← Сира

Сира · id 97932

ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية

محمد بن عبد الله العوشن

Полный текст (232 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لم يُذكر في الأحاديث الصحيحة وقد اشتهر في كتب السيرة أن سبب البيعة هو إشاعة مقتل عثمان بن عفان ﵁ لمّا تأخرت عودته من مكة. قال ابن إسحاق: "وقد حدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال ... فخرج عثمان إلى مكة ... واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قُتل". قال ابن إسحاق: "فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: "لا نبرحْ حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة (٢) ". وأول الخبر فيه جهالة شيخ ابن إسحاق، فلم يُسَّم وآخره مرسل، وكما سبق قول الإِمام البيهقي ﵀: "محمَّد بن إسحاق إذا لم يذكر اسم من حدَّث عنه لم يُفرح به (٣) ". قال الألباني في تخريجه لفقه السيرة: "ضعيف، أخرجه ابن إسحاق وعنه ابن هشام (٢/ ٢٢٩) عن عبد الله بن أبي بكر مرسلًا (٤) ". وأخرجه أيضًا الإمام أحمد في (المسند) قال ﵀: "حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمَّد بن إسحاق بن يسار عن الزهري محمَّد بن مسلم بن شهاب عن عروة بن الزبيرعن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: " ... فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلّغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، ... فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قُتل، قال محمَّد [ابن إسحاق] فحدثني الزهري أن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي فقالوا: أئت محمدًا فصالحه، ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنّا عامه هذا ... (٥) " وابن إسحاق مدلس وقد عَنْعَن، ثم

стр. 177

صرّح بالتحديث لما أرسلت قريش سهيل بن عمرو، مما يدل على أنه لم يسمع أوله من الزهري. وربما يُقال بتقوي أحد الطريقين بالآخر. وقد ورد سبب أخر للبيعة ذكره البيهقي في (الدلائل) بسنده عن عمرو بن خالد قال: حدثني ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الأسود، قال عروة بن الزبير في نزول النبي ﷺ بالحديبية: " ... ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب عبد العزى ومكرز بن حفص، ليصلحوا عليهم، فكلموا رسول الله ﷺ ودعوه إلى الصلح والموادعة، فلما لان بعضهم لبعض وهم على ذلك لم يستقم لهم ما يدعون إليه من الصلح والموادعة، وقد أمن بعضهم بعضًا، وتزاوروا، فبينما هم كذلك وطوائف من المسلمين في المشركين لا يخاف بعضهم بعضًا ينتظرون الصلح والهدنة، إذا رمى رجل من أحد الفريقين رجلًا من الفريق الآخر، فكانت معاركة وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل واحد من الفريقين من فيهم، فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو، ومن أتاهم من المشركين، وارتهن المشركون عثمان بن عفان ومن كان أتاهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة ... ". وهذا السند فيه علتان: ابن لهيعة، وهو ضعيف، والإرسال، فعروة بن الزبير تابعي لم يدرك القصة، ولم يسندها من هذا الوجه، وإلا فقد روى البخاري في صحيحة من طريق عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قصة الغزوة، والمكاتبة بين الرسول ﷺ وسهيل بن عمرو (٦) كما أن رواية البيهقي ليس فيه إشاعة قتل عثمان، وإنما أن الفريقين ارتهن كل منهما من عنده من الطرف الآخر، لما حصلت المراماة بينهما.

стр. 178

فالخلاصة أنه لم يثبت -والله أعلم- أن سبب البيعة كان إشاعة مقتل عثمان ﵁. أما على أي شيء كانت البيعة، ففي حديث سلمة بن الأكوع لما سئل على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت (٧). وروى مسلم عن جابر قال. بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت (٨). وكذا قال معقل بن يسار .. ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. رواه مسلم (٩). وفي رواية للبخاري لما سئل نافع: على أي شيء بايعهم، على الموت؟، قال: لا، بل بايعهم على الصبر (١٠). قال الحافظ في (الفتح): "لا تنافي بين قولهم بايعوه على الموت وعلى عدم الفرار؛ لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا وليس المراد أن يقع الموت ولا بدّ، وهو الذي أنكره نافع وعدل إلى قوله: "بل بايعهم على الصبر" أي على الثبات وعدم الفرار، سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا. والله أعلم (١١) ". وقال ﵀ في موضع آخر "وحاصل الجمع أن من أطلق أن البيعة كانت على الموت أراد لازمها؛ لأنه إذا بايع على أن لا يفرّ لزم من ذلك أن يثبت، والذي يثبت إما أن يَغلب أو يُؤسر، والذي يُؤسر إما أن ينجو وإما أن يموت، ولما كان الموت لا يؤمن في مثل ذلك أطلقه الراوي، وحاصله أن أحدهما حكى صورة البيعة، والآخر حكى ما تؤول إليه (١٢)

стр. 179

غزوة خيبر تترّس عليّ بباب الحصن في خيبر: قال ابن إسحاق ﵀: "حدثني عبد الله بن الحسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع، مولى رسول الله ﷺ قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب ﵁، حين بعثه رسول الله ﷺ برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود، فطاح تُرسه من يده، فتناول ﵁ بابًا كان عند الحصن فترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفرٍ سبعة معي، أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه (١) ". قال الحافظ الذهبي: "رواه البكّائي عن ابن إسحاق عن أبي رافع منقطعًا (٢) " وأورده تلميذه الحافظ ابن كثير ﵀ في "البداية والنهاية" وقال: "وفي هذا الخبر جهالة وانقطاع ظاهر. ولكن روى الحافظ البيهقي والحاكم من طريق مطلب بن زياد عن ليث بن أبي سُليم عن أبي جعفر الباقر عن جابر أن عليًا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فافتتحوها، وأنه جُرّب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلًا، وفيه ضعف أيضًا (٣). وفي رواية ضعيفة عن جابر: ثم اجتمع عليه سبعون رجلًا وكان جهدهم ان أعادوا الباب (٤) " وعزا الحافظ في الإصابة هذه الروية لعبد الله بن أحمد بن حنبل، وقال: "وفي سنده

стр. 180

حرام بن عثمان، متروك (٥) ". وقال الذهبي في الميزان عن رواية أبي جعفر عن جابر: "هذا منكر" (٦). وتعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: "له شاهد من حديث أبي رافع رواه أحمد في مسنده، ولكن لم يقل أربعون رجلًا (٧) " والإمام أحمد رواه من طريق ابن إسحاق (٨) " وذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد) وقال: "رواه أحمد، وفيه راوٍ ولم يسمِّ (٩) ". وقال الدكتور أكرم العمري: "ووردت عدة روايات تفيد تترّس علي ﵁ بباب عظيم كان عند حصن ناعم، بعد أن أسقط يهودي ترسه من يده، وكلها روايات ضعيفة، واطّراحها لاينفي قوة علي وشجاعته، فيكفيه ما ثبت في ذلك وهو كثير (١٠) " فائدة: قال الإِمام مسلم ﵀ في صحيحه: "وُلد حكيم بن حزام في جوف الكعبة، وعاش مئة وعشرين سنة" (حديث رقم ١٥٣٢). وقال الإِمام النووي ﵀: ولد حكيم (بن حزام) ﵁ في جوف الكعبة ولا يُعرف أحد ولد فيها غيره، وأما ما روي أن علي بن أبي طالب ﵁ وُلد فيها فضعيف عند العلماء (تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٦٦). وأخرى: مناقب أمير المؤمنين علي ﵁ كثيره في الصحيحين وغيرهما، منها: قوله ﵁: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي ﷺ إليّ: أن لا يحبّني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق" (أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب

стр. 181

الإيمان، باب الدليل على أن حُبّ الأنصار وعلي ﵁ من الإيمان .. ، ٢/ ٦٣ نووي) (وانظر ما سبق: إعالتة ﷺ لعلي ﵀)

стр. 182

ماشاع ولم بثبت في غزوة مؤتة سبب الغزوة: "ينفرد الواقدي بذكر السبب المباشر لهذه الغزوة، وهو أن شرحبيل بن عمرو الغساني، قَتل صبرًا الحارث بن عمير الأزدي، الذي أرسله الرسول ﷺ إلى ملك بُصرى بكتابه، وكانت الرسل لا تُقتل، فغضب رسول الله ﷺ وأرسل الجيش إلى مؤتة. والواقدي ضعيف لايُعتمد عليه خاصة إذا انفرد بالخبر (١) " والقول بأن الواقدي ضعيف فيه تساهل، فقد نصَّ أكثر علماء الجرح والتعديل على أنه متروك، منهم: ابن المبارك، وأحمد، والبخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم (٢). ولهذا قال الحافظ في (التقريب): "متروك مع سعة علمه (٣) " وقال عنه في الفتح: "لا يُحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف (٤) " يا فُرَّار: قال ابن إسحاق: "فحدثنى محمَّد بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: لما دنوا من حول المدينة تلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمون، قال. ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله مقبل مع القوم على دابة ... قال: وجعل الناس يَحْثُون على الجيش التراب ويقولون: يا فُرّار، فررتم في سبيل الله؟ قال: فيقول رسول الله ﷺ : ليسو بالفرار، ولكنهم الكُرّار إن شاء الله تعالى (٥) " قال الإِمام ابن كثير لما أورده في (البداية): "وهذا مرسل

стр. 183

من هذا الوجه، وفيه غرابة، وعندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق، فظن أن هذا الجمهور الجيش، وإنما كان للذين فروا حين التقى الجمعان، وأما بقيتهم فلم يفروا بل نصروا، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ للمسلمين وهو على المنبر في قوله: "ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه" فما كان المسلمون ليسمونهم فرارًا بعد ذلك، وإنما تلقوهم إكرامًا وإعظامًا (٦) " ثم أورد خبر ابن إسحاق في موضع آخر وقال: "هذا مرسل (٧) ". وقال الشيخ الألباني في تعقبه على البوطي: "فهذا منكر، بل باطل، ظاهر البطلان، إذ كيف يُعقل أن يقابَل الجيش المنتصر مع قلة عدده وعُدده، على جيش الروم المتفوق عليهم في العدد والعُدد أضعافًا مضاعفة، كيف يعقل أن يقابَل هؤلاء من الناس المؤمنين بحثوا التراب ... (٨) ". ازْوِرار سرير ابن رواحة عن صاحبيه: قال ابن إسحاق: "ولما أصيب القوم قال رسول الله ﷺ فيما بلغني: أخذ الراية زيد بن حارثة، فقاتل بها حتى قتل شهيدًا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قُتل شهيدًا، قال: ثم صمت رسول الله ﷺ حتى تغيرتْ وجوه الأنصار، وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قُتل شهيدًا، ثم قال لقد رُفعوا إليّ في الجنة، فيما يرى النائم، على سُرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارًا عن سريري صاحبيه. فقلت: عمَّ هذا؟ فقيل لي: مضيا، وتردّد

стр. 184

عبد الله بعض التردد، ثم مضى (٩) ". قال ابن كثير ﵀ لما أروده في (البداية): "هكذا ذكر ابن إسحاق هذا منقطعًا (١٠) ". وذكره الهيثمي ﵀ في (المجمع) وقال: "رواه الطبراني ورجاله ثقات (١١) " ولا يخفى أن هذه العبارة لا تعني صحة الحديث، بل ثقة رجاله فحسب. وقال الألباني ﵀: "رواه ابن إسحاق بلاغًا، فهو ضعيف الإسناد (١٢) ". وأشار إلى ضعف القصة أيضًا الشيخ سلمان العودة -حفظه الله- في شرحه لبلوغ المرام (١٣). وذكرها ابن القيم في (الزاد) وقال المحققان: "أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق بلاغًا (١٤) ". وإخباره ﷺ أصحابه بنتيجة المعركة، واستشهاد قادتها الثلاثة ثابت في الصحيح، فقد روى البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ " أن النبي ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب -وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم (١٥) ". فائدة: قال ابن كثير ﵀ في: "فصل من استشهد يوم مؤتة": " .. فالمجموع على القولين اثنا عشر رجلًا، وهذا عظيم جدًا أن يتقاتل جيشان متعاديان في

стр. 185

الدين، أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله عُدّتها ثلاثة آلاف وأخرى كافرة وعُدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف، يتبازون ويتصاولون ثم مع هذا كله لا يُقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلًا، وقد قُتل من المشركين خلق كثير، هذا خالد وحده يقول: "لقد أندقّت في يدي يومئذ تسعة أسياف، وما صبرت في يدي إلا صفيحة يمانية (١٦) ". فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلها؟ دع غيره من الأبطال والشجعان من حملة القرآن، وقد تحكموا في عبدة الصلبان عليهم لعائن الرحمن في ذلك الزمان وفي كل أوان. وهذا مما يدخل في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣] (١٧). إنسحاب خالد بالجيش: قال الواقدي: حدثنا عطّاف بن خالد قال: لما قُتل ابن رواحة مساءً بات خالد بن الوليد، فلما أصبح غدًا وقد جعل مقدمته ساقته وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته، وميسرته ميمنته، فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مَدَدٌ، فرعبوا وانكشفوا منهزمين، فقُتلوا مقتلة لم يُقتلها قوم" (١٨). ورغم شهرة هذا الخبر، فإني لم أرَ من ذكره غير الواقدي وعنه نقل الآخرون، وهو ﵀ متروك، على سعة علمه. كما قال الحافظ في التقريب. وشيخه عطّاف -وهو صدوق يَهِمْ - بينه وبين تاريخ المعركة أكثر من مائة

стр. 186

وخمسين سنة. وعبقرية أبي سليمان سيف الله ﵁ ومهارته في القيادة مشهورة معلومة، وليست بحاجة إلى مثل هذه القصة التي لم تثبت.

