ويقول شوقي:
اتيت والناس فوضى لا تمر بهم ... إلا على صنم قد هام في صنم
والأرض مملوءة جورا مسخرة ... لكل طاغية في الخلق محتكم
مسيطر الفرس يبغي في رعيته ... وقيصر الروم من كبر أصم عم
يعذبان عباد الله في شبه ... ويذبحان كما ضحيت بالغنم
والخلق يفتك أقواهم بأضعفهم ... كالليث بالبهم أو كالحوت بالبلم «١»
وهو هنا يتوجه بحديثه إلى رسول الله ﷺ فيقول: لقد جاء مولدك يا رسول الله والناس حياتهم فوضى، وعقائدهم فوضى، تراهم دائما هائمين أمام الأصنام، ومن يراهم يحسبهم أصناما لا يكاد يفرق بين الصنم الحقيقي، والصنم البشري، وقد أتيت يا رسول الله ﷺ والأرض مليئة بالظلم يسخرها الطغاة لمصالحهم الشخصية، ويتحكمون في خلق الله الضعفاء.
فهذا كسرى في الشرق يتحكم في شعبه بالغي والعدوان، وهذا قيصر الروم في الغرب يتحكم في شعبه بالكبر والظلم، وهو عن الحق أعمى أصم، فهما يعذبان الرعايا من عباد الله بلا تهمة أو جرم، إنما يأخذان بالشبهات، ويعملان فيهم بالذبح كما تذبح الأغنام عند الأضحية. والناس كذلك يظلم القوي منهم الضعيف، ويفترسه كالأسد الذي يفتك بولد الغنم الصغير الضعيف، أو كالحوت يلتقم صغار السمك.
ويقول كذلك:
أسرى بك الله ليلا إذ ملائكة ... والرسل في المسجد الأقصى على قدم «٢»
لما خطرت به التفوا بسيدهم ... كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم
صلى وراءك منهم كل ذي خطر ... ومن يفز بحبيب الله يأتمم «٣»
стр. 107
فيتحدث خلال هذه الأبيات عن مسرى الرسول ﷺ من مكة إلى بيت المقدس بفلسطين حيث يجد الملائكة وكل الرسل ينتظرونه قائمين مرحبين مستبشرين برؤية خاتم النبوة ويصف دخول الرسول ﷺ ساحة المسجد حيث التف حوله كل من كان حاضرا في هذه الليلة التفاف المرؤوسين حول الرئيس أو القوم بسيدهم والنجوم بالبدر أو الجند حول الراية، ويتقدمهم ﷺ ليأمهم في الصلاة ويصلي وراءه كل الأنبياء والملائكة، ويؤكد شوقي في هذه الأبيات أن كل من يؤمه الرسول فهو فائز في الدنيا والاخرة.
ويقول:
جبت السماوات أو ما فوقهن بهم ... على منورة درية اللجم «١»
ركوبة لك من عز ومن شرف ... لا في الجياد ولا في الأينق الرسم «٢»
مشيئة الخالق الباري وصنعته ... وقدرة الله فوق الشك والتهم
وهنا يتحول شوقي في حديثه إلى المعراج حيث بدأ من المسجد الأقصى صعودا إلى السموات العلا ويصف رحلته على البراق، الدابة التي أوجدها الله لتكون وسيلة لنقل الرسول ﷺ خلال رحلته إلى السماوات ولكونها من خلق الله المكرمين فهي دابة قدسية منورة ذات لجام من الأحجار الكريمة والدرر وجعلها ركوبة لسيدنا ونبينا محمد ﷺ كنوع من التشريف والتكريم وليس لها نظير لا بين الجياد ولا بين النوق العربية السريعة فهي معجزة من معجزات الله لتكريم محمد ﵊ ولوضعه في المكانة اللائقة به كخاتم للأنبياء والمرسلين.
ويمضي في حديثه عن المعراج فيقول:
حتى بلغت سماء لا يطار لها ... على جناح ولا يسعى على قدم
وقيل كل نبي عند رتبته ... ويا محمد هذا العرش فاستلم
стр. 108
ليصل بنا السماء السابعة حيث لم يصل إليها أي إنسان ولا أي نبي من قبل لا على الأقدام ولا بمعجزة من المعجزات وعندما وصل الرسول الكريم إلى السماء السابعة دوى صوت يأمر جميع الأنبياء الوقوف كل في موقعه وعند درجته من السماء ويؤذن لسيدنا محمد بالاقتراب من العرش فهذا هو موقعه في القمة والصدارة من الأنبياء.
ويقول:
خططت للدين والدنيا علومهما ... يا قاريء اللوح بل يالامس القلم «١»
أحطت بينهما بالسر وانكشفت ... لك الخزائن من علم ومن حكم «٢»
وضاعف القرب ما قلدت من منن ... بلا عدد وما طوقت من نعم «٣»
فيتحدث شوقي عن مدى تعلم الرسول ﷺ واستفادته من علوم الدين والدنيا ليلة الاسراء والمعراج ويقول ابن عباس رضى الله عنه: أن الرسول ﷺ قال: (علمني ربي ليلة الإسراء علوما شتى فعلم أخذ على كتمانه وعلم خيرني فيه وعلم أمرني بتبليغه) صدق رسول الله ﷺ .
بهذه العلوم التي أحاط بها الرسول ﷺ بعد أن قرأ اللوح المحفوظ وكاد أن يلامس القلم الذي يكتب به هذا اللوح قد أحاط بالأسرار وبكل ما في خزائن الدنيا والسماوات من علوم ومن حكم ومن أوامر ونواه.
ويقول:
سل عصبة الشرك حول الغار سائمة ... لولا مطاردة المختار لم تسم «٤»
стр. 109
هل أبصروا الأثر الوضاء أم سمعوا ... همس التسابيح والقران من أمم «١»
وهل تمثل نسيج العنكبوت لهم ... كالغابات والحائمات والزغب كالرخم «٢»
وبهذا يتعرض لحادثة الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة المنورة وكيف خرج الرسول الكريم ﷺ مع صديقه أبي بكر الصديق، ولا ختفائهما في الغار، ومطاردة كفار مكة لهما ووقوفهم على باب الغار وقد أمر الله العنكبوت أن ينسج بيته على مدخل الغار وأن تضع الحمامة بيضها في عش قد بنته في طرفة عين، وعلى الرغم من رقة نسيج العنكبوت وفزع الحمائم عند اقتراب أي انسان إلا أن المشركين لم يستطيعوا أن يروا نور الرسول ﷺ ينبعث من الغار، فقد أعمى الله أبصارهم ولم يسمعوا قراءة القران أو التسابيح والدعوات التي كان الرسول وصاحبه الكريم الصديق يتلوانها، وعلى الرغم من قرب الكفار منهم فقد أصم الله اذانهم.
ويقول:
فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم ... كباطل من جلال الحق منهزم «٣»
لولا يد الله بالجارين ما سلما ... وعينه حول ركن الدين لم يقم «٤»
تواريا بجناح الله واستترا ... ومن يضم جناح الله لا يضم «٥»
يبين شوقي هنا كيف ارتد الكفار على أعقابهم خائبين يجرون أذيال الفشل وكأن الملائكة والأنس المسلمين يلعنونهم لباطلهم ولما أضمروه من شر لرسول الله الكريم ﷺ الذي يمثل جلال الحق وقوته، ونرى شوقي يؤكد أن الله عز وعلا هو الذي حمى هذين الصاحبين المهاجرين من عصبة الشرك، وحمايته لهما
стр. 110
لتم كشف مكانهما ولما وصلا إلى المدينة، ولكن حكمة الله هي التي سترتهما، وجناح الله هو الذي حماهما وضمهما، ومن يستظلون بجناح الله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
ويقول:
يا أحمد الخير لي جاه بتسميتي ... وكيف لا يتسامى بالرسول سمى «١»
المادحون وأرباب الهوى تبع ... لصاحب البردة الفيحاء ذي القدم «٢»
مديحه فيك حب خالص وهوى ... وصادق الحب يملى صادق الكلم «٣»
الله يشهد أني لا أعارضه ... من ذا يعارض صوب العارض العرم «٤»
وانما أنا بعض الغابطين ومن ... يغبط وليك لا يذمم ولا يلم «٥»
هذا مقام من الرحمن مقتبس ... ترمى مهابته سحبان بالبكم
فلا ينسى أمير الشعراء أحمد شوقي هنا أن يفخر بأنه تسمى باسم الرسول ﷺ أحمد، ويؤكد أن تسميته باسم الرسول ﷺ هو غني وجاه وعلو في المقام لمجرد أن يتصف بصفة الحمد ويتبع هذا الثناء بقوله بأن كافة المادحين والمحبين لرسول الله الكريم ﷺ هم توابع للمادح الأول والمحب الأول صاحب البردة العظيمة الامام البوصيري، فقد كان مديحه للرسول الكريم ﷺ نوعا من التدين الخالص الصادق، والحب لهذه المباديء السامية وهذه الصفات الكريمة التي بعث عليها الرسول ﷺ ، وحب الامام البوصيري صادق وعميق لأن ما عبر
стр. 111
به عن حبّه الرسول اكتسب عظمة ورقيا من ذلك الصدق في الحب، فأن الحب الصادق يعطي المعنى الصادق في الكلمة الصادقة ويتواضع شوقي تجاه هذا الشاعر العظيم ويقر حالفا بالله بأنه لم يقصد بكتابته (نهج البرده) أن يعارضه، وإنما هو يعرف أن هذ الشاعر لا يمكن أن يضاهي، فالإمام البوصيري في نظر شوقي كالسيل الممطر، والسحاب المعترض في الأفق، فهل يستطيع شوقي بتواضعه أن يكون على نفس المستوى الفني؟! وهو يقر مرة أخرى أنه لا قبل له بهذا الشاعر الكبير وإنما يتمنى أن يكون إلى جواره طالبا من الله أن يحتسب شعره مديحا إلى جوار مدح الإمام البوصيري لخير البشر، ويقول شوقي: أن تعرضه لمدح الرسول ﷺ يصيبه بالبكم وكأنما هو أبكم أمام فصاحة سحبان الذي يضرب بفصاحته المثل وكأنما يريد شوقي أن يبين وقوفه أمام البردة للإمام البوصيري وفي ذهنه القول الشهير (أين الثرى من الثريا) وهذا نوع هو التواضع المطلوب في شاعر كبير ليكون المثل الأعلى للأجيال المقبلة في قول الشعر.
