زاد ابن إسحاق في روايته عن عروة أن رسول الله ﷺ سأله: "فمن فيهم من أشراف قريش؟ " قال: عتبة بن ربيعة ... وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف ... فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: "هذه مكة قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها". وسبق قول الشيخ الألباني عن هذه الزيادة إن إسنادها صحيح، لكنه مرسل.
стр. 107
إبليس في صورة سُراقة
قال ابن إسحاق ﵀: "وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: لما أجمعت قريش المسير ذكرتْ الذي كان بينها وبين بني بكر، فكاد ذلك يثنيهم، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعًا (١) ". وهذا إسناد مرسل.
قال ابن كثير ﵀ بعد أن ذكر كلام ابن إسحاق-﵀: "قلت: هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٧ - ٤٨] (٢).
وذكر المفسرون القصة عند تفسيرهم للآية الآنفة في سورة الأنفال، على أن بعضهم قد أوردها بصيغة التمريض: روي، كالقرطبي (٣) والشوكاني (٤) ﵀ قال ابن سعدي ﵀ بعد أن ذكر قول المفسرين أن إبليس تبدى لقريش في صورة سراقة: "ومن المحتمل أن يكون الشيطان سوّل لهم، ووسوس في صدورهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، وأنه جار لهم، فلما أوردهم مواردهم نكص عنهم، وتبرأ منهم، كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ
стр. 108
اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٦ - ١٧] (٥).
وقال سيد قطب ﵀: "وفي هذا الحادث نص قراني يثبت منه أن الشيطان زين
للمشركين أعمالهم ... ولكننا لا نعلم الكيفية التي زين لهم بها أعمالهم،
والتي قال لهم بها: لا غالب لكم اليوم من الناس واني جار لكم، والتي
نكص بها كذلك وقال ما قاله بعد ذلك (٦) ".
وروى الطبراني في (الكبير) - كما قال الهيثمي - عن رفاعة بن رافع قال:
"لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر، أشفق أن يخلص القتل
إليه، فتشبّث به الحارث بن هشام، وهو يظنه سراقة بن مالك، فوكز في
صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربًا حتى ألقى نفسه في البحر، ورفع يديه
وقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي، وخاف أن يخلص إليه القتل، فأقبل أبو
جهل بن هشام، فقال: يا معشر الناس، لا يهزمنُكم خذلان سراقة إياكم،
فإنه كان على ميعاد مع محمَّد، ولا يهولنكم قتل عتبة وشيبة والوليد، فإنهم
قد عجلوا، فواللات والعزى، لا نرجع حتى نقرنهم بالجبال، ولا ألفين رجلًا
منكم قتل رجلًا منهم، ولكن خذوهم أخذًا حتى نُعَرِّفهم سوء صنيعهم من
مفارقتهم إياكم ورغبتهم عن اللات والعزى .. " ثم قال الهيثمي: "فيه
عبد العزيز بن عمران، وهو ضعيف .. (٧) ". ا. هـ وأكثر الأئمة على أنه
متروك.
стр. 109
مشورة الحُبَاب
قال: ابن إسحاق في حديثة عن غزوة بدر: "ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي ... فخرج رسول الله ﷺ يبادرهم إلى الماء، حتى أدنى ماء من بدر نزل عليه. قال ابن إسحاق: فَحُدِّثتُ عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله، أرأيتَ هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نعورّ (*) ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ : لقد أشرت بالرأي، فنهض رسول الله ﷺ ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فعوّرت وبنى حوضًا على القليب الذي نزل عليه فمُلئ ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية (١) ".
قال الشيخ الألباني ﵀: "وهذا سند ضعيف لجهالة الواسطة بين ابن إسحاق والرجال من بني سلمة. وقد وصله الحاكم (٣/ ٤٢٦، ٤٢٧) من حديث الحباب وفي سنده من لم أعرفه. وقال الذهبي في تلخيصه (قلت: حديث منكر، وسنده) كذا الأصل، ولعله سقط منه (واه) أو نحوه. ورواه الأُموي كما في البداية (٣/ ٢٦٧) وفيه الكلبي وهو كذاب (٢) ".
стр. 110
وقال في (دفاع عن الحديث): "وهذا إسناد مرسل مجهول، فهو ضعيف، وقد وصله بعضهم، وفيه من لا يُعرف وآخر كذاب (٣) ". ثم أجاب ﵀ عما ذكره الحافظ في (الإصابة) في ترجمة الحباب: "وقال ابن إسحاق في السيرة حدثني يزيد بن رومان عن عروة وغير واحد في قصة بدر (٤) ... " بما حاصله أن ما ذكره الحافظ ليس موجودًا في سيرة ابن إسحاق المتداولة. كما أن الرواية مرسل عروة والمرسل من أقسام الضعيف. ا. هـ
وأورده ﵀ في (الضعيفة) وقال: "ضعيف على شهرته في كتب المغازي (٥) ".
وهذا الخبر الذي عزاه ابن حجر لابن إسحاق رواه البيهقي في (الدلائل) من طريق ابن إسحاق مرسلًا (٦). وقال في (السنن الكبرى): وروى أبو داود في المراسيل عن محمَّد بن عبيد عن حماد عن يحي بن سعيد قال استشار رسول الله ﷺ يوم بدر فقال الحباب (٧). وقد ضعف القصة الشيخ سعد الحميد (٨).
وينبغي أن يُعلم أن مشورته ﷺ لأصحابه ثابتة في الأحاديث الصحيحة كما
في مشاورته لهم قبل غزوة بدر، ثم في الأسرى، وفي الخروج يوم أحد، وفي
الحديبية، وفي حادثة الإفك، وغيرها.
стр. 111
قول أبي حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا ؟
قال ابن إسحاق-﵀: "وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال لأصحابه يومئذ (يوم بدر): إني قد عرفت أن رجالًا من بني هاشم وغيرهم قد أُخرجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عمّ رسول الله ﷺ فلا يقتله فإنه إنما خرج مستكرهًا.
قال: فقال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا، ونترك العباس؟ والله ليِّن لقيته لألحمنه بالسيف. قال: فبلغتْ رسول الله ﷺ فقال لعمر بن الخطاب ﵁: يا أبا حفص، أيُضرب وجه عمّ رسول الله ﷺ بالسيف؟ فقال عمر ﵁ يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق. فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفًا، إلا أن تكفّرها عني الشهادة، فقُتل يوم اليمامة شهيدًا (١) ".
والعباس بن معبد ثقة، لكنه لم يُسَمِّ من حدّثه من أهله. ورواه الحاكم من طريق ابن إسحاق عن العباس بن معبد عن أبيه عن ابن عباس ﵃ "أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: من لقي منكم العباس فليكفف عنه فإنه خرج مستكرهًا فقال أبو حذيفة ... " ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وخالفه الذهبي فحذفه من التلخيص لضعفه (٢).
