وخلص من علم اللغة معرفة الكف، والقدم، والرجل، والقلب، وانظر في وجه الاستعارة لذلك بين الشيئين عند استوائهما في روح المعنى المعبّر به عنهما.
واعلم أن روح الكف القبض والتحصيل، وأن روح القدم السعي عليها تارة والرفس بها أخرى عند الغضب، وأن روح النزول إحياء البقعة بالتحسين والتحصين بتفقد الأحوال وإصلاح الاختلال، فهو سبحانه الذي تنزل وينزل وهو خير المنزلين (١).
والكل فعله لا وصف يقوم بذاته، وإلى هذا المعنى أشار الأوزاعي (٢) -حبر الشام- ﵁ حين سئل عن قوله: "يَنْزِلُ رَبُّنَا" قال: "يَفْعَلُ الله مَا يَشَاء" (٣).
ورتب على هذا لطائف الباري بعبده بحسب ما تنتهي قوّتك في الحفظ والتركيب.
وإن عجزت، أو خفت وعر الطريق وخطر المشي، وما يحدث في
стр. 562
المفازات من الآفات، وَزَادُكَ في الحفظ طفيف، ومطيتك التي هي فكرتك نِضْوٌ، فقف عند الإيمان والتسليم بما ورد له، واعتقد التقديس لمن قال وصمم على أنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] (١) فإنها مهيع نجاة، إليها لجأ السلف لوجهين:
أحدهما: تقية التغرير بالعامة.
والثاني: خطر الطريق، ومعاينتهم لما جرى فيها من الابتداع لمن سلكها نضواً بغير زاد، فأفضوا إلى البدعة.
وإن أردت أن تسلك في قانون التأويل طريقة أخرى، فالطرق إلى الله كثيرة، فانظر في مورد القول قرآناً وسنة، فإن كان قرآناً فقد سقط عنك النظر في طريقه، وتجرّد النظر في المورد.
وإن كان سنة تعيّن عليك النظر في طريقه أولاً كما ثبت في كتب "الأصول"، ثم تقرن كما بيناه في سلوك طريق العلم إلى العلم، والظن إلى الظن، وتنظر في دلالة اللفظ على المعنى، ثم تنظر هل هو اعتقادي أو عملي؟ في رب أو مربوب؟ وتأخذ لكل واحد قانونه من مواضعه التي بيناها في "المتوسط" (٢) وغيره، وإن تعذّر عليك شيء في طريق النظر فالمعيار الأكبر كتاب "المشكلين".
стр. 563
مثل قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ... إلى قوله ... كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].
قال الإِمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁:
ها هنا خمسة معان:
الأول: ضرب المثل بالماء كناية عن الوحي، وضرب المثل بالمعادن الجوهرية في حلية أو متاع كناية عن الحق.
الثاني: ضرب المثل بالزبد كناية عن الباطل.
الثالث: ذكر تقسيم الماء، وذكر تقسيم الجواهر.
الرابع: تخصيص الماء وحكمته.
الخامس: تخصيص النار وذكرها.
مقدمة:
لو ذكر الله ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ... إلى ... الْأَرْضِ﴾ ولم يقل ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ لجَرى الكلام على ظاهره، ولم نتعرض لتأويله، ولا قَرَّرْنَاهُ دلالة على التوحيد؛ لأنه تنزيل لا يفتقر إلى تأويل، وإنما هو مجرد إنعام وخبر عن امتنان بما ذكر من تعديد النعم في الماء والمعادن، فلما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ علمنا أنه في مقتضاه ضرب مثل للحق والباطل، فَفَهِمْنَا مَا فَهَّمَنَا رَبُّنا.
وشيوخ الصوفية تسلك هذا في كل آية، فربما أوقعهم ذلك في غواية، لأنه تكلّف ليس له نهاية.
стр. 564
مقدمة ثانية:
فإذا عرفتم هذا، فلا بد من معرفة الحق والباطل أولاً، وقد بيناهما في كتب "الأصول" وأحسن بيان في كتاب "الأمد الأقصى" (١) لاختصاره لفظاً واستيفائه معنى، فالحق ما فيه فائدة مقصودة، والباطل ضدّه (٢)، وفي ذلك تقابلات بين المثل والممثل به.
فضرب الله للحق والباطل الماء مثلاً، فإنه خلقه حياة للأبدان، كما أنزل القرآن حياة للقلوب، وهو التقابل الأول.
كما ضرب امتلاء الأودية بالماء امتلاء القلوب بالعلم، وهو التقابل الثاني.
стр. 565
وضرب الأودية الجامعة للماء مثلاً للقلوب الجامعة للعلم، وهو التقابل الثالث.
وضرب قدر الأودية في احتمال الماء لسعتها وضيقها وصغرها وكبرها مثلاً لقدر القلوب في سعتها بانشراحها، وضيقها بالحرج فيها، وهو التقابل الرابع (١).
وضرب مثلاً للسيل واحتماله ودفعه ما يلقى في طريقه من الحصيد والهشيم وما يجري به من الجميل، لما يدفعه القرآن من الجهالة والزيغ ووسواس الشيطان والشكوك، وهو التقابل الخامس.
وضرب مثلاً رمي الزبد وذهابه جفاء عالياً، لما يدفعه القرآن من ذلك الفاسد كله إذا جرى عليه، ويقذفه عن العلم اليقين الثابت فيه، لأنه في جريان مستمر، والعلم له في قذف دائم، وهو التقابل السادس.
وضرب مثلاً لمكث العلم واستقراره في القلوب للانتفاع والحمل والِإبلاغ، استقرار الماء ومكثه لانتفاع الناس به في السقي والازدراع، وهو التقابل السابع.