ويمضي شوقي فيقول:
البدر دونك في حسن وفي شرف ... والبحر دونك في خير وفي كرم
شم الجبال إذا طاولتها انخفضت ... والأنجم الزهر ما واسمتها تسم «١»
والليث دونك بائسا عند وثبته ... إذا مشيت إلى شاكي السلاح كمي «٢»
فيعلن أن البدر والبحر والجبال والنجوم والاساد، بل كل هذه الأشياء الحسية الموجودة ما هي إلا صغائر إذا قورنت بالرسول ﷺ البدر في الحسن والبحر في عطائه وخيره وكرمه، والجبال في علوها ورفعتها، والأنجم الزهر في لمعانها وازدهارها، والأسد في الشجاعة وقوة البأس على الأعداء، كل ذلك لا يساوي القليل إلى جانب الرسول ﷺ .
стр. 112
ويقول:
تهفو إليك وان أدميت حبتها ... في الحرب أفئدة الأبطال وإلبهم «١»
محبة الله ألقاها وهيبته ... على ابن امنة في كل مصطدم «٢»
كأن وجهك تحت النقع بدر دجى ... يضيء ملتثما أو غير ملتثم «٣»
بدر تطلع في بدر فغرته ... كغرة النصر تجلو داجي الظلم «٤»
ذكرت باليتم في القران مكرمة ... وقيمة اللؤلؤ المكنون في اليتم «٥»
وبذلك يستمر شوقي في وصف شجاعة الرسول ﷺ فيقول: أنه مع شجاعته وقوة بأسه في الحرب تميل إليه قلوب الأبطال والشجعان فلا يخافون مما قد يصيب قلوبهم من جراء هذا الاندفاع في الزود عنه وذلك للمحبة التي وضعها الله في قلوب المسلمين الشجعان نحو سيدنا محمد ﵊.
وينتقل شوقي بعد ذلك إلى وصف وجه الرسول ﵊ فيقول: أنه يضيء في غبار المعركة كما يضيء البدر في الظلام ووجهه ﵊ كان في موقعة بدرا كالقمر ضوؤه ضوء النصر الذي يبدد ظلام الشرك والكفر، فضياؤه كان نورا وضاء للمسلمين يلوح ببشائر النصر، ثم يتحدث عن يتم الرسول ﷺ فيشير إلى قول الله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى صدق الله العظيم.
стр. 113
ويعلق على ذلك بأن هذا اليتم كان شيئا نبيلا ودلائل عظيمة ومصدر تكريم للرسول ﷺ فهو بذلك متفرد كاللؤلؤ كان وحيدا كلما كان ذا قيمة لا نظير لها.
ويقول:
الله قسم بين الناس رزقهم ... وأنت خيرات في الأرزاق والقسم «١»
ان قلت في الأمر: لا، أو قلت فيه: نعم ... فخيره عند الله في لا منك أو نعم
ولعله يقصد من خلال هذه الأبيات إلى أن الله قد خير الرسول ﷺ في الرزق وفي هذا يتفرد بين البشر، فالرزق مقسوم بين الناس ولا خيرة لهم في ذلك إلا أن رسول الله ﷺ قد خيره الله في الرزق ولعل شوقي يشير بذلك إلى الحديث الشريف مما رواه الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: (عرض على ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا ربي، ولكن أشبع يوما فأحمد الله وأجوع يوما فأذكر الله) صدق رسول الله.
ثم يقول:
أخوك عيسى دعا ميتا فقام له ... وأنت أحييت أجيالا من الرمم
والجهل موت، فأن أوتيت معجزة ... فابعث من الجهل أو فابعث من الرجم «٢»
فنراه تحدث عن مكانة الرسول بين الأنبياء، فإذا كان عيسى ﵇ بأمر الله قد أحيا الموتى، فأن الرسول محمدا ﵊ قد أحيا أجيالا وأمما. أحياها وخلصها من الجهل، ويؤكد شوقي أن المعجزتين، أحياء الإنسان من الموت أو إحياؤه من الجهل والضلال تستويان، فمعجزة عيسى ﵇، ومعجزة محمد ﵊ تستويان في أنهما أحياء للبشر، ولكن يفضل معجزة الرسول الكريم ﷺ لأنه أحيا أمما وليس بضع أفراد.
стр. 114
ويقول:
قالوا غزوت، ورسل الله ما بعثو ... لقتل نفس ولا جاؤا لسفك دم
جهل وتضليل أحلام وسفسطة ... فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم
لما أتى لك عفوا كل ذي حسب ... تكفل السيف بالجهال والعمم «١»
والشر إن تلقه بالخير ضقت به ... ذرعا وان تلقه بالشر ينحسم
سل المسيحية الغراء كم شربت ... بالصاب من شهوات الظالم الغلم «٢»
طريدة الشرك يؤذيها ويوسعها ... في كل حين قتالا ساطع الحدم «٣»
لولا حماة لها هبوا لنصرتها ... بالسيف ما انتفعت بالرفق والرحم «٤»
لولا مكان لعيسى عند مرسله ... وحرمة وجبت للروج في القدم «٥»
اسمر البدن الطهر الشريف على ... لوحين لم يمش مؤذيه ولم يجم «٦»
جل المسيح وذاق الصلب شانئة ... ان العقاب بقدر الذنب والجرم «٧»
اخو النبي وروح الله في نزل ... فوق السماء ودون العرش محترم «٨»
стр. 115
فيتعرض شوقي لقول الكفار بأن الرسول ﷺ قد أخطأ عندما غزا وحارب، والرسل والأنبياء لم يبعثوا للقتل وسفك الدماء، ويعلق شوقي على قولهم هذا بأنه جهل وكذب وفلسفة فارغة، فإن الرسول لم يقم بالسيف ويحارب الكفار إلا بعد أن نشر الدعوة وعرضها في الرسائل الثلاثة الشهيرة (رسالة كسرى، ورسالة قيصر، ورسالة المقوقس) وعندما جاء للرسول رد هؤلاء الملوك برفض الدعوة تأكد من جهلهم فاضطر لاستخدام السيف ضد كل من يوصف بالجهل، وضد العوام من الناس، فإنهم أشرار بطبيعتهم ولا يمكن مخاطبة هؤلاء الأشرار بالموعظة الحسنة فكلما خاطبتهم وجدت فيهم ضيق أفقهم وضعف فهمهم ولا بد لك من أن تحسم هذا الموقف بالسيف، ونضرب مثلا على هذا بالمسيحية السمحاء الأولى كم حوربت على أيدي هؤلاء الجهال الظالمين فكانوا يطاردون معتنقيها بالإيذاء والقتل والحرق في كل حين ولولا أن قبض الله لها رجالا نصروها بالسيف، لما استطاعت أن تنتشر بالسماحة والرفق والرحمة ولولا أن المسيح عيسى بن مريم ﵇ له مكانة عزيزة عند ربه رفعه إلى السماء دون أن يمسه اليهود أو يصلبوه على لوحي الصليب، لقد رفع الله المسيح قبل الصلب والإيذاء، وعاقب الواشي بأن جعله يصلب مكان عيسى، وأن العقاب لا بد أن يكون من جنس العمل وبقدر الذنب الذي قام به هذا الرجل (يهوذا الأسخر بوطي) في حق المسيح ﵇، ويستطرد شوقي في وصفه بأنه أخو النبي ﵊ في النبوة ويخصه بأنه روح الله قد نزل في جسد المسيح ولكنه دون العرش.
ويقول:
علمتهم كل شيء يجهلون به ... حتى القتال وما فيه من الذمم
«١»
دعوتهم لجهاد فيه سؤددهم ... والحرب اس نظام الكون والأمم
стр. 116
لولاه لم نر للدولات في زمن ... ما طال من عمد أوفر من دعم «١»
تلك الشواهد تترى كل اونة ... في الأعصر الغر لا في الأعصر الدهم «٢»
فيسترسل شوقي في مدحه لرسول الله ﷺ ويقول: انه علم المسلمين كل شيء في حياتهم، حتى فنون الحرب والقتل وبخاصة ما فيه من العهود والحقوق وأصول الأمانة وحفظ الذمة للأسرى والمحافظة على جثث القتلى وعدم التمثيل بها، فقد دعا الرسول المسلمين للجهاد ونادى أن يكون فيه فخرهم وعزهم وعلوهم وان هذه الحرب هي الأساس الذي يا بنى عليه الكون وتقوم الأمم.
والأسس والنظم التي تقوم من خلالها الدول مهما طال عليها الزمن أو ثبت حدودها، وهذه الشواهد والاثار تتوالى في كل زمن من الأزمان الحاضرة أو الأزمان الغابرة.
ويقول الشاعر كذلك:
بالأمس مالت عروش واعتلت سرر ... لولا القذائف لم تسلم ولم تصم «٣»
ويؤكد أن هذه التغييرات بين نظام واخر وبين ملك واخر ما كانت لتتم لولا الحرب.
стр. 117
ويقول:
أشياع عيسى أعدوا كل قاصمة ... ولم نعد سوى حالات منقصم «١»
مهما دعيت إلى الهيجاء قمت لها ... ترمى بأسد ويرمى الله بالرجم «٢»
على لوائك منهم كل منتقم ... لله مستقتل في الله معتزم «٣»
وهنا ينتقل شوقي من خلال هذه الأبيات من عصر النبوة إلى عصرنا الحالي ويطرح مقارنة بين حال المسلمين وهم في انشقاق وفرقة وبين الجحافل الصليبية التي تعد العدة للانقضاض على المسلمين، وعلى الرغم من أن رسول الله ﷺ قد ضرب المثل فلم يسكت على الضيم ولم يدع إلى حرب أحس فيها أنه مظلوم إلا وقد قام في مقدمة المسلمين للقتال، وقد منحه الله إيمانا ومنح المسلمين في عهده ثقة بالله ونصرة لله وانتقاما لدين الله، وكأن شوقي يقول للمسلمين اتخذوا من الرسول عبرة وعظة تتواحدوا في ملاقاة عدوكم من يهود ونصارى.
ويقول:
مسبح للقاء الله مضطرم ... شوقا على سابح كالبرق مضطرم «٤»
لو صادف الدهر يبغي نقله فرمى ... بعزمه في رحال الدهر لم يرم «٥»
بيض مفاليل من فعل الحروب بهم ... من أسيف الله لا الهندية الخذم «٦»
стр. 118
فيشير شوقي إلى أن هؤلاء المقاتلين من المسلمين بقيادة الرسول ﷺ كانوا يقاتلون وهم يسبحون باسم الله رغبة في لقائه ورغبة في الشهادة كوسيلة لبلوغهم الجنة التي أعدت للشهداء والمتقين وكأن كلا منهم يركب مركبة سريعة لكي يصل إلى هذه الغاية النبيلة وهي الشهادة.
