مؤامرة دار الندوة
قال ابن إسحاق-﵀: "ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم ... فحذروا خروج رسول الله ﷺ إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة ... يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ حين خافوه".
ثم قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر وغيره ممن لا أتهم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: لما أجمعوا لذلك واتّعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها ... فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل .. (١) "الخ.
وعلة هذا السند جهالة شيخ ابن إسحاق وقد سبق قول البيهقي (٢): ابن إسحاق إذا لم يُسمِّ من حدثه فلا يُفرح به. وقد أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق فقال: "حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمَّد بن إسحاق، قال حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ... (٣) ".
وفي سند الطبري سقطت الواسطة بين ابن إسحاق وابن أبي نجيح وصرَّح ابن إسحاق فيه بالتحديث عنه، لكن في هذا الإسناد علّة هي: أن شيخ الطبري هو: محمَّد بن حُميد بن حيان الرازي، قال الحافظ في التقريب: (حافظ ضعيف) (٤) وكذّبه أبو زرعة والنسائي وابن وارة. وقال صالح بن محمَّد الأسدي: ما رأيت أحدًا أحذق بالكذب منه ومن الشاذكوني (٥)، وذكره
стр. 72
الذهبي في (الضعفاء والمتروكين) (٦) وفي (الكاشف) وقال: "وثقه جماعة والأولى تركه (٧) ".
ومحمد بن حُميد هذا هو المتهم -والله أعلم- بتسوية إسناد ابن إسحاق عند الطبري.
وفي السند علة أخرى لكنها دون الأولى، وهي أن عبد الله بن أبي نجيح-وهو ثقة رمي بالقدر- ربما دلس، وقد عنعن هنا، قال يحيى بن سعيد وابن المديني: لم يسمع ابن أبي نجيح التفسير من مجاهد (٨)، وقال ابن حبان: رواه عن مجاهد من غير سماع (٩).
وأخرجه ابن سعد (١٠) من طريق الواقدي، وقد تقدم مرارًا أنه متروك على سعة علمه، وأخرجه عبد الرازق عن قتادة مرسلًا (١١).
وهذه القصة لم أرَ -حسب علمي- من صحّح أسانيدها من أهل العلم، على أنها مشهورة في كتب السيرة، لكن الشهرة لا تغني عن صحة الإسناد. ومال الدكتور سليمان السعود إلى تقوية القصة بأمور ثلاثة:
١ - أن لها أصلًا في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ (*) [الأنفال: ٣٠] وبهذه القصة فسرها الطبري.
٢ - أنها وردت من عدة طرق يشد بعضها بعضًا.
стр. 73
٣ - شهرة هذه القصة واستفاضتها عند أئمة السير (١٢) ا. هـ.
وقال الشيخ محمَّد الصادق عرجون ﵀ عن هذه القصة ومشاركة إبليس إنه ضرب من الخيال المجنون: "لأنه لم يثبت فيه خبر صحيح عن رسول الله ﷺ وكان ما جاء فيه رواية مرسلة عن ابن عباس لم يثبت لها سند يمكن التشبث به والاعتماد عليه .. (١٣) ".
وتعقبه الدكتور مهدي رزق الله بقوله: "قلت: جاءت القصة بطريق صحيح عن [عند] ابن إسحاق والطبري إضافة إلى أن ابن إسحاق والزهري والواقدي وابن سعد والأموي من أئمة المغازي والسير، واتفقوا على ذكر القصة مما يدل أن لها أصلًا، خاصة حديثهم -إذا استثنينا قصة النجدي- ورد مضمونه في أحاديث صحيحة، مثل الأحاديث التي وردت في تفسيير الآية: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ﴾ (١٤) ".
وهذا التعقب يحتاج إلى تعقب، فالقول بأن هذه القصة جاءت من طريق صحيح، غير صحيح وقد سبق أن الرواية لهذه القصة إما من طريق الواقدي وهو متروك، أو من طريق ابن إسحاق وفيه جهالة شيخه، وما ذكر من أن ابن إسحاق قد صرح بالسماع في رواية الطبري لا يفيد لأن شيخ الطبري كما سبق كذّبه العلماء وهو -والله أعلم- المتّهم بتسوية السند، وكل ذلك قد مرّ قريبًا.
стр. 74
وروى ابن إسحاق قصة في حصار بيته ﷺ للفتك به، فقال: "فحدثني يزيد بن زياد عن محمَّد بن كعب القُرظي قال: لما اجتمعوا له، وفيهم أبو جهل بن هشام، فقال وهم على بابه: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بُعثتم من بعد موتكم فجُعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جُعلت لكم نار تحرقون فيها.
قال: وخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال أنا أقول ذلك، أنت أحدهم. وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ .... ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ حتى فرغ رسول الله ﷺ من هؤلاء الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا قد وضع على رأسه ترابًا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممّن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا: محمدًا، قال: خيبكم الله: قد والله خرج عليكم محمَّد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا قد وضع على رأسه ترابًا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون، فيرون عليًا على الفراش متسجيًا ببُرد رسول الله ﷺ فيقولون: والله إن هذا لمحمدًا نائمًا عليه بُرده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي ﵁ عن الفراش فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا (١٥) ".
وهذا إسناد مرسل، وقد أشار إلى ضعفها الدكتور أكرم العمري (١٦)، والدكتور سليمان السعود (١٧)،ولهذا لم يعرِّج أكثر أئمة التفسير إلى ذكر هذه
стр. 75
الأحاديث عند تفسيرهم للآيات السابقة من سورة يّس، مع عنايتهم بذكر سبب النزول، كالطبري والقرطبي وابن الجوزي والزمخشري، وأوردها ابن كثير نقلًا عن ابن إسحاق، بل ذكر أكثرهم سببًا آخر للنزول لم يثبت هو الآخر.
واعلم أن في قصة الهجرة تساؤلات كثيرة، ففي صحيح البخاري في حديث الهجرة عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ جاء إلى بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، وهي ساعة لم يكن يأتيه فيها، وأخبره بأنه قد أُذن له في الخروج، قالت: فجهزناهما أحثَّ الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب ... ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغارٍ في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال (١٨) ". فمتى حاصر المشركون بيته؟ -على القول بصحة القصة- هل كان قبل ذهابه إلى بيت أبى بكر؟ فأين قضى ﷺ هذا الوقت الذي استغرق ليلة ونصف نهار قبل أن يذهب إلى بيت صاحبه الصديق ﵁؟ أو كان بعد عودته من بيت أبي بكر وإخباره له بالهجرة؟ وهذا لا يستقيم مع رواية البخاري، فإن ظاهرها أن التوجه إلى الغار كان من بيت أبي بكر.
