← Сира

Сира · id 9792

ثلاثية البردة بردة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

حسن حسين

Полный текст (184 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

شاكى السلاح لهم سيما تميزهم ... والورد يمتاز بالسيما من السلم «١» تهدى إليك رياح النصر نشرهم ... فتحسب الزهر في الاكمام كل كمى «٢» كأنهم في ظهور الخيل نبئت ربا ... من شدة الحزم لا من شدة الحزم «٣» طارت قلوب العدا من بأسهم فرقا ... فما تفرق بين البهم والبهم «٤» فيستطرد الإمام البوصيري ليصف فرسان المسلمين بأن رماحهم كانت تصل إلى أجسام الأعداء ولا تترك لهم جزا إلا وبه طعنة رمح أو ضربة سيف، وهذه الأسلحة التي كانت عند المسلمين تمتاز بقوة فتكها وإن الرياح كانت تنقل أخبار نصرهم وتحمل معها رائحة عطرة ندرك من خلالها حلاوة النصر. ويشبه المسلمين في حزمهم وثباتهم وثقتهم بأنفسهم وهم على ظهور خيلهم كأنهم نبات ضارب بقوة في أرض قوية، وهذا النبات مرده إلى الثقة بالنفس والعقيدة التى اندفعوا للدفاع عنها وليس مردة قوة ربط الحزام وإمساكهم اللجام وعند لقائهم بالأعداء انخلعت قلوب هؤلاء الأعداء من شدة بأسهم وتفرقوا في كل مكان يستوى في ذلك منهم الجبان والشجاع كالماشية حينما تجفل من الخوف. ثم يقول الشاعر الإمام: - ومن تكن برسول الله نصرته ... ان تلقه الأسد في اجامها تجم «٥» ولن ترى من ولى غير منتصر ... به ولا من عدو غير منقصم «٦»

стр. 72

احل امته في حرز ملته ... كالليث حل مع الأشبال في أجم «١» كم جدلت كلمات الله من جدل ... فيه وكم خصم البرهان من خصم «٢» كفاك بالعلم في الأمى معجزة ... في الجاهلية والتأديب في اليتم ثم يقول الإمام البوصيري: من يستنصر بالله ورسوله لا يقف في طريقه أحد حتى الأسود في عرينها لا تتحرك لمواجهته، ولن نجد أحد منصورا إلا إذا كان مستمدا نصره من رسول الله، ولن نجد عدوا له منكسرا مهزوما، فالرسول يحمي أمته في حصنه المنيع ألا وهو الإسلام، كالأسد يحمي أشباله في غابته، وكثيرا ما جاء المنافقون والمجادلون بالبراهين والأدلة على أنهم على حق، ولكن كلمة الله هي العليا نصرة لرسوله والإسلام، فكانت براهينهم وأدلتهم كالهباء المنثور، ومجادلتهم كانت عظيمة، وتكفيهم معجزتك يا رسول الله إنك أمي لا تعرف القراءة والكتابة، ولكنك كنت عالما بما أوحى الله إليك، ومع إنك يتيم فقد شهد لك الجميع بأدبك وحميد أخلاقك ولا غرو فقد رباك الله على عينه فأحسن تربيتك. ثم يتوسل إلى النبي ﷺ فيقول: خدمته بمديح استقبل به ... ذنوب عمر مضى في الشعر والخدم «٣» إذ قلدانى ما تخشى عواقبه ... كأننى بها هدى من النعم «٤» اطعمت في الصبا في الحالتين وما ... حصلت الا على الاثام والندم «٥»

стр. 73

فياخسارة نفس في تجارتها ... لم تشتر الدين بالدنيا ولم تسم «١» ومن يبع اجلا منه بعاجله ... يبن له الغبن في بيع وفي سلم «٢» فيوضح الإمام البوصيري أن مدحه لرسول الله ﷺ ليس إلا محاولة لطلب الشفاعة منه عن ذنوب ارتكبها في أيامه الماضية سواء في شعره أو في عمله الدنيوى لقد أوردنه الشعر والعمل مورد التهلكة، وساقاه إلى ما تخشى عواقبه كأنه هدى يساق ليذبح ويقول، وبالشعر والعمل السيء ما جنيت إلا الذنوب والندم، فيتوجع ويبكي بما قدم في أيامه السابقة إذ فضل الدنيا على الدين وكانت هذه هي الخسارة الكبرى. ويصل البوصيري إلى الخلاصة الحكيمة التي انتهى إليها فكره ووجدانه وهي أن من يبيع اخرته بملذات دنياه فهو الخاسر في الدنيا والاخرة. إذ يقول: ان ات ذنبا فما عهدى بمنتقض ... من النبي ولا حبلى بمنصرم «٣» فإن لى ذمة منه بتسميتى ... محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم «٤» ان لم يكن في معادى اخذا بيدى ... فضلا والا فقل يازلة القدم «٥» حاشاه أن يحرم الراجى مكارمه ... أو يرجى الجار منه غير محترم «٦» فيتوجه البوصيري مخاطبا الرسول ﷺ معتذرا متوسلا به فيقول: إن كنت قد اذنبت فما ذلك من كفر أو نكث عهد أو جحود أو قطع لأسباب الوصال لأن

стр. 74

لي به انتسابا، إن اسمي محمد فأنا على العهد بإيماني وبأسمي، والرسول أو فى الخلق بالعهود، فإذا لم يأخذ بيدي رسول الله ولم يكن شفيعى في اخرتى بفضله وكرمه أكون من الخاسرين. ثم يقول الشاعر الإمام: ومنذ الزمت أفكارى مدائحه ... وجدته لخلاصى خير ملتزم «١» ولن يفوت الغنى منه يد تربت ... ان الحيا ينبت كالأزهار في الأكم «٢» ولم ارد زهرة الدنيا التي اقتطفت ... يدا زهير بما اثنى على هرم «٣» ويريد منذ أن تحرك عشقى لرسول الله ومنذ أن هز وجداني حب الرسول ومنذ أن هامت روحى حول رحابه وتعلق قلبي به وبالملة السمحاء تحرك يراعي فأوقفت شعرى على مدحه والقيت عليه أحمال ذنوبي ورجوته للشفاعة، ووجدت فيه المتكفل بخلاصي من هذه الاثام والذنوب وبخلاصي من نفسي الاثمة- عندما فعلت ذلك هاجرا حياة الصبا وشطحات النفس ووسوسة الشيطان ووجدت من سنته خير شفيع وناصح، وعافت النفس عرض الدنيا ورجوت ثواب الاخرة، لا كما فعل اخرون مثل زهير بن أبي سلمى عندما مدح هرم بن سنان. ويقول مناجيا رسول الله ﷺ : يا أكرم الخلق مالى من الوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم «٤» ولن يضيق رسول الله جاهك بى ... إذا الكريم تجلى باسم منتقم «٥»

стр. 75

فان من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم «١» فيناجي البوصيري رسول الله ﷺ ويعدّ مناقبه، إنه أكرم خلق الله عند الله، لقد اختصه بشفاعته يوم القيامة دون الأنبياء فيكون ملاذا لجميع المؤمنين والاملين في شفاعته يوم الحساب فالرسول ﷺ لن يضيق بي يوم القيامة حين استنجد بشفاعته لذنوب ارتكبتها في الدنيا عندما يحاسب الله عباده يوم العرض عليه، ومن كرم الرسول ﷺ أنه يشمل المؤمنين برعايته وشفاعته ففي الدنيا كل خير وإصلاح وسنته الشريفه خير سبيل، وفي الاخرة هو الشفيع للمؤمنين فهو واحده الذي يعلم علم اللوح والقلم بما أنزله الله من قران هدى به البشر والأمم. ثم يقول: يا نفس لا تقنطى من زلة عظمت ... ان الكبائر في الغفران كاللمم «٢» لعل رحمة ربى حين يقسمها ... تأتى على حسب العصيان في القسم «٣» يا رب واجعل رجائى غير منعكس ... لديك واجعل حسابى غير منخرم «٤» والطف بعبدك في الدارين ان له ... صبرا متى تدعه الأهوال ينهزم «٥» فيؤمل الإمام البوصيري نفسه مخاطبا إياها ألا تيأس من كثرة الذنوب التي ارتكبها لأن الله يقبل توبة العبد التائب مهما عظمت ذنوبه وأن هذه الذنوب لا تعظم على الله في غفرانه وأن الله يشمل من يشاء برحمته.

стр. 76

ويدعو الله ألايرد عليه رجاءه وأمله وأن يجعل حسابه غير منقوص من الرحمة وأن يشمله بلطفه عند المحن لأن صبره لا يقوى على مجابهة الشدائد. ويقول الشاعر الإمام: - وأذن لسحب صلاة منك دائمة ... على النبي بمنهل ومنسجم «١» ما رنحت عذابات البان ريح صبا ... وأطرب العيس حادى العيس بالغنم «٢» ويرجو الإمام البوصيري من الله أن يصلي على النبي ﷺ صلاة دائمة مستمرة كالمطر رقيقة ومنسجمة وكأن هذه الصلوات الطيبات التي يرسلها الله على النبي رقيقة كرقة غصن البان أو كأنغام صوت حادي الإبل يردد أنغامه لتطرب به الإبل وتستمر في مسيرتها حيث المقصد. وقد ورد بيتان ذكر بعض الشراح بأنهما تذييل للقصيدة يقول فيها الشاعر: ثم الرضا عن أبى بكر وعن عمر ... وعن على وعن عثمان ذى الكرم «٣» والال والصحب ثم التبابعين فهم ... أهل التقى والنقى والحلم والكرم «٤» كما وردت عدة أبيات أخرى نسبت إلى الإمام البوصيري وإلى البردة ذكرت في بعض الكتاب ولم تذكر في بعض الاخر، وقد أورد المحقق والناقد فتحي عثمان في طبعة دار المعرفة لعام ١٩٧٣ م أن هذه الابيات وردت خارج البردة، وهذه الابيات تضم مديحا ودعاء لأصحاب الرسول ﷺ وعن الخلفاء الراشدين.

