← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 97927

قانون التأويل

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (664 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ويدخل في الأحكام: التكليف كلّه من العمل في قسم النافع منه والضار، وحظ الأمر والنهي والندب. فالأول: كقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] فركب عليه قسم التوحيد كله في الذات والصفات والأفعال. الثاني: قسم التذكير قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وهذا مخصوص بالعظة في المتعارف، متناول للكل بالحقيقة. الثالث: قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. كما ترجع علوم القرآن إلى آيتين كقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ .... إلى ... عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. الثانية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقد ترجع إلى آية واحدة كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨]. وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. ولذلك قال جماعة من العلماء في تفسير قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] إنها تعدل ثلث القرآن (١) في الأجر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وقالت جماعة: تعدل ثلث القرآن في المعنى لأن القرآن ثلاثة أقسام

стр. 527

كما قدمنا (١)، فقسم التوحيد اشتملت عليه هذه السورة على الخصوص، وبهذا صارت الفاتحة أم الكتاب لأن فيها الأقسام الثلاثة. فأما قسم التوحيد فمن أولها إلى قوله: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]. وأما القسم الأحكام فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. ومن قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ [الفاتحة: ٦] إلى آخرها تذكير. فصارت بهذا أماً يتفرع عنها كل بنت. وقيل: صارت أماً لأنها متقدمة على القرآن بالقبلية، والأم قبل البنت. وقيل: سميت فاتحة لأنها تفتح أبواب الجنة على وجوه بيانها في موضعها، ألا ترى إلى قوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. فسميت المحكمات أمّاً للمتشابهات، لأن المتشابهات إذا أشكل أمرها ردّت إلى المحكمات فعرف تأويلها، كما ترد البنت إلى "الأم" فيعرف نسبها، وخص الأم دون الأب لأنها التي يعلم كون الولد منها قطعاً، ثم يضاف إلى الأب ظناً بواسطة الوجود الكافي في الأم قطعاً، وبذلك فضلت جميع سور القرآن: قال النبي ﷺ لأبي بن كعب: لأعَلمَنَكَ سُورَةً مَا أنْزلَ في التَّوْرَاةِ وَلَا في الإنْجِيلِ وَلَا في القرآن مثلُها .. وَذَكَرَا لَه (٢). وليس في الفاتحة حديث صحيح إلاَّ هذا، وقوله: "قسمتُ الصلاةَ بَيْنِي

стр. 528

وَبَيْنَ عَبْدِي" (١) فلا يلتفت إلى سواهما (٢)، فإن شغل القلب واللسان بما لا يصح إثم في الآخرة وتضييع للزمان. كما أنه ليس في سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حديث صحيح إلاَّ المتقدم (٣)، وقول النبي ﷺ في الذي سمعه يقراها "وَجَبَتْ، (٤) يعني الجنة. أما إن فيها خصيصة ليست في السور، وذلك أن بعضها يفسر بعضاً، لأنك تقول: من هو؟ فيقال لك: الله. ويقال لك من الله؟ فيقال لك: الأحد، فتقول: من الأحد؟ فيقال لك: الصمد. فتقول: من الصمد؟ فيقال لك: الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد. ثم ترجع إلى أولها، فإنك إذا قلت: ومن الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد؟ فيقال لك: الله. وهذا أيضاً -بهذا الترتيب- فن من فنون الفصاحة غريب، يعزّ وجوده في القرآن، وَنَظِيرُهُ من السنة في المعنى قول النبي ﷺ : "أفْضَل مَا قُلْتُه أنَا وَالنبيونَ مِنْ قَبْلِي، لَا إِلهَ إلاَّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَىَ كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ" (٥).

стр. 529

وهي كلمات يسيرة تضمنت التوحيد كله لله سبحانه. وأخبرنا أبو الفضائل بن طوق المعدل (١) قال: أخبرنا الأستاذ أبو القاسم القشيري قال: سمعت الِإمام أبو بكر بن فورك يقول -وكان من عظماء الصوفية والعلماء-: إن كلمة "هو" مستقلة بنفسها في العبارة عن توحيد الباري سبحانه، تدلّ على أن ابتداء الأشياء منه وانتهاؤها إليه وكلها به، لأن الهاء من حروف الحلق وهو الابتداء في الكلام، والواو من حروف الشفتين وهي الانتهاء في الكلام، وما بينهما حروف الكلام (٢)، وقد قال ﷺ لأبي بن كعب (٣): أيُّ آيَةٍ في كِتَاب اللهِ أعْظَم؟ قَالَ لَهُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قالَ لَهُ النَّبِيّ: لِيَهْنَكَ العِلْم يَا أبَا المُنْذِر" (٤). وإنما صارت أعظم بعظم مقتضاها، فإنّ الشيء إنما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلقاته، وهي في آي القرآن كقل هو الله أحد في سُوَرِهِ، إِلا أن سورة الِإخلاص تفضلها بوجهين:

стр. 530

أحدهما: أنها سورة وهذه آية، والسورة أعظم؛ لأنه وقع التحدي بها، والسورة إذا وقع بها التحدي أفضل من الآية التي لم يقع بها التحدي. الثاني: أن سورة الِإخلاص اقتضت التوحيد في خمس عشرة كلمة، وآية الكرسي اقتضت التوحيد في خمسين حرفاً. فظهرت القدرة في الِإعجاز، بوضع معنى يعبر عنه مكتوب مدده السبعة الأبحر ولا ينفذ، عدد حروفه خمسون كلمة، ثم يعبر عن معنى الخمسين كلمة خمس عشرة كلمة، وذلك كله بيان لعظيم القدرة والانفراد بالوحدانية (١). تنقيح: قال أبو حامد: "إن أم القرآن إنما صارت فاتحة الكتاب لأنها مفتاح الجنة، والجنة ثمانية أبواب، وفاتحة الكتاب ثمانية معان: ذات، صفات، وأفعال، الصراط المستقيم بجميع طرقه، التزكية، التعلية، ذكر نعمة الأولياء، وغضب الأعداء، ولم يخرج عنها إلاَّ محاجّة الكفار وهو علم الكلام وأحكام الفقه .. " (٢) إلى آخر قوله.