ومن هذه التساؤلات: متى تم استئجار ابن أريقط؟ ومنها: - على القول بصحة الحصار -أين كان بنو هاشم عن هذه المؤامرة؟ ولماذا سكتوا عنها؟ ولم يُسمع لهم فيها بأدنى ذكر؟ صحيح أن أبا طالب قد مات، لكن ذلك لا يعني عدم وجود آخرين من بني هاشم تأخذهم الحمية والأنفة لابن أخيهم، وعلى رأس الهاشميين العباس بن عبد المطلب وهو الذي قد رافق -وكان لا يزال مشركًا- رسول الله ﷺ في لقائه بالآنصار في بيعة العقبة الثانية، بل وبدأ بالحديث حينها، وبيّن للحاضرين أن ابن أخيه في عزّ ومنعة من قومه، لكنه أبى إلا الانحياز إليهم، ثم تثبّت منهم إن كانوا صادقين في بيعتهم. ثم كيف علمت قريش بموعد هجرته ﷺ حتى تقوم بمثل هذه الأمور؟ إلى غير ذلك من
стр. 76
الإشكالات وقد أشار الشيخ محمَّد عرجون ﵀ إلى كثير من هذه التساؤلات (١٩).
فائدة: أخرج البيهقي في سننه (٦/ ٢٨٩) من طريق ابن إسحاق: "وأقام علي
بن أبي طالب ﵁ ثلاث ليالٍ وأيامها -يعني بعد هجرة رسول الله ﷺ وصاحبه-
حتى أدى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها
لحق رسولَ الله ﷺ " قال ابن حجر: رواه ابن إسحاق بسند قوي (التلخيص
٣/ ١١٢) وحسنه الألباني (إرواء الغليل ٥/ ٣٨٤ رقم ١٥٤٦).
стр. 77
هل كانت أسماء تأتي بالطعام إلى الغار ؟
ومما اشتهر في السيرة أن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ كانت تأتي بالطعام لرسول الله ﷺ وأبيها عندما كانا في الغار. قال ابن إسحاق: "وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما (١) "لكن رواية البخاري بيّنت أن أسماء ﵂ صنعت لها الطعام في بيت أبي بكر وقبل الخروج للغار، قالت ﵂: "صنعتُ سفرة رسول الله ﷺ في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة. قالت: فلم تجد لسفرته ولا لسقائه ما نربطهما به، فقلت لأبي بكر: والله ما أجد شيئًا أربط به إلا نطاقي، قال: فشقيه باثنين فاربطيه: بواحد السقاء وبالآخر السفرة، ففعلت. فلذلك سميت ذايت النطاقين (٢) " وبوّب له الإِمام البخاري بقوله: "باب حمل الزاد في الُغزو".
وفي روايتها لحديث الهجرة قالت عائشة ﵂: "فجهزناهما أحثّ الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سُميت ذات النطاقين. قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغارٍ في جبل ثور .. (٣) ".
أما طعامهما (رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ في غار ثور في الأيام الثلاثة التي مكثاها في الُغار، فالظاهر أنه من تلك السفرة التي أُعدت في بيت أبي بكر ﵁ وما كان يأتيهما به عامر بن فهيرة ﵁، ففي رواية البخاري الآنفة الذكر: .. "ويرعى عليهما عامر بن فُهيرة مولى أبى بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رِسل -وهو لبن مِنْحتهما
стр. 78
ورضيفهما - حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث .. (٤) "
قال الحافظ في الشرح: "قوله: (في رِسْل) .. اللبن الطري. قوله (ورضيفهما) بوزن رغيف أي اللبن المرضوف أي التي [الذي] وضعت فيه الحجارة المحمّاة بالشمس أو النار لينعقد وتزول رخاوته (٥) ".
стр. 79
قصة نسيج العنكبوت والحمامتين في الغار
روى الإِمام أحمد ﵁ في مسنده قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا مَعْمَر قال: وأخبرني عثمان الجزري أن مِقْسمًا مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: من الآية ٣٠] قال: "تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي ﷺ وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه على ذلك. فبات عليٌّ على فراش النبي ﷺ تلك الليلة .. فلما رأوا عليًا ردّ الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا في الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن نسيج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال" (١).
قال ابن كثير ﵀: "وهذا إسناد حسن وهو من أجود ما روي في قصة نسج العنكبوت على فم الغار (٢) ". لكنه ﵀ قال في (الفصول): "ويقال - والله أعلم- إن العنكبوت سدّت على باب الغار، وان حمامتين عششتا على بابه ... (٣) ". فلم يحسنّها هنا، بل يفهم من كلامه خلاف ذلك.
وحسّنها الحافظ ابن حجر في (الفتح (٤)) على أنه قال عن عثمان الجزري: "فيه ضعف (٥) ". وفي (التهذيب) أن أبا حاتم قال عنه: يُكتب حديثه ولايحتج به. وقال العقيلي: لا يتابع في حديثه (٦).
стр. 80
ولذا ضعّف الحديث الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على المسند فقال: "في إسناده نظر، من أجل عثمان الجزري (٧) ". وقال الشيخ الألباني ﵀ بعد أن ضعّف الحديث: "ثم إن الآية المتقدمة: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ فيها ما يؤكد ضعف الحديث؛ لأنها صريحة بأن النصر والتأييد إنما كان بجنود لا تُرى، والحديث يُثبت أن نصره ﷺ كان بالعنكبوت، وهو مما يُرى، فتأمّل. والأشبه بالآية أن الجنود فيها إنما هم الملائكة، وليس العنكبوت ولا الحمامتين، ولذلك قال البغوي في تفسيره (٤/ ١٤٧) للآية: (وهم الملائكة نزلوا يصرفون وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته) ا. هـ كلام الشيخ الألباني (٨).
وقال في موضع آخر: "واعلم أنه لا يصح حديث في عنكبوت الغار والحمامتين (٩) ".
فتحسين الحافظيْن ابن كثير وابن حجر إنما هو لنسيج العنكبوت فقط. أما بيض حمامتين على الغار فلم أر -حسب علمي- من صحّحه. والله أعلم.
وقد أورده الهيثمي في (المجمع) بلفظ: "أن النبي ﷺ لما كان ليلة بات في الغار أمر الله ﵎ شجرة فنبتت في وجه الغار .. وأمر .. العنكبوت فنسجت على وجه الغار، وأمر .. حمامتين وحشيتين فوقعتا بفم الغار، وأتى المشركون من كل فجّ .. وتقدم رجل منهم فنظر فرأى الحمامتين فرجع فقال لأصحابه: ليس في الغار شيء، رأيتُ حمامتين على فم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد، فسمع النبي ﷺ قوله فعلم أن الله ﵎ قد درأ بهما عنه، فسمّت (دعا بالخير والبركة) عليهما وفرض جزاءهما، واتخذ في حرم الله ﵎
стр. 81
فرخين أحسبه قال: فأصل كل حمام في الحرم من فراخهما". ثم قال اليهثمي: "رواه البزار والطبراني وفيه جماعة لم أعرفهم (١٠) ".