стр. 77

فيقول: يا رب بالمصطفى بلغ مقاصدنا ... واغفر لنا ما مضى يا واسع الكرم «١» واغفر الهى لكل المسلمين بما ... يتلوه في المسجد الأقصى وفي الحرم «٢» بجاه من بيته في طيبة حرم ... واسمه قسم من أعظم القسم «٣» وهذه بردة المختار قد ختمت ... والحمد لله في بدء وفي ختم «٤» أبياتها قد أتت ستين مع مائة ... فرج بها كربنا يا واسع الكرم «٥» وإني أرى أن هذه الأبيات قالها الأمام البوصيرى ليؤكد أن البردة تضم مائة وستين بيتا وهذه الأبيات الخمسة تعتبر خاتمة وتذييلا ليحدد به عدد أبيات البرده من ناحية ولتكون هذه الأبيات الخمسة السهلة في البنى والمعنى تتمة لدعاء المسلمين.

стр. 78

رقم الإيداع بدار الكتاب القطرية ٤١٩ لسنة ١٩٨٧ م

стр. 79

الفصل الثالث أمير الشعراء ونهج البردة

стр. 80

أمير الشعراء ونهج البردة ولد أحمد شوقي في حي من أحياء القاهرة يسمى (الحنفي) في اكتوبر عام ١٨٧٠ «١» من أسرة اختلط فيها الدم العربي بدماء أخرى. ويقال أن جدته كانت وصيفة في قصر الخديوي اسماعيل دخلت بحفيدها حين كان في الثالثة من عمره على الخديوي، فنظر إليه فوجد بصره مشدودا إلى السماء فيطلب بدره من الذهب رماها عند قدمي الطفل، فتحولت عين الطفل إليها وأخذ يلعب بها. فقال الخديو لجدته: افعلي ذلك معه حتى يتعود، فأجابت إجابتها المشهورة (هذا دواء لا يخرج إلا من صيد ليتك) فقال: تعالي به إلى متى شئت حتى أنثر الذهب تحت قدميه، وقد عاش أحمد شوقي معها في جو مترف فنشأ نشأة ارستقراطية. دخل شوقي وهو في الرابعة من عمره (كتاب الشيخ صالح) وكانت الدراسة فيه تعتمد على التلقين والحفظ، ثم انتقل إلى مدرسة المبتديان الابتدائية فوجد أن الوسط التعليمي فيها مما يروقه، فانتعشت نفسه، ومال إلى الدرس والتطلع إلى المعرفة، فواصل التحصيل ثم انتقل إلى التجهيزية، وهناك تفوق تفوقا عظيما فكان ترتيبه الثاني على المدرسة كلها. وينتهي شوقي من دراسته الثانوية في سن مبكرة (١٨٨٥) ثم ينتهي من دراسة الحقوق والترجمة عن الفرنسية (١٨٨٩) وكان في أثناء دراسته للحقوق يتلقى نوعا اخر من الدراسة الأدبية إذ تتلمذ على يد الشيخ/ حسين المرصفي وقرأ معه كتاب (الكشكول) لبهاء الدين العاملي، وشعر البهاء زهير، وكذلك اتصل بالشيخ حفني ناصف ولم يكد ينل إجازة مدرسة الترجمة حتى دعاه الخديوي توفيق وهنأه ووعده بالحاقه بالعمل في القصر، وظل شوقي ينتظر تحقيق هذا الوعد إلى

стр. 81

أن صدر قرار بإيفاده في بعثة دراسية إلى فرنسا ليدرس الحقوق، واختار له جامعتي مونبلييه وباريس ليلتحق بهما على التوالي، ونصحه بألا يغافل عن دراسة الأدب الفرنسي إلى جانب دراسته للحقوق، ولعل (توفيقا) كان يهدف من ذلك أن يصقل شوقي موهبته الشعرية ليصبح فيما بعد شاعر القصر (وأحاطت بالشاعر مظاهر العناية والرعاية ذلك أن الخديوي قد كتب إلى مدير البعثة المصرية في فرنسا يأمره بالاهتمام بأمر شوقي) ، وكانت باريس تعج أثناء إقامة شوقي بالمذاهب الأدبية والفنية المختلفة، فضلا عن النشاط المسرحي العريض، فجذب ذلك (شوقي) الذي خضع على وجه الخصوص لشعر شعراء ثلاثة هم: (فيكتور هيجو، والفريد دي موسيه ولا مرتين) . وبعد أن نال شوقي إجازة الحقوق عاد إلى وطنه فألحق بالديوان الخديوي حيث ظل موضع رعاية الخديوي عباس الثاني ونشأت بين حاكم مصر والشاعر علاقة ود وثيقة تمثلت في إيفاد شوقي في بعض مهامه السياسية، ويحب الخديوي شاعره، ويختار له زوجة، هي أبنة رجل ثري كريم، فتتحسن أحواله، وتقبل عليه الدنيا، ويظل الشاعر متعلقا بولي نعمته. وفي عام ١٩١٤ «١» نفى الشاعر إلى اسبانيا ومكث في منفاه خمس سنوات. وحين أعلنت الهدنة إثر الحرب العالمية الأولى، أصبح من حقه أن يتجول في أسبانيا حسبما يريد، فتنقل بين مدنها الكبيرة، وشاهد اثار مجد العرب والعروبة في جنتهم المفقودة، وحاز لنفسه ثقافة تاريخية عميقة بفضل ما قرأ من تاريخ العرب في الأندلس، وأخذ يتعمق في دراسة الشعر الأندلسي واستيقظت روح الشاعر بعد سبات عميق وامتد بصره إلى أعماق تاريخ العرب. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، تلكأت الحكومة المصرية بوحي من الإنكليز في استدعاء الشاعر من منفاه، وما أن بلغ القاهرة حتى خرج الشعب المصري عن بكرة أبيه يستقبله ويحتفي به، ولقد حمله على الأعناق والدموع تنهمر من العيون إذ اعتبره شعبه بطلا من أبطاله، لا يهادن الاستعمار ولا يتواطأ مع

стр. 82

الأعداء على حكام وطنه ولا على أبناء شعبه، ويلتفت شوقي إلى وطنه ويزجى إليه كل ما في نفسه من الحب والود فيقول: - يا وطني لقيتك بعد يأس ... كأني قد لقيت بك الشبابا وكل مسافر سيؤوب يوما ... إذا رزق السلامة والإيابا أدير إليك قبل البيت وجهي ... إذا فهت الشهادة والمثابا ولا ينسى في فيض العاطفة الجياشة أن يذكر شباب مصر وقد خفوا لاستقباله ذلك الاستقبال الرائع، تقديرا له فيقول: - وحيا الله فتيانا سماحا ... كسوا عطف من فخر ثيابا ملائكة إذا أحبّوك يوما ... أحبك كل من تلقى وهابا وإن حملتك أيديهم بحورا ... بلغت على أكفهم السحابا وعاد شوقي إلى وطنه فوجد أرضه مخضبة بدماء الشهداء وكل شيء فيه يتحول ويتغير، فظل ملتصقا بالشعب يعيش حياته الجديدة. فجعل بيته منتدى الأدباء والشعراء وكبار رجال عصره وقد زاره عام (١٩٢٦) (طاغور) شاعر الهند الكبير. وفي عام ١٩٢٧ اختير عضوا في مجلس الشيوخ المصري وانتهز محبوه وأصدقاؤه المناسبة فأقاموا حفل تكريم استحال إلى مهرجان قومي عربي عظيم اشتركت فيها وفود الدول العربية وقد أعلن فيه تتويج أحمد شوقي أميرا للشعر العربي وأعلن حافظ إبراهيم باسمه وباسم شعراء العرب مبايعتهم له بإمارة الشعر في قصيدته الشهيرة التي يقول فيها: بلابل وادي النيل بالمشرق أسجعى ... بشعر أمير الدولتين ورجّعى أعيدي على الاسماع ما غردت به ... براعة شوقي في ابتداء ومطلع إلى أن يقول: - أمير القوافي قد اتيت مبايعا ... وهذي وفود الشرق قد بايعت معي لقد حقق شوقي مجدا أدبيا بصلاته بالشعوب العربية يشاركها أفراحها واتراحها وأصبح أمل الشباب فيها، وصار شعره يردد في كل مكان، وظل متربعا