стр. 531

قال الإِمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: قد بينا -وهو الصحيح- أن فاتحة الكتاب أم القرآن، وحققنا أن علوم القرآن فيها، وساعدنا على ذلك جماعة من العلماء وهو منهم، فكيف يرجع فيحذف منها ما ذكر أنه فيها، بل لو قلنا أن القرآن كله مفتاح الجنة لكان أصوب، فكيف وقد بين صاحب الشريعة خاصية الأبواب وأسماءها فقال: "مَنْ كَانَ مِنْ أهْل الصلاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصلاة ... الحديث" (١) فبين ﷺ جنس الأبواب وأنها أبواب عمل تطلب في فروع الشريعة وأنواع الأفعال. وقد كملها قوم فقالوا: إنها ثمانية أبواب: باب الِإيمان. باب الصلاة. باب الصدقة. باب الصيام.

стр. 532

باب الحج. باب الجهاد. باب العدل. باب التوبة. ولو قال قائل: إنها مفتاح الجنّة، لأنها سبع آيات تنغلق أبواب النار السبعة دونها، وليس بعد النار دار إلاَّ الجنة، لم يبعد نظراً، لكنه لا يعلمه، إذ لا طريق إلى العلم به كما بَيّناه. وقد عدّدوا أبواب النار فقالوا: باب الشرك. باب الإثم. باب الفساد. باب العدوان. باب الفحشاء. باب المنكر والبغي. تجري على الجوارح السبعة، وهي الحواس الخمس، منها اليدان والرجلان، وسابعها القلب (١)، وهذا كله تحكم لأنه قول بالظَّنِّ في معنى لا يعلم بالقياس، ولا يجري فيه إلاَّ القطع. وقد روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "لِجَهَنمَ سَبْعَةُ أبْوَابٍ، بَابٌ مِنْهَا لِمَنْ سَلَّ السَّيْفَ عَلَى أمَّتِي" (٢).

стр. 533

وهذا فن لم ينتبه هؤلاء له، وكل ما قالوه -كما قدمنا- لا دليل عليه. وقد أبهم الباري سبحانه أبواب الجنة في الطاعات ليلتزم الراجي لدخولها جميعها، كما أبهم ساعة الجمعة في اليوم، وليلة القدر في الشهر، وأبهم الكبائر في المعاصي كلها، ليكون ذلك أدعى لعموم فعل الذكر والطاعة في اليوم كله والشهر كله في اجتناب المعاصي، ولو أخذ رجل يطلب أمهات الطاعات فيرتب الأبواب لكان ذلك استعمالاً للظن في مواضع القطع وهو إتيان البيوت من أدبارها، وربما دخل في قوله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]، ولم يترك الشيطان الناس مع هذا الحديث ولا مع هذه الآية -وذلك كاف- حتى أضل من عمل لهم الأحاديث في فضائل الآيات والسور (١)، فروى لهم في "آية الكرسي" أنها سيدة آيات القرآن (٢)، و ﴿يس﴾

стр. 534

قلب القرآن (١)، وأمثالها، فلا تحفلوا بذلك كله، وأقبلوا على ما صحّ ففيه الغنية. وكما أنه "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن" (٢) فليس منا من لم يتغن بصحيح الآثار، وَطَلَبُ سقيم الآثار مضافاً إلى صحيحها، يقرب من قراءة الإنجيل والتوارة مضافاً إلى القرآن. ذكر استيفاء الغرض في التقسيم قد علمتم -في الجملة- أن العلوم ثلاثة أقسام، وأن المعلومات أربعة: النفس، والرب، والعمل النافع، والضار. وأن معرفة النفس تكون بالنظر في ذاتها وصفاتها، وانتقالاتها في أحوالها وابتدائها وانتهائها واستعلائها في شرفها، واستقلالها في نقصها، حسب ما وقع التنبيه عليه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٤ - ٥] وذلك أنه خلقه سميعاً بصيراً حياً متكلماً قادراً مريداً، وهذه نهاية في مراتب الشرف، وخلقه من نطفة مدرة، ويصيره جيفة قذرة، ويحمل بعد ذلك عذره. أنشدنا ابن طوق (٣)، قال: أنشدنا القشيري:

стр. 535

كيف يزهى من رجيعه ... أبد الدهر ضجيعه فهو منه وإليه ... وأخوه ورضيعه وهو يدعو إلى الحشر ... بصغر فيطيعه وتبين لك أن معرفة الرب تكون بالعلم (١) بذاته العظمى وصفاته العلى وأسمائه الحسنى وأفعاله العدلى، وقد بيناه في كتاب "الأمد الأقصى" فمن أراد أن يعرف الله تعالى كذلك فعليه به، فإن عرضه إشكال فحله في كتاب "المتوسط". وفي كتاب "الأمد الأقصى" ما للعبد من حالة في هذه الأسماء، والفرق بينه وبين الرب في كل اسم انطلق على الله بالكمال، فأطلق على العبد بلفظه وبيان المنزلة العليا للرب فيه، والسفلى للعبد فيما يعطيه لفظه من معانيه. ذكر معرفة ركني الحياة وتبين أن معرفة العمل النافع هو ما يحصل به المطلوب في تزكية النفس بمعاشها، وما ينال به المرغوب، مع صفة السلامة في دوام النقاء من الآفات، ومعرفة العمل الضار وهو ضده، فإذا تمّ له ذلك أو بعضه، فهنالك ركنان وهما: العمل النافع في جلب النعيم الأكبر في البقاء الدائم بالعلم الذي هو