وأخرجه أيضًا أبو القاسم الأصبهاني في (دلائل النبوة) من طريق عبد الرزاق، كسند الإِمام أحمد، قال: محقق الدلائل، مساعد الحميد: "في إسناده ضعف". وأعله -كمن قبله- بعثمان الجزري، ثم قال: "ثم إن في الإسناد علة أخرى لا تقل أهمية عما سبق، فقد أخرج الحديث عبد الرزاق في (المصنف) (٥: ٣٨٩) وفي التفسير (ل٩٥) عن مَعْمَر به، دون ذكر ابن عباس، وينبغي أن يكون هذا هو المحفوظ عن عبد الرزاق إذ هو ثابت بهذا الأداء في مؤلفاته (١١).
قال أبو تراب الظاهري-﵀: "وقد ورد أن حمامتين وحشيتين عششتا على بابه، وأن شجرة نبتت، وكل ذلك فيه غرابة ونكارة من حيث الرواية .. وفي رواية فيها غرابة ونكارة أن الحمامتين أفرختا، وأن حَمَام الحرم المكي من نسل تينك الحمامتين، وكل ذلك بأسانيد واهية (١٢) ".
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ معلقًا على قول أبي بكر ﵁: (لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا): "وفيه دليل على أن قصة نسج العنكبوت غير صحيحة، فما يوجد في بعض التواريخ أن العنكبوت نسجت على باب الغار، وانه نبت فيه شجرة، وأنه كان على غصنها حمامة .. كل هذا لا صحة له؛ لأن الذي منع المشركين من رؤية النبي ﷺ وصاحبه أبي بكر ﵁ ليست أمورًا حسية تكون لهما ولغيرهما بل هي أمور معنوية وآية من آيات الله " (١٣).
стр. 82
وقال ﵀ في موضع آخر: "ما كان عشٌّ كما يقولون، ولا حمامة وقعت على الغار، ولا شجرة نبتت على فم الغار، ما كان إلا عناية الله ؛ لأن الله معهما (١٤) ".
فائدة: أورد الشيخ الألباني ﵀ في السلسلة الضعيفة (٣/ ٣٣٧) حديثًا عزاه إلى مسند الفردوس للديلمي وهو: "جزى الله العنكبوت عنا خيرًا فإنها نسجت علي وعليك يا أبا بكر في الغار، حتى لم يرنا المشركون، ولم يصلوا إلينا"، وقال ﵀ عن الحديث: منكر، ثم ختم كلامه بقوله: "واعلم أنه لا يصح حديث في عنكبوت الغار والحمامتين على كثرة ما يُذكر ذلك في بعض الكتب والمحاضرات .. ".
وأخرى: أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ٤) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إليّ فأسكني أحب البلاد إليك" فأسكنه الله المدينة. ثم قال الحاكم: "هذا حديث رواته مدنيّون من بيت أبي سعيد المقبري". وتعقبه الذهبي بقوله: "لكنه موضوع، فقد ثيت أن أحب البلاد إلى الله مكة" ا. هـ.
وسئل شيخ الإِسلام ﵀ عن هذا الحديث فقال: "هذا حديث باطل كذب". (الفتاوى ١٨/ ١٢٤) وقال في (١٨/ ٣٧٨): "هذا باطل، بل ثبت في الترمذي وغيره أنه قال لمكة: "والله إنكِ لأحبّ بلاد الله إلى الله" وقال: "إنك لأحبّ البلاد إليّ" فأخبر أنها أحبّ البلاد إلى الله وإليه. وقال ﵀ في (٢٧/ ٣٦): "فهذا حديث موضوع كذب لم يروه أحد من أهل العلم" أ. هـ.
ومن إنصاف الإِمام الكبير أبي عمر بن عبد البر ﵀ قوله: "واني لأعجب ممن يترك قول رسول الله ﷺ إذ وقف بمكة على الحَزْورة وقيل على الحجون وقال: "والله إني أعلم أنك خير أرض الله .. " وهذا حديث صحيح .. فكيف يُترك مثل
стр. 83
هذا النص الثابت ويُمال إلى تأويل لا يُجامع متأوله عليه؟ " (التمهيد ٢/ ٢٨٨)
وابن عبد البر ﵀ مالكي، والمشهور عن المالكية تفضيل المدينة على مكة.
стр. 84
وعد سراقة بن مالك بسواري كسرى
ومما اشتهر في السيرة أنه ﷺ لما هاجر وصاحبه الصديق ﵁ ولحق بهما سراقة بن مالك أنه ﷺ قال لسراقة: "كيف بك إذا لبستَ سواريْ كسرى"؟ وقد ذكر ذلك الحافظان ابن عبد البر وابن حجر -رحمهما الله- في ترجمتهما لسراقة ﵁ فقالا: "روى سفيان بن عيينة عن أبي موسى عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال لسراقة: .. وذكره: "قال فلما أُتي عمر ﵁ بسواري كسرى ومنطقه وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما، ... وقال له: ارفع يدك، فقال: الله أكبر والحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة الأعرابي".
وهذا مرسل الحسن بن أبي الحسن البصري الإِمام المشهورة وهو على جلالته وعلمه وفضله إلا أن مراسيله ليست بحجة، وهو قول محمَّد بن سيرين وابن سعد والإمام أحمد، وخالفهم الإمامان أبو زرعة الرازي ويحي القطان (١) ".
قال العلائي ﵀ في (جامع التحصيل): "والظاهر أن قول الأكثر أولى بالاعتماد، وقال أحمد بن حنبل: ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح فإنهما كانا يأخذان من كل ضرب (٢) ".
وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة من طريق علي بن زيد -وهو ضعيف- عن الحسن، وليس فيه: "كيف بك إذا لبست سواري كسرى (٣) ".
أما أصل القصة وهي لحاق سراقة بالرسول ﷺ والصديق فهي ثابتة رواها البخاري، ومسلم (٤).
وفيها من آيات حماية الله لرسوله ﷺ ، ولصاحبه الصديق ﵁، ووقوع الإِسلام في قلب سراقة: " ... ووقع في نفسي حين لقيتُ ما لقيت من الحبس عنهم أن
стр. 85
سيظهر أمر رسول الله ﷺ ... فسألته أن يكتب لي كتاب أمنٍ، فأمر عامر بن
فُهيرة فكتب في رقعة من أدم" (البخاري ٣٩٠٦).