ويصف شوقي هؤلاء المقاتلين العظماء بأنهم سيوف الله قد تثلمت من كثرة القتال وينفي عنهم الصفات الجمالية للسيف (كهندية الخذم) ، ولكن يؤكد وصفها (بالبيض) لشهرة هذه السيوف لازهاق أرواح الأعداء وأفنائهم.
كم في التراب إذا فتشت عن رجل ... من مات بالعهد أو مات بالقسم «١»
لولا مواهب في بعض الأنام لما ... تفاوت الناس في الأقدار والقيم
ليبين أنه جراء هذه الغزوات وهذه الحروب الإسلامية التي قادها الرسول الكريم ﷺ والمسلمون من بعده قد مات كثير من الرجال الذين وهبوا أنفسهم لنصرة دين الله واستشهدوا في سبيله فما أكثر هؤلاء الذين ماتوا في سبيل حفظهم لعهداهم لرسول الله ﷺ ، ويؤكد أن لكل إنسان قدرته ودرجته في التقوى، وقدرته على الالتزام بمباديء الإسلام والعمل بها وبما عاهد عليه الرسول الكريم ﷺ ولولا ذلك لما اختلف قدر كل إنسان ومكانته وقيمته عند نيل الجزاء مما يشير إلى حديث الرسول ﷺ : (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى) ، والتقوى هنا هي التقرب إلى الله بالعمل الصالح وليس أكثر من الاستشهاد في سبيل الله عمل صالح.
ويقول:
شريعة لك فجرت العقول بها ... عن زاخر بصنوف العلم ملتطم
يلوح حول سنا التوحيد جوهرها ... كالحلي للسيف أو كالوشى للعلم «٢»
стр. 119
إن الله قد وهبك يا رسول الله الشريعة السمحة في القران الكريم وفي أحاديثك النبوية الشريفة التي لم تنطقها عن الهوى وإنما هي وحي يوحى، هذه الشريعة وهذه القوانين المنزلة قد فجرت في نفوس المؤمنين وفي نفوس كافة الناس طاقات العقل البشرى التي جاءت بتعاليم عديدة وبذلت جهود لشرح هذه التعاليم والقوانين الإلهية، ولمحاولة للتعرف على تفاصيلها ودقائقها وتبسيط ما غمض على العامة منها ودحض معارضيها واسقاط حججهم وادعااتهم، وهذه الشريعة تدور في أساسها حول واحدانية الله ، فواحدانية الله هي جوهر الكون وأساس العبادة، ويشبه الشاعر هذه الواحدانية بأجمل ما في السيف وهو المقبض المزين بالجواهر، وتشبيهه لهذه الجواهر بمقبض السيف ما هو إلا دلالة على قوة هذا الأساس ومتانته، كما أن تشبيهه لهذه الجواهر وهي الواحدانية بأنها نقش مرسوم على راية عالية ليرمز بذلك للقوة والتفرد في المكانة العليا، ويقول:
غراء حامت عليها أنفس ونهى ... ومن يجد سلسلا من حكمة يحم «١»
نور السبيل يساس العاملون بها ... تكفلت بشباب الدهر والهرم «٢»
يجري الزمان وأحكام الزمان على ... حكم لها نافذ في الخلق مرتسم
لما اعتلت دولة الإسلام واتسعت ... مشت ممالكه في نورها التمم «٣»
وعلمت أمة بالفقر نازلة ... رعى القباصر بعد الشاء والنعم
وهنا يحاول أن يبين مدى ظمأ الناس وتعطشهم لهذه الواحدانية منذ القدم فقد ظل الناس يحومون حولها، وتهفو إليها عقولهم، وتهين على عواطفهم ولا
стр. 120
يستطيعون إليها نفاذا إلا بظهورك يا رسول الله، ويمنحك الله جل وعلا معجزة القران الكريم وكأن هذه الشريعة الغراء نبع ماء طال من حوله الظمأ، فما أن راوه وما أن ظهرت هذه الرسالة، حتى اندفع هؤلاء العطشى للارتواء من هذا الماء العذب الزلال، وهذه الشريعة الغراء المتمثلة كما سبق أن قلنا في القران الكريم وفي السنة النبوية كالنور الذي يضيء الطريق أمام الناس لكي يهتدوا إلى السبيل الأصح والأقوم في سبيل الحياة الكريمة الطيبة، وأن هذه الشريعة هي النبراس للإنسان يهديها في معركة ترويض الغرائز وتحويل الطباع الهمجية، والنفوس الشريرة إلى الطريق المستقيم بما فيها من تشريع وبما فيها من قصص وعبر من الأمم السابقة يضرب الله بها المثل للناس أجمعين، فمن شاء فإنه يهديه إلى الصراط المستقيم، وهذه الشريعة قد رسمت- من خلال منهاج إلهي لا يأتيه الخطأ من أمامه ولا من خلفه- ما يحدث في الكون، وبينت تفاصيل ما يجري في المستقبل. ومن يتمسك بهذه الشريعة الغراء وبهذا القانون المحكم المنزل من السماء لابد أن يحكم العالم وينشر الخير والحب والتقوى على وجه الأرض، والدليل على ذلك أن دولة الإسلام الأولى منذ أيام حكم الرسول ﷺ وحتى رابع الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، قد اتسعت وسيطرت على كافة الممالك القديمة وطهرت بنور هذه الشريعة أدران النحل التي كانت منتشرة في تلك الممالك، ورفعت الظلم عن كافة الناس وسوت بينهم أمام الدولة وأحكام الله، وكان التشريع قد نزل على لسان الرسول الكريم ﷺ أن الناس سواسية كأسنان المشط، وقول الله في كتابه الكريم: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ صدق الله العظيم.
هذه الشريعة الغراء قد تمثلتها هذه الدولة الصغيرة البسيطة التي كانت لسنوات عديدة مجموعة من القبائل المتناحرة الكافرة، فصارت بهذه الشريعة أمة من المجاهدين الذين يضحون بأرواحهم، ليس في سبيل المال ولا في سبيل المجد، وإنما في سبيل نشر هذه الشريعة الحقة، والدين السمح؛ حتى أنها
стр. 121
عندما غزت وقهرت دولة الروم ودولة الفرس لم تطمع في ثراء هاتين الدولتين، ولكنها طمعت في نشر هذه الدعوى السمحاء بين أفرادهما.
ويقول:
كم شيد المصلحون العاملون بها ... في الشرق والغرب ملكا باذخ العظم
للعلم والعدل والتمدين ما عزموا ... من الأمور وما شيدوا من الحزم «١»
سرعان ما فتحوا الدنيا لملتهم ... وانهلوا الناس من سلسالها الشم «٢»
ساروا عليها هداة الناس فهي بهم ... إلى الفلاح طريق واضح العظم «٣»
لا يهدم الدهر ركنا شاد عدلهم ... وحائط البغي أن تلمسه ينهدم
ليؤكد شاعرنا تأكيدا واضحا أن الأمة الإسلامية استمرت في هذه الفتوحات وهذا التوسع، فهي متمسكة بهذه الشريعة الغراء فوصل ملكها وحكمها إلى الهند والسند وأوربا وأفريقيا، وسيطر المسلمون بأفكارهم قبل سلاحهم، وبشريعتهم التي هي شريعة الله على عقول أهالي وسكان هذه المناطق التي فتحوها وصاروا أئمة وقادة وعلماء وقضاة علموا سكان العالم التدين والتحضر والتقدم على هدى الإسلام وتعاليمه حتى ظهر من هذه الأمم التي سيطرت عليها أفكارهم وشريعة الله علماء مثل: الخوارزمي من خوارزم، وابن خالدون من المغرب، وابن سينا من روسيا، والبخاري من بخاري.. وغيرهم من علماء وفلاسفة وشعراء المسلمين، وبهذه الفتوحات السريعة التي سيطروا بها على هؤلاء الأقوام حولوا كل الدنيا المعروفة ان ذاك إلى دولة التوحيد تحكم في ضوء شريعة الله، وكأنهم قد أعطوا الظمأى إلى واحدانية الله قداسة وطهارة هذا الدين
стр. 122
الإسلامي وجعلوهم يشربون ويروون الظمأ الذي طال بهم مداه.
ويقول شوقي:
نالوا السعادة في الدارين واجتمعوا ... على عميم من الرضوان مقتسم
دع عنك روما وأثينا وما حوتا ... كل اليواقيت في بغداد والتوم «١»
وخل كسرى وايوانا يدل به ... هوى على اثر النيران والأيم «٢»
واترك رعسيس، ان الملك مظهره ... في نهضة العدل لا في نهضة الهرم «٣»
دار الشرائع روما كلما ذكرت ... دار السلام لها القت يد السلم «٤»
ما ضارعتها بيانا عند ملتأم ... ولا حكمتها قضاء عند مختصم «٥»
ونراه يطرح في هذه الأبيات مقارنة بين شريعة الله التي أنزلها على رسوله محمد ﷺ وبين الشرائع والقوانين الوضعية فيتعرض للحضارة الرومانية وما سبقتها من حضارة اليونانيين (الأغريق) ويعرض لها قائلا: إذا قارنا بين الحضارتين وبين الحضارة الاسلامية لوجدناها أنها الكفة الراجحة وهي الذهب بين سائر المعادن، كما أنها الياقوت والفضة الخالصة بين الأحجار الكريمة، وإذا ما تعرضنا للفرس وزعيمهم كسرى، نجد أن الشاعر يصفه بأنه كان يتيه فخرا ودلالا على زعماء العالمين بهذا البناء القوى الذي يسمى (الأيوان) والذي نراه بمجرد البشارة بمولد النبي ﷺ ينصدع ويهتز وتتهدم أركانه، بل يشب فيه الحريق ويلطخه الدخان، وفي العودة إلى الماضى نجد أن الشاعر يختار
стр. 123
الحضارة الفرعونية ويؤكد أن قيمة الحضارة ليست في أهرامات ومقابر لتظل قائمة على مدى الأزمان، ولكن الحضارة هي إقامة العدل.