قال الذهبي: "معبد عن ابن عباس مجهول (٣) " ويُستبعد -مع ضعف الإسناد- أن يصدر هذا الكلام من أحد الصحابة ﵁ خاصة ممّن هو من السابقين الأولين للإسلام (٤)، بل حتى من بعدهم.
стр. 112
هذا فرعون هذه الأمّة
روى الإِمام أحمد في مسنده قال: حدثنا أسود بن عامر قال: حدثنا شَريك عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه قال: "أتيت أبا جهل وقد جُرح وقُطعت رجله، قال فجعلت أضربه بسيفي، فلا يعمل فيه شيئًا ... فلم أزل حتى أخذتُ سيفه فضربته به حتى قتلته، قال: ثم أتيت النبي ﷺ ، فقلت: قد قُتل أبو جهل (وربما قال شَريك: قد قتلت أبا جهل) قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم فقال: آلله؟ مرتين، قلت: نعم، قال: فاذهب حتى أنظرَ إليه، قال: فذهب، فأتاه وقد غيرت الشمس منه شيئًا، فأمر به وبأصحابه فسُحبوا حتى أُلقوا في القليب، قال: وأُتبع أهل القليب لعنة، وقال: كان هذا فرعون هذه الأمة". قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده ضعيف لانقطاعه (١). ا. هـ. أي بين أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود وأبيه. قال الحافظ في (التقريب): "والراجح أنه لا يصحّ سماعه من أبيه (٢) " ورواه البيهقي في (الدلائل (٣)) عن أبي عبيدة عن أبيه. ورواه في (السنن الكبرى) عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود، ثم قال: كذا قال عن عمرو بن ميمون والمحفوظ عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه (٤).
وذكره الهيثمي في (المجمع) وقال عقبة: "رواه كله أحمد والبزار باختصار، وهو من رواية أبي عبيدة عن أبيه ولم يسمع منه، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح". وعزاه في رواية تالية إلى الطبراني، ثم قال: "رواه الطبراني ورجاله
стр. 113
رجال الصحيح غير محمَّد بن وهب بن أبي كريمة وهو ثقة (٥) ". وابن أبي كريمة قال عنه في (التقريب): "صدوق (٦) ".
وقصة قتل أبي جهل في الصحيحين (٧)، وليس فيها: (هذا فرعون هذه الأمة)
تنبيه: وقول ابن كثير بعد أن أورد الحديث: "ورواه أبو داود والنسائي (٨) " يوهم أن هذه اللفظة: "هذا فرعون ... " عندهما، وليس الأمر كذلك وسبقه النووي ﵀ بعزوه إليها في كتب السنن (٩).
فائدة: روى ابن ماجه (١٠) عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى يوم بُشِّر برأس أبي جهل ركعتين". قال ابن الملقن: "إسناده جيد (١١) ". وقال تلميذه الحافظ في (التلخيص (١٢)): "إسناده حسن واستغربه العقيلي". وأورده الألباني في (ضعيف ابن ماجه (١٣)).
وأخرى: قال ابن تيمية ﵀: "سجود الشكر لا يجب بالإجماع، وفي استحبابه نظر" (١٤).
стр. 114
قوله لأهل القليب: بئس العشيرة كذبتموني ..
قال ابن إسحاق: "وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال يوم هذه المقالة (*): يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي ﷺ كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، ثم قال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ للمقالة التي قال .. (١) "
قال الألباني ﵀ عنه - "وهذا إسناد معضل، وقد رواه أحمد (٦/ ١٧٠) من طريق
إبراهيم عن عائشة مرفوعًا بلفظ (جزاكم الله شرًا من قوم نبي، ما كان أسوأ الطرد، وأشد التكذيب) ورجاله ثقات لكنه منقطع بين إبراهيم وهو النخعي وبين عائشة (٢) ".
وذكره اليهثمي في (المجمع) قال: "رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن إبراهيم لم يسمع من عائشة ولكنه دخل عليها (٣) ". قال الحافظ في (التهذيب): "روى عن عائشة ولم يثبت سماعه منها (٤) ".
стр. 115
سيف عكاشة بن محصن ﵁ -
قال ابن إسحاق: "وقاتل عكاشة بن محصن .. يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسول الله ﷺ فأعطاه جِذْلًا (*) من حطب، فقال: قاتلْ بهذا يا عكاشة، فلما أخذه من رسول الله ﷺ هزّه فعاد سيفًا في يده طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله تعالى على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العَوْن، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ حتى قُتل في الردة وهو عنده، قتله طليحة بن خويلد الأسدي (١) " ورواه البيهقي في (الدلائل (٢)) عن ابن إسحاق.
قال الإِمام الذهبي ﵀: "هكذا رواه ابن إسحاق بلا سند، وقد رواه الواقدي قال ... (٣) " ا. هـ. والواقدي متروك. ومن طريقه أيضًا رواه البيهقي في (الدلائل (٤)).
فائدة: عُكاشة، قال ابن حجر: "بضم أوله وتشديد الكاف، وتخفيفها أيضًا". (الإصابة ٣/ ٤٨٧) وهو من المشهود لهم بالجنة ﵁. وقاتِلُه طُليحة الأسدي كان ممن ارتد، ثم عاد إلى الإِسلام. ﵃ أجمعين.
стр. 116
طلب عمر نزع ثنيّتيْ سهيل بن عمرو
قال ابن إسحاق: "وحدثني محمَّد بن عمرو بن عطاء، أخو بني عامر بن لؤي: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو (*) ويدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبًا في موطن أبدًا، قال: فقال رسول الله ﷺ :"لا أمثِّل به فيمثّل الله بي وإن كنتُ نبيًا". قال ابن كثير ﵁ لما نقله في (البداية): "قلت: هذا حديث مرسل، بل معضل (١) ".
قال ابن إسحاق: "وقد بلغني أن رسول الله ﷺ قال لعمر في هذا الحديث: إنه عسى أن يقوم مقامًا لا تذمّه (٢) ".
стр. 117
مصعب بن عمير مع أخيه أبي عزيز
قال ابن إسحاق-﵀: "وحدثني نُبيه بن وهب، أخو بني عبد الدار أن رسول اللُّه ﷺ حين أقبل بالأسارى فرّقهم بين أصحابه، وقال: استوصوا بالأسارى خيرًا. قال: وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمّه في الأسارى. قال: فقال أبو عزيز: مرّ بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني، فقال: شدّ يدك به، فإنّ أمّه ذات متاع، لعلها تفديه منك .. قال ابن هشام: وكان أبو عزيز صاحب لواء المشركين بعد النضْر بن الحارث، فلما قال أخوه مصعب بن عمير لأبي اليَسَر -وهو الذي أسره - ما قال، قال له أبو عزيز: يا أخي هذه وصاتك بي؟ فقال له مصعب: إنه أخي دونك ... (١) ".