стр. 187

ما شاع ولم يثبت في فتح مكة قدوم أبي سفيان لتجديد الصلح: قال ابن إسحاق-﵀: "ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخل على ابنته أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يا بُنيّة، ما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحبّ أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ ، قال: والله لقد أصابك يا بنيّة بعدي شر. ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلّمه، فلم يردَّ عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أبي بكر .. (١) " ثم ذكر ذهابه إلى عمر ثم علي. قال الشيخ الألباني ﵀: "ضعيف، رواه ابن إسحاق بدون إسناد" (٢). ورواه الواقدي (٣) أيضًا، وهو متروك. وقدوم أبي سفيان إلى المدينة لتجديد العهد لم يثبت -حسب علمي- بسند صحيح متصل، وإنما جاء من مرسل عكرمة عند ابن أبي شيبة، ومن مرسل محمَّد بن عباد بن جعفر أخرجه مسدّد، وكذا عند ابن عائذ عن عروة (٤). بل أخرج البخاري: "لما سار رسول الله ﷺ عام الفتح، فبلغ ذلك قريشًا، خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبُديل بن ورقاء يلتمسون الخبر ... فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأدركوهم فأخذوهم، فأتوا بهم رسول الله ﷺ ، فأسلم أبو سفيان .. " (٥)

стр. 188

وأخرج مسلم: "ان أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، قال: فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم. .. " قال النووي-﵀: "وهذا الإتيان لأبي سفيان كان وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحدييبة .. (٦) ". وجاء في شرح الأُبّي: "قلت: الظاهر أن هذا كان قبل إسلامه؛ ولذا قال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها، ولم يقل أتقولون ذلك لرجل مسلم (٧) ". ولا ريب أنه لم يكن قد أسلم، لكن متى كانت هذا القصة؟. الظاهر أنها بعد أخذ حرس رسول الله ﷺ له، كما في رواية البخاري السابقة وفيها: "فأدركوهم فأخذوهم .. فأسلم أبو سفيان .. ". ولم يكن إسلامه فور أخذه، بل بعد ذلك لما حُبس بمضيق الوادي وشهد جنود الله تمرّ أمامه، أشبه ما يكون اليوم بالعرض العسكري، وقال في آخر هذا العرض للعباس: "لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم لعظيم، فقال له العباس: ويحك يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال: فنعم إذًا .. " وهو خبر طويل، أخرجه ابن إسحاق (٨)، وأخرج الشيخان طرفًا منه، كما سبق، وساقه ابن حجر بطوله في (المطالب العالية) وعزاه إلى إسحاق بن راهوية، وقال: "هذا حديث صحيح (٩) " وصححها الشيخ الألباني، وقال: "وهو أصح وأتم ما وقفت عليه مسندًا في قصة فتح مكة حرسها الله (١٠) " وحسّنها الشيخ سلمان العودة (١١).

стр. 189

اذهبوا فأنتم الطلقاء: قال ابن إسحاق ﵀: "فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ ، قام على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، أَلا كل مأْثرة أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدميّ هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ... ثم قال: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء (١٢) ". قال الحافظ العراقي ﵀: "رواه ابن أبي الدنيا في كتاب العفو وفي ذم الغضب، ومن طريقه رواه ابن الجوزي في الوفاء وفيه ضعف (١٣) ". وذكره ابن السبكي في الأحاديث التي لم يجد لها إسنادًا في إحياء علوم الدين (١٤). وضعفه الشيخ الألباني ﵀ بقوله: " .. وهذا سند ضعيف مرسل. لأن شيخ ابن إسحاق لم يدرك أحدًا من الصحابة، بل هو يروي عن التابعين وأقرانه، فهو مرسل أو معضل (١٥) " وكذا ضعفه في تخريجه لأحاديث (فقه السيرة) (١٦) وقال رده على البوطي: "هذا الحديث على شهرته ليس له إسناد ثابت .. (١٧) ". ولا ريب أنه ﷺ قد أمّن أهل مكة على أنفسهم بقوله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن (١٨) " وهو أمر لم يعرف التاريخ، ولن يعرف له مثيلًا في العفو والصفح. أكثر من

стр. 190

عشرين عامًا قضاها مشركو مكة في حرب هذه الدعوة والصدّ عن سبيلها، ومعاداتها، وما تركوا من حيلة إلا جربوها، وطريق إلا سلكوه ليحولوا بين الناس وبين هذا الدين وكم تفننوا في تعذيب الأتباع، والنيل منهم، والتضييق عليهم، بل طاردوهم حتى خارج الجزيّرة. ثم شنوا ضدهم ثلاثة حروب. ومع هذا كله يدخل ﷺ مكة -ومعه عشرة آلاف مقاتل- متواضعًا خاشعًا لله "وهذا التواضع في هذا الموطن عند دخولة ﷺ مكة في مثل هذه الجيش الكثيف العرمرم، بخلاف ما اعتمده سفهاء بني إسرائيل حين أُمروا أن يدخلو باب بيت المقدس وهم سجود. أي ركّع. يقولون: حِطّة، فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعرة (١٩) ". وصار بعض مُسلمة الفتح يُعرفون بالطلقاء، كما في البخاري: "لما كان يوم حنين .. ومع النبي ﷺ عشرة آلاف ومن الطلقاء .. " قال الحافظ معلقًا على رواية: "عشرة آلاف من الطلقاء" "فإنّ الطلقاء لم يبلغوا هذا القدر ولا عُشر عُشره (٢٠) ". وأخرج مسلم عن أنس قول أم سُليم يوم حنين للرسول ﷺ : "اُقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك .. (٢١) ". فائدة: الجمهور على أن مكة فتحت عَنوة. انظر: (زاد المعاد ٣/ ١١٩) و (فتح الباري ٨/ ١٢). وأخرى: ذكر ابن حجر أنه لم يبق أحد من قريش بعد الفتح لم يُسلِم (التهذيب ٥/ ٦٢).

стр. 191

محاولة فضالة بن عمير قتله ﷺ -: قال ابن هشام: "حدثني من أثق به أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد قتل النبي ﷺ ، وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله ﷺ ماذا كنت تُحدِّث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله، قال: فضحك النبي ﷺ ، ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما مِنْ خَلْق الله شيء أحبَّ إليّ منه .. (٢٢) ". قال الشيخ الألباني ﵀: "ضعيف، رواه ابن هشام .. بإسناد معضل (٢٣) " وقال أيضًا في رده على البوطي: "لا يصح؛ لأن ابن هشام لم يذكر له إسنادًا متصلًا ليُنظر في رجاله (٢٤) ". خذوها خالدة تالدة .. : ومما اشتهر في فتح مكة ما رواه ابن إسحاق قال: "حدثني محمَّد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة أن رسول الله ﷺ لما نزل مكة واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعًا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه، دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة ففُتحت له، فدخلها .. " ثم قال ابن إسحاق: "فحدثني بعض أهل العلم ... فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله أجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ : أين عثمان بن طلحة؟ فدعي له، فقال: هاك مفتاحك

