← Сира

Сира · id 9792

ثلاثية البردة بردة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

حسن حسين

Полный текст (184 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عاليا ممتلئا بشعور ديني جارف ينبض به قلب الشاعر ذاته، إذ يحكي عن البشائر التي بشرت في الشرق والغرب بالنور الذي انشق وسط الجزيرة العربية هذا النور الذي هزّ أنفس الطاغين وقلوبهم، وبدد أحلام البغاة وتصدعت شرفات الأيوان من صدمة الحق، ويستطرد شوقي في وصف يوم ميلاد الرسول فيقول: إنه قد أحاطه الظلام من كل جانب، ولكن نور هذا المولد العظيم قد بدد هذا الظلام الدامس، وأطل فجر الحق من هذا الظلام نورا ليهدي السبيل، وينير الطريق أمام المظلومين، ويظهر الحق ويبين العدل أمام الظالمين المستبدين، وهنا نستطيع أن نقول: أن الإمام البوصيري على الرغم من شاعريته وعاطفته وأسلوبه ورفاهة أغلب أجزاء القصيدة إلا أنه وقف موقفا كان فيه مفكرا بعقل العالم وقلب المؤرخ فأراد أن يكون علميا دقيقا إزاء ما ورد على خاطره حول مولد الرسول ﷺ لا يضيف ولا يتطرق للحذف، ولا يطمح الشاعر طموحا حادا فيكون إماما للمسلمين بل هو موصل جيد دقيق لأحداث مولد الرسول الكريم ﷺ . أما أحمد شوقي فلم يعبأ بالدقة العلمية وان لم يتجاهلها فقد امتص كل المعلومات التاريخية المعروفة عن المعجزات التي صاحبت مولد الرسول الكريم وهضمها في وجدانه هضما جيدا وجعلها تمر من خلال عاطفته الإسلامية الجياشة المتفجرة بحب رسول الله ﷺ فهاجت به الأشواق وفاض معين الشعر بأبيات مملوءة بالعاطفة نسجها مشبعا بالحب والوجد والعشق لذكرى الرسول الكريم ﷺ ولذكرى مولده، ولما حدث انذاك من معجزات. ٥- في اظهار معجزات الرسول ﷺ : - بدأ كعب مدح الرسول الكريم ﵊ بسؤاله التمهل والإشفاق ويضيف بأنه قد أعطاه الله نافلة القران (والنافلة هي العطية والعطية هي ما يعطاه الإنسان زيادة عن باقي الخلق) وفي القران مواعظ وتفصيل بين دفتيه يجد الإنسان العظة والعبرة وبين دفتيه يجد تفاصيل ما حدث في سالف الأزمان بقصد العظة والعبرة ولم يتحدث كعب عن معجزات الرسول ﷺ إلا عن

стр. 142

القران، لأنه ليس من شيم الشعراء أن يكتبوا ما لا يعرفون، وهنا نؤكد أن كعب بن زهير قد كتب عما عرفه عن الرسول ﷺ وهو لم يقصر في ذلك عن وإنما من الممكن أن يكون تقصيره في تناول باقي المعجزات ناتجا عن حداثة عهده بالإسلام، وهو لا يعرف من أصوله وفقهه وتفاصيله إلا النذر عن ووعي اليسير. أما الإمام البوصيري فقد كتب عن معجزات الرسول ﷺ بالتفصيل وأعطى لكل معجزة من معجزاته فسحة بين أبياته حتى غطى جانبا كبيرا من معجزات الرسول ﷺ التي لم تكن لإبهار الناس، وإنما كانت معجزات تكميلية لاياته الكبرى ومعجزته العظمى القران الكريم الذي انزل عليه من الله جل وعلا. فيتطرق الإمام البوصيري لتفاصيل دقيقة وردت في السيرة النبوية لابن هشام إذ يذكر دعوة الرسول ﷺ للشجرة فتلبى دعوته، وتسجد له، ثم ينتقل إلى الغمامة التي ظللته وهو مسافر في الصحراء، ومعجزة شق القلب، وهو في طفولته، وانشقاق القمر يوم مولده، ثم يتناول بالتفصيل معجزة الغار وكيف خرج من مكة والكبار يترصدون بيته حاملي السلاح منتظرين خروجه ليقتلوه ثم يتطرق لوجوده مع الصديق في الغار، وكيف أن الله قد أوحى إلى الحمامتين والعنكبوت بالرقاد والنسيج لصرف الكفار عن الغار والانصراف عن ملاحقة الرسول ﷺ وصاحبه ويعتبر ان الله قد منح الرسول ﷺ وصاحبه رضى الله عنه معجزة تغنيهما عن الخوف وتعطيهما الأمان، ثم ينتقل البوصيري إلى معجزتي الاسراء والمعراج فيتحدث فيهما بنفس مطمئنة واثقة لا قلق يعتريها تجاه هذه الأحداث التي تروع العقل فلا يصدقها إلا مؤمن مصدق قادر على استيعاب هذا الحدث فكيف لإنسان أن يخترق الأرض فيافي وقفارا من مكة المكرمة إلى القدس المشرفة ويجتمع في مسجدها بكل الأنبياء السابقين الذين ماتوا منذ عهود بعيدة. فهذا سيدنا إبراهيم خليل الله أبو الأنبياء يستقبل اخر الأنبياء وخاتم النبيين على باب المسجد ويقدمه ليؤمهم، فمحمد ﵊ مقدم على جميع الأنبياء والرسل ثم يصلي بهم ثم يعرج إلى السماوات العلا مخترقا سبع السموات

стр. 143

حتى وصل إلى ما لم يصل إليه نبي سواء، ونودي هناك بأنه أعلى الأنبياء مكانة وأقرب بني ادم إلى الله. ويواصل الامام البوصيري تقديره وفخاره بالرسول الكريم وبمعجزته الثانية الاسراء والمعراج بأسلوب يمتزج فيه وقائع هذا الحدث العظيم بعاطفة الإمام البوصيري من حب وتقدير وشوق وانبهار بالرسول الكريم ﷺ ويتميز هذا الجزء في البردة بأنه أرق الأجزاء اختيارا للألفاظ وأدقها تعبيرا عن المشاعر. أما شوقي فيبدأ بداية تختلف عن الإمام البوصيري في شيء ويتفق معه في أشياء إذ يبدأ مدحه للرسول ﵊ واظهار معجزاته ابتداء بقول جبريل ﵇ للرسول الكريم ﵊ في غار حراء عندما بدأ ابلاغه الوحي (اقرأ) وكيف يقرأ من لم يتعلم كيف يقرأ، وهذا شيء مستحيل، بل ومعجزة، فهذه هي أول المعجزات للنبي الكريم، واتخذ شوقي هذه المعجزة بداية للمعجزات جميعا لأنها في نظره أهم المعجزات، فهي أمر من الله للناس بالحض على العلم واعتباره في صدارة الأوامر الاسلامية، ثم ينتقل بعد ذلك إلى المعجزة الحسية الأولى في الاسلام وهي نزول القران الكريم، ويصف شوقي هذه المعجزة بأنها جاءت للناس بعد طول انتظار، وجاءت بما فيه خيرهم ولا تبديل يمسه، ولا تغيير يصيبه، فالله حافظا وكل الأنبياء والرسل السابقون على محمد بن عبد الله ﷺ جاؤا بايات وكتب، ولكن على مر السنين داخلتها الشوائب ولم يحفظها التاريخ بصورتها النقية كما نزلت من عند الله تعالى. أما القران فقد نزل ونزل معه تعهد واقرار وتأكيد من الله ﷻ بأنه أنزل القران وأنه حافظ له لأن القران الكريم هو الدستور الذي لا يجب أن يبدله الخلق بل يجب عليهم الالتزام كل الالتزام بكل تعاليمه وبدقة متناهية وكيف لا وهو خاتم وأفصح الكتاب بيانا، وهو كما قال العرب ليس بنظم وليس بشعر وليس بكهانة، انما هو نثر محكم، وأفصح بيانا وهذا القران العظيم يتحدى كافة العرب أن يأتوا بمثله أو باية منه فلا يعرف فصحاء العرب وأصحاب اللغة أن يدركوا منه اية وهو إلى جانب هذا نسق صوتي يطرب السمع ويشفي النفس من أدرانها ويشرح الصدور

стр. 144

ويزيل انقباضها، فقد أنزله الله ليوقظ به القلوب من غفلتها ويعيد الثقة للنفوس التي ضاعت وباعت نفسها للشيطان وعبادة الأصنام فيبعث فيها الطمأنينة والثقة، وينزع منها الضعف البشري، فالقران يحمي القلوب ويحيي ميت الهمم بل ويحيي كافة الأجيال القادمة ان هم تمسكوا بما جاء به من أحكام ونواه وحدود وينتقل شوقي متتبعا مراحل السيرة النبوية بما له من علم بكتب السيرة وروايات الصحابة والتابعين وتابعيهم واقتداء بإمامة الإمام البوصيري في تلمس أحداث السيرة النبوية من خلال بردته العصماء فيقول بأسلوب فيه بساطة التراكيب لدرجة معها اقترب الشعر من النثر بجمله المباشرة ولكنها في نفس الوقت ذات موسيقى خارجية لها رنين قوي وجرس خفيف إذ يقول: أسرى بك الله ليلا إذ ملائكة ... والرسل في مسجد الأقصى على قدم ثم يتحدث عن وصول الرسول المعجز والمعجزة وكيف استقبله هؤلاء الأنبياء وهؤلاء الملائكة فيقول بنفس الأسلوب: لما خطرت به التفوا بسيدهم ثم (صل وراءك..) وبهذا الحديث ينهي رحلة الإسراء من أرض مكة إلى المسجد الأقصى بالقدس ثم يعرج بنا شوقي إلى السماء حيث عرج جبريل ﵇ بالرسول فينتقل شوقي من بساطته التي تكاد تبلغ حد النثر إلى تراكيب شعرية وأخيلة غاية في الجدة والغرابة إذ يقول: (جبت السموات.. على منورة درية اللجم) .. ثم يعود فيقر بأن هذا ليس معجزة عادية، وإنما هي بمشيئة الله وقدرته، فهو الذي يستطيع واحده أن يرفع إليه رسوله الحبيب كما رفع من قبله المسيح عيسى بن مريم، بل ويفضل محمدا ﵊ على كافة الأنبياء والرسل ولا يكفيه أن يرفعه فقط، وانما يقدمه على سائر الأنبياء بل يضعه على عرش النبوة فلا أحد يفوق محمد بن عبد الله ﵊، فقد وهب كل شيء بصعوده إلى السماء السابعة وقد حاز بهذا الصعود الدين والدنيا، وها هو شوقي ينتقل من معجزة الإسراء والمعراج إلى معجزة أخرى وهي كيف أحاط الرسول ﵊ وهو الأنسي الذي لم يتعلم بكل هذه المنن التي قلده الله بها بلا عد ولا حصر، فقد أعطاه الله القدرة على التنبؤ بما سيحدث بأمر الله