стр. 536

أصله. وعليه مبناه، لأن العلم أول، والعمل ثان، ولا يَتَأتَّى العمل إلا بالعلم، إذ لا تتفق عبادة إلا بعد معرفة المعبود. وقد زلت في هذه طوائف يهولك أمرهم فقالوا: "إن العمل قبل العلم". وغلت أخرى فقلبت القوس ركوة وقالوا: "إنما يتوصل إلى العلم بالعمل" (١). ذكر بيان أن العلم قبل العمل لأن محل العلم وهو القلب، خلق مستعداً للعلوم، وهو صقيل يصدأ بالذنوب، فإن أحجم العبد عن الذنوب بقي بصفائه، وإن أقلع عن الذنوب بالتوبة فهي صقالة، فيتجلى حينئذ فيه العلم (٢). وتشبثوا بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٣). وقالوا: ذَكَرَ النبي ﷺ الفتن فقال: "تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلَى القُلُوب عُوداً عُوداً، فَأيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَة سَوْدَاء، وأيُّ قَلْبٍ أنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ

стр. 537

نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: أبْيَضَ مِثلَ الصَفَا، فَلَا تَضُرهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السمَوَاتُ وَالأرْضُ، والآخَرُ: أسْوَدُ مُرْبَادّاً (١)، كَالكُوزِ مجُخِّيَا (٢)، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفاً وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَراً" (٣). وهذا كلام يحوم على مقاصد الفلاسفة، فإنهم يَدَّعُونَ أن العبد إذا أقبل على الله بالكلية، واشتغل بمحو ما ينبغي عن النفس، وواظب على اكتساب ما ينبغي، ولازم الذكر حتى يجري منه مجرى النفس، صفا قلبه، فتجلت فيه جميع المعلومات، إذ خُلِقَ القلب صقيلًا كالمرآة (٤)، فإذا قابلته المعلومات تجلت فيه ما لم يصدأ، فإذا طهر بدفع المعاصي والفضول، بَقِيَ صقيلًا فتجلت فيه الحقائق ولا يفتقر إلى تعلم. تبصير: تأملوا -وفقكم الله وبصّركم- ما أبسطه لكم ها هنا من الكلام، فإنه وإن كان صعب المرام يفضي بكم إلى أرحب مقام.

стр. 538

هذا القول الذي أملت الفلاسفة (١)، وانخدع به زمرة من الصوفية (٢)، فيه نظر من ثلاثة أوجه:

стр. 539

النظر الأول: إن هذا الذي قالوه من طلب تصفية القلب وتطهيره، إلى قولهم: "صفا قلبه"، كلام صحيح موافق للشريعة، لا درك فيه. وقولهم بعد ذلك: "إنه إذا صفا قلبه تجلّت فيه المعلومات" خطأ بحت، ودعوى عريضة لا برهان عليها من العقل، ولا من جهة السمع (١). وقد كان ذلك جائزاً لو فعله الباري سبحانه ودَلَّ عليه، وأخبر عنه، فلا معنى لإِنكاره جملة، وهذا التقصير هو الذي يزل فيه المدّعون للعلم، فإنهم ينكرون القول كله لامتزاجه بالباطل، وإنما ينبغي أن يفرق بينهما ويخلّص أحدهما من الآخر، والِإنصاف دين. النظر الثاني: هو أن الصوفية لما وجدت كلامهم (٢) إلى قوله: "صفا قلبه" سليماً تركت ما بعده وركبت عليه. فقالت: "صفا قلبه فيتفكر في ملكوت الله وآلائه حتى تنكشف له أسرارها". فقولهم: "فيتفكر في ملكوت الله وآلائه" صحيح، وهو النظر المفضي -بشروطه- إلى العلم، وكأنهم أرادوا أن سلوك الطريق إلى الله تعالى بالنظر في آلائه والتفكر في ملكوت أرضه وسمائه ليوصل إليه، ويقف بالناظر عنده، لا يكون إلا للمتقين، فأما المذنبون المنهمكون في الشهوات المقبلون على الدنيا، فليسوا في جملة السالكين، ولا يعدونهم -بما حصل عندهم- من

стр. 540

جملة العالمين بالله، وهذا أيضاً كلام صحيح، فقد نفت ظواهر الشريعة عن العاصي الإِيمان والعلم في الِإطلاق، كما نفته عن الكافر أيضاً في الإِطلاق، وهذا القول بإطلاقه لا يرده ظاهر الشرع، ولكن يفتقر إلى مزيد تحقيق. النظر الثالث: قولهم: "حتى تنكشف له أسرارها" فينبغي أن يكاشفوا عن هذا السر، ولهم فيه ثلاث طرق: الطريقة الأولى: أن يقولوا: هو معرفة الله والملائكة، والأنبياء وآيات الآفاق والسموات والكواكب والآثار العلوية وأقسام الموجودات وكيفية وجودها وارتباط بعضها ببعض حتى تنتهي إلى الله، ومعرفة القيامة والحشر والجنة والنار والجن، وتحقيق أن ما سبق إلى أفهام العامة من أن الله فوق العرش في مكان، وما اعتقدوه في أحوال الآخرة، هل هي خيالات؟ أو لَهَا مَعَان سوى الفهوم؟ وهذا قول خلف. أما معرفة الله: فهي بالتفكر في آياته. وأما معرفة الأنبياء: فإنها تقع بمعجزاتهم. وأما معرفة الملائكة والشياطين: فلا سبيل لدخول دليل العقل فيه، وإنما هو الشرع، لأن طريقه الخبر. وأما حقائقهم: فإنهم أجسام خلقهم الله على صفة يَتَأتَّى معها التصور في الهيئات، كما خلقنا على هيئة يَتَأتَّى لنا بها التصرف في الحركات. وأما آيات الآفاق: فهي دحو الأرض وتباين مناكبها، وإرساؤها بالجبال واتساع القفار بها، واختصاص بعضها دون بعض بما خصت به من منفعة أو حالة.