стр. 86
طلع البدر علينا
وهذا النشيد من أشهر مايتعلق بالهجرة النبوية المباركة.
فقد أخرج البيهقي في (الدلائل) بسنده عن ابن عائشة قال: لما قدم ﵇ المدينة جعل النساء والصبيان يقلن: (١)
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
ورواه في موضع آخر من (الدلائل) في باب: تلقي الناس رسول الله ﷺ حيث قدم من غزوة تبوك، ثم قال: قلت: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينه من مكة، وقد ذكرناه عنده، لا أنه لما قدم المدينة من ثنية الوداع عند مقدمه من تبوك، والله أعلم، فذكرناه أيضًا ها هنا (٢) ".
وأعلّه الحافظ العراقي بكونه معضلًا (٣)؛ لأن راوي القصة عبيد الله بن عائشة (وهو من شيوخ الإِمام أحمد) مات سنة ٢٢٨ هـ. فبينه وبين القصة مفاوز.
قال الحافظ ابن حجر ﵁ في (الفتح): "وأخرج أبو سعيد في (شرف المصطفى) ورويناه في (فوائد الخلعي) من طريق عبيد الله بن عائشة منقطعًا: لما دخل النبي ﷺ المدينة جعل الولائد يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنية الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
وهو سند معضل، ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك (٤) ".
стр. 87
وقد أخرج البخاري ﵀ في صحيحه قال: حدثنا عبد الله بن محمَّد قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن السائب بن يزيد: "أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى النبي ﷺ إلى الثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك (٥) ". قال الحافظ ابن حجر: "فأنكر الداودي هذا وتبعه ابن القيم وقال: ثنية الوداع من جهة مكة لا من جهة تبوك، بل هي مقابلها كالمشرق والمغرب، قال: إلا أن يكون هناك ثنية أخرى في تلك الجهة، والثنية ما ارتفع من الأرض. وقيل: الطريق في الجبل. قلت: لا يمنع كونها جهة الحجاز أن يكون خروج المسافر إلى الشام من جهتها، وهذا واضع كما في دخول مكة من ثنية والخروج منها من أخرى، وينتهي كلاهما إلى طريق واحدة. وقد روينا بسند منقطع في (الحلبيات (*)) قول النسوة لما قدم النبي ﷺ المدينة: "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع " فقيل: كان ذلك عند قدومه في الهجرة، وقيل: عند قدومه من غزوه تبوك (٦) "
كذا نسب الحافظ ابن حجر إلى ابن القيم أنه قال: ثنية الوداع من جهة مكة لا من جهة تبوك: وكلام ابن القيم مخالف لذلك تمامًا، فقد قال ﵀: "فلما دنا رسول الله ﷺ من المدينة، خرج الناس تلقيه، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
стр. 88
وبعض الرواة يهم في هذا ويقول: إنما كان ذلك عند مقدمه إلى المدينة من مكة، وهو وهم ظاهر، لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لايراها القادم من مكة إلى المدينة، ولايمر بها إلا إذا توجّه للشام .. (٧) ".
وجاء سبب تسمية ثنية الوداع بذلك وأنها من جهة تبوك في حادثة أخرى، في تحريم نكاح المتعة. قال الحافظ ابن حجر: "وأخرجه الحازمي من حديث جابر، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك، حتى إذا كناّ عند العقبة مما يلي الشام جاءت نسوة كناّ تمتعنا بهن يطفن برحالنا، فجاء رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، فغضب وقام خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، ونهى عن المتعة، فتوادعنا يومئذ فسميت ثنية الوداع (٨) ". والحديث "لا يصح فإنه من طريق عباد بن كثير، وهو متروك (٩) ".
قال الشيخ الألباني-﵀: "على أن القصة برمّتها غير ثابتة (١٠) ".
ومما يدل على ضعف هذه القصة: أن الروايات الصحيحة في دخوله ﷺ طيبة عند هجرته إليها لم تذكر ولو إشارة ما يستشهد به لذلك، بل نقلت تلك الروايات ما قاله أهل المدينة عند وصوله إليها، فقد روى البخاري ﵀ في صحيحه في (باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة) حديث أنس بن مالك ﵁، وفيه: "فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله ﷺ فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله .. (١١) " وفي حديث البراء بن عازب ﵁: " .. ثم قدم النبي ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم (١٢) برسول الله ﷺ ، حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله ﷺ " وفي رواية: "فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرّق
стр. 89
الغلمان والخدم في الطُرق ينادون: يا محمد، يا رسول الله. يا محمد، يا رسول الله (١٣) ".
فائدة: نقل الصالحي رحمه الله تعالى عن المقريزي أنّ هذا النشيد قيل لما رجع النبي ﷺ من غزوة بدر. فهذا قول ثالث، وسبق أن النشيد لا يصح.
وأخرى: رغم عناية ابن إسحاق ﵀ بالسيرة، وتتبعه لأحداثها، فإنه لم يورد هذا النشيد في سيرته.
стр. 90
ميثاق المدينة (المعاهدة مع اليهود)
وهي من أشهر الحوادث التي يذكرها المؤرخون في السنة الأولى من هجرة الرسول ﷺ . وهل هي وثيقة واحدة تشمل تحالف المسلمين بعضهم مع بعض، ومعاهدتهم مع اليهود، أم هما وثيقتان؟ قال الدكتور أكرم العمري: "الراجح أن الوثيقة في الأصل وثيقتان ثم جمع المؤرخون بينهما، إحداهما تناولت موادعة الرسول ﷺ لليهود، والثانية توضح التزامات المسلمين من مهاجرين وأنصار وحقوقهم وواجباتهم، ويترجح عندي أن وثيقة موادعة اليهود كتبت قبل موقعة بدر الكبرى أما الوثيقة بين المهاجرين والأنصار فكتبت بعد بدر (١) "
وهناك رأي آخر مخالف لذلك يقول: "أما القول بأن الوثيقة في الأصل وثيقتان، ثم جمع المؤرخون بينهما، قول ضعيف يفتقر إلى الدليل والبيان (٢) ".