стр. 192

ياعثمان، اليوم يوم برّ ووفاء (٢٥) ". وسند ابن إسحاق أول الخبر حسن، قاله الحافظ في (الفتح (٢٦)). أما باقيه فقد ساقه ﵀ من غير سند. وسبق الكلام قريبا على ذلك في: اذهبوا فأنتم الطلقاء. وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ (يعني يوم فتح مكة): "خذوها يابني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم. يعني حجابة الكعبة" أورده الهيثمي في (المجمع) ثم قال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط" وفيه عبد الله بن المؤمِّل وثّقه ابن حبان، وقال: يخطئ، ووثقه ابن معين في رواية" وضعفه جماعة (٢٧) ". وذكر الحافظ القصة في (الفتح) بقوله: "وروى ابن عائد من مرسل عبد الرحمن بن سابط أن النبي ﷺ دفع مفتاح الكعبة إلى عثمان [بن أبي طلحة] فقال: خذها خالدة مخلدة، إني لم أدفعها إليكم، ولكن الله دفعها إليكم، ولا ينزعها منكم إلا ظالم. ومن طريق ابن جريج أن عليًا قال للنبي ﷺ : اجمع لنا الحجابة والسقاية، فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فدعا عثمان: فقال: خذوها يا بني شيبة خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم (٢٨) ". والأول مرسل، والثاني منقطع بين ابن جريج وعلي ﵁. والحديث أورده الذهبي في (السير) وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: "إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن المؤمل (٢٩) ". وفي ترجمة عثمان بن طلحة من (التهذيب): "قال مصعب الزبيري: دفع النبي ﷺ مفتاح الكعبة لشيبة بن عثمان وقال: "خذوها

стр. 193

يا بني أبي طلحة، خالدة تالدة .. (٣٠) " وكذا في ترجمة شيبة بن عثمان بن أبي طلحة. مّرحبا بالراكب المهاجر: قال الترمذي في سننه: "حدثنا عبدُ بن حُميد وغير واحد قالوا: أخبرنا موسى بن مسعود عن سفيان عن أبي إسحاق عن مصعب بن سعد عن عكرمة بن أبي جهل قال: قال رسول الله ﷺ يوم جئته: "مرحبًا بالراكب المهاجر" ثم قال الترمذي: وهذا حديث ليس إسناده بصحيح، لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث موسى بن مسعود عن سفيان، وموسى ضعيف في الحديث. وروى عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق مرسلًا، ولم يذكر فيه عن مصعب بن سعد، وهذا أصح (٣١) ". وذكر الهيثمي في (مجمع الزوائد) ثلاث روايات وعزاها إلى الطبراني، ثم قال عن الأولى: "وإسناده منقطع" وقال عن الراوية الثانية: "رواه الطبراني مرسلًا ورجاله رجال الصحيح" وقال عن الثالثة: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، إلا أن مصعب بن سعد لم يسمع من عكرمة (٣٢) ". وأشار الحافظ في (الفتح) إلى صحة الحديث، وذلك في شرحه لحديث وفد عبد القيس، وقوله ﷺ لهم: "مرحبا بالقوم" فقال: "وقد تكرر ذلك من النبي ﷺ ففي حديث أم هانئ "مرحبا بأم هانئ" وفي قصة عكرمة بن أبي

стр. 194

جهل "مرحبا بالراكب المهاجر"، وفي قصة فاطمة "مرحبًا بابنتي" وكلها صحيحة (٣٣) ". ولكنه ﵀ قال في ترجمة عكرمة ﵁ في (الإصابة): "له عند الترمذي حديث من طريق مصعب بن سعد عنه، قال النبي ﷺ يوم جئته: "مرحبًا مرحبًا بالراكب المهاجر" وهو منقطع؛ لأن مصعبًا لم يدركه (٣٤) ". وكتاب (الإصابة) صنفه بعد (القتح). وفي (التهذيب) في ترجمة عكرمة: "قال أبو حاتم: ما أظن مصعبًا سمع منه (٣٥) ". وقال الإِمام البخاري: "لم يسمع من عكرمة (٣٦) ". والحديث أخرجه الحاكم في (المستدرك) عن أبي إسحاق عن مصعب بن سعد عن عكرمة .. ثم قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبي بقوله: "صحيح، لكنه منقطع (٣٧) " أي بين مصعب وعكرمة. وأورده (الذهبي) في تاريخ الإِسلام ثم قال: "والحديث ضعيف السند (٣٨) ". فائدة: اشتهر عند البعض حديث: "رأيت لأبي جهل عذقًا في الجنة، فلما أسلم عكرمة بن أبي جهل قال ﷺ : يا أمّ سلمة هذا هو" أخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال الذهبي في التخليص: "لا، فيه ضعيفان (٣٩) " وضعفه الألباني (٤٠) وسعد الحميّد (٤١).

стр. 195

تخييره صفوان بن أمية أخرج الإِمام مالك ﵀ في الموطأ عن ابن شهاب أنه بلغه: "أن نساءً كنّ في عهد رسول الله ﷺ يُسلمن بأرضهن وهن غير مهاجرات، وأزواجهن حين أسلمن كفار، منهن بنت الوليد بن المغيرة وكانت تحت صفوان بن أمية، فأسلمت يوم الفتح وهرب زوجها صفوان بن أمية من الإِسلام، فبعث إليه رسول الله ﷺ ابن عمه وهب بن عمير برداء رسول الله ﷺ أمانًا لصفوان بن أمية، ودعاه رسول الله ﷺ إلى الإِسلام، وأن يَقْدم عليه، فإن رضي أمرًا قَبِلَه، وإلاّ سيّره شهرين، فلما قدم صفوان على رسول الله ﷺ بردائه، ناداه على رؤوس الناس، فقال: يا محمَّد، إن هذا وهب بن عمير جاءني بردائك، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيتُ أمرًا قبلته، وإلا سيرتني شهرين، فقال رسول الله ﷺ : أنزل أبا وهب، فقال: لا والله لا أنزل حتى تُبيّن لي، فقال رسول الله ﷺ بل لك تسير أربعة أشهر. فخرج رسول الله ﷺ قِبَل هوازن بحنين فأرسل إلى صفوان بن أمية يستعيره أداة، وسلاحًا عنده، فقال صفوان: أطوعًا أم كرهًا؟ فقال: بل طوعًا، فأعاره الأداة والسلاح التي عنده، ثم خرج صفوان مع رسول الله ﷺ وهو كافر، فشهد حنينًا والطائف، وهو كافر، وأمرأته مسلمة، ولم يفرّق رسول الله ﷺ بينه وبين امرأته، حتى أسلم صفوان، واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح (١) ". قال ابن عبد البر: هذا الحديث لا أعلمه يتصل من وجه صحيح، وهو حديث مشهور، معلوم عند أهل السير، وابن شهاب إمام أهل السير وشهرة هذا الحديث أقوى من إسنادة إن شاء الله (٢) ". قال الألباني-﵀: "هذا إسناد مرسل أو معضل (٣) "