وأما المثل ففيه مقابلات بين المثل والممثل:
ضرب الله المثل بما توقد عليه النار في ابتغاء الحلية والمتاع، لما في القرآن من فائدة العلم والعمل، فالحلية المتخذة من معدن الذهب والفضة
стр. 566
مثل للعلم الواجب اعتقاده في القرآن، وهو التقابل الأول.
والمتاع مَثَلٌ ضُرِبَ لما في القرآن من العمل المنتفع به كالانتفاع بالمتاع في جميع تصرفات أنواع العالم، وهو التقابل الثاني.
وكما أن الذهب والفضة موضوعة في العالم لمعرفة مقادير الأشياء، فكذلك القرآن منزل لمعرفة العلوم في العقائد والأعمال، وهو التقابل الثالث.
وكما أن المعادن من الحديد والرصاص والنحاس موضوعة للانتفاع، وكذلك الأعمال موظفة للانتفاع، وهو التقابل الرابع.
وكما أن هذه المعادن لها زبد وخبث، فكذلك الأعمال، وهو التقابل الخامس.
وكما أن النار يتميز -إذا عرضت عليها هذه المعادن- الطيب من الخبيث، فكذلك نور الإِسلام وهو القرآن إذا عرضت عليه العلوم ميّز الحق من الباطل فيها، أو الأعمال ميز النافع من الضار منها، وهو التقابل السادس.
فكل آية من القرآن في العقائد فهي وزان الذهب والفضة، وكل آية في الأعمال فهي وزان المعادن، ويحتمل أن يقال: الذهب والفضة مثال القرآن والسنة، وهو التقابل السابع.
ويبقى وراء هذين القسمين اللذين أشرنا إليهما وبينا التقابل عليهما جواهر من الياقوت والدر والزبرجد والمرجان.
واختلف العلماء في ذلك، فمنهم من أطلق القول، وجعل الكل باباً واحداً، لقوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ [الرعد: ١٧].
وهذه كلها حليّ، ودخلت فيه لأنه يتحلى بها معه، فجعل ذكره أحدهما، والتنبيه على وجه ذكره يوجب دخول هذه معه.
стр. 567
ومنهم من جعلها أمثالًا لعلوم متعددة ومعاني لحكم منفردة فقال: "إن الياقوت الأحمر معرفة الله، وما يليه منها معرفة صفاته، وما يتلوهما في النفاسة معرفة أفعاله، وما يلحق بذلك معرفة رسله، وما يتبع الكل معرفة الأعمال، وما يرتدف عليها معرفة المعاد".
وإذا عرفتم هذه الأنموذجات التي ذكرنا لكم لم يخف عليكم قانون التأويل في التنزيل لجميع علومه.
مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .... ﴾ الآية [يونس: ٢٤].
هذا (١) مثل ضربه الله للإنسان في ذاته وتصرفه وزينته وطمعه وجمعه، ثم كبر سنه وتعجيز أحواله وهجم المنية عليه وتبدد أشلائه وذهاب أحواله، كالماء ينزل من السماء فتنبت به الأرض، ويخضرّ الصعيد، وتظهر الثمار فتسكن إليها نفوس أربابها، فإذا بالجائحة قد أتت عليها، فلم تبق لها أثراً وجعلتها غبراً، وتركتها بعد أن كانت معاينة خبراً.
وقد سمعت بعض الشيوخ يسوق الكلام على هذه الآية سوقاً يصف به حال الإِنسان من ابتدائه إلى انتهائه ثم ينشد:
стр. 568
فَقَدْنَاهُ لَما تَمَّ واعْتَزَّ بالعُلاَ ... كَذَلِكَ فَقْدُ البَدْرِ عِنْدَ تَمَامِهِ (١)
والبدر مثل الِإنسان في أحواله، به شبهه المتطببون والمحسنون لوجهه، المحملون والمرفعون لمكانه والمعظمون، وتأخذ المعاني هكذا إلى آخرها على قدر الحفظ وسعة الباع في التركيب، وبحسب ذلك نقول:
إن قَدَّرْتَ أن الماء الذي به كان في الدنيا ما كان، لا يستنزل بالحيلة، كذلك الدنيا لا تستنزل إلاَّ بالقسمة، قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] (٢).
وأبدع من ذلك:
إن المطر وإن كان لاَ يَتَأتَّى إلا بالتقدير، فقد يستسقى على الرزق وإن كان بالقسمة، فإنه يتعرض فيه للكسب، قال النبي ﷺ : "لَوْ أنَكُمْ تَوَكلْتُم عَلَى الله حَق تَوَكُلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطيْر تَغْدُوا خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً" (٣).
стр. 569
فيعترض لك ها هنا مقام التوكل فتقتصر فيه على قدر طاقتك ومقام التفويض فاذكر منه ما يحسن، وركِّب عليه الاستسقاء بمَجَادِيحِ (١) السماء، والاكتساب للمعيشة التي بها قوام الحوباء (٢).
وتزيد عليه إن استطعت فتقول: بأن الماء فيه حكمة عظيمة، وهو أنه سبب الحياة في حين، فإذا طغى كان سبب الهلاك في الحين، وكذلك المال في المعنى، إذا ملكه العبد على قدر قام به معاشه، ويتفرغ لعبادة ربه، وإذا طغى عليه أهلك دينه.
وتتسع فتضرب الأمثال وتسوق الأخبار، وتبدأ بما عرض للنبي ﷺ مع
ثعلبة إلى آخر زمانك.
وتذكر عليه كما حديث ينظر إليه كقوله: "إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حلْوَةٌ" (٣).
وكذلك: "إِنَّ الخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلا بِالخَيْرِ" (٤).