стр. 541

وقيل آيات الآفاق: اختلاف الدول، وغير ذلك مما طريقه معلوم للعامة والخاصة. وأما السماء: فمعلوم أنها أجسام، وكذلك الأرض. وأما الكواكب: فهي أجسام نورية مشاهدة. وأما مسيرها وتصرفها في أفلاكها: فيعلم مشاهدة للأنبياء، أو بالحساب في جزء يسير منها، لا بالطاعة والعبادة. وأما الآثار العلوية: فإن أرَادُوا به الغيث والسحاب والرعد والبرق، فذلك كله مشاهد محسوس، وإن أرادوا كيفية نشأته وصفة سياق وجوده وكونه في الحساب وصونه حتى يقع علينا، فلا يعلم ذلك بدليل العقل، وإنما طريقه الخبر بعلم ذلك قطعاً، وقد بيناه في كتب "الأصول". وما جرى في أشعار العرب من استمداد السحاب من البحر، فإن ذلك مما تلقفته من أقوال العامة الجاري على ألسنتهم بما سمعته من سواقط كلام الأوائل (١). وعجباً ممن يأخذ الحقائق من الأشعار، أو من متردد الألسنة العامية بالآثار. وأما أقسام الموجودات: فمنه ما يعلم بالمشاهدة، ومنه ما يعلم بالنظر، ومنه ما يعلم بالخبر.

стр. 542

وأما كيفية ارتباط بعضها ببعض حتى تصل إلى الله تعالى، فمنه ما يعلم بالمشاهدة وبالنظر وبالخبر، وليست الطاعات إليه طريقاً، ولا شرطاً، بل يحصل ذلك كله دونها (١). فإن أرادوا أن صفاء القلوب يكشف هذه العلوم فباطل قطعاً. وإن أرادوا أن الفكر في المخلوقات والآيات يوصل إليها فباطل أيضاً قطعاً، وما أعلمني بما يحومون حوله ويسفون عليه. الطريقة الثانية: قولهم: "وتحقيق ما سبق مما تخيلته العوام ... " كما سردناه عليكم، وليس يخفى أن من اعتقد أن الباري يحويه المكان أو يشتمل عليه زمان، باطل بالأدلة المعلومة فيه القاطعة عليه، وقد كفينا شأنه معكم (٢). وأما من اعتقد في الدار الآخرة أنها خيالات وتمثيلات، فلا يخلو أن يريد به أنه لا معنى لها، ولا حقيقة وراءها، فهذا مذهب النصارى والفلاسفة (٣) وهو باطل قطعاً، لأن فيه تكذيب الرسل، والحكم عليهم بالاستخفاف بالناس والتغرير بهم.

стр. 543

وأما من اعتقد أن لها معاني سوى المفهوم منها، فهو عدول عن الظاهر لغير ضرورة، وما أخبر الله عنه من البعث والحشر والصراط والحوض والجنة ونعيمها والنار وعذابها، كل ذلك ممكن في القدرة، فلا شيء يرد ظاهره، وإنما يطلب تأويل الخبر إذا عارض ظاهره دليل من الأدلة العقلية، وهذا يتبين لكم بتتبع الآيات والأخبار، فإنه لم يرد منها شيء يرد ظاهره العقل حتى يفتقر فيه إلى تأويل. فإن قيل: بل قد ورد في الخبر ما يعترض على العقل في مواطن كثيرة من أدناه قول الصادق: "إِنَّ أقَل أهْلِ الجَنَةِ مَنْزِلَة يُؤْتَى مثل الدُنْيَا وَعَشْر أمْثَالِهَا" (١) وهذا بعيد عقلاً. قلنا: من أي طريق يبعد وخالق الدنيا مرة يجوز أن يخلقها ألف مرة، وليت شعري ما الذي أحرج بعض الأشياخ إلى أن يقول (٢): إنه يؤتى مثل

стр. 544

عشرة أمثال الدنيا قيمة، كما يقال: الياقوتة عشرة أمثال الدنيا أي: في القيمة وإن كانت أقل منه في الوزن، والمخبر عن ذلك قادر على أن يجعلها عشرة أمثال الدنيا قيمة ووزناً ومساحة، وخلقه وعطاؤه وإحياؤه وإماتته ومنعه كلام كله إِذَا أرَادَ شَيْئاً أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ، فَيَكُونُ (١) بغير روية ولا مثنوية ولا كلفة ولا معونة، فماذا يقف عليه؟ أو يمتنع منه؟ وقد قام الدليل الشرعي على بطلان هذا، قال النبي ﷺ فيما أخبر به عن الجنة: "قَابَ قَوْس أحَدِكُمْ في الجَنةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَالنَّصِيفُ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الَدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (٢). فالذي أعطي عشراً من الحور أو عشراً من غيرهن فقد أوتي مثل الدنيا عشراً، وبهذا القدر كانت المنة تقع لمن له القدرة. هيهات لقد عظمت هذه وهلة، وكأني بمن طالع شيئاً من علوم الأوائل إذا بلغ هذا المنتهى، وقرأ كلامنا ها هنا، زَوَّى حَاجِبَيْه تقبّضا، أو أوحى بشفتيه تبسّما، فإن كان عني راضياً، أو كنت عنده عالماً قال: داهن فلان، وإن كان عني ساخطاً وكنت عنده جاهلاً قال: ما أجهل هذا الإنسان. انتصاف: فأنا أجادله بالحسنى حين عجزت عن عقوبة الدنيا، وأقول: يعلم الله وتشهد كتبي ومسائلي وكلامي مع الفرق، بأني جدّ بصير بأغراض القوم ومقاصدهم، فإن معلمي (٣) كان فحلاً من فحولهم وعظيماً من عظمائهم،

стр. 545

وتالله إني كنت محتشماً له غير راض عنه، وقد رددت عليه فيما أمكن، واحتشمت جانبه فيما تيسّر، وقد كنت أقبل على هذا المنكر، وأتتبع الرد على هذا المعترض من جميع جوانبه، إلا أنه مسطور في سائر كتب العلماء، فلا يمكن أن أخرج عن الغرض إليه، ويكفي ما نبهتكم منه عليه. الطريقة الثالثة: قولهم "إن الخبر وإن كان ورد بهذه المعاني كلها والأسماء بجملتها وهي محمولة على ظاهرها، فلها عبرة إلى سواها مما في معناها". ونحن نقول: إنه يمنع الاعتبار بالافتكار والتجاوز بالدليل من نظير إلى نظير، وهذا كلام صحيح للصوفية، وعلم بديع من علومهم، ومنهم من غلا (٣) فيه، ومنهم من اقتصد، ولكنه معروض على قوانين الشريعة، فما لم يعترض عليها، ولا قاد إلى مناقضتها فهو صحيح. النظر الرابع: هو أنا نقول: قد قام الدليل العقلي على أن العلم قبل العمل كما قام الدليل الشرعي على أن العالم بالله هو الذي لا يعصي، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. فكل من علم أن الملكوت كله لله، وأن بدنه ونفسه من جملة ملكوته، وهو ملك له، لم يصرفه إلا بأمره، فإن عصاه فما قَدَّرَهُ حق قَدْرِهِ، ولا تحقق ما بلغ إليه من تحذيره. فإن في: قد رأينا جماعة من المتبحرين في الفقه تعصي؟ قلنا: هذا الذي حصل له نوع من المعرفة، لا يختص بالباري تعالى