стр. 83

على عرش إمارة الشعر العربي بقية حياته. وكان شوقي يتمتاع برؤية حضارية لافتة للنظر ومثيرة للبحث والتقصي، فإنه واسع الاطلاع، وملم إلماما واعيا بتاريخ مختلف الأمم ولا سيما تلك التي يتصل تاريخها اتصالا مباشرا بتاريخنا العربي والإسلامي، ومن الطبيعي أن ينحاز شوقي في أغلب أشعاره إلى حضارة أمته العربية إزاء مواجهة الحضارات الاخرى، واحتفى بالتراث الكلاسيكي اليوناني والروماني، كما احتفى بتراث أمته العربي والإسلامي. وقد ألم شوقي بشيء من فكر أرسطو السياسي وربما اطلع على نظام الاثينيين وإلا فكيف نفسر قول شوقي في الهمزية النبوية مخاطبا الرسول ﷺ : - داء الجماعة من ارسطاليس لم ... يوصف له- حتى أتيت- دواء فرسمت بعدك للعباد حكومة ... لا سوقة فيها ولا امراء فالشاعر يقول أن أفكار أرسطو السياسية لم تحل مشكلة الحكم حتى تفاقمت على مر العصور وحتى جاءت الرسالة النبوية ورسمت للناس حكما لا سوقة فيه ولا أمراء أي أن الحكومة الإسلامية هي الحل لكل مشاكل السياسة، ومن المدهش حقا أن شوقي يبدي الماما عميقا ببعض دقائق الفكر الأغريقي، ففي ثنايا حديثه عن الديانة الإسلامية السمحة الغراء يقول في الهمزية أيضا ما يثير الانتباه ويلفت النظر: بنيت على التوحيد وهي حقيقة ... نادى بها سقراط والقدماء وليس غريبا أن يعرف شوقي قصة سقراط (٤٦٩- ٣٩٩ ق م) الذي حوكم بعد أن الصقت به تهمة افساد الشباب والاعتقاد في الهة غريبة غير تلك الالهة التقليدية التي كان يؤمن بها أهل زمانه في أثينا، إن قصة سقراط هذه مشهورة ولا شك أن شوقي قد عرفها. وتأثر شوقي بشعراء عرب قدامى كثيرين منهم ابن زيدون الذي نجد التقارب عظيما بينه وبين شوقي، ويظهر هذا التقارب في نونية شوقي التي عارض

стр. 84

فيها نونية ابن زيدون: يا نائح الطلح أشباه عوادينا ... نشجى لواديك أو نأسى لوادينا ويلاحظ أن نونية ابن زيدون كلها لوعة وحرقة وشكوى من البين والأعداء والزمن معاتبا ولاده. أما شوقي فاستهل قصيدته بمناجاة طائر حزين يرسل شجواه بوادي الطلح وكأنه يعبر عن حزنه ولوعته مسترسلا في مناجاته رغم أحزانه وفراقه لوطنه. ووقف خاشعا أمام المتنبي وشعره وأشاد بكثير من الشعراء مثل: أبي فراس وأبي العلاء، وأبي العتاهية، والعباس بن الأحنف، والبهاء زهير، والبحتري. وقد عارض شوقي طائفة من فحول شعراء العرب ومنهم البوصيري في قصيدته المشهورة (البردة النبوية) فقد عارضه شوقي بقصيدته (نهج البردة) ، وقد جاراه شوقي مستلهما نفس العناصر الفكرية التي صورها من حيث الغزل الصوفي وبيان حبه للرسول ﷺ ثم تحذيره النفس من غرور الدنيا. وتتسع دائرة الثقافة والابداع عند شوقي حيث تعامل مع التراث القديم بنظرة شاملة تواحد ما بين الشرق والغرب وما بين المحافظة والتجديد في ان واحد، وقرأ شوقي الأدب الانجليزي وتأثر بمسرحيات شكسبير، كما يظهر من خلال مسرحيته (مصرع كليوباترا) ، كما تأثر بالثقافة الأوربية واختلف إلى مسارح الغرب ورأى أمام عينيه حركات التجديد الشعرية وقد أخذ بحركات التجديد التي سادت في مطلع القرن العشرين وقرأ أشعار المجددين وحاول أن يسير على إثرهم كما فعل في الأدب العربي ورأى في الأفق الغربي عالما اخر لا بد من الإفادة منه، فأخذ يقلد خرافات لا فونتين وغيره، ويعتبر شوقي رائدا للمسرح الشعري في العالم العربي إذ إنه أول من كتب المسرحية الشعرية مسرحية (مجنون ليلى) ثم ست مسرحيات أخرى. ولمعرفة شوقي على الصعيد الثقافي نجد أنه قد عاصر مرحلتين مهمتين في تاريخنا الأدبي هما مرحلة الأحياء ومرحلة التجديد.

стр. 85

في المرحلة الأولى: مرحلة إحياء التراث القديم فقد حاول تطوير فنه داخل الشكل القديم وبخاصة في المقدمة الغزلية أو الخمرية أو المدح متأثرا بسلفه العظيم محمود سامي البارودي في شعر الوصف ثم شعر الوجدان والشعر الوطني. أما في المرحلة الثانية: التي عاصرها شوقي فهي معاصرته لمدرسة التجديد الرومانسية التي تنسق رؤيتها الأدبية مع الفلسفة الاجتماعية والفكرية للطبقة المثقفة الجديدة التي استمدت ثقافتها من أوربا فما الفن- في مفهومها- إلا تعبير عن الذات سواء أكان هذا التعبير تغنيا بالامال الفردية أو بكاء عليها أو هروبا من ضغوط المجتمع إلى رحابة الطبيعية، وهذه المدرسة دخلت عالم الشعر بثقافة جديدة تستمد جذورها من الأدب الأوربي ويفهم جديد مغاير لماهية الشعر القديم ووظيفته. وننتهي من هذا كله إلى أن شوقي عاصر مدرستين أدبيتين، وأنه لم ينتم لمدرسة معينة منهما فلا هو كلاسيكي ولا رومانسي، ولكنه استطاع أن يعبر الحدود، ويحطم القيود، وشخص ببصره في كل شيء فاستطاع أن يكتب في كافة أغراض الشعر قديمه وحديثه، بل أضاف إلى استخدامات الشعر استخدام المسرح الشعري من مأساة وملهاة. وكان شوقي بقصائده الإسلامية حربا على أعداء الإسلام، التي أشاد بالإسلام فيها ومجده، وأثبت بها إيمانه العميق بقدسية وجلال هذا الدين الحنيف، فقد كان ﵀ قارئا للقران الكريم والأحاديث النبوية، وكان عميق الإيمان، لم يذكر اسم الله مجردا قط بل كان يتبعه بقوله: ولم يذكر اسم النبي إلا وقال ﷺ ، وإذا رأى جنازة مارة أمامه وقف خاشعا معظما لها، رافعا سبابته بالتشهد، طالبا الرحمة داعيا بحسن المقام في الاخرة. وكان سمحا ضحوكا خفيف الروح، يحب الخلوة إلى نفسه، وكان يكره الموت أو التحدث عنه، متواضعا، لم يتعال على إنسان مهما صغر شأنه، وفي أيامه الأخيرة وبالتحديد في السنتين الأخيرتين من عمره تغيرت عادات شوقي، فامتنع عن كل

стр. 86

ما يغضب الله واقتصر في حياته على القراءة في كتب الدين الإسلامي فقها وتشريعا وسنة وجعل لكل حركة من حركاته بداية، هي اسم الله، وقد أصيب في أثناء ذلك بمرض عضال ألح عليه واحتار الطب في الداء فما كان من شوقي إلا أن اقتدى بصاحب البردة الإمام البوصيري حينما تشفع بالرسول ﷺ أن يبرئه الله من مرضه فشفاه، تشفع شوقي بالرسول خاشعا ممتثلا طالبا الشفاء والصحة فشفاه الله. وكانت لهذه الحادثة أثرها على شوقي فعاش بقية حياته يعيش عيشة الخاشعين المقدسين لله التابعين باحسان لماثر الرسول الكريم ﵊ وقد برزت هذه الصفات الإسلامية من خلال مشاعره وأحاسيسه المرهفة في أشعاره الأخيرة التي غلب عليها طابع التدين والاقتراب من الإسلام والبعد عن كل ما نهى عنه الدين الحنيف، وبرزت أشعاره خالصة صادقة نابعة من وجدانه الذي تجدد بعمق إيمانه واتفقت عواطفه مع عواطف إخوانه المسلمين في أنحاء البلاد الإسلامية فكان معبرا عن عواطفهم الدينية محلقا في الافاق البعيدة باحثا ببصيرته في ملكوت الله فيصيبه الذهول من روعة وقدرة الخالق القادر على ما أبدع فتتصدع نفسه أكبارا ورهبة، وتنهمر دموعه خشوعا وتقديسا وتكريما لرب العالمين فيخر ساجدا وتنهمر أشعاره كما تنهمر دموعه راجيا عفو الله ومغفرته ما جناه في أيام شبابه وظل هكذا في خشوع وتبتل ودعاء لرب العالمين إلى ليلة الثالث عشر من أكتوبر عام ١٩٣٢، وفي تمام الساعة الثانية صباحا حين فارقت الروح الجسد، وتمزقت أوتار قيثارة الشرق وانهارت قمة من القمم الشعر والأدب العربي في العصر الحديث؛ مات شوقي وارتفع النواح والنشيج في العالم العربي والإسلامي، ورثاه كافة الشعراء حتى شاعر الهند العظيم (رابندنات طاغور) ، وشاعر باكستان العظيم (محمد إقبال) ، وأفل النجم الأدبي الذي خرج من حارات مصر بعد حياة حافلة بالصراع الوطني والديني وبعد اثرائه المكتبة العربية بديوان عظيم ومسر حيات شعرية عظيمة.

