه. ولقد سألني بعض أصحابه من السالكين عن قول صاحب الحقائق (٣): ما الحكمة في قول الله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ

стр. 504

لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ ... ﴾ [يونس: ١٠٧]. فأضاف الضرّ إلى المسّ، والخير إلى الِإرادة؟. فأمليت في ذلك على طريقة القوم ما نصه: سألتني -وَفَقَكَ الله- عن قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]. وقال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]. ما الحكاية على مذهب الأشياخ في ذكره المس في الضر، والإرادة في الخير؟. فقلت: فيه إشارة للقوم لا يحتملها أهل هذا القطر، منها ما فيه إشكال، ومنها ما هو داخل في قسم الاختلال، والذي حضر منها الآن سبعة أقوال: الأول: قوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ في (سورة الأنعام) في الموضعين، وتفرقته بينهما في (سورة يونس) بيان؛ لأنه سبحانه خالق الضر ومنشئُه ومبدعه ومخترعه على الانفراد، فذكر بأبلغ أنواع الخلق وهو الِإيصال له إلى العبد والاتصال به ردّاً على من يقول: إنه لا يخلق إلا الخير والضر الذي لا كسب فيه للعبد، فأما المضرة التي يكتسبها العبد لنفسه

стр. 505

فلا يخلقها عند المبتدعة (١) إلاَّ العبد، والضَّرر عندنا هو الألم الذي لا نفع يوازيه أو يوفى عليه، ويقع جزاءً أو قصاصاً أو عقاباً. وهذه الآية رد على هؤلاء المبتدعة، فإنه أضافه إلى نفسه، وأخبر أنه متصل بالعبد بفعله، فهو المنفرد بخلق الضرر من غير شريك يعضده، وكذلك ينفرد بكشفه من غير نصير ينجده، فإن خصصوا الأول، خصصنا الثاني، وعاد الكلام إلى فنِّ الأصول، والأدلة فيه قاطعة. الثاني: أنه أراد أن يضيفه إلى نفسه باللفظ الأخص الأقرب ليكون أهون على الحبيب وأعذب (٢)، ألا ترى إلى قولهم: "الحَنْظَلَةُ مِنْ كَف مَنْ تُحِب مُسْتَعْذَبَة" (٣). وقال الناظم في المخلوق: أسْتَودع الله في أبْيَاتِكُمْ قمراً ... تَرَاهُ بِالشَّوْقِ عَيْني وَهُوَ مَحْجُوبُ أرْضَى أوْ أسْخَطُ أوْ أنْوِي تَجَنُبَه ... فَكُلُّ مَا يفْعَلُ المَحْبُوبُ محبوبُ فاللهُ أحق. الثالث: أراد بقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ من السرور والطرب فإن

стр. 506

الركون إلى ذلك غفلة وغرور وأمن من المكر، وإنما ينبغي للمحب أن يكون مع حبيبه متدرجاً على بساط الوصل الظاهر بتحفظ وتيقظ وتوقف وتشوف. الرابع: أنه قال: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْر﴾ والِإرادة أحد أسباب التقدير والِإيجاد، فربما اقترنت بما هو في ذلك معها معجلاً أو مؤجلاً حسبما وقع به العلم، والِإمساس إيجَاد وَقَع بِالقُدْرَةِ وَالِإرَادَة وسائر الأسباب والشروط، فعلق الخير المتركب بالِإرادة، وعلق الضر المتوقع المغفول عنه بالإِيجاد، ليعلم العباد أنهم وإن غفلوا عنه فهو أقرب إليهم. والخامس: أنه عرّف التفسير بإضافته إليه كما قدّمناه، فلما أوجب عين الضر من الخوف، أبدل مكانه بقوله ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ﴾ ما لا يُقَدَّر قدرُهُ من السرور والطرب كأنه قال: إن كان الضر يخلقه فِيَ أو ينزله بي، فذلك من الذكرى والاهتمام فغشيهم لذلك طرب حيث ذكرهم مولاهم وإن كان بما ساءهم كما قال الناظم في المخلوق: لَئِنْ سَاءَنِي أنْ نِلْتِنِي بِمَسَاءَةٍ ... لَقَدْ سَرَّني أنِّي خَطَرْتُ بِبَالِكِ (١). السادس: أن الضر عبر عنه بالِإمساس لما فيه من عظيم الِإحساس،

