← Сира

Сира · id 97932

ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية

محمد بن عبد الله العوشن

Полный текст (232 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والحديث أخرجه الحاكم من طريق أمّ عبد الرحمن بنت أبي سعيد الخدري، عن أبيها أبي سعيد ﵀ وسكت عنه، وقال الذهبي: "إسناده مظلم (١١) ". وأورده الهيثمي في (المجمع) وعزاه إلى الطبراني، ولم يتكلم عليه (١٢). وقال ابن الملقِّن: "وفيه مجاهيل لا أعرفهم بعد الكشف عنهم (١٣).

стр. 142

دخول حلقتا المِغْفر في وجهة الشريف ﷺ قال ابن هشام ﵀: "وذكر عبد الغزيز بن محمَّد الدراوردي عن إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عيسى بن طلحة عن عائشة عن أبي بكر الصديق: أن أبا عبيدة بن الجراح نزع إحدى الحلقتين من وجه رسول الله ﷺ ، فسقطت ثنيّته، ثم نزع الأخرى، فسقط ثنيّته الأخرى، فكان ساقط الثنيّتين (١) ". قال الألباني ﵀: "وقد وصله الطيالسي (٢/ ٩٩) فقال: حدثنا ابن المبارك عن إسحاق به. وكذا وصله الحاكم (٣/ ٢٦ - ٢٧) ووقع في سنده تحريف وقال: "صحيح الإسناد" فتعقبّه الذهبي بقوله: "قلت: إسحاق متروك". وكذا قال الهيثمي (٦/ ١١٢) بعد أن عزاه للبزار (٢) ". ونقل ابن كثير ﵀ تضعيف علي بن المديني لهذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى (٣) ودخول حلقتا المغفر في وجهه الشريف ﷺ ذكره الذهبي في (المغازي) عن ابن إسحاق ثم قال: "منقطع (٤) ". وقد سبق. والحديث ضعّفه الشيخ سعد الحميّد (٥). وفي البخاري عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ شُجّ يوم أحد، فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ " فنزلت: "لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ... " (آل عمران:٢٨) (٦). وفيه عن أبي هريرة مرفوعًا (اشتدّ عضب الله على قوم

стр. 143

فعلوا بنبيّهم - يشير إلى رَباعيته - (٧). وفي مسلم: "كُسِرتْ رَباعيته، وهُشمت البيضة على رأسه" (٨). فائدة: قال الإِمام النووي ﵀: "وفي هذا وقوع الانتقام والابتلاء بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، لينالوا جزيل الأجر، ولتعلم أُممهم وغيرهم ما أصابهم ويتأسّوا بهم. قال القاضي [عياض]: وليُعلم أنهم من البشر تصيبهم محن الدنيا، ويطرأ على أجسامهم ما يطرأ على أجسام البشر ليتيقنوا أنهم مخلوقون مربوبون، ولا يُفتتن بما ظهر على أيديهم من المعجزات، وتلبيس الشيطان من أمرهم ما لبسه على النصارى وغيرهم (٩) ".

стр. 144

قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ - قال ابن إسحاق-﵀: "وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي ابن النجار قال: انتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقَوْا بأيديهم، فقال: ما يجُلسكم؟ قالوا: قُتِلَ رسول الله ﷺ قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قُتل، وبه سُمي أنس بن مالك. قال ابن إسحاق: فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه (١) ". والقاسم بن عبد الرحمن ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٢). ثم إن الخبر مرسل. ويَبْعد أن يستسلم الفاروق عمر وطلحة لمثل هذه الإشاعة فيلقوا أسلحتهم وَيَدَعُوا القتال، بل إن عمر كان ممن أنكر موت رسول الله ﷺ لما مات، حتى خرج أبو بكر وعمر يُكلم الناس فقال: اجلس ياعمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر. فقال أبو بكر: أما بعد. .. الحديث (٣)، قال ابن حجر: "في حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة: أن أبا بكر مرّ بعمر وهو يقول: ما مات رسول الله ﷺ ولا يموت حتى يقتل الله المنافقين .. (٤) ". وأما طلحة فقد كان يوم أحدٍ يومه، أخرج البخاري عن قيس بن حازم قال "رأيتُ يد طلحة شلاّء، وقى بها النبي ﷺ يوم أحد (٥) ".

стр. 145

وأخرج النسائي عن جابر حديثًا في شجاعة طلحة وإقدامه وفيه " .. فقُطِعت أصابعه فقال: حسّ فقال رسول الله ﷺ : "لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون (٦) ". وأخرج الترمذي عن الزبير ﵁ قال: "سمعت النبي ﷺ يقول: "أوجب طلحة (٧) " وحسنه الذهبي (٨). وعند الترمذي وابن ماجه عن معاوية ﵁ قال: نظر النبي ﷺ إلى طلحة فقال: "هذا ممّن قضى تحبه (٩) " وأخرجه الحاكم عن عائشة وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي (١٠). وصححه الحافظ في الفتح بعد أن جعله من مسند عائشة، وعزاه إلى بن ماجه والحاكم (١١). ومعاوية ﵁ لم يكن في صفّ المسلمين يوم أحد فيحُمل على أنه سمع ذلك بعد إسلامه. أما أخر الحديث، ومقتل أنس بن النضر ﵁ في الصحيحين (١٢).

стр. 146

أكلُ هند بنت عتبة من كبد حمزة قال ابن إسحاق: "ووقعت هند بنت عتبة، كما حدثني صالح بن كيسان، والنسوة اللاتي معها يُمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يُجدّعْن الآذان والأُنُف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأُنفهم خَدمًا (*) وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيًا، غلام جبير بن مطعم، وبقرت عن كبد حمزة، فلاكتها، فلم تستطع أن تسيغها، فلفظتها .. (١) ". وصالح بن كيسان ثقة، من رجال الجماعة، وهو مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، لكن الخبر مرسل. ثم قال ابن إسحاق: "وخرج رسول الله ﷺ ، فيما بلغني، يتلمّس حمزة بن عبد المطلب، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده، ومُثّل به، فجُدع أنفه وأُذناه. فحدثني محمَّد بن جعفر بن الزبير أنّ رسول الله ﷺ قال حين رأى ما رأى."لولا أن تحزن صفية (**)، ويكون سُنّة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع، وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأُمثلنّ بثلاثين رجلًا منهم" فلما رأى المسلمون حزن رسول الله ﷺ وغيظه على من فعل بعمّه ما فعل، قالوا. والله لئن أظفرنا الله بهم يومًا من الدهر لنمثلنّ بهم مُثلة لم يمثلها أحد من العرب (٢) ". والخبرمرسل. ثم قال ابن إسحاق."وحدثني بُريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، عن محمَّد بن كعب القُرَظي، وحدثني من لا أتّهم عن ابن عباس، أن الله أنزل في ذلك، من قول رسول الله ﷺ وقول أصحابه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ

стр. 147

فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ فعفا رسول الله ﷺ ، وصبر، ونهى عن المُثلة (٣) ". وذكرها ابن كثير في (البداية) عن ابن إسحاق ثم قال: "قلت: هذه الآية مكيّة، وقصة أُحد بعد الهجرة بثلاث سنين، فكيف يلتئم هذا؟ فالله أعلم (٤) ". قال الذهبي في (المغازي): "وقال يحي الحمّاني: حدثنا قيس - هو ابن الربيع - عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مِقْسم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ يوم قُتل حمزة ومُثّل به: "لئن ظفرت بقريش لأمثلنّ بسبعين منهم". فنزلت: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ : "بل نصبر ياربّ". إسناده ضعيف من قِبَل قيس. وقد روى نحوه حجاج بن منهال، وغيره، عن صالح المرِّي -وهو ضعيف- عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة، وزاد: فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قطّ أوجع منه لقلبه (٥) ". اهـ وذكر هذه الرواية الهيثمي في (المجمع) وفيه " ... ونظر إليه وقد مُثّل به، فقال: "رحمة الله عليك إنْ كنتَ ما علمتُ لوصولًا للرحم فعولًا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع -أو كلمة نحوها- أمَا والله على ذلك لأمثلنّ بسبعين كميتتك" فنزل جبريل ﵇ على محمَّد ﷺ بهذه السورة، وقرأ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر الآية فَكفَّرَ رسول الله ﷺ ،

стр. 148

وأمسك عن ذلك". ثم قال الهيثمي: "رواه البزّار والطبراني، وفيه صالح بن بشير المري (*) وهو ضعيف (٦) ". وروى الحاكم في (المستدرك) عن أُبيّ بن كعب ﵀ قال: لما كان يوم أُحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلًا، ومن المهاجرين ستة، فمثّلوا بهم، وفيهم حمزة، فقالت الأنصار: لئن أصبناهم يومًا مثل هذا لنربينّ عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ... ﴾ فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : "كُفُّوا عن القوم غير أربعة". ثمْ قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي (٧). قال ابن هشام: "ولما وقف رسول الله ﷺ على حمزة قال: "لن أُصاب بمثلك أبدًا. ما وقفتُ موقفًا قطّ أغيظ إليّ من هذا (٨) ". قال الألباني: "حديث لا يصحّ، ذكره ابن هشام بدون إسناد، ولم أجده عند غيره، وقد نقله عنه الحافظ ابن كثير (٤/ ٤٠)، وابن حجر في (الفتح) (٧/ ٢٩٧) ولم يوصلاه (٩) ". وروى الإِمام أحمد قال: حدثنا عفّان قال: حدثنا حمّاد قال: حدثنا عطاء بن السائب عن الشعبي عن ابن مسعود قال: " ... فنظروا فإذا حمزة قد بُقر بطنه، وأخذتْ هند كبده فلاكتها، فلم تستطح أن تمضغها، فقال رسول

стр. 149

الله ﷺ : "أكلتْ شيئًا؟ " قالوا: لا، قال: "ما كان الله ليدخل شيئًا من حمزة في النار (١٠) ". وفيه صلاته على حمزة سبعين صلاة. قال ابن كثير ﵀ في (البداية): "تفرّد به أحمد، وهذا إسناد فيه ضعف، من جهة عطاء بن السائب، فالله أعلم (١١) ". قال الشيخ الألباني: "وهذا هو الصواب، خلافًا لقول الشيخ أحمد محمَّد شاكر: إنه صحيح، فإنه ذُهل عما ذُكر من سماعه منه في الاختلاط (١٢) ". وفي المتن نكارة هي: "ما كان الله ليدخل شيئًا من حمزة في النار" لأن هندًا ﵁ أسلمتْ، والإِسلام يجبُّ ما قبله، ثم إنّ الراوي عن ابن مسعود هو عامر بن شراحيل الشعبي، ولا يصح له سماع من ابن مسعود، كما قال ذلك الأئمة: الحاكم، والدارقطني، وأبو حاتم (١٣)، وابن باز (١٤). وقال ابن كثيرفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ (الآية ١٢٦ من سورة النحل): "وقال محمَّد بن إسحاق عن بعض أصحابه عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلّها بمكة، وهي مكية، إلاّ ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أُحد حين قُتل حمزة ﵁ ومُثّل به، فقال رسول الله ﷺ : "لئن أظهرني الله عليهم لأمثلنّ بثلاثين رجلًا منهم" فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلنّ بهم مُثلة لم يمثّلها أحد من العرب بأحد قطّ، فأنزل الله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة. وهذا مرسل، وفيه رجل مُبهم لم يسمّ". ثم قال: "وقد روي هذا من وجه آخر متصل، فقال الحافظ أبو بكر البزّار: ... حدثنا صالح المرَي عن

стр. 150

سليمان التيمي عن أبي عثمان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة بن عبد المطلب ﵁ حين استشهد ... ". وذكر الرواية التي نقلها الهيثمي، ثم قال ابن كثير: "هذا إسناد فيه ضعف؛ لأن صالحًا هو ابن بشير المرِّي ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث (١٥) ". وضعّف الحديث الألباني، وقال: "وقد ثبت بعضه مختصرًا من طُرق أخرى، فأخرج الحاكم (٣/ ١٩٦) والخطيب في: (التلخيص) (٤٤/ ١) عن أنس أن رسول الله ﷺ مرّ بحمزة يوم أُحد وقد جُدع، ومُثّل به فقال: "لولا أن صفية تَجِدُ لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع" فكفّنه في نمرة". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. ثم قال الشيخ الألباني: "وسبب نزول الآية السابقة في هذه الحادثة صحيح، فقد قال أُبىّ بن كعب: (لما كان يوم أُحد ... ) وذكر الحديث (١٦)، وقد سبق. والحديث المذكور قال عنه النووي في (الخلاصة): "رواه أبو داود بإسناد حسن، والترمذي وقال: حسن (١٧) ". وأخرجه أيضًا الإِمام أحمد في مسنده (١٨). وتمثيل المشركين بشهداء المسلمين يوم أُحد ثابت، كما في البخاري من قول أبي سفيان بعد نهاية المعركة -وكان زعيم المشركين يومها-: "وتجدون مُثلة لمْ آمر بها ولم تسؤني (١٩) ".

стр. 151

وقال ابن عبد البر: "وروَوْا آثارًا كثيرة أكثرها مراسيل أن النبي ﷺ صلّى على حمزة وعلى سائر شهداء أحد (٢٠) ". وقال ابن حجر: "إن طرق الحديث واهية" (٢١) وذهب الألباني إلى تحسين حديث الصلاة على حمزة ﵁ (٢٢). وقد أفاض الشيخ سعد الحميّد -وفقه الله- في تتبّع مرويات الصلاة على حمزة ﵁ (٢٣).