стр. 145

وأن يعرف كل ما حوت الدنيا من علوم حتى السر المكنون ثم ينتقل شوقي إلى معجزة أخرى أكثر واقعية وهي معجزة الهجرة وكيف خرج بصحبة أبو بكر الصديق ويطارده سادة قريش عصبة الشرك ويحاولون اكتشاف أثره وبأمر الله صموا عن سمع تسبيح الرسول ﷺ وصديقه رضى الله عنه وهما أقرب إليهم من حبل الوريد، ويأمر الله العنكبوت والحمام بالتمويه على الكفار بوجودهما بباب الغار ثم يؤكد أنه لولا أن محمد بن عبد الله ﷺ ورفيقه رضى الله عنه في رحلة الهجرة قد تواريا واستترا وضما إلى جناح الله لما قامت لهذا القران قائمة ولولا تعداهما وحب الله لهما لما تركهما الكفار ولولا حماية الله لهما ما سلما. ونجد الامام البوصيري في هذا الجزء وان كان يتكلم عن المعجزات إلا أنه يخاطب عقل المسلم ويذكره بأوصاف يعرفها كل من قرأ السيرة لا يختار ما هو مبهر للخيال ولا يختار الفاظا غير معتادة بل يتحرى الكلام العربي والألفاظ الفصحى من أصولها اللغوية بعيدا عن التراكيب اللغوية المعقدة والأخيلة المركبة انما كتب في لغة شعرية رصينة وقورة. أما أمير الشعراء أحمد شوقي فقد اختار أسلوبا مغايرا هذه المرة لأسلوبه المعتاد، فقد اختار أسلوبين متناقضين: الأسلوب الأول تحرى فيه البساطة حتى ليبلغ مبلغ النثر الفني ولكن إذا دققنا النظر في قراءته متأنية نجد أنه شعر وأي شعر يلتزم بهذا الأسلوب في معجزات الرسول كالعلم والقراءة وهو الأمي، ثم معجزة القران الكريم ليبين من خلال بساطة تراكيبه وبساطة الفاظه وبساطة معانيه عظمة القران واعجازه، وحتى عندما يبدأ في وصف معجزة الاسراء نجده يلتزم بهذه البساطة في الأسلوب واختيار الكلمات والتراكيب الشعرية واللغوية، ولكنه عندما يبدأ في وصف رحلة المعراج إلى السماء فيغير منحناه الشعري رغم التزامه بالوزن والقافية ويغير من روح الشعر، فالألفاظ تمتليء بالظلال وبالنور، وتمتليء بالخيال الجامح مع الاهتمام باختيار الألفاظ، فالألفاظ لها جرس خاص، إنها كلمات لم يسبقه إليها شاعر من كتاب البردة أو مداحي رسول الله ﷺ ولم يصلوا لمثلها ومنها: (جبت السموات.. منورة درة اللجم.. ركوبة لك من عز ومن شرف.. مشيئة الخالق الباري.. ويا محمد

стр. 146

هذا العرش فاستلم..) وفي ذلك تقديم لمحمد بن عبد الله ﷺ على سائر الأنبياء والرسل وتعظيم لشأنه بقربه من الله. وهذا جرس ذو رنين خاص يجمع بين الرهبة والسلامة والألفة مؤكدا أن أحمد شوقي أراد أن يفصل معجزة الاسراء والمعراج عن غيرها لما لها من خاصية تفوق كافة معجزات الرسول ﷺ ، فكل معجزاته فيما عدا الاسراء والمعراج منطقية وقريبة من العقل ولا تحتاج إلى خيال أو قدرة إيمانية خاصة لتصديقها أما قصة الاسراء والمعراج فهي تحتاج إلى قدرة عاتية خاصة بالمسلمين فقط، بل وبالمسلمين العارفين أصول دينهم والواثقين بقدرة الله عليهم ومنهم أحمد شوقي فقد أراد أن يكرم هذه المعجزة، فأضفى على جرس وصفه لها مهابة وعظمة مع بساطة والفة بحيث صارت تجمع بين النقيضين (المهابة والجرس الفخم، والألفة والبساطة) والتي استطاع أن يتفوق فيها على إمامه وشيخه البوصيري تفوقا ليس إيمانيا فقط ولكن تفوقا فنيا في اختيار الألفاظ والأخيلة والمعاني وفي النسق الموسيقي الخارجي والموسيقي الداخلية لشعره، ويعتبر تناول وصف المعجزات ومولد الرسول ﷺ تفوقا تاما لأحمد شوقي على الإمام البوصيري من الناحية الفنية. ٦- طلب الأمان: - وهذا الغرض اقتصر على كعب بن زهير فلم يكتب فيه كل من الإمام البوصيري أو أحمد شوقي لانتقاء طلب الأمان لديهما ولأنهما مسلمان أما كعب فهو يطلب الأمان لأنه لم يكن قد أسلم بعد، وإنما تم إسلامه قبيل إلقائه القصيدة أمام الرسول ﷺ بلحظات قصار، فهو يبين لنا أن الناس المغرضين قد نبئوه أي أنه لم يسمع بنفسه، ولذلك فعندما وقف أمام الرسول ﵊ يطلب منه بأسلوب رقيق قائلا: (مهلا) وهو طلب من الأدنى إلى الأعلى ثم تلاه بكلمة (هداك) وهي توحي بالمدح وتعني بالتفصيل يا من هداك الله، ومن السياق ككل يطلب كعب من الرسول ﷺ أن يتمهل في عقابه بحق الرسالة التي أعطاها الله له ﷺ كما يطلب في البيت الذي يليه أن يترفق به وأن يعيد التحقيق

стр. 147

معه فيقول له بتعبير رقيق فيه الرجاء (لا تأخذني) ولا هنا الناهية، والغرض من النهي طلب العفو، ولو قال لا تأخذني كنهى حقيقي لوضع نفسه بمكان الرسول ﷺ ، ولكنه هنا يضع نفسه في مكان صغير وضعيف نسبة إلى مكانة الرسول ﷺ ثم يؤكد للرسول بعد ذلك براءته من أي ذنب عاقبه عليه. ويبلغ كعب بن زهير في هذه الأبيات الثلاثة درجة عالية في دقته، فهو على الرغم من وصفه للناقة في واحد وعشرين بيتا لم يبلغ في دقة التعبير فيها ما بلغه في تلك الأبيات الثلاثة التي اختصت بطلب الأمان فهو مركزّ، دقيق التعبير، دقيق في اختيار اللفظ الموحي، الذي يدل دلالة ليس فيها صدق المعنى وصدق الاحساس فحسب، بل فيها الرهبة الشديدة تجاه الرسول وصدق الايمان الذي فاجأه برؤية الرسول ﷺ بسماته وبهيبته التي دخلت قلب كعب حتى أنه تقدم وطلب الأمان ولا ريب أن هذه الأبيات هي مناط قوله للقصيدة ككل، ففيها حاجة كعب من الرسول ﷺ ، وفيها طلبه للأمان الذي أعطاه إياه الرسول ﷺ قبل دقائق معدودة من إلقائه للقصيدة أمام الرسول ﷺ وكان محور القصيدة وأساسها هو هذه الأبيات الثلاثة، وعلى أساسها بنى كعب كل قصيدته التي لم يقلها إلا رغبة في حسن الأثر عند الرسول ﷺ فما كان من عادة العرب أن يمدحوا العظيم بأبيات قلائل، فما بالنا بالرسول ﷺ وهو اخر الأنبياء والرسل، وقد جاءه فطحل من كبار شعراء العرب وكان قد وصلت إلى الرسول ﷺ أبيات منحولة عليه يسبه فيها فماذا يفعل هذا الشاعر إلا أن يقف ويستعرض بلاغته وقدرته الشعرية في أبيات كثيرة، ولكنه عندما يعرض حاجته عند الرسول الكريم وهي طلب العفو عنه فهو بكل صدق وبكل عمق وبكل رغبة في الأمان يطلبها في ثلاثة أبيات فقط لتكون مركزة تركيزا شديدا. ٧- الجهاد في سبيل الله: في هذا الجزء كتب كل من الشعراء الثلاثة بقدر علمه وبقدر معايشته للإسلام، فمنهم من لم يدرك إلا غزوة أو بعض غزوات ككعب بن زهير، أما

стр. 148

الإمام البوصيري وأحمد شوقي فقد كتبا عن جهاد الرسول ﷺ . كل من وجهة نظره وبعلم كامل بعظمة الرسول ﷺ . ولكن من خلال معطيات عصره فنجد أن كعبا عندما يتكلم فانه- وكما سبق أن قلنا- يتكلم كلام حديث عهد بالاسلام ومع أنه كان حديث عهد في الاسلام إلا أنه قد سمع ورأى وأحس بقوة هذا الدين الجديد وببأس أصحابه وقدرتهم فهو يصف هذه القدرة بأنها قدرة من لا يقبل أن يطعن في ظهره، بل يقبل على الموت وهو يهلل فرحا به طمعا في شهادة لا ريب فيها وهذا في البيت الأخير من القصيدة، وقد سبق أن تكلمنا عن هذه الأبيات الخاصة بجهاد المسلمين في الجزء الخامس بمدح الرسول ﷺ ومدح المسلمين عند كعب، وننتقل من كعب إلى الإمام البوصيري وهو يتكلم عن جهاد الرسول ﷺ فهو مادح له ولكل مسلم من المسلمين الذين شاركوا الرسول ﷺ في سبيل الله وهو هنا ينظر إلى الجهاد نظرة أكثر عمقا وفهما لمعنى الجهاد في الإسلام، فليست الرهبة والغزو واستخدام السيف والرمح هي الجهاد في الاسلام، وإنما هو الجهاد مع المشركين أولا بمحاولة اقناعهم بالدين الاسلامي بالحجة والكلمة الطيبة ثم محاربة كل من يخرج على اطار الدين ولا يرضى بالجزية، وكأن الإمام البوصيري يريد أن يبينّ مرة أخرى موقف الناس من ظهور الرسالة المحمدية إذ يبتديء هذا الجزء من القصيدة بأن يصف فزع الناس وخاصة أعداء الرسول عند سماعهم بأن الله جل وعلا قد بعث محمدا ﷺ للعرب رسولا، وهذا الخوف والفزع قد أدى إلى التصادم مع المؤمنين بالرسالة المحمدية وإيذائهم، ويستمر الإمام البوصيري في وصفه للجسارة وقوة المسلمين وفي عظمة الرسول ﷺ في جهاده خلال اثنين وعشرين بيتا يذكر فيها مدى انتصارات المسلمين وكيف أنهم كالجبال لا يتعرض لهم عدو إلا هزموه وقهروه، ويصف المسلمين المحاربين بأن لهم علامة تميزهم مثل الورد فهم يتميزون عن غيرهم من الأشياء بالرائحة فتحسبهم كالأزهار، ويصفهم بأنهم من كثرة استمرارهم بالحرب على ظهور الخيل كأنهم قد نبتوا في ظهور خيلهم لا يريدون النزول بإرادتهم وليسوا مجبرين على ذلك ولكنهم يقتدون بقائدهم ﷺ محمد بن عبد الله الذي يصفه الشاعر بأنه