وإن المال قد يكون شراً، وتجمع في ذلك بين الأثر والنظر، وتنشد إن كنت صوفياً:
نِعَمُ الله لَا تُعَاب وَلَكِن ... رُبمَا استقبحت عَلَى الأصْحَاب
стр. 570
وتبين أن العيب إنما هو في العبد لا في المال، فإن المال آلة كالسيف يقتل به الكافر جهاداً ويقتل المؤمن به فساداً في الأرض وعناداً.
وأغرب من ذلك أن الماء إذا كان جارياً طاب، وإذا لبث أجن، وكذلك الدنيا، والمال إن جدت بالعطاء طاب ولم ينقطع، وإن حبست بالبخل أنتن.
وأغرب منها أن الماء إذا كان طاهراً حلّ للشرب والطهارة، وإذا كان نجساً فبالعكس منه، فكذلك المال إذا كان من حله طابت نفقته وقبلت صدقته، وإذا كان حراماً فإنما يأكل في بطنه ناراً (١)، وكان كما قال الأول:
كَمُطْعِمَةِ الرُّمَّانِ مِنْ كَسْب فرجها ... فَيَا لَيْتَ لَمْ تَزْنِ وَلَمْ تَصدقِ (٢)
وإذا زدت في التمثيل واستوغلت مع أرباب الإشارة، وأخذت من أقوالهم ما يقرب قلت: إن الربيع إذا تَم نورت أشجاره، وظهرت أزهاره، وتهدّلت ثماره، واخضرّت رباعه، وتزينت بالنّبات وهاده وتلاعه، فلا بد أن تنزل بذلك كلّه آفة من غير ارتقاب، ويأتي عليها ما لم يكن في حساب، كذلك الدنيا، بينما المرء يكون فيها مقبلاً في شبابه بين أترابه، إذا به قد استلب من أثوابه، فإذا رآه المعتبر أنشد:
عَيْن أصَابَتْكَ إنَّ العَيْنَ صَائِبَة ... وَالعَيْنُ تسْرعُ أحْيَاناً إِلى الحُسْنِ (٣)
стр. 571
وبينما تكون للعبد أحواله الصافية وأعماله الزاكية، تدركه سوء الخاتمة، فتتكدر مشاربه، وتخبث مذاهبه، فإذا رآه العالم قرأ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ...... ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٥].
ويأخذ في بيان حكمة الله سبحانه في إنفاذ إرادته، ووجوب تقديره، وحسن تدبيره وعدله في قضائه، وأنه الظاهر (١) بما ترى من الاستدراج لأعدائه، الباطن (٢) بما يظهر من غيب قضائه، كما أنه الظاهر لأوليائه بما يظهر من بلائه، الباطن بما يعطي من ثوابه.
وتسوق في ذلك كلّه ما يحضرك من أمثاله، وتختم القول بأن الهدى هدى الله، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ (٣). وهذا قانون بديع مستوفى.
تمثيل:
ونحوه من قول النبي ﷺ : "أيُّهَا الناس، وَاللهِ مَا أخْشَى عَلَيْكُم إِلا مَا يُخْرِجُ الله لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُنْيَا، قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا زَهْرَةُ الدنْيَا؟ قَالَ: بَرَكَاتُ الأرْض، فَقَالُوا أو قَالَ رَجُلٌ: أيَأْتِي الخَيْرُ بالشَر، قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ الله ﷺ ، فَقُلْنَا: مَا شَأنُك تُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ وَلَا يُكَلمُكَ؟ قَالَ: وَرَأينَا أنَهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ، فَأفَاقَ يَمْسَحُ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، وَقَالَ: أيْنَ السائِل وَكَأنَهُ حَمِدَهُ فَقَالَ: إِنَهُ لَا يَأْتِي الخَيْر إِلا بِالخَيْرِ ثَلَاثاً، وَإِنَ مِمَا يُنْبِتُ
стр. 572
الربيعُ يَقْتُلُ حَبَطاً أوْ يُلِم، إلاَّ آكِلَةَ الخَضِرِ، فَإنهَا أكَلَتْ، حَتى إذاً امْتَلأت خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشمْس فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُم رَتَعَتْ، وَإن هَذَا المَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلَم لِمَنْ أعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَاليَتِيمَ وَابْنَ السبِيلِ، وَإن مَنْ يَأخُذهُ بِغيْرِ حَقهِ، فَهُوَ كَالذِي يَأكُلُ وَلَا يَشْبَعُ" (١).
فضرب النبي ﷺ مثلًا لستة:
الربيع، البهيمة الهالكة بالأكل، آكلة الخضر، الشمس، ثلطت وبالت، عادت فأكلت لستة: لصاحب المال، الهالك بجمعه وإيعابه، المجتزىء منه باليسير الكافي، نور الإِسلام، إذا لحق عاد فاكتسب.
فانظروا -رحمكم الله- كيف يتحصل هذا المثل للمعتبرين مع سلوك سبيل المهتدين، لكن بالِإيجاز مع هذا الاستيفاء.
وذلك أن المال في لسان الشريعة خير محمود، ومعنى ممدوح، كما قال: "نِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ هُوَ" بعد ذلك، ومع أنه خير في القرآن، ونعم الصاحب في الحديث، فإنه مخوف العاقبة، لاحتماله النفع والضر، ووجود
стр. 573
ذلك مشاهد فيه، والسائل في الحديث: أيكون الخير المرجو يأتي بالشر المخوف؟ سأل ذاهلاً عن انقسام حال المال، وعن غلبة الشهوة في اكتسابه، وتصرف النفس فيه بأنواع لذاتها.
فبين لنا النبي ﷺ : "أن الخَيْرَ لَا يَأتِي إِلَا بِالخَيْرِ"، بالوحي المنزل عليه، وأكد ذلك ليقوي ثبوته في قلب السائل، ويتحقق أن ما صدر عن النبي ﷺ كان عن علم أسمعه بيانه بعد ذلك.