стр. 152

إنّها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن قال ابن إسحاق في حديثه عن أُحد: "وقال رسول الله ﷺ : من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سِمَاك بن خَرَشة، أخو بني ساعدة، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به العدو حتى ينحني. قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فأعطاه إيّاه. وكان أبو دجانة رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب إذا كانت، وكان إذا أُعلم بعصابة له حمراء فاعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ أخرج عصابته تلك فعصب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصفيّن. قال ابن إسحاق: فحدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، عن رجل من الأنصار من بني سلمة، قال: قال رسول الله ﷺ ، حين رأى أبا دجانة يتبختر: إنها لمشية يبغضها الله إلاّ في مثل هذا الموطن (١) ". والجزء الأول من الخبر ثابت في صحيح مسلم عن أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ أخذ سيفًا يوم أحد، فقال: "من يأخذ مني هذا؟ " فبسطوا أيديهم كل إنسان منهم يقول: أنا أنا، قال: "فمن يأخذه بحقه؟ " قال: فأحجم القوم، فقال سماك بن خرشة أبو دجانة: أنا آخذه بحقه. قال: فأخذه، ففلق به هامَ المشركين (٢) ". وقد ذكره ابن إسحاق منقطعًا، كما قال ابن كثير (٣). أما الشطر الثاني من الخبر، فقد رواه ابن إسحاق عن جعفر بن عبد الله، قال الحافظ عن جعفر هذا: "مقبول (٤) ". أي عند المتابعة، وإلا فليّن الحديث. كما نصّ على ذلك في المقدمة. والسّند فيه أيضًا جهالة وانقطاع، فالرجل الذي من الأنصار لم يُسمّ، ولا يمكن أن يكون صحابيًا؛ لأن جعفر بن

стр. 153

عبد الله من الطبقة السابعة في تقسيم ابن حجر، وهي طبقة لا تروي عن أحد من الصحابة. وعزاه الهيثمي في (المجمع) إلى الطبراني وقال: "وفيه من لم أعرفه (٥) ". أما الاختيال في الحرب: فقد روى الإِمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن جابر بن عتيك ﵁ عن رسول الله الله ﷺ أنه قال: "إنّ من الغيرة ما يحبّ الله، ومن المغيرة ما يبغض الله، ومن الخيلاء ما يُحبّ الله، ومنها ما يُبغض الله، فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الرّيبة، وأما الغيرة التي يبغض الله فالغيرة في غير الريبة، وأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل في القتال، واختياله عند الصدقة، وأما الخيلاء التي يبغض الله فاختيال الرجل في البغي والفخر". وصححه ابن القيم (٦)،ابن حجر (٧).، وحسّنه الألباني (٨)، والأرنؤوط (٩). فائدة: جاء في رواية: أن أبا دجانة ﵁ شَهَر السيف على امرأة، ثم كفّ يده عنها، فقيل له في ذلك، فقال: أكرمتُ سيف رسول الله ﷺ عنها. ذكره الهيثمي في (المجمع) وعزاه إلى البزّار، وقال: "ورجاله ثقات (١٠) ". ورواه البيهقي في (الدلائل) (١١) وفي سندهما: عبد الله بن الوازع، قال عنه في (التقريب): مجهول (١٢).

стр. 154

خروج علي ﵁ في آثار المشركين قال ابن إسحاق: "ثم بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ فقال: اخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون، وما يريدون، فإن كانوا قد جنّبوا الخيل، وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل، وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرنّ إليهم فيها، ثم لأناجزنّهم. قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون؛ فجنّبوا الخيل وامتطوا الإبل، ووجّهوا إلى مكة (١) ". قال الشيخ الألباني: "رواه ابن هشام (٢/ ٤٠) عن ابن إسحاق بدون إسناد (٢) ". وذكر الحافظ في الفتح أن الذي تبعهم سعد بن أبي وقاص (٣)، وهو قول الواقدي في مغازيه (٤). وأخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (آل عمران، الآية ١٧٢) "أنها قالت لعروة: يا ابن أختي، كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر. لمّا أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أُحد، وإنصرف عنه المشركون خاف أن يرجعو، قال: من يذهب في إثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلًا. قال: كان فيهم أبو بكر والزبير (٥) ". قال ابن كثير ﵀: "هذا كان يوم حمراء الأسد" ثم قال: "قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن يزيد قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن عكرمة قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا. لا محمدًا قتلتم

стр. 155

ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم، ارجعوا، فسمع رسول الله ﷺ بذلك، فندب المسلمين، فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد، أو بئر أبي عيينة -الشك من سفيان- فقال المشركون: نرجع من قابل، فرجع رسول الله ﷺ ، فكانت تُعدّ غزوة، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وروى ابن مردويه من حديث محمَّد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس فذكره (٦) ".اهـ. وقال الحافظ ابن حجر ورجاله رجال الصحيح، إلا أن المحفوظ إرساله عن عكرمة ليس فيه ابن عباس، ومن الطريق المرسلة أخرجه ابن أبي حاتم وغيره (٧).

стр. 156

قتلُ أبي عزّة الجُمَحي قال ابن هشام: "حدثنا أبو عبيدة: أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أُحد، أراد الرجوع إلى المدينة ... وأخذ رسول الله ﷺ في جهة ذلك قبل رجوعه إلى المدينة، معاوية بن المغيرة بن العاص .. وأبا عزة الجُمحي، وكان رسول الله ﷺ أسره ببدر، ثم منّ عليه، فقال: "يا رسول الله ﷺ أقلْني، فقال رسول الله ﷺ : "والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعتُ محمدًا مرتين، اضرب عنقه يا زبير" فضرب عنقه. قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت" فضرب عنقه (١) ". قال الحافظ في: (الفتح) عن أبي عزة: "وأخرج قصته ابن إسحاق في المغازي بغير إسناد (٢) " وقال في: (التلخيص): "قوله: ومَنّ على أبي عزة الجمحي على ألاّ يقاتله، فلم يوفِ فقاتله يوم أحد، فأُسر، وقُتل. البيهقي من طريق سعيد بن المسيب بهذه القصة مطولًا، وفيه: فقال له: أين ما أعطيتني من العهد والميثاق؟ والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول: سخرتُ بمحمد مرتين. قال شعبة: فقال النبي ﷺ : "إن المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين" وفي إسناده الواقدي (٣) ". وقال الشيخ الألباني: "ضعيف، ذكره ابن إسحاق بدون إسناد ... ذكره ابن هشام في (السيرة) ثم قال: وبلغني عن سعيد بن المسبب ... قلتُ: وهذا مع بلاغه مرسل، وقد وصله البيهقي (٩/ ٦٥) من طريق محمد بن عمر، حدثني محمَّد بن عبد الله عن الزهري عن سعيد بن المسيب به مطولًا. قلتُ: وإسناده واهٍ جدًّا، من أجل محمَّد بن عمر، وهو الواقدي وهو متروك. وأمّا

стр. 157

حديث: "لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين" فصحيح، اتفق الشيخان على إخراجه، وأما سببه المذكور فلا يصح، وإن جزم به العسكري، ونقله عنه المناوي في (فيض القدير) ساكتًا عليه، غير مبيّن لعلته، وتبع العسكري آخرون كابن بطّال والتوربيشي (٤) ". قال ابن كثيرعن قوله ﷺ : (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين): "وهذا من الأمثال التي لم تُسمع إلا منه ﵇ (٥) ".