стр. 149

إذا رأته الأسد تسكت غما وخوفا وكمدا، ويستمر في أبياته المشيدة بالرسول الكريم ﷺ وبجنوده المسلمين حتى ينتهي إلى أن الرسول الكريم لا يفارق جنوده فهو كالأسد مع أشباله يربيهم ويعلمهم ولا يفارقهم في السراء والضراء ثم ينهي الإمام البوصيري حديثه نهاية خاصة فيشير إلى هذا العلم الحربي والرسول الأمي وهذا التأدب باداب المعارك والحرب، وهو الطفل اليتيم الذي تربى في حجر جده وعمه، ونرى أن الإمام البوصيري على الرغم من حبه الزائد المفترض في كل مسلم كريم لم يكن موفقا في هذا الجزء توفيقه في الأجزاء الاخرى من قصيدته البردة أو أنه لم يوفق في رأينا لبعد المسافة بين ألفاظ عصره وألفاظ عصرنا، وان ايقاع القصيدة في هذا الجزء إيقاع بسيط لا يتناسب مع الغرض الفني وهو الجهاد، والجهاد يعني الحرب بسرعتها وكرها وفرها، أين هذا الشعر في غرض مشابه من شعر امرؤ القيس حين يقول: مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السبيل من علل أين هذا الايقاع السريع في قصيدة البوصيري، الايقاع ذو الكلمات ذات النسق الصوتي لوقع الأقدادم والكر والفر في الحرب فكأننا نحضرها. ومن أقوى أبيات هذا الجزء عند الامام البوصيري هو البيت الذي يقول فيه: وسل حنينا، وسل بدار، وسل أحدا ... فصول حتفا لهم أدهى من الوخم ولكننا نرى أن الإيقاع عند الامام البوصيري إيقاع بطيء بل شديد البطء ولا يعبر بأي حال عن لغرض المنوط بهذا الجزء- والذي سبق أن ذكرناه- أنه يجب على الشاعر في هذا الغرض وهو وصف الجهاد والمعارك أن يكون سريع الايقاع تعبر الألفاظ تعبيرا دقيقا عن التوتر والقسوة والقوة والسرعة ولكن من أين يأتي الامام البوصيري بهذا الاحساس النفسي وهو على ما عليه من درس وتفكير وشوق إلى الرسول ﷺ ، وزهد عن ملذات الحياة بل والوصول إلى حالة من حالات التصوف والوجد المعروف عن المتصوفة مما لا يعطيه الفرصة أن يكون صادقا في وصف الجهاد إلا من منظور فلسفي أو نظري وهذا ما استطاع الإمام البوصيري أن يكتبه في هذا الغرض وان كنا لا نشك في رغبة الامام أن يكتب أجود الكلم

стр. 150

في وصف جهاد الرسول إلا أننا كشهود عدل نقول: أنه لم يوفق التوفيق كله من حيث الايقاع العام لهذا الجزء، ونصل في النهاية إلى نهج البردة لأحمد شوقي فنجد أنه اتخذ منهجا دراميا بالنسبة لهذا الجانب بالذات فهو يقيم حوارا بين أعداء الرسول ﷺ والإسلام، وبينه كشاعر فيتصور أنهم يقرعون الرسول ﵊ (لا قدر الله) فيقولون له: كيف تغزو وأنت كما تقول رسول من السماء، ونحن نعرف أن الرسول يجيء إلى الأرض لنشر المباديء لا لسفك الدم، فيرد عليهم الشاعر المسلم أحمد شوقي قائلا بتقريع أقوى وأقسى ويصفهم قائلا على لسان الرسول ﷺ . جهل وتضليل أحلام وسفسطة ... فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم ثم يستطرد محايدا ويصف كيف أن الرسول لم يعمل السيف إلا في الجهلاء والعوام فالسيف هو المنقذ والا ضاق العقل وامتنع الفهم واغلقت القلوب، ويؤكد شوقي أن الشر لا يقابل إلا بالشر ويؤكد في مقارنة بين ما فعله الرسول ﷺ وبين ما كان من سيدنا عيسى مع اليهود والرومان ومحاولة صلبة ولولا مكانته عند الله لما نجا من هذا المصير ثم يؤكد أن الرسول ﷺ علم المسلمين كل شيء كانوا يجهلونه حتى القتال مع أنه مكروه لدينا كمسلمين، ثم يبين كيف دعا الرسول للجهاد، ويبين الأسباب التي أدت إلى هذه الدعوة، فالحرب أساس لنظام الكون، ثم ينهي أبياته بقوله: ان ظهور الرسول ﷺ مجاهدا قد قلب موازين عصره وموازين أيامنا هذه، وهنا ينتقل شوقي إلى المعاصرة لينبهنا إلى أن أشياع المسيحية وأتباعها. وقد هرب من تصوير المعارك وان كان قد كتب عنها في جزء اخر سنورده فيما بعد ولكنه شرح الجهاد من وجهة نظر الدبلوماسية الموجودة في عصره، فهو يقرع الحجة بالحجة، ويناقش أصول الجهاد، وهل هناك خطأ في قيام المسلمين به أم لا، ويقارن بين ذلك وبين موقف ظهور المسيحية ثم يخلص إلى نتيجة أخيرة هي أنه لولا الجهاد الذي قام به الرسول الكريم ﷺ ما تواحد الصف، وقد قال تعالى (وأعدوا لهم ما

стр. 151

استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.. إلى اخر الاية الكريمة) صدق الله العظيم. فهو يحث المعاصرين له من المسلمين على الجهاد نظرا لأن الجهاد فريضة إسلامية مؤكدة. ونجد في هذا الجزء أن أحمد شوقي قد تفوق على نفسه من حيث الايقاع واختيار الكلمات المناسبة والمباشرة إلى المعنى، ولكنه خرج عن مفهوم الجهاد في المستقبل أي أنه ترك عهد الرسول وتقدم إلى عهد أحمد شوقي نفسه ناظرا إلى حال المسلمين انذاك وداعيا لهم بدعوى الجهاد مذكرا به. وإذا قارنا بين كعب بن زهير وبين الإمام البوصيري وبين أحمد شوقي نجد أن كلّا منهم ابن عصره وسليل مجتمعه، فكل واحد قد وصف ما يرها هذا يصف المسلمين وهم يحاربون بالفعل، وذلك يطلب من المسلمين أن يستعدوا لجهاد قادم والثالث يفكر في الحرب ويصفها وكأنها معركة داخلية بين الانسان ونفسه. كل شاعر منهم قد وصف عصره وعبّر عما يجيش داخل نفسه من أفكاره وهموم زمانه. ٨- الشريعة الاسلامية: الشريعة الإسلامية لم تذكر ولم يشر إليها عند كعب بن زهير إلا في بيت واحد من أبياته فهو يسوق في معرض مدحه للرسول الكريم وصفا للقران الكريم ويصفه بالنافلة، ثم يصف ما تضمنه القران وفيه مواعظ ثم فيه تاريخ الأقدمين، اذن فهو يدرك قيمة القران الكريم، مع أنه لم يؤمن به إلا من هنيهات بسيطة وندرك من عدم الاسهاب أنه لم يكن قد تأثر بالإسلام تأثرا بيّنا، لكنه نظر للإسلام نظرة اجمالية تحكمها لحظة الاشراق بعد منحه الأمان، أما الإمام البوصيري فقد كتب سبعة عشر بيتا يصف فيها القران الكريم من خلال نظرة عامة ثم تناول القران الكريم كسور وايات متفرقات فهو يطنب في مدح هذه الايات والكلمات والأحرف ثم يقول فيها ان ما وصلت إليه من مدح للقران لا

стр. 152

يتجاوز الحقيقة ولن يصل إلى القيامة الحقيقية والأخلاقية للقران الكريم، ثم ينتقل إلى أنه لا يمكن لإنسان أن يحارب القران ولو حاول أحد مناقشة القران لا نكسر وانهزم أمام بلاغة ليست من صنع البشر، ثم ينتقل إلى معاني القران ويتصورها عالية كأمواج البحر وهي لا تخبو معانيها، وكلما تقدم الزمن وزاد القدم زادت قيمتها كالجواهر كلما مكتث زادت قيمتها ثم يصف من يتمسك بالقران الكريم، فهو يعتصم بحبل الله ولا يستطيع انسان أو مخلوق أن يصل إليه أو يمسه شيء طالما هو مستمسك ومستعصم بهذا القران الكريم وهو كلام الله ، كما أن أحكامه هي العدل بين الناس ولا ينكرها غير الحاسد ولا يجحدها إلا الجاهل، وهنا يؤكد الإمام البوصيري أن هذا الجاهل وهذا الجاحد ليس الا صاحب مرض وصاحب غرض، ويفهم من وراء معاني هذه الأبيات أن ما ينكره الجاحد من شريعة سمحاء وحدود عادلة هو أمر ثابت ومؤكد إذن وهو هنا كمن ينكر نور الشمس على الرغم من وضوحه. ويستخدم الإمام البوصيري مفردات عربية رقيقة ودقيقة وصحيحة. تناسب الغرض الذي يبغى أن يصل إليه، فعندما يمجد الإمام البوصيري القران الكريم مبينا فضله عند المسلمين فلابد أن تكون العبارة جزلة ضخمة واضحة لها جرس موسيقى عذب فاستخدم كلمات القران الكريم ذاته وصوره البلاغية ويبين لنا الإمام البوصيري من خلال هذه التراكيب الشعرية أثر القران النفسي على نفسية المسلم المستمسك بأحكامه والملتزم بحدوده ونجد الإمام البوصيري في هذا الجزء قد نجح نجاحا باهرا لما له من رغبة طبيعية في التوسل والزهد وحث الناس على الاستمساك بدين الله والتشبث بشريعته فهو البلسم الشافي والنور الهادي لكل ضال عن الشريعة السمحاء. أما أحمد شوقي فيحدثنا في ثلاثة عشر بيتا حول الشريعة الاسلامية فهو يفرق بين الشريعة والقران، فالشريعة عند شوقي ليست القران فقط، وانما هي القران وكل فعل أو قول قام به الرسول ﷺ (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) صدق الله العظيم.

стр. 153

وهو يقرر أن جوهر العقيدة الإسلامية ليس إلا (لا إله إلا الله) فهو الواحد الأحد الفرد الصمد وهذا التوحيد هو دلالة العقل البشري دلالة تؤكد الفطرة السليمة لهذا العقل فلا يمكن أن يخلق العالم إلا إله واحد وإلا لحدثت بين هذا وذاك (استغفر الله ما لا تحمد عقباه) وهنا يصر شوقي على تأكيد أن أساس الشريعة الإسلامية هو التوحيد وهو فهم دقيق وعلمي للشريعة الإسلامية. وينتقل شوقي إلى أن الشريعة الإسلامية قد رفعت من قيمة الدولة الاسلامية عندما استطاع العرب الذين لم يكونوا إلا رعاة للشياه أن يسيطروا على الفرس والروم بتمسكهم بهذه الشريعة وهذا التوحيد وقولهم: (لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) ، وذكر شوقي أن العلم وأصول التمدن هما الأسس التي سار المسلمون بعد ذلك ثم التقشف والهيمنة على النفس للحد من انصياعها لأهوائها واستطاعوا أن يحولوا الدنيا كلها في عصرهم إلى ملتهم ودينهم بما أعطوه لمن حولهم من قدوة حسنة فقد ساروا على الشريعة الاسلامية نحو الفلاح وإلى الطريق المستقيم، ثم ينهي الأبيات ببيتين من أبيات الحكمة يصف فيهما عدل المسلمين الذي لا يقارنون فيه بمن سبقهم، فقد نالوا به السعادة في الدنيا والاخرة. ونلاحظ أن شوقي لم يكن في مستواه الفني في هذا الغرض، فهو لم يتعمق كما تعمق البوصيري في تناوله معاني الشريعة الاسلامية وصفاتها، ولكنه ركز على التوحيد بالله كجوهر رئيسي لهذه الشريعة ثم يتكلم كلاما عاما بأنها غراء وقامت عليها الأسس، ثم يعرج على أن أمة الرعاة عندما استمسكت بهذه الشريعة استطاعت أن تهزم الأكاسرة والقياصرة وأن تنال السعادة والمكانة في الدنيا والاخرة ولا نجد الروعة في أبيات أحمد شوقي إلا في البيت الأول والبيت الأخير فقط، أما باقي الأبيات فهي انشائية منظومة متكلفة وليست كعادة أبيات أحمد شوقي ولا بتألقه وجمال سبكه ونظمه، ونجد أن هذا الجزء الذي تحدث فيه عن الشريعة الاسلامية قد تفوق فيه الامام البوصيري على أحمد شوقي أمير الشعراء لما بين الشخصين من فروق في دراسة الشريعة الاسلامية والتعمق في الدين الاسلامي من ناحية العلم والعمل.