فوقع التمثيل في البيان بين المال والمكتسب له، والبهيمة ورتعها في زهرة الربيع، وهو التقابل الأول.
وبين القتل حَبَطاً أو الِإشراف على الموت حساً، وبين الهلاك في الدين، أو مقاربته حكماً إِن لم يتداركه، وهو التقابل الثاني.
وبين المقتصر على كسب المال بقدر الكفاية، وبين البهيمة المجتزئة بالخضر، وهو التقابل الثالث.
وبين الاهتداء بنور الشريعة في المال، وبين استقبال الماشية الشمس على طريق الاستمراء والاستراحة مع الرتع، وهو التقابل الرابع.
وبين الثَّلط والبول اللذين كان يعودان -لو بقيا- على الماشية بالهلكة، وبين أداء الحق، وهو التقابل الخامس.
وبين العود إلى الأكل بعد الاستراحة، وإخراج الفضل، وبين العود إلى كسب المال بعد أداء الحق وهو التقابل السادس (١).
وهذا التقسيم واجب في الحديث، ظاهر في التأويل، صحيح في
стр. 574
التمثيل، لا غبار عليه، إلاَّ قولنا: إنّ الثلط والبول مثلين لممثل واحد، وقد يحتمل أن يكونا مثلين لممثلين وهو أظهر، وإن كان النبي ﷺ قد قال في الصدقة: "إنمَا هِى أوْسَاخُ الناسِ" (١). ولذلك لم تحل لمحمد، وآل محمد في أحد القولين (٢).
ومثلها النبي ﷺ مرة أخرى برحاضة رجل بادن في يوم حار (٣)، وتلك
قذارة عظيمة.
ولعله أراد به تمثيل مثلين وهما الزكاة والنفقة في سبيل الله، أو الزكاة والحقوق التي تعرف على قول من يقول: إن في المال حقاً سوى الزكاة والحقوق القريبة والمنافع البدنية المختصة بمنفعة الإنسان.
ومما قيدناه في الحديث قوله: "إلاَّ آكلة الخضر" فإنها تقيد بفتح الخاء وكسر الضاد، وتقيد أيضاً برفع الخاء وفتح الضاد.
واختلف الناس في تفسيره، فمنهم من جعل "الخَضِر" -بفتح الخاء وكسر الضاد- بعض الخُضَر -بضم الخاء وفتح الضاد-، والصحيح أنه واحد
стр. 575
كناية عن الشيء المعجب، وضرب مثل له، والذي قيده بفتح الخاء وكسر الضاد ذكر أنه نبات صيفي تجتزىء به الماشية (١).
والصحيح في التمثيل أنه نبات معجب يحلو للماشية، فمنها ما يرتع حتى يحبط، ومنها ما يرتع حتى إذا امتلأ استراح إلى الثلط في عين الشمس ... الحديث إلى آخره ...
فهذا نكتته، واستفاؤه على العموم مذكور في "شرح الصحيحين".
وقد كنت في وقت قراءتي هذا الحديث على أبي بكر النجيب بن الأسعد ابن المبارز الزاهد (٢) بمدينة السلام، أخبرني عن الأزهري (٣) أنه قال:
"في هذا الحديث مثلان ضربهما النبي ﷺ ، أحدهما للمقتصد في جمع الدنيا، والثاني للمفرط فيها".
ثم تَأمَلْتُهُ فَجَمَعْتُهُ على هذا الترتيب المستوفي للغرض المقصود. فإن قيل: لقد جلبت أمثالًا لا نعلم لها مثالاً، وسردت أقوالاً جدت فيها مقالاً، ورتبت فصولاً نظمتها تثقيفاً وتحصيلاً، فهل نسري بها في ليل الإشكال، ونضربها في جميع الأحوال؟.
стр. 576
فالجواب أنا نقول:
الأصل ألَاَّ نضرب للباري مثالاً؛ لأنه لا مثل له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقد قال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤].
وَتَمَّمَ المعنى في آية أخرى فقال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
ومن أخذ معرفة الحق من الخلق بالمعنى المطلق فقد ألحد وأخفق.
والقانون في ذلك يدور على ثلاثة أقطاب:
القطب الأول:
إن كل معنىً دار بين المخلوقين، فدونكم وإياه، واضربوا له الأمثال، وكَثَّرُوا فيه بالمثال، ونوِّعُوا فيه بالأقوال، واسترسلوا على نظام المعنى في المقال، وأما المعنى المتعلق بالباري سبحانه، فلا تضربوا لله الأمثال ابتداء، إلاَّ ما ضرب لنفسه، وغايتكم فهم المقصود.
ومن هنا زاغت طائفة كثيرة من الصوفية، فاسترسلت في ضرب الأمثال واستعارت الألفاظ، ونقلتها من المخلوق إلى الخالق، وذلك ابتداع.
القطب الثاني:
الاستدلال على ذاته وصفاته من مخلوقاته بوجوه الأدلة التي رتبها العلماء وحصروها في أربعة أشياء:
стр. 577
"العلة والمعلول، والحقيقة والمحقق، والشرط والمشروط، والدليل والمدلول" (١).
ونحن لا نراها، فإنها بحار لا ساحل لها، وإن كان ركّبها علماؤنا في سفائن نجاة، فما أراهم عن الوهم فيها بنجاة، والأولى بكم العدول عنها إلى وجوه الأدلة التي رتبناها في "المتوسط" (٢) و"المقسط" و"المشكلين" وسائر العقائد والتأليفات، إلاَّ أن يجد المرء لُبَانَةً (٣) في ذهنه، وفراغاً من وقته، وهمة تنتهي به إلى المقصود، فلا بأس بها له، ليرى فضل سائر الطرق عليها، ويشرف على المقصود منها.