стр. 546

ولا يرتقي به إلى الدرجة العليا، وقد يتفق أن يحسن فيه النية، فيكون قربة، لكنه دون العلم الأفضل الذي هو معرفة نفسه وربه بدوام حضوره في القلب، وحسن الحال في اكتسابه كما جاء في بيانه، والمشتغل بهذا العلم وحده من العاكفين على الدنيا، لم يختصوا بالمولى، فذلك الذي أوقعهم في الترخص بالذنوب، والتَّرَخُّصِ بالعيوب. فإن قيل: فإن لم يكن عالماً، أيكون جاهلاً؟ أو تحكمون عليه بالكفر كما قالت فرقة (١)؟. قلنا: لما كان هذا موضع إشكال على العامة، اضطربت فيه آراؤهم، وقد أوردنا تحقيقه بالغاية في كتاب "المشكلين". وهذه نكتة منه يسيرة بحسب ما يحتمله هذا "القانون" وهي أنا نقول: إذا واقع العبد المعصية فلا يخلو إما أن يكون لاهياً عن الوعيد أو ذاكراً له، فإذا كان لاهياً عنه لم يحضره ذكره فهو من ﴿الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٢). وممن آتاه آياته فأعرض عنها، لأنه يجب عليه أن يحضر ذكر التحريم في هذا المقام العظيم، فإذا لم يخلق الله الذكر له فقد أراد هلكته، وعليه إثم

стр. 547

الذاكر، لأن أمره لم يكن بأول مرة، ولكنه كان بالانهماك في أسباب المعاصي، والإكباب على الشهوات المباحة أولاً، ثم المشتبهات ثانياً، ثم المحرمات المحضة ثالثاً، ثم تغلبه الشهوة، وتجره العادة، فيقع من غير إرادة، وهذا هو حقيقة الاستدراج الذي قال فيه سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤]. فتذكر ذلك في تفسير الآية، وتركّب عليه استدراج الكفار وتممه واستوفه. وأما إذا كان ذاكراً، وحضرت المعصية، وحضر ذكر المحرم والتحريم وعقوبته، وصدق المخبر بالعقوبة في خبره، وقدرته على إنفاذ حكمه، فلا بد أن يكف عن الإقدام، أو يدخله الشك في واحد من هذه الوجوه أو ما يرتبط بها، فإن داخله شك فهو كافر. وإن قال: ليس عندي تكذيب، وإنما عندي تسويف أقضي شهوتي وأنتظر توبتي، أو تسعفني رحمة ربي، فهذا مغرور، وهو أحد أقسام المغرورين، بل ينبغي أن يقوم بحق الطاعة بملازمتها، ويعصي النفس الأمارة بالسوء دائماً، فيرشد الله أقواله ويسدد أعماله، والخير إلى الخير ولاية، والشر إلى الشر غواية، واتباع الشهوات عماية، والعفة هداية، ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١). فقد ثبت أن العلوم إنما تحصل بالنظر، وأن القلب الصافي من كدورات المعاصي شرط لبقائها واتصالها، وإن من اتقى الله علمه، أي أبقى له ما علم، أو نفعه به، فإن لم ينتفع بعلمه كمن لم يكن معه، بل هو شر منه، على أن أرباب الظاهر من الفقهاء قالوا: إن معنى قوله:

стр. 548

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (١). معناه: كيف تتقوه، فإن الآية هي آية الدين فبصرهم أحكامها وأمرهم بامتثالها وحذرهم عن مخالفتها، مع ما سبق من الربا قبلها، ثم قال: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ يعني ما نهيتكم عنه ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٨٢] في اجتناب ما نهيتكم عنه ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ما تفعلون وما تتركون (٢). وقد قيل: إنهم إذا أكلوا الربا عَزَبَت أحلامهم، واسترسلت أفعالهم، وتحيروا ﴿كالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٣). ذكر علم الأنبياء ﵈ فأما الأنبياء فالذي علمته ليس بصفاء قلب منهم قَابَلَهُ مقر العلوم فتجلت فيه، وإنما يتوصلون إلى المعرفة بتعليم جبريل، وهو المعلم الثاني. وقد فضلت الأنبياء الخليقة في علومها بوجهين:

стр. 549

الأول: أنهم علموا علمهم ضرورة بما شاهدوا من الملكوت واطلعوا عليه من أمور الآخرة. الثاني: توالي الأدلة عليهم باتصال المعارف وتتابع الطاعات، ولذلك كان النبي ﷺ يقول إذا دخل بيته وعافس أهله: "فَإِنهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأسْتَغْفِرُ الله" (١) فكان يعتقد أن تلك الفترة لا يجبرها إلاَّ استغفاره، وهي عندنا نحن عبادة لما فيها لنا من العون على الطاعة، فإن الراحة بين العبادتين طاعة لنا لعجزنا عن الموالاة في الطاعة، وضعف أبداننا عن توالي العبادة، ولذلك نهانا النبي- ﷺ فقال: "إِنَّ هَذَا الدينَ مَتِينٌ فَأوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ" (٢). وقال: "إنَّ الله لَا يَمل حَتَّى تَمَلوا" (٣). فأما نحن فقد دعينا إلى النظر والاعتبار على مناهج مشروعة، ونحن مأمورون بها، فمن قصد لَقَمَهَا فهو واصل، ومن حاد عنها فهو ناصل. وأما الأولياء فهم أمثالنا في المعرفة، ولكنهم قوم واصلوا الطاعة فوصلوا، وقد بينا أن مواصلة الطاعة سبب لكل فضيلة.