стр. 154

٩- المقارنة بين الحضارات: لم يتناول كل من كعب بن زهير والامام البوصيري في قصيدتيهما موضوع الحضارات وان أشار الامام البوصيري إلى الحضارات السابقة كحضارة الفرس والروم، وأشار إلى الظواهر التي صاحبت مولد الرسول ﵊ وهي ظواهر حضارية مادية لتلك الأمم بشارة عابرة. بينما يقارن شوقي بين الحضارات القديمة وبخاصة الحضارة الرومانية واليونانية وحضارة مصر القديمة (الفرعونية) فيبدأ القول بأنه في ظل الحضارة الإسلامية اجتمعت للمسلمين سعادة الدارين دار الدنيا ودار الاخرة، دار الدنيا حضارة وفتوحات وملك، ودار الاخرة جنة عرضها السموات والأرض ورضوان من عنده . فهاتان السعادتان لم تكتبا لأي من تلك الأمم السابقة ولا لأي حضارة من تلك الحضارات، وانما كتبت للمسلمين والمجاهدين في سبيل نشر كلمة الله ودين الله وإعلاء الحضارة الاسلامية القائمة على أسس الدين الاسلامي الحنيف ومن هنا كانت تعبيرات شوقي الرافضة للحضارات القديمة كقوله: - (دع عنك روما..، وخل كسرى..، واترك رمسيس..) فالحضارة الرومانية التي كان مقرها روما في القديم والحضارة اليونانية التي كان مقرها أثينا عاصمتها لم تترك شيئا للروح الانسانية اللهم إلا التحف وهذه قد حفلت بها بغداد عاصمة الخلافة العباسية الإسلامية بل قد حفلت بأبدع منها من الأحجار الكريمة والدرر وهذا ليس بشيء في نظر شوقي بالمقارنة بالقاعدة الروحية الأخلاقية التي هي عماد الحضارة الإسلامية، كذلك الحضارة الفارسية هي حضارة مادية استخدم لها شوقي الايوان الكسروي كرمز على فخامتها المادية إلا أن هذه الفخامة الحضارية قد هوت واحترقت وصارت دخانا في الهواء ولم يبق لها أثر فالباقي دائما هو القاعدة الروحية، والحضارة الإسلامية تقوم على قيم ومباديء وهدى نوراني من عند الله ﷻ فهي الباقية.

стр. 155

ويتطرق شوقي أيضا إلى الحضارة المصرية القديمة (الفرعونية) ويقارن بينها وبين الحضارة الإسلامية فيقول: انها حضارة مادية ليس فيها قوة العدل لأن هذه القوة لا تأتي في ظل نهضة مادية ممثلة في بناات عظيمة كالأهرامات والقصور وغيرها، وإنما بنهضة العدل وهذه هي التي حققها الاسلام وطبقت في ظل الحضارة الإسلامية العظيمة. ويعود شوقي مرة أخرى ليقارن بين الحضارات الرومانية القديمة والحضارة الإسلامية في بعد من أبعاد الحضارة وهو بعد القوانين والشرائع التي تحكم وتحدو ولكنها إذا ما ذكرت إلى جوار الشرائع الإسلامية فانها لا تكون ذات قيمة ويستخدم هنا شوقي أسماء العواصم رموزا للحضارات، فروما عاصمة الحضارة الرومانية القديمة وهي رمز لها وبغداد عاصمة الخلافة الإسلامية في العصر العباسي وهي رمز للحضارة الإسلامية في أوج مجدها واتساعها وعظمتها إذن فلا مجال عند شوقي للمقارنة بين الشرائع الرومانية والشريعة الإسلامية، فالشريعة الإسلامية لا تقف أمامها شرائع الرومان في أي مجتمع من المجتمعات وليس هناك أوضح ولا أعدل في الحكم بين المتخاصمين مما في قوانينهما. ويقارن شوقي أيضا بين الحكام العظام الذين حكموا في ظل الحضارتين الرومانية القديمة والحضارة الاسلامية في ظل الخلافة العباسية فيقطع بأن الحضارة الرومانية وهي حضارة عظيمة وحكامها كثير منهم عظاماء إلا أنهم إذا ما قورنوا بالرشيد والمأمون والمعتصم لم تكن المقارنة أبدا في صالحهم. وباختصار لم يوجد بين حكامهم ما يعدل واحدا من هؤلاء الخلفاء المسلمين العظام فالخلفاء المسلمون على شاكلة الرشيد والمأمون والمعتصم كانوا قادة عسكريين لا يشق لهم غبار، ولا يقف أمامهم أبدا قادة عسكريون أو علماء ولا يقف إلى جانبهم أو يدانيهم أصحاب العقول والفهم فهم أيضا علماء يحنى لهم العلماء رؤوسهم إذا تكلموا ليس من هيبة الحكم وإنما من هيبة العلم الذي كانت تجيش به صدور هؤلاء الخلفاء وتبرزه عقولهم الفذة.

стр. 156

وإلى جانب القوة العسكرية والعلم والمعرفة تميز الخلفاء المسلمون بالكرم الوافر والعناية بالعمران لتعمير الأرض فلم يكن بأرضهم أرض مجدبة لا تنتج ولا كان في ملكهم فقير معدم. فخيرهم عم الأرض ومن عليها من بشر. وهكذا من خلال تلك الأبيات وعددها أحد عشر بيتا يعلى شوقي من قيمة وأصالة الحضارة الإسلامية، ويسمو بها على كل الحضارات السابقة فهي حضارة دنيا ودين وروح ومادة قامت على أساس من سنن الله ، فأما الحضارات الاخرى فقد قامت على بعد واحد اهتم بالجانب المادي لذلك انتهت ولم تبق سوى هياكلها، فأما الحضارة الإسلامية فهي حضارة باقية لأنها تقوم على أساس قوي وهو شريعة الله، وتتضح من المقارنة التي عقدها شوقي في خلال هذه الأبيات ثقافته الإنسانية والمامه بالحضارات القديمة وتوغله في أبعادها ورؤيته الخاصة لها، ودفاعه عن الحضارة التي ينتمى إليها روحا ووجدانا وعقلا وهي الحضارة الإسلامية العظيمة التي جمعت بين المادة والروح وكانت موجهة للإنسانية جمعاء وليست كتلك الحضارات التي كانت مسخرة لخدمة وتمجيد الملوك والقياصرة فحسب. ١٠- الخلفاء الراشدون: لم يتناول كعب بن زهير في قصيدته (البردة) مدحا أو اطراء لأحد من الخلفاء الراشدين وذلك لأن الخلافة لم تكن وقتها بل كان الخلفاء ضمن الفئة المؤمنة التي امنت بالرسول، وانما أشار إليهم حينما عرض لمدح المسلمين المجتمعين حول الرسول ﷺ في المسجد في قوله: - في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زوالوا (........) وقوله: يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل

стр. 157

والإمام البوصيري أيضا لم يتوقف خلال قصيدته عند صحابة رسول الله ﷺ ولم يذكرهم إلا ذكرا عابرا بألقابهم كما في البيت التالي: - فالصدق في الغار والصديق لم يرما ... وهم يقولون ما بالغار من ارم فقد أشار هنا وفي هذا البيت إلى لقب أبي بكر الصديق فقط. وورد ذكر الخلفاء الراشدين من أصحاب رسول الله ﷺ وال بيته في البيتين التاليين كذلك، قال: ثم الرضا عن أبي بكر وعن عمر ... وعن على وعن عثمان ذي الكرم والال والصحب ثم التابعين فهم ... أهل التقى والتقى والحلم والكرم ولا غرو في ذلك فقد انصب كل اهتمام البوصيري على مدح رسول الله ﷺ والتوسل به ومناجاته وعرض حاجاته على الرسول ﷺ وهو الغرض الأساسي من القصيدة. أما شوقي فقد تميز عن كعب بن زهير وعن الامام البوصيري على الرغم من اعترافه بأنه نهج نهجه في القصيدة، فقد أفاض شوقي في مدح الخلفاء الراشدين كما مدح في نفس القصيدة الصحابة رضوان الله عليهم بوجه عام، وهذا أمر طبيعي فشوقي منذ البداية مدح حضارة بأكملها بمبادئها وقيمها وروادها وعلى رأسهم رسول الله ﷺ ومن نهج نهجه وسار على خطاه ومدح الخلفاء الراشدين الأربعة ويضاف إليهم خامسهم عمر بن عبد العزيز، فقد استحقوا هذا المديح لأنهم خلفاء الرسول وخلائف الله في أرضه، وهذا اهتمام بشأنهم وتيمنا بذكرهم وذلك ابتداء من البيت التالي: خلائف الله جلوا عن موازنه ... فلا تقيسن أملاك الورى بهم وفيه نجد شوقي يرفع من شأن هؤلاء الخلفاء الراشدين إلى درجة لا يمكن معها أن تقاس إلى جانبهم أملاك الدنيا وسلاطينها، وفي الأبيات التالية. لهذا البيت شدّد شوقي فضائل كل خليفة من هؤلاء الخلفاء وما تميز به من صفات وخلائق صارت دلائل على كل واحد منهم ما إن ذكرت حتى يقفز إلى الذهن