стр. 507

فإن الخير لا يحس بذواته ولا بأوقاته، بل يذهب معجلًا وتمر أوقاته سريعة، والضر يؤلم موقعه، ويرى موضعه، ويطول وقته، وَيمْنَعُ المَنْزُولَ به عن كل شيء سواه، فعبر بحاله الواقعة وصفته اللازمة، ألا ترى إلى قول العبد الصالح ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] فعبر عنه بأبلغ صفاته، وأعظم مواقعه وهي الإمساس لما فيه من عظيم الإحساس، ولم يعن في قوله بالضر ما نال جسمه من البلاء، وإنما أراد ما ناله به الشيطان من الوسوسة في نفسه باستطالة النبلاء وعظيم الضراء، وما ناله في أهله بما كان قد فاوضها فيه إذ لقيها في صورة رجل في الطريق على ما ورد في الأخبار (١)، ولذلك نسبه إلى الشيطان فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]. وقيل لم يُضِفْهُ إلى الباري سبحانه أدباً كما فعل "إبراهيم الخليل" في قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وأضاف الأفعال كلَّها إلى الباري سبحانه وهي به ومنه، وأضاف المرض إلى نفسه وهو من فعل الله حقيقة أدباً لئلا يكون في معرض التشَكِّي، فآثرا جميعاً الاستسلام إلى الله سبحانه، وتأدّباً بإضافة الضرر إلى نفسهما، وهو من الله خلق، وفيهما حق. السابع: أن الألفاظ كلها سواء لو وضع كل واحد منهما موضع الآخر لأجزأ، فقد قال في سورة الأنعام: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]. وفي سورة يونس: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ

стр. 508

يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ ... ﴾ الآية. وقال في سورة الزمر: ٣٨: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾. فتارةً أضاف الإرادة إلى الخير والضر، وتارةً أضافهما إلى الِإمساس، وتارةً غاير، وكل صحيح فصيح، وهذا هو المختار وأطيب ما يجلب في الإيثار، وهو قولي من جملة الأقوال (١). وقد سمعت بعض شيوخ الزهاد يقول: إن الله ردّ "موسى" على أمه في لحظة، ورد "يوسف" في مدة، فيه سبعة أوجه من الحكمة: الأول: أن أم موسى كانت ضعيفة بالأنوثة، وكان يعقوب قوياً بالذكورة. الثاني: أن رمي موسى كان من الله، وذهاب يوسف كان من الناس باستحفاظه لإخوته، فخانوا فيه، فأدب لئلا يستحفظ أحد غير الله. الثالث: أن أم موسى وثقت بوعد الله، ورجا يعقوب شفقة الإخوة. الرابع: أن أم موسى وعدها الله فأنجز وعده، ويعقوب لم يكن له من الله وعد، وإنما بقي بين الأسباب متردداً حتى ساقته إليه المقادير على كلمة وتقدير. الخامس: أن "موسى" رمي صغيراً فسبب الله له كفيلاً. السادس: أن "يوسف" لو قال حين أُخرج من الجب: أنا حر وابن نبي وهؤلاء إخوتي وهذه قريتي، لما اشتروه، ولكنه استسلم، فأسلمه الله إلى الحكمة حتى يجعله سنة لمن بعده، وموسى صغير فتولى الله سلامته ورده في الحال.

стр. 509

السابع: أن إخوة "يوسف" قالوا اطرحوه أرضاً، والأرض أم الآدمي ومقره، فلم يلق بمضيعة، وموسى رمي في البحر فلم يكن له بد من هلكة أو نجاه، فكانت النجاة السابقة في علم الله. وأقرب منه أنا كنا يوماً بمحرس الكومين بالثغر (١) حرسها الله، فسئل "الفهري" (٢) عن قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ في سورة الأنعام (١٦٥). وقال: ﴿لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ في الأعراف (١٦٧) بزيادة اللام، فما الحكمة في ذلك؟ فقال: "الفهري" إن الله سبحانه أخبر في سورة الأنعام أنه جعل الخلق خلائف الأرض ليبتليهم، ووعدهم وتوعدهم، وأمهلهم إلى الدّار الآخرة ولم يهملهم، وأخبر في سورة (الأعراف) عن بني إسرائيل وما اقتحموه وما نزل بهم في الحال، وعجل لهم من العذاب فأكده باللام لما كان فيه من سرعة الجزاء وتعجيل العذاب (٣). وقد أخذ قوم هذا القصد في طريق السؤال، وعلى فنّ من الفقه فقالوا ما الحكمة في أن الله ﵎ بدأ كتابه بحمد نفسه، وقد نهى أن يحمد أحد نفسه؟. وهذا قشر من لباب هذه الأسئلة، وفن فقهي في جمع المتعارض