وابن إسحاق قد صرّح بالتحديث، وشيخه نُبيه (بالتصغير) ثقة، لكن الخبر مرسل.
فائدة: مما يتعلق بمصعب بن عمير ﵁ ما ذكره الحافظ في (الإصابة) (٣/ ٤٠١) في ترجمته حيث قال: "وأخرج الترمذي بسند فيه ضعف عن علي ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ مصعب بن عمير فبكى للذي كان فيه من النعمة ولما صار إليه". وذكره في الفتح (١١/ ٢٧٩) وسكت عنه.
والحديث أخرجه الترمذي من طريق ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن زياد عن محمَّد بن كعب القُرَظي قال: حدثني من سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول: "إنَّا لجلوس مع رسول الله ﷺ في المسجد إذ طلع مصعب بن عمير ما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو، فلما رآه رسول الله ﷺ بكى للذي كان فيه من النعمة والذي هو فيه اليوم ... ". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن
стр. 118
غريب (٢) ا. هـ. ويظهر أن الضعف الذي أشار إليه ابن حجر هو جهالة الواسطة بين محمَّد بن كعب وعلي ﵁.
وروى ابن إسحاق قال: حدثني صالح بن كيسان عن بعض آل سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "كنّا قومًا يصيبنا صَلَف العيش بمكة مع رسول الله ﷺ وشدته، فلما أصابنا البلاء اعترفنا لذلك وصبرنا له، وكان مصعب بن عمير أنعم غلام بمكة وأجوده حلة مع أبويه، ثم لقد رأيته جهد في الإِسلام جهدًا شديدًا، حتى لقد رأيت جلده يتخشّف تخشّف جلد الحية عنها، حتى إن كنا لنعرضه على قسيّنا فنحمله ممّا به من الجهد، وما يقصر عن شيء بلغناه، ثم أكرمه الله بالشهادة يوم أحد (٣) ".
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "نظر النبي ﷺ إلى مصعب بن عمير مقبلًا عليه إهاب كبش قد تنطّق به، فقال النبي ﷺ انظروا إلى هذا الرجل الذي نوّر الله قلبه، لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حبّ الله ورسوله إلى ما ترون". قال الحافظ العراقي-﵀: "رواه أبو نُعيم في (الحلية) بإسناد حسن (٤) ".
ثم طُبع المجلد الحادي عشر من (الضعيفة) وقد ذكره الشيخ الألباني-﵀ فيه (٥).
стр. 119
ردّه ﷺ عين قتادة
قال ابن إسحاق-﵀: "وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله ﷺ رمى عن قوسه حتى اندقت سِيَتُها (*) فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنته، فحدثتي عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله ﷺ ردّها بيده فكانت أحسن عينيه وأحدّهما (١) ". وهذا إسناد مرسل. وضعّفه الذهبي (٢). وأخرجه الحاكم من طريق الواقدي (٣)، وأخرجه البيهقي في (الدلائل) من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن قتادة بن النعمان (٤) ... وفي إسناده يحي الحمّاني، قال عنه في (التقريب): "حافظ، إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث (٥) " وعمر بن قتادة مقبول (٦)، واختُلف على الحماني فيه، ففي بعضها دون عمر بن قتادة، وأخرجه أيضًا أبو القاسم الأصبهاني في (دلائل النبوة (٧)) من طريق عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا.
وعزاه الهيثمي في (المجمع) إلى الطبراني وقال: "وفيه من لم أعرفه". وفي موضع آخر عزاه إلى الطبراني وأبي يعلي، وقال: "وفي إسناد الطبراني من لم أعرفهم، وفي إسناد أبي يعلى يحي بن عبد الحميد الحماني، وهو ضعيف (٨) ".
стр. 120
ونقل الألباني ﵀ كلام الهيثمي هذا ثم تعقبه بقوله: "لكنه عند أبي نعيم من طريقين آخرين فهو يتقوى بهما (٩) ".
وفي متن الخبر اختلاف، ففي رواية ابن إسحاق أن ذلك يوم بدر، وفي رواية البيهقي أنها يوم أحد، قال ابن عبد البر: وقيل يوم الخندق (١٠).
وقد أسهب في تخريج هذا الخبر بما لا مزيد عليه، الشيخ مساعد الراشد الحميد -وفقه الله- في تحقيقه لكتاب: (دلائل النبوة للأصبهاني) وبَيّن ضَعْف الحديث (١١). ويغني عن هذا الحديث الضعيف أحاديث عدة في آياته ﷺ في شفاء المرضى والمصابين -بإذن الله - منها: مَسحه ﷺ على رِجْل عبد الله بن عتيك ﵁ لمّا انكسرت ساقه في قصة قتل ابن أبي التحقيق اليهودي، وفيه، فقال لي: "ابسط رجلك فبسطت رجلي فمسحها، فكأنها لم اشتكها قط" رواه البخاري (١٢).
ومنها ما جرى لعلي ﵁ يوم خيبر، وكان يشتكي عينيه "فجئ به إلى رسول الله ﷺ لما سأل عنه فبصق في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع". رواه البخاري (١٣)، ومسلم (١٤).
ومنها: ما جرى لسلمة بن الأكوع ﵁ حين أُصيبت ركبته يوم خيبر، قال: "فأتيتُ النبي ﷺ فنفث فيه (أي في موضع الإصابة) ثلاث نفثات، فما اشتكيت حتى الساعة " أخرجه البخاري (١٥).
стр. 121
فائدة: أخرج الحاكم في (المستدرك (١٦)) وعنه البيهقي في (الدلائل (١٧)) من طريق إبراهيم بن المنذر، قال: أخبرنا عبد العزيز بن عمران، قال: حدثني رفاعة بن رافع بن مالك قال: "لما كان يوم بدر. . رُميت بسهم، فَفُقئت عيني، فبصق فيها رسول إلله ﷺ ودعا لي فما آذاني منها شيء" وقال الحاكم بعد إخراجه: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبي بقوله: "عبد العزيز (بن عمران) ضعّفوه". اهـ. وعزاه الهيثمي في (المجمع) إلى البزار والطبراني في الكبير والأوسط ثم قال: "وفيه عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف (١٨) ". والقول بأن عبد العزيز ضعيف فيه تساهل، فالأئمة معظمهم على تركه (١٩)، ولذا قال الحافظ في (التقريب) متروك (٢٠).