стр. 158

صاحبها دون غيره من البشر، وشوقي في أبياته لم يلتزم خطأ تاريخيا في ذكر الخلفاء وإنما اعتمد على الصفات المميزة لكل منهم في ذكره لهم مبتدئا بالفاروق عمر بن الخطاب العادل الذي لم يفقه أحد قبله في عدله ثم ينتقل إلى عمر بن عبد العزيز وخشوعه وتقواه وزهده، ثم الإمام علي بن أبي طالب باب مدينة العلم كما ورد على لسان رسول الله ﷺ وقد وصفه شوقي بالعلم الزاخر والأدب الذاخر والبطولة في الحرب وفي السلم ثم يعرج شوقي على عثمان بن عفان وماثره في حفظ القران وجمع آياته واستشهاده وهو منكب على كتاب الله فكان في هذا مأساتان في كيد الإسلام بتعبير شوقي لم يلتئما، (جرح الشهيد وجرح بالكتاب دمي) ثم يتحدث شوقي عن أبي بكر أول الخلفاء وبلائه في سبيل الإسلام التي تعد من جلائل الأعمال، وفي مقدمتها حرب الردة وانتصاره فيها بعد أن كاد الإسلام يضيع على أيدي فئة باغية وأيضا مواقفه الخطيرة كموقفه يوم أن قبض الرسول ﷺ إلى ربه واعلانه (أن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) . فقد كان حقا في هذه اللحظة رجل الموقف الصعب ساعة أن فقد كبار الصحابة رشدهم وذهلوا من صدمة الخبر وهم ليسوا في ذلك كما يرى شوقي: (فقد مات الحبيب فضل الصب عن رغم) . ١١- المناجاة وعرض الحاجات: - لم يطرح كعب بن زهير في قصيدته التي القاها أمام الرسول ﷺ حاجة من الحاجات اللهم إلا طلب العفو عند رسول الله ﷺ وقبوله اعتذاره، وقد تناولنا بالشرح في الأبواب السابقة مقاصد قصيدة كعب بن زهير. أما الإمام البوصيري فبعد أن مدح رسول الله ﷺ طلب العفو عن كل ما أسلف في حياته من الذنوب فيقول: خدمته بمديح استقيل به ... ذنوب عمر مضى في الشعر والخدم

стр. 159

وبعد أن مدح الرسول ﷺ وتوسل إليه بدأ في مناجاته وعرض حاجاته ابتداء بقوله: يا أكرم الخلق ما لي من الوذ به ... سواك عند حلول حادث العمم ففي هذه المجموعة من الأبيات يناجي البوصيري الرسول الكريم ﵊ بأن يكون شفيعه عند رب العرش العظيم. ويلاحظ أن حاجة البوصيري التي عبر عنها في هذه الأبيات أمر يخصه هو شخصيا وليس هناك من مأخذ في هذا على الإمام البوصيري، فالإنسان هو المسئول عن عمله وهو الذي يجازي به، وبعد مناجاة الرسول يخاطب الإمام البوصيري نفسه في لحظة لا شعورية هائما محاولا أن يزيل عنها اليأس والقنوط لأن رحمة الله قد وسعت كل شيء، وفي هذا تقرب إلى الله ورجاء أن يغفر ذنبه مهما عظم ثم يستمر في التضرع إلى الله والرجاء أن يلطف به في الدنيا والاخرة وأن يصلي على رسوله دائما وأبدا فهو الشفيع له في خلقه. ويختتم الإمام البوصيري قصيدته بأعذب مناجاة وأخلص رجاء يطلبه المحب العاشق لحبيبه ومعشوقه، والحبيب هنا هو المصطفى ﷺ والمحب هو الإمام البوصيري، فيرجو الله أن يصلي على رسوله صلاة دائمة في كل الأوقات. ويلاحظ أن البوصيري قد بدأ هذا الجزء الخاص بالمناجاة بتعبير (يا أكرم الخلق) ولكن نجد هذا الاستهلال في مراجع أخرى واردا بتعبير (يا أكرم الرسل) وان كنت أميل إلى التعبير الأول ففيه الشمولية التي يريدها البوصيري لتعظيم مكانة الرسول ﷺ ورفع شأنه وتمهيد للاستعانة به والتوصل إلى الله . أما الملاحظة الثانية فهي أن هناك أبيات قال البعض عنها أنها سقطت من البردة، ويؤكدون انتسابها للإمام البوصيري بعد أن روجعت النسخ المحفوظة في كثير من دور الكتاب وهذه الأبيات تبدأ بقوله: - يا رب بالمصطفى بلغ مقاصدنا ... واغفر لنا ما مضى يا واسع الكرم

стр. 160

وعددها خمسة أبيات يناجي الإمام البوصيري فيها ربه متوسلا إليه برسوله المصطفى أن يغفر للمسلمين قاطبة بفضل ما يتلونه من القران الكريم في بيوت الله وهذه الأبيات يرى البعض أنها ليست للإمام البوصيري وأن قصيدة البوصيري تنتهي عند الصلاة على الرسول في البيت الذي يقول فيه: ما رنحت عذابات البان ريح صبا ... واطرب العيسى حادي العيسى بالنغم ولنا هنا رأي خاص هو أن هذه الأبيات هي للإمام البوصيري، ولكن قصيدته (البردة) تنتهي تماما كما قال معارضو هذا الرأي عند (واطرب العيس حادي العيس بالنغم) . ودليلنا هذا البيت الذي يقول فيه البوصيري: - (ما رنحت عذابات البان ريح صبا.. الخ) وتكون هذه الأبيات الأخيرة مجرد دعاء خالص يختتم به الامام الوصيري صلاته على النبي ﷺ دون القصد أن تكون ملحقة ببردته. أما أحمد شوقي فقد تناول هذا الموضوع كما تناوله الامام البوصيري فهو يناجي رسول الله ﷺ ويتوسل به ويتضرع إليه وألقى حاجته ورجاءه بين يديه. وفعل ذلك في الجزء الذي أشرنا إليه سابقا والخاص بالضراعة والتوسل بالرسول ﷺ ، ثم فعله مرة ثانية في نهاية القصيدة ولكنه وان كان قد عرض حاجة شخصية في الجزء السابق الذي قال فيه: ان جل ذنبي عن الغفران لي أمل ... في الله يجعلني في خير معتصم ففي الجزء الأخير يطلب شوقي بعد أن يصلي على النبي ﷺ وعلى أصحابه وال بيته الكرام يطلب من الله مستعينا بالنبي ﷺ الهداية واللطف بالمسلمين قاطبة وذلك ابتداء من قوله: يا رب هبت شعوب من مينتها ... واستيقظت أمم من رقدة العدم إلى قوله: يا رب أحسنت بدأ المسلمين به ... فتمم الفضل وامنح حسن مختتم

стр. 161

فشوقي يطلب للمسلمين اللطف من الله لأجل رسوله الكريم ﷺ ويطلب اللطف بهم لما هم فيه من ضعف وتشتت وتفرق واستبداد وخضوع لشعوب قامت من موات في غفلة المسلمين، وهنا نجد شوقي يتألم لما ال اليه حال المسلمين فبعد أن كانوا السادة في هذه المعمورة، أصبحوا وقت ان كتب شوقي هذه القصيدة- مستعمرين أذلاء تحكمهم شعوب وأمم كانت تخضع لهم من قبل فتغير الحال وأصبح المسلمون هم المحكومين، فشوقي يتحدث بكل مرارة وأ لم عما حل بالمسلمين وهو الوضع الذي ما زال قائما حتى الان وان تغيرت بعض الملامح وذلك وضع لم يألفه كعب ولا الإمام البوصيري، ومن هنا جاءت كلمات شوقي ومعانيه تنبض بالألم والحسرة، ومن هنا كان دعاؤه حارا وابتهاله إلى الله أن يغير هذا الوضع وأن يلطف بالمسلمين بفضل رسوله الكريم فقال: (ولا تزد قومه خسفا ولا تسم) ثم يختتم رجاءه إلى الله أن يتم فضله على المسلمين وأن يجعل خاتمتهم حسنة كما كانت بدايتهم حسنة، ويلاحظ هنا تميزّ شوقي عن الإمام البوصيري عندما عرض حاجة أمة بأسرها أصابها الضعف والوهن عند المقارنة بالأمم الاخرى، والضعف نابع من داخلها: ولعل شوقي يقصد في أبياته الأخيرة التي يدعو فيها ربه أن يضع الصورة المثلى لما يجب أن يكون عليه المسلم، الصورة التي لو تحققت في المسلمين الحاليين لعادوا للوضع الذي كانوا عليه في عهد الرسول الأعظم وصحابته الأبرار، فشوقي هنا يدعو الله ويسأله اللطف بالمسلمين والإحسان إليهم وينبه في نفس الوقت المسلمين إلى أن الله لن يغير حالهم إلا إذا هم غيروا ما بأنفسهم، وجاء هذا المعنى ضمنا عندما أشار إلى صفات الرسول وأخلاقه، وقيمه ومثله، وأخلاق صحابته ومن سار على نهجه، ولعل حرارة دعاء شوقي المتأججة كانت تعبيرا عن الوضع الخطير الذي صار إليه حال المسلمين في عهده الذي عاشه وقت تامر أعداء الإسلام من كل الجهات من الداخل والخارج والذي وصل إلى حد احتلالهم والسيطرة عليهم ونشر مثلهم وقيمهم الخاصة بين المسلمين وهو الحال

стр. 162

الذي لم يعشه الامام البوصيري. وكل ما كان في عصر البوصيري هو صراع داخلي بين المسلمين، فلم تكن القضية المطروحة صراع أمة مسلمة ضد أمة غير مسلمة وإنما صراع بين انخراطهم في الحياة ولذاتها وبين عودتهم إلى الطريق القويم ولذلك كان دعاء البوصيري للمسلمين في الأبيات المتممة للبردة أن يغفر لهم الذنوب بفضل القران الكريم ويفضل الرسول الكريم ﷺ . اذن فشمولية دعاء شوقي للمسلمين أفرادا وأمة جاء تعبيرا عن الحال الذي شهده شوقي وعاشه من ضيعة الأمة الإسلامية وتفككها وخضوعها وسيطرة أمم غير مسلمة بل معادية للإسلام عليها، وكان في دعائه ثورة مسلم معتز كل الاعتزاز بإسلامه كما يجب أن يكون الاسلام وصورته الحقة مجسدة في الرسول الأعظم ﵊ وعلى صحابته الأبرار.