стр. 196

والقصة رواها أيضًا ابن إسحاق في السيرة فقال: حدثني محمَّد بن جعفر، عن عروة بن الزبير، قال: خرج صفوان بن أمية يريد جُدّة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهيب: يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربًا منك ليقذف بنفسه في البحر فأمنّه؛ صلى الله عليك، قال: هو آمن، قال: يا رسول الله فأعطني آية يعرف بها أمانك؛ فأعطاه رسول الله ﷺ عمامته التي دخل فيها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه، وهو يريد أن يركب في البحر، فقال: يا صفوان فداك أبي وأمي، الله الله في نفسك أن تهلكها، فهذا أمان من رسول الله ﷺ قد جئتك به ... فرجع معه، حتى وقف به على رسول الله ﷺ ، فقال صفون: إن هذا يزعم أنك قد أمنتني، قال: صدق، قال فاجعلني فيها بالخيار شهرين، قال: أنت فيه بالخيار أربعة أشهر (٤) ". وهذا إسناد مرسل. تنبيه: أورد ابن كثير هذا الخبر في البداية، عن ابن إسحاق موصولًا: "عروة عن عائشة" فلعلها زيادة من بعض النسّاخ. واستعارته ﷺ أدرعًا وسلاحًا من صفوان، أخرجه أحمد (٥)، وأبو داود (٦)، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووفقه الذهبي (٧)، والحديث اختلف أهل الحديث في تصحيحه فأعلّ ابن حزم وابن القطان طُرق هذا الحديث (٨): قال ابن حزم: "ليس في شيء مما روي في العارية خبر يصح غيره (يعني حديث يعلي بن أمية)، وأما ما سواه فلا يساوي الاشتغال به (٩) " وأشار أبو عمر بن عبد البر إلى الاضطراب في هذا الحديث ثم قال: "ولا يجب عندي

стр. 197

بحديث صفوان هذا حجة في تضمين العارية. والله أعلم (١٠) " وقال البهيقي بعد أن رواه: "وبعض هذه الأخبار وان كان مرسلًا فإنه يقوى بشواهده مع ما تقدم من الموصول. والله أعلم (١١) ". والحديث صححه الشيخ الألباني بتعدد طرقه كما في (الإرواء (١٢)) و (السلسة الصحيحة (١٣)) وانظر نصب الراية للزيلعي (٣/ ٣٧٧) و (٤/ ١١٦، ١١٧).

стр. 198

اذهبوا فاقطعوا عني لسانه أخرج الإِمام مسلم ﵀ في صحيحه عن رافع بن خديج ﵁ في تقسيم غنائم يوم حنين - قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك فقال عباس بن مرداس: أتجعل نَهْبي ونهب العُبَيْد ... بين عُيينة والأقرع فما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع وماكنت دون أمرى منهما ... ومن تخفض اليوم لايُرفع فْأتمّ له رسول الله ﷺ مئة (١) ". وفي رواية ابن إسحاق [[زيادة]] في أسماء المؤلفة قلوبهم، وأربعة أبيات أخرى، وفي آخره: "قال ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا فاقطعوا عني لسانه، فأعطوه حتى رضي، فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول الله ﷺ (٢) " وأخرجه أيضًا الواقدي (٣) وابن سعد من طريقين أحدهما عن الواقدي. والآخر عن عارم بن الفضل ... عن هشام بن عروة عن عروة: "أن العباس بن مرداس قال أيام خيبر ... " والخبر مرسل، وفيه أن ذلك يوم خيبر. قال الحافظ العراقي ﵀: "وأما زيادة "اقطعوا عني لسانه" فليست في شيء من الكتب المشهورة، وذكرها ابن إسحاق في السيرة بغير إسناد (٤) ".

стр. 199

ما شاع ولم يثبت في غزوة حنين والطائف ١ - ما طابت بهذا نفس أحد قطّ إلاَّ نبي: روى الواقدي أن صفوان بن أمية كان يسير مع رسول الله ﷺ بعد غزوة حنين، ينظر إلى الغنائم، فجعل ينظر إلى شِعْب ملأى نِعَمًا وشاء ورعاء، فأدام النظر ورسول الله ﷺ يرمقه، فقال: "أعجبك يا أبا وهب هذا الشِّعب؟ " قال: نعم، قال: "هو لك ومافيه" فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا نفس أحد قطّ إلا نبي وأشهد أنك رسول الله (١). والواقدي - كما سبق - متروك على سعة علمه. ويغني عن هذه الرواية ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن شهاب قال: "غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح فتح مكة ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين فنصر الله دينه والمسلمين. وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من النَعَم، ثم مائة، ثم مائة. قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطينى حتى إنه لأحب الناس إلىّ (٢) ". وفيه عن رافع بن خديج قال: "أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل ... (٣) ".

стр. 200

وسخاؤه ﷺ لا يُدرك، روى مسلم في صحيحه عن أنس ﵁ قال: "ما سئل رسول الله ﷺ على الإِسلام شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: ياقوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاءً لايخشى الفاقة (٤) ". ٢ - إعطاء معاوية مئة مّن الإبل: ومنها ما ذكره الواقدي أن رسول الله ﷺ أعطى معاوية بن أبي سفيان ﵁ مائة من الإبل، وأربعين أوقية. أي من غنائم حنين. قال الإِمام الذهبي ﵀ لما أورد ذلك في (السير): "قلت: الواقدي لا يعي ما يقول: فإن كان معاوية كما نقل قديم الإِسلام (٥)، فلماذا يتألفه النبي ﷺ ؟ ولو كان أعطاه، لما قال عندما خطب فاطمة بنت قيس: "أما معاوية فصعلوك لا مال له (٦) ". ٣ - محاولة شَيْبة بن عثمان قتلة ﷺ -: قال ابن إسحاق ﵀: "وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، أخو بني عبد الدار، قلت اليوم (يوم حنين) أُدرك ثأري من محمَّد، وكان أبوه قُتل يوم أحد، اليوم أقتل محمدًا. قال: فأدرت برسول الله ﷺ لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي، فلم أُطق ذاك، وعلمتُ أنه ممنوع مني (٧) ". ورواه البيهقي في (الدلائل) من طريق: الوليد بن مسلم، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين قد عري (*)، ذكرت أبي وعمي، وقتل علي وحمزة إياهما. فقلت: اليوم أُدرك ثأري من محمَّد، قال:

стр. 201

فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا بالعباس قائم، عليه درع بيضاء كأنها فضة يكشف عنها العجاج، فقلت: عمّه لن يخذله، قال: ثم جئته عن يساره، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث، فقلت: ابن عمه ولن يخذله، قال ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أن أسوّره سورةً بالسيف، إذ رُفِعَ لي شُواظ من نار بيني وبينه كأنه برق، فخفت يمحشني (*)، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى، والتفت رسول الله ﷺ وقال: "ياشيب، ياشيب أُدن مني، اللهم أذهب عنه الشيطان" قال فرفعت إليه بصري، ولهو أحب إليّ من سمعي وبصري. وقال: "ياشيب قاتل الكفار (٨) ". قال الذهبي لما أورده: "غريب جدًا (٩) ". وعزاه الهيثمي في (المجمع) إلى الطبراني، وقال: "وفيه أبو بكر الهذلي وهو ضعيف (١٠) ". ا. هـ. وهذا قصور في الجرح، فقد نص الذهبي، وابن حجر على أنه متروك (١١) ". ثم ساق البيهقي بسنده عن أيوب بن جابر عن صدقة بن سعيد، عن مصعب بن شيبة عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله ﷺ ، والله ما اخرجني إسلام، ولكن أنفت أن تظهر هوزان على قريش. فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله إني أرى خيلًا بُلقًا. قال: "ياشيبة، إنه لايراها إلا كافر" فضرب يده على صدري، ثم قال: "اللهم اهد شيبة" فعل ذلك ثلاثًا، حتى ما كان أحد من خلق الله أحبّ إليّ منه (١٢) ". وذكر الحديث.

