← Сира

Сира · id 97933

سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام

صالح بن طه عبد الواحد

Полный текст (586 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الخطبة الحادية والعشرون: بيعة العقبة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن بيعة العقبة الأولى والثانية. أمة الإِسلام! تكلمنا في الجمعة قبل الماضية أنه أُسري برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج برسولنا ﷺ إلى السموات العلى إلى سدرة المنتهى، إلى حيث شاء الله، وهناك فرض الله ﵎ على رسولنا ﷺ وعلى أمته خمس صلوات في اليوم والليلة، وقد رأى النبي ﷺ -في رحلة المعراج- من آيات ربه الكبرى، ورأى ﷺ في رحلته قوماً لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم، ورأى النبي ﷺ في رحلته قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، فلا يعقلون؟! " وقد تكلمنا في الجمعة الماضية عن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من رحلة الإسراء والعراج: أولاً: منزلة الأقصى في الإِسلام. ثانياً: منزلة الصلاة في الإِسلام. ثالثاً: التحذير من إطلاق اللسان في أعراض المسلمين، ومن أكل لحوم الأبرياء.

стр. 212

رابعاً: التحذير من خطباء السوء الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون بخلاف ما يقولون، الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون. عباد الله! رجع رسول الله ﷺ من رحلة الإسراء والمعراج قرير العين، منشرح الصدر، مطمئن القلب، عازماً على مواصلة الدعوة إلى الله، واثقاً من أن الله ناصره، ومظهر دينه. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٩]. عباد الله! لم يدع رسول الله ﷺ فرصة للاجتماع بالناس وتبليغهم الدعوة - وخاصة في موسم الحج عندما تقبل القبائل إلى مكة-، وكان مما خاطب به رسول الله ﷺ الناس في الموقف: "هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ؟! " (١). عباد الله! "لما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً، قال لهم رسول الله ﷺ : من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج قال: من موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإِسلام وتلا عليهم القرآن .. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام.

стр. 213

وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك. فسنُقدم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك!! ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدقوا" (١). عباد الله! لما رجع هؤلاء إلى المدينة ذكروا لقومهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإِسلام، وفشا فيهم ذكر رسول الله ﷺ فلم تبق دارٌ إلا دخلها الإِسلام، حتى إذا استدار العام، وأقبل موسم الحج، خرج من المدينة اثنا عشر رجلاً من الذين أسلموا- فيهم الستة الذين كلمهم النبي ﷺ في الموسم السابق- وعزموا على الاجتماع برسول الله ﷺ فلقيهم رسول الله ﷺ بالعقبة- بمنى- وعقد معهم بيعة (وهي بيعة العقبة الأولى). عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، قال فبايعناه على ذلك" (٢). عباد الله! لما عزم القوم على العودة إلى المدينة، بعث معهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير ﵁ وأمره أن يُقرئهم القرآن ويعلمهم الإِسلام، ويفقههم في الدين.

стр. 214

فقام مصعب ﵁ بمهمته خير قيام، يدعو الناس إلى عبادة الله بالحكمة والموعظة الحسنة، متذرعاً بالحلم والصبر الذي تعلمه من رسول الله ﷺ ، فانتشر الإِسلام في المدينة وغيرها على يديه ﵁. وقبل حلول موسم الحج التالي عاد مصعب بن عمير ﵁ إلى مكة، ليبشر رسول الله ﷺ بانتشار الإِسلام ويخبره بحصيلة دعوته في ذلك العام. وكأنه يقول له: يا رسول الله إن المدينة تتهيأ لاستقبالك أنت ومن معك من المسلمين. إخوة الإِسلام! ولما انتشر الإِسلام في المدينة، واطمأن المسلمون المهاجرون بين إخوانهم الأنصار، وبقي رسول الله ﷺ في مكة يُلاقي عنت قريش وأذاها الذي كان يشتد على مر الأيام، قدم وفد الأنصار في موسم الحج فبايعوا بيعة العقبة الثانية. وممن حضر هذه البيعة جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو يخبرنا الخبر: عن جابر ﵁ قال: "مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى؛ يقول: "من يؤويني، من ينصرني، حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ " حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر -كذا قال- فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش؛ لا يفتنك. ويمشي بين رحالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع؛ حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه، وصدقناه، فيخرج الرجل منا، فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله، فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإِسلام، ثم ائتمروا جميعاً، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله ﷺ يُطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلاً، حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا،

стр. 215

فقلنا: يا رسول الله! نبايعك؟ قال: (فذكر الحديث). قال: فقمنا إليه، فبايعناه، وأخذ بيده ابن زرارة -وهو من أصغرهم- فقال: رويداًَ يا أهل يثرب! فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ﷺ ، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جُيَيْنة، فبينوا ذلك؛ فهو عذر لكم عند الله. قالوا: أمط عنا يا سعد! فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً، ولا نسلبها أبداً. قال: فقمنا إليه، فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة" (١). وتمت البيعة، وبايع الأنصار رسول الله ﷺ على الطاعة والنصرة والحرب لذلك سماها عبادة بن الصامت ﵁: بيعة الحرب، وممن حضر هذه البيعة كعب بن مالك الأنصاري ﵁ وهو أحد المبايعين في بيعة العقبة الثانية يخبرنا عما حدث في هذه الييعة. عن كعب بن مالك ﵁ قال: "خرجنا في حجاج قومنا من المشركين .. ، وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق .. وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا .. فقمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله، نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً ومعنا امرأتان من نسائنا .. فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ ، حتى