ثم يعود مرة أخرى إلى الحضارة الرومانية ويتناول جانب التشريع ويقارن بين هذه التشريعات الرومانية وبين شريعة الله ويقول الشاعر: هناك تشريعات مكتوبة ومتناقضة عند الرومان، وهنا في الشريعة الإسلامية لا نجد إلا العدل والقسطاس يحكم به بين كافة البشر لا فرق بين حاكم ومحكوم، وسيد أو مسود، ولا غنى وفقير، فكلهم أمام الشريعة سواء.
ومن هنا كان عدل الله في شريعتنا بينما نرى التشريع الروماني يحاسب السادة بكيل، والعبيد بكيل اخر.
ويعرج الشاعر في المقارنة نحو لغة القانون الروماني ولغة القران الكريم وهو مصدر الشريعة الإسلامية فيؤكد أنه لا وجه للمقارنة بين الكتاب السماوي الكريم وبين الألفاظ والتراكيب الساذجة والركيكة والضعيفة التي صيغ بها التشريع الروماني.
ويقول:
ولا احتوت في طراز من قياصرها ... على رشيد ومأمون ومعتصم «١»
من الذين إذا سارت كتائبهم ... تصرفوا بحدود الأرض والتخم «٢»
ويجلسون إلى علم ومعرفة ... فلا يدانون في عقل ولا فهم
يطأطيء العلماء الهام أن نبسوا ... من هيبة العلم لا من هيبة الحكم
ويمطرون فما بالأرض من محل ... ولا بمن بات فوق الأرض من عدم «٣»
стр. 124
ويستمر شوقي في المقارنة، فهو بعد أن قارن بين الحضارة الإسلامية وحضارات الأقدمين وبين الشرائع الإسلامية والتشريعات الاخرى، ينحو ناحية المقارنة بين الرجال الذين قاموا على هذه الحضارات ويضرب مثلا بقياصرة الروم رمزا لكل الملوك السابقين فراعين أو أكاسرة، مقارنا أياهم بخلفاء بني العباس الذين عاصروا بعضهم، وهل يمكن أن نقارن من خلال حب التملك وشهوة الظلم واذلال الرجال، وبين ما تميز به الخلفاء: الرشيد والمأمون والمعتصم وهم الذين كانوا يحجون عاما ويحاربون ويجاهدون في سبيل الله عاما اخر دفاعا عن حدود الله وثغور المسلمين في أرجاء المعمورة؟، هل نستطيع أن نقارن بين الظلم المتجسد في تصرفات هؤلاء القياصرة وبين نشر العدل عند هؤلاء الخلفاء ونقارن بين جهل أولئك القياصرة والأكاسرة وبين علم هؤلاء الخلفاء الذين كانوا إذا جلسوا إلى مجلس العلم كانوا يطأطئون الرؤوس احتراما وتقديرا للعلم والعلماء وهم فيما هم فيه من هيبة الحكم وقوة السلطان؟!، وكان هؤلاء الخلفاء في كرمهم كالمطر يمطرون خيرا فإن هم أصابوا أرضا جدباء قاحلة تخضر وتجود بالخير وتشيع فيها الراحة والسكينة، وإذا قورن هؤلاء الخلفاء بأولئك القياصرة، فلا غرو أن الشاعر يفضل هؤلاء الخلفاء العظماء، ويضعهم في مرتبة سامية بينما يضع أولئك القياصرة بين الأشحاء والبخلاء.
ويقول:
خلائف الله جلو عن موازنة ... فلا تقيس أملاك الورى بهم «١»
من في البرية كالفاروق معدله ... وكابن عبد العزيز الخاشع الحشم «٢»
وكالامام إذا ما فض مزدحما ... بمدمع في ماقى القوم مزدحم «٣»
الزاخر العذب في علم وفي أدب ... والناصر الندب في حرب وفي سلم «٤»
стр. 125
أو كابن عفان والقران في يده ... يحنو عليه كما تحنو على الفطم «١»
ويجمع الاى ترتيبا وينظمها ... عقدا يجيد الليالي غير منفصم
جرحان في كبد الاسلام ما التأما ... جرح الشهيد وجرح بالكتاب دمي «٢»
وما بلاء أبي بكر بمتهم ... بعد الجلائل في الافعال والخدم
بالحزم والعزم حاط الدين في محن ... اضلت الحلم من كهل ومحتلم «٣»
يريد شوقي أن يجعل مكانة مرموقة لهذه الفئة المؤمنة لا يرتقي إليها أحد من هؤلاء الملوك، ومن ثم يشير شوقي إلى الفارق بين الملوك والقياصرة وبين هذه الفئة المؤمنة، ويتساءل مستنكرا ومتعجبا: هل هناك في هذه الدنيا من يقيم العدل كالخليفة عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز في التواضع والخشوع لله أو كالإمام علي بن أبي طالب في تضحيته ليلة هجرة الرسول وفدائه بنفسه حينما عزم الكفار قتل الرسول في تلك الليلة، ثم يعدد الشاعر الصفات الحميدة في الإمام علي كرم الله وجهه من غزارة العلم، وأن عليا رضى الله عنه كان خفيفا في كره وفره في الحرب بشوشا مع الناس، وما كان يزهو على الناس، ولم يكن بخيلا بما لديه من علم ومعرفة لصلة الرحم بينه وبين الرسول ﷺ وكذلك لتربية الرسول ﷺ له ويبين شوقي في قصيدته مكانة الخليفة عثمان بن عفان حينما أمر بنسخ القران وشبهه بالأم التي تحنو على طفلها من شدة حرصه على العناية بكلام الله (القران الكريم) .
ويعود الشاعر أحمد شوقي ليطرح من خلال بردته لمحات من التاريخ الإسلامي ولما واجهته هذه الفئة المؤمنة من قتل وتعذيب على أيدي الكفار، كما
стр. 126
يطرح مأساة ذات شقين، وهي مقتل واستشهاد عثمان بن عفان رضى الله عنه وأرضاه عندما طعنه قاتله، فهذا أول جرح من جروح الإسلام أن يغتال مسلم خليفة رسول الله، والشق الثاني من هذه المأساة هو نزيف الدم الذي سال من جسد عثمان بن عفان على أوراق المصحف الذي كان بين يديه يقرأ فيه، جرحان لن يلتئما.
وتعود بنا بذاكرة الشاعر إلى دور أبي بكر الصديق رضى الله عنه وانتصاره على المرتدين في حروب الردة، وكذلك دوره في الفتوحات الإسلامية بعد وفاة الرسول ﷺ وخدماته الجليلة في نشر الإسلام، وعلى الرغم من ذلك لم يسلم من الاتهامات التي وجهت إلى خليفة رسول الله لأنه كان شديد الحرص في الحفاظ على دين الإسلام والدفاع عنه في أوقات المحن العصبية التي اشعل نيرانها كثيرون من أدعياء الإسلام بعد وفاة الرسول ﵊ وأظهر حزما وعزما لا يلين في مواجهتها واخمادها.
ويقول شوقي:
واحدن بالراشد الفاروق عن رشد ... في الموت وهو يقين غير منبهم «١»
يجادل القوم مستلا مهنده ... في أعظم الرسل قدرا، كيف لم يدم
لا تعذلوه إذا طاف الذهول به ... مات الحبيب فظل الصب عن رغم «٢»
стр. 127
فيذكرنا بموقف عمر بن الخطاب عند وفاة الرسول ﷺ عندما أذهلته المفاجأة فلم يصدق وقتها أن يموت الرسول الكريم ﷺ وهو صاحب الرسالة ويؤدي الأمانة عن الله فيتصور عمر بن الخطاب أن الرسول كائن اخر غير البشر وأنه مدعوم من الذات الإلهية وأنه لن يموت حتى وقف له صاحبه وصديق الرسول وصديقه أبو بكر الصديق يتصدى لغلو صديقه عمر بن الخطاب بقولته الشهيرة:
«من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت» ..
فيفيق عمر بن الخطاب، وهنا يتدخل شوقي ملتمسا العذر لهذا الرجل الذي أحب الله ورسوله حبا ملك عليه عقله فاهتز عندما سمع نبأ موت الرسول ﷺ وظل كذلك حتى أعاده إلى رشده سماع مقولة أول الخلفاء الراشدين أبي بكر بن أبي قحافة رضوان الله عليه.
يا رب صل وسلم ما أردت على ... نزيل عرشك خير الرسل كلهم
محيى الليالي صلاة لا يقطعها ... إلا بدمع من الاشفاق منسجم
مسبحا لك جنح الليل محتملا ... ضرا من السهل أو ضرا من الورم
رضية نفسه لا تشتكي سأما ... وما مع الحب ان اخلصت من سأم
وصل ربي على ال له نخب ... جعلت فيهم لواء البيت والحرم «١»
بيض الوجوه ووجه الدهر ذو حلك ... شم الأنوف وأنف الحادثات حمى «٢»
وهنا يصل شوقي في قصيدته (نهج البردة) إلى النهاية بالصلاة والسلام على رسول ﷺ فيسأل الله أن يصلي ويسلم على رسوله خير البشر وخير الرسل واخر الأنبياء والمرسلين والذي استدعاه في رحلتي الاسراء والمعراج إلى
стр. 128
السماء السابعة حيث سدرة المنتهى وحيث جنة المأوى والعرش العظيم حيث رأى ايات ربه الكبرى.