стр. 202

وأيوب بن جابر بن سيّار، ضعيف (١٣). وصدقة بن سعيد الحنفي قال عنه الحافظ مقبول (١٤). أي عند المتابعة، وإلا فليّن الحديث. ولم أجد - فيما وقفت عليه - لشيبة بن عثمان ابنًا يسمى مصعبًا قد تُرجم له. وفي الرواة: مصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة من الخامسة، فهو ابن لحفيد صاحب القصة. قال عنه أحمد: روى أحاديث مناكير، وقال النسائي منكر الحديث، وقال الدارقطني: ليس بالقوي ولا بالحافظ، وضعفه أبو داود. ووثقه ابن معين والعجلي (١٥). ولذا اختار الحافظ في التقريب أنه "لين الحديث (١٦) ". والقصة ذكرها ابن كثير في (البداية (١٧)) عن الواقدي عن أشياخه. والواقدي متروك كما سبق. وعزاها ابن حجر في (الإصابة) - لغير من سبق ذكره - إلى ابن أبي خيثمة عن مصعب النميري، والبغوي. ثم قال: "قال ابن السكن: في إسناد قصة إسلامه نظر (١٨) ". وابن السكن هو: "الإِمام الحافظ المجود الكبير أبو علي، سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن .. جمع وصنف وجرح وعدّل، وصحح وعلل (١٩) " ت ٣٥٣ هـ. وقد وصفه ابن حجر بالجلالة والإتقان (٢٠).

стр. 203

٤ - رمي أهل الطائف بالمنجنيق: قال ابن هشام فيما زاده على سيرة ابن إسحاق عند الحديث عن غزوة الطائف: " .. ورماهم رسول الله ﷺ بالمنجنيق، حدثني من أثق به أن رسول الله ﷺ أول من رمى في الإِسلام بالمنجنيق، رمى أهل الطائف (٢١) ". قال الزيلعي: "ذكره الترمذي في الاستئذان معضلًا، ولم يصل سنده به (٢٢) ". وقال ابن حجر ﵀: "روى أبو داود في المراسيل عن ثور عن مكحول: أن النبي ﷺ نصب على أهل الطائف المنجنيق. ورواه الترمذي فلم يذكر مكحولًا، ذكره معضلًا عن ثور. وروى أبو داود من مرسل يحيى بن أبي كثير قال: حاصرهم رسول الله ﷺ شهرًا. قال الأوزاعي: فقلت ليحيى أَبَلغك أنه رماهم بالمجانيق؟ فأنكر ذلك، وقال: ما نعرف هذا" ثم قال ابن حجر: "ورواه ابن سعد عن قبيصة عن سفيان عن ثور عن مكحول مرسلًا، وأخرجه أبو داود أيضًا، ووصله العقيلي من وجه آخر عن علي (٢٣) ". وروى البيهقي في سننه رميهم بالمنجنيق، وإنكار أبي قلابة ذلك (٢٤). وقد أخرج مسلم في صحيحه عن أنس ﵀ منه قال: " .. ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة (٢٥) " وليس فيه رميهم بالمنجنيق. فائدة: قال السهيلي: المنجنيق أعجمية عرّبها العرب، قال كراع: كل كلمة فيها جيم وقاف، أو جيم وكاف فهي أعجمية. (الروض الأنف ٧/ ٢٦٧).

стр. 204

٥ - قول نَوْفَل الدّيلي: (ثعلب في جحر): ومنها ما رواه الواقدي بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما مضت خمس عشرة ليلة من حصارهم (أهل الطائف) استشار رسول الله ﷺ نوفل بن معاوية الدّيلي فقال: "يا نوفل ماتقول، أو ترى؟ " فقال نوفل: يا رسول الله، ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك شيئًا (٢٦) ". والواقدي متروك كما تقدم مرارًا. قال الشيخ الألباني ﵀: "ضعيف جدًا، رواه الواقدي .. وهو متهم بالكذب (٢٧) ". ٦ - قدوم أُمِّه ﷺ من الرضاعة: روى البخاري في (الأدب المفرد (٢٨))، وأبو دواد (٢٩)، والبيهقي في (الدلائل (٣٠)) من طريق جعفر بن يّحيى بن ثوبان قال: أنبأنا عمارة بن ثوبان أن أبا الطفيل أخبره قال: رأيت النبي ﷺ يقسم لحمًا بالجعرانة، قال أبو الطفيل: وأنا يومئذ غلام أحمل عظم الجزور، إذ أقبلت امرأة حتى دنت إلى النبي ﷺ فبسط لها رداءه فجلست عليه، فقلت: من هي؟ قالوا: هذه أُمّه التي أرضعته". رواه الحاكم وسكت عنه هو والذهبي، ورواه في موضع آخر من الطريق نفسه، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وحذفه الذهبي من التلخيص (٣١). قال ابن كثير لما أورده في تاريخه: "هذا حديث غريب، ولعله يريد أخته، وقد كانت تحضنه مع أُمّه حليمة السعدية، وإن كان محفوظًا فقد عُمِّرتْ حليمة دهرًا، فإن من وقت أرضعت رسول الله ﷺ إلى وقت الجعرانة أزيد من

стр. 205

ستين سنة، وأقل ما كان عمرها حين أرضعته ﷺ ثلاثين سنة، ثم الله أعلم بما عاشت بعد ذلك (٣٢) ". وجعفر بن يحيى بن ثوبان قال عنه الحافظ في (التقريب): "مقبول (٣٣) " أي عند المتابعة، وإلا فليّن الحديث، كما نصّ الحافظ على ذلك في مقدمة التقريب. ولذا قال الذهبي في (الكاشف) (٣٤): "فيه جهالة". وقال في (المغني في الضعفاء): لايعُرف (٣٥) " وقد نصّ ابن المديني وابن القطان الفاسي على جهالته. وانفرد ابن حبان بذكره في الثقات (٣٦). وعمارة بن ثوبان ذكره ابن حبان أيضًا في الثقات، وقال ابن القطان: مجهول (٣٧). قال الذهبي في (الكاشف): "وُثِّق، وفيه جهالة (٣٨) ". وقال الحافظ في (التقريب): "مستور (٣٩) " وهو وصف يطلقه الحافظ على من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق. كما ذكر في المقدمة (٤٠). والحديث (قُدوم أُمّه) سكت عنه المنذري (٤١). وضعّفه الألباني بعلة جهالة عمارة، كما في

стр. 206

ضعيف سنن أبي داود (٤٢)، وضعيف الأدب المفرد (٤٣)، وضعيف موارد الظمآن (٤٤). ثم روى أبو داود عن عمر بن السائب أنه بلغه "أن رسول الله ﷺ كان جالسًا يومًا فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أُمّه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام له رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه". قال المنذري: "هذا معضل، عمر بن السائب يروي عن التابعين (٤٥) ". وقال ابن كثيرفي تاريخه: "وقد ورد حديث مرسل فيه أن أبويه من الرضاعة قدما عليه، والله أعلم بصحته (٤٦) ". فائدة: اشتهر عند كثير من الناس أن حليمة هي أول من أرضع النبي ﷺ ، وأن ليس له مرضع غيرها. ومن الثابت أن أول من أرضعه ﷺ : ثُويْبة، مولاة أبي لهب. (أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب ٢٠، ٢٥، ٢٦ وغيرها). ٧ - قدوم أخته الشيماء: قال ابن إسحاق ﵀ وحدثني بعض بني سعد بن بكر أن رسول الله ﷺ قال يومئذ (يوم حنين): إن قَدرْتم على بجاد، رجل من بني سعد بن بكر، فلا يُفْلتنكم، وكان قد أحدث حدثًا، فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله، وساقوا معه الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة، فعنّفوا عليها في (السياق، فقالت للمسلمين: تعلموا والله إني لأخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدقوها حتى أتوا بها إلى رسول الله ﷺ . فحدثني يزيد بن عبيد السعدي، قال: فلما انتهى بها إلى رسول الله ﷺ قالت:

стр. 207

يا رسول الله، إني أُختك من الرضاعة، قال: وما علامة ذلك؟ قالت: عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك، قال: فعرف رسول الله العلامة فبسط لها رداءه، فأجلسها عليه، وخيّرها، وقال: إن أحببت فعندي مُحبّة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك، وترجعي إلى قومك فعلت، فقالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي ... (٤٧) " وشيخ ابن إسحاق (يزيد بن عبيد) ثقة لكنه تابعي لم يدرك القصة فالخبر مرسل. وراوه البيهقي في (الدلائل (٤٨)) من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة قال: .. وذكر الخبر بنحوه. وأورده الذهبي في (المغازي) ثم قال: "الحكم ضعّفه ابن معين (٤٩) " وقتادة ولد عام ٦٠ فهو مرسل.

стр. 208

قصيدة كعب بن زهير قال ابن إسحاق: "ولما قدم رسول الله ﷺ من منصرفه عن الطائف كتب بُجير بن زهير بن أبي سُلمى إلى أخيه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله ﷺ قتل رجلًا بمكة، ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش، ابن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا من كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فَطِرْ إلى الرسول ﷺ فإنه لايقتل أحدًا جاءه تائبًا، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجاتك من الأرض، وكان كعب بن زهير قد قال: ألا أبلغا عني بجيرًا رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا؟ فبيّن لنا إن كنت لست بفاعل ... على أي شيء غير ذلك دلكا؟ على خُلق لم تُلَفِ أُمًا ولا أبًا ... عليه ولم تدرك عليه أخًا لكا فإنت أنت لم تفعل فلست بآسف ... ولا قائل إما عثرت: لعًا لكا ثم قال ابن إسحاق ﵀: "فلما بلغ كعبًا الكتاب ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره من عَدوّه، فقالوا: هو مقتول. فلما لم يجد من شيء بدًّا، قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ ، وذكر فيها خوفه وارجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فصلى مع رسول الله ﷺ .... فذُكر لي أنه قام إلى رسول الله ﷺ حتى جلس إليه فوضع يده في يده وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبًا مسلمًا، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله ﷺ : نعم، قال: أنا يا رسول الله - كعب بن زهير. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنه وثب عليه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، دعني وعدو الله أضرب عنقه، فقال: رسول الله ﷺ : دعه عنك، فإنه قد جاء تائبًا نازعًا عما كان عليه.

стр. 209

قال: فغضب كعبٌ على هذا الحي من الأنصار، لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلاّ بخير، فقال في قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله ﷺ : بانَتْ سُعاد فقلبي اليوم مَتْبوُلُ ... مُتَيَّمٌ إِثْرها لم يُفْدَ مَكْبُول وذكر القصيدة إلى آخرها. (١) قال ابن كثير: "وقال ابن هشام: هكذا أورد محمَّد بن إسحاق هذه القصيدة ولم يذكر لها إسنادًا" (٢). وقد أسندها الحاكم فقال: أخبرني أبو القاسم عبد الرحمن بن حسين بن أحمد حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني الحجاج بن ذي الرقيبة عن عبد الرحمن بن كعب بن زهير بن أبي سُلمى المزني عن أبيه عن جده قال: "خرج كعب وبجير ابنا زهير حتى أتيا أبرق العرّاف فقال بجير لكعب: أثبت في عجل هذا المكان حتى آتي هذا الرجل -يعني رسول الله ﷺ - فأسمع ما يقول، فثبت كعب وخرج بجير فجاء رسول الله ﷺ وعرض عليه الإِسلام فأسلم فبلغ ذلك كعبًا فقال: ألا ابلغا عني بُجيرًا رسالة ... (وذكر الأبيات المتقدمة) فلما بلغت الأبيات رسول الله ﷺ أهدر دمه فقال: من لقي كعبًا فليقتله. فكتب بذلك بجير إلى أخيه يذكر له أن رسول الله ﷺ قد أهدر دمه ويقول له: النجا وما أراك تفلت، ثم كتب إليه بعد ذلك: أعلم أن رسول الله ﷺ لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله - إلا قبِل ذلك فإذا جاءك كتابي هذا فأَسْلِم، وأَقْبِلْ، فأسلم كعب، وقال القصيدة التي يمدح فيها رسول الله ... " (٣) ورواه البيهقي في

стр. 210

(الدلائل) (٤) من طريق الحاكم، والحجاج بن ذي الرقيبة وأبوه وجده لم أقف لهم على ترجمة. ورواه الحاكم أيضًا مختصرًا عن الحزامي حدثني معن بن عيسى حدثني محمَّد بن عبد الرحمن الأوقص، عن ابن جُدعان قال: أنشد كعب بن زهير رسول الله ﷺ في المسجد: (٥) بانتْ سُعاد فقلبي اليوم مَتْبوُلُ ... مُتَيَّمٌ إِثْرها لم يُفْدَ مَكْبُول وفي هذا السند ثلاث علل: الإرسال، وضعف علي بن زيد، وكذا الراوي عنه محمَّد بن عبد الرحمن الأوقص، قال العقيلي: يخالف في حديثه، وقال ابن عساكر: ضعيفًا. وتفرد ابن حبان فذكره في الثقات (٦). ورواه الحاكم أيضًا عن محمَّد بن فُليح عن موسى بن عقبه قال: "أنشد النبي ﷺ كعبُ بن زهير بانت سعاد، في مسجده بالمدينة .. " والحديث مرسل. ومع ذلك قال الحاكم: "هذا حديث له أسانيد قد جمعها إبراهيم بن المنذر الحزامي. فأما حديث محمَّد بن فليح عن موسى بن عقبه، وحديث الحجاج بن ذي الرقيبة فإنهما صحيحان، وقد ذكرهما محمَّد بن إسحاق القرشي في المغازي مختصرًا" (٧). قال الحافظ العراقي: "وهذه القصة رويناها من طرق لا يصح منها شيء، وذكرها ابن إسحاق بسند منقطع" (٨). وذكرها الحافظ ابن حجر بسنده في: (نتائج الأفكار)، من طريق إبراهيم الحزامي السابق، ثم قال: "هذا حديث غريب تفرّد به إبراهيم بن المنذر بهذا

стр. 211

الإسناد، وقد وقع لنا من وجه آخر عنه مطولًا، وفيه سياق القصيدة بتمامها" (٩). قال ابن كثير: "وقد ورد في بعض الروايات أن رسول الله ﷺ أعطاه بردته حين أنشد القصيدة. ... وهذا من الأمور المشهورة جدًا ولكن لم أر ذلك في شيء من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه فالله أعلم" (١٠). فائدة: قال ابن الأنباري عن ابن القاسم: "كان بندار (بن عبد الحميد الكرخي) يّحفظ سبعمئة قصيدة، أول كل قصيدة: "بانت سعاد" قال المؤلف: وبلغني عن الشيخ الإِمام أبي محمَّد الخشاب أنه قال: أمعنتُ التفتيش والتنقير فلم أقع على أكثر من ستين قصيدة أولها: بانت سعاد" (١١).