стр. 158

مُخيريق خَيرُ يهود قال ابن إسحاق ﵀: "وكان ممّن قُتل يوم أحد مخيريق، وكان أحد بني ثعلبة بن الفطيون، قال: لما كان يوم أحد، قال: يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر محمَّد عليكم لحقّ، قالوا: إن اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم. فأخذ سيفه وعدّته وقال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء. ثم غدا إلى رسول الله ﷺ ، فقاتل معه حتى قُتل، فقال رسول الله ﷺ -فيما بلعنا- مُخيريق خير يهود (١) ". هكذا ساقه دون إسناد. ورواه ابن سعد (٢) عن الواقدي، وهو متروك. وعزاه الحافظ في (الإصابة) (٣) إلى عمر بن شبّة عن الزهري مرسلًا، وفي سنده عبد العزيز بن عمران، وهو متروك عند الأكثر. وإلى الزبير بن بكّار عن محمَّد بن الحسن بن زَبَالة، وهو متروك أيضًا، قال الحافظ: كذبوه (٤). وعلى فرض صحة القصة فإن المراد بخير يهود أي في تلك الغزوة، وإلا فإن خير من أسلم من يهود هو عبد الله بن سلام ﵁ وقد أخرج البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "ما سمعتُ النبي ﷺ يقول لأحدٍ يمشي على الأرض إنه من أهل الجنّة إلاَّ لعبد الله بن سلام ... (٥) ".

стр. 159

وممّا شاع ولم يثبت في غزوة أُحد ١ - ما رواه ابن سعد بسنده عن الواقدي في مشاركة أمّ عُمارة نسيبة (*) بنت كعب المازنية ﵂ في القتال وقوله ﷺ يومها: "ومن يطيق ما تطيقين يا اُمّ عمارة"، وقوله: "ما التفتُّ يمينًا ولا شمالًا إلاّ وأنا أراها تقاتل دوني (١) ". قال ابن هشام: وقاتلتْ أمّ عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد. فذكر سعيد بن أبي زيد الأنصاري أن أمّ سعد بنت بن سعد بن الربيع كانت تقول: "دخلتُ على أم عمارة ... فقالت: ... فلما انهزم المسلمون انحزتُ إلى رسول الله ﷺ ، فقمتُ أباشر القتال، وأذبّ عنه بالسيف، وأرمي عن القوس .. (٢) " قال الدكتور العمري: "إسناد منقطع (٣) ". وسعيد بن أبي زيد هو النحوي المشهور سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير بن صاحب رسول الله ﷺ أبي زيد الأنصاري. ولد سنة نيّفٍ وعشرين ومئه (٤)، فبينه وبين غزوة أحد دهر طويل. ومنها: ٢ - ما ذكره الذهبي في المغازي: "وقال مَعْمر، عن سعيد بن عبد الرحمن الجحشي: حدثنا أشياخنا أن عبد الله بن جحش جاء رسول الله ﷺ يوم أُحد وقد ذهب سيفه، فأعطاه النبي ﷺ عسيبًا من نخل، فرجع في يد عبد الله سيفًا". ثم قال الذهبي: "مرسل (٥) ".

стр. 160

وقد ذكره السُّهيلي في (الروض) فقال: "وذكر الزّبير [بن بكّار] أن سيف عبد الله بن جحش انقطع يوم أحد (٦) " ولم يسق سنده. ومنها: ٣ - ما ذكره ابن إسحاق في آخر حديثه عن الغزوة بقوله: "ولمّا انصرف أبو سفيان ومن معه نادى إن موعدكم بدر للعام القابل فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: قل: نعم، هو بيننا وبينكم موعد (٧) ". هكذا ذكره دون إسناد. قال الألباني: "لم أجده الآن عند غير ابن إسحاق (٨) " ا. هـ. ورواه الواقدي، وهو متروك (٩).

стр. 161

ما شاع ولم يثبت في غزوة الخندق مشورة سلمان بحفر الخندق: اشتهر في كتب السيرة أن الرسول ﷺ لما سمع بقّدوم الأحزاب لغزو المدينة، شاور أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي ﵁ بقوله: "إِنا كنا بفارس إذا حُوصرنا خندقنا علينا، فأمر النبي ﷺ بحفر الخندق حول المدينة .. " قال الحافظ في (الفتح): "وكان الذي أشار بذلك سلمان، فيما ذكر أصحاب المغازي، منهم أبو معشر، قال: قال سلمان .. (١) ". فذكره، ولم يسق له إسنادًا. وأبو معشر هو: نجيح بن عبد الرحمن السندى (ت١٧١هـ) روى له الأربعة، وضعّفه الجمهور، وكان الإمام أحمد يرضاه ويقول: كان بصيرأً بالمغازي (٢). وليست العلة في ضعف أبى معشر فحسب؛ بل كون الخبر مرسلًا، حيث ساقه دون إسناد. ولم يشرْ ابن إسحاق إلى مشورة سلمان الفارسي ﵁ وإنما قال: "فلما سمع بهم (أي الأحزاب) رسول الله ﷺ ، وما أجمعو له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، فعمل فيه رسول الله ﷺ ترغيبًا للمسلمين في الأجر ... (٣) ". وإنما ذكره ابن هشام بدون إسناد حيث قال: "يقال إنّ سلمان الفارسي أشار به على رسول الله ﷺ (٤) ".

