أن مات، فما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان! إن فلاناً أوصي بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! والله ما أعلم رجلاً على مثل ما كنا عليه إلا رجلاً بـ (نصيبين)، وهو فلان فالحق به.
قال: فلما مات وغُيب؛ لحقت بصاحب (نصيبين) فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي قال: فأقم عندي. فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبثت أن نزل به الموت، فلما حضر؟ قلت له: يا فلان! إن فلاناً كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك؛ فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! والله ما نعلم أحداً بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلاً بـ (عمورية)؛ فإنه بمثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته، فإنه على أمرنا.
قال: فلما مات وغيب؛ لحقت بصاحب (عمورية)، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي. فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان! إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان بي إليك؛ فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي، هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب مهاجراً إلى أرض بين حرتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة؛ فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.
قال: ثم مات وغُيب، فمكثت بـ (عَمورية) ما شاء الله أن أمكث ثم مر بي
стр. 247
نفر من كلب تجاراً، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم. فأعطيتهموها، وحملوني، حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني، فباعوني من رجل من اليهود عبداً، فكنت عنده، ورأيت النخل، ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لىِ صاحبي، ولم يحق لي في نفسي، فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاجي، فأقمت بها.
وبعث الله رسوله فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: فلان! قاتل الله بني قيلة؛ والله إنهم الآن لمجتمعون بـ (قباء) على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي. قال: فلما سمعتها أخذتني العُرُواء (أي: الرِّعدة) حتى ظننت أني سأسقط على سيدي، قال: ونزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك، قال: قلت: لا شيء إنما أردت أن أستثبت عما قال، وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بـ (قباء)، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، قال: فقربته إليه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "كلوا". وأمسك يده فلم يأكل، قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه، فجمعت شيئاً وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم جئت به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل رسول الله ﷺ -
стр. 248
منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، ثم جئت رسول الله ﷺ وهو ببقيع الغرقد، قال: وقد تبع جنازة من أصحابه، عليه شملتان له، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره؛ هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرته؛ عرف أني استثبت في شيء وصف لي، قال: فألقي رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول الله ﷺ : "تحول". فتحولت، فقصصت عليه حديثي -كما حدثتك- يا ابن عباس! قال: فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه. ثم شَغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر واحد، قال: ثم قال لي رسول الله ﷺ : "كاتب يا سلمان". فكاتبت صاحبي على ثلاث مئة نخلة أحييها له بالفقير وبأربعين أوقية، فقال رسول الله ﷺ : "أعينوا أخاكم".
فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين ودية (صغار النخل)، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، والرجل بعشر -يعني الرجل بقدر ما عنده- حتى اجتمعت لي ثلاث مئة ودية، فقال لي رسول الله ﷺ : "اذهب يا سلمان! ففقر لها، فإذا فرغت فأتني أكون أنا أضعها بيدي". ففقرت لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته، فخرج رسول الله ﷺ معي إليها، فجعلنا نقرب له الودي، ويضعه رسول الله ﷺ بيده، فوالذي نفس سلمان بيده؛ ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل وبقي علي المال، فأتي رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي، فقال: "ما فعل الفارسي المكاتب؟ ". قال: فدعيت له. فقال: "خذ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سلمان! ". فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ قال: "خذها؛ فإن الله سيؤدي بها عنك".
стр. 249
قال: فأخذتها، فوزنت لهم منها -والذي نفس سلمان بيده- أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم، وعتقت، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق، ثم لم يفتني معه مشهد" (١).
عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي ﵄ فهي كثيرة جداً نعيش معها في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى- إن كان في العمر بقية.
اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.
стр. 250
الخطبة الخامسة والعشرون
الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي ﵄ -
أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي ﵄.
عباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أن رسول الله ﷺ عندما وصل إلى المدينة نزل في دار أبي أيوب الأنصاري ﵁ وكانت الدار من طابقين فنزل ﷺ في الطابق الأرضي، فلما طَلبَ منه أبو أيوب أن يصعد إلى الطابق العلوي قال له رسول الله ﷺ : "يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت"، وبدأت الوفود تتوافد على رسول الله ﷺ في دار أبي أيوب، وكان ممن جاء إلى رسول الله ﷺ يبحث عن الحق، عبد الله بن سلام وكان رجلاً يهودياً فسأل رسول الله ﷺ عن أشياء فلما أجابه الرسول ﷺ قال "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله" ثم قال ابن سلام: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت .. الخ.
عباد الله! وتكلمنا في الجمعة الماضية أيضاً عن سلمان الفارسي ﵁ وكيف انتقل من بلد إلى بلد، ومن رجل إلى رجل يبحث عن الحق فعندما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وعلم به سلمان الفارسي ذهب إليه، فلما وجد منه الصفات التي أخبروه عنها؛ وهي أن النبي ﷺ لا يأكل الصدقة، ويأكل
стр. 251
الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة، أسلم ودخل في دين الله، وكان سلمان الفارسي ﵁ عبداً عند يهودي فأعانه النبي ﷺ والصحابة حتى تحرر من الرق وحضر مع رسول الله ﷺ غزوة الخندق وما بعدها من الغزوات.