стр. 550

تكملة: ولا تستبعد على القوم أن يضربوا الأمثال في كلامهم لعلمهم بالدرر في البحار وأنواع الثمار، فإن الله مرج البحرين، وخلق من كل شيء زوجين، وخاصة صنف الثمار، فإنه على ثلاثة أقسام: صنف يؤكل كله، وصنف يؤكل داخله، وصنف يؤكل خارجه. والذي يؤكل باطنه منه ما له ظاهران: أحدهما وسط بين الظاهر الأظهر وبين الباطن الأبطن، فأي مانع من أن يقال: إن من العلم ما يكون على ثلاث مراتب بعضها أجلى من بعض، وهي درجات تمثيلًا. وكذلك البحر فيه منافع وينطوي على جواهر، ولكل شيء من ذلك متعلق بالقدرة، وحظّ من الحكمة. وضرب الأمثال جائز كما ضربها الله في القرآن، ووكل الملك بضربها أيضاً في المنام. ونحن نذكر إن شاء الله منها ما يستدل به على الغرض، ويكون عوناً على ما يعن من ذلك ويعرض بفضل الله ورحمته. ذكر حكمة الأمثال ليس كل أحد يدرك حقيقة الأمثال، ولا ينال رتبة التشاكل والمثال على وجه تصديق الله لهذا المقال، كما أخبر وهو الكبير المتعال حين قال:

стр. 551

﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. ولا يصغي لها كل نفور القلب نكود الحال، والذي تضمّنت من الحكمة كثير، يكفيكم منها ظاهر واحد وباطن. أما المعنى الظاهر فإن الفصاحة العربية والبلاغة السليقية، وهي التي يتميز بها القرآن، وَعَنْهَا وصلت المعاني إلى القلوب، فإن القول إذا كان بديع النظم حسن الرصف، ألوط بالنفس، وأسرع إلى القبول والفهم، وبهذا كانت العرب تتبالغ في خطابها، وتتبارى في كلامها، فجاءهم الله من ذلك بما لا طاقة لهم به وإن جرى في أساليبهم. وأما الباطن فإن الله أراد أن يعلم الخلق كيف يتجاوزون في العبرة من المشاهدة إلى الغيب. وزعمت طائفة من الصوفية أن الباري إنما ضرب الأمثال في المنام لانتقاش العلوم في اللوح المحفوظ دون الكشف الصريح "والناسُ نِيَامٌ، فَإذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا" (١) فتظهر لهم عند الموت حقائق كانت عندهم مشروحة

стр. 552

بالمثال (١)، وهذه نزعة فلسفية، وأغراض عن الحق قصيّة، بل نحن الآن في حقائق واضحة، وأمور عبرت عنها عبارات لائحة، وقد بينا فساد هذا الغرض (٢). ذكر نموذج من الأمثال تمهيداً لما تقدم مثل قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]. فضرب فيه لأربعة بأربعة: منافق آمن بلسانه، ذهب الله بنوره وبقي في ظلمات الكفر، بأربعة: موقد النار أطفأ ناره ضعفها وما هب عليها، فوقع في ظلمة الليل. فالمنافق في مقابلة الموقد، شخصاً بشخص، ونار الموقد الذي استضاء بها، بنور المنافق الذي استفاده من كلمة الإِسلام الجارية على لسانه في عصمة ماله ودمه، لحظة، ثم هبت عليه ريح المنية فأطفات ذلك النور ووقع في ظلمة الكفر (٣).

стр. 553

ذكر الاستطراد من كلام رب العالمين إلى كلام المخلوقين في هذا الغرض وقد زاد بعض الناس في هذا المعنى صلة له، وهذا كما قال الشاعر (١): حين تم (٢) الهوى وقلنا سررنا ... وحسبنا من الفراق أمنا بعث البين رسله في خفاء ... فأبادوا من شملنا ما جمعنا وَرَكَّب معنى البيتين على حال المنافق المذكورة، وهذا فن من توابع التفسير اعتنت به الصوفية حتى غلب في بلاد المشرق من تركستان (٣) إلى الشام، فلا يقدر أحد على دفعه، وإنما رَكَّبْتُهُ على مذهبها في أن كل شيء إنما هو لله، قصد ذلك صَاحِبُهُ أو لم يقصده، وأن العباد بأقوالهم وأفعالهم لله، حتى إذا قال الكافر: الله ثالث ثلاثة -تعالى (٤) - فهذا القول لله خلقاً، وعلى نفوذ إرادته ومشيئته دليلاً، وبوحدانيته شاهداً، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (٥)، يُسبّح الجماد بحاله، والحي بمقاله، كيف ما كان من إيمان أو كفر أو صدق أو كذب، لا يخرج شيء من ذلك عن ملكه، ولا يدل على غيره، وهذا وإن كان يتعلق من التوحيد بحبل، ويرجع إليه بوجه، فإني لا أرى لأحد أن يشتغل به، فإنه فضول، وكأن الشيطان قصد به القطع عن كتاب الله بمقدار يربح فيه من العبد الانتقال

стр. 554

من كلام الله إلى كلام الناس، والشيطان بفسقه إن قدر أن ينقل العبد من طاعة إلى معصية فعل، فإن غلبه، خدعه بأن ينقله عن طاعة إلى أدنى منها، فيربح معه ذلك المقدار، وأكثر ما يحفل بهذا الوعّاظ لاستجلاب قلوب العوام واستدرار خلف أموالهم. ولقد سمعت بعض كبير المتصوفة يتكلم عن قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقد رتب الكلام وساقه أحسن مساق في أجمل نظام، ثم جعل يمسح أعضاءه، ولوى أعطافه حتى ركب عليه قول الشاعر: كتابي إليكم بعد موتي بليلة ... ولم أدر أني بعد موتي أكتب (١) بكلام غريب على طريقتهم لست له، ولا أنتم فأعرضنا عنه. مثل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ .... ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٤]. فتلك الشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أُكلها كل حين. فضرب الله المثل بسبعة لسبعة: "الشجرة" للإيمان. "وأصلها" للتوحيد. "وثبوته" استقراره في القلب حتى لا تزعزعه رياح الشكوك، وترحضه أدناس الوساوس.