стр. 510

من الألفاظ، والسؤال في نفسه فاسد لأنه متناقض، إذ معناه أن الله حمد نفسه ونهى المخلوق عن حمد نفسه، وأي تعارض في هذا؟ وأصل التعارض بين الشيئين، إنما ينبني على تساويهما في المرتبة، ولا مساواة بين الله والخلق، فلا معارضة. تحقيقه: أن التعارض بين الشيئين إنما يكون إذا تعلقا بمعنى واحد من جهة واحدة في حق شخص واحد في وقت واحد، والذي ينبغي أن يعول عليه في هذا الباب كتاب "ابن فورك" في "مشكل القرآن" (١) فإنه لم يؤلف مثله، وقد جمع على نحوه "الرُمَّانِي" في "تفسير القرآن" عشر مجلدات حسناً في وصفه، باطلاً في مقطعه، فإنه مبتدع لا ينبغي لأحد أن يقرأ كتابه إلا أن يكون سبوحاً في لُجَّةِ بحَارِ الشُّبَهِ، لئلا تتعلق بقلبه شبهة يظنها شَهْداً وهي صبِر، ويرى فيه ما يعجبه فإذا به قذارة وهلكة. وقد كنت في إملاء "أنوار الفجر في مجالس الذكر" أسلك هذا الباب كثيراً، وأورد فيه عظيماً كما سمعتم، وكانت اللواقط تكثر في مجلسي، فما ظَفِرْت قط بشيء من السواقط، لأن طرق كلامي كانت محفوظة بالحرس، محققة بين النفس والنفس، وهو معنى عظيم، وقد فتحت لكم بابه، وهتكت حجابه، وشرعت سبيله، وأوضحت دليله، فمن كان له منكم قلب فقد وعاه ومن علم الباطن أن تستدل من مدلول اللفظ على نظير المعنى، وهذا باب جرى في كتب التفسير كثيراً، وأحسن ما ألف فيه "اللطائف والإشارات" للقشيري (٢) ﵁، وإن فيه لتكلفاً أوقعه فيه ما سلكه من مقاصد الصوفية، فخذوا ما تعلمون وقفوا دون ما تجهلون، ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون.

стр. 511

ذكر الحروف المذكورة في أوائل السور (١) ومن الباطن (٢) علم الحروف المقطعة في أوائل السور، وقد قيدت فيها أزيد من عشرين قولاً (٣)، ولم يخلق الله أحداً يحكم عليها بعلم، ولا يدعي في المراد منها فهماً، بله رسول الله ﷺ . بيد أني أذكر لكم فيها قولًا بديعاً لم أسبق إليه، ولا زوحمت عليه في أسباب سلوكي إلى الله سبحانه، وذلك أن الله بعث نبيه ﷺ إلى الخلق بمعجز تحدى به العرب خاصة وهو القرآن، واستفتح بعض سوره بهذه الحروف المقطعة، والعرب قد شنفت (٤) له، وقومُه جراءَةٌ عليه، يرقبون منه زلةً،

стр. 512

ويتربصون به سقطةً، فلو كانت هذه الحروف سالكةً سبيل الإِشكال غير داخلة في فن من فنون فصاحتهم، لا تهتدي إليها معارفهُم، ما تركوه أن ينتقل عنها شبراً حتى يحدث لهم فيه ذكراً، ويظهر إليهم بها علماً، وقد قال للمبتدئين منهم بالإذاية، المشتهرين بالنكاية، المستهزئين بكل دليل وآية: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١]. ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ١ - ٢]. والأندية حافلة بالأعادِ، والنفوس متشوقة إلى عثرة من الحساد، فأذعنوا لفصاحة القول باتفاق، ولم يقولوا: هذا اختلاط، بل قالوا هذا اختلاق، وليس يقدح في علم من علوم الدين جهلُ من جهله من المسلمين، ولو كان هذا مما ينال بالاجتهاد، ويجرى عليه بالظن لقلت لكم فيه: إن الأقرب إلى الصواب قول من قال: إنه إشارة إلى تعجيز العرب على ما يأتي بيانه إن شاء اللُه. ذكر دخول الاجتهاد في علوم القرآن بطريقة اعلموا -أوصلكم الله إلى درجته وبوأكم مقعد صدق في مرتبته- أن مدارك العلوم تنقسم من وجه إلى ثلاثة أقسام: مدركة ضرورية (١): كعلوم الحواس، وما ثبت في النفس ابتداءً، كعلم الِإنسان بنفسه وصحته وسقمه، وأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان. ومدركة بالأدلة، والأدلة على قسمين: عقلية وسمعية.