ويدعو شوقي ربه جل وعلا بالصلاة والسلام على رسوله، ويبين شوقي أنه يظل يحيى الليالي مستيقظا بين الصلاة والصلاة يبكي اشفاقا على أمته ويطلب لها المغفرة والعفو عن زلاتها، ويسبح لله طوال الليال وهو جالس أو متكئ، ويصف شوقي رسول الله ﷺ بقناعة النفس ورضاها، فلا سأم هناك ولا ملل ولا شكوى ولا تعب، فمع حبه لله تعالى تهون كل هذه المتاعب، ثم يواصل شوقي الدعاء بالصلاة على ال الرسول الكريم ﷺ فهم خلاصة الناس أجمعين، وأن الرسول ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى من هؤلاء الذين اختارهم الله من قديم لحماية البيت العتيق وحمل لوائه، فهم مكرمون عند الله منذ القدم وحتى إذا ما أسود وجه الدهر وهم ذو كرامة وعزة ومهما اشتد عليهم كربهم وبلاؤهم وكذلك يقول:
واهد خير صلاة منك أربعة ... في الصحب صحبتهم مرعية الحرم
الراكبين إذا نادى النبي بهم ... ما هال من جلل واشتد من عمم
الصابرين ونفس الأرض واجفة ... الضاحكين إلى الأخطار والقمم
ليمضي شوقي في الدعاء بالصلاة على الخلفاء الراشدين الأربعة وهم:
(أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضى الله عنهم أجمعين) ويطلب لهم الرحمة من الله، فهم أصحاب رسول الله المرعية صداقتهم وصحبتهم، فالصديق له مالصديقه من حرمة، وبخاصة إذا كانت هذه الصداقة صداقة في الله وهم الذين لبوا نداء الرسول في الحرب أو في السلم ويقدمون المشورة والنصح في أمور الدنيا التي لم ينزل بها تشريع، وما لهم إلا تنفيذ تشريع الإسلام بقوة. فما أن نزل هذا التشريع فيهم إلا وكانوا المؤيدين والمعضدين والمساعدين لرسول الله ﷺ في نشر شريعة الله ودعوته، وهم الذين واجهوا معه الشدائد وظلوا صابرين كاظمين الغيظ، عافين عن الكفار حتى أذن الله لهم
стр. 129
ورسوله بمحاربتهم، وكانوا يمضون إلى هذه الحرب مستبشرين، فلم تكن الحرب بالنسبة لهم إلا نصرا يعز به المسلمون أو شهادة تدخلهم في رضوان الله وجنته.
ويقول:
يا رب هبت شعوب من منيتها ... واستيقظت أمم من رقدة العدم
سعد ونحس وملك أنت مالكه ... تدويل من نعم فيه ومن نقم
رأى قضاؤك فينا رأى حكمته ... أكرم بوجهك من قاض ومنتقم
ولعله هنا يتقدم كشاعر وكرجل مسلم تهمه مصلحة المسلمين بالدعاء إلى الله الذي لا إله إلا هو، مالك الملك، يدبر الأمر في الكون ويسير أحوال الخير والشر بين الممالك، لا راد لقضائه مهماحم قضاؤه وإن كان قاسيا على مشاعرنا، فهو رحيم بنا لا ندرك ببشريتنا عمق الحكمة الإلهية العميقة التي أرادها سبحانه.
وأخيرا يقول أمير الشعراء.
فالطف لأجل رسول العالمين بنا ... ولا تزد قومه خسفا ولا تسم
يا رب أحسنت بدء المسلمين به ... فتمم الفضل وامنح حسن مختتم
ليختتم شوقي قصيدته بدعاء فيه التوسل والرجاء، فيدعو الله اللطيف، ويرجوه أن يلطف بالمسلمين، ويتشفع عند الله لهم برسول الله وحبيبه المصطفى ﷺ ، ويكرر الدعاء ليؤكد أن الله قد أحسن إلى المسلمين فاختار من بينهم وبعث فيهم الرسول بهذه الرسالة ويطلب من الله أن يتمم هذه الرسالة وهذا الفضل وأن يمنح المسلمين حسن الختام كما منحهم من قبل حسن البداية، اللهم أحسن ختامنا كما أحسنت بدأنا يا أرحم الراحمين.
стр. 130
الفصل الرابع موازنة بين الأغراض الشعرية للقصائد الثلاث
стр. 131
موازنة بين الأغراض الشعرية للقصائد الثلاث
١- في الغزل:
كل القصائد العربية الكلاسيكية تنهج بالشكل منهجا واحدا، هذا المنهج هو أن تبدأ القصيدة بغرض ثابت يلتزم به الشعراء مهما يكن الغرض الرئيسي للقصيدة مدحا أو هجاء أو نسيبا أو فخرا أو رثاء وغيرها من هذه الأغراض الأساسية، وهذا الغرض الذي يبدأون به قصائدهم إما أن يكون غزلا في محبوب، أو بكاء على طلل أحبة قد تركوه إلى موطن اخر، ونستشهد على هذا بقول كثير غزة في قصيدته الشهيرة:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
وقول طرفة بن العبد في معلقته:
لخولة اطلال ببرقة ثمهد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وجميل بثينه:
لقد أدرنت قلبي وكان معمما ... بثينة صدعا يوم طار رداؤها
إذا خطرت من ذكر بثينة خطرة ... عصتني شئون العين فانهل ماؤها
وعروه بن الورد:
تحن إلى سلمى بحر بلادها ... وأنت عليها بالملا كنت أقدرا
وغيرهم كثيرون وهذا يدل على أن بناء القصيدة العربية الكلاسيكية تستلزم في البداية استهلالا يشد قارئها أو سامعها إلى موضوعها، وليس هناك أفضل من الغزل أو البكاء على الاطلال موضوعا يشد القارئ أو السامع العربي، ومن هنا جاءت ضرورة البدء بالغزل عند كعب بن زهير، وقد اقتدى به كل من الإمام
стр. 132
البوصيري وأحمد شوقي في قصيدتيهما البردة، ونهج البردة، ونعرض هنا نماذج من الغزل التي جاء بها كل منهم في قصيدته.
ونبدأ بكعب بن زهير في قصيدته (بانت سعاد) فهو يبدؤها بالتشبيب بسعاد، فيصفها وصفا حسيا يبدأ من الوجه مرورا بسائر أعضاء والأنوثة ومظاهرها، ثم ينتقل إلى أسلوب هذه المحبوبة في الدلائل والأعراض والاقبال إذ هي لا تعطيه قرارا بالوصل ولذا فهو حائر تجاه عواطفها. هي مقبلة عليه أم مدبرة عنه وفي كلا الأمرين هو فاقد الأمل في وصالها إذ لا يستطيع أن يظهر بين العرب وقد أحل رسول الله ﷺ دمه، ومن هنا نستطيع أن نقول أن الغزل الذي بدأ به كعب غزل حسي مبني على المادة والأغراض المادية التي يبحث عنها كل رجل يميل إلى تحقيق رغباته الحسية وهو بعيد تمام البعد عن المواقف العذرية، على عكس الإمام البوصيري الذي لم يبدأ قصيدته بالغزل الحسي المكشوف الذي تطرق له كعب وإنما بنوع من الغزل المحتشم الذي يركز فيه على الصفات الروحية والعاطفية في محبوبته وليس على صفاتها الحسية. فهو يذكر عينيها، لم تمتنعا عن البكاء من شدة الحب، وإن الوجد قد أضناها وأن طيفها لا يفارقه ويطلب من العاذل أو اللائم في هواها إلا يعذله لأن حبها قد ملك نفسه.
ويستمر الإمام البوصيري في تمهيداته العاطفية، بلا تحديد لهذه المحبوبة من هي؟ وما شكلها؟ وما ملامحها؟ .. ولا يبين ولا يظهر من هذه الصفات شيئا، فلا يهمه من هذه الصفات إلا الدموع والبكاء واللائم العاذل، ولكنه يؤكد أن حبه عذري عفيف لا دخل للعلاقة الحسية فيه على عكس ما تعرض له كعب بن زهير.
أما أحمد شوقي فقد نهج منهجا متوسطا بين الشاعرين، فهو بين الحسية والعذرية، لا يظهر من هي المحبوبة، ولكنه تعرض تعرضا يسيرا لشكلها، فهي ناعسة الطرف، وهي كشمس الضحى، وهي متحلية بالحلي، وهي ساحرة، فهي حمراء الخد، فاتنة، وهو يصفها بأنها ذات حسب ونسب، فأبوها كالأسد في الغاب كناية عن مكانته. وشوقي هنا يتعرض لمحبوبته تعرضا حسيا
стр. 133
بسيطا يمزجه بوصف عذري يصفها به، فيقول: أنها أسمح الناس خلقا، وأنها تجعله يسهر الليل ظنا، وأن في قلبه جرح دام منها، ويطلب من لائمه في الهوى ألا يعذله ولا يلومه، فهو لم يجرب المعاناة مثله.
وبالقراءة المتأنية للغرض من الغزل عند الشعراء الثلاثة نجد أن شوقي قد اتخذ مكانا وسطا بين الشاعرين الكبيرين السابقين له، فهو لم يسرف في التعرض للجوانب الحسية مثل كعب، فلم يذكر الأرادف أو الخصور وغيرها من المفاتن الجسدية للأنثى وكذلك.
عندما تعرض للجوانب النفسية والوجدانية التي تعرض لها الأمام البوصيري كان بلا استغراق كامل في الوجد، وقد اتخذ شوقي أسلوبا يبين من خلاله تكامل حبه، فهو لا يحب مجهولا كما أحب البوصيري، ولا يحب محسوسا كما أحب كعب، وإنما يحب امرأة لا يبغي أن يعرض بها، فلم يذكر اسمها، وهو لا يحب وهما أو سرابا كالإمام البوصيري، وإنما يضع لنا صفات خاصة بها واستعارات عن مكانتها ومكانة عائلتها، كما نجد أن شوقي كان أنجح الثلاثة في هذا المضار، فقد أحب المرأد جسدا وروحا، بينما أحب كعب فيها الجسد والإمام البوصيري قد أحب الروح، ونجد كذلك أن هذا الفتى العربي الذي قال قصيدته في لحظة اسلامه كان متشبعا بسلوك الجاهلية بما فيه من مجون وعدم اهتمام بالأعراض وعدم تقديره للحب العذري، أما الإمام البوصيري فهو ابن مجتمعه الذي صار المذهب الغالب فيه هو المذهب الصوفي بكل أشكاله الروحية المفرطة في الخيالات البعيدة عن الحس وهو في نفس الوقت ابن لحظته التي كتب فيها القصيدة إذ هو مصاب (بفالج) لا يتحرك من فراشه، ثم يحلم هذا المصاب برسول الله ﷺ وهو حلم صادق يسمع فيه قصيدته فيتعفف أن يذكر فيها ما يجرح حياءه أمام الرسول الكريم ﷺ .
أما شوقي فهو ابن مجتمعه وابن ثقافته الإسلامية وغير الإسلامية فهو دارس لتاريخ العرب ولا شعارهم ومتأثر بشعر المتنبي وأبي نواس وغيرهما من شعراء العصر العباسي وهو دارس للاداب الأوروبية، وهو ابن مجتمع راق، فهو ربيب
стр. 134
قصر الخديوي إسماعيل الذي يرى من ألوان الثراء والنعيم والرغد ما لم يره شاعر غيره، وبهذا نجد أنه ينهج منهجا وسطا بين بدوية كعب وماديته، وبين روحانية وتصوف الإمام البوصيري الذي لا يرى إلا أخيلة ولا يحب من الدنيا إلا ما تستمتاع به حواسه العليا من فكر وتصوف ورغبة في المطالعات، ويتخذ شوقي من خلال المنهجين منهجا أقرب ما يكون إلى المنهج الإسلامي الكامل الذي لا يعتمد على الماديات الصرفة أو على الروحانيات الخالصة فهو يحدثنا عن هذه المحبوبة حديث الإنسان المحب تجاه الأنثى المحترمة التي يعالج منها الروح والجسد كإنسانة.