لكن هل صحّ السند لإثبات هذه الوثيقة؟ إن ذكر ابن إسحاق ﵀ لها، ونقل الآخريّن عنه، وشيوعها بين كُتَّابِ السيرة لا يكفي للحكم بصحتها. وسأنقل - باختصار - الروايات التي ذكرت القصة وأسانيدها وعلة كل طريق منها (٣):
الرواية الأولى: قال ابن إسحاق ﵀: "وكتب رسول الله ﷺ كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وداع فيه يهود، وعاهدهم، وأقرّهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمَّد النبي ﷺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم ... " وساق المعاهدة. قال الشيخ الألباني ﵀: "هذا مما لا يُعرف صحته .. . فَذَكره (ابن إسحاق) هكذا بدون إسناد، فهو معضل، وقد نقله ابن كثير (٣/ ٢٢٤، ٢٢٥)
стр. 91
عن ابن إسحاق ولم يزد عليه في تخريجه شيئًا على خلاف عادته، مما يدل على أنه ليس مشهورًا عند أهل العلم والمعرفة بالسيرة والأسانيد (٤) ".
وقال في تعليقه على (فقه السيرة) عند ذكر المؤلف لها: "روى هذه الوثيقة ابن إسحاق (٢/ ١٦ - ١٨) بدون إسناد (٥) ".
وبالإضافة إلى ابن كثير فقد نقلها ابن سيد الناس بدون إسناد أيضًا (٦).
الرواية الثانية: عند الإمام أحمد ﵀ قال: "حدثنا سُريج حدثنا عبّاد عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار، أن يعقلوا معاقلهم، وأن يَفْدوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين (٧) ". ثم أعقبه ﵀ بطريق آخر فقال: "حدثني سُريج حدثنا عباد عن حجاج عن الحكم عن مِقْسم عن ابن عباس مثله (٨) ". وذكر طريقًا ثالثة فقال: "حدثنا نصر بن باب عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار، على أن يعقلوا معاقلهم .. (٩) " الحديث.
ويُلحظ في روايات الإِمام أحمد أمران: الأول: أنها مختصرة جدًا، وليس فيها ذكر للمعاهدة مع اليهود. الثاني: أن مدارها على حجاج وهو ابن أرطاة وهو مدلّس ولم يصرّح هنا بالتحديث، وقد نقل الإِمام الذهبي ﵀ أقوال العلماء فيه فقال: "قال ابن معين: هو صدوق، ليس بالقوى، يُدلس عن محمد بن عبيد الله
стр. 92
العرزمي عن عمرو بن شعيب، يعني فيسقط العرزمي ... وقال أبو زرعة: صدوق مُدلس، وقال أبو حاتم: صدوق يُدلس عن "الضعفاء" يُكتب حديثه، فإذا قال: حدثنا، فهو صالح، لا يُرتاب في صدقه وحفظه، ولا يحتج بحديثه ... وقال ابن المبارك: كان الحجاج يدلس، فكان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب مما يُحدّثه العرزمي، والعرزمي متروك (١٠) ورواية حجّاج هنا عن عمرو بن شعيب، فلعلها مما دلسه عن العرزمي. وقد وصفه بالتدليس - غير من سبق -: الإِمام أحمد والنسائي وغيرهما.
وقد تعقّب الشيخ الألباني ﵀ البوطي في إيراده لهذا الحديث فقال ﵀: "إسناده ضعيف لا تقوم به حجة؛ لأن حجاجًا هذا هو ابن أرطأة وقد قال فيه الحافظ في (التقريب): "صدوق كثير الخطأ والتدليس" ويبدو أن الشيخ عبد الرحمن البنا (*) قد توهم أنه غيره من الثقات فقال: "وسنده صحيح" (١١) ا. هـ كلام الألباني ﵀.
كما صححه الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على المسند، وهو من تساهله ﵀.
والطريق الثالث للإمام أحمد عن نصر بن باب، وقد تركه غيرواحد.
الرواية الثالثة: عند ابن أبي خيثمة، عزاها إليه ابن سيد الناس، فقال بعد أن
ساق المعاهدة بطولها عن ابن إسحاق: "هكذا ذكره ابن إسحاق، وقد ذكره
ابن أبي خيثمة، فأسنده: حدثنا أحمد بن جناب أبو الوليد، حدثنا عيسى بن
يونس، حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول
الله كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار، فذكره بنحوه (١٢) ".
стр. 93
قال الدكتور العمري-وفقه الله-: "ولكن يبدو أن الوثيقة وردت في القسم المفقود من تاريخ ابن أبي خيثمة إذ لا وجود لها فيما وصل إلينا منه (١٣) ". وفي سند ابن أبي خيثمة كثير بن عبد الله، قال الذهبي: "متروك (١٤) " ورماه بالكذب أبو داود، وقال الشافعي من أركان الكذب "وقال ابن حبان: روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا في الرواية عنه إلا على جهة التعجب (١٥) ".
قال الشيخ الألباني عن إسناد ابن أبي خيثمة: "هذا الإسناد لا قيمة له، كثير بن عبد الله بن عمرو المزني ضعيف جدًا (١٦) ".
الرواية الرابعة: عند أبي عُبيد القاسم بن سلاّم (ت ٢٢٤ هـ) في كتابه (الأموال) وقد ساق لها إسنادين، الأول: حدثني يحي بن عبد الله بن بكير وعبد الله بن صالح قالا: حدثنا الليث بن سعد قال: حدثنا عُقيل بن خالد عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ كتب بهذا الكتاب (١٧) .. " وسرده، فالخبر مرسل عن الزهري، ومرسله ﵀ شرّ من مرسل غيره كما قال يحي بن سعيد القطان، وقد سبق الحديث عن مراسيل الزهري عند خبر ردة عبيد الله بن جحش (١٨).
الإسناد الثاني عند أبي عبيد: "حدثني حجاج عن ابن جريج قال: في كتاب النبي ﷺ والمؤمنين من قريش وأهل يثرب .. " وهذا كسابقه مرسل، وابن جريج
стр. 94
عبد الملك بن عبد العزيز ثقة، لكنه يدلس ويرسل. "روى الميموني عن أحمد، إذا قال ابن جريج: قال فاحذره (١٩) ".
أما الرواي عنه فهو حجاج بن محمَّد الأعور ثقة روى له الجماعة.
الرواية الخامسة: عند أبي عبيد أيضًا في كتابه (غريب الحديث) وذكر لها ثلاثة أسانيد، هي:
الأول: من طريق حفص عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده. وحفص هو ابن غياث القاضي ثقة فقيه، لكن العلة في كثير بن عبد الله، وسبق الحديث عنه.