والعجيب أن الحافظ ابن كثير ﵀ أورد هذا الحديث في تاريخه عن البيهقي ثم قال: "وهذا غريب من هذا الوجه، وإسناده جيد، ولم يخرجوه (٢١) وتعقّبه الأرناؤوط في حاشية الزاد بقوله: "وما ندري كيف يكون هذا الإسناد جيدًا، وفيه عبد العزيز بن عمران؟ (٢٢) ".
تنبيه: قال الشيخ عبد الرحمن الوكيل ﵀ في تعليقه على (الروض الأُنف) عند حديث السهيلي عن قصة قتادة الآنفة في ردّ عينه، قال ما نصه: "والله يختص برحمته من يشاء ولا أحد يُبرئ أحدًا. وتدبّر قوله سبحانه فيما يقصّ عن خليله إبراهيم ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وتدبرّ كل آيات القرآن التي ذكر الله فيها آياته التي منّ بها على عيسى تجد فيها النص
стр. 122
المؤكد على أنها بإذن الله وحده) اهـ (حاشية الروض الأنف ٦/ ٣٤). وكان الأليق به ﵀ أن يستشهد ببعض ما صحّ في هذا الباب، كقصة علي، وابن عتيك وسلمة ﵃، ولا شك أنه بإذن الله. لأن كلامه (في تعليقه على الروض الأنف) يوهم نفي هذه الآيات، للرسول وقد سلك الشيخ الوكيل ﵀ وعفا عنه مسلكًا عقلانيًا أحيانًا في ردّ بعض الروايات الصحيحة في السيرة، وحاشا أن نتّهم الشيخ بأنه من أصحاب المنهج المعتزلي العقلاني، كيف؟ وهو ممّن تولى رئاسة جماعة أنصار السنة في مصر، وقد أحسن ﵀ وجزاه خيرًا في تعقبه على السُّهيلي في مخالفته -أحيانا- لمذهب أهل السنة والجماعة.
ومعلوم أن الشيخ عبد الرحمن الوكيل ﵀ نشأ صوفيًا مصدقًا بما يسميه الخرافيون بالكرامات عن شيوخهم، ثم فتح الله عليه وهداه إلى مذهب أهل السنة، وصنف بعدها كتابه القيّم (هذه هي الصوفية) ويبدو أن نشأته في وسط صوفي معطّل للعقل، ثم تحوله -بحمد الله- عن ذلك جعلته يغلو أحيانًا -كردة فعل، والله أعلم- في تغليب العقل على النقل، أذكر ذلك عذرًا ألتمسه للشيخ عبد الرحمن الوكيل ﵀.
стр. 123
قتلُ أبي عبيدة ﵁ لأبيه
ذكر بعض المفسرين عند قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]
أنها نزلت في أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال القرطبي: "قال ابن مسعود: نزلت في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وقيل: يوم بدر. وكان الجراح يتصدى لأبي عبيدة، وأبوعبيدة يحيد عنه، فلما أكثرِ قصد إليه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله حين قتل أباه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ ... ﴾ الآية. قال الواقدي: "كذلك يقول أهل الشام، ولقد سألت رجلًا من بني الحارث بن فهر فقالوا: توفي أبوه قبل الإِسلام (١) ". وروى الحاكم في (المستدرك) في مناقب أبي عبيدة ﵁ بسنده عن عبد الله بن شَوْذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينصب الأل (*) لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبوعبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجرّاح قصده أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية حين قتل أباه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ﴾ (٢) الآية، وسكت عنه الذهبي. ورواه البيهقي من طريق الحاكم، كما في (السنن الكبرى) وقال عقبة: "هذا منقطع (٣) ".
стр. 124
وقال الحافظ ابن حجر (في الفتح) في مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁"وقُتل أبوه كافرًا يوم بدر، ويقال إنه هو الذي قتله، ورواه الطبراني وغيره من طريق عبد الله بن شوذب مرسلًا (٤) ".
وقال ﵀ في (التلخيص): "روى الحاكم والبيهقي منقطعًا عن عبد الله بن شوذب قال: (جعل أبو عبيدة بن الجراح ينعت الآلهة لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصده أبو عبيدة فقتله) وهذا معضل، وكان الواقدي ينكره ويقول: مات والد أبي عبيدة قبل الإِسلام (٥) ".
وقال في (الإصابة) في ترجمته: "ويقال إنه قتل أباه يوم بدر ونزلت فيه ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ ... ﴾ وهو فيما أخرجه الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن شوذب قال: "جعل والد أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر فيحيد عنه، فلما أكثر قصده فقتله فنزلت (٦) ". وأقوال الحافظ الثلاثة في (الفتح) وفي (التلخيص) وفي (الإصابة) ووصفه للخبر بأنه مرسل، وفي الأخرى بأنه معضل وفي الثالثة بأنّ سند جيد لا تعارض بينها عند التأمل.
وعبد الله بن شَوْذب أكثر الأئمة على توثيقه، لكن الخبر منقطع، وابن
شوذب وُلد سنة ٨٦هـ ومات سنة ١٤٤ هـ، وقيل:١٥٦هـ (٧). ولذا قال ابن الملقِّن: "وهذا مرسل على قول الأكثر، وعلى قول من زعم أن المرسل لا يكون إلا من التابعين يكون معضلًا؛ لأن عبد الله هذا إنما يروي عن التابعين (٨) ".
стр. 125
فائدة: ومسألة قتلُ الابن المسلم أباه المشرك قال عنها شيخ الإِسلام في الفتاوى: "إذا كان (الوالد) مشركًا جاز للولد قتله، وفي كراهته نزاع بين العلماء (٩) ".أ. هـ
وقد بوّب الإِمام البيهقي في (السنن) لمّا أورد الخبر بقوله: (باب المسلم يتوقى في الحرب قتل أبيه، ولو قتله لم يكن به بأس (١٠)).
وقد جاء عن اثنين من الصحابة فيما وقفت عليه - استئذانهما رسول الله ﷺ في قتل أبويهما، هما: عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ وحنظلة بن أبي عامر قال ابن حجر في (الفتح): "ومن مناقبه - عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ - أنه بلغه بعض مقالات أبيه فجاء إلى النبي ﷺ يستأذنه في قتله، قال: "بل أحسن صحبته" أخرجه ابن منده من حديث أبي هريرة بإسناد حسن، وفي الطبراني من طريق عروة بن الزبيرعن عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ أنه استأذن، نحوه، وهذا منقطع لأن عروة لم يدركه (١١) " ا. هـ. وقال في (الإصابة) في ترجمة حنظلة ﵁: "وروى ابن شاهين بإسناد حسن إلى هشام بن عروة عن أبيه قال: استأذن حنظلة بن أبي عامر وعبد الله بن (عبد الله بن) أُبيّ ابن سلول رسول الله ﷺ في قتل أبويهما، فنهاهما عن ذلك (١٢) ". ا. هـ. والحافظ حسّن الإسناد. هنا مع أنه في الفتح أعلّه بالانقطاع؛ لأن عروة بن الزبير ﵁ تابعي، فهو لم يدرك القصة.