٢- في الوصف والحكمة:
يبدأ كعب بن زهير الجزء الخاص بالوصف والحكمة بأن يدعى أن سعاد سافرت إلى أرض بعيدة نائية لا يصلها إلا من له ناقة قوية كريمة الأصل، ويبدأ بوصف هذه الناقة حتى لا يكاد يعجز في وصفها. وأنا اعتقد أن سعاد في هذه القصيدة ما هي إلا رمز لنفس كعب الضالة التائهة بعد أن أهدر الرسول ﷺ دمه وأن هذه الناقة الكريمة ذات الصفات العجيبة ما هي إلا الإسلام الذي إذا امن به كعب وكان له نجاة من القتل فما الناقة إلا وسيلة الوصول إلى مبتغاه وما سعاد إلا نفسه التي بعدت عنه بعد اهدار دمه، وبهذا نجد كعب بن زهير يصف الناقة وصفا سبق أن دكرناه أنها ناقة عجيبة. ومما يؤكد قولنا أنه ينهي وصف الناقة بأبيات في الحكمة تبين أنه متأكد من أنه إن لم يسلم وإن لم يعتذر عن اساءته للرسول ﷺ فإنه مقتول بكل تأكيد وهو يقطع كل العلاقات السابقة التي لم تستطع أن تحميه فيقول لرفاقه: خلوا سبيلي، اتركوني. فكل إنسان سيموت في يوم ما ... ثم ينتقل بعد ذلك إلى مدح الرسول ﷺ .
أما الإمام البوصيري فهو يتناول الحكمة والتخوف من كل مباهج الحياة وهو يركز في ذلك على مبدأ أخلاقي أساسي يلخصه في بيت واحد (كم حسنت لذة للمرء قاتلة ... أن السم في الدسم) .
стр. 135
فهو يحض من خلال هذا البيت أو هذا المعنى الذي يسري في كل أبياته في الحكمة على مقولة أخلاقية يريد منها الربط بين اللذة والضرر، ويؤكد أن هذه اللذة شريرة، وأن المعصية مرتبطة باللذة وأن الهوى مرتبط باللذة وهو كصوفي يأمرنا من خلال أبياته بالتشدد تجاه هذه اللذة ويأمرنا بالاستقامة الشديدة وتأدية الفروض والنوافل وهذا رد فعل لما ساد في مجتمعه، فهو من عصر خفتت فيه أنوار الدين، وتراخت مواكبه، وصار المماليك هم الحاكمين، وصار الفقر شديدا والغنى فاحشا، وفي ظل كليهما، الفقر والغنى تنبت المعاصي وتظهر الشهوات، والفقر والغنى الشديدان هما البيئة التي تولد هذه الدنايا، وعندما تنتشر لابد أن يظهر تيار مضاد ولعلّها قاعدة اجتماعية فالإمام البوصيري أحد الملتزمين بدراسة الفقه والحديث وهو زاهد في الدنيا مقبل على الاخرة يضاف إلى ذلك مرضه وهواجسه وأحلامه التي تدور كلها حول ضعف قدرته المتناهي أمام قدرة الله وقدرة الرسول الكريم ﷺ كل ذلك يتوسل بهذه التحذيرات لتكون اسهاما منه في طلب عفو ورضا الله ورسول الله، وحث المسلمين على هذه الطاعات.
ويركز على مدح الرسول وهو الغرض الرئيسي في القصيدة.
وأحمد شوقي يكتب كابن لعصره أيضا، وفي عصره ظهرت الفلسفات الأوربية، وامتص أحمد شوقي رضاب علم السلوك والأخلاق وخلطه بالفلسفة الإسلامية، ويخرج البيت المحوري للحكمة في قصيدته فيقول: (صلاح أمرك للأخلاق مرجعه) ، (والنفس من شرها في مرتع وخم) ، وهنا يختلف أحمد شوقي مع الإمام البوصيري في فلسفتيهما تجاه الشر، فالشر عند الإمام البوصيري هو اللذة، أما عند شوقي فهو النفس الامارة بالسوء، فإن تستقم النفس تستقم الحياة وتعد شيئا جميلا. أما إذا لم تستقم فالشر كل الشر للناس وللحياة وللمسلمين، أما الإمام البوصيري فيعتبر أن النفس وعاء لما تقدمه لها، فإذا قدمت لها اللذة اتجهت إلى الشر وإذا منعت عنها هذا الترف وقومتها اتجهت إلى الخير. وهنا نجد أن فكرة الإمام البوصيري تخالف المذاهب الحسية التي تهتم
стр. 136
باللذة كوسيلة وغاية؛ أما شوقي فهو يأخذ الأمر مأخذا أخلاقيا يركز فيه تربويا على تربية النفس حتى تصل إلى درجة التقوى ولا يأخذ مذهبا جسديا في مسألة اللذة إنما يهتم أساسا بموقف تربوي أخلاقي ولا يهتم بسوى ذلك من الاتجاهات، فالنفس عند شوقي خيرة طالما هي خيرة والنفس شريرة ما لم تقوم من الصغر وتمنع من الاتجاه إلى الشر.
٣- في مدح الرسول ﷺ والمسلمين:
كان المدح هو أهم غرض من أغراض القصيدة العربية ويقابله الهجاء كغرض مضاد فإن تعرض الشاعر العربي لشخص، فأما بالمدح وأما بالهجاء ولا شيء بينهما، ومن هنا نستطيع أن نؤكد أن مدح الأشخاص أو هجائهم.. غرض أصيل من أغراض الشعر العربي من قبل ظهور الإسلام. ويبدأ كعب في دخوله إلى الغرض الأساسي في قصيدته وهو المدح بتمهيد ذكي، فهو لا يبدأ بتكريم وتعظيم الرسول ﷺ وهو بالأمس قد هاجمه فيواجه بهذا المدح المباشر عارا، وإنما يمهد لهذا المدح بوضع خاص بينه كواحد من الرعية وبين الرسول الكريم ﷺ كحاكم غاضب على هذا الشاعر، وكنبي ورسول سمع أن هذا الشاعر خارج على مذهبه ورسالته، فهو يأمل في العفو، ويتمنى الصفح قائلا في بداية هذا التمني (نبئت أن رسول الله أوعدني) . فيرد هذه المقولة التي تعني أن الرسول الكريم قد هدده بالقتل، يرد بأن العفو عند رسول الله مطموع فيه ومرجو، ولكن كيف يرجو هذا الشاعر وهو الذي هجا الرسول ﷺ وأن يأمل في العفو عند الرسول ﷺ ؟ .. إنه يقول بذكاء الداهية العربي مخاطبا الرسول الكريم:
(مهلا هداك الذي أعطاك نافلة القران) ..
وهو هنا يخاطبه بما يحب: (الله ﷻ والقران الكريم) ثم يتجه في هذا القسم المملوء مدحا طالبا بكل تواضع ألا يأخذه الرسول بأقوال غير مؤكدة لأنه لم يذن وإن كثرت فيه الأقاويل. وهنا نجد هذا الشاعر يمهد بكلام منطقي عند إنسان مختار من الله لصدقه وعقله وأمانته فهو يتجه إليه مخاطبا فيه عقله
стр. 137
ويؤكد تصديقه لرسالة الرسول الكريم. ويستمر كعب حتى يصل بأبياته في المدح إلى وصف الرسول بأنه الأسد الأكثر قوة وهو الذي لا يستطيع حازم أن يهزمه، وإلى أجمل أبيات القصيدة طرا «أن الرسول لنور يستضاء به، مهند من سيوف الله مسلول» وهنا وبكل ذكاء وبقوة التصوير والخيال يجمع لرسول الله ﷺ أهم صفتين يتصف بهما صاحب الرسالة وهما (قوة البيان والحجة) متمثلين في القران الذي يهدي ويضيء لمن حوله وقوة السيف التي تمنح قوة الانتشار. فهو نور الفكر ينشر بحد السيف، فنجد أن كعبا يتخذ من التفكير المنطقي والتشبيه المادي وسيلة لمدح الرسول الكريم فلا يشبهه بأخيلة بعيدة عن مدركات العقل أو حتى بعيدة عن مدركات العين والأذن. نعم هو لا يستطيع أن يخرج على أساليب المدح المادي البحتة وإن كان قد استخدم أخيلة وتشبيهات غاية في الجدة ولا اعتقد أن إنسانا قبله قد استطاع أن يكتب في مدح أفضل من هذا البيت وأمدح إذ يقول:
ان الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول
ثم ننتقل إلى الإمام البوصيري حين يمدح الرسول الكريم فنجده يمهد لمدح الرسول ﷺ بنوع من التطهر المادي والنفسي ويركز قبل المدح على زهده ويبين أمنيته في أن يكون أهلا لمدح رسول الله ﷺ ثم يصل إلى بداية المدح المباشر بقوله:
محمد سيد الكونين والثقلي ... ن والفريقين من عرب ومن عجم
نبينا الامر الناهي فلا أحد ... أبر في قول لا منه ولا نعم
وهنا نجد الإمام البوصيري يركز على العواطف الصوفية والأساليب الروحية في مدح الرسول الكريم ﷺ ، فقد فاق النبيين في خلق، ولم يدانوه في علم وهو يغرف من بحر العلم، وهو الذي تم معناه وصورته، ومنزه عن شريك في محاسنه فجوهر الحسن فيه غير منفصم، ثم يقارنه بعيسى ﵇ من حيث معجزاته، ثم يفضله على العرب نسبا، فهو من سلالة إبراهيم ﵊ أبي الأنبياء.
стр. 138
ونجد أن البوصيري قد أجاد في وصف الروحانيات وإن كان قد استخدم التشبيهات المادية في بعض الأبيات واصفا الرسول ﵊ بأبيات منها.
يقول:
فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وانه خير خلق الله كلهم
كالزهر في ترف والبدر في شرف ... والبحر في كرم والدهر في همم
لا طيب يعدل تريا ضم أعظمه ... طوبي لمنتشق منه وملتثم
ومن خلال هذه الأبيات نجد أن الإمام البوصيري قد وضع صفات الرسول الكريم ﷺ في موضع روحي لا ينزل به إلى المادية إلا إذا اضطر إلى ذلك اضطرارا.