стр. 216

جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب -وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له- فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج! إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعه في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه .. قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت. فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. قال: فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله ورغب في الإِسلام ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم". قال كعب: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر". فقاطعه أبوالهيثم بن التيهان متسائلاً: "يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالاً وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: "بل الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم" ثم قال: أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس .. وقد طلب الرسول ﷺ منهم الانصراف إلى رحالهم فقال رجلٌ منهم: والذي بَعَثَك بالحق لئن شئتَ لنميلن عن أهل منى غداً بأسيافنا؟

стр. 217

فقال رسول الله ﷺ : لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم" فرجعوا إلى رحالهم، وفي الصباح جاءهم جمع من كبار قريش يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي ﷺ ، ودعوتهم له للهجرة فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا والمسلمون ينظرون إلى بعضهم" (١). وهكذا مرت البيعة بسلام، وعاد الأنصار إلى المدينة ينتظرون هجرة النبي ﷺ إليهم بتلهف كبير. عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من بيعة العقبة الأولى والثانية: أولاً: النصر مع الصبر، كما أخبر النبي ﷺ فقال: "واعلم أن النصر مع الصبر"، فإن صبرنا نصرنا الله، فرسولنا ﷺ والمسلمون معه في مكة صبروا على إيذاء قريش، وصبروا على ما لاقوا من أعداء الدين ابتغاء مرضات الله فجعل الله لهم مخرجاً، ونصرهم الله بالأنصار، فبعد أن أغلق أهل مكة قلوبهم عن الدين فتح الله قلوب أهل المدينة لهذا الدين، وبعد أن أبى أهل مكة أن يبقوا رسول الله ﷺ ليدع لهذا الدين فقد فتح الله ﵎ المدينة على مصراعيها لرسول الله ﷺ ، الذي يحمل هذا الدين. فمهما ضيق الكفار على المسلمين، فوالله الذي لا إله إلا هو فإن الله ﵎ سيجعل للمؤمنين مخرجاً، إن هم عادوا إلى الله وصدقوا مع

стр. 218

الله، وعادوا إلى دينهم، وطلبوا العزة بالإِسلام فإن طلبنا العزة بالإسلام أعزنا الله، وإن طلبنا العزة بغير الإِسلام أذلنا الله. كما قال الفاروق عمر ﵁ "كنا أذلاء فأعزنا الله بالإِسلام، فلو ابتغينا العزة بغير الإِسلام أذلنا الله" فاصبروا على البلاء، وعودوا إلى الله، واعلموا أن الله ﵎ ينصر مع الصبر، وإياكم ودعاة الاستعجال الذين يورطون الأمة في بركة من الدماء، فإن الله نهى عن الاستعجال فقال: لرسول الله ﷺ ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾، والنبي ﷺ يقول لخباب: "ولكنكم تستعجلون". ثانياً: أن المستقبل لهذا الدين: فقد أخبر الله ﵎ في كتابه، وأخبر النبي ﷺ في سنته، أن المستقبل لهذا الدين، وأنه ما من مكان في هذه الدنيا تطلع عليه الشمس إلا وسيدخله الإِسلام، وما من بيت شجر ولا مدر إلا وسيدخله الإِسلام ولو كره الكافرون، ولو تزمجر المنافقون فالمستقبل للإسلام. ثالثاً: أن السر في النجاح في الدعوة إلى الله هو الإخلاص. الإخلاص هو سر النجاح، فإن أرادت الأمة أن تنجح في دعوتها لهذا الدين فعليها بالإخلاص لله ﵎، فها هو مصعب بن عمير ﵁ كان مخلصاً ضرب لنا مثلاً أعلى في ذلك، فاستجاب لأمر رسول الله ﷺ وذهب إلى المدينة يدعو لهذا الدين بالليل والنهار، فما من بيت في المدينة إلا ودخله الإِسلام بفضل الله ﵎، ثم بالجهود العالية العظيمة التي بذلها

стр. 219

مصعب، فكان يجلس في المكان يدعو لهذا الدين يأتيه الرجل من المدينة يحمل حربته يريد أن يقتله فما أن يجلس ويسمع الكلام منه ودعوته بالحلم واللين إلا وهو يقوم وقد شهد "أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، إنها الحكمة والحلم في الدعوة والصبر على الناس، وكيف لا وقد تعلم مصعب من رسول الله ﷺ . اللهم رد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.

стр. 220

الخطبة الثانية والعشرون: هجرة الصحابة ﵃ إلى المدينة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاءٍ جديدٍ من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن هجرة الصحابة ﵃ إلى المدينة. عباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن بيعة العقبة الأولى والثانية، وفي بيعة العقبة الثانية بايع الأنصار رسول الله ﷺ على السمع والطاعة والنصرة والحرب، فعندما قال لهم رسول الله ﷺ : "تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله، لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة" (١) قالوا له: "نعم والذي بعثك بالحق، لنمعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر" (٢). وعندما قالوا له: يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالاً وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : "بل الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم".