стр. 87

الشاعر والقصيدة تأثر الشاعر أحمد شوقي في قصيدته (نهج البردة) بالشاعرين: كعب بن زهير والإمام البوصيري، وإذا تنقلنا مع شوقي بين أجزاء قصيدته نجده قد بدأها بالنسيب وقد أسرف شوقي في هذا الجانب حتى بلغ عدد أبياته أربعة وعشرين بيتا ولعلها من أجود ما كتب الشعراء في الغزل ثم تطرق إلى الحكمة وضرب الأمثال، وهو غرض من أغراض الشعر الكلاسيكي، وجعل لذلك أربعة عشر بيتا لجأ بعدها إلى التضرع والتوسل في ستة أبيات بلغت من التركيز وقوة التصوير مدى بعيدا، وكانت له معبرا إلى مدح الرسول ﷺ ، وأبراز صفاته الطيبة الكريمة في أربعة وعشرين بيتا ولم ينس شوقي وهو يمتدح رسول الله ﷺ أن يشير إلى معجزته الكبرى القران الكريم ويبين منزلته بين الكتاب السماوية الاخرى في ستة أبيات محكمة البناء بالغة الدلالة والمعنى، كما تناول بعد ذلك مولد النبي ﷺ وتحدث عن البشائر التي أنبأت بمجيئه في ثمانية أبيات، ثم تحدث عن الاسراء والمعراج في ثمانية أبيات أخرى لم يفته فيها أي حدث تم في هذه الليلة الغراء، كما بين مكانة الرسول ﷺ في ثلاثة أبيات انتقل بعدها إلى الحديث عن الهجرة وكيف نجى الله رسوله ﷺ وصاحبه فلم تصل إليهما يد الكفر والشرك. وشوقي في قصيدته التي سار فيها على درب سلفة الإمام البوصيري لا يتجرد من ثوب التواضع أمامه فله فضل السبق ولا قبل له بالوقوف أمامه في صوغ مديحه. وكان ذلك التعبير عن التواضع في ستة أبيات تعتبر خروجا عن الغرض الرئيسي للقصيدة، وخروجا على الشكل الكلاسيكي للقصيدة الدينية إلا أنه ليس مخلا بالموضوع العام، وإنما هو محاولة تجديدية من قبل شوقي بقصد كسر حدة الرتابة، بعده يعود لموضوعه الأساسي فيتحدث عن صفات الرسول ﷺ ويركز على شجاعته وهيبته بين أصحابه، فضلا عن جمال طلعته وفيض كرمه وعطائه.

стр. 88

وتناول شوقي بعد ذلك في أثنى عشر بيتا انتقل بها إلى الحديث عن جهاد الرسول ﷺ في الإسلام وخصص شوقي له سبعة عشر بيتا يحث الشاعر في نهايتها المسلمين على العودة إلى منابع الشريعة الإسلامية وإحياء الفريضة السادسة وهي الجهاد في سبيل الله، وفي اطار هذا يمدح المسلمين الأوائل الذين أعانوا الرسول ﷺ في دعوته وناصروه في سبعة أبيات ينفذ من خلالها إلى الحديث عن جوهر الشريعة الإسلامية التي غيرت مجرى التاريخ في ثلاثة عشر بيتا يبين في اخرها أن التمسك بكتاب الله يؤدي إلى السعادة في الدارين، ولا يفوته بعد ذلك أن يفرد عشرة أبيات يعقد فيها مقارنة بين الحضارات السابقة وحضارة المسلمين، وأخيرا نجد أمير الشعراء يمتدح الخلفاء الراشدين ويجعل خامسهم عمر بن عبد العزيز ويبين صفاتهم السامية، كما يتناول شوقي ماثر وأعمال الخلفاء في اثنى عشر بيتا استمد الخيال فيها من البيئة العربية، وقد قصد شوقي أن ينهي حديثه عن الخلفاء الراشدين بأبي بكر الصديق ليزيد من تكريمه وليكون مسك الختام فأبو بكر مقدم على سائر الصحابة وسائر الخلفاء. وينهي شوقي قصيدته الميمية المطولة بالصلاة والسلام على الأنبياء وعلى رأسهم الرسول الكريم ﷺ الذي هو خير الرسل وخاتم النبيين في أربعة عشر بيتا جاءت غاية في الطلاوة ونهاية في الحلاوة ثم يتحول شوقي ويتجه مرة أخرى إلى العالم الإسلامي المعاصر فيدعو له بما يرفع من شأنه ويطلب من المسلمين أن يهبوا من رقادهم، فكم من شعوب لا تدين بالإسلام قد استيقظت من رقادها وسادت في موكب النهضة. ثم يتوجه إلى الله طالبا السعادة والهناء والنعيم لشعوب الأمة الإسلامية ويطلب بحق الرسول الكريم ﷺ أن يخفف العناء عن المسلمين ويحسن ختامهم، كما أحسن بدأهم. وتنهي القصيدة العصماء ببيت يقول فيه: يا رب أحسنت بدء المسلمين به ... فتمم الفضل وامنح حسن مختتم

стр. 89

شرح نهج البردة يقول أمير الشعراء في مطلع قصيدته: ريم على القاع بين البان والعلم ... أحل سفك دمي في الأشهر الحرم «١» رمى القضاء بعيني جؤذر أسدا ... يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم «٢» يبدأ شوقي قصيدته نهج البردة كما بدأ قبله كل من كعب بن زهير والإمام البوصيري بالغزل، واعتاده الشعراء القدامى، مقتفيا نهجهم باتخاذ الغزل مطلعا للقصيدة فتخيل محبوبته الظبى الجميل الذي يقف في أرض بين أشجار ألبان والجبل، وهذا الظبى استحوذ على مشاعره أكثر من منظر الغابة الخضراء الجميلة ومنظر الجبل، وهو هنا قد شغله جمال الظبى ولم يبهره منظر الغابة الخضراء والأغصان الملتفة والروابي أو الجبال، وأن هذا الجمال الذي بهره كما لو كان قد سفك دمه على الرغم من تحريم سفك الدماء خلال الأشهر الحرم. ولعل جمال الغزال يبرز في عينيه اللتين يتعلق بهما من يراهما ولو كان أسدا في قسوته ووحشيته وجبروته، وهذا الأسد يسكن الأجم ويطلب النجدة والرحمة من هذا الظبى الرقيق الذي لا يثبت أمام جماله شيء. ثم يقول: لما رنا حدثتني النفس قائلة ... يا ويج جنبك بالسهم المصيب رمى «٣» جحدتها وكتمت السهم في كبدي ... جرح الأحبة عندي غير ذى الم «٤»

стр. 90

ويعبر شوقي عما أحسه عند رؤيته هذا الغزال وقد ثبت نظراته الرقيقة وصويها نحوه فحدثته نفسه بأن قلبه قد أصيب بسهم تلك النظرات ولا يستطيع إنسان أن يخرجه من كبده. وقد اختار الشاعر عضوا يصعب على الطب معالجتها، ألا وهو الكبد، فكل عضو من جسم الإنسان يمكن معالجته ما عدا الكبد، فهو هنا يبين مدى الجرح الذي أصيب به، ولكن الشاعر كرجل كتم هذا الهوى وهذا الحب وأنكر وجوده تماما لاعتقاده أن أي الم يسببه المحبوب لا يمكن أن يؤثر في نفسه وقلبه على الرغم من لوعته ومعاناته حب هذه الأنثى التي تضارع الغزال جمالا وفتنة. ويقول: رزقت أسمح ما في الناس من خلق ... إذا رزقت التماس العذر في الشيم «١» يا لائمي في هواه والهوى قدر ... لو شفك الوجد لم تعذل ولم تلم «٢» فيوضح صفات المحب المثالي إذ يذكر أن الإنسان الكريم سمح الخلق لا يعتبر كريما ولا سمحا إلا إذا كان قادرا على التماس الأعذار للناس وهذا هو الخلق الطيب عند العرب، ولذا يطلب ممن يلومه ويؤنبه على أنه قد أحب هذا الغزال أن يلتمس له العذر فلو مر بتجربته لما كان عاذلا. وفي قول شوقي: لقد انلتك اذنا غير واعية ... ورب منصت والقلب في صمم «٣» يخاطب لائمه ويقول له: يا أيها اللائم أنني انصت إليك حقا، ولكن هل أنت متأكد من أنني أسمع لما تقوله أو أعيه؟ انى قد انلتك أذني ولكن قلبي بعيد عنك لا يسمعك ولا يعي لومك ولا عتبك لما هو فيه من الوجد والحب منذ رؤية هذا الظبى.