стр. 555

"وفرعها" العمل. "وسماؤها" ظهور العمل. "واعتلاؤه" ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١). "وأُكلها": حلاوة الطاعة (٢). وبقى مما لم يجر له ذكر في المثل، أوراق الشجر، ومثالها الأخلاق الجميلة للعبد، فإن الورق كما يستر الثمار ويحجبها عن الآفات حتى تتمكن من الطيب على قدر، كذلك الأخلاق الجميلة تحجب الأعمال الصالحة عن أسباب المعاصي. وقيل أُكلها ثمرات الجنة، وهي لا مقطوعة ولا ممنوعة ولا ذات آفة. ثم تركب عليه أيضاً وتقول: والشجرة لا بد لها من ماء يسقيها لتدوم نضارتها، وتزيد أجزاؤها، وغير ذلك من صفاتها، فتطلب له نظيراً من الدين. ثم تقول: وللشجرة آفات، فتعدد آفات الشجرة في أصلها وأغصانها وأوراقها وثمارها. وتركب عليها نظيراً من المعاصي بحسب قوتك في العلم ووعيك للمحفوظ، فإن اتفق عالم يجتمع له الحفظ والفهم، ركّب الدين كلّه على هذا المثل علماً وعملًا. وقد ضرب النبي ﷺ لأصحابه المثل بهذه الشجرة (٣) فقال: "إِنَّ مِنَ

стр. 556

الشَّجَرِ شَجَرَة لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، مَثَلُهَا مَثَلُ المُؤْمِنِ، خَبِّرُونِي مَا هِيَ (١)؟." وذكر من التمثيل خصالاً، فإذا يسر الله للعالم الحفظ، رَكَّب أحوال المؤمن على أحوال الشجرة، ودعا متعلقاتها فجاء بجميعها، فتفطّنوا لضم هذا النشر فإنه يستغرق الأعمار لا أقول العمر. مثل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]. اختلف الناس في تأويله على أربعة أقوال (٢): الأول: أنه مثل للمشرك الكافر مع الشياطين (٣) وللمؤمن مع الله .. الثاني: أنه مثل للكافر مع الأصنام. الثالث: أنه مثل للصنم يدعيه جماعة يقول هذا أنا صنعته ويقول الآخر أنا جلبته (٤). الرابع: أنه مثل للحق والباطل، والشركاء في الباطل هم الأوثان، والمؤمن لله وحده في قول (٥).

стр. 557

زادت الصوفية فيه. الخامس: وهو أن الأول مثل للمقبل على الدنيا المشتغل بزخرفها وطلبها، والعيال ومؤنتهم، والأهل ولذتهم، ولمؤمن أخلص لله وحده ذو حظ من صلاة وصيام (١). وهذه الزيادة قريبة من رسم التفسير. وفي هذا المثل بديعة من التوحيد وهي أن الله سبحانه قال: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا﴾ [الزمر: ٢٩] يعني به المؤمن. وقال "لِرَجُلٍ" كناية عنه وهو العظيم المبين، كيف أنعم علينا وقرب البيان لنا، حتى كنى برجل محدث مخلوق ناقص، عن قديم خالق عظيم كامل على سبيل البلوغ إلى غاية البيان كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]. ولا يستقرض إلا محتاج وَهُوَ الغَنِيُّ لَهُ مَا في السًمَوَات وَمَا في الأرْض (٢)، ولذلك قال المفسرون معناه "من ذا الذي يقرض عبد الله الفقير" (٣). وليس يفتقر إلى هذا التأويل، فإنه سبحانه قد ردّد هذا المعنى في أمثلة كثيرة: قال النبي ﷺ : "يقول الله: عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، وَجعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، وَعَطشْتُ فَلَمْ تسْقِنِي، فَيَقُولُ: وَكَيْفَ تَجوعُ وَتَمْرضُ، وَتَعْطش وَأنْتَ رَب العَالَمِينَ، فَيَقولُ: مَرض عَبْدِي فُلَان، وَجَاعَ عبْدِي فُلَانٌ، وَعَطشَ عَبْدِي فلَان، فَلَوْ عُدْتَهُ وَسَقَيْتَهُ وَأطْعَمْتَهُ، لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ" (٤).

стр. 558

وقال: "وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبهُ، فَإِذَا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَه الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ" (١). فَكَنَّى بنفسه عن الجارحتين المصونتين عن المعاصي، وكنّى بلطفه بعيادة المريض الجائع العاطش بنفسه، وهو المُقَدَّس عن الآفات، المتعالي عن النقائص (٢). وركب عليه قوله: "إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتَقَعُ في كَف الرحْمَنِ قَبْلَ أن تَقَعَ في كَف السائِلِ" (٣). وقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ (٤).

стр. 559

وقوله: "حَتَّى يَضَع الجَبّار فِيهَا قَدَمَهُ أوْ رِجْلَهُ " (١). وقوله: "قَلْبُ المُؤْمِن بَيْنَ اصبعَيْنِ مِنْ أصَابع الرحْمَنِ" (٢) وتخلص من علم التوحيد الذات عن الآفات، وتقدس بالدليل الباري عن الجوارح، وتبين من علم التذكير على طريق التأويل في التوحيد وجه

стр. 560

الاستنباط الذي اقتضاه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] وسبيل الاستنزال من الكناية بالمرض والجوع والعطش المستحيلة عليه، كما قال: "يَنْزِلُ رَبنا كل لَيْلَةٍ إلَى السمَاءِ الدُّنْيَا" (١). واسرد الأقوال في ذلك بقدر حفظك، وأبطل المستحيل عقلاً بأدلة العقل، والممتنع لغة بأدلة اللغة، والممتنع شرعاً بأدلة الشرع، وأبق الجائز من ذلك كله بأدلته المذكورة، ورجّح بين الجائزات من ذلك كله إن لم يمكن اجتماعها في التأويل، ولا تخرج في ذلك عن منهاج العلماء، فقد اهتدى من اقتدى، ولن يأتي أحد بأحسن مما أتى به من سبق أبداً.