стр. 162

آية (معجزة) لم تصح: قال ابن إسحاق: "وحدثني سعيد بن مَيْنا أنه حُدّث: أن ابنة لبشير بن سعد، أخت النعمان بن بشير قالت: دعتني أمي عَمْرة بنت رواحة فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي، ثم قالت: أي بُنيّة، اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما ... فمررتُ برسول الله ﷺ .. فقال: "تعالى يا بنيّة ما هذا معك؟ " قالت: فقلت: يا رسول الله، هذا تمر ... قال: "هاتيه" قالت: فصببته في كفّي رسول الله ﷺ ، فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبُسط له، ثم دحا التمر عليه فتبدّد فوق الثوب. ثم قال لإنسان عنده: "اصرخ في أهل الخندق أن هلمّ إلى الغداء" فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب (١) ". قال ابن كثير لما ذكره في (البداية): "هكذا رواه ابن إسحاق وفيه انقطاع، وهكذا رواه الحافظ البيهقي من طريقه ولم يزد (٢) " وقد روى الإِمام البخاري أعظم من هذه القصة في الغزوة نفسها، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "إنّا يوم الخندق نحفر فعرضت كُدْية شديدة، فجاءوا النبي ﷺ فقالوا: هذه كُدْية عرضت في الخندق فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي ﷺ المِعول فضرب في الكُدية، قعاد كثيبًا أهْيل أو أهْيم. فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت. فقلت لامرأتي: رأيتُ بالنبي ﷺ شيئًا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ فقالت: عندي شعير وعناق، فذبحتُ العناق، وطحنتِ الشعير، حتى جعلنا اللحمهْ بالبُرمة، ثم جئت النبي ﷺ ، والعجين قد انكسر، والبُرمة بين الأثافيّ قد كادت أن تنضج. فقلت طُعيّم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. قال: كم هو؟ فذكرتُ له، فقال

стр. 163

كثير طيب. قال: قل لها لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التّنور حتى آتى، فقال: قوموا فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحكِ، جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم. قالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخمّر البرمة والتّنور إذا أخذ منه، ويقرّب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية، قال: كُلي هذا وأهدي؛ فإن الناس أصابتهم مجاعة (٣) ". وفي هذا الحديث العظيم من الآيات والفوائد ما يغني عن ضعيف الحديث. والأحاديث الصحيحة في تكثير الطعام والشراب بين يديه ﷺ كثيرة، ساق البخاري في صحيحة بعضها في: علامات النبوة في الإِسلام (٤).

стр. 164

سلمان منَّا أهل البيت روى ابن سعد والحاكم وغيرهما، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ خطّ الخندق ... بين كل عشرة أربعين ذراعًا، قال: احتقّ المهاجرون والأنصار في سلمان، فقال رسول الله ﷺ : "سلمان منا أهل البيت (١) ". قال الذهبي في (التلخيص): "سنده ضعيف (٢) ". وعزاه الهيثمي في (المجمع) للطبراني وقال: "فيه كثير بن عبد الله المزني، وقد ضعفه الجمهور، وحسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات (٣) ". وأورده الذهبي في (سير النبلاء) في ترجمة سلمان وقال: "كثير متروك (٤) " وقال الألباني: "ضعيف جدًا وقد صحَ موقوفًا على علي ﵁ (٥) ". قال الذهبي في (السير): "يعلي بن عبيد: حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري قال: قيل لعلي أخبرنا عن أصحاب محمَّد ﷺ قال: عن أيهم تسألون؟ قالوا: سلمان؟ قال: أدرك العِلم الأول، والعِلم الآخر، بحر لا يُدْرَك قَعْره، وهو منا أهل البيت. . (٦) ". قال الشيخ شعيب الأرناؤوط في حاشية (السير): "رجاله ثقات"، وأخرجه الفسوي في (المعرفة والتاريخ) (٢/ ٥٤٠) مطولًا ... ورجاله ثقات، والطبراني (٦٠٤١) وأبو نعيم في (الحلية) (١/ ١٨٧) وانظر المطالب العالية (٧) ". ا. هـ. وقد صححه الشيخ الألباني موقوفًا على علي ﵁ كما سبق -.

стр. 165

اتهام حسّان بالجُبْن قال ابن إسحاق: "وحدثني يحي بن عبّاد بن عبد الله بن الزبيرعن أبيه عباد قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، قالت: وكان حسان بن ثابت معنا فيه، مع النساء والصبيان، قالت صفية: فمرّ بنا رجل من يهود، فجعل يُطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ﷺ والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آتٍ. قالت: فقلت: يا حسان، إن هذا اليهودي، كما ترى يُطيف بالحصن، وأني والله ما آمنة أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه فأنزل إليه فاقتله، قال. يغفر الله لكِ يا ابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا قالت: فلما قال لي ذلك، ولم أَرَ عنده شيئًا، احتجزتُ ثم أخذت عمودًا، ثم نزلته من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته. قالت: فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان، انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل، قال: مالي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب (١) ". ويحي بن عبّاد وأبوه ثقتان، لكن الأب تابعي، فالخبر مرسل. ورواه ابن سعد مختصرًا والحاكم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن صفية بنت عبد المطلب، قال عروة: "وسمعتها تقول ... " ثم قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبي بقوله: "عروة لم يدرك صفية (٢) ". ورواه من طريق آخر عن إسحاق بن إبراهيم الفروي قال: حدثتنا أم فروة بنت جعفر بن الزبير، عن أبيها، عن جدّها الزبير، عن أمّه صفية بنت عبد المطلب .. فذكر نحوه، ثم قال: "هذا حديث كبير

стр. 166

غريب الإسناد، وقد رُوي بإسناد صحيح" وقال الذهبي في (التلخيص): "غريّب، وقد رُوي بإسناد صحيح (٣) ". وأم فروة لم أقف لها عن ترجمة، وفي: (سير أعلام النبلاء): أم عروة بنت جعفر. قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: "لا تُعرف، وأبوها جعفر ذكره ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٧٨، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٤) ". وذكر الهيثمي القصة في (المجمع) وقال عن حديث الزبير: "رواه البزار وأبو يعلى باختصار ... وإسنادهما ضعيف". وقال عن حديث عروة: "رواه الطبراني ورجاله إلى عروة رجال الصحيح ولكنه مرسل (٥) ". وعزاه الحافظ ابن حجر في (الفتح) إلى أحمد عن عبد الله بن الزبير، وقال عن إسناده: "قوي (٦) ". ولم أجده في (المسند) في مظنّته من ترتيب الشيخ الساعاتي (الفتح الرباني) في "باب ما جاء في غزوة الخندق أو الأحزاب (٧) ". ولا في "باب فرض خمس الغنيمة (٨) ". قال ابن عبد البر في (الاستيعاب) في ترجمة حسان ﵁: "وقال أكثر أهل الأخبار والسير إن حسان كان من أجبن الناس، وذكروا من جُبنه أشياء مستبشعة رووها عن ابن الزبير أنه حكاها عنه كَرهتُ ذكرها لنكارتها، ومَنْ ذكرها قال: إن حسان لم يشهد مع رسول الله ﷺ شيئًا من مشاهده لجبنه (*). وأنكر بعض أهل العلم بالخبر ذلك وقالوا: لو كان حقًا لهجي به،