стр. 513

والدليل: كل ما يوصل إلى اليقين (١)، وبعد ذلك أمارات (٢) تفيد غلبة الظن في النفس لأحد المحتملين على الآخر لا يمكن سواه. فأما العلم الضروري والبديهي فقد عرفتموه. وأما العلم النظري (٣) ففيه تاهت الفرق، وجار من جار، وقصد من قصد، ولا يمكن بيانه في التفصيل إلاّ بذكر كل مسألة بما يتعلق به من الدليل. والأمارات أعظم في الإشكال، وما يفيد الظن أقرب إلى الاختلاف وأدعى إلى الاختلال. والذي أفتقر إليه الآن: أن تعلموا أن كل ما كان المطلوب منه حصول العلم فلا تسلك إليه إلا جادّة الدليل الموقفة بك عليه، ولا تستعد لسواه فإنك تقع في مهواة لا قعر لها، وتسلك مغواة لا هداية فيها. وكل ما كان المطلوب فيه الظن، فاطلب له أمارته، ولعلي أستغني عن

стр. 514

التوصية في هذا الموضع بالتثبت، فإن الدليل القطعي لا يمكنك من الظن ولا يمر بك عليه، فكيف ينهيك إليه؟. والأمارة الظنية هي التي ينخدع بها الشادي، والذي يضبط هذا الأصل أن ما كان من باب التكليف، فإنه تارةً يعلم قطعاً بدليل القطع وتارةً يفيد ظناً بأمارة الظن، ويجوز أن يسمى دليلًا. وأما ما خرج عن باب التكليف والعمل فطريقه القطع، والمطلوب فيه العلم، فلا تسلك إليه على منهج الظن، ومن ذلك أخبار الآخرة من كيفية الميزان وأحوال الصراط وترتيبه على الحوض ونحو ذلك. ومنه ما تقدم من القول في كيفية تأويل أوائل السور فإنه ليس من باب التكليف، وإنما هو من باب العلم فلا سبيل إلى الظن فيه، ولا يوجد دليل القطع عليه فوجب التوقف. ومن جملة العشرين قولًا ما لا سبيل إلى معرفته بالعقل، وإنما يعلم بالنقل الشرعي ومنها ما يعلم بالنقل اللغوي لو وجد من طريق صحيحة ولكنهما معدومان. فلو جاء خبر صحيح بأنه اسم من أسماء الله (١) أو من أسماء السور (٢) أو القرآن (٣) لاخترناه واعتقدناه، وكما أنه لو جاءنا من طريق اللغة أن ﴿يس﴾

стр. 515

معناه: يا سيد، أو "طه" معناه: يا رجل (١)، أو "حم" معناه "يا سلام" لسلمناه له، غير أن الإنصاف دين فنقول: لما رأينا العرب الأعادي والأولياء والشادين والعلماء لم يقدحوا فيه ولا مالوا عنه قطعنا على أنه كان مفهوماً عندهم جارياً على سبيل العربية، وهذا مقام علم، فإما أن يكون بعض حرف يستدل به على باقي الكلمة، وإما أن يكون استفتاح كلام، وإما أن يكون إشارة إلى وجه التعجيز، كأنه قال لهم: هذا كلام عربي فصيح مؤلف من ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] ومن ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] و ﴿حم (١) عسق﴾ [الشورى: ١ - ٢] فإن كان عندي منظوماً، ومن تلقاء نفسي مقولاً فشأنكم والحروف، تجردوا للنظم والتأليف بها في معارضتي، وأنتم جماعة وأنا واحد ولا أملك إلا عمري ولكم في المعارضة الدهر كله إلى يوم الدين. فتخصيص بعض الأغراض والزيادة عليها مقام ظن، والظن لا مدخل له في هذا، لأنه ليس من باب التكليف، فالأولى التوقف دونه. أوَلَا ترون إلى نكتة بديعة وهي أن الله سبحانه لما أمر رسوله بكتابة القرآن وجرد له النبي ﷺ حذاق أصحابه من الكتاب، ونقلته الصحابة عند الحاجة إلى إرساله إلى البلدان، وانتقوا كتابه، فاتفقوا على أن أفصحهم "سعيد بن العاص" (٢) وأحفظهم "زيد بن ثابت" (٣) فانتدبا لذلك، ونقلوه كما

стр. 516

وقع (١)، وقيّدوه بلغة قريش واختلفوا في التابوت (٢)، قال زيد: يكتب بالهاء، وقال سعيد: بالتاء فقال عثمان: يكتب بالتاء فإن القرآن نزل بلغة قريش، يريد وهي لغة قريش. وقد اتفقوا على قراءته بالتاء لا خلاف بينهم فيه، فأراد زيد أن تكون قراءته بالهاء، وكتبته مثله، وهي لغة الأنصار، فآثروا لغة قريش إذ بها نزل القرآن. وكتبوا (كهيعص) الخمسة الأحرف موصولة، وكتبوا ﴿حم (١) عسق﴾ الخمسة الأحرف مفصولة، وكتبوا ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١] حرف صوت لا حرف هجاء، أي: لم يكتبوه "قاف" ولا كتبوه "نون" ولو كتبوه هجاء لكان الأصح من الأقوال فيه قول من قال: إنه الحوت الذي تحت المخلوقات كلها، والقلم الذي فوق المخلوقات كلها (٣)، ولو كتبوه "قاف" حرف هجاء لظهر قول من قال: إنه الجبل المحيط بالأرض (٤)، ولو كان المعنى فيه ما قاله بعضهم من أنه شطر كلمة لكتب أيضاً