стр. 561

وخلص من علم اللغة معرفة الكف، والقدم، والرجل، والقلب، وانظر في وجه الاستعارة لذلك بين الشيئين عند استوائهما في روح المعنى المعبّر به عنهما. واعلم أن روح الكف القبض والتحصيل، وأن روح القدم السعي عليها تارة والرفس بها أخرى عند الغضب، وأن روح النزول إحياء البقعة بالتحسين والتحصين بتفقد الأحوال وإصلاح الاختلال، فهو سبحانه الذي تنزل وينزل وهو خير المنزلين (١). والكل فعله لا وصف يقوم بذاته، وإلى هذا المعنى أشار الأوزاعي (٢) -حبر الشام- ﵁ حين سئل عن قوله: "يَنْزِلُ رَبُّنَا" قال: "يَفْعَلُ الله مَا يَشَاء" (٣). ورتب على هذا لطائف الباري بعبده بحسب ما تنتهي قوّتك في الحفظ والتركيب. وإن عجزت، أو خفت وعر الطريق وخطر المشي، وما يحدث في

стр. 562

المفازات من الآفات، وَزَادُكَ في الحفظ طفيف، ومطيتك التي هي فكرتك نِضْوٌ، فقف عند الإيمان والتسليم بما ورد له، واعتقد التقديس لمن قال وصمم على أنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] (١) فإنها مهيع نجاة، إليها لجأ السلف لوجهين: أحدهما: تقية التغرير بالعامة. والثاني: خطر الطريق، ومعاينتهم لما جرى فيها من الابتداع لمن سلكها نضواً بغير زاد، فأفضوا إلى البدعة. وإن أردت أن تسلك في قانون التأويل طريقة أخرى، فالطرق إلى الله كثيرة، فانظر في مورد القول قرآناً وسنة، فإن كان قرآناً فقد سقط عنك النظر في طريقه، وتجرّد النظر في المورد. وإن كان سنة تعيّن عليك النظر في طريقه أولاً كما ثبت في كتب "الأصول"، ثم تقرن كما بيناه في سلوك طريق العلم إلى العلم، والظن إلى الظن، وتنظر في دلالة اللفظ على المعنى، ثم تنظر هل هو اعتقادي أو عملي؟ في رب أو مربوب؟ وتأخذ لكل واحد قانونه من مواضعه التي بيناها في "المتوسط" (٢) وغيره، وإن تعذّر عليك شيء في طريق النظر فالمعيار الأكبر كتاب "المشكلين".

стр. 563

مثل قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ... إلى قوله ... كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧]. قال الإِمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: ها هنا خمسة معان: الأول: ضرب المثل بالماء كناية عن الوحي، وضرب المثل بالمعادن الجوهرية في حلية أو متاع كناية عن الحق. الثاني: ضرب المثل بالزبد كناية عن الباطل. الثالث: ذكر تقسيم الماء، وذكر تقسيم الجواهر. الرابع: تخصيص الماء وحكمته. الخامس: تخصيص النار وذكرها. مقدمة: لو ذكر الله ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ... إلى ... الْأَرْضِ﴾ ولم يقل ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ لجَرى الكلام على ظاهره، ولم نتعرض لتأويله، ولا قَرَّرْنَاهُ دلالة على التوحيد؛ لأنه تنزيل لا يفتقر إلى تأويل، وإنما هو مجرد إنعام وخبر عن امتنان بما ذكر من تعديد النعم في الماء والمعادن، فلما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ علمنا أنه في مقتضاه ضرب مثل للحق والباطل، فَفَهِمْنَا مَا فَهَّمَنَا رَبُّنا. وشيوخ الصوفية تسلك هذا في كل آية، فربما أوقعهم ذلك في غواية، لأنه تكلّف ليس له نهاية.

стр. 564

مقدمة ثانية: فإذا عرفتم هذا، فلا بد من معرفة الحق والباطل أولاً، وقد بيناهما في كتب "الأصول" وأحسن بيان في كتاب "الأمد الأقصى" (١) لاختصاره لفظاً واستيفائه معنى، فالحق ما فيه فائدة مقصودة، والباطل ضدّه (٢)، وفي ذلك تقابلات بين المثل والممثل به. فضرب الله للحق والباطل الماء مثلاً، فإنه خلقه حياة للأبدان، كما أنزل القرآن حياة للقلوب، وهو التقابل الأول. كما ضرب امتلاء الأودية بالماء امتلاء القلوب بالعلم، وهو التقابل الثاني.

стр. 565

وضرب الأودية الجامعة للماء مثلاً للقلوب الجامعة للعلم، وهو التقابل الثالث. وضرب قدر الأودية في احتمال الماء لسعتها وضيقها وصغرها وكبرها مثلاً لقدر القلوب في سعتها بانشراحها، وضيقها بالحرج فيها، وهو التقابل الرابع (١). وضرب مثلاً للسيل واحتماله ودفعه ما يلقى في طريقه من الحصيد والهشيم وما يجري به من الجميل، لما يدفعه القرآن من الجهالة والزيغ ووسواس الشيطان والشكوك، وهو التقابل الخامس. وضرب مثلاً رمي الزبد وذهابه جفاء عالياً، لما يدفعه القرآن من ذلك الفاسد كله إذا جرى عليه، ويقذفه عن العلم اليقين الثابت فيه، لأنه في جريان مستمر، والعلم له في قذف دائم، وهو التقابل السادس. وضرب مثلاً لمكث العلم واستقراره في القلوب للانتفاع والحمل والِإبلاغ، استقرار الماء ومكثه لانتفاع الناس به في السقي والازدراع، وهو التقابل السابع. وأما المثل ففيه مقابلات بين المثل والممثل: ضرب الله المثل بما توقد عليه النار في ابتغاء الحلية والمتاع، لما في القرآن من فائدة العلم والعمل، فالحلية المتخذة من معدن الذهب والفضة
следующие страницы →