стр. 91

ويقول: يا ناعس الطرف لاذقت الهوى أبدا ... أسهرت مضناك في حفظ الهوى فنم «١» وبهذا يعود شوقي إلى الحبيبة ويظهر بعض صفاتها الجمالية، فهي ناعسة الطرف، وسنانة العينينن، يدعو لها ألاتذوق الحب الذي يثقل كاهل المحب ويعذبه ويضنيه كما أضناه هو وأرقه، ويدعو لمحبوبته أن تنام هانئة قريرة العينين. ويقول شوقي: افديك إلفا ولا ألو الخيال فدى ... أغراك بالبخل من أغراه بالكرم «٢» سرى فصادف جرحا داميا فأسا ... ورب فضل على العشاق للحلم «٣» ويريد شوقي أن يؤكد لحبيبته أنه يستطيع أن يعطيها كل ما حاك بخياله من حب وشفقة ورحمة على الرغم من أن حبيبته تبخل عليه بأقل القليل، ويلجأ شوقي للمقابلات بين البخل والكرم وبين المنع واطلاق الخيال، وبين السهر والنوم، وبين الوعى والصمم لتأكيد المعنى المعبر عن حالته النفسية في حبه، وعن حال محبوبته بما فيها من تناقض بينه وبينها مسترجعا ما سمع من الام المحبين واهاتهم في العشق ورغبتهم الدائمة في وصل الحبيب، وشاعرنا لم ير هذا الحبيب إلا عن بعد، ولكنه يأمل أن يراه في الحلم، وربما تكشف له الاحلام عن حقيقة هذا المحبوب. ويقول: من المؤانس بانا بالربى وقنا ... اللاعبات بروحي السافحات دمى «٤» السافرات كأمثال البدور ضحى ... يغرن شمس الضحى بالحلى والعصم «٥»

стр. 92

القاتلات بأجفان بها سقم ... وللمنية أسباب من السقم فيرى الشاعر أن هناك من جمال المرأة ما يشبه شجرة ألبان في طولها وتمايلها كالرماح التي تسفح دم الرجل، وهنا يعرض أنماطا من النساء، اللعوب التي تعبث بمشاعر الرجل، والتي تتمكن فيه وتصيبه وتسفح دمه، وهؤلاء النسوة الكاشفات وجوههن يشبهن البدور في جمالهن حتى أن الشمس تغير منهن حينما يتحلين بالحلي والأحجار الكريمة والقلائد لانعكاس أشعة الشمس على هذه الحلي وما لها من لمعان وبريق فوق صدورهن؛ ويؤكد الشاعر أن حركة الجفن لهؤلاء النسوة لها تأثير يصل بالمرء إلى المنية ويطرح بعد ذلك حقيقة وحكمة فيقول: أن للموت أسبابا كثيرة، ويربط بين حركة الجفن والمؤثرات الاخرى التي تؤدي إلى الموت وربما كان الشاعر يقصد أن صورة انسدال الجفن وما بها من جمال تكون صورة جميلة قد تؤدي بالمرء إلى المنية لشدة وقع ذلك عليه، وهذا تأكيد لما سبق حينما شبههن بالبدر لجمالهن الذي يصرع من يتعرض لهن. ويقول شوقي: العاثرات بألباب الرجال وما ... اقلن من عثرات الدل في الرسم «١» المضرمات خدودا أسفرت وجلت ... عن فتنة تسلم الأكباد للضرم «٢» الحاملات لواء الحسن مختلفا ... اشكاله وهو فرد غير منقسم «٣» من كل بيضاء أو سمراء زينتنا ... للعين وللحسن في ارام كالعصم «٤» برعن للبصر السامي ومن عجب ... اذا اشرن اسرن الليث بالعنم «٥» وضعت خدي وقسمت الفؤاد ربي ... يرتعن في كنس منه وفي أكم «٦»

стр. 93

إن الصورة المركبة التي يحاول الشاعر أبرازها من خلال الأبيات نستدل منها على أن مشية هؤلاء النسوة بما فيهن من حسن المنظر وجمال الخطوة ومهابة ووقار يلعب بقلوب الرجال وتطأ أقدامهن هذه القلوب دون أن يحاولن انقاذها، وهؤلاء النسوة عندما تحمر خدودهن خجلا فأنها تبدو كما لو كانت قد أشعلت فيها النار، ولعلها تشعل النار في أكباد الرجال وقلوبهم عندما يكشفن عن جمال وجوههن، فلا سلامة ولا أمان لقلب الرجل أمام هذا الجمال الذي يحملن لواءه، ولا حدود لهذا الجمال، فهو جمال متنوع في أشكاله، متعدد في ألوانه، وهو في نفس الوقت جمال كامل، وحسن مطلق، ولا يحدد الحسن بلون البشرة ولا تهمه إن كانت هذه الحسناء بيضاء أو سمراء أو غير ذلك، وإنما ما يهمه فيها هو الحسن الذي يشبهه بالقمة المرتفعة التي يعتصم بها الإنسان وكأنه يريد أن يجعل الحسن في حد ذاته نوعا من أنواع العصمة أي أن الذي يرى هذا الحسن يخشاه ويهابه، وليس هناك أي إنسان قادر على مواجهة المرأة باهرة الجمال، رائعة الحسن، فهذه النوعية من النساء الشهيرات بالجمال لا يحس بجمالهن إلا من يقدر الجمال، ومع ذلك فانهن إذا ابنّ جمالهن فإنهن يصر عن حتى من تحصن بالعصمة منهن، ويصف الشاعر الكف المخضبة بالحناء فهي بجمال خضابها تأسر الرجل باشارة من كفها ولا يأسرن الرجل فقط، بل انهن يأسرن الأسد بهذه الاشارة. واستسلم الشاعر لهذا الحسن وخضع له حتى انه وضع خده وفؤاده وقلبه بساطا لهذه الظباء يرتعن في ذلك كيفما شئن ويلعبن في وديان قلبه ومرتفعاته وهو يؤكد خضوعه وضعفه أمام هذا الحسن البارع وهذا الجمال الرائع. ويقول شوقي: يا بنت ذى اللبد المحمى جانبه ... القاك في الغاب أم القاك في الأطم «١» ما كنت أعلم حتى عن مسكنه ... ان المنى والمنايا مضرب الخيم «٢»

стр. 94

من أنبت الغصن من صمصامة ذكر؟ ... وأخرج الريم من ضرغامه قرم «١» فنستدل من قول الشاعر على أنه اكتشف أن محبوبته الحسناء بنت لأحد العظماء، وبين حيرته تجاه هذا الرجل العظيم إذ كيف يستطيع أن يقابل (هذه المحبوبة في السر حيث الأغصان الملتفة والظلام هربا من بطش أبيها، أم أنه سيستطيع أن يلقاها في النور حيث البيوت والقصور، ويؤكد أن معرفته بمكانة أبيها قد وضحت وأن أمانيه في الحياة واستمرار حبه هذه الفتاة أصبح ذلك مقرونا بخوفه من الموت، فقد اجتمعت أمانيه ومنيتّه في مكان واحد وهو منزل أبيها، ويعود الشاعر ليضرب الأخماس في الأسداس متسائلا: كيف يخرج من ظهر هذا الفحل الضخم القاسي الشرس هذه النبتة الصغيرة الرقيقة وهذه الزهرة الناعمة العطرة؟! .. كيف يخرج من حيوان شرس مفترس هذا الغزال الرقيق الناعم الأبيض..؟! ويقول: بيني وبينك من سمر القنا حجب ... ومثلها عفة عذرية العصم «٢» لم أغش مضناك إلا في غضون كرى ... مضناك أبعد للمشتاق من أرم «٣» فيؤكد شوقي مرة أخرى فقده الأمل في الوصال بينه وبين.. المحبوبة وهناك عائقان: الأول؛ والدها ذو الحسب والنسب والمكانة، والاخر عفتها وعذريتها اللتان تعصمانها من حبه ومن وصله، ويؤكد أنه لا يستطيع الوصول إليها ووصالها إلا في الأحلام، فوصال محبوبته حلم من الأحلام، وأسطورة من الأساطير بعيدة عن الواقع كما تبعد عنه مدينة ارم ذات العماد التي ورد ذكرها في القران الكريم.

стр. 95

ويقول: يا نفس دنياك تخفى كل مبكية ... وان بدا لك منها حسن مبتسم «١» قضى بتقواك فاها كلما ضحكت ... كما يفيض اذى الرقشاء بالثرم «٢» ويريد الشاعر بهذا أن ينصح نفسه بأن لا تغتر بمباهج الدنيا وابتسامتها، فقد تخفى في الغيب ما يبكي ويحزن فمثلها في ذلك مثل الحية الرقطاء، لها لون جميل ولكنها تخفي في فمها السم، والابتسام لا يأتي إلا من الفم، والسم لا يأتي إلا من الفم كذلك، فوضع شوقي ابتسام الدنيا الزائف نظيرا لسم الحية القاتل. ثم يقول: مخطوبة منذ كان الناس خاطبة ... من أول الدهر لم ترمل ولم تئم «٣» يفني الزمان ويبقى من اساءتها ... جرح بادم يبكي منه في الادم «٤» فهذه الدنيا في نظر الشاعر كانت مطلوبة منذ بدء الخليقة، فالإنسان دائما يسعى إليها، فهي جذابة مغرية لبني البشر فيتكالبون عليها كما يتكالب الخطباء لخطبة امرأة جميلة لا تترمل أبدا وأنها تحمل من الماسي ما لا يفني بمر الزمان، كما حدث عن كيدها لادم ﵇. ويقول الشاعر: لا تحلفني بجناها أو جنايتها ... الموت بالزهر مثل الموت بالفحم «٥» كم نائم لا يراها وهي ساهرة ... لولا الأماني والأحلام لم تنم «٦»