стр. 517

"قاف" حرف هجاء كما كتبوا قولهم: قُلْتُ لَهَا: قِفِي، فَقَالَتْ لِي: قَاف (١). كلمة هجاء من ثلاثة أحرف. فهذا كله يفتح لك أبواباً من التفسير إلى ما لا يحصى من المعارف، ويعطيك قانوناً في مأخذ التأويل. ذكر دلالة العلم على الكلام وربط ما بين اللسان والقلب إن الله سبحانه لما خلق العبد ناطقاً، وعلم أنه لا بد له من غيره، خلق له الأصوات والحروف ليلقي بها إلى من سواه ما عنده من علم، بعبارة عن كلامه الموافق لعلمه حسبما بيناه من قبل، وخلق له الأصوات والحروف على جهة تستوفي بيان ما عنده، تقطيعها كما سلف، وقسم تقطيعها الدال على النطق ثمانية وعشرين قسماً، منها واحد مركب، والباقي أصول فأوصل العلم بهذا التقطيع، وهو الحروف للبيان إلى من داناه، وعلم الحكيم أنه محتاج الى أن يوصل ما عنده من العلم إلى من نأى عنه، فخلق القلم، وعلم به الِإنسان ما لم يعلم، وشر له معرفة الحروف، ورتب صورها على هيئات تلائم في العدد صفة الحروف في الكلام، فيلقى العلم ما يقتضيه الصوت، ويلقى الصوت ما تضمنه الحروف.

стр. 518

ويدل الحرف على ما أحس في القلب، ووقع ما في القلب موافقاً للعلم، فكلم الله موسى في طور سيناء بغير صوت ولا حرف، وكلمه في موطن آخر على لسان جبريل بصوت وحرف، وكتب له في مواطن أُخر في الألواح بقلم، فاجتمعت له الحقائق كلها. واجتمع لمحمد ﷺ أن كلمه ليلة الِإسراء (١) بغير صوت ولا حرف ودون واسطة، وكلمه على لسان جبريل بصوت وحرف (٢)، وكتب له كتاباً بقلمه الذي لا يشبه الأقلام، وكتابته التي لا تشبه هذه الكتابة، فَخَرَجَ النبي ﷺ يَوْماً عَلَى أصحَابهِ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ، فَقَالَ: وَأشَارَ بِالذِي فِي يَمِينِهِ: هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبي فِيهِ أسْمَاء أهْلِ الجَنةِ وَأسْمَاء آبَائِهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ، وَأشَارَ إلَى الذِي فِي يَدِهِ الشمَال فَقَالَ: هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبَي فِيهِ أسْمَاء أهْل النَارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ (٣). ولا يخفى عليكم لو أن أهل بلد كتبوا بأسمائهم وأسماء آبائهم في مهاريق لملأت الأفق ولضاق بها الفضاء، فكيف بأسماء الخلق كلهم؟!. وبهذه الفضيلة وغيرها، تميز محمد ﷺ على إخوته من الأنبياء صلى

стр. 519

الله عليهم أجمعين، وإليه وقعت الإِشارة بقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]. فأقرنه بنظيره يحصل لك منه باب من التفسير عظيم، واستعن عليه بما جمعناه في "خصائص محمد ﷺ ومعجزاته الألف" التي أمليناها عليكم في مجالس "أنوار الفجر" (١). وهذا الكتاب بالقلم والدواة والقراءة بالصوت على كل لغة وعند كل أمة وفي كل معنى، معلم لآدم صلى الله عليه، وبهذه المزية في رأي جماعة ماز آدم الملائكة، فإنهم خلقوا للطاعة التي لا تتعداهم وهي التسبيح، وأعطي آدم العلم الذي يتعدى والمتعدي أفضل من اللازم (٢)، وذلك محقق فيما أمليناه عليكم في "أنوار الفجر" في ذكر التفضيل بين الملائكة والأنبياء، وقد ذكره العلماء (٣)، ولنا فيه فضل الترتيب والاستيفاء، والحكمة العظمى في ذلك كله، والفائدة الكبرى فيه، ما نذكره لكم ونستوفيه، وبه تتم جميع معانيه. ذكر الحكمة العظمى في خلق الكلام وتسخير القلم إن الخلق قصروا عن فهم كلام الله قصورهم عن فهم معرفة ذاته، فإن ذاته وصفاته مقدسة عن أن تنال بوهم، أو تعلم بغير واسطة، مع ما هم