стр. 167

فإنه قد هجا قومًا فلم يهجه أحد منهم بالجبن، ولو كان كذلك لهجي به (٩) ". قال السهيلي في (الروض الأنف): "ومحمل هذا الحديث عند الناس على أن حسانًا كان جبانًا شديد الجبن، وقد دفع هذا بعض العلماء وأنكره، وذلك أنه حديث منقطع الإسناد، وقال: لو صح هذا لهجي به حسان، فإنه كان يُهاجي الشعراء، كضرار، وابن الزِّبْعرى، وغيرهما، وكانوا يناقضونه ويرودُّن عليه، فما عيّره أحد منهم بجبن، ولا وَسَمَه به، فدل هذا على ضعف حديث ابن إسحاق، وإنْ صحّ فلعل حسان أن يكون معتلًا في ذلك اليوم بعلة منعته من شهود القتال، وهذا أولى ما تُأول عليه، وممن أنكر أن يكون هذا صحيحًا أبو عمر [بن عبد البر] في كتاب (الدرر) له (١٠) ". ومن هنا يتبين براءة هذا الصحابي الجليل ﵁ من هذه التهمة، فهي لا تصح سندًا ولا متنًا، وأدلة ذلك ما يلي: ١ - من ناحية السند فهي لم تروَ بسند صحيح متصل، كما سبق بيانه. ٢ - من ناحية المتن: فإن الجبن مما تعيّر به العرب بعضها بعضًا في الجاهلية والإِسلام، ولو عُرف ذلك من حسان ﵁ لهجاه شعراء المشركين، كما سبق ذلك في كلام الإمامين: ابن عبد البر، والسهيلي. ٣ - لم يُذكر تخلف حسان ﵁ عن شيء من مغازي رسول الله ﷺ التي كان فيه القتال مباشرًا، كبدر، وأحد، وحنين، وغيرها. ٤ - لم يكن في غزوة الخندق قتال مباشر بين الطرفين؛ للخطة المحكمة بحفر الخندق وحجز الأحزاب، فلم يكن بينهما إلا المراماة، ومنها أصيب

стр. 168

سعد بن معاذ ﵁ فلم يكن هناك حاجة للتخلف في مثل هذا الموطن، وشهود المواطن التي فيها بارقة السيوف. ٥ - ومما ينبغي أن يُعلم أن حسان بن ثابت ﵁ كان له من العمر في غزوة الخندق ما بين إحدى وسبعين إلى خمسٍ وثمانين سنة (١١)، وهي سنّ يُعذر صاحبها عن التخلف عن مثل هذه المحافل.

стр. 169

تخذيل نعيم بن مسعود للأحزاب ومن أشهر حوادث هذه الغزوة (الأحزاب) ما ذكره ابن إسحاق من تخذيل نُعيم بن مسعود الغطفاني للأحزاب وذلك أنه أسلم ولم يعلم قومه بذلك، وقوله للرسول ﷺ فمرني بما شئت، فقال رسول الله ﷺ : "إنما أنت فينا رجل واحد، فخذّلْ عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة"، وأنه أتى بني قُريظة وخوّفهم من انسحاب قريش وغطفان وباقي الأحزاب، وأشار عليهم أن يأخذوا رهنًا من أشراف قريش يكونوا بأيديهم، فقالوا له لقد أشرت بالرأي، ثم ذهابه لقريش وأخبرهم أن يهود بني قريظة قد ندموا على نقض العهد، وأنهم قد عرضوا على محمَّد ﷺ إن كان يُرضيه أن يأخذوا له رجالًا من أشراف قريش وغطفان حتى يضرب رقابهم. وحذرهم من أن يسلِّموا رجلًا منهم رهينة عند يهود، ثم أتى غطفان وحذّرهم كما حذر قريشًا. وكيف أن ذلك كان سببًا لاختلاف الأحزاب وتفرقهم (١). قال الشيخ الألباني في تخريجه لأحاديث (فقه السيرة): "ذكر هذه القصة ابن إسحاق بدون إسناد وعنه ابن هشام (٢/ ١٩٣ - ١٩٤) لكن قوله ﷺ : "الحرب خدعة "صحيح متواتر عنه ﷺ رواه الشيخان من حديث جابر وأبي هريرة وغيرهما (٢) ". وقال الدكتور العمري: "هذه الروايات لا تثبت من الناحية الحديثة ولكنها اشتهرت في كتب السيرة (٣) ".ا. هـ. أما الذي صرف الأحزاب فقد أوضحه الحق ﵎ بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (٤) فالذي صرفهم

стр. 170

كما في هذه الآية أمران: الريح والجنود التي لم تُرَ. أما الريح فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: نُصرت بالصَّبا، وأُهلكت عاد بالدبور (٥) "، قال الحافظ في (الفتح): "وروى أحمد من حديث أبي سعيد قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقوله، قد بلغت القلوب الحناجر، قال: نعم، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا. قال: فضرب الله وجوه أعدائنا بالريح، فهزمهم الله بالريح". ثم قال: "وعُرف بهذا وجه إيراد المصنف هذا الحديث هنا، وأن الله نصر نبيه في غزوة الخندق بالريح (٦) " ا. هـ والحديث الذي أورده الحافظ فيه ضعف لأن في سنده رُبَيْح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد وهو ضعيف. وقد صحَّح الشيخ الألباني الدعاء دون القصة. (٧) وأما الجنود التي لم تُرَ، فهي الملائكة كما ذكر المفسرون، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في نصر المؤمنين في ثلاثة مواضع، موضعان منها في سورة التوبة، أحدهما عن غزوة حنين: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ والآخر عند الهجرة: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ... ﴾ والثالث في سورة الأحزاب، وقد سبق. وقد فُسِّرت الجنود بالملائكة في هذه المواضع الثلاثة، وقد مضى في قصة نسيج العنكبوت على فم الغار الحديث عن الآية الثانية: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ... ﴾

стр. 171

تنبيه: قال الحافظ في (الفتح): "قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة ﵂: أن نعيمًا كان رجلًا نمومًا، وأن النبي ﷺ قال له: إن اليهود بعثت إليّ إن كان يرضيك أن نأخذ من قريش وغطفان رهنًا ندفعهم إليك فتقتلهم فعلنا. فرجع نعيم مسرعًا إلى قومه فأخبرهم، فقالوا: والله ما كذب محمَّد عليهم، وإنهم لأهل غدر، وكذلك قال لقريش، فكان ذلك سبب خذلانهم ورحيلهم (٨) ". لكني لم أقف على هذه الرواية لا سندًا ولا متنًا في سيرة ابن إسحاق المطبوعة مع شرحها للسهلي (الروض الأنف)، ولا في سيرة ابن إسحاق بتحقيق محمَّد حميد الله. وقد رواها البيهقي في (الدلائل) من طريق أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بُكيرعن يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة قالت: "كان نعيم رجلًا نمومًا، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: إن يهود قد بعثتْ إليّ إن كان يرضيك عنّا أن تأخذ رجالًا رهنًا من قريش وغطفان، من أشرافهم، فندفعهم إليك فتقتلهم، فخرج من عند رسول الله ﷺ فأتاهم فأخبرهم ذلك، فلما ولى نعيم قال رسول الله ﷺ : إنما الحرب خدعة (٩) ". وأحمد بن عبد الجبار العُطَاردي قال عنه الحافظ: "ضعيف وسماعه للسيرة صحيح (١٠) " والقصة ذكرها ابن كثير في (البداية والنهاية) (١١) عن البيهقي باختلاف يسير. وهذه الرواية تجعل تفريق شمل الأحزاب بالتخذيل بينهم من تدبير الرسول ﷺ بعد تدبير الله - وأن نعيمًا ما هو إلا ناقل للخبر.