واستئذان عبد الله بن عبد الله في قتل والده رواه أيضًا الحاكم في (المستدرك) قال: حدثنا أبو العباس .. عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد
стр. 126
الله بن عبد الله بن أُبيّ بن سلول قال: "قلت: يا رسول الله، أقتلُ أبي؟ قال:
لا تقتل أباك (١٣) ".
وسكت عنه الذهبي في التلخيص. وإسناده مرسل كما سبق. وعزاه الهيثمي في (مجمع الزوائد) إلى الطبراني وقال: "رجاله رجال الصحيح إلا أن عروة بن الزبير لم يدرك عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ" ثم قال: "وعن أبي هريرة قال: مرّ رسول الله ﷺ بعبد الله بن أُبيّ وهو في ظل أُطْم فقال: غبّر علينا ابن أبي كبشة، فقال ابنه عبد الله: يا رسول الله ﷺ والذي أكرمك لئِّن شئت لأتيتك برأسه، فقال: "لا، ولكن برّ أباك، وأحسن صحبته". رواه البزار، ورجاله ثقات (١٤) ". ا. هـ.
ورواه ابن إسحاق في السيرة في غزوة بني المصطلق، قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عبد الله أتى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله ﷺ ، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أُبيّ فيما بلغك (*) عنه. فإن كنت لا بدّ فاعلًا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمتْ الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده مني، وإني أخشى ان تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي انظر إلى قاتل عبد الله بن أُبيّ يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر، فأدخل النار، فقال رسول الله ﷺ : بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا (١٥) ".
وعاصم بن عمر تابعي، فالحديث مرسل.
стр. 127
فائدة: أخرج الإِمام مسلم في صحيحه (١٦) في قصة اعتزال الرسول ﷺ نساءه قول عمر بن الخطاب ﵁ "والله ليِّن أمرني رسول الله ﷺ بضرب عنقها لأضربن عنقها .. " (يعني ابنته حفصة ﵂)
فائدة: قال الصالحي (ت ٩٤٢ هـ) ﵀ معلقًا على استئذان عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ في قتل أبيه: "وفي هذا: العلمُ العظيم والبرهان النَيِّر من أعلام النبوة، فإن العرب كانت أشد خلق الله حميّة وتعصبًا، فبلغ الأيمان منهم ونور اليقين من قلوبهم إلى أن يرغب الرجل منهم في قتل أبيه وولده، تقربًا إلى الله تعالى وتزلّفًا إلى رسوله، مع أن النبي ﷺ أبعد الناس نسبًا منهم، أي الأنصار، وما تأخر إسلام قومه وبني عمه وسبق الإيمان به الأباعد إلا لحكمة عظيمة؛ إذ لو بادر أهله وأقربوه إلى الأيمان به لقيل: قوم أرادوا الفخر برجل منهم، وتعصّبوا له، فلما بادر إليه الأباعد وقاتلوا على حبّه من كان منهم، ورهبة من الله تعالى أزالت صفة قد كانت سَدِكتْ (*) في نفوسهم من أخلاق الجاهلية، لايستطيع إزالتها إلا الذي فطر الفطرة الأولى ... (١٧) ".
стр. 128
قتْلُ النّضر بن الحارث صبرًا
قال ابن إسحاق: " .. ثم أقبل رسول الله ﷺ قافلًا إلى المدينة [بعد غزوة بدر] ومعه الأُسارى من المشركين، وفيهم عقبة بن أبي مُعَيْط والنضر بن الحارث .. حتى إذا كان رسول الله ﷺ بالصفراء قُتِلَ النضر بن الحارث، قتله علي بن أبي طالب، كما أخبرني بعض أهل العلم من أهل مكة، ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظّبية قُتل عقبة بن أبي مُعيط، والذي أسر عقبة: عبد الله بن سلمة، أحد بني العجلان، فقال عقبة حين أمر رسول الله ﷺ بقتله: فَمَنْ للصّبْية يا محمَّد؟ قال: النار. فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري، أخو بني عمرو بن عوف، كما حدثني أبو عبيدة بن محمَّد بن عمار بن ياسر. قال ابن هشام: ويقال قتله علي بن أبي طالب فيما ذكر لي ابن شهاب الزهري وغيره من أهل العلم (١) ".
وأبو عبيدة بن محمَّد بن عمار بن ياسر، من الطبقة الرابعة في تصنيف ابن حجر في (التقريب)، وهي طبقة جُلّ روايتهم عن كبار التابعين. قال الألباني: "ضعيف، رواه البيهقي (٩/ ٦٤) عن الشافعي: أنبأ عدد من أهل العلم من قريش وغيرهم من أهل العلم بالمغازي أنّ رسول الله ﷺ أسر النضر بن الحارث العبدي (*) يوم بدر، وقتله بالبادية، أو الأثيل صبرًا، وأسر عقبة بن أبي معيط فقتله صبرًا (**) - قلت - (الألباني): وهذا مُعضل كما ترى". ثم قال الشيخ: "وفي (البداية): للحافظ ابن كثير (٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦): وقال حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن الشعبي قال: لما أمر النبي بقتل عقبة، قال أتقتلني يا محمَّد من بين قريش؟ قال: نعم، أتدرون ما صنع هذا بي؟ جاء وأنا
стр. 129
ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي، وغمزها، فما رفعها حتى ظننت أن عيْنيّ ستنْدران، وجاء مرة بسَلا شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي". قلتُ: (الألباني) وهذا مرسل، وجملة القول أني لم أجد لهذه القصة إسنادًا تقوم به الحجة، على شهرتها في كتب السيرة، وما كل ما يذكر فيها ويُساق مساق المسلّمات، يكون على نهج أهل الحديث من الأمور الثابتات. نعم، قد وجدتُ (الألباني) لقصّة عقبة خاصة أصلًا، فيما رواه عمرو بن مرة عن إبراهيم، قال: "أراد الضّحاك بن قيس، أن يستعمل مسروقًا، فقال له عمارة بن عقبة: أتستعملُ رجلًا من بقايا قتلة عثمان؟! فقال له مسروق: حدثنا عبد الله بن مسعود، وكان في أنفسنا موثوق الحديث، أن النبي ﷺ لما أراد قتل أبيك قال: منْ للصبية؟ قال: النار. فقد رضيتُ لك ما رضي لك رسول الله ﷺ " أخرجه أبو داود (٣٦٨٦) والبيهقي (٩/ ٦٥) من طريق عبد الله بن جعفر الرقي، قال: أخبرني عبد الله بن عمرو بن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة. قلت (الألباني): وهذا إِسناد جيد، رجاله ثقات كلهم رجال الشيخين (٢) ا. هـ كلام الألباني. ورواه أيضًا الحاكم، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي (٣)، وحسّنه الارنؤوط (٤).