القطب الثالث:
وهو الرد على المبتدعة في كل ما شبّهوا به ربهم ومثّلوه بخلقه، فتسامح العلماء إذا رأوا لها مثالاً أن ينشؤوا لهم تمثالًا ينقض مثالهم، ليضربوا بين أقوالهم حتى يظهر غلطهم، ويتضح سقطهم، وذلك بين في أمثلة الصّلاح
стр. 578
والأصلح (١)، والتعديل والتجوير (٢)، وهو جائز باتفاق من الأمة.
ونضرب لكم منها مثالين:
المثال الأول:
قال القدرية (٣): "الباري لا يفعل القبيح لعلمه بقبحه وغناه عنه، بل يجب عليه فعل الحسن النافع المصلح للخلق".
وضربوا لذلك مثالاً:
"إن حَكِيماً لَوْ مَرَّ بِأرض مضيعة فيها غريب مهين، فالحكمة تستحثه على إنقاذه، والباري أحكم الحاكمين".
قال لهم العلماء (٤): الحكيم منا إذا علم من عبده أنه إذا أمده
стр. 579
بالعدد والعدة، ووسّع عليه في المال والنعمة عصاه وصرفه في مخالفته، لم يُؤْتهِ شَيْئاً من ذلك، وإن آتاه إياه سلبه إذا رآه عصاه، والباري يرى المردة وما يفعلون في نعمه عندهم، وقد علم ذلك منهم قبل فعلهم، وعلمه بعد فعلهم وتركهم، وهذا لأن الأفعال في حقه لا تتفاوت.
والحكيم الذي يلقى الإِنسان بالمضيعة يحمله على استنقاذه رقّة الجنسية وطلب المحمدة، والرب يتعالى عن ذلك.
المثال الثاني (١):
قال المبتدعة: يجب على الله رعاية الأصلح.
قال لهم علماؤنا: ما قولكم في ثلاثة أطفال، مات أحدهم صغيراً، وعمّر الآخر مسلماً مطيعاً، وأخر الثالث كافراً؟.
فالعدل عندكم أن يُخَلَّد الكافر في النار، وأن تكون رتبة المسلم البالغ في الجنة أعظم من رتبة الصّبيّ.
стр. 580
فإذا قال الصّبيّ: يا رب لِمَ حططت رتبتي عن هذا؟.
قال: لأنه أطاعني.
فيقول له: أنت قطعت بي، لو عمرتني عمره لأطعتك طاعته، فلا جواب عندهم له، إلا أن يقول: علمت أني إن فعلت ذلك كفرت، فيناديه الكافر من أطباق الجحيم: فإن علمت بكفري لم عمّرتني؟.
فلا جواب لله عندهم عنه -تعالى الله عن قول الظالمين علواً كبيراً-.
وعندنا أن الباري يفعل ما يشاء من غير وجوب، ويحكم ما يريد سبحانه.
стр. 581
ذكر أمثلة من القانون عند الانتهاء إلى هذا المقام من بيان مقدماته
وهي ثلاثة أنواع في العلوم، الثلاثة تنبهك على الغرض.
النوع الأول: في الوحيد
قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) [البقرة: ١٦٣]
стр. 582
هذه الآية أصل في التوحيد فقصدنا إليه لبيان المطلوب، وذكرنا فيه اثنين وعشرين سؤالاً:
الأول: علام عطف قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾؟
الثاني: ما معنى قوله: ﴿إِلَهٌ﴾؟
الثالث: لم عدل عن قوله: ﴿الله﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾؟.
الرابع: ما وجه هذه الإِضافة؟.
الخامس: أي الإضافتين أشرف، قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ أو قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ [الإسراء: ٦٥].
السادس: ما وجه تكرار قوله: ﴿إِلَهٌ﴾ وكان يكفي أن يقول: وإلهكم واحد؟.
السابع: ما معنى قوله: ﴿وَاحِدٌ﴾؟
الثامن: ما معنى النفي في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؟
التاسع: ما المنفي بالنفي؟.
العاشر: ما معنى قوله: ﴿إِلَّا﴾؟.
الحادى عشر: ما المثبت؟.
الثاني عشر: ما المنفي؟.
الثالث عشر: ما معنى قوله: ﴿هُوَ﴾؟
الرابع عشر: وجه تكرار ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وقوله: ﴿وَاحِدٌ﴾ يقتضيه؟.
الخامس عشر: ما معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾؟.
السادس عشر: ما معنى ﴿الرَّحِيمُ﴾؟
стр. 583
السابع عشر: ما متعلقهما؟.
الثامن عشر: ما دليل التوحيد؟.
التاسع عشر: ما دليل وجوبه؟.
الموفي عشرين: ما وجه تكرار ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾؟
الحادي والعشرون: ما وجه الحجر بتسمية "الله" والِإذن في سواه؟.
الثاني والعشرون: ما وجه الحكمة في أنه ختم الآية ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ دون غيره من الأسماء؟.
وفيها أسئلة كثيرة هذه أمهاتها، وما يجري في إثباتها يدل عليها.
فأما الجواب فتنفرج أبوابه، وتمتد أطنابه، وليس فيها سؤال إلاَّ ويحتمل مجالس وأقلّها مجلس واحد، ولكنا نليح لنكت من أغراض العلماء يسيرة تشير إلى ما وراءها من البيان فنقول:
أما السؤال الأول:
فإنما عطف قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ على ما سبق من ذكره سبحانه بالِإلهية والملك والخلق والعبادة والهداية والاختراع والتصريف والتقدير والتدبير والتكليف، ثم قال: وإلهكم الذي له ذلك كله، واحد ليس له شريك ولا نظير ولا وزير ولا مشير.