стр. 172

فائدة: قال محمَّد الغزالي ﵀ "ومسلك بني إسرائيل بإزاء المعاهدات التي أمضوها قديما وحديثًا يجعلنا نجزم بأن القوم لا يدعون خستهم أبدا، وأنهم يرعون المواثيق ما بقيت هذه المواثيق متمشية مّع أطماعهم ومكاسبهم وشهواتهم، فإذا وقفت تطلعهم الحرام نبذوها نبذ النواة. ولو تركت الحمير نهيقها، والافاعي لدغها، ترك اليهود نقضهم للعهود. وقد نبه القرآن الكريم إلى هذه الخصلة الشنعاء في بني إسرائيل، وأشار إلى أنها أحالته حيوانًا لا أناسي، فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ (الانفال: ٥٥ - ٥٦) (فقه السيرة، ص:٣٠٣).

стр. 173

قصة الزبَّير (*) بن باطا يوم قريظة قال ابن إسحاق في آخر حديثه عن بني قريظة: "وقد كان ثابت بن قيس بن الشمّاس، كما ذكر لي ابن شهاب الزهري أتى الزَّبير بن باطا القُرظي، وكان يُكني أبا عبد الرحمن، وكان الزبير قد منَّ على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية، ذكر لي بعض ولد الزَّبير أنه كان منَّ عليه يوم بُعاث، أخذه فجزَّ ناصيته، ثم خلَّى سبيله، فجاءه ثابت وهو شيخ كبير فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفني؟ قال: وهل يجهل مثلي مثلك، قال. إني قد أردت أن أجزيّك بيدك عندي ... " ثم ذكر أن ثابتًا استوهب رسول الله ﷺ دمه، فأجابه ثم طلب الزبير بن ثابت أن يستوهب أهله وولده، ثم ماله، وإجابة الرسول ﷺ ذلك. ثم سؤال الزبير عن بعض زعماء يهود، وإخباره أنهم قُتلوا، فقال: "فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك، إلاَ ألحقتني بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير ... فقدَّمه ثابت فضرب عنقه (١) ". وعن ابن إِسحاق أخرجه البيهقي في (الدلائل) (٢)، ومرسل الزهري لا يفرح به. وأخرجه في (السنن الكبرى (٣)) من مرسل عروة، وفي سنده ابن لهيعة. وعزاه الهيثمي إِلى الطبراني في (الأوسط) وقال: "فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف (٤) ". وما ذكره بعض المعاصرين (٥) من الاستدلال لهذه القصة بأنّ ابن عبد البر ذكر أنّ لعبد الرحمن بن الزَّبير بن باطا صُحبة، ولذا ترجم له في (الاستيعاب)

стр. 174

لا وجه له، فصُحبة عبد الرحمن بن الزَّبيرلا شكَّ فيها، وقصته مع امرأة رفاعة القُرظي التي تزوجها عبد الرحمن بعد طلاقها منه مشهورة، أخرجها البخاري ومسلم (٦). ومن الثابت أن من لم يُنبت من بني قريظة لم يُقْتل (٧)، فدخل نفر منهم في الإِسلام، منهم: كعب القُرظي، وكثير بن السائب، وعطية القرظي وعبد الرحمن بن الزَّبير، وغيرهم. وسؤال الزَّبير أن يُلحقه ثابت بمن قُتل من زعماء يهود، يخالف ما عرف عنهم من حُبِّ الدنيا، وكراهية الموت، واسمع قول الله تعالى عنهم ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦]. وما أجمل ما قاله صاحب (الظلال) ﵀ عند كلامه على هذه الآية " ... آيةُ حياة، لا يهم أن تكون حياة كريمة، ولا حياة مميزة على الإطلاق حياة فقط حياة بهذا التنكير والتحقير! حياة ديدان أو حشرات! حياة والسلام، إنها يهود في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء، وما ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة، فإذا وجدت المطرقة نكست الرؤوس، وعنت الجباء جبنًا وحرصا على الحياة .. أي حياة! (٨) ".

стр. 175

سبب بيعة الرضوان في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة خرج رسول الله ﷺ في بضع عشرة مئة من أصحابه إلى مكة لأداء العمرة، معهم الهدْي، فلما علمت قريش بذلك عزمت على منعهم من الدخول، ونزل المسلمون بالحديبية، وبدأت المفاوضات بين الطرفين، وأرسلت قريش أكثر من رسول لثني الرسول ﷺ عن عزمه، وبعث رسول الله ﷺ إلى قريش عثمان بن عفان ليبين لهم أن المسلمين ما جاؤا لقتال، وإنما جاؤا لأداء العمرة فحسب. وأثناء وجود المسلمين بالحديبية دعا الرسول ﷺ أصحابه للبيعة، فبايعوه تحت شجرة كانت هناك، وأنزل الله فيهم ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وشهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة بقوله: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة (*) أحد، الذين بايعوا تحتها (١) " والحديث بطوله في المفاوضات مع رُسُل قريش في كتب الصحاح والسنن، وكذا في بيعتهم ﵃ للرسول ﷺ ، لكن سبب البيعة

стр. 176

لم يُذكر في الأحاديث الصحيحة وقد اشتهر في كتب السيرة أن سبب البيعة هو إشاعة مقتل عثمان بن عفان ﵁ لمّا تأخرت عودته من مكة. قال ابن إسحاق: "وقد حدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال ... فخرج عثمان إلى مكة ... واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قُتل". قال ابن إسحاق: "فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: "لا نبرحْ حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة (٢) ". وأول الخبر فيه جهالة شيخ ابن إسحاق، فلم يُسَّم وآخره مرسل، وكما سبق قول الإِمام البيهقي ﵀: "محمَّد بن إسحاق إذا لم يذكر اسم من حدَّث عنه لم يُفرح به (٣) ". قال الألباني في تخريجه لفقه السيرة: "ضعيف، أخرجه ابن إسحاق وعنه ابن هشام (٢/ ٢٢٩) عن عبد الله بن أبي بكر مرسلًا (٤) ". وأخرجه أيضًا الإمام أحمد في (المسند) قال ﵀: "حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمَّد بن إسحاق بن يسار عن الزهري محمَّد بن مسلم بن شهاب عن عروة بن الزبيرعن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: " ... فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلّغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، ... فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قُتل، قال محمَّد [ابن إسحاق] فحدثني الزهري أن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي فقالوا: أئت محمدًا فصالحه، ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنّا عامه هذا ... (٥) " وابن إسحاق مدلس وقد عَنْعَن، ثم