стр. 212

غروة تبوك ١ - سبب نزول قوله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾ [التوبة: ٤٩]. قال ابن إسحاق ﵀ في حديثه عن غزوة تبوك: " ... فقال رسول الله ﷺ ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجدّ بن قيس أحد بني سلمة: يا جدّ، هل لك جلاد بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله أوَ تأذن لي ولا تفتنّي؟ فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: قد أذنت لك. ففي الجدّ بن قيس نزلت هذه الآية: (ومنهم من يقول .... ). وقد ساق ابن إسحاق سنده في أول الخبر فقال: "وقد ذكر لنا الزهري ويزيد بن رمان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن قتادة وغيرهم من علمائنا، كل حدّث في غزوة تبوك مابلغه عنها، وبعض القوم يحدّث مالًا يحدّث بعض" (١). قال الشيخ الألباني ﵀: "ضعيف"، رواه ابن هشام عن ابن إسحاق مرسلًا، وكذلك رواه عنه ابن جرير" (٢). أي في تاريخه (٣). وأخرجه الطبري أيضًا في تفسيره فقال: "حدثني محمَّد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: (ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي) قال رسول الله ﷺ : "اغزوا تبوك تغنموا بنات بني الأصفر ونساء الروم، فقال الجدّ: ائذن لنا ولا تفتنا بالنساء" (٤).

стр. 213

ومجاهد بن جبر تابعي فالخبر مرسل. قال يحيى بن سعيد: ابن أبي نجيح لم يسمع التفسير من مجاهد (٥). قال الذهبي: "هو من أخصّ الناس بمجاهد (٦) ". وأخرجه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة (٧). وفيه علتان: ضعف ابن لهيعة، والإرسال. قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ويقال إن الجدّ بن قيس كان منافقًا، وروى أبو نُعيم وابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس ﵁ أنه نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي﴾ ورواه ابن مردويه. من حديث عائشة بسند ضعيف أيضًا، ومن حديث جابر بسند فيهم مبهم" (٨). قال ابن عبد البر ﵀: "وقد قيل إنه تاب فحسنت توبته، فالله أعلم" (٩). وذكرها الهيثمي في "المجمع وقال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه يّحيى الحمّاني، وهو ضعيف (١٠) " ويحيى بن عبد الحميد الحمّاني قال عنه الذهبي: "حافظ منكر الحديث، وقد وثّقه ابن معين وغيره، وقال أحمد بن حنبل: كان يكذب جهارًا. وقال النسائي: ضعيفًا (١١) " وتوسّع في ترجمته في (التهذيب) (١٢). ولاريب أن من المنافقين من اعتذر بهذا العذر، كما ذكر الله ﵎ في الآية السابقة، لكن الجزم بنزولها في الجدّ بن قيس صعب. نعم لو صحّ السند بذلك فلا كلام، أما وهو لم يصح فلا ينبغي ذكره إلا مع بيان

стр. 214

ضعفه. بل قد ذكر الحافظ في ترجمة الجدّ في (الإصابة) ما يدل على شهوده بيعة العقبة الثانية، فقال: "روى الطبراني وابن منده من طريق معاوية بن عمار الدهني عن أبيه عن أبي الزبير عن جابر قال: حملني خالي جدّ بن قيس وما أقدر أن أرمي بحجر في السبعين راكبًا من الأنصار الذين وفدوا على رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث في بيعة العقبة، وإسناده قوي، قال ابن منده: غريب من حديث معاوية بن عمار، تفرّد به محمَّد بن عمران بن أبي ليلى (١٣) " ومعاوية وأبوه عمار روى لهما مسلم، ومحمد بن عبد الله روى له البخاري في الأدب المفرد، والترمذي في سننه، ووصف ابن حجر كل واحد منهم في (التقريب) أنه صدوق. وذكر الهيثمي حديث جابر وقال: "رواه الطبراني في الثلاثة ورجاله ثقات" وأعقبه بلفظ آخر: "قال جابر: وأخرجني خالاي ... " وقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (١٤). وأصل الحديث في البخاري عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵀ يقول: "شهد بي خالاي العقبة" قال أبو عبد الله (البخاري) قال ابن عيينة: "أحدهما البراء بن معرور". ثم ساقه من طريق آخر عن عطاء قال: قال جابر: "أنا وأبي وخالاي من أصحاب العقبة (١٥) ". قال ابن حجر: "وأقارب الأمّ يُسموّن أخوالًا مجازًا، وقدر روى ابن عساكر بإسناد حسن عن جابر قال: حملني خالي الحرّ (كذا) بن قيس في السبعين راكبًا الذين وفدوا على رسول الله ﷺ من الأنصار .. " ثم قال الحافظ: "لكن لم يذكر أحد من أهل السير الحرّ بن قيس في أصحاب العقبة، فكأنه لم يكن أسلم (١٦) " كذا ورد اسمه هنا: الحرّ، ولعله مصحّف من: الجدّ. والله أعلم.

стр. 215

وصحَّ عنه ﷺ أنه قال: "منْ سيّدكم يابني سلمة؟ قالوا: جدّ بن قيس، على أنا نُبخِّله، قال: وأي داء أدوى من البخل؟ بل سيدكم عمرو بن الجموح" رواه البخاري في (الأدب المفرد)، وصححه العراقي، والمناوي (١٧) بعد أن عزاه للإمام أحمد. والألباني (١٨) " فبنو سلمة لم يتهموا الجدّ بالنفاق، بل بالبخل، فلم يكونوا ليسوِّدوا عليهم رجلًا من المنافقين، وحاشاهم من ذلك، ورسول الله ﷺ يقول: "لا تقولوا للمنافقين: سيدنا، فإنه إن يكُ سيدكم فقد أسخطتم ربكم " أخرجه الإِمام أحمد، والبخاري في (الأدب المفرد)، وأبو داود، وصححه النووي (١٩)، والعراقي (٢٠)، والألباني (٢١)، والأرنؤوط (٢٢). نعم أخرج مسلم في صحيحه في بيعة الرضوان يوم الحديبية عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كنا أربع عشرة مئة، فبايعناه، وعمر أخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه غير جدّ بن قيس الأنصاري، اختبأ تحت بطن بعيره (٢٣) " ولا ريب أن هذه منقصة له وحرمان، فإن كان قد تاب - كما ذكر ذلك ابن عبد البر بصيغة التضعيف، وسبق قوله - فالتوبة تجبّ ما قبلها، وان لم يكن فهي دلالة على ضعف إيمانه، أو انفاقه. وأخرجه مسلم في موضع آخر بلفظ: " .. فقال رسول الله ﷺ : وكلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر، فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ ، فقال: والله
следующие страницы →