وأما السؤال الثاني:
فقد بينا معنى "الإِله والإلهية" في كتاب "الأمد الأقصى" (١) و"شرح المشكلين" فلينظر فيه.
стр. 584
ونكتته: أن الإله هو المعبود، وهي الفائدة التي لأجلها خلق الخلق، قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وأحد معاني قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥].
وهو الثابت وجوده ووجوبه، الزاهق ضده وهو الباطل المبين في قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١].
مع فائدته الثانية وهي الثواب والعقاب.
وأما السؤال الثالث:
فإن قولنا: "الله" أكمل وأفضل من قولنا: "إِله" ولكنه لَمَّا أراد في ذلك الإضافة، عدل إلى الاسم الذي تنتظم معه الإِضافة ها هنا، هذا أقوى ما فيه، وقد أملينا غيره في "أنوار الفجر في مجالس الذكر".
وأما السؤال الرابع:
ففيه أجوبة أقواها أنهم كانوا يضيفون أنفسهم إلى اللات والعزى والكعبة وغيرها، فأضافهم إلى نفسه، كأنه قال: ومعبودكم ورازقكم وكافيكم ومبتليكم ومكلفكم ومصرفكم وهاديكم ومضلكم واحد، ليس له شريك، وهو الرحمن الرحيم.
وأما السؤال الخامس:
فإن إضافة الإِلهية أشرت من إضافة العبودية؛ لأن العبودية وصفك، والِإلهية وصفه، ولأن العبودية وصف خاص، والإِلهية وصف عام يتضمن العبادة وسواها.
стр. 585
وأما السؤال السادس:
ففيه جواب أول في النظر وهو: التأكيد، وذلك مقصود في الفصاحة، كثير في الورود.
وفيه جواب ثان بعد التأمل، وهو أنه لما أضافه إليهم ليعرفهم به، حدده ليفرده بالوحدانية حتى تبين الإِضافة، إلى غير ذلك من فنون المعنى وهي طويلة جداً.
وأما السؤال السابع:
فإن كلامه صعب عريض، هو عند العلماء مختصر أريض (١)، تقول هو واحد لا يتجزأ واحد لا نظير له، واحد لا يثنى، واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في مخلوقاته (٢)، وابسطه فإنه يملأ الأرض.
стр. 586
وأما السؤال الثامن:
فإن النفي هو عدم الموجود، أو ردّ المقول عن الصحة والقبول.
وأما السؤال التاسع:
فإن المنفي بـ "لا" هو الثاني أبداً في الجملة، وذلك لنكتة بديعة وهي أن النفي متى تعلق بالمقول فإنه يتعلق بالواحد والثاني وما بعده أبداً، ومتى تعلق بالقول لم يكن إلاَّ في الثاني وما بعده.
وأما السؤال العاشر:
فإن كلمة "إلا" موضوعة للاستدراك فيما فات بيانه بالقول الأول، فتخرجه عن ذلك إلى ضده، وفيها تطويل بيانه في كتب "أصول الفقه" (١).
стр. 587
وأما السؤال الحادي عشر:
فإن المثبت بها هو الأول الذي قصد بالنفي بعده نفي الاشتراك معه، ولم يمكن النفي إلاَّ بأن يأتي بعده إثبات للحكمة التي بيناها.
وأما السؤال الثاني عشر:
فإن المثبت هو المنفي، لكن بأخص من لفظ النفي مع كمال المعنى.
وأما السؤال الثالث عشر:
فإن كلمة "هو" ضمير في اللغة صار بعرف الِإلهية والانفراد بالملك ظاهراً في الله، وقد قدمنا قول أهل الزهد فيه (١).
وأما السؤال الرابع عشر:
فالجواب مأخوذ فيه من فن الكلام مع الكفار بما نصب الله من الأدلة في كتابه عليه، وأعظم ما فيه ما قدمناه مما نبه عليه في قوله: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١].
فتمسكوا به، فلا أبلغ منه، واذكر سواه، وابسط تمامه، واستوفي المقصود وقد وجدت مكان القول ذا سعة، فإن وجدت لساناً قائلًا فقل.
وأما السؤال الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر:
فقد بيناه في كتاب "الأمد الأقصى" (٢) مختصراً، وفي كتاب "المشكلين" مستوفى.
стр. 588
وأما السؤال الثامن عشر:
وهو وجوب دليل التوحيد، فإنها دقيقة لم يتفطن لها العلماء، وقد مهدناها في موضعها، لبابه:
إن ظاهر هذا الدليل يعطيك أنه لو كان في السموات والأرض، إلهان لفسدتا، وتمامه أن يقال: فهبكم فسدتا، فماذا يلزم عليه؟ وماذا يؤول إليه؟ وماذا ينبني على فساد المخلوقات كلها إذا لم يتعرض ذلك إلى الخالق، ولا عاد عليه؟.
وهذا سؤال حادّ وجهته المعتزلة، إذ كرهت هذه الدلالة لأنها قرآنية وعدلت إلى دلالة الفلاسفة، وهي استحالة الكثرة في العلة (١).
الجواب عنه ظاهر من طرق، أعربها ما قصد إليه لسان الأمة (٢) من أن ذلك يؤدي إلى تناهي المقدورات، وإنما قصد ذلك لأنهم بقولهم: "إن العبد خالق" تتناهى مقدورات الله، فأراد أن ينكاهم في قرحتهم.
стр. 589
وأما أنا فأقول بقول غيره، وهو أنه يؤدي إلى سلب القدرة، وإبطال الإلهية، وذهاب الوجودية، وقد مهدناه في موضعه.