الثاني: قال أبو عبيد: "حدثني حماد بن عبيد عن جابر عن الشعبي أو أبي جعفر محمَّد بن علي -الشك من أبي عبيد- عن رسول الله ﷺ .. " فذكر رواية مختصرة. وحماد بن عبيد قال عنه الذهبي في الميزان: "حماد بن عبيد أو ابن عبيد الله عن جابر الجُعْفي. قال أبو حاتم: ليس بصحيح الحديث، لا يُعبأ به، قال البخاري: لم يصحّ حديثه (٢٠) ". وجابر الجُعْفي قال عنه في (التقريب): "ضعيف رافضي (٢١) " وقال عنه الذهبي في (الكاشف): "وثّقه شعبة فشذّ وتركه الحفاظ (٢٢) ". والشعبي ومحمد بن علي كلاهما من التابعين، فالخبر مرسل، فضلًا عن ضعف سنده.
الثالث: "حدثنا حجاج عن ابن جريج أن رسول الله ﷺ قال .. " وسيق الكلام على هذا الإسناد.
стр. 95
الرواية السادسة: عند حميد بن زنجوية (ت ٢٤٧ هـ) من طريق عبد الله بن صالح قال: حدثني عُقيل عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ كتب بهذا الكتاب ... وسبق الكلام على هذا السند.
الرواية السابعة: عند البيهقي بإسنادين، الأول: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال حدثنا يونس بن بُكير عن ابن إسحاق قال: حدثني عثمان بن محمَّد بن عثمان بن الأخنس بن شريق قال: "أخذت من آل عمر بن الخطاب ﵁ هذا الكتاب كان مقرونًا بكتاب الصدقة الذي كتب عمر للعمال: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمَّد النبي ﷺ بين المسلمين والمؤمنين من قريش ويثرب ... " وهي مختصرة عما عند ابن إسحاق. ثم أعقبها بالإسناد الثاني فقال: "وأخبرناه أبو عبد الله الحافظ القاضي قال: حدثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب قال: حدثنا محمَّد بن إسحاق الصغاني قال: [[أنبأنا]] معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق هو الفزاري عن كثير بن عبد الله ... (٢٣) " فذكره.
والإسناد الأول ضعيف "لأن عثمان تحملها وجادة (*)، وفي الإسناد رجال فيهم ضعف مثل عثمان فهو صدوق له أوهام، ويونس بن بُكير يخطئ، والعطاردي (أحمد بن عبد الجبار) ضعيف وتحمّله للسيرة صحيح (٢٤) ".
أما الإسناد الثاني: ففيه كثير بن عبد الله، وسبق الكلام عنه.
стр. 96
الرواية الثامنة: عند ابن أبي حاتم. قال ﵀ في مقدمة كتابه "الجرح والتعديل): "حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قراءة، قال: أخبرني أبي عن الأوزاعي أنه كتب إلى عبد الله بن محمَّد أمير المؤمنين (وكتب إليه رسالة طويلة وقال فيها:) وقد حدثني الزهري أنه كان في كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب بين المهاجرين والأنصار أن لا يتركوا مفرحًا أن يعينوه في فداء أو عقل".
والإسناد مرسل، وسبق الكلام عن مراسيل الزهري.
الرواية التاسعة: عند ابن حزم في (المحلى) وساقه بسنده عن الحجاج بن أرطأة عن الحكم (*) عن مِقْسم عن ابن عباس ﵃ قال: "كتب رسول الله ﷺ كتابًا بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم ويفْدوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين الناس" ثم قال ﵀: "فيه حجاج بن أرطأة، وهو ساقط، وفيه مِقسم وهو ضعيف (٢٥) "
مما سبق يتبين أنه لم يثبت لهذه الحادثة المشهورة إسناد صحيح سالم من علة قادحة، ولذا لم يوردها الإِمام الكبير أبو عبد الله الذهبي في كتابه المشهور: (تاريخ الإِسلام) في الجزء الخاص بالمغازي الذي يبدأ من الهجرة النبوية المباركة، وقد قال ﵀ في مقدمة الكتاب: "وأُشير إلى الوقائع الكبار .. (٢٦) "
فلم يُشر إلى هذه الحادثة رغم أهميتها، فكأن ذلك -والله أعلم- لأنها لم تصحّ عنده. وكذا الإِمام النوري ﵀ في: (تهذيب الأسماء واللغات) فلم يُشر إليها في جملة الأمور المشهورة حيث قال عن حوادث السنة الأولى: "فيها بني النبي ﷺ
стр. 97
مسجده، ومساكنه، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وأسلم عبد الله بن سلام، وشُرع الأذان (٢٧) ". ولا ريب أن المعاهدة مع اليهود - لو صحّ سندها - أهم من بعض ما ذكر.
وقد لا يكون الأمر مشكلًا إذا ذُكرت الحادثة بصيغة التضعيف: يُروى، يُذكر، ونحوهما من الصيغ، لكن المشكل إذا بُني على هذه الحادثة - أو غيرها من حوادث السيرة التي لم يثبت - حكم، أو أحكام تشريعية "كما لو كان الأمر متعلقًا بأصل العقيدة أو بأصل ينبني عليه حكم من أحكام الشريعة وهو الصلح مع اليهود (٢٨) " فحينئذ ينبغي التأكد من صحة الخبر أولًا، ثم استخراج الأحكام منه، كما يقال في مثل ذلك: "أثبت العرش ثم انقش" والله أعلم.
وأشار الشيخ سلمان العودة ﵀ إلى هذه الوثيقة وبيّن ضعف أسانيدها ثم قال: "وقد روى أبو داود عن كعب بن مالك، في قصة قتل كعب بن الأشرف، وفيه: فلما قتلوه، فزعت اليهود والمشركون، فغدوا على النبي ﷺ فقالوا: طُرق صاحبنا، فقُتل، فذكر لهم النبي ﷺ إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتب النبي ﷺ بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة" رواه أبو داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة، ... من طريق محمَّد بن يحيى بن فارس عن الحكم بن نافع عن شعيب عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه .. فالحديث بهذا الإسناد صحيح (*) ... ويلحظ في هذه الرواية تأخّر الكتابة عن بداية العهد المدني، وهذا خلاف ما عليه معظم أهل السير والمؤرخين وغيرهم،
стр. 98
وجمع بعضهم بين الروايتين بأن ما في رواية كعب إنما هو تجديد للموثق الأول. والله أعلم (٢٩) " ا. هـ. كلام الشيخ سلمان العودة -حفظه الله -.
стр. 99
عداوته ما بقيت
قال ابن إسحاق: "وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم قال: حُدّثت عن صفية بن حُييّ بن أخطب أنها قالت: كنت أحبَّ ولد أبي إليه، والي عمي أبي ياسر، لم ألقهما قطّ مع ولد لهما إلاّ أخذاني دونه، قالت: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا إليه أبي حُيّي بن أخطب، وعمي أبو ياسر بن أخطب مُغلّسيْن. قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس قالت: فأتيا كالّيْن كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى. قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إليّ واحد منهما، مع ما بهما من الغمّ، قالت: وسمعت عمي أبو ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتُثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال عداوته والله ما بقيت (١) ".