стр. 520

الخلق عليه من القصور، فنصب المخلوقات دليلًا عليه، كما وضع الحروف والأصوات دليلاً على كلامه، وكما أن ذاته العلية مخبوءة تحت أستار الدلائل، فكذلك كلامه العظيم مخبوء تحت أستار العبارات، فلا ينال بالعبارات من كلامه إلا ما ينال بالدلائل من ذاته، وهو العلم المطلق الجملي دون التفاصيل المحيطة بالجلي، وهذا معنى قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ... ﴾ [البقرة: ٢٣١]، فإنه سبحانه وصفاته في علو التقديس عن الإدراك، فأنزله من علو التقديس ورياضه إلى بقاع العلم -مَنّاً بِه- وحياضه، فمن الناس من يشربه بكأس الصفاء، ومنهم من تكدر عليه وحالت الحجب دونه، وهي كثيرة أمهاتها أربعة: الأول: عدم الهادي، فلا غنى عن معلم عالم ليكون ما يلقيه ألقن إلى القلب، وأدخل في النفس. الثاني: الابتداء بمعنى الحروف والأصوات، كالمقرئين في هذا الزمان، فإنهم يقبلون على الحروف ويضيعون العلوم. قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، يعني "تلاوة" في أحد الأقوال (١)، وَفي الحديث: يأتي على الناس زمان يحفظون فيه حروفه ويضيعون حدوده (٢).

стр. 521

الثالث: الاقتناع بقول من مضى دون أن تتحرى في النظر، وتكون ممن حكم بعلمه وقضى. الرابع: الالتباس بالمعاصي، وما أعظمها من حجاب. تتميم: ومن علم الباطن عندهم معرفة الله وصفاته، والدار الآخرة، ومنه معرفة الأدلة في الرد على جميع المخالفين للملة من القرآن والسنة وقواعد العقائد واستنباط أحكام أفعال المكلفين الخمسة، ومناط متعلقها في أدلتها وهي "أصول الفقه" (١). فإن أراد هؤلاء بحسبان هذه من الباطن أنها تفتقر إلى نظر وتأمل وتأويل، وبخلاف دلالات الألفاظ على المعاني اللغوية، فإنه معنى يقف عليه المرء من غير تأمل، وبخلاف معرفة النصوص من الأدلة الشرعية، والبداية من الأدلة العقلية. أو أرادوا بأنه باطن أنه لا يوصل إليه إلاّ بعد معرفة غيره، فهو باطن بالإضافة إليه، فهذا كلّه ممكن صحيح القصد لا مشاحة فيه، بيد أنه قد صار اليوم معرفة النحو واللغة عندنا باطن، لأنه يفتقر إلى تعلم، حتى قد صنف في غريب القرآن ونحوه كتب كثيرة استغرقت العمر، وأتعبت النفس فصارت باطناً، وقد كان عند الصحابة ظاهراً يقيناً. ولما قال المتقدمون من السلف: لكل حرف ظاهر وباطن، وحد

стр. 522

ومطلع (١)، نصبنا له مثالًا يتبين فيه قانونه: قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]. فحدّ البيت أنه مركب من الباحة والحائط والسقف. ومطلعه اقتضاؤه اللبن والخشب بطريق، وبأقصى منه، اقتضاؤه البنّاء والنجّار ونحوه. وظاهره: قوله في الكعبة "بيتي" يعني الذي كرمته بأن دحوت منه الأرض، وجعلته مثابةً للناس وأمناً، وقياماً للخليقة وحصناً، وبعثت منه محمداً ﷺ وأمرت الخلق بقصده، وأضفته إلى نفسي دون غيره إلى سائر فضائله، وأسرد ذلك كله (٢). وباطنه: قلب عبدي المؤمن الذي كرمته بأن جعلته محل معرفتي وشرحته بنور هدايتي، وملأته حكمة من علمي، وخصصته بأن أحييته بروحي (٣). قال علماؤنا: ونحن نقطع على أن المراد بخطاب إبراهيم هذا الكعبة، ولكن الناظر العالم يتجاوز من الكعبة إلى القلب بطريق الاعتبار (٤) عند قوم، وبطريق الأولى عند آخرين، ولهذا إذا جاء النائم إلى المعبّر فقال: رأيت في