وأما السؤال التاسع عشر:
ففائدته أنه كما كرّر "إله" في الإثات لمزيد البيان، كرر النفي زيادة للبيان، فإن قوله: "واحد" إثبات ونفي، فأكد بقوله ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ معنى النفي الذي اقتضاه قوله "وَاحِدٌ".
وأما السؤال الموفي عشرون:
فقد بلغنا من البيان فيه الأمد في كتاب "الأمد" (١) والرحمة باب واسع في المقال والفعال، والله يوجب لنا منه أفضل المنال، وفيه بيان "الرحيم" والمتعلق بهما وتكرارهما.
وأما السؤال الحادي والعشرون:
في الحجر والإذن، فهو غريب، وللعلماء فيه منازع، أقواها الآن عندي أن الباري سبحانه قبض العباد عن بعض الأفعال، وأرسلهم على جميع الأقوال، فجعل من أعظم دلالته عليه قبض أقوالهم عن اسم من أسمائه.
وقال أهل الزهد: بدأ الآية باسم الإلهية، فلو ختمهما بها لهلكوا، ولكنه تداركهم بوصف الرحمة فبقوا.
стр. 590
وأما السؤال الثاني والعشرون:
فقد اندرج أحد الجوابين فيه الآن في السؤال الحادي والعشرين، وفيه جواب آخر وهو أنه ختمه بأعم الأوصاف في تناول الأفعال، وقد قيل غير ذلك.
وفي هذا كفاية أنموذج القانون، ودستور في التأويل.
وفي حديث أبي عاصم النبيل (١) أن هذه الآية وقوله: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]، هو اسم الله الأعظم (٢)، وذلك بما تضمنتا من أسماء الجمال، وصفات الكمال، ومتعلقات الأفعال لله سبحانه.
وقد حضر عندي بعض المفتين في الوقت، وأنا أتكلم على هذه الآية في مجلس الذكر ثم كمل، وأتبعته القول في زكاة الفائدة وتفريقها في اجتماعها مع زكاة الدَّيْن وانفرادها، فلما أكملت قال لي: ما ظننت أن في الدنيا من يعلم هذا، ولكنه أمر لا يقدر عليه.
وكان بعد ذلك اليوم معترفاً بالتقصير، مُسَلِّماً في العلم.
стр. 591
النوع الثاني: في الأحكام
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] (١).
فيها سبع عشرة مسألة:
المسألة الأولى:
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ يحتمل أن يريد به أزواجك اللاتي نكحت، وهن أربع وعشرون (٢) بيانها في شرح الصحيح (٣)، ويحتمل أن يكون المراد به من تنكح.
المسألة الثانية:
قوله: ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ فسمى الصداق أجراً وجعله عوضاً كالبيع، وتحقيق ذلك قد مضى في سورتَي "النساء" (٤) و"القصص" (٥) من كتابنا أعني كتاب "أحكام القرآن".
стр. 592
المسألة الثالثة:
قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ يصح أن يكون خبراً عما مضى، ويحتمل أن يكون إذناً في المستقبل، فإذا كان خبراً عن المستقبل، ففائدته أن الله تعالى أباح نكاح من آتاه أجره من النساء، أو وهب له نفسه، وإن كان خبراً عن ما مضى، فتكون فائدته الامتنان عليه.
المسألة الرابعة:
قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أباح الله له ما شاء من الإماء من غير حجر ولا تعديد، فكان له منهن: مارية القبطية (١)، وريحانة اليهودية (٢)، وصفية بنت حيي (٣)، ثم تزوجها بعد فانتقلت إلى الأزواج.
المسألة الخامسة:
قوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾، النبي ﵊ كل الخلق من النساء مباح له أن يتزوجه، وإنما خص القرابة لوجهين:
أحدهما: به أمس وإليه أقرب.
стр. 593
الثاني: أن المفسرين قالوا: إن الآية نزلت على سبب، وذلك أن النبي ﷺ خطب أم هانىء (١) بنت عمه أبي طالب، فاعتذرت إليه، ثم أنزل الله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ ... الآية إلى قوله: اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ وكانت أم هانئ من الطلقاء فلم يحل الله له نكاحها (٢).
المسألة السادسة:
قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ وفي سبب نزول ذلك خمسة أقوال:
الأول: أنها نزلت في شأن ميمونة بنت الحارث (٣) خطبها للنبي ﷺ جعفر بن أبي طالب (٤)، فجعلت أمرها إلى العباس (٥) عمه (٦)، وقيل وهبت
стр. 594
نفسها له، قاله الزهري (١)، وعكرمة (٢)، ومحمد بن كعب (٣)، وقتادة (٤).
الثاني: أنها نزلت في أم شريك (٥) الأزدية، وقيل العامرية (٦) واسمها غُزَية وهو الصواب (٧)، قاله: علي بن الحسين (٨)، وعروة (٩)،
стр. 595
والشعبي (١).
الثالث: أنها زينب بنت خزيمة أم المساكين (٢).
الرابع: أنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط (٣)
الخامس: أنها خولة بنت حكيم السلمية (٤).
تحقيق:
أما نزول الآية فلم يرد من طريق صحيح، وهذه الأقوال ليس لها خطم ولا أزمة.
стр. 596
وقد روي عن ابن عباس ومجاهد (١) أنهما قالا: لم تكن عند النبي- ﷺ امرأة موهوبة (٢).
وروى مالك والأئمة أن امرأة جاءت النبي ﷺ فقالت: يَا رَسُولَ الله! إني قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ. فَقَامَتْ قِيَاماً طَوِيلاً، فَقَامَ رَجُل، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله زَوَّجْنِيهَا، إنْ لَمْ تَكُنْ لكَ بِهَا حَاجَةٌ.