стр. 221

عباد الله! لما تمت بيعة العقبة الثانية، وعاد القوم إلى المدينة ينتظرون هجرة النبي ﷺ وأصحابه إليهم بتلهف كبير؛ أمر رسول الله ﷺ المسلمين بالهجرة إلى المدينة واللحوق بالأنصار، فخرجوا أرسالاً -أي جماعات- عباد الله! وكانت الهجرة إلى المدينة بوحي من الله تعالى، قال رسول الله ﷺ :"رأيتُ في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي -أي ظني- إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب" (١). وقالت عائشة ﵂: قال النبي ﷺ للمسلمين: "وإني أريت دار هجرتكم، سبخة، ذات نخل بين لابتين- وهما الحرَّتان-". فهاجر من هاجر قِبلَ المدينة، ورجع عامة من كان بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قِبَلَ المدينة، فقال رسول الله ﷺ : "على رسلك يا أبا بكر، فإني أرجوا أن يؤذن لي"، فقال أبو بكر: أترجوا ذلك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ قال: "نعم" فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ، وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السَّمر أربعة أشهر" (٢). وذلك استعداداً لهجرة النبي من مكة إلى المدينة. عباد الله! عندما أذن النبي ﷺ للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، طاروا إليها زرافات ووحدانا، يحثهم الشوق إلى أرض أمن وأمان، يعبدون فيها ربهم، ويجهرون بصلاتهم، ويأمنون فيها على أنفسهم وأموالهم، فلما رأت قريش

стр. 222

الديار في مكة خلت، والمسلمين هاجروا إلى المدينة، سعت بشتى الطرق إلى عرقلة الهجرة إلى المدينة، وإثارة المشاكل أمام المهاجرين، مرة بحجز زوجاتهم وأطفالهم، ولكنه يهاجر فالدين عنده أغلى من كل شيء، ومرةً بحجز أموالهم ومنعهم من حملها، ومرةً بالاحتيال لإعادتهم إلى مكة، لكن شيئاً من ذلك كله لم يعق موكب الهجرة، فالمهاجرون كانوا على أتم الاستعداد للانخلاع عن أموالهم وأهليهم ودنياهم كلها تلبية لداعي العقيدة. عباد الله! وهذه أمثلة أضعها بين أيديكم لتعلموا الصعوبات التي كانت أمام المسلمين عندما هاجروا من مكة، ومع ذلك هاجروا فراراً بدينهم وطاعة لربهم، فالدين عندهم أغلى شيء، فهذا أبو سلمة ﵁ أخذوا منه زوجته وابنه ليمنعوه من الهجرة فلم يمنعه ذلك من الهجرة إلى المدينة فراراً بدينه الذي هو أغلى من كل شيء. فتعالوا بنا عباد الله! لنستمع إلى أم سلمة ﵂ وهي تخبرنا الخبر، تقول أم سلمة ﵂: "لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رَحَلَ لي بعيره، ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بعيره فلما رأته رجال بني المغيرة (وهم أصهاره) قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد ورهط أبي سلمة. قالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: فَفُرِقَ بيني وبين زوجي وبين ابني، قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس

стр. 223

بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أُمسي، سنة أو قريباً منها، حتى مرَّ بي رجل من بني عمي -أحد بني المغيرة- فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة؛ فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟ قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت قالت: وردّ بنو عبد الأسد إلى عند ذلك ابني قالت: فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة. وما معي أحد من خلق الله قالت: فقلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان ابن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار. فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: فقلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قالت فقلت: لا والله إلا الله وبني هذا قال: والله مالك من مترك، فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه. كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت عنه استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيده في الشجرة ثم تنحى إلى الشجرة فاضطجع تحتها. فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله ثم استأخر عني فقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه، فقاد بي حتى ينزل بي فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة. فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلاً- فادخليها على بركة الله ثم انصرف راجعاً إلى مكة.

стр. 224

فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإِسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة. وما رأيت صاحباً قط أكرم من عثمان بن طلحة" (١). الشاهد يا عباد الله! أن ننظر إلى الصعوبات التي تغلب عليها المسلمون، وهاجروا من مكة إلى الدينة فراراً بدينهم. عباد الله! وهذا صهيب الرومي ﵁ لما أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكاً حقيراً، فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك والله لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. قال: فإني قد جعلت لكم ما لي. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: ربح صهيب، ربح صهيب" (٢). فانظروا عباد الله!، ضحى صهيب بماله كله ليفر بدينه الذي هو أغلى من كل شيء قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧]. عباد الله! وهذا مثال ثالث يبين الأساليب التي اتخذتها قريش لمنع المسلمين من الهجرة إلى المدينة. قال عمر بن الخطاب ﵁: "اتعدت (أي تواعدت) - لما أردنا الهجرة إلى المدينة- أنا وعيّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص التناضب من إضاءة

стр. 225

بني غفار فوق سرف (وهو مكان معروف بالقرب من مكة) وقلنا أينا لا يصبح عندها فقد حبس، فليمض صاحباه. قال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحبس عنها هشام، وفتن فافتن. فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء. وخرج أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة- وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما- حتى قدما علينا المدينة- ورسول الله ﷺ بمكة- فكلماه وقالا: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، فرقَّ لها. فقلت له: يا عياش! إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم .. فقال: أبرُّ قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه. فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالاً، ذلك نصف مالي ولا تذهب معهما. فأبى عليَّ إلا أن يخرج معهما. فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول. فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها معهما. حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخي لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى

стр. 226

قال: فأناح وأناخ ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عَدَوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن. قال: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبة؛ قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم. قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة؛ أنزل الله- تعالى- فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥]. قال عمر بن الخطاب: فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاص قال: فقال هشام: فلما أتتني خرجت بها إلى ذي طوى (واد بمكة) أُصَعِّدُ فيها النظر وأُصَوِّبه لأفهمهما، حتى قلت: اللهم فهمنيها؟ قال: فألقى الله -تعالى- في قلبي، أنها إنما أُنزلت فينا، وفيما كنا نقول لأنفسنا، ويقال فينا. قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ (١). عباد الله! حيل، عراقيل، صعوبات، وضعتها قريش أمام المهاجرين المسلمين من مكة إلى الدينة، ومع ذلك هاجروا فراراً بدينهم، فالدين عندهم أغلى شيء. عباد الله! هذه ثلاثة نماذج لما كان المشركون في مكة يفعلونه بمن يريد

стр. 227

الهجرة من المسلمين، ومع ذلك خرج المسلمون من مكة أرسالاً يتبع بعضهم بعضاً، ولم يبق بمكة أحد من المسلمين إلا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعلي أقاما مع رسول الله ﷺ بأمره وحبس قوم كرهاً؛ حبسهم قومهم، فكُتب لهم أجر المهاجرين بما كانوا عليه من حرصهم على الهجرة. عباد الله! المسلمون من المهاجرين والأنصار في المدينة ينتظرون هجرة رسول الله ﷺ إليهم بتلهف كبير. والرسول ﷺ في مكة ينتظر متى يؤذن له بالهجرة فيهاجر إلى المدينة. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجمعنا بكم مع نبينا في جنات النعيم. عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من هجرة الصحابة- ﵃ من مكة إلى المدينة فهي كثيرة جداً منها: أولاً: على المسلم إذا ضُيقَ عليه في بلد ما ولم يتمكن من عبادة ربه، أن يهاجر إلى بلد آخر ليتمكن من عبادة ربه، فالدين أغلى من كل شيء، فقد هاجر الصحابة ﵃ من مكة إلى المدينة فراراً بدينهم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ [النحل: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩].

стр. 228

ثانياً: الصحابة ﵃ جيل فريد اختارهم الله لنصرة نبيه ولنصرة دينه؛ الأنصار في المدينة قدموا الأرواح والأموال رخيصة في سبيل هذا الدين العظيم؛ والمهاجرون تركوا الأموال والديار والأهل من أجل هذا الدين العظيم، ولذلك قال الله تعالى في وصفهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨ - ٩]. وقال ﷺ : "لا تسبوا أحداً من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" (١). وقال ابن مسعود ﵁: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمَّد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمَّد ﷺ ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون عن دينه" (٢). وقال الإِمام الطحاوي في "عقيدته": "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم. وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" (٣).

стр. 229

ثالثاً: النجاة والسلامة في اتباع الصحابة ﵃ وسلوك منهجهم قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥] وقال ﷺ : "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ" (١). وقال ﷺ : "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة" قيل وما هي يا رسول الله؟ قال: "هي التي تكون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي". وقال ابن مسعود ﵁: "من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمَّد ﷺ ، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم" (٢). اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.

стр. 230

الخطبة الثالثة والعشرون: هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاءٍ جديدٍ من سيرة الحبيب محمَّد ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن هجرة الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة. عباد الله! الهجرة من مكة إلى المدينة كانت بوحي من الله إلى رسوله ﷺ . قال ﷺ : "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي -أي ظني- إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب" (١). عباد الله! بعدما تحدد المكان الذي يُهاجر إليه؟ أذن رسولُ الله ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى المدينة فخرجوا أفراداً وجماعات، وتغلبوا على جميع الصعوبات التي واجهتهم. عباد الله! وأقام رسول الله ﷺ بمكة بعد أصحابه ينتظر أن يؤذن له في الهجرة، ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين؛ إلا من حبس أو فتن؛ إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر ﵄. وكان أبو بكر كثيراً ما يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة، فيقول له رسول الله ﷺ : "على رسلك يا أبا بكر، فإني أرجو أن يؤذن لي" فقال أبو بكر: أترجو ذلك يا رسول الله بأبي أنت؟ قال: "نعم"، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ، وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمر أربعة أشهر (٢)

стр. 231

إستعداداً للهجرة من مكة إلى المدينة. عباد الله! رأت قريش أن الديار قد خلت من أهلها، وأن المسلمين قد تركوا مكة مهاجرين إلى المدينة، تاركين ديارهم وأموالهم، وشعرت قريش أيضاً بأن الإِسلام أضحت له دارٌ يأرز إليها، وحِصنٌ يحتمي به، وتوجست خيفةً من عواقب هذه المرحلة الخطيرة في دعوة محمد ﷺ ، وعلمت قريش أيضاً أن محمداً لا بد أن يدرك أصحابه اليوم أو غداً، فاجتمعوا في دار الندوة ليتخذوا قراراً حاسماً في هذا الأمر. فرأى بعضهم أن توضع القيود في يد محمَّد ﷺ ويشد وثاقه ويرمى به في السجن لا يصله منهم إلا الطعام، ويترك على ذلك حتى يموت، ورأى آخر أن ينفي من مكة فلا يدخلها وتنفض قريش يديها من أمره، وقد استُبعِدَ هذان الاقتراحان لعدم جدواهما واستقر الرأي على الاقتراح الذي أبداه أبو جهل. قال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شاباً نسيباً وسطاً فتياً، ثم نعطي كل فتى سيفاً صارماً، ثم يضربونه جميعاً ضربة رجل واحدٍ، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلِّها، ولا أظن أن بني هاشم يقوون على حرب قريش كافة، فإذا لم يبق أمامهم إلا الدية أديناها. ورضي كفار مكة بهذا الحل للمشكلة التي حيرتهم، وانصرفوا ليقوموا على تنفيذ هكذا القرار الجائر الغادر. وقد أخبرنا الله في كتابه عن هذا الاجتماع، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ

стр. 232

الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠] (١). عباد الله! لما أجمع كفار مكة على قتله ﷺ ، أوحى الله ﵎ إليه بالإذن في الهجرة، فخرج رسول الله ﷺ من بيته إلى بيت أبي بكر ﵁ ليخبره بذلك. تعالوا بنا لنستمع إلى عائشة ﵂ وهي تخبرنا الخبر، قالت عائشة ﵂: "بينما نحن يوماً جلوس في بيت أبي بكر في نحو الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعاً- في ساعة لم يكن يأتينا فيها- فقال أبو بكر: فداءً له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي ﷺ لأبي بكر: أخْرِجْ مَنْ عِندَك. فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله. قال ﷺ : فإني قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : "نعم". قال أبو بكر: فخذ- بأبي أنت يا رسول الله- إحدى راحلتي هاتين قال رسول الله ﷺ : "بالثمن"، قالت عائشة: فجهزناهما أحسن الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاق" (٢). إخوة الإِسلام! وتواعدا أن يخرجا ليلاً إلى غار ثور، فيمكثا ثلاث ليال

стр. 233

وذلك من تمام إحكام الخطة، ورجاء النجاة والسلامة، ذلك أن قريشاً تعلم أن النبي ﷺ مهاجر إلى المدينة فإذا فقدته ستطلبه جهة المدينة- في الشمال- فخرج ﷺ أول ما خرج جهة الجنوب، جهة اليمن مخالفاً تماماً الطريق الذي قصده، حتى إذا خرجت قريش من جهة المدينة فلم تدركه علمت أنه قد نجى، فترجع فيخرج بعد آمناً سالماً مطمئناً. واستأجرا أجيراً يهديهما الطريق، وكان كافراً إلا أنهما أمناه على هذا السر، وأسلما له الراحلتين، وواعداه أن يأتيهما بعد ثلاث في غار ثور. وفي الليل خرج ﷺ وأبو بكر، وأمر النبي ﷺ علياً أن ينام في فراشه تلك الليلة، وأتيا غار ثور فدخلاه، وكان عبد الله بن أبي بكر ﵄ يبيت عندهما إلى الثلث الأخير من الليل، فإذا دخل السحر تدلى إلى مكة فأصبح بينهم كأنه بائت فيهم، فيستمع إليهم بالنهار، وما يكيدونه للنبي ﷺ فإذا جاء الليل ذهب إليهما، فأخبرهما بما سمع من مكائد قريش، وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى الغنم قريباً من الغار، فإذا كانت العشاء راح عليهما بالغنم في الظلام، فيحلبان ويطعمان ثم ينعق عامر على الغنم فتنزل إليه، صنع ذلك حتى انتهت الثلاث. عباد الله! وجاء الشباب الذين أجمعوا أمرهم على قتل النبي ﷺ ، وباتوا ليلتهم أمام الدار، فلم يرعهم إلا خروج علي بدلاً من محمَّد ﷺ ، فجن جنونهم وطاروا هنا وهناك في الطرقات، يبحثون عن النبي ﷺ وصاحبه حتى انتهى بهم أثر الأقدام إلى غار ثور الذي دخله النبي ﷺ ، فأعمى الله أبصارهم، وصرف قلوبهم عن دخول الغار، وهم أمام بابه وأبو بكر يقول: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا. فيقول ﷺ : "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، يا أبا بكر لا تحزن إن

стр. 234

الله معنا" قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]. عباد الله! وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على أمره، فصرف قلوبهم عن دخول الغار، فرجعوا يجرون أذيال الخيبة، وبعد ثلاث جاء الأجير الكافر في موعده، وكان هادياً خريتاً -أي ماهراً بالطريق- بالراحلتين فارتحل النبي ﷺ إحداهما وأبو بكر الأخرى، وخرج معهم عامر ابن فهيرة، وانطلق بهم الدليل نحو الجنوب، ثم انحاز بهم نحو الساحل ثم أخذ طريق الساحل إلى المدينة. عباد الله! ولكن قريشاً لم تسكت ولم تهدأ، ساءها خروج النبي ﷺ من بينهم، وفشلهم في إدراكه. فذاعوا في الناس: من جاء بمحمد وصاحبه أحياءً وأمواتاً فله ديتهما، والدية مائة من الإبل، والإبل أنفس أموال العرب وأحبها إلى قلوبهم، فسال لعاب الناس، من الذي يأتي بمحمد وصاحبه فيأخذ مائتين من الإبل. عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى سراقة بن مالك وهو يخبرنا الخبر قال سراقة: "فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي إذ أقبل رجل فيهم حتى قام علينا ونحن جلوس. فقال: يا سراقة! إني رأيت آنفاً أسودة بالساحل أراها محمداً وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا.