ويتخذ شوقي طريق الإمام البوصيري في الوصول إلى المدح لرسول الله عن طريق الضراعة والاستغفار ومحاولة التطهر متوسلا بدموعه وعبراته ليقبل منه هذا المدح فيبدأ ببيت مشابه لبيت كعب القائل فيه:
(.. والعفو عند رسول الله مأمول) فيجاري كعبا في.. هذا المعنى مخاطبا الرسول ﷺ بقوله:
(ان جل ذنبي عن الغفران لي أمل في الله..)
وهو يبدأ بهذا ويصل فيه إلى أقصى درجات التذلل ويعتبر أن أقصى درجات التذلل للرسول الكريم ليست إلا شيئا يسيرا يقدمه كل ذي تقوى فهو كي يصل إلى مدح الرسول الكريم ﷺ لابد أن يمر بمرحلة من التذلل والاستكانة ولزوم بابه طلبا للعفو وللشفاعة يوم القيامة حيث لا يشفع عند الله إلا الرسول الكريم وبعد ذلك يصل في مدح الرسول الكريم إلى المخرج بين الوقائع التاريخية والصفات الروحية ويخلط بين الصفات النفسية والأشكال الطبيعية في الأجرام السماوية، مثل وصفه للرسول الكريم ﷺ بأنه صفوة الباري، وصاحب الحوض؛ ومن التاريخ نجده يستمد هذا التشبيه (نمو إليه.. ورب أصل للفرع في الفخار نمى) ..
стр. 139
ونكتشف أن شوقي قد استفاد ممن سبقه في كتابة المدائح النبوية وممّن نهج نهج بردة البوصيري مثل البارودي وغيره وقد حاول بموهبته الكبيرة أن يتفوق عليهم من حيث بساطة الوصف ومن حيث المقابلة الشديدة «فمحمد صفوة الباري ورحمته.. وصاحب الحوض يوم الرسل سائلة حتى الورود» أي أنه هو الذي يملك كل شيء بأمر الله، وهو المقدّم في الكون حتى على الأنبياء الذين اختارهم الله، على جبريل صاحب الوحي وأمينه. إن اختيار شوقي للألفاظ في هذا الجزء يؤكد أنه وصل إلى درجة راقية جدا في اختيار أقل الألفاظ غرابة وأبسط الألفاظ معنى، وذلك ليصل المعنى لكل سامع لهذه القصيدة، فلعل هدفه الرئيسي هو نشر هذه القصيدة على السنة العامة قبل الخاصة وبين بسطاء المسلمين قبل علمائهم.
٤- مولد الرسول ﷺ ووصف المسلمين من حوله: -
لم يتناول كعب غرض الوصف لمولد الرسول ﷺ فهذا الغرض لم يسبق للجاهليين أو المخضرمين أمثال كعب التطرق إليه، فهو لم يكن يعرف بالتفصيل كيف ولد الرسول الكريم ولم يكن قد استقر هذا الوصف في أذهانهم وطرأ عليها ولم يكن الرسول ﷺ قد سمح بالكتابة في مثل ذلك على الرغم من تأصل هذه الدلالات والاشارات والبشائر بميلاد الرسول ﷺ وما صحبه من ايات إلهية وأحداث كونية لا يعلمها ولا يقوم بها إلا الله (تنبيها لعباده وإشارة لهم بخلق جديد كان معلوما منذ عهد أبي الأنبياء إبراهيم ﵊، وتحقق في هذا اليوم بخلق سيد الخلق أجمعين) فكعب لم يكن قد تعمّق في الإسلام ولم يكن قد تعرف تعرفا جيدا على ملامحه وأصوله ومع ذلك فقد جاء كعب إلى الرسول ﷺ ليمنحه السلام والأمان فلما منحه الرسول ﷺ بغيته أنشأ يقول القصيدة وهو لم يترك عبادة الأصنام إلا في لحظته وساعته فلم يرتب ولم يقصد إلى مدح الرسول ﷺ من خلال ميلاده وإنما من خلال مجلسه في المسجد ومن حوله رجال الاسلام فركز على مدح الرسول ومدح المسلمين ولم يصف ميلاد
стр. 140
الرسول ﷺ واستبدل وصف الميلاد بأبيات يصف فيها المسلمين الأوائل بأنهم كالأسود وأن ملابسهم ملابس حرب، يملكون من الدنيا بدلة حرب سابغة وسيفا ورمحا ويملكون من الاخرة تهليلا للموت، والطعن لا يقع إلا في نحورهم. وهم لا يتلقون الطعن أبدا وهم مدبرون، وهنا نجد أن كعبا قد حاول التركيز على مدح الرسول بمدح صحابته رضوان الله عليهم والتابعين له، ولم يمدحهم إلا بما رأى منهم مباشرة فغزوة بدر قريبة وسمع عنها ما سمع، يصف ما سمع عن بأس المسلمين في الغزوات، وهو لا يقول هذا رياء وانما يقوله عن خوف من بطشهم، فقد سمع، هدد عندما اهدر دمه، وان تأكده من قوة المسلمين وبأسهم وتعاونهم وتعاضدهم وإيمانهم بما أنزل على الرسول الكريم ﷺ ، ذلك جعله ينبهر بدعوتهم ويمدحهم بما فيهم وليس بزخرف القول ولا بمنمق الكلم.
وبعد كعب نلتقي بالإمام البوصيري في وصفه مولد الرسول ﷺ فيتحدث الامام البوصيري في سلاسة ويسر ومباشرة عن مولد الرسول الكريم ﷺ فيشير إلى الايات والمظاهر التي صاحبت هذا المولد الكريم، من تصدّع الإيوان، وخمود نار المجوس، ويحيرة ساوة، وكيف غاضت، وأصوات الجن تهتف في السماء، وما إلى ذلك من مظاهر ودلالات سجّلها وأشار إليها كل من كتب في السيرة النبوية، واستمدها الإمام البوصيري وغيره، وأول هذه المعجزات حدوث هزيمة أبرهة في عام الفيل عام مولده ﷺ . وقد اتخذ الإمام البوصيري في حديثه عن مولد الرسول ﷺ أسلوبا جديدا على كتابته، فهو لم يخرج بنا إلى الروحانيات كعادته، ولا إلى التهويمات الميتافيزيقية، وإنما التزم التزاما شديدا بتعاقب الأحداث وتواليها، بلا مبالغة أو إضفاء شيء من الرهبة على هذه المواقف، وإنه رغب أن يوصلها لنا كما جاءت في كتب السيرة فهو ملتزم التزاما دقيقا لا يخرج في معظم أبياته عن النظم الجيد والمعنى التاريخي المؤكّد.
أما الشاعر أحمد شوقي فقد كتب ثمانية أبيات في وصف مولد الرسول ﷺ ولم يمزج الواقع بالخيال فقط، وانما مزج الواقع بالخيال وبالعاطفة المشبوبة للمسلم المحب لرسول الله ﷺ ، فهو لا يحكي بدقة المؤرخ، وإنما ينسج نسيجا شعريا
стр. 141
عاليا ممتلئا بشعور ديني جارف ينبض به قلب الشاعر ذاته، إذ يحكي عن البشائر التي بشرت في الشرق والغرب بالنور الذي انشق وسط الجزيرة العربية هذا النور الذي هزّ أنفس الطاغين وقلوبهم، وبدد أحلام البغاة وتصدعت شرفات الأيوان من صدمة الحق، ويستطرد شوقي في وصف يوم ميلاد الرسول فيقول: إنه قد أحاطه الظلام من كل جانب، ولكن نور هذا المولد العظيم قد بدد هذا الظلام الدامس، وأطل فجر الحق من هذا الظلام نورا ليهدي السبيل، وينير الطريق أمام المظلومين، ويظهر الحق ويبين العدل أمام الظالمين المستبدين، وهنا نستطيع أن نقول: أن الإمام البوصيري على الرغم من شاعريته وعاطفته وأسلوبه ورفاهة أغلب أجزاء القصيدة إلا أنه وقف موقفا كان فيه مفكرا بعقل العالم وقلب المؤرخ فأراد أن يكون علميا دقيقا إزاء ما ورد على خاطره حول مولد الرسول ﷺ لا يضيف ولا يتطرق للحذف، ولا يطمح الشاعر طموحا حادا فيكون إماما للمسلمين بل هو موصل جيد دقيق لأحداث مولد الرسول الكريم ﷺ .
أما أحمد شوقي فلم يعبأ بالدقة العلمية وان لم يتجاهلها فقد امتص كل المعلومات التاريخية المعروفة عن المعجزات التي صاحبت مولد الرسول الكريم وهضمها في وجدانه هضما جيدا وجعلها تمر من خلال عاطفته الإسلامية الجياشة المتفجرة بحب رسول الله ﷺ فهاجت به الأشواق وفاض معين الشعر بأبيات مملوءة بالعاطفة نسجها مشبعا بالحب والوجد والعشق لذكرى الرسول الكريم ﷺ ولذكرى مولده، ولما حدث انذاك من معجزات.
٥- في اظهار معجزات الرسول ﷺ : -
بدأ كعب مدح الرسول الكريم ﵊ بسؤاله التمهل والإشفاق ويضيف بأنه قد أعطاه الله نافلة القران (والنافلة هي العطية والعطية هي ما يعطاه الإنسان زيادة عن باقي الخلق) وفي القران مواعظ وتفصيل بين دفتيه يجد الإنسان العظة والعبرة وبين دفتيه يجد تفاصيل ما حدث في سالف الأزمان بقصد العظة والعبرة ولم يتحدث كعب عن معجزات الرسول ﷺ إلا عن
стр. 142
القران، لأنه ليس من شيم الشعراء أن يكتبوا ما لا يعرفون، وهنا نؤكد أن كعب بن زهير قد كتب عما عرفه عن الرسول ﷺ وهو لم يقصر في ذلك عن وإنما من الممكن أن يكون تقصيره في تناول باقي المعجزات ناتجا عن حداثة عهده بالإسلام، وهو لا يعرف من أصوله وفقهه وتفاصيله إلا النذر عن ووعي اليسير.
أما الإمام البوصيري فقد كتب عن معجزات الرسول ﷺ بالتفصيل وأعطى لكل معجزة من معجزاته فسحة بين أبياته حتى غطى جانبا كبيرا من معجزات الرسول ﷺ التي لم تكن لإبهار الناس، وإنما كانت معجزات تكميلية لاياته الكبرى ومعجزته العظمى القران الكريم الذي انزل عليه من الله جل وعلا.