قال الحافظ العراقي: وهو منقطع (٢). أي بين عبد الله بن أبي بكر وصفية.
وحقد اليهود، وحسدهم وعداوتهم، ومعرفتهم أنه رسول الله ﷺ حقًا لا نحتاج إلى مثل هذا الأثر الضعيف، وقد قال الله : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]
стр. 100
فائدة: روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود" قال ابن حجر: "فالمراد عشرة مختصة وإلا فقد آمن به أكثر من عشرة (٣) ".
وأخرى: أخرج الطبراني عن ابن عمر قال: "كان بعيني صفيّة خضرة، فقال لها النبي ﷺ : ماهذه الخضرة بعينك؟ قالت: قلت لزوجي: إني رأيت فيما يرى النائم كأن قمرًا وقع في حجري، فلطمني، وقال: اتريدين مَلِكَ يثرب؟ قالت: وما كان أبغض إليّ من رسول الله ﷺ قَتَلَ أبي وزوجي، فما زال يعتذر إليّ، وقال: ياصفية إن أباك ألّب عليّ العرب، وفعل وفعل، حتى ذهب ذلك من نفسي". قال الهيثمي: "ورجاله (الطبراني) رجال الصحيح (٤) ". وذكره الألباني في (الصحيحة) (٥).
стр. 101
سبب إجلاء يهود بني النضير
المشهور في كتب السيرة أن سبب إجلائهم هو تآمرهم على قتل الرسول ﷺ لما جاءهم يستعينهم في دية القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فَمَنْ رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم .. إلى آخر القصة (١)، وقد روى ذلك ابن إسحاق عن يزيد بن رُومان، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، لكن الحديث مرسل. وأورده الشيخ الألباني ﵀ في (الضعيفة) (٢).
وقد جاء سبب إجلائهم بسند صحيح متصل، قال الحافظ ابن حجر ﵀ وروى ابن مردويه قصة بني النضير بإسناد صحيح إلى مَعْمر عن الزهري: "أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أُبيّ وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النبي ﷺ وأصحابه ويتوعدونهم أن يغزوهم بجميع العرب، فهمّ ابن أُبيّ ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبي ﷺ فقال: "ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن تلقوا بأسكم بينكم" فلما سمعوا ذلك عرفوا الحق فتفرقوا، فلما كانت وقعة بدر كتب كفار قريش بعدها إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون، يتهددونهم، فأجمع بنو النضيرعلى الغدر، فأرسلوا إلى النبي ﷺ : اُخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك، ففعل، فاشتمل اليهود الثلاثة على
стр. 102
الخناجر فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبي ﷺ قبل أن يصل إليهم، فرجع، وصبّحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم عدا على بني قريظة فحاصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا السلاح، فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم فيهدمونها، ويحملون ما يوافقهم من خشبها. وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام" وكذا أخرجه عبد بن حُميد في تفسيره عن عبد الرازق، وفي ذلك رد على ابن التين في زعمه أنه ليس في هذه القصة حديث بإسناد. قلت (ابن حجر): فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أنّ سبب غزوة بني النضير طلبه ﷺ أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جُلّ أهل المغازي، فالله أعلم (٣) " ا. هـ كلام ابن حجر.
وأخرجه أبو داود بنحوه وفيه: "فأرسلوا إلى النبي ﷺ اُخرج إلينا في ثلاثين رجلًا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حَبْرًا حتى نلتقي بمكان المنصف، فيسمعوا منك، فإنْ صدّقوك وآمنوا بك، آمنا بك فقصّ خبرهم (*) فلماّ كان الغد عدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب ... (٤) ".
стр. 103
رؤيا عاتكة
قال ابن إسحاق ﵀: "فحدثني من لا أتّهم عن عكرمة عن ابن عباس، ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، قالا: .. .. وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضَمْضَم مكة بثلاث ليال، رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب، فقالت له: يا أخي، والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني .. (١) ". إلى آخر القصة، وابن إسحاق لم يسمّ شيخه. وقد سبق قول الإِمام البيهقي ﵀: "ابن إسحاق إذا لم يذكر اسم من حدّث عنه لم يُفرح به (٢) ". وقد رواه الحاكم من طريق ابن إسحاق وفيه تسمية من حدثه، وأنه حسين بن عبيد الله بن عبد الله بن العباس. وسكت عنه الحاكم، وقال الذهبي: فيه حسين بن عبد الله ضعيف (٣) ". وعزاه الهيثمي في (المجمع) إلى الطبراني من طريقين:
الأول: فيه عبد العزيز بن عمران وهو متروك. والثاني: مرسل، وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وحديثه حسن (٤) ا. هـ
وقد أشار إلى ضعف القصة الشيخ عبد الله بن حمد اللحيدان في تحقيقه لمختصر مستدرك الذهبي على مستدرك الحاكم لابن الملقن (٥).
стр. 104
في غزوة بدر الكبرى
ومما شاع ولم يثبت في هذه الغزوة العظيمة:
نحن مِنْ ماء:
ما ذكره ابن إسحاق في كلامه عن تتبعه ﷺ أخبار قريش، قال: " .. كما حدثني محمَّد بن يحيى بن حَبّان: حتى وقف رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر ﵁ على شيخ من العرب فسأله عن قريش، وعن محمَّد وأصحابه، وما بلغه عنهم. فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممّن أنتما؟ فقال رسول الله ﷺ إذا أخبرتنا أخبرناك، قال: أذاك بذاك؟ قال: نعم. قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به رسول الله ﷺ ، وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي فيه قريش، فلما فرغ من خبره، قال ممّن انتما؟ فقال رسول الله ﷺ نحن من ماء. ثم انصرف عنه. قال: يقول الشيخ: ما مِنْ ماء، أمِنْ ماء العراق؟
قال ابن هشام: يقال: ذلك الشيخ سفيان الضمري (١) ". وابن إسحاق قد صرّح بالتحديث، وشيخه ابن حَبان (بفتح الحاء) ثقة من رجال الجماعة، لكن العلة هي الانقطاع لأن ابن حبان مات سنة ١٢١هـ وهو ابن أربع وسبعين سنة، فبين مولده والقصة قرابة خمس وأربعين سنة.
стр. 105
هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها
ومنها: قوله ﷺ : "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها" وقد رواها ابن إسحاق قال: "حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير (١) .. " قال الشيخ الألباني-﵀: "وهذا إسناد صحيح ولكنه مرسل (٢) ".