стр. 96

ولعله يريد أن يقول للنفس لا تبتهجي بثمار هذه الدنيا أو جنايتها فإن الموت واحد وأن تعددت أسبابه، فهناك الكثيرون من هؤلاء الناس الغافلين عن حقيقة الحياة يأملون ويمنّون أنفسهم بالأماني والأحلام ويقضون كل حياتهم في تحقيق هذه الأماني والأحلام غافلين عن المصائب والنكبات التي قد تحل بهم فجأة. وكذلك يقول: طورا نمدك في نعمى وعافية ... وتارة في قرار البؤس والوصم «١» كم ضللتك ومن تحجب بصيرته ... ان يلق صابا يرد أو علقما يسم «٢» يا ويلتاه لنفس راعها ودها ... مسودة الصحف في مبيضة اللمم «٣» فيبين أن هذه الدنيا منذ بداية هذا الكون تعطي وتأخذ، تفرح وتبكي، فبقدر ما تعطيك من نعم وخير وعافية، بقدر ما تأخذ منك وتصيبك بالالام والمرض والفقر والذل، فهي لا تدوم لأحد، ودوام الحال من المحال، ويقول الشاعر أن هذه الدنيا كثيرا ما تضلل الإنسان وتحجب عنه حقيقة الحياة فيهيم في دنياه بلا بصيرة، وتجعله لا يفرق بين الحلو والمرثم يتحسر للنفس التي تقضي حياتها في اللهو واللعب وارتكاب المعاصي والذنوب مسودة صفحة الحساب حتى يدركه المشيب، ويؤكد الشاعر أن الدنيا تقود النفس في ملذاتها وحتى تنغمس في معاصيها فلا تترك فرصة لكي يراجع نفسه، ولكي ينقذ نفسه من التهلكة بعد أن أدرك الحقيقة المرة. ويستمر شوقي في أبياته: ركضتها في مربع المعصيات وما ... اخذت من حمية الطاعات للتخم «٤» هامت على أثر اللذات تطلبها ... والنفس ان يدعها داعي الصبا تهم «٥»

стр. 97

صلاح أمرك للأخلاق مرجعه ... فقوم النفس بالأخلاق تستقم والنفس من خيرها في خير عافية ... والنفس من شرها في مرتع وخم «١» تطغى إذا مكنت من لذة وهوى ... طغى الجياد إذا عضت على الشكم «٢» وفيها يبين أن النفس هذه أصبحت تهيم على أثر هذه الملذات الدنيوية في لهفة بلا هدف. فطبيعة النفس البشرية أنها تنجرف إلى اللهو وتندفع نحو الملذات البراقة دون تفكير (فالنفس أمارة بالسوء) ، ويميل الشاعر خلال هذه الأبيات إلى الارشاد والتوجيه فيقول: ان صلاح الأمر من صلاح الأخلاق، ولكي تستقيم النفس يجب أن تقوم بالأخلاق، وفي ذلك يتأثر الشاعر بقول الرسول ﷺ إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. ويؤكد الشاعر أن الجزاء من جنس العمل، فالنفس التي تتخذ من الخير طريقا تجني ثمارا طيبة، والنفس التي تعتاد على فعل الشر فلن تجني إلا ما زرعته وهنا يتضح تأثرّ الشاعر بقول الله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ صدق الله العظيم. ويوضح الشاعر أن النفس إذا ما تركت على هواها، فإنها تغرق في الملذات واللهو وتسقط في الخطيئة، وشبهها في ذلك بالجياد إذا ما عضت على اللجم. فيدعو الشاعر الإنسان أن يتحكم في نفسه ويراقبها دائما ويحاسبها. ثم يقول: ان جل ذنبي عن الغفران لي أمل ... في الله يجعلني في خير معتصم «٣» القى رجائي اذا عز المجير على ... مفرج الكرب في الدارين والغمم «٤» اذا خفضت جناح الذل أسأله ... عز الشفاعة لم أسأل سوى امم «٥»

стр. 98

وهنا يتضرع شوقي إلى الله ويتوسل إلى رسول الله ﷺ فيقول: إذا كان ذنبي عظيما لا يغتفر يوم الحساب يوم لا نجاة إلا من يعصم ربي فألقى رجائي على رسول الله ﷺ ، فهو شفيعنا في الدنيا والاخرة صاحب الشفاعة، فالله هو مفرج الكرب في الدنيا والاخرة وهو مفرج الهموم والأحزان وعندما أتضرع إلى رسول الله ﷺ وأسأله الشفاعة يوم تعز هذه الشفاعة فإنى لم أسأل سواه، فهو صاحب الشفاعة العظمى التي جعلها الله له وخصه بها دون غيره من الأنبياء. ويقول: وان تقدم ذو تقوى بصالحة ... قدمت بين يديه عبرة الندم «١» لزمت باب أمير الأنبياء ومن ... يمسك بمفتاح باب الله يغتنم «٢» فكل أفضل واحسان وعارفة ... ما بين مستلم منه وملتزم «٣» ويريد أن يقول: إذا تقدم الأتقياء بصالح الأعمال، تقدمت بين يدي رسول الله ﷺ بدموع الندم على ما ارتكبت من الخطايا والذنوب في الدنيا، ومن يتمسك بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فلن يضل ولن يضيع أبدا ويفوز في الدنيا والاخرة لأن من يلتزم بمبادئ الرسول في تحريم الحرام واحلال الحلال والتمسك بدستور الله في أرضه وعمل بما أنزله في الكتاب السماوية فإنه يفوز ويغتنم بلقاء رسول الله يوم القيامة. ويتعمق شوقي بعد ذلك في توضيح فضل الرسول ﷺ فهو صاحب الفضل والبر والاحسان والمعروف، وأن المؤمن من يأخذ عنه هذه الأخلاق الحميدة ويلتزم بها.

стр. 99

ويقول: علقت من مدحه حبلا أعز به ... في يوم لا عز بالانساب واللحم «١» يزرى قريضي زهيرا حين أمدحه ... ولا يقاس إلى جودى لدى هرم «٢» فقد أراد الشاعر أن يؤكد بأنه حين مدح الرسول ﷺ أراد بمدحه هذا أن يكون بينه وبين الرسول ﷺ علاقة وطيدة تعزه يوم لا عز ولا كرامة إلا بشفاعة الرسول الكريم ﷺ ، في هذا اليوم الذي لا يشفع فيه حسب ولا نسب ولا مال ولا سلطان، والكل سواسية أمام الحق لا يتمايزون بأعمالهم الصالحة ويؤكد شوقي أن مدحه لرسول الله ﷺ من الأعمال الصالحة التي يعتز بها المؤمن يوم القيامة. ويعتبر شوقي أن مدحه للرسول الكريم يقلل من قيمة شعر زهير بن أبي سلمى حينما مدح هرم بن سنان وأجزل هرم له العطاء «٣» . وقد شبه شوقي الشفاعة بالحوض الذي يروى العطشى يوم القيامة. ويقول أمير الشعراء في مدح المصطفى ﷺ : محمد صفوة البارى ورحمته ... وبغية الله من خلق ومن نسم «٤» وصاحب الحوض يوم الرسل سائلة ... متى الورود وجبريل الأمين ظمى «٥»

стр. 100

سناؤه وسناء الشمس طالعة ... فالجرم في فلك والضوء في علم «١» قد أخطأ النجم ما نالت أبوته ... من سؤدد باذخ في مظهر سنم «٢» نمو اليه فزادوا في الورى شرفا ... ورب أصل لفرع في الفخار نمى «٣» حواه في سبحات الطهر قبلهم ... نوران قاما مقام الصلب والرحم «٤» فقد اختار الله جل شأنه محمدا رسولا لتبليغ اخر رسالة سماوية، ويكفي المسلمين أن الرسول ﷺ قد جمع كل الفضائل، فهو الرحمة المهداة من الله إلى الناس أجمعين، وهذى هي إرادة الله في اختيار محمد ﷺ وتكريمه بين كل الرسل والأنبياء والناس أجمعين. ويحاول شوقي أن يجعل من الرحمة مرادفا للماء فيصف الرسول ﷺ بأنه صاحب الحوض، وصاحب الكلمة في الماء يوم لا يملك إنسان أن يتحكم في العطش والري حتى الرسل وحتى جبريل الأمين، سر الوحي، فلا أحد يعرف من سيرويه، وعمن سيحجب الماء؟ ويصف شوقي الرسول ﷺ بأنه في رفعته ونوره يماثل الشمس في علوها ونورها حتى أنه يرفعه عن الأفلاك والأجرام وحتى أن النجم قد أخطأ في تقدير مكانته وارتفاعه وشرفه، فهناك من هو أرفع منه مقاما وسيادة ورفعة ونورا ألا وهو الرسول الكريم ﷺ ، وأن هذه النجوم والكواكب نسبت إلى الرسول ﷺ بصفاتها التي تفخر بها كالعلو والضياء، فالأصل هنا ينتمي للفرع على غير العادة. ويقول: لما راه بحير قال نعرفه ... بما حفظنا من الأسماء والسيم «٥»