стр. 163

[النصوص الكاملة للقصائد الثلاث] قصيدة كعب بن زهير بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم أثرها لم يفد مكبول وما سعاد غداة البين اذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... لا يشتكي قصر منها ولا طول تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول شجت بذي شبم من ماء محنية ... صاف بأبطح أضحى وهو مشمول تنفي الرياح الذي عنه وأترفه من ... صوب سارية بيض يعاليل فيالها خلة لو أنها صدقت ... بوعدها أو لو أن النصح مقبول لكنها خلة سيط من دمها ... فجع وولع واخلاف وتبديل فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول وما تمسك بالعهد الذي زعمت ... إلا كما يمسك الماء الغرابيل فلا يغرنك ما منت وما وعدت ... ان الأماني والأحلام تضليل كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل أرجو وامل أن تدنو مودتها ... وما أخال لدينا منك تنويل أمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل ولن يبلغها إلا عذافرة ... فيها على الأين أرقال وتبغيل من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت ... عرضتها طامس الاعلام مجهول ترمي الغيوب بعيني مفرد لهق ... إذا توقدت الحزان والميل ضخم مقلدها فعم مقيدها ... في خلقها عن بنات الفحل تفضيل غلباء جناء علكوم مذكرة ... في دفها سعة قدامها ميل وجلدها من أطوم ما يؤيسه ... طلح بضاحية المتنين مهزول حرف أخوها أبوها من مهجنه ... وعمها خالها قوادء شمليل يمشي القراد عليها ثم يزلقه ... منها لبان وأقراب زهاليل عيرانة قذفت بالنحض عن عرض ... مرفقها عن بنات الزور مفتول

стр. 164

كأنما فات عينيها ومذبحها ... من خطمها ومن اللحين برطيل تمر مثل عسيب النخل ذا خصل ... في غارز لم تخونه الأحاليل قنواء في حرتيها للبصير بها ... عتق مبين وفي الخدين تسهيل تخدى على يسرات وهي لاحقة ... ذوابل مسهن الأرض تحليل سمر العجايات يتركن الحصى زيما ... لم يقهن رؤوس الأكم تنعيل كأن أوب ذراعيها وقد عرقت ... وقد تلفح بالقور العساقيل يوما يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحية بالشمس مملول وقال للقوم حاديهم وقد جنلت ... ورق الجنادب يركضن الحصا قيلو شد النهار ذرعا عيطل نصف ... قامت فجاوبها نكد مثاكيل نواحة رخوة الضبعين ليس لها ... لما نعى بكرها الناعون معقول تفرى اللبان بكفيها ومدرعها ... مشقق عن تراقيها رعابيل يسعى الوشاة جنابيها وقولهم ... انك يابن أبي سلمى لمقتول وقال كل صديق كنت أمله ... لا ألهينك أني عنك مشغول فقلت خلو سبيلي لا أبا لكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن انثى وان طالت سلامته ... يوما على الة حدباء محمول أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ... القران فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت في الأقاويل لقد أقوم مقاما لو يقوم به ... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظل يرعد إلا أن يكون له ... من الرسول باذن الله تنويل حتى وضعت يميني ما أنازعه ... في كف ذي نقمات قيلة القيل لذلك اهيب عندي إذا اكلمه ... وقيل انك منسوب ومسئول من ضيغم بضراء الأرض مخدرة ... في بطن عثر غيل دونه غيل يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما ... لحم من الناس معفور خراديل إذا يساور قرنا لا يحل له ... أن يترك القرن إلا وهو مغلول

стр. 165

منه تظل سباع الجو نافرة ... ولا تمشي بواديه الأراجيل ولا يزال بواديه أخو ثقة ... مضرج البز والدرسان مأكول ان الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زالوا زالوا فما زال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل شم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل بيض سوابغ قد شكت لها حلق ... كأنها حلق القفعاء مجدول لا يفرحون إذا نالت رماحهم ... قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل

стр. 166

قصيدة الامام البوصيري أمن تذكر جيران بذي سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم أم هبت الريح من تلقاء كاظمة ... وأومض البرق في الظلماء من أضم فما لعينك ان قلت أكففا هتما ... وما لقلبك ان قلت استفق يهم أيحسب الصب ان الحب منكتم ... ما بين منسجم منه ومضطرم لولا الهوى لم ترق دمعا على طلل ... ولا أرقت لذكر البان والعلم فكيف تنكر حبا بعد ما شهدت ... به عليك عدول الدمع والسقم وأثبت الوجد خطى عبرة وضنى ... مثل البهار على خديك والعنم نعم سرى طيف من أهوى فأرقني ... والحب يعترض اللذات بالألم يا لائمي في الهوى العذرى معذرة ... منى اليك ولو أنصفت لم تلم عدتك حالي لا سرى بمستتر ... عن الوشاة ولا دائي بمنحسم محضتني النصح لكن لست أسمعه ... ان المحب عن العذال في صمم اني اتهمت نصيح الشيب في عذل ... والشيب أبعد في نصح عن التهم فان امارتي بالسوء ما اتعظت ... من جهلها بنذير الشيب والهرم ولا أعدت من الفعل الجميل قرى ... ضيف ألم برأسي غير محتشم لو كنت أعلم أني ما أوقره ... كتمت سرا بدا لي منه بالكتم من لي برد جماح من غوايتها ... كما يرد جماح الخيل باللجم فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها ... ان الطعام يقوى شهوة التهم والنفس كالطفل ان تهمله شب على ... حب الرضاع وان تفطمه ينفطم فاصرف هواها وحاذر أن توليه ... ان الهوى ما تولى يصم أو يصم وراعها وهي في الأعمال سائمة ... وان هي استحلت المرعى فلا تسم كم حسنت لذة للمرء قاتلة ... من حيث لم يدر أن السم في الدسم واخش الدسائس من جوع ومن شبع ... فرب مخصة شر من التخم واستفرغ الدمع من عين قد امتلأت ... من المحارم والزم حمية الندم

стр. 167

وخالف النفس والشيطان واعصهما ... وان هما محضاك النصح فاتهم ولا تطع منهما خصما ولا حكما ... فانت تعرف كيد الخصم والحكم استغفر الله من قول بلا عمل ... لقد نسبت له نسلا لذي عقم أمرتك الخير لكن ما ائتمرت به ... وما استقمت فما قولي لك استقم ولا تزودت قبل الموت نافلة ... ولم أصل سوى فرض ولم أصم ظلمات سنة من أحياء الظلام الى ... أن اشتكت قدماه الضر من ورم وشد من سغب أحشاءه وطوى ... تحت الحجارة كشحا مترف الادم وراودته الجبال الشم من ذهب ... عن نفسه فأراها أيما شمم وأكدت زهده فيها ضرورته ... ان الضرورة لا تعدو على العصم وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا منالعدم محمد سيد الكونين والثقلين ... والفريقين من عرب ومن عجم نبينا الامر الناهي فلا أحد ... أبر في قول لا منه ولا نعم هو الحبيب الذي ترجى شفاعته ... لكل هول من الأهوال مقتحم دعا إلى الله فالمستمسكون به ... مستمسكون بحبل غير منفصم فاق النبيين في خلق وفي خلق ... ولم يدانوه في علم ولا كرم وكلهم من رسول الله ملتمس ... غرفا من البحر أو رشفا من الديم ووافقون لديه عند حدهم ... من نقطة العلم أو من شكلة الحكم فهو الذي تم معناه وصورته ... ثم اصطفاه حبيبا باريء النسم منزه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منفسم دع ما ادعته النصاري في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدرة ما شئت من عظم فان فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم لو ناسبت قدره ايباته عظاما ... أحيى اسمه حين يدعو دارس الرمم لم يمتحنا بما تعي العقول به ... حرصا علينا فلن نرتب ولم نهم أعيى الورى فهم معناه فليس يرى في ... القرب والبعد فيه غير منفحم

стр. 168

كالشمس تظهر للعينين من بعد ... صغيرة ونكل الطرف من أمم وكيف يدرك في الدنيا حفيقته ... قوم نيام تسلوا منه بالحلم فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وأنه خير خلق الله كلهم وكل اي أتى الرسل الكرام بها ... فانما اتصلت من نوره بهم فانه شمس فضل هم كواكبها ... يظهرون أنوارها للناس في الظلم أكرم بخلق نبي زانه خلق ... بالحسن مشتمل بالبشر متسم كالزهر في ترف والبدر في شرف ... والبحر في كرم والدهر في همم كأنه، وهو فرد من جلالته ... في عسكر حين تلقاه وفي حشم كأنما اللؤلؤ المكنون في صدف ... من معدني منطق منه ومبتسم لا طيب بعدل تربا ضم أعظمه ... طوبى لمنتشق منه وملتثم ابان مولده عن طيب عنصره ... يا طيب مبتدأ منه ومختتم يوم تفرس فيه الفرس أنهم ... قد أنذروا بحلول البؤس والنقم وبات ايوان كسرى وهو منصدع ... كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم والنار خامدة الأنفاس من أسف ... عليه والنهر ساهي العين من سدم وساء ساوة ان غاضت بحيرتها ... ورد واردها بالغيظ حين ظمى كأن بالنار ما بالماء من بلل ... حزنا وبالماء ما بالنار من ضرم والجن تهتف والأنوار ساطعة ... والحق يظهر من معنى ومن كلم عموا وصموا فاعلان البشائر لم ... تسمع وبارقة الانذار لم تشم من بعد ما اخبر الأقوام كاهنهم ... بأن دينهم المعوج لم يقم وبعد ما عاينوا في الأفق من شهب ... منقضة وفق ما في الأرض من صنم حتى غدا عن طريق الوحي منهزم ... من الشياطين يقفوا اثر منهزم كأنهم هربا أبطال ابرهة ... أو عسكر بالحصى من راحتيه رمى نبذا به بعد تسبيح ببطنهما ... نبذا لمسبح من أحشاء ملتقم جاءت لدعوته الأشجار ساجدة ... تمشيء إليه على ساق بلا قدم كأنما سطرت سطرا لما كتبت ... فروعها من بديع الخط في اللقم

стр. 169

مثل الغمامة أني سار سائرة ... تقيه حر وطيس للهجير حمى أقسمت بالقمر المنشق أن له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم وما حوى الغار من خير ومن كرم ... وكل طرف من الكفار عنه عمى فالصدق في الغار والصديق لم يرما ... وهم يقولون ما بالغار من ارم ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على ... خير البرية لم تنسج ولم تحم وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدروع وعن عال من الأطم ما سامني الدهر ضيما واستجرت به ... إلا ونلت جوارا منه لم يضم ولا التمست غنى الدارين من يده ... إلا استلمت الندى من خير مستلم لا تنكر الوحى من رؤياه ان له ... قلبا إذا نامت العينان لم ينم وذاك حين بلوغ من نبوته ... فليس ينكر فيه حال محتلم تبارك الله ما وحي بمكتسب ... ولا نبي على غيب بمتهم كم أبرأت وصبا باللمس راحته ... وأطلقت أربا من ريقه اللمم وأحييت السنة الشهباء دعوته ... حتى حكت غرة في الأعصر الدهم بعارض جاد أو خلت البطا بها ... سيب من اليم أو سيل من العرم دعني ووصفي ايات له ظهرت ... ظهور نار القرى ليلى على علم فالدر يزداد حسنا وهو منتظم ... وليس نيقص قدرا غير منتظم فما تطاول امال المديح إلى ... ما فيه من كرم الأخلاق والشيم ايات حق من الرحمن محدثة ... قديمة صفة الموصوف بالقدم لم تقترن بزمان وهي تخبرنا ... عن المعاد وعن عاد وعن ارم دامت لدينا ففاقت كل معجزة ... من النبين إذ جاءت ولم تدم محكمات فما تبقين من شبه ... لذي شقاق وما تبغين من حكم ما حوربت قط إلا عاد من حرب ... اعدى الأعادي إليها ملقى السلم ردت بلاغتها دعوى معارضها ... رد الغيور يد الجاني عن الحرم لها معان كموج البحر في مدد ... وفوق جوهرة في الحسن والقيم فما تعد ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام على الاكثار بالسام