стр. 235

ثم لبثت في الجلس ساعة ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره فركبت فرسي- وعصيت الأزلام- تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت- وأبو بكر يكثر الالتفات- ساخت يد فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة، إذا لأثرِ يديها عُثانٌ ساطعٌ في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان، فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم؛ أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزءاني، ولم يسألاني إلا أن قال: أخف عنا. فسألته أن يكتب لي كتاب أمان، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أُدم، ثم مضى رسول الله ﷺ (١). إخوة الإِسلام! النبي ﷺ في طريقه إلى المدينة، وقد وصلت الأخبار إلى المدينة أن رسول الله ﷺ خرج من مكة إلى المدينة فكانوا يغدون كل غداة إلى ظاهر المدينة ينتظرونه، حتى إذا اشتد الحر عليهم عادوا إلى بيوتهم. حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه انتظروه حتى لم يبق ظل يستظلون به

стр. 236

فعادوا، وقدم الرسول ﷺ وقد دخلوا بيوتهم، فبصر به يهودي فناداهم بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جَدُّكم الذي تنتظرون، فخرجوا فاستقبلوه وكان فرحتهم به غامرة فقد حملوا أسلحتهم وتقدموا نحو ظاهر الحرّة فاستقبلوه. ونزل رسول الله ﷺ في قباء في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء، ولما عزم رسول الله ﷺ أن يدخل المدينة أرسل إلى زعماء بني النجار، فجاءوا متقلدين سيوفهم وعدد الذين استقبلوه من الأنصار خمس مئة. فأحاطوا بالرسول وبأبي بكر وهما راكبان، ومضى الموكب داخل المدينة. "وقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله ﷺ " وقد صعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان في الطرق ينادون: يا محمَّد يا رسول الله، يا محمَّد يا رسول الله. قال الصحابي البراء بن عازب ﵁ وهو شاهد عيان "ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ " (١). عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من هجرة النبي ﷺ فهي كثيرة جداً منها: أولاً: الدين أغلى عند المسلم من كل شيء، فالرسول ﷺ وأصحابه تركوا ديارهم وأموالهم فداء ونصرة لهذا الدين العظيم، وهذا يظهر من قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا

стр. 237

مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨]. ومن قوله ﷺ : "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى، والله! لولا أني أخرجت منك، ما خرجت" (١). عباد الله! كفار مكة أخرجوا رسول الله ﷺ وأصحابه لأنهم قالوا: ربنا الله، ولأنهم دخلوا في دين الله، وهذا يظهر من قول ورقة بن نوفل لرسولنا ﷺ : يا ليتني فيها جذعاً حين يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجي هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي" (٢). ولذلك على المسلم إذا ضيق عليه في دينه، ولم يتمكن من عبادة ربه، أن يهاجر إلى أي بلد مسلم آخر ليتمكن من عبادة ربه، فليس هناك على وجه الأرض شخص أفضل من رسول الله ﷺ ، وليس هناك بلد أفضل من مكة ومع ذلك فقد هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة. ثانياً: الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة مهما كاد الكفار للمسلمين وخططوا، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢١]. وهذا يظهر من نصر الله لرسوله ﷺ في هجرته من مكة إلى المدينة.

стр. 238

فالصحابة الكرام ﵃ هناك في المدينة لا يملكون لرسول الله ﷺ شيئاً، وكفار مكة يطاردون رسول الله ﷺ في كل مكان ليقتلوه، ومع ذلك نصر الله رسوله ﷺ وأيده بجنوده التي لا يعلمها إلا الله. قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠]. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

стр. 239

الخطبة الرابعة والعشرون الباحثون عن الحق عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي ﵄ - عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الباحِثَيْنِ عن الحق وهما: عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي ﵄. عباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، وتبين لنا أن المسلمين في المدينة فرحوا بهجرة النبي ﷺ فرحاً شديداً. يقول البراء بن عازب ﵁: "ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ " (١). ويقول أنس ﵁: "لما كان اليوم الذي دخل النبي ﷺ فيه المدينة أضاء منها كلُّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلُّ شيء، وما نفضنا أيدينا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا" (٢). الشاهد يا عباد الله! أن المدينة ومن فيها فرحوا بهجرة النبي ﷺ فرحاً شديداً. عباد الله! دخل رسول الله ﷺ المدينة راكباً على ناقته، والأنصار يتطلعون إلى استضافته، فكلما مر على أحدهم دعاه للنزول عنده فكان ﷺ

стр. 240

يقول لهم: دعوا الناقة فإنها مأمورة، فبركت على باب أبي أيوب الأنصاري ﵁، في مكان المسجد النبوي الذي هو فيه الآن (١). عباد الله! فتساءل ﷺ : أي بيوت أهلنا أقرب؟ - يقصد بذلك بيوت بني النجار أخواله-. فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري، وهذا بابي فنزل ﷺ في داره (٢). وكانت الدار طابقين، فاختار النبي ﷺ أن يسكن في الطابق الأرضي، فقال أبو أيوب ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله إني لأكره أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل. فقال النبي ﷺ : "يا أبا أيوب: إنه أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت". قال أبو أيوب: فكان النبي ﷺ في السفل وكنا فوقه في المسكن، فانكسرت جرة لنا فيها ماء، فقمت أنا وأمُّ أيوب بقطيفة لنا -ليس لنا لحاف غيرها- ننشف بها الماء مخافة أن يقطر منه شيء على رسول الله ﷺ فيؤذيه" (٣). عباد الله! أخذت الوفود تتوافد على رسول الله ﷺ في دار أبي أيوب، وسمع عبد الله بن سلام -وكان رجلاً يهودياً- بنزول النبي ﷺ في دار أبي أيوب، وقد تنادى الناس فيما بينهم: قد قدم رسول الله، قد قدم رسول الله، قد قدم رسول الله، فجاء عبد الله بن سلام مع الناس ليرى رسول الله ﷺ .