أمة الإِسلام! وفي قصة إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي ﵄ دروس وعظات وعبر منها:
أولاً: تواضعه ﷺ ورأفته ورحمته بأصحابه وبضيوفه، وهذا يظهر من نزوله في الطابق السفلي من دار أبي أيوب الأنصاري، ومن قوله ﷺ : "يا أبا أيوب! إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت".
عباد الله! من اللحظة الأولى وضع رسول الله ﷺ نفسه في مكان يسهل على جميع الناس أن يصلوا إليه، ولم يجعل على بيته بوابين يمنعون الناس من الدخول عليه ﷺ ، فهذا عبد الله بن سلام من اليهود، ومع ذلك دخل على رسول الله ﷺ وسأله وتكلم معه ثم أسلم، والشاهد على أن النبي ﷺ ليس على بابه بوابين:
مرّ النبي ﷺ على امرأة تبكي عند قبر فقال لها: "اتقي الله واصبري" فقالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﷺ فأتت باب النبي ﷺ ، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك.
فقال ﷺ : "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" (١).
الشاهد يا عباد الله! أنها لم تجد على بابه بوابين يمنعونها من الدخول على رسول الله ﷺ .
стр. 252
ومن تواضعه ﷺ .
يقول أنس ﵁: إن كانت الأمة -أي العبدة المملوكة- من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي ﷺ فتنطلق به حيث شاءت" (١) وذلك ليقضي لها حاجتها، إنها أخلاق النبوة.
- وسئلت عائشة ﵂ ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله- يعني: خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة (٢). وكان ﷺ إذا مرَّ على الصبيان سلم عليهم (٣).
ومن تواضعه ﷺ أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" (٤).
وقال ﷺ : "إن الله أوحى إلى؛ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" (٥).
والله يثني عليه في كتابه فيقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
عباد الله! وبهذا التواضع، وبهذه الرحمة، وبهذا الرفق من رسول الله ﷺ
стр. 253
بأصحابه، وبالناس أقبل الناس عليه، والتفوا حوله، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
ثانياً: اليهود قوم بهت -أي أهل إفك وكذب يقولون في الإنسان ما ليس فيه-
وهذا يؤخذ من قول أحد علمائهم وهو عبد الله بن سلام بعد أن شرح الله صدره للإسلام فقال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت.
والبهتان يا عباد الله! هو: أن ترمي الرجل بما ليس فيه
قال رسول الله ﷺ : "أتدرون ما الغيبة"
قالوا: الله ورسوله أعلم
قال ﷺ : "ذكرك أخاك بما يكره"
قيل: يا رسول الله أفرأيت إن كان في أخي ما أقول
قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" (١).
فهذا تاريخ اليهود الأسود يشهد لهم بذلك؛ يقلبون الحقائق فنراهم في واقعنا المعاصر يقتلون المسلمين في أرض فلسطين ثم بعد ذلك باستخدامهم لوسائل الإعلام يقلبون الحقائق ويظهرون للناس أنهم هم الذين يُقْتَلونَ.
стр. 254
فاليهود قوم بهت:
١ - ومن بهتانهم: أنهم كذبوا على الله فوصفوه بما لا يليق وقد فضحهم الله في كتابه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران: ١٨١]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة: ٣٠].
٢ - ومن بهتانهم: أنهم اتهموا مريم بالزنا، قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ [النساء: ١٥٦].
٣ - ومن بهتانهم: أنهم زعموا أن جبريل ﵇ عدوٌّ لهم وهذا يظهر من قول ابن سلام قبل أن يسلم عندما قال النبي ﷺ "أخبرني بهن جبريل آنفا" فقال ابن سلام: جبريل، قال ﷺ : "نعم"، قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فالله كذبهم ورد عليهم فقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٧ - ٩٨].
عباد الله! اليهود أهل حقد وحسد على المسلمين، وقد فضحهم الله في
стр. 255
كتابه؛ فقال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وقال تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩].
اليهود لا يحبون الخير للمسلمين أبداً، وهم أشد الناس عداوة للمؤمنين، قال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة: ٨٢].
عباد الله! اليهود يعملون بالليل والنهار، وينفقون أموالهم ليصرفوا المسلمين عن دينهم، وذلك لأن اليهود تقوى على حساب تفرق المسلمين وضعفهم وبعدهم عن دينهم. قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].
عباد الله! اليهود هم أكلة الربا في العالم كله قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
اليهود ينقضون العهود والمواثيق وهم قتلة الأنبياء قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ
стр. 256
قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٥]
اليهود هم أفسد الناس في الأرض على الإطلاق، وهم الذين يشعلون الحروب بين الناس لأنهم لا يعيشون إلا على حساب خراب بيوت الآخرين قاتلهم الله. قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة: ٦٤].
اليهود يسارعون إلى الإثم والعدوان وأكل الحرام ليلاً ونهاراً قال تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ [المائدة: ٦٢].
اليهود من أشر الناس ومن أضل الناس، ولذلك غضب الله عليهم ولعنهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
اليهود من