стр. 170

قرت بها عين قاريها فقلت له ... لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم ان تتلها خيفة من حر نار لظى ... أطفأت نار لظى من وردها الشبم كأنها الحوض تبيض الوجوه به ... من العصاة وقد جاؤا كالحمم وكالصراط وكالميزان معدله ... فالقسط من غيرها في الناس لم يقم لا تعجبن لحسود راح ينكرها ... تجاهلا وهو عين الحاذق الفهم قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم يا خير من يمم العافون ساحته ... سعيا وفوق متون الاينق الرسم ومن هو الاية الكبرى لمعتبر ... ومن هو النعمة العظمى لمغتنم سريت من حرم ليلا إلى حرم ... كما سرى البدر في داج من الظلم وبت ترقى إلى أن نلت منزلة ... من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم وقد متك جميع الأنبياء بها ... والرسل تقديم مخدوم على خدم وأنت تخترق السبع الطباق بهم ... في موكب كنت فيه صاحب العلم حتى إذا لم تدع شأوا لمستبق ... من الدنو ولا مرقى لمستنم خفضت كل مقام بالاضافة إذ ... نوديت بالرفع مثل المفرد العلم كيما تفوز بوصل أي مستتر ... عن العيون وسر أي مكتتم فحزت كل فخار غير مشترك ... وحزت كل مقام غير مزدحم وجل مقدار ما وليت من رتب ... وعز ادراك ما أوليت من نعم بشرى لنا معشر الاسلام ان لنا ... من العناية ركنا غير منهدم لما دعا الله داعينا لطاعته ... يا أكرم الرسل كنا أكرم الأمم راعت قلوب العدا أنباء بعثته ... كنبأة أجفلت غفلا من الغنم ما زال يلقاهم في كل معترك ... حتى حكوا بالقنا لحما على وضم ودوا الفرار فكادوا يغبطون به ... اشلاء شالت مع العقبان والرخم تمضي الليالي ولا يدرون عدتها ... ما لم تكن من ليالي الأشهر الحرم كأنما الدين ضيف حل ساحتهم ... بكل قرم إلى لحم العدا قرم يجر بحر خميس فوق سابحة ... يرمى بموج من الأبطال ملتطم

стр. 171

من كل منتدب لله محتسب ... يسطو بمستأصل للكفر مصطلم حتى غدت ملة الإسلام وهي بهم ... من بعد غربتها موصولة الرحم مكفولة أبدا منهم بخير أب ... وخير بعل فلم تيتم ولم تئم هم الجبال فسل عنهم مصادمهم ... ماذا رأى منهم في كل مصطدم وسل حنينا وسل بدرا وسل أحدا ... فصول حتف لهم أدهى من الوخم المصدري البيض حمرا بعد ما رودت ... من العدا كل مسود من اللمم والكاتبين بسمر الخط ما تركت ... أقلامهم حرف جسم غير منعجم شاكي السلاح لهم سيما تميزهم ... والورد يمتاز بالسيما من السلم تهدى اليك رياح النصر نشرهم ... فتحسب الزهر في الأكمام كل كمى كأنهم في ظهور الخيل نبئت ربا ... من شدة الحزم لا من شدة الحزم طارت قلوب العدا من بأسهم فرقا ... فما تفرق بين البهم والبهم ومن تكن برسول الله نصرته ... ان تلقه الأسد في اجامها تجم ولن ترى من ولى غير منتصر ... به ولا من عدو غير منقصم أحل أمته في حرز ملته ... كالليث حل مع الأشبال في أجم كم جدلت كلمات الله من جدل ... فيه وكم خصم البرهان من خصم كفاك بالعلم في الأمى معجزة ... في الجاهلية والتأديب في اليتم خدمته بمديح استقيل به ... ذنوب عمر مضى في الشعر والخدم إذ قلداني ما تخشى عواقبه ... كأنني بهما هدى من النعم أطعمت غي الصبا في الحالتين وما ... حصلت إلا على الاثام والندم فيا خسارة نفس في تجارتها ... لم تشتر الدين بالدنيا ولم تسم ومن يبيع اجلا منه بعاجلة ... يبن له الغبن في بيع وفي سلم ان ات ذنبا فما عهدي بمنتقض ... من النبي ولا حبلى بمنصرم فان لي ذمة منه بتسميتي ... محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم ان لم يكن في معادي اخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه ... أو يرجى الجار منه غير محترم

стр. 172

ومنذ الزمت أفكاري مدائحه ... وجدته لخلاصي خير ملتزم ولن يفوت الغنى منه يدا تربت ... ان الحيا ينبت كالأزهار في الأكم ولم أرد زهرة الدنيا التي اقتطفت ... يدا زهير بما أثنى على هرم يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذ الكريم تجلى باسم منتقم فان من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت ... ان الكبائر في الغفران كالمم لعل رحمة ربي حين يقسمها ... تأتي على حسب العصيان في القسم يا رب واجعل رجائي غير منعكس ... لديك واجعل حسابي غير منخرم والطف بعبدك في الدارين ان له ... صبرا متى تدعه الأهوال ينهزم واذن لسحب صلاة منك دائمة ... على النبي بمنهل ومنسجم ما رنحت عذابات البان ريح صبا ... واطرب العيس حادي العيس بالنغم ثم الرضا عن أبي بكر وعن عمر ... وعن علي وعن عثمان ذي الكرم والال والصحب ثم التابعين فهم ... أهل التقى والنقى والحلم والكرم يا رب بالمصطفى بلغ مقاصدنا ... واغفر لنا ما مضى يا واسع الكرم واغفر الهي لكل المسلمين بما ... يتلوه في المسجد الأقصى وفي الحرم بجاه من بيته في طيبة حرم ... واسمه قسم من أعصم القسم وهذه بردة المختار قد ختمت ... والحمد لله في بدء وفي ختم أبياتها قد أتت ستين مع مائة ... فرج بها كربنا يا واسع الكرم

стр. 173

قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي ريم على القاع بين البان والعلم ... أحل سفك دمي في الأشهر الحرم رمى القضاء بعيني جؤذر أسدا ... يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم لما رنا حدثتني النفس قائلة ... يا ويج جنبك بالسهم المصيب رمى جحدتها وكتمت السهم في كبدي ... جرح الأحبة عندي غير ذي الم رزقت أسمح ما في الناس من خلق ... إذا رزقت التماس العذر في الشيم يالائمي في هواه والهوى قدر ... لو شفك الوجد لم تعذل ولم تلم لقد انلتك إذنا غير واعية ... ورب منتصت والقلب في صمم يا ناعس الطرف لاذقت الهوى أبدا ... أسهرت مضناك في حفظ الهوى، فنم أفديك الفا ولا الو الخيار فدى ... أغراق بالبخل من أغراه بالكرم سرى فصادف جرحا داميا فأسا ... ورب فضل على العشاق للحلم من الموائس بانا بالربى وقتا ... اللاعبات بروحي السافحات دمي السافرات كأمثال البدور ضحى ... يغرن شمس الضحى بالحلى والعصم القاتلات بأجفان بها سقم ... وللمنية أسباب من السقم العاثرات بألباب الرجال وما ... أقلن من عثرات الدل في الرسم المضرمات خدودا أسفرت وجلت ... عن فتنة تسلم الأكباد للضرم الحاملات لواء الحسن مختلفا ... أشكاله وهو فرد غير منقسم من كل بيضاء أو سمراء زينتا ... للعين، والحسن في الارام كالعصم برعن للبصر السامي، ومن عجب ... إذا أشرن أسرن الليث بالعنم وضعت خدي وقسمت الفؤاد ربي ... يرتعن في كنس منه وفي أكم يا بنت ذي اللبد المحمى جانبه ... القاك في الغاب أم القاك في الأطم ما كنت أعلم حتى عن مسكنه ... ان المنى والمنايا مضرب الخيم من أنبت العصن من صمصامة ذكر؟ ... وأخرج الريم من ضرغامة قرم؟ بيني وبينك من سمر القنا حجب ... ومثلها عفة عذرية العصم

стр. 174

لم أغش مغناك إلا في غضون كرى ... مغناك أبعد للمشتاق من ارم يا نفس دنياك تخفى كل مبكية ... وان بدا لك منها حسن مبتسم فضى بتقواك فها كلما ضحكت ... كما يفض أذى الرقشاء بالثرم مخطوبة منذ كان الناس خاطبة ... من أول الدهر لم ترمل ولم تئم يفنى الزمان ويبقى من اسائتها ... جرح بادم يبكي منه في الادم لا تحظى بجناها أو جنايتها ... الموت بالزهر مثل الموت بالفحم كم نائم لا يراها وهي ساهرة ... لولا الأماني والأحلام لم ينم طورا تمدك في نعمى وعافية ... وتارة في قرار البؤس والوصم كم ضللتك ومن تحجب بصيرته ... ان يلق صابا يرد أو علقما يسم يا ويلتاه لنفسي راعها ودها ... مسودة الصحف في مبيضة اللمم ركضتها في مريع المعصيات وما ... أخذت من حمية الطاعات للتخم هامت على أثر اللذات تطلبها ... والنفس ان يدعها داعي الصبا تهم صلاح أمرك للأخلاق مرجعه ... فقوم النفس بالأخلاق تستقم والنفس من خيرها في خير عافية ... والنفس من شرها في مرتع وخم تطفي إذا مكنت من لذة وهوى ... طغى الجياد إذا عضت على الشكم ان جل ذنبي عن الغفران لي أمل ... في الله يجعلني في خير معتصم ألقى رجائي إذا عز المجير على ... مفرج الكرب في الدارين والغمم إذا خفضت جناح الذل أسأله ... عز الشفاعة لم أسأل سوى أمم وان تقدم ذو تقوى بصالحة ... قدمت بين يديه عبرة الندم لزمت باب أمير الأنبياء ومن ... يمسك بمفتاح باب الله يغتنم فكل فضل واحسان وعارفة ... ما بين مستلم منه وملتزم علقت من مدحه حبلا أعز به ... في يوم لا عز بالأنساب واللحم يزري قريضي زهيرا حين أمدحه ... ولا يقاس إلى جودي ندى هرم محمد صفوة الباري ورحمته ... وبغية الله من خلق ومن نسم وصاحب الحوض يوم الرسل سائلة ... متى الورود وجبريل الأمين ظمى

стр. 175

سناؤه وسناه الشمس طالعة ... فالجرم في فلك والضوء في علم قد أخطأ النجم ما نالت أبوته ... من سؤدد باذخ في مظهر سنم نموا إليه فزادوا في الورى شرفا ... ورب أصل لفرع في الفخار نمى حواه في سبحات الطهر قبلهم ... نوران قاما مقام الصلب والرحم لما راه بجيرا قال نعرفه ... بما حفظنا من الأسماء والسيم سائل حراء وروح القدس هل علما ... مصون سر عن الادراك منكتم كم جيئة وذهاب شرفت بهما ... بطحاء مكة في الأصباح والغسم ووحشة لابن عبد الله بينهما ... أشهى من الانس بالاحباب والحشم يسامر الوحي فيها قبل مهبطه ... ومن يبشر بسيمي الخير يتسم لما دعا الصحب يستسقون من ظمإ ... فاضت يداه من التسنيم بالسنم وظللته فصارت تستظل به ... غمامة جذبتها خيرة الديم محبة لرسول الله اشربها ... قعائد الدير والرهبان في القمم ان الشمائل ان رقت يكاد بها ... يغرى الجماد ويغرى كل ذي نسم ونودى اقرأ تعالى الله قائلها ... لم تتصل قبل من قيلت له بفم هناك اذن للرحمن فامتلأت ... أسماع مكة من قدسية النغم فلا تسل عن قريش كيف حيرتها ... وكيف نفرتها في السهل والعلم تساءلوا عن عظيم قد ألم بهم ... رمى المشايخ والولدان باللمم يا جاهلين على الهادي ودعوته ... هل تجهلون مكان الصادق العلم؟ لقبتموه أمين القوم في صغر ... وما الأمين على قول بمتهم فاق البدور وفاق الأنبياء فكم ... بالخلق والخلق من حسن ومن عظم جاء النبيون بالايات فانصرمت ... وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جدد ... يزينهن جلال العتق والقدم يكاد في لفظه منه مشرفة ... يوصيك بالحق والتقوى وبالرحم يا أنصح الناطقين الضاد قاطبة ... حديثك الشهد عند الذائق الفهم حليت من عطل جيد البيان به ... في كل منتثر في حسن منتظم