стр. 523

منامي بيتي مملوءاً تعشيشاً أو أدناساً يقول له: طهر قلبك من شَغُوبِ الدنيا، وأرحاض المعاصي التي هي العجب والحسد والحقد ونحوه، وكما تطهّر الكعبة من القمامة والنخامة والمشركين كذلك، يلزم أن يطهّر القلب من علائق الدنيا القاطعة عن الله تعالى، وعن المعاصي التي تفترس الحسنات كما يفترس الذئب الشاة. ومن باطنه أيضاً إلحاق سائر المساجد به في التطهير لاستوائها في حرمة المسجدية معه، وقد أضافها الباري إلى نفسه فقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]. وهذا باطن فقهي ونظر عملي. ومن باطنه عند قوم العبور به -بعد تقريره- من المشركين الذين قيل فيهم: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، إلى غير ذلك من الأجناس بتأميل أحد من الناس وتعظيمه. ولذلك قال العلماء: "مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِي ذَهَبَ ثُلثَا دِينِهِ" (١). لأن الدين اعتقاد وقول وعمل، فإذا هش إلى الغني لغناه، وسلم عليه لدنياه، وأعرض عليه بهواه، ذهب ثلثا دينه في الهش والسلام، وبقي له الثلث في الاعتقاد. ولو هديت لهذه الفرقة الضالة من الشيعة والباطنية لما كانت عن

стр. 524

سبيل الحق ناكبة، وقالت إن المراد بقوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ القلب، وَلَا حَظَّ للكعبة فيه (١)، ولكنه كما أخبر تعالى عنه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. وقد ركب العلماء على هذا كلاماً، فقالوا (٢): إن علوم القرآن خمسون علماً وأربعمئة علم، وسبعة آلاف، وسبعون ألف علم على عدد كلم القرآن، مضروبة في أربعة، إذ لكل كلمة منها ظاهر وباطن، وحد ومطلع، هذا مطلق دون اعتبار تركيبه، ونضد بعضه إلى بعض وما بينها من روابط على الاستيفاء في ذلك كله، وهذا مما لا يحصى، ولا يعلمه إلا الله تعالى. ذكر العلم النظري والعلم العملي وقد تردّد في أثناء التقسيم الانتحاء إلى هذين القسمين، حتى قلنا: إن النظر في الوحي يكون فيما يفضي إلى العلم، وفيما يفضي إلى الظن. والنظري: معرفة الله وصفاته وأقواله، والمعاد فاحكمه بالأصول.

стр. 525

والعملي: أحكام أفعال المكلفين واحكمه بأصول الفقه، ويكفي في الأول "المتوسط"، وفي الثاني "المحصول". وكذلك قولنا في انقسامها إلى عقد وقول وعمل يندرج تحت هذا. فإن العقد فيه علم وهو معرفة الله، وفيه عمل وهو معرفة الجسد والغرور والنية والتوكل، وما ضارع الجنسين. والقول فيه علم وهو الإيمان بالله وصفاته وما يرتبط بذلك، وإلى عمل وهو الذكر ونحوه. وكذلك العمل فيه ما هو معلوم الطريق، فيكون حكمه قطعياً كالنصوص فيما تقتضيه والإِجماع فيها تكون عليه، ومنه ما يكون من طريق الآحاد فيكون ظنياً وهو غالبه (١). ذكر القسم الخاص (٢) والذي أختاره من هذا التقسيم في طريق البيان، وعليه كنت أعول في طريق الإِيراد قديماً، أن علومه على ثلاثة أقسام: توحيد، وتذكير، وأحكام. فقسم التوحيد فيه تدخل معرفة المخلوقات بحقائقها (٣)، ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله. ويدخل في علم التذكير: الوعد والوعيد، والجنة والنار، والحشر، وتصفية الباطن والظاهر عن أخلاط المعاصي.

стр. 526

ويدخل في الأحكام: التكليف كلّه من العمل في قسم النافع منه والضار، وحظ الأمر والنهي والندب. فالأول: كقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] فركب عليه قسم التوحيد كله في الذات والصفات والأفعال. الثاني: قسم التذكير قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وهذا مخصوص بالعظة في المتعارف، متناول للكل بالحقيقة. الثالث: قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. كما ترجع علوم القرآن إلى آيتين كقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ .... إلى ... عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. الثانية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقد ترجع إلى آية واحدة كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨]. وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. ولذلك قال جماعة من العلماء في تفسير قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] إنها تعدل ثلث القرآن (١) في الأجر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وقالت جماعة: تعدل ثلث القرآن في المعنى لأن القرآن ثلاثة أقسام