وأصل القصة في صحيح مسلم عن أنس ﵁ أن المسلمين "لما نزلوا بدرًا وردت عليهم روايا قريش وفيهم غلام أسود لبني الحجاج فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه (*) فيقول: مالي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، فإذا قال ذلك ضربوه، فقال: نعم أنا أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوه فقال: مالي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس، فإذا قال هذا أيضًا ضربوه، ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف، قال: والذي نفسي بيده لَتَضْربوه إذًا صدقكم وتتركوه إذا كذبكم. قال: فقال رسول الله ﷺ : هذا مصرع فلان، قال: ويضع يده على الأرض ههنا، وههنا، قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ (٣) ". وفي رواية الإِمام أحمد أن النبي ﷺ سأله "كم القوم؟ " قال: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، فجهد النبي ﷺ أن يخبره كم هم فأبى، ثم إن النبي ﷺ سأله: "كم ينحرون من الجُزُر؟ " فقال: عشرًا كل يوم، فقال النبي ﷺ : "القوم ألف، كل جزور لمائة وتبعها (٤) ".
стр. 106
زاد ابن إسحاق في روايته عن عروة أن رسول الله ﷺ سأله: "فمن فيهم من أشراف قريش؟ " قال: عتبة بن ربيعة ... وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف ... فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: "هذه مكة قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها". وسبق قول الشيخ الألباني عن هذه الزيادة إن إسنادها صحيح، لكنه مرسل.
стр. 107
إبليس في صورة سُراقة
قال ابن إسحاق ﵀: "وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: لما أجمعت قريش المسير ذكرتْ الذي كان بينها وبين بني بكر، فكاد ذلك يثنيهم، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعًا (١) ". وهذا إسناد مرسل.
قال ابن كثير ﵀ بعد أن ذكر كلام ابن إسحاق-﵀: "قلت: هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٧ - ٤٨] (٢).
وذكر المفسرون القصة عند تفسيرهم للآية الآنفة في سورة الأنفال، على أن بعضهم قد أوردها بصيغة التمريض: روي، كالقرطبي (٣) والشوكاني (٤) ﵀ قال ابن سعدي ﵀ بعد أن ذكر قول المفسرين أن إبليس تبدى لقريش في صورة سراقة: "ومن المحتمل أن يكون الشيطان سوّل لهم، ووسوس في صدورهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، وأنه جار لهم، فلما أوردهم مواردهم نكص عنهم، وتبرأ منهم، كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ
стр. 108
اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٦ - ١٧] (٥).
وقال سيد قطب ﵀: "وفي هذا الحادث نص قراني يثبت منه أن الشيطان زين
للمشركين أعمالهم ... ولكننا لا نعلم الكيفية التي زين لهم بها أعمالهم،
والتي قال لهم بها: لا غالب لكم اليوم من الناس واني جار لكم، والتي
نكص بها كذلك وقال ما قاله بعد ذلك (٦) ".
وروى الطبراني في (الكبير) - كما قال الهيثمي - عن رفاعة بن رافع قال:
"لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر، أشفق أن يخلص القتل
إليه، فتشبّث به الحارث بن هشام، وهو يظنه سراقة بن مالك، فوكز في
صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربًا حتى ألقى نفسه في البحر، ورفع يديه
وقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي، وخاف أن يخلص إليه القتل، فأقبل أبو
جهل بن هشام، فقال: يا معشر الناس، لا يهزمنُكم خذلان سراقة إياكم،
فإنه كان على ميعاد مع محمَّد، ولا يهولنكم قتل عتبة وشيبة والوليد، فإنهم
قد عجلوا، فواللات والعزى، لا نرجع حتى نقرنهم بالجبال، ولا ألفين رجلًا
منكم قتل رجلًا منهم، ولكن خذوهم أخذًا حتى نُعَرِّفهم سوء صنيعهم من
مفارقتهم إياكم ورغبتهم عن اللات والعزى .. " ثم قال الهيثمي: "فيه
عبد العزيز بن عمران، وهو ضعيف .. (٧) ". ا. هـ وأكثر الأئمة على أنه
متروك.
стр. 109
مشورة الحُبَاب
قال: ابن إسحاق في حديثة عن غزوة بدر: "ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي ... فخرج رسول الله ﷺ يبادرهم إلى الماء، حتى أدنى ماء من بدر نزل عليه. قال ابن إسحاق: فَحُدِّثتُ عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله، أرأيتَ هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نعورّ (*) ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ : لقد أشرت بالرأي، فنهض رسول الله ﷺ ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فعوّرت وبنى حوضًا على القليب الذي نزل عليه فمُلئ ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية (١) ".
قال الشيخ الألباني ﵀: "وهذا سند ضعيف لجهالة الواسطة بين ابن إسحاق والرجال من بني سلمة. وقد وصله الحاكم (٣/ ٤٢٦، ٤٢٧) من حديث الحباب وفي سنده من لم أعرفه. وقال الذهبي في تلخيصه (قلت: حديث منكر، وسنده) كذا الأصل، ولعله سقط منه (واه) أو نحوه. ورواه الأُموي كما في البداية (٣/ ٢٦٧) وفيه الكلبي وهو كذاب (٢) ".
стр. 110
وقال في (دفاع عن الحديث): "وهذا إسناد مرسل مجهول، فهو ضعيف، وقد وصله بعضهم، وفيه من لا يُعرف وآخر كذاب (٣) ". ثم أجاب ﵀ عما ذكره الحافظ في (الإصابة) في ترجمة الحباب: "وقال ابن إسحاق في السيرة حدثني يزيد بن رومان عن عروة وغير واحد في قصة بدر (٤) ... " بما حاصله أن ما ذكره الحافظ ليس موجودًا في سيرة ابن إسحاق المتداولة. كما أن الرواية مرسل عروة والمرسل من أقسام الضعيف. ا. هـ
وأورده ﵀ في (الضعيفة) وقال: "ضعيف على شهرته في كتب المغازي (٥) ".
وهذا الخبر الذي عزاه ابن حجر لابن إسحاق رواه البيهقي في (الدلائل) من طريق ابن إسحاق مرسلًا (٦). وقال في (السنن الكبرى): وروى أبو داود في المراسيل عن محمَّد بن عبيد عن حماد عن يحي بن سعيد قال استشار رسول الله ﷺ يوم بدر فقال الحباب (٧). وقد ضعف القصة الشيخ سعد الحميد (٨).
وينبغي أن يُعلم أن مشورته ﷺ لأصحابه ثابتة في الأحاديث الصحيحة كما
في مشاورته لهم قبل غزوة بدر، ثم في الأسرى، وفي الخروج يوم أحد، وفي
الحديبية، وفي حادثة الإفك، وغيرها.