فَقَالَ رَسُولُ الله: هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ تُصْدِقُهَا إياهُ؟.
فَقَالَ: مَا عِنْدِي إلاَّ إزَارِي هَذَا!.
فَقَالَ رُسُولُ الله: إنْ أعطَيْتَهَا إياهُ بَقيتَ لَا إزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئاً.
قَالَ: مَا أجِدُ شَيْئاً!.
قَالَ: فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ.
فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله: هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟.
قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، سَماهُمَا.
فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : قَدْ أنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ (٣).
стр. 597
وقد تكلمنا على الحديث في سورة النساء (١) والقصص (٢) بما يتعلق بالقرآن منه، واستوفيناه في شرح الحديث، وهذا هو المقدار منه في ذكر الموهوبة الذي صح نقله وثبت سنده.
والغرض الأعظم منه ها هنا هو أن النبي ﷺ لما قالت له المرأة: "قَدْ وَهَبْت لَكَ نَفْسِي" سكت، فلو كان هذا مما لا يجوز، لما سكت عليه؛ لأن سكوته على الحرام محال كما بيناه في "أصول الفقه" (٣).
فإما أن يكون سكت لأن الآية قد كانت نزلت بالإِحلال، وإما أن يكون سكوته منتظراً بياناً، فنزلت عليه الآية والبيان بالإِحلال والتخيير، فاختار تركها، وزوجها من غيره.
وروى مسلم (٤) عن عائشة أنها قالت: كنْت أغَارُ عَلَى اللَائِي وَهَبْنَ أنْفسَهُنَّ لِرسولِ الله، قَالَتْ: أمَا تَسْتَحِي امْرَأةٌ أنْ تَهَبَ نَفْسَهَا؟.
стр. 598
حتى أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١].
فَقَالَتْ: مَا أرَى رَبَّكِ إِلا يُسَارِع في هَوَاكِ.
فاقتضى هذا اللفظ أن التي وهبت نفسها عدد من النساء، لكنا لا ندري هل نكح منهن واحدة أم لا من طريق صحيح؟.
المسألة السابعة:
قوله: ﴿وَامْرَأَةً﴾ معناه: وأحللنا لك امرأة تهب نفسها من غير صداق، فإنه أحلّ له في الآية قبلها أزواجه اللاتي آتى أجورهن، وهذا معنى يشاركه فيه غيره، فزاده من فضله على أمته فضلاً بهذه الآية، أن أحل الله له الموهوبة، ولا تحل لأحد غيره، وهذا إجماع من الأمة.
المسألة الثامنة:
قوله: ﴿مُؤْمِنَةً﴾ بيان، لأن الكافرة لا تحل له، لأن تخصيصها بالذكر تعليل للحكم، كما تقدم بيانه في سورة النساء (١).
وقال الجويني: "اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه".
والصحيح عندي تحريمها، وبهذا يتميز علينا، فإنه ما كان من جانب الفضائل فحظه فيه أكبر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنه مطهر، يجوز لنا نكاح الحرائر الكوافر من أهل الكتاب، وأحل له المؤمنة خاصة، والذي يحقق ذلك أمران:
стр. 599
أحدهما: أن نكاح الكافرة ومعاشرتها لا يليق بمنصبه الكريم.
الثاني: أنا قد بينا أن من آمن ولم يهاجر لم تحل له لنقصان مرتبتها، فكيف تحل له من لم تؤمن؟ وهي أدنى مرتبة.
المسألة التاسعة:
قوله: ﴿إِنْ﴾ قراءة الجماعة بالكسر على معنى الشرط تقديره: "وَأَحْلَلْنَا لَكَ امْرَأة إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ" لا يجوز تقدير سوى ذلك.
وقد قال بعضهم: يجوز أن يكون جواب ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ محذوفاً، وتقديره: "إن وهبت نفسها للنبي حلت له".
وهذا فاسد من طريق العربية، وذلك بين في "الرسالة الملجئة".
ويعزى إلى الحسن (١) أنه قرأ بفتح الهمزة (٢)، وذلك يقتضي أن تكون امرأة واحدة حلت له لأجل أن وهبت له.
وهذا فاسد من ثلاثة أوجه:
стр. 600
أحدهما: لا يقتضي هذا الإِعراب المعنى، وقد بيناه في "الملجئة".
الثاني: أنها على خلاف قراءة الجماعة، والشاذ من القراءة لا يجوز تلاوة، ولا يوجب حكماً.
الثالث: أنه يوجب أن يكون إحلالها لأجل هبتها لنفسها، وهذا باطل فإنها حلال له قبل الهبة بالصداق.
وقد نسب إلى ابن مسعود (١) أنه أسقط في قراءته ﴿إنْ﴾ (٢) فإن صحّ ذلك فإنما كان يريد أن يبين ما ذكرناه من أن الإحلال لا يقف في الموهوبة على الهبة، بل هو ثابت فيها قبل ذلك، وسقوط الصداق مفهوم من قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ لا من جهة الشرط، وقد بينا أمثاله في سورة النور.
المسألة العاشرة:
قوله: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ معناه أن الخيار بعد هبتها نفسها للنبي، وهذا معلوم، ولكنه خصه بالبيان؛ لأن من مكارم الأخلاق بيننا قبول الهبة في الأموال المبتذلة، فكيف فيمن بذل نفسه، فجعل الله لرسوله الخيار ليرفع عنه هذه الكلفة، وينزهه عن هذه العادة، ويهون على الواهبة الردّ.
المسألة الحادية عشر:
قوله: ﴿يَسْتَنْكِحَهَا﴾ ولم يقل ينكحها، وكأن الاستفعال تكلف