стр. 527

كما قدمنا (١)، فقسم التوحيد اشتملت عليه هذه السورة على الخصوص، وبهذا صارت الفاتحة أم الكتاب لأن فيها الأقسام الثلاثة. فأما قسم التوحيد فمن أولها إلى قوله: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]. وأما القسم الأحكام فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. ومن قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ [الفاتحة: ٦] إلى آخرها تذكير. فصارت بهذا أماً يتفرع عنها كل بنت. وقيل: صارت أماً لأنها متقدمة على القرآن بالقبلية، والأم قبل البنت. وقيل: سميت فاتحة لأنها تفتح أبواب الجنة على وجوه بيانها في موضعها، ألا ترى إلى قوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. فسميت المحكمات أمّاً للمتشابهات، لأن المتشابهات إذا أشكل أمرها ردّت إلى المحكمات فعرف تأويلها، كما ترد البنت إلى "الأم" فيعرف نسبها، وخص الأم دون الأب لأنها التي يعلم كون الولد منها قطعاً، ثم يضاف إلى الأب ظناً بواسطة الوجود الكافي في الأم قطعاً، وبذلك فضلت جميع سور القرآن: قال النبي ﷺ لأبي بن كعب: لأعَلمَنَكَ سُورَةً مَا أنْزلَ في التَّوْرَاةِ وَلَا في الإنْجِيلِ وَلَا في القرآن مثلُها .. وَذَكَرَا لَه (٢). وليس في الفاتحة حديث صحيح إلاَّ هذا، وقوله: "قسمتُ الصلاةَ بَيْنِي

стр. 528

وَبَيْنَ عَبْدِي" (١) فلا يلتفت إلى سواهما (٢)، فإن شغل القلب واللسان بما لا يصح إثم في الآخرة وتضييع للزمان. كما أنه ليس في سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حديث صحيح إلاَّ المتقدم (٣)، وقول النبي ﷺ في الذي سمعه يقراها "وَجَبَتْ، (٤) يعني الجنة. أما إن فيها خصيصة ليست في السور، وذلك أن بعضها يفسر بعضاً، لأنك تقول: من هو؟ فيقال لك: الله. ويقال لك من الله؟ فيقال لك: الأحد، فتقول: من الأحد؟ فيقال لك: الصمد. فتقول: من الصمد؟ فيقال لك: الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد. ثم ترجع إلى أولها، فإنك إذا قلت: ومن الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد؟ فيقال لك: الله. وهذا أيضاً -بهذا الترتيب- فن من فنون الفصاحة غريب، يعزّ وجوده في القرآن، وَنَظِيرُهُ من السنة في المعنى قول النبي ﷺ : "أفْضَل مَا قُلْتُه أنَا وَالنبيونَ مِنْ قَبْلِي، لَا إِلهَ إلاَّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَىَ كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ" (٥).

стр. 529

وهي كلمات يسيرة تضمنت التوحيد كله لله سبحانه. وأخبرنا أبو الفضائل بن طوق المعدل (١) قال: أخبرنا الأستاذ أبو القاسم القشيري قال: سمعت الِإمام أبو بكر بن فورك يقول -وكان من عظماء الصوفية والعلماء-: إن كلمة "هو" مستقلة بنفسها في العبارة عن توحيد الباري سبحانه، تدلّ على أن ابتداء الأشياء منه وانتهاؤها إليه وكلها به، لأن الهاء من حروف الحلق وهو الابتداء في الكلام، والواو من حروف الشفتين وهي الانتهاء في الكلام، وما بينهما حروف الكلام (٢)، وقد قال ﷺ لأبي بن كعب (٣): أيُّ آيَةٍ في كِتَاب اللهِ أعْظَم؟ قَالَ لَهُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قالَ لَهُ النَّبِيّ: لِيَهْنَكَ العِلْم يَا أبَا المُنْذِر" (٤). وإنما صارت أعظم بعظم مقتضاها، فإنّ الشيء إنما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلقاته، وهي في آي القرآن كقل هو الله أحد في سُوَرِهِ، إِلا أن سورة الِإخلاص تفضلها بوجهين:

стр. 530

أحدهما: أنها سورة وهذه آية، والسورة أعظم؛ لأنه وقع التحدي بها، والسورة إذا وقع بها التحدي أفضل من الآية التي لم يقع بها التحدي. الثاني: أن سورة الِإخلاص اقتضت التوحيد في خمس عشرة كلمة، وآية الكرسي اقتضت التوحيد في خمسين حرفاً. فظهرت القدرة في الِإعجاز، بوضع معنى يعبر عنه مكتوب مدده السبعة الأبحر ولا ينفذ، عدد حروفه خمسون كلمة، ثم يعبر عن معنى الخمسين كلمة خمس عشرة كلمة، وذلك كله بيان لعظيم القدرة والانفراد بالوحدانية (١). تنقيح: قال أبو حامد: "إن أم القرآن إنما صارت فاتحة الكتاب لأنها مفتاح الجنة، والجنة ثمانية أبواب، وفاتحة الكتاب ثمانية معان: ذات، صفات، وأفعال، الصراط المستقيم بجميع طرقه، التزكية، التعلية، ذكر نعمة الأولياء، وغضب الأعداء، ولم يخرج عنها إلاَّ محاجّة الكفار وهو علم الكلام وأحكام الفقه .. " (٢) إلى آخر قوله.
следующие страницы →