стр. 177

صرّح بالتحديث لما أرسلت قريش سهيل بن عمرو، مما يدل على أنه لم يسمع أوله من الزهري. وربما يُقال بتقوي أحد الطريقين بالآخر. وقد ورد سبب أخر للبيعة ذكره البيهقي في (الدلائل) بسنده عن عمرو بن خالد قال: حدثني ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الأسود، قال عروة بن الزبير في نزول النبي ﷺ بالحديبية: " ... ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب عبد العزى ومكرز بن حفص، ليصلحوا عليهم، فكلموا رسول الله ﷺ ودعوه إلى الصلح والموادعة، فلما لان بعضهم لبعض وهم على ذلك لم يستقم لهم ما يدعون إليه من الصلح والموادعة، وقد أمن بعضهم بعضًا، وتزاوروا، فبينما هم كذلك وطوائف من المسلمين في المشركين لا يخاف بعضهم بعضًا ينتظرون الصلح والهدنة، إذا رمى رجل من أحد الفريقين رجلًا من الفريق الآخر، فكانت معاركة وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل واحد من الفريقين من فيهم، فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو، ومن أتاهم من المشركين، وارتهن المشركون عثمان بن عفان ومن كان أتاهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة ... ". وهذا السند فيه علتان: ابن لهيعة، وهو ضعيف، والإرسال، فعروة بن الزبير تابعي لم يدرك القصة، ولم يسندها من هذا الوجه، وإلا فقد روى البخاري في صحيحة من طريق عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قصة الغزوة، والمكاتبة بين الرسول ﷺ وسهيل بن عمرو (٦) كما أن رواية البيهقي ليس فيه إشاعة قتل عثمان، وإنما أن الفريقين ارتهن كل منهما من عنده من الطرف الآخر، لما حصلت المراماة بينهما.

стр. 178

فالخلاصة أنه لم يثبت -والله أعلم- أن سبب البيعة كان إشاعة مقتل عثمان ﵁. أما على أي شيء كانت البيعة، ففي حديث سلمة بن الأكوع لما سئل على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت (٧). وروى مسلم عن جابر قال. بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت (٨). وكذا قال معقل بن يسار .. ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. رواه مسلم (٩). وفي رواية للبخاري لما سئل نافع: على أي شيء بايعهم، على الموت؟، قال: لا، بل بايعهم على الصبر (١٠). قال الحافظ في (الفتح): "لا تنافي بين قولهم بايعوه على الموت وعلى عدم الفرار؛ لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا وليس المراد أن يقع الموت ولا بدّ، وهو الذي أنكره نافع وعدل إلى قوله: "بل بايعهم على الصبر" أي على الثبات وعدم الفرار، سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا. والله أعلم (١١) ". وقال ﵀ في موضع آخر "وحاصل الجمع أن من أطلق أن البيعة كانت على الموت أراد لازمها؛ لأنه إذا بايع على أن لا يفرّ لزم من ذلك أن يثبت، والذي يثبت إما أن يَغلب أو يُؤسر، والذي يُؤسر إما أن ينجو وإما أن يموت، ولما كان الموت لا يؤمن في مثل ذلك أطلقه الراوي، وحاصله أن أحدهما حكى صورة البيعة، والآخر حكى ما تؤول إليه (١٢)

стр. 179

غزوة خيبر تترّس عليّ بباب الحصن في خيبر: قال ابن إسحاق ﵀: "حدثني عبد الله بن الحسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع، مولى رسول الله ﷺ قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب ﵁، حين بعثه رسول الله ﷺ برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود، فطاح تُرسه من يده، فتناول ﵁ بابًا كان عند الحصن فترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفرٍ سبعة معي، أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه (١) ". قال الحافظ الذهبي: "رواه البكّائي عن ابن إسحاق عن أبي رافع منقطعًا (٢) " وأورده تلميذه الحافظ ابن كثير ﵀ في "البداية والنهاية" وقال: "وفي هذا الخبر جهالة وانقطاع ظاهر. ولكن روى الحافظ البيهقي والحاكم من طريق مطلب بن زياد عن ليث بن أبي سُليم عن أبي جعفر الباقر عن جابر أن عليًا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فافتتحوها، وأنه جُرّب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلًا، وفيه ضعف أيضًا (٣). وفي رواية ضعيفة عن جابر: ثم اجتمع عليه سبعون رجلًا وكان جهدهم ان أعادوا الباب (٤) " وعزا الحافظ في الإصابة هذه الروية لعبد الله بن أحمد بن حنبل، وقال: "وفي سنده

стр. 180

حرام بن عثمان، متروك (٥) ". وقال الذهبي في الميزان عن رواية أبي جعفر عن جابر: "هذا منكر" (٦). وتعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: "له شاهد من حديث أبي رافع رواه أحمد في مسنده، ولكن لم يقل أربعون رجلًا (٧) " والإمام أحمد رواه من طريق ابن إسحاق (٨) " وذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد) وقال: "رواه أحمد، وفيه راوٍ ولم يسمِّ (٩) ". وقال الدكتور أكرم العمري: "ووردت عدة روايات تفيد تترّس علي ﵁ بباب عظيم كان عند حصن ناعم، بعد أن أسقط يهودي ترسه من يده، وكلها روايات ضعيفة، واطّراحها لاينفي قوة علي وشجاعته، فيكفيه ما ثبت في ذلك وهو كثير (١٠) " فائدة: قال الإِمام مسلم ﵀ في صحيحه: "وُلد حكيم بن حزام في جوف الكعبة، وعاش مئة وعشرين سنة" (حديث رقم ١٥٣٢). وقال الإِمام النووي ﵀: ولد حكيم (بن حزام) ﵁ في جوف الكعبة ولا يُعرف أحد ولد فيها غيره، وأما ما روي أن علي بن أبي طالب ﵁ وُلد فيها فضعيف عند العلماء (تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٦٦). وأخرى: مناقب أمير المؤمنين علي ﵁ كثيره في الصحيحين وغيرهما، منها: قوله ﵁: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي ﷺ إليّ: أن لا يحبّني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق" (أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب
следующие страницы →