стр. 101

سائل حراء والروح القدس هل علما ... مصون سر عن الادراك منكتم «١» وهنا يعرض لنا شوقي ملامح النبوة المبكرة التي ظهرت على الرسول (ص) من خلال المواقف التي تعرض لها في صغره ويبدأ بذكر موقف بحير الراهب النصراني الذي تعرف على الرسول الكريم ﷺ في أثناء رحلته من مكة إلى الشام من خلال علمه بسمات وصفات النبي والرسول القادم والخاتم، ثم يؤكد أن معرفة سر النبوة مستحيل في ذلك الوقت، ولا أحد يدري إلا إذا استطاع أن يسأل جدران الغار الصماء والتي كانت تحفظ سر النبوة كشاهد عيان عليها أو أن يسأل جبريل ﵇ فهو الذي أمر بابلاغ هذه النبوة، وفي كلتا الحالتين يكون الأمر مستحيلا والسؤال محالا. ويقول: كم جيئة وذهابا شرفت بهما ... بطحاء مكة في الاصباح والغسم «٢» ووحشة لابن عبد الله بينهما ... اشهى من الانس بالاحباب والحشم «٣» يسامر الوحى فيها قبل مهبطه ... ومن يبشر بسيمي الخير يبتسم «٤» لما دعا الصحب يستسقون من ظما ... فاضت يداه من التسنيم بالسنم «٥» وهكذا يتحدث شوقي عن الطريق المشرف الذي شرفه الرسول جيئة وذهابا بين داره وبين غار حراء في كل صباح ومساء، وكان الرسول الكريم ﷺ قد تفرغ للذهاب صباحا ومساء إلى الغار ليعتكف ويتقرب إلى الله ويتعبد هناك على دين إبراهيم الخليل وهذه الجيئة والذهاب قد كانت تأخذ منه جهده ووقته كله وهي

стр. 102

أشهى إليه من مخالطة الأهل والأصدقاء، ولعلنا ندرك معنى اخر قد يكون أكثر صوابا، إنه بين ذهابه وجيئته هذه كان يجلس في بيته أيضا وحيدا معتكفا يتفكر ويتعبد وكانت أشهى وأحب إلى نفسه، وفي أثناء هذه الخلوة كان ﵊ يناجي ربه طالبا الخير، وقد اتصف الرسول ﷺ بهذا الخير فهو الصادق الأمين بين قومه ولعل هذا في حد ذاته خير. ويتحدث شوقي بعد ذلك عن معجزات الرسول والدلائل التي تؤكد أنه المختار والمصطفى والمبعوث رحمة من عند الله تعالى فيذكر الشاعر واقعة سقاية الصحابة من كف رسول الله ﵊ عند ما ضرب بها الأرض ففاضت الماء وسقت كل الصحابة وكل الحيوانات التي كانت معهم وفاضت عن حاجتهم. ويقول الشاعر: وظللته فصارت تستظل به ... غمامة جذبتها خيرة الديم «١» محبة لرسول الله اشربها ... قعائد الدير والرهبان في القمم «٢» ان الشمائل ان رقت يكاد بها ... يغرى الجماد ويغرى كل ذى نسم وبذلك يؤكد الشاعر فضل الرسول ﷺ ومعجزاته بوصفه السحابة التي ظللته وهو في طريقه من مكة متجها إلى الشام في رحلته مع عمه أبي طالب وبأن خير الأمطار تجمعت في هذه الغمامة وأنها لم تكن تظلل الرسول ﷺ وإنما كانت تستظل بوجوده الشريف، ويستمر شوقي في وصف هذه الواقعة فيقول أن بحيرا الراهب الجالس في ديره بين الرهبان الصادقي الإيمان قد رقت شمائلهم وأحسوا بأن الرسول الخاتم قد ظهر وأظلهم.

стр. 103

ويقول: ونودى اقرأ تعالى الله قائلها ... لم تتصل قبل من قيلت له بفم هناك اذن للرحمن فامتلأت ... اسماع مكة من قدسية النغم «١» فلا تسل عن قريش كيف حيرتها ... وكيف نفرتها في السهل والعلم «٢» تساءلوا عن عظيم قد ألم بهم ... رمى المشايخ والولدان باللمم «٣» يا جاهلين على الهادي ودعوته ... هل تجهلون مكان الصادق العلم «٤» لقبتموه أمين القوم في صغر ... وما الأمين على قول بمتهم فاق البدور وفاق الأنبياء فكم ... بالخلق والخلق من حسن ومن عظم وهنا يعرض الشاعر موضوع بعثة الرسول ﷺ ويصف قول جبريل الأمين حينما أمر الرسول: (اقرأ) .. ويصف الشاعر قوله (اقرأ) بأنها أمر منزّل من الله تعالى على سيد الخلق بواسطة جبريل الأمين، وكأن صوت الله هو الذي وصلها بذاته، فلم تتصل هذه الكلمة بفم بشر قبل ذلك بمثل هذه الحلاوة وهذه الطلاوة، ويستمر الشاعر في الوصف فيصف خروج الرسول ﷺ إلى مكة ورفعه للاذان هناك حتى امتلأت أسماع أهل مكة بهذه النغم المقدس ألا وهو دعوة الرسول إلى التوحيد والإيمان وترك عبادة الأصنام. ويتعرض الشاعر لأثر الحدث العظيم الذي أصاب أهل مكة بهذه الدعوة التي جاءتهم عبر رجل منهم مشهور بينهم يتسم بالصدق والأمانة ولكن هذه الدعوة اختلفوا في استقبالها وتقبلها، فاختلفت الاراء بين مؤيد ومعارض، وهنا يتدخل الشاعر ويصف المعارضين للرسول الكريم بالجهل والتجاهل لأيام خلت قبل هذه الدعوة كانوا وقتها جميعا يعترفون بأنه الصادق الأمين، وهل يمكن لمن لقيتموه بالأمين في صغائر أمورهم

стр. 104

أن يتهموه ويكون كاذبا في أمر جليل كهذه الدعوة الربانية الخالصة؟! ويتدخل الشاعر مرة أخرى ليصف مناقب الرسول ﷺ مادحا أياه بالعلو في مكانته، فالرسول الكريم ﷺ قد فاق وتخطى مكانة البدور والكواكب والشموس، وتقدم على سائر الأنبياء والرسل باختيار الله له كخاتم لهم ورسالته اخر الرسالات، فقد وهبه الله عظمة الخالق وعظمة الخلق، وهو لهذه الصفات التي لم يتصف بها بشر قبله خير الناس وأحسنهم وأفضلهم عند الخالق وعند الخلق. ويقول: جاء النبيون بالايات فانصرمت ... وجئتنا بحكم غير منصرم «١» آياته كلما طال المدى جدد ... يزينهن جلال العتق والقدم «٢» يكاد في لفظه منه مشرفة ... يوصيك بالحق والتقوى وبالرحم يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة ... حديثك الشهد عند الذائق الفهم حليت من عطل جيد البيان به ... في كل منتشر في حسن منتظم «٣» بكل قول كريم أنت قائله ... تحيى القلوب وتحيى ميت الهمم «٤» فيسترسل شوقي في المقارنة بين النبي الكريم ﵊ وما أعطاه الله من معجزات وايات بينات وبين من سبقه من الرسل والأنبياء فيذكر من سبقوه على الرغم من حبنا وتقديرنا لهم وإيماننا بهم وبما أنزل الله عليهم من ايات إلا أن هذه الايات قد انتهت بسبب تحريف البشر لها، لكن ايات الرسول الكريم ﷺ فهي كتاب الله الذي وعد الله بحفظه قال : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ صدق الله العظيم، إن هذه الايات مهما طال عليها المدى ومر الزمن وتغيرت العادات والتقاليد من جيل إلى جيل ومن عصر إلى عصر

стр. 105

ومن بلد إلى بلد فهي جديدة دائما ملائمة في أحكامها وشرائعها لكل عصر ولكل أوان، وعلى الرغم من هذه الجدة فهي جليلة عتيقة قديمة قدم الكون وأن أحكامها تشمل الرحمة والتقوى، وما من مكرمة لبني البشر إلا وهي مذكورة بين دفتي هذا الكتاب العظيم، ويخرج الشاعر من الحديث عن القران إلى السنة النبوية المشرفة فيصف صاحبها ﵊ بأنه أفصح من نطق اللغة العربية على الرغم من أنه كان أميا لا يعرف القراءة والكتابة ومع ذلك فإن لحديثه وقعا عذبا في أذن المستمع الفاهم، ويصف هذا الحديث مرة أخرى بأنه الدرر التي زينت هذه اللغة فأعطاها طعما جديدا وحلاوة جديدة في شعرها وفي نثرها فما من شاعر أو ناثر إلا وقد استمد من بيان القران الكريم وأساليب الحديث الشريف، استمد معظم تشبيهاته وخيالاته وتراكيبه اللغوية، حتى أن كل كلمة أو حديث نطق به الرسول الكريم ﷺ كان يحيى القلوب الميتة ويحيى الهمم الميتة. ويقول: سرت بشائر الهادى ومولده في ... الشرق والغرب مسرى النور في الظلم تخطفت مهج الطاغين من عرب ... وطيرت أنفس الباغين من عجم ريعت لها شرف الأيوان فانصدعت ... من صدمة الحق لا من صدمة القدم «١» فيتحدث شوقي عن يوم مولد الرسول ﷺ وما حدث من اشارات ومواقف في الشرق والغرب فيقول لقد انتشرت البشائر بمولد الرسول ﷺ في الشرق والغرب كما يسري النور في الظلام فيبدده، فهذه الأنوار قد أفزعت قلوب الطغاة من العرب، وأقلقت نفوس الباغين من غير العرب، واهتز لها سلطان الأكاسرة، فهوى الايوان وسقطت الشرفات «٢» .