стр. 241

قال عبد الله بن سلام: فلما رأيت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: "يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" (١). فالإِسلام هو دين السلام، جاء بالسلام والرحمة إلى الناس. عباد الله! ذهب عبد الله بن سلام إلى أهله ثم عاد ليبحث عن الحق. قال عبد الله بن سلام: يا محمَّد إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهم إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال النبي ﷺ : "أخبرني بهن جبريل آنفاً" قال ابن سلام: جبريل؟ قال ﷺ : "نعم" قال ابن سلام: "ذاك عدو اليهود من الملائكة". فقال رسول الله ﷺ : "أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما نزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة؛ نزع الولد (أي: جذبه إليه فكان أشبه بأبيه)، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل؛ نزع إليها. فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله ثم قال:

стр. 242

يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت (أي أهل إفك وكذب) يقولون في الرجل ما ليس فيه، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فابعث إليهم يا رسول الله، واسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إن علموا أني أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيَّ. فأرسل إليهم رسول الله ﷺ فجاءوه، واختبأ عبد الله بن سلام، فقال لهم رسول الله ﷺ : "يا معشر اليهود، ويلكم، اتقوا الله وأسلموا، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد علمتم أني رسول الله حقاً، وأني قد جئتكم بالحق من عنده". فقالوا: ما نعلمه؟ فقال رسول الله ﷺ : "فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: ذاك سيدنا، وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. فقال ﷺ : "أرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال ﷺ : "أرأيتم إن أسلم؟ ". قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال ﷺ : "أرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. فقال رسول الله ﷺ : "يا ابن سلام اخرج عليهم". فخرج ابن سلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم قال لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق.

стр. 243

فقالوا له: كذبت ثم قالوا: شرنا، وابن شرنا وتنقصوه. فقال ابن سلام: يا رسول الله! ذاك الذي كنت أخاف على نفسي منهم فأخرجهم رسول الله ﷺ " (١). وصدق الله العظيم حيث قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ [الأحقاف: ١٠]. فهذه شهادة مِن رجلٍ مَنَّ الله عليه بالإِسلام من اليهود في رسول الله ﷺ وفي اليهود، فأخبر في شهادته أن رسول الله ﷺ حق، وأن اليهود قوم بهت. عباد الله! إذا كانت اليهود تعلم أن رسول الله ﷺ حق بشهادة أعلمهم وهو عبد الله بن سلام، فتعالوا بنا لنرى شهادة النصارى أيضاً في رسول الله ﷺ ، وكيف أن أحبارهم ورهبانهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦]. ويظهر لنا ذلك من قصة إسلام سلمان الفارسي ﵁. عن ابن عباس ﵄ قال: حدثني سلمان عن نفسه فقال: كنت رجلاً فارسياً من أهل (أصبهان)، من أهل قرية منها يقال لها: (جيّ)، وكان أبي دهقان قريته (أي رئيسها)، وكنتُ أحبُّ خلقِ اللهِ إليه، فلم يزل به حُبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، وأجهدت في

стр. 244

المجوسية حتى كنت قاطن النار؛ الذي يوقدها؛ لا يتركها تخبو ساعة، قال: وكانت لأبي ضيعة عظيمة، قال: فَشُغِلَ في بنيان له يوماً، فقال لي: يا بني! إني قد شُغِلتُ في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فأطلعها. وأمرني فيها ببعض ما يريد، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم وسممعت أصواتهم؛ دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، قال: فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي، ولم آتها، فقلت لهم: أين أَصلُ هذا الدين؟ قالوا: بالشام، قال: ثم رجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي، وشغلتُه عن عمله كلِّه، قال: فلما جئته قال: أي بني أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبت! مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس. قال: أي بني! ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، قال: قلت: كلا والله؛ إنه خير من ديننا، قال: فخافني، فجعل في رجلي قيداً، ثم حبسني في بيته، قال: وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم، قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى، قال: فأخبروني بهم، قال: فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم، فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة. قال: فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا

стр. 245

الدين، وأحببت أن أكون معك؛ أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك وأصلي معك، قال: فادخل فدخلت معه، قال: فكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها؛ فإذا جمعوا إليه منها أشياء؛ اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وَوَرِق، قال: وأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء؛ يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها؛ فإذا جئتموه بها؛ اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئاً. قالوا: وما علمك بذلك؟ قال: قلت: أنا أدلكم على كنزه. قالوا: فدلنا عليه، قال: فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهباً وورقاً. قال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبداً. فصلبوه، ثم رجموه بالحجارة. ثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه بمكانه. قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلاً لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه؛ أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلاً ونهاراً منه، قال: فأحببته حباً لم أحبه مَن قبله، وأقمت معه زماناً، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان! إني كنت معك، وأحببتك حباً لم أحبه أحداً من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى مَنْ توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! والله ما أعلم أحداً اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلاً بـ (الموصل) وهو فلان، فهو على ما كنت عليه فالحق به. قال: فلما مات وغُيب؛ لحقت بصاحب (الموصل)، فقلت له: يا فلان إن فلاناً أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره، قال: فقال لي: أقم عندي. فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث

стр. 246

أن مات، فما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان! إن فلاناً أوصي بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! والله ما أعلم رجلاً على مثل ما كنا عليه إلا رجلاً بـ (نصيبين)، وهو فلان فالحق به. قال: فلما مات وغُيب؛ لحقت بصاحب (نصيبين) فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي قال: فأقم عندي. فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبثت أن نزل به الموت، فلما حضر؟ قلت له: يا فلان! إن فلاناً كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك؛ فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! والله ما نعلم أحداً بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلاً بـ (عمورية)؛ فإنه بمثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته، فإنه على أمرنا. قال: فلما مات وغيب؛ لحقت بصاحب (عمورية)، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي. فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان! إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان بي إليك؛ فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي، هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب مهاجراً إلى أرض بين حرتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة؛ فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. قال: ثم مات وغُيب، فمكثت بـ (عَمورية) ما شاء الله أن أمكث ثم مر بي

стр. 247

نفر من كلب تجاراً، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم. فأعطيتهموها، وحملوني، حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني، فباعوني من رجل من اليهود عبداً، فكنت عنده، ورأيت النخل، ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لىِ صاحبي، ولم يحق لي في نفسي، فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاجي، فأقمت بها. وبعث الله رسوله فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: فلان! قاتل الله بني قيلة؛ والله إنهم الآن لمجتمعون بـ (قباء) على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي. قال: فلما سمعتها أخذتني العُرُواء (أي: الرِّعدة) حتى ظننت أني سأسقط على سيدي، قال: ونزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك، قال: قلت: لا شيء إنما أردت أن أستثبت عما قال، وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بـ (قباء)، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، قال: فقربته إليه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "كلوا". وأمسك يده فلم يأكل، قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه، فجمعت شيئاً وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم جئت به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل رسول الله ﷺ -

стр. 248

منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، ثم جئت رسول الله ﷺ وهو ببقيع الغرقد، قال: وقد تبع جنازة من أصحابه، عليه شملتان له، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره؛ هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرته؛ عرف أني استثبت في شيء وصف لي، قال: فألقي رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول الله ﷺ : "تحول". فتحولت، فقصصت عليه حديثي -كما حدثتك- يا ابن عباس! قال: فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه. ثم شَغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر واحد، قال: ثم قال لي رسول الله ﷺ : "كاتب يا سلمان". فكاتبت صاحبي على ثلاث مئة نخلة أحييها له بالفقير وبأربعين أوقية، فقال رسول الله ﷺ : "أعينوا أخاكم". فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين ودية (صغار النخل)، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، والرجل بعشر -يعني الرجل بقدر ما عنده- حتى اجتمعت لي ثلاث مئة ودية، فقال لي رسول الله ﷺ : "اذهب يا سلمان! ففقر لها، فإذا فرغت فأتني أكون أنا أضعها بيدي". ففقرت لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته، فخرج رسول الله ﷺ معي إليها، فجعلنا نقرب له الودي، ويضعه رسول الله ﷺ بيده، فوالذي نفس سلمان بيده؛ ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل وبقي علي المال، فأتي رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي، فقال: "ما فعل الفارسي المكاتب؟ ". قال: فدعيت له. فقال: "خذ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سلمان! ". فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ قال: "خذها؛ فإن الله سيؤدي بها عنك".

стр. 249

قال: فأخذتها، فوزنت لهم منها -والذي نفس سلمان بيده- أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم، وعتقت، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق، ثم لم يفتني معه مشهد" (١). عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي ﵄ فهي كثيرة جداً نعيش معها في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى- إن كان في العمر بقية. اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.

стр. 250

الخطبة الخامسة والعشرون الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي ﵄ - أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي ﵄. عباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أن رسول الله ﷺ عندما وصل إلى المدينة نزل في دار أبي أيوب الأنصاري ﵁ وكانت الدار من طابقين فنزل ﷺ في الطابق الأرضي، فلما طَلبَ منه أبو أيوب أن يصعد إلى الطابق العلوي قال له رسول الله ﷺ : "يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت"، وبدأت الوفود تتوافد على رسول الله ﷺ في دار أبي أيوب، وكان ممن جاء إلى رسول الله ﷺ يبحث عن الحق، عبد الله بن سلام وكان رجلاً يهودياً فسأل رسول الله ﷺ عن أشياء فلما أجابه الرسول ﷺ قال "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله" ثم قال ابن سلام: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت .. الخ. عباد الله! وتكلمنا في الجمعة الماضية أيضاً عن سلمان الفارسي ﵁ وكيف انتقل من بلد إلى بلد، ومن رجل إلى رجل يبحث عن الحق فعندما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وعلم به سلمان الفارسي ذهب إليه، فلما وجد منه الصفات التي أخبروه عنها؛ وهي أن النبي ﷺ لا يأكل الصدقة، ويأكل
следующие страницы →