стр. 130
محاولة عمير بن وهب اغتيال النبي ﷺ -
قال ابن إسحاق: وحدثتي محمَّد بن جعفر بن الزبير قال: "جلس عُمير بن وهب الجُمحي مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش في الحِجْر ... فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: والله إنْ في العيش بعدهم خير، قال له عمير صدقت والله، أما والله لولا ديْن عليّ ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمَّد حتى اقتله .. (١) " وذكر القصة في قدوم عُمير إلى المدينة بزعم فداء ابنه الأسير وإخبار رسول الله ﷺ له ما دار بينه وبين صفوان في الحجر، وإسلام عمير عند ذلك. وهذا سند حسن؛ لكنه مرسل عن عروة.
ورواه البيهقي عن موسى بن عقبة قال:. فذكره (٢). ورواه من طريق ابن إسحاق قال: حدثني محمَّد بن جعفر بن الزبير قال: ... فذكره (٣)، ولم يذكر عروة. وذكره الهيثمي في (المَجْمع) عن محمد بن جعفر بن الزبير من قوله، وقال: "رواه الطبراني مرسلًا، وإسناده جيد، ورُوي عن عروة بن الزبير نحوه مرسلًا (٤) " وتعقبه الشيخ مساعد الحميد بقوله: "ولكن في الطريق إليه ابن لهيعة (٥) " وذكر الهيثمي رواية ثالثة للطبراني: "عن أبي عمران الجوْني لا أعلمه إلا عن أنس بن مالك قال: كان وهب بن عمير شهد أحدًا كافرًا فأصابته جراحة .. (٦) " وأخرجه ابن سعد مختصرًا مرسلًا عن عكرمة (٧)، وفيه
стр. 131
أن إصابته بالجراحة كانت يوم بدر. ورواية الطبراني الأخيرة عن أنس أن ذلك يوم أحد، وفيه تسميته وهب بن عمير.
وفي آخر رواية ابن إسحاق قال: "فلما قدم عمير مكة، أقام بها يدعو إلى الإِسلام، فأسلم على يديه ناس كثير (٨) ". ويبعد أن يكون هذا، أن يدعو إلى الإِسلام وسط كفار مكة المكلومين لتوّهم في بدر! بل ويؤذي من خالفه أذى شديدًا، ثم إسلام عدد كبير على يديه!
وقد أشار إلى ضعف القصة الدكتور أكرم العمري (٩)، والشيخ مساعد الحميد، وتوسّع في نخريجها (١٠).
стр. 132
سبب إجلاء يهود بني قينقاع (*)
قال ابن هشام-﵀: "وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبي عون، قال: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهوديًا، وشدّت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشرّ بينهم وبين بني قينقاع (١) ".
قال الشيخ الألباني-﵀: "إسناده مرسل معلّق .. وأبو عون اسمه محمَّد بن عبد
الله الثقفي الكوفي الأعور، مات سنة ١١٦ هـ، فهو تابعي صغير، فلم يُدرك
الحادثة، وعبد الله بن جعفر المخرمي من شيوخ الإِمام أحمد، مات سنة ١٧٠
هـ. فبينه وبين ابن هشام مفاوز، فهو إسناد ضعيف ظاهر الضعف (٢) ". وقال
الدكتور العمري حفظه الله تعالى: "وهذه الرواية ضعيفة، في إسنادها
انقطاع بين ابن هشام وعبد الله بن جعفر المخرمي" ثم قال: إنها موقوفة على
تابعي صغير مجهول الحال، هو أبو عون، ولكن يستأنس بها من الناحية
التاريخية (٣).
وروى أبو داود بسنده عن محمَّد بن إسحاق قال: حدثني محمَّد بن أبي
محمَّد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال: "لما
أصاب رسول الله ﷺ قريشًا يوم بدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني
стр. 133
قينقاع فقال: يامعشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا، قالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنّا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا. فأنزل الله تعالى: " قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ" قرأ مُصَرِّف (شيخ أبي داود) إلى قوله: "فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" ببدر "وَأُخْرَى كَافِرَةٌ" (٤). وعزاها الحافظ ابن حجر إلى ابن إسحاق وقال: "إسنادها حسن (٥) " مع أن في الإسناد محمَّد بن أبي محمَّد مولى زيد بن ثابت، قال عنه الحافظ في (التقريب): "مجهول، تفرّد عنه ابن إسحاق (٦) " ولذا قال الشيخ الألباني: "ضعيف الإسناد (٧).أما قول المنذري: "في إسناده محمَّد بن إسحاق بن يسار (٨) ". فليس وجيهًا؛ لأن ابن إسحاق هنا قد صرح بالتحديث، لكن العلة في شيخه المجهول.
فقصة المرأة المسلمة مع الصائغ اليهودي التي كانت سببًا في الإجلاء لم تثبت بسند صحيح رغم شهرتها وكيد اليهود ومكرهم وخبثهم في القديم والحديث لا يحتاج إلى دليل. أما السبب في إجلاء يهود بني قينقاع فلا يوجد - فيما أعلم - رواية صحيحة تبين سبب ذلك، والله أعلم.
وقد تمكّن اليهود وإخوانهم النصارى من جعل بعض نساء المسلمين -هداهن الله- تُخرج من بدنها ما يرغبون، دون أن يكرهوهن على ذلك. وإذا فسدت المرأة فلا تَسَلْ عن هَلَكَة الجيل. حفظ الله نساءنا ورجالنا، صغارنا وكبارنا، من كيد الكائدين. آمين.
стр. 134
مكيدة اليهود في الوقيعة بين الأوس والخزرج
قال ابن إسحاق: "ومرّ شاس بن قيس، وكان شيخًا قد عَسَا (١)، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم، وصلاح ذات بينهم على الإِسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال، قد اجتمع ملأ بني قيْلة (٢) بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شابًا من يهود كان معهم، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث (٣) وما كان قبله، وأنشِدْهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار .. ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيّيْن على الرُّكب، أوس بن قيظي، أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس، وجبّار بن صخر، أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إنْ شئتم رَدَدْناها الآن جذعة، فغضب الفريقان جميعًا، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة - والظاهرة: الحرة - السّلاح، السّلاح، فخرجوا إليها، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم، فقال: "يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف بين قلوبكم؟ " فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس، فأنزل الله تعالى
стр. 135
في شأن شاس بن قيس وما صنع: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وأنزل الله في أوس بن قيظى، وجبّار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عما أدخل عليهم شاس بن قيس من أمر الجاهلية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤).