стр. 176

بكل قول كريم أنت قائله ... تحيي القلوب وتحيي ميت الهمم سرت بشائر بالهادي ومولده ... في الشرق والغرب مسرى النور في الظلم تخطفت مهج الطاغين من عرب ... وطيرت أنفس الباغين من عجم ريعت لها شرف الايوان فانصدعت ... من صدمة الحق لا من صدمة القدم أتيت والناس فوضى لا تمر بهم ... إلا على صنم قد هام في صنم والأرض مملوءة جورا مسخرة ... لكل طاغية في الخلق محتكم مسيطر الفرس يبغى في رغيته ... وقيصر الروم من كبر أصم عم يعذبان عباد الله في شبه ... ويذبحان كما ضحيت بالغنم والخلق يفتك أقواهم بأضعفهم ... كالليث بالبهم أو كالحوت بالبلم أسرى بك الله ليلا إذ ملائكة ... والرسل في المسجد الأقصى على قدم لما خطرت به التفوا بسيدهم ... كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كل ذي خطر ... ومن يفز بحبيب الله يأتمم جبت السماوات أو ما فوقهن بهم ... على منورة درية اللجم ركوبة لك من عز ومن شرف ... لا في الجياد ولا في الأينق مشيئة الخالق الباري وصنعته ... وقدرة الله فوق الشك والتهم حتى بلغت سماء لا يطار لها ... على جناح ولا يسعى على قدم وقيل كل نبي عند رتبته ... ويا محمد هذا العرش فاستلم خططت للدين والدنيا علومهما ... يا قاريء اللوح بل بالأمس القلم أحطت بينهما بالسر وانكشفت ... لك الخزائن من علم ومن حكم وضاعف القرب ما قلدت من منن ... بلا عداد وما طوقت من نعم سل عصبة الشرك حول الغار سائمة ... لولا مطاردة المختار لم تسم هل أبصروا الأثر الوضاء أم سمعوا ... همس التسابيح والقران من أمم؟ وهل تمثل نسج العنكبوت لهم ... كالغاب، والحائمات الزغب كالرخم فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم ... كباطل من جلال الحق منهزم لولا يد الله بالجارين ما سلما ... وعينه حول ركن الدين لم يقم

стр. 177

تواريا بجناح لله وأستترا ... ومن يضم جناح الله لا يضم يا أحمد الخير لي جاه بتسميتي ... وكيف لا يتسامى بالرسول سمى المادحون وأرباب الهوى تبع ... لصاحب البردة الفيحاء ذي القدم مديحه فيك حب خالص وهوى ... وصادق الحب يملي صادق الكلم الله يشهد أني لا أعارضه ... من ذا يعارض صوب العارض العرم وإنما أنا بعض الغابطين ومن ... يغبط وليك لا يذمم ولا يلم هذا مقام من الرحمن مقتبس ... ترمى مهابته سحبان بالبكم البدر دونك في حسن وفي شرف ... والبحر دونك في خير وفي كرم شم الجبال إذا طاولتها انخفضت ... والأنجم الزهر ما واسمتها تسم والليث دونك بأسا عند وثبته ... إذا مشيت إلى شاكي السلاح كمى تهفو إليك وان أدميت حبتها ... في الحرب أفئدة الأبطال والبهم محبة الله ألقاها وهيبته ... على ابن امنة في كل مصطدم كأن وجهك تحت النقع بدر دجى ... يضيء ملتثما أو غير ملتثم بدر تطلع في بدر فغرته ... كغرة النصر تجلو داجي الظلم ذكرت باليتيم في القران تكرمة ... وقيمة اللؤلؤ المكنون في اليتم الله قسم بين الناس رزقهم ... وأنت خيرات في الأرزاق والقسم ان قلت في الأمر لا، أو قلت فيهم نعم ... فخيره عند الله في لا منك أو نعم أخوك عيسى دعا ميتا فقام له ... وأنت أحييت أجيالا من الرسم والجهل موت، فأن أوتيت معجزة ... فابعث منالجهل أو فابعث من الرجم قالوا غزوت، ورسل الله ما بعثوا ... لقتل نفس ولا جاؤا لسفك دم جهل وتضليل أحلام وسفسطة ... فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم لما أتى لك عفوا كل ذي حسب ... تكفل السيف بالجهال والعمم والشر ان تلقه بالخير ضقت به ... ذرعا وان تلقه بالشر ينحسم سل المسيحية الغراء كم شربت ... بالصاب من شهوات الظالم الغلم طريدة الشرك يؤذيها ويوسعها ... في كل حين قتالا ساطع الحدم

стр. 178

لولا حماة لها هبوا لنصرتها ... بالسيف ما انتفعت بالرفق والرحم لولا مكان لعيسى عند مرسله ... وحرمة وجبت للروح في القدم لسمر البدن الطهر الشريف على ... لوحين لم يخض مؤذيه ولم يجم جل المسيح وذاق الصلب شائنة ... ان العقاب بقدر الذنب والجرم أخو النبي وروح الله في نزل ... فوق السماء ودون العرش محترم علمتهم كل شيء يجهلون به ... حتى القتال وما فيه من الذمم دعوتهم لجهاد فيه سؤددهم ... والحرب أس نظام الكون والأمم لولاه لم نر للدولات في زمن ... ما طال من عمد أو قر من دعم تلك الشواهد تترى كل اونة ... في الأعصر الغر لا في الأعصر الدهم بالأمس مالت عروش واعتلت سرر ... لولا القذائف لم تثلم ولم تصم أشياع عيسى أعدوا كل قاصمة ... ولم نعد سوى حالات منقصم مهما دعيت إلى الهيجاء قمت لها ... ترمى بأسد ويرمى الله بالرجم على لوائك منهم كل منتقم ... لله مستقتل في الله معتزم مسبح للقاء الله مضطرم ... شوقا على سابح كالبرق مضطرم لو صادف لدهر يبغي نقلة فرمى ... بعزمه في رحال الدهر لم يرم بيض مفاليل من فعل الحروب بهم ... من أسيف الله لا الهندية الخذم كم في التراب إذا فتشت عن رجل ... من مات بالعهد أو من مات بالقسم لولا مواهب في بعض الأنام لما ... تفاوت الناس في الأقدار والقيم شريعة لك فجرت العقول بها ... عن ذاخر بصنوف العلم ملتطم يلوح حول سنا التوحيد جوهرها ... كالحلى للسيف أو كالوشى للعلم غراء حامت عليها أنفس ونهى ... ومن يجد سلسلا من حكمة يحم نور السبيل يساس العالمون بها ... تكفلت بشباب الدهر والهرم يجرى الزمان وأحكام الزمان على ... حكم لها نافذ في الخلق مرتسم لما اعتلت دولة الاسلام واتسعت ... مشت ممالكه في نورها التمم وعلمت أمة بالقفر نازلة ... رعى القياصر بعد الشاء والنعم

стр. 179

كم شيد المصلحون العالمون بها ... في الشرق والغرب ملكا باذخ العظم للعلم والعدل والتمدين ما عزموا ... من الأمور وما شدوا من الحزم سرعان ما فتحوا الدنيا لملتهم ... وانهلوا الناس من سلسالها الشبم ساروا عليها هداة الناس فهي بهم ... الى الفلاح طريق واضح العظم لا يهدم الدهر ركنا شاد عدلهم ... وحائط البغي ان تلمسه ينهدم نالوا السعادة في الدارين واجتمعوا ... على عميم من الرضوان مقتسم دع عنك روما واثينا وما حوتا ... كل اليواقيت في بغداد والتوم وخل كسرى وايوانا يدل به ... هوى على اثر النيران والايم واترك رعسيس، ان الملك مظهره ... في نهضة العدل لا في نهضة الهرم دار الشرائع روما كلما ذكرت ... دار السلام لها القت يد السلم ما ضارعتها بيانا عند ملتأم ... ولا حكتها قضاء عند مختصم ولا احتوت في طراز من قياصرها ... على رشيد ومأمون ومعتصم من الذين إذا سارت كتائبهم ... تصرفوا بحدود الأرض والتخم ويجلسون إلى علم ومعرفة ... فلا يدانون في عقل ولا فهم يطأطى العلماء الهام أن نبسوا ... من هيبة العلم لا من هيبة الحكم ويمطرون فما الأرض عن محل ... ولا بمن مات فوق الأرض من عدم خلائف الله جلوا عن موازنة ... فلا تقيس أملاك الورى بهم من في البرية كالفاروق معده؟ ... وكابن عبد العزيز الخاشع الحشم؟ وكالامام إذا ما فض مزدحما ... بمدمع في ماقي القوم مزدحم الزاخر العذب في علم وفي أدب ... والناصر الندب في حرب وفي سلم أو كابن عفان والقران في يده ... يحنو عليه كما تحنو على الفطم ويجمع الاي ترتيبا وينظمها ... عقدا يجيد الليالي غير منفصم جرحان في كبد الاسلام ما التأما ... جرح الشهيد وجرح بالكتاب دمى وما بلاء أبي بكر بمتهم ... بعد الجلائل في الأفعال والخدم بالحزم والعزم حاط الدين في محن ... أضلت الحلم من كهل ومحتلم

стр. 180

واحدن بالراشد الفاروق عن رشد ... في الموت وهو يقين غير منبهم يجادل القوم مستلا مهنده ... في أعظم الرسل قدرا كيف لم يدم لا تعذلوه إذا طاف الذهول به ... مات الحبيب فضل الصثب عن رغم يا رب صل وسلم ما أردت على ... نزيل عرشك خير الرسل كلهم محيي الليالي صلاة لا يقطعها ... إلا بدمع من الاشفاق منسجم مسبحا لك جنح الليل محتملا ... ضرا من السهد أو ضرا من الورم رضية نفسه لا تشتكي سأما ... وما مع الحب ان اخلصت من سأم وصل ربي على ال له نخب ... جعلت فيهم لواء البيت والحرم بيض الوجوه ووجه الدهر ذو حلك ... شم الأنوف وأنف الحادثات حمى وأهد خير صلاة منك أربعة ... في الصحب صحبتهم مرعية الحرم الراكبين إذا نادى النبي بهم ... ما هال من جلل واشتد من عمم الصابرين ونفس الأرض واجفة ... الضاحكين الى الأخطار والقحم يا رب هبت شعوب من منيتها ... واستيقظت أمم من رقدة العدم سعد ونحس وملك أنت مالكه ... تديل من نعم فيه ومن نقم رأى قضاؤك فينا رأي حكمته ... أكرم بوجهك من قاض ومنتقم فاللطف لأجل رسول العالمين بنا ... ولا تزد قومه خسفا ولا تسم يا رب أحسنت بدء المسلمين به ... فتمم الفضل وامنح حسن مختتم
следующие страницы →