стр. 106

ويقول شوقي: اتيت والناس فوضى لا تمر بهم ... إلا على صنم قد هام في صنم والأرض مملوءة جورا مسخرة ... لكل طاغية في الخلق محتكم مسيطر الفرس يبغي في رعيته ... وقيصر الروم من كبر أصم عم يعذبان عباد الله في شبه ... ويذبحان كما ضحيت بالغنم والخلق يفتك أقواهم بأضعفهم ... كالليث بالبهم أو كالحوت بالبلم «١» وهو هنا يتوجه بحديثه إلى رسول الله ﷺ فيقول: لقد جاء مولدك يا رسول الله والناس حياتهم فوضى، وعقائدهم فوضى، تراهم دائما هائمين أمام الأصنام، ومن يراهم يحسبهم أصناما لا يكاد يفرق بين الصنم الحقيقي، والصنم البشري، وقد أتيت يا رسول الله ﷺ والأرض مليئة بالظلم يسخرها الطغاة لمصالحهم الشخصية، ويتحكمون في خلق الله الضعفاء. فهذا كسرى في الشرق يتحكم في شعبه بالغي والعدوان، وهذا قيصر الروم في الغرب يتحكم في شعبه بالكبر والظلم، وهو عن الحق أعمى أصم، فهما يعذبان الرعايا من عباد الله بلا تهمة أو جرم، إنما يأخذان بالشبهات، ويعملان فيهم بالذبح كما تذبح الأغنام عند الأضحية. والناس كذلك يظلم القوي منهم الضعيف، ويفترسه كالأسد الذي يفتك بولد الغنم الصغير الضعيف، أو كالحوت يلتقم صغار السمك. ويقول كذلك: أسرى بك الله ليلا إذ ملائكة ... والرسل في المسجد الأقصى على قدم «٢» لما خطرت به التفوا بسيدهم ... كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كل ذي خطر ... ومن يفز بحبيب الله يأتمم «٣»

стр. 107

فيتحدث خلال هذه الأبيات عن مسرى الرسول ﷺ من مكة إلى بيت المقدس بفلسطين حيث يجد الملائكة وكل الرسل ينتظرونه قائمين مرحبين مستبشرين برؤية خاتم النبوة ويصف دخول الرسول ﷺ ساحة المسجد حيث التف حوله كل من كان حاضرا في هذه الليلة التفاف المرؤوسين حول الرئيس أو القوم بسيدهم والنجوم بالبدر أو الجند حول الراية، ويتقدمهم ﷺ ليأمهم في الصلاة ويصلي وراءه كل الأنبياء والملائكة، ويؤكد شوقي في هذه الأبيات أن كل من يؤمه الرسول فهو فائز في الدنيا والاخرة. ويقول: جبت السماوات أو ما فوقهن بهم ... على منورة درية اللجم «١» ركوبة لك من عز ومن شرف ... لا في الجياد ولا في الأينق الرسم «٢» مشيئة الخالق الباري وصنعته ... وقدرة الله فوق الشك والتهم وهنا يتحول شوقي في حديثه إلى المعراج حيث بدأ من المسجد الأقصى صعودا إلى السموات العلا ويصف رحلته على البراق، الدابة التي أوجدها الله لتكون وسيلة لنقل الرسول ﷺ خلال رحلته إلى السماوات ولكونها من خلق الله المكرمين فهي دابة قدسية منورة ذات لجام من الأحجار الكريمة والدرر وجعلها ركوبة لسيدنا ونبينا محمد ﷺ كنوع من التشريف والتكريم وليس لها نظير لا بين الجياد ولا بين النوق العربية السريعة فهي معجزة من معجزات الله لتكريم محمد ﵊ ولوضعه في المكانة اللائقة به كخاتم للأنبياء والمرسلين. ويمضي في حديثه عن المعراج فيقول: حتى بلغت سماء لا يطار لها ... على جناح ولا يسعى على قدم وقيل كل نبي عند رتبته ... ويا محمد هذا العرش فاستلم

стр. 108

ليصل بنا السماء السابعة حيث لم يصل إليها أي إنسان ولا أي نبي من قبل لا على الأقدام ولا بمعجزة من المعجزات وعندما وصل الرسول الكريم إلى السماء السابعة دوى صوت يأمر جميع الأنبياء الوقوف كل في موقعه وعند درجته من السماء ويؤذن لسيدنا محمد بالاقتراب من العرش فهذا هو موقعه في القمة والصدارة من الأنبياء. ويقول: خططت للدين والدنيا علومهما ... يا قاريء اللوح بل يالامس القلم «١» أحطت بينهما بالسر وانكشفت ... لك الخزائن من علم ومن حكم «٢» وضاعف القرب ما قلدت من منن ... بلا عدد وما طوقت من نعم «٣» فيتحدث شوقي عن مدى تعلم الرسول ﷺ واستفادته من علوم الدين والدنيا ليلة الاسراء والمعراج ويقول ابن عباس رضى الله عنه: أن الرسول ﷺ قال: (علمني ربي ليلة الإسراء علوما شتى فعلم أخذ على كتمانه وعلم خيرني فيه وعلم أمرني بتبليغه) صدق رسول الله ﷺ . بهذه العلوم التي أحاط بها الرسول ﷺ بعد أن قرأ اللوح المحفوظ وكاد أن يلامس القلم الذي يكتب به هذا اللوح قد أحاط بالأسرار وبكل ما في خزائن الدنيا والسماوات من علوم ومن حكم ومن أوامر ونواه. ويقول: سل عصبة الشرك حول الغار سائمة ... لولا مطاردة المختار لم تسم «٤»

стр. 109

هل أبصروا الأثر الوضاء أم سمعوا ... همس التسابيح والقران من أمم «١» وهل تمثل نسيج العنكبوت لهم ... كالغابات والحائمات والزغب كالرخم «٢» وبهذا يتعرض لحادثة الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة المنورة وكيف خرج الرسول الكريم ﷺ مع صديقه أبي بكر الصديق، ولا ختفائهما في الغار، ومطاردة كفار مكة لهما ووقوفهم على باب الغار وقد أمر الله العنكبوت أن ينسج بيته على مدخل الغار وأن تضع الحمامة بيضها في عش قد بنته في طرفة عين، وعلى الرغم من رقة نسيج العنكبوت وفزع الحمائم عند اقتراب أي انسان إلا أن المشركين لم يستطيعوا أن يروا نور الرسول ﷺ ينبعث من الغار، فقد أعمى الله أبصارهم ولم يسمعوا قراءة القران أو التسابيح والدعوات التي كان الرسول وصاحبه الكريم الصديق يتلوانها، وعلى الرغم من قرب الكفار منهم فقد أصم الله اذانهم. ويقول: فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم ... كباطل من جلال الحق منهزم «٣» لولا يد الله بالجارين ما سلما ... وعينه حول ركن الدين لم يقم «٤» تواريا بجناح الله واستترا ... ومن يضم جناح الله لا يضم «٥» يبين شوقي هنا كيف ارتد الكفار على أعقابهم خائبين يجرون أذيال الفشل وكأن الملائكة والأنس المسلمين يلعنونهم لباطلهم ولما أضمروه من شر لرسول الله الكريم ﷺ الذي يمثل جلال الحق وقوته، ونرى شوقي يؤكد أن الله عز وعلا هو الذي حمى هذين الصاحبين المهاجرين من عصبة الشرك، وحمايته لهما

стр. 110

لتم كشف مكانهما ولما وصلا إلى المدينة، ولكن حكمة الله هي التي سترتهما، وجناح الله هو الذي حماهما وضمهما، ومن يستظلون بجناح الله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ويقول: يا أحمد الخير لي جاه بتسميتي ... وكيف لا يتسامى بالرسول سمى «١» المادحون وأرباب الهوى تبع ... لصاحب البردة الفيحاء ذي القدم «٢» مديحه فيك حب خالص وهوى ... وصادق الحب يملى صادق الكلم «٣» الله يشهد أني لا أعارضه ... من ذا يعارض صوب العارض العرم «٤» وانما أنا بعض الغابطين ومن ... يغبط وليك لا يذمم ولا يلم «٥» هذا مقام من الرحمن مقتبس ... ترمى مهابته سحبان بالبكم فلا ينسى أمير الشعراء أحمد شوقي هنا أن يفخر بأنه تسمى باسم الرسول ﷺ أحمد، ويؤكد أن تسميته باسم الرسول ﷺ هو غني وجاه وعلو في المقام لمجرد أن يتصف بصفة الحمد ويتبع هذا الثناء بقوله بأن كافة المادحين والمحبين لرسول الله الكريم ﷺ هم توابع للمادح الأول والمحب الأول صاحب البردة العظيمة الامام البوصيري، فقد كان مديحه للرسول الكريم ﷺ نوعا من التدين الخالص الصادق، والحب لهذه المباديء السامية وهذه الصفات الكريمة التي بعث عليها الرسول ﷺ ، وحب الامام البوصيري صادق وعميق لأن ما عبر
следующие страницы →