والقصّة كما ترى ذكرها ابن إسحاق ﵀ بدون إسناد، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في (الإصابة) في ترجمة أوس بن قبطي (كذا في الإصابة): "وروى أبو الشيخ في تفسيره من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني الثقة عن زيد بن أسلم، قال: مرّ شاس بن قيس وكان يهوديًا .. " وساق الخبر مختصرا، ثم قال ﵀: "والحديث طويل أنا اختصرته، وإسناده مرسل وفيه راوٍ مبهم، أخرجه أبوعمر (٥) ".
وقال الزيلعي: وذكره الثعلبي في تفسيره عن زيد بن أسلم من غير سند ... وكذلك الواحدي في أسباب النزول له (٦).وكذا قال المناوي (٧).
وقال الهيثمي: "رواه الطبراني، وفيه إبراهيم بن أبي الليث، وهو متروك (٨) ". ولم يذكر الإِمام ابن كثير ﵀ في تفسيره للآيات السابقة وما قبلها هذه القصة، رغم عنايته ﵀ بذكر أسباب النزول.
стр. 136
في غزوة أحد:
من ينظر ما فعل سعد بن الربيع ؟
قال ابن إسحاق ﵀ في حديثه عن غزوة أحد: "وفرغ الناس لقتلاهم، فقال رسول الله ﷺ ، كما حدثني محمَّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، أخو بني النجار: مَنْ رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء أمْ في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد، فنظر فوجده جريحًا في القتلى وبه رمق. قال: فقلت له: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر، أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: أنا في الأموات، فأبلغْ رسول الله ﷺ عني السلام، وقيل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيًا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عُذر لكم عند الله إن خُلص إلى نبيكم ﷺ ومنكم عين تطرف، قال: ثم لم أبرح حتى مات، قال، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته خبره" (١). قال الإِمام البخاري: وهو مرسل (٢). وقال الألباني: "هذا إسناد معضل (٣) ".اهـ. وأخرجه مالك في الموطأ عن يحي بن سعيد (ت ١٤٤ هـ أو بعدها) مرسلًا. قال ابن عبد البر-﵀: "هذا الحديث لا أحفظه ولا أعرفه إلا عند أهل السير، فهو عندهم مشهور معروف (٤) ".
ومن طريق مالك أخرجه ابن سعد (٥)، وأخرجه الحاكم من طريقين، الطريق الأول: حدثنا أبو بكر محمَّد بن أحمد بن بالويه ... ثنا أبو صالح عبد الرحمن بن عبد الله الطويل، ثنا معن بن عيسى .. عن خارجة بن زيد بن ثابت عن
стр. 137
أبيه .. فذكره، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في (التلخيص): "صحيح (٦) ". والطريق الثاني عن ابن إسحاق بسنده، قال الذهبي في (التلخيص)."مرسل (٧) ". والسند الأول للحاكم فيه أبو صالح عبد الرحمن بن عبد الله الطويل، قال كل من الألباني (٨)، وسعد الحميّد: (٩) لم أجد له ترجمة. وانظر: (المطالب العالية (١٠)).
فائدة مهمة: نقل الشيخ الألباني أن الحافظ ابن كثير ذكر أن الإِمام مالك ﵀ قد يُسقِطُ بعض الرواة عمدًا إذا جهل حالهم ... ولهذا يُرْسِلُ كثيرًا من المرفوعات، ويقطع كثيرًا من الموصولات. ثم قال الألباني. وهذه فائدة عزيزة هامة من هذا الحافظ النحرير. (السلسلة الضعيفة ٧/ ٧٣).
فائدة: من مناقب هذا الإِمام الجليل (سعد بن الربيع) ﵁ ما رواه البخاري في صحيحه أن المهاجرين لما قدموا المدينة وآخى الرسول ﷺ بينهم وبين الأنصار آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال لعبد الرحمن: "إني أكثر الأنصار مالًا فأقسمُ مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمّها لي أُطلّقها، فإذا انقضت عدّتها تزوجْتها ... " (١١) الحديث.
стр. 138
دعوته ﷺ على عتبة بن أبي وقاص
قال الإِمام الذهبي-﵀: "وقال مَعمر عن الزهري، وعن عثمان الجزري عن مِقْسم أن النبي ﷺ دعا على عتبة حين كسر رَباعيته: "اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرًا. فما حال عليه الحول حتى مات كافرًا إلى النار" ثم قال: "مرسل" (١).
وقال الحافظ ابن حجر-﵀: "أخرجه عبد الرازق في تفسيره بسند منقطع (٢) ".
وقد روى البخاري عن أبي هريرة وابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيّه - يشير إلى رَباعيته - ... " وفي رواية ابن عباس: " .. على قوم دَمّوا وجه نبي الله ﷺ (٣) " وفيه عن أنس ﵁ شُجّ النبي ﷺ يوم أُحد فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ " فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمرأن: من الآية ١٢٨). وفي رواية ابن عمر ﵁ كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٤).
стр. 139
شُرْب مّالك بن سنان لدمه ﷺ
قال ابن هشام ﵀: "وذكر رُبَيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن أبي سعيد الخدري، أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله ﷺ يومئذٍ، فكسر رَباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجّه في جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من المغفر في وجنته، ووقع رسول الله ﷺ في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، فأخذ علي بن أبي طالب بيد رسول الله ﷺ ، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائمًا، ومصّ مالك بن سنان، أبو أبي سعيد الخدري الدم عن وجه رسول الله ﷺ ، ثم ازدرده (*) فقال رسول الله ﷺ : "من مس دمه دمي لم تصبه النار (١) ".
ورُبيح بن عبد الرحمن قال عنه الإِمام أحمد: ليس بمعروف. وقال أبو زرعة: شيخ. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبان في (الثقات). وقال الترمذي في (العلل الكبير) عن البخاري: "رُبيح منكر الحديث (٢) ". وابن هشام لم يسمع من رُبيح بن عبد الرحمن.
والخبر ذكره الذهبي في (المغازي) فقال: "قال ابن إسحاق: وعن أبي سعيد الخدري، أن عتبة كسر رَباعية النبي ﷺ .. " وذكره، ثم قال: "منقطع (٣) ".
وقال الحافظ ابن حجر في (الإصابة): "وروى ابن أبي عاصم والبغوي من
طريق موسى بن محمَّد بن علي الأنصاري حدثتني أمي أم سعد بن مسعود بن
حمزة بن أبي سعيد أنها سمعت أم عبد الرحمن بنت أبي سعيد تحدّث عن
أبيها قال: أصيب وجه رسول الله ﷺ فاستقبله مالك بن سنان فمصّ الدم عن
стр. 140
وجهه ثم ازدرده، فقال رسول الله ﷺ : من ينظر إلى من خالط دمه دمي، فلينظر إلى مالك بن سنان. وأخرجه ابن السكن من وجه آخر من رواية مصعب بن الأسقع عن ربيح بن عبد الرحمن ... وأخرج سعيد بن منصور عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن عمرو بن السائب أنه بلغه أن مالكًا والد أبي سعيد ... فذكر نحوه (٤) ".