فيتطرق الإمام البوصيري لتفاصيل دقيقة وردت في السيرة النبوية لابن هشام إذ يذكر دعوة الرسول ﷺ للشجرة فتلبى دعوته، وتسجد له، ثم ينتقل إلى الغمامة التي ظللته وهو مسافر في الصحراء، ومعجزة شق القلب، وهو في طفولته، وانشقاق القمر يوم مولده، ثم يتناول بالتفصيل معجزة الغار وكيف خرج من مكة والكبار يترصدون بيته حاملي السلاح منتظرين خروجه ليقتلوه ثم يتطرق لوجوده مع الصديق في الغار، وكيف أن الله قد أوحى إلى الحمامتين والعنكبوت بالرقاد والنسيج لصرف الكفار عن الغار والانصراف عن ملاحقة الرسول ﷺ وصاحبه ويعتبر ان الله قد منح الرسول ﷺ وصاحبه رضى الله عنه معجزة تغنيهما عن الخوف وتعطيهما الأمان، ثم ينتقل البوصيري إلى معجزتي الاسراء والمعراج فيتحدث فيهما بنفس مطمئنة واثقة لا قلق يعتريها تجاه هذه الأحداث التي تروع العقل فلا يصدقها إلا مؤمن مصدق قادر على استيعاب هذا الحدث فكيف لإنسان أن يخترق الأرض فيافي وقفارا من مكة المكرمة إلى القدس المشرفة ويجتمع في مسجدها بكل الأنبياء السابقين الذين ماتوا منذ عهود بعيدة.
فهذا سيدنا إبراهيم خليل الله أبو الأنبياء يستقبل اخر الأنبياء وخاتم النبيين على باب المسجد ويقدمه ليؤمهم، فمحمد ﵊ مقدم على جميع الأنبياء والرسل ثم يصلي بهم ثم يعرج إلى السماوات العلا مخترقا سبع السموات
стр. 143
حتى وصل إلى ما لم يصل إليه نبي سواء، ونودي هناك بأنه أعلى الأنبياء مكانة وأقرب بني ادم إلى الله.
ويواصل الامام البوصيري تقديره وفخاره بالرسول الكريم وبمعجزته الثانية الاسراء والمعراج بأسلوب يمتزج فيه وقائع هذا الحدث العظيم بعاطفة الإمام البوصيري من حب وتقدير وشوق وانبهار بالرسول الكريم ﷺ ويتميز هذا الجزء في البردة بأنه أرق الأجزاء اختيارا للألفاظ وأدقها تعبيرا عن المشاعر.
أما شوقي فيبدأ بداية تختلف عن الإمام البوصيري في شيء ويتفق معه في أشياء إذ يبدأ مدحه للرسول ﵊ واظهار معجزاته ابتداء بقول جبريل ﵇ للرسول الكريم ﵊ في غار حراء عندما بدأ ابلاغه الوحي (اقرأ) وكيف يقرأ من لم يتعلم كيف يقرأ، وهذا شيء مستحيل، بل ومعجزة، فهذه هي أول المعجزات للنبي الكريم، واتخذ شوقي هذه المعجزة بداية للمعجزات جميعا لأنها في نظره أهم المعجزات، فهي أمر من الله للناس بالحض على العلم واعتباره في صدارة الأوامر الاسلامية، ثم ينتقل بعد ذلك إلى المعجزة الحسية الأولى في الاسلام وهي نزول القران الكريم، ويصف شوقي هذه المعجزة بأنها جاءت للناس بعد طول انتظار، وجاءت بما فيه خيرهم ولا تبديل يمسه، ولا تغيير يصيبه، فالله حافظا وكل الأنبياء والرسل السابقون على محمد بن عبد الله ﷺ جاؤا بايات وكتب، ولكن على مر السنين داخلتها الشوائب ولم يحفظها التاريخ بصورتها النقية كما نزلت من عند الله تعالى. أما القران فقد نزل ونزل معه تعهد واقرار وتأكيد من الله ﷻ بأنه أنزل القران وأنه حافظ له لأن القران الكريم هو الدستور الذي لا يجب أن يبدله الخلق بل يجب عليهم الالتزام كل الالتزام بكل تعاليمه وبدقة متناهية وكيف لا وهو خاتم وأفصح الكتاب بيانا، وهو كما قال العرب ليس بنظم وليس بشعر وليس بكهانة، انما هو نثر محكم، وأفصح بيانا وهذا القران العظيم يتحدى كافة العرب أن يأتوا بمثله أو باية منه فلا يعرف فصحاء العرب وأصحاب اللغة أن يدركوا منه اية وهو إلى جانب هذا نسق صوتي يطرب السمع ويشفي النفس من أدرانها ويشرح الصدور
стр. 144
ويزيل انقباضها، فقد أنزله الله ليوقظ به القلوب من غفلتها ويعيد الثقة للنفوس التي ضاعت وباعت نفسها للشيطان وعبادة الأصنام فيبعث فيها الطمأنينة والثقة، وينزع منها الضعف البشري، فالقران يحمي القلوب ويحيي ميت الهمم بل ويحيي كافة الأجيال القادمة ان هم تمسكوا بما جاء به من أحكام ونواه وحدود وينتقل شوقي متتبعا مراحل السيرة النبوية بما له من علم بكتب السيرة وروايات الصحابة والتابعين وتابعيهم واقتداء بإمامة الإمام البوصيري في تلمس أحداث السيرة النبوية من خلال بردته العصماء فيقول بأسلوب فيه بساطة التراكيب لدرجة معها اقترب الشعر من النثر بجمله المباشرة ولكنها في نفس الوقت ذات موسيقى خارجية لها رنين قوي وجرس خفيف إذ يقول:
أسرى بك الله ليلا إذ ملائكة ... والرسل في مسجد الأقصى على قدم
ثم يتحدث عن وصول الرسول المعجز والمعجزة وكيف استقبله هؤلاء الأنبياء وهؤلاء الملائكة فيقول بنفس الأسلوب: لما خطرت به التفوا بسيدهم ثم (صل وراءك..) وبهذا الحديث ينهي رحلة الإسراء من أرض مكة إلى المسجد الأقصى بالقدس ثم يعرج بنا شوقي إلى السماء حيث عرج جبريل ﵇ بالرسول فينتقل شوقي من بساطته التي تكاد تبلغ حد النثر إلى تراكيب شعرية وأخيلة غاية في الجدة والغرابة إذ يقول: (جبت السموات.. على منورة درية اللجم) .. ثم يعود فيقر بأن هذا ليس معجزة عادية، وإنما هي بمشيئة الله وقدرته، فهو الذي يستطيع واحده أن يرفع إليه رسوله الحبيب كما رفع من قبله المسيح عيسى بن مريم، بل ويفضل محمدا ﵊ على كافة الأنبياء والرسل ولا يكفيه أن يرفعه فقط، وانما يقدمه على سائر الأنبياء بل يضعه على عرش النبوة فلا أحد يفوق محمد بن عبد الله ﵊، فقد وهب كل شيء بصعوده إلى السماء السابعة وقد حاز بهذا الصعود الدين والدنيا، وها هو شوقي ينتقل من معجزة الإسراء والمعراج إلى معجزة أخرى وهي كيف أحاط الرسول ﵊ وهو الأنسي الذي لم يتعلم بكل هذه المنن التي قلده الله بها بلا عد ولا حصر، فقد أعطاه الله القدرة على التنبؤ بما سيحدث بأمر الله
стр. 145
وأن يعرف كل ما حوت الدنيا من علوم حتى السر المكنون ثم ينتقل شوقي إلى معجزة أخرى أكثر واقعية وهي معجزة الهجرة وكيف خرج بصحبة أبو بكر الصديق ويطارده سادة قريش عصبة الشرك ويحاولون اكتشاف أثره وبأمر الله صموا عن سمع تسبيح الرسول ﷺ وصديقه رضى الله عنه وهما أقرب إليهم من حبل الوريد، ويأمر الله العنكبوت والحمام بالتمويه على الكفار بوجودهما بباب الغار ثم يؤكد أنه لولا أن محمد بن عبد الله ﷺ ورفيقه رضى الله عنه في رحلة الهجرة قد تواريا واستترا وضما إلى جناح الله لما قامت لهذا القران قائمة ولولا تعداهما وحب الله لهما لما تركهما الكفار ولولا حماية الله لهما ما سلما.
ونجد الامام البوصيري في هذا الجزء وان كان يتكلم عن المعجزات إلا أنه يخاطب عقل المسلم ويذكره بأوصاف يعرفها كل من قرأ السيرة لا يختار ما هو مبهر للخيال ولا يختار الفاظا غير معتادة بل يتحرى الكلام العربي والألفاظ الفصحى من أصولها اللغوية بعيدا عن التراكيب اللغوية المعقدة والأخيلة المركبة انما كتب في لغة شعرية رصينة وقورة. أما أمير الشعراء أحمد شوقي فقد اختار أسلوبا مغايرا هذه المرة لأسلوبه المعتاد، فقد اختار أسلوبين متناقضين: الأسلوب الأول تحرى فيه البساطة حتى ليبلغ مبلغ النثر الفني ولكن إذا دققنا النظر في قراءته متأنية نجد أنه شعر وأي شعر يلتزم بهذا الأسلوب في معجزات الرسول كالعلم والقراءة وهو الأمي، ثم معجزة القران الكريم ليبين من خلال بساطة تراكيبه وبساطة الفاظه وبساطة معانيه عظمة القران واعجازه، وحتى عندما يبدأ في وصف معجزة الاسراء نجده يلتزم بهذه البساطة في الأسلوب واختيار الكلمات والتراكيب الشعرية واللغوية، ولكنه عندما يبدأ في وصف رحلة المعراج إلى السماء فيغير منحناه الشعري رغم التزامه بالوزن والقافية ويغير من روح الشعر، فالألفاظ تمتليء بالظلال وبالنور، وتمتليء بالخيال الجامح مع الاهتمام باختيار الألفاظ، فالألفاظ لها جرس خاص، إنها كلمات لم يسبقه إليها شاعر من كتاب البردة أو مداحي رسول الله ﷺ ولم يصلوا لمثلها ومنها: (جبت السموات.. منورة درة اللجم.. ركوبة لك من عز ومن شرف.. مشيئة الخالق الباري.. ويا محمد