وموسى بن محمَّد قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: هو شيخ مديني قدم بغداد نزل درب الأنصار (٥) ". واُمّ سعد بن مسعود، وأُمّ عبد الرحمن بنت أبي سعيد لم أجد لهما ترجمة فيما وقفت عليه. ورواية ابن السكن فيها مصعب بن الأسقع، قال ابن أبي حاتم: "روى عن ربيح بن عبد الرحمن، وروى عنه موسى بن يعقوب الزمعي. سمعت أبي يقول ذلك (٦) ". وفي ترجمة موسى بن يعقوب من (التهذيب): "قال الآجري: قال أبو داود .. له مشايخ مجهولون (٧) ". ومن الظاهر أن مصعب بن الأسقع أحد هؤلاء. وربيح بن عبد الرحمن سبق الكلام عليه. ورواية سعيد بن منصور فيها إرسال، وعمرو بن السائب، قال الحافظ في (التقريب) صوابه: "عمر بن السائب، صدوق فقيه، من السادسة، مات سنة ١٣٤ هـ (٨) "، والطبقة السادسة نصّ الحافظ في مقدمة (التقريب) على أنه لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة (٩).
وقال ﵀ في (التلخيص) عن حديث عمر بن السائب: "مرسل (١٠) ".
стр. 141
والحديث أخرجه الحاكم من طريق أمّ عبد الرحمن بنت أبي سعيد الخدري، عن أبيها أبي سعيد ﵀ وسكت عنه، وقال الذهبي: "إسناده مظلم (١١) ". وأورده الهيثمي في (المجمع) وعزاه إلى الطبراني، ولم يتكلم عليه (١٢). وقال ابن الملقِّن: "وفيه مجاهيل لا أعرفهم بعد الكشف عنهم (١٣).
стр. 142
دخول حلقتا المِغْفر في وجهة الشريف ﷺ
قال ابن هشام ﵀: "وذكر عبد الغزيز بن محمَّد الدراوردي عن إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عيسى بن طلحة عن عائشة عن أبي بكر الصديق: أن أبا عبيدة بن الجراح نزع إحدى الحلقتين من وجه رسول الله ﷺ ، فسقطت ثنيّته، ثم نزع الأخرى، فسقط ثنيّته الأخرى، فكان ساقط الثنيّتين (١) ".
قال الألباني ﵀: "وقد وصله الطيالسي (٢/ ٩٩) فقال: حدثنا ابن المبارك عن إسحاق به. وكذا وصله الحاكم (٣/ ٢٦ - ٢٧) ووقع في سنده تحريف وقال: "صحيح الإسناد" فتعقبّه الذهبي بقوله: "قلت: إسحاق متروك". وكذا قال الهيثمي (٦/ ١١٢) بعد أن عزاه للبزار (٢) ".
ونقل ابن كثير ﵀ تضعيف علي بن المديني لهذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى (٣) ودخول حلقتا المغفر في وجهه الشريف ﷺ ذكره الذهبي في (المغازي) عن ابن إسحاق ثم قال: "منقطع (٤) ". وقد سبق. والحديث ضعّفه الشيخ سعد الحميّد (٥).
وفي البخاري عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ شُجّ يوم أحد، فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ " فنزلت: "لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ... " (آل عمران:٢٨) (٦). وفيه عن أبي هريرة مرفوعًا (اشتدّ عضب الله على قوم
стр. 143
فعلوا بنبيّهم - يشير إلى رَباعيته - (٧). وفي مسلم: "كُسِرتْ رَباعيته، وهُشمت البيضة على رأسه" (٨).
فائدة:
قال الإِمام النووي ﵀: "وفي هذا وقوع الانتقام والابتلاء بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، لينالوا جزيل الأجر، ولتعلم أُممهم وغيرهم ما أصابهم ويتأسّوا بهم. قال القاضي [عياض]: وليُعلم أنهم من البشر تصيبهم محن الدنيا، ويطرأ على أجسامهم ما يطرأ على أجسام البشر ليتيقنوا أنهم مخلوقون مربوبون، ولا يُفتتن بما ظهر على أيديهم من المعجزات، وتلبيس الشيطان من أمرهم ما لبسه على النصارى وغيرهم (٩) ".
стр. 144
قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ -
قال ابن إسحاق-﵀: "وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي ابن النجار قال: انتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقَوْا بأيديهم، فقال: ما يجُلسكم؟ قالوا: قُتِلَ رسول الله ﷺ قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قُتل، وبه سُمي أنس بن مالك. قال ابن إسحاق: فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه (١) ".
والقاسم بن عبد الرحمن ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٢). ثم إن الخبر مرسل.
ويَبْعد أن يستسلم الفاروق عمر وطلحة لمثل هذه الإشاعة فيلقوا أسلحتهم وَيَدَعُوا القتال، بل إن عمر كان ممن أنكر موت رسول الله ﷺ لما مات، حتى خرج أبو بكر وعمر يُكلم الناس فقال: اجلس ياعمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر. فقال أبو بكر: أما بعد. .. الحديث (٣)، قال ابن حجر: "في حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة: أن أبا بكر مرّ بعمر وهو يقول: ما مات رسول الله ﷺ ولا يموت حتى يقتل الله المنافقين .. (٤) ".
وأما طلحة فقد كان يوم أحدٍ يومه، أخرج البخاري عن قيس بن حازم قال "رأيتُ يد طلحة شلاّء، وقى بها النبي ﷺ يوم أحد (٥) ".
стр. 145
وأخرج النسائي عن جابر حديثًا في شجاعة طلحة وإقدامه وفيه " .. فقُطِعت أصابعه فقال: حسّ فقال رسول الله ﷺ : "لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون (٦) ". وأخرج الترمذي عن الزبير ﵁ قال: "سمعت النبي ﷺ يقول: "أوجب طلحة (٧) " وحسنه الذهبي (٨). وعند الترمذي وابن ماجه عن معاوية ﵁ قال: نظر النبي ﷺ إلى طلحة فقال: "هذا ممّن قضى تحبه (٩) " وأخرجه الحاكم عن عائشة وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي (١٠). وصححه الحافظ في الفتح بعد أن جعله من مسند عائشة، وعزاه إلى بن ماجه والحاكم (١١).
ومعاوية ﵁ لم يكن في صفّ المسلمين يوم أحد فيحُمل على أنه سمع ذلك بعد إسلامه.
أما أخر الحديث، ومقتل أنس بن النضر ﵁ في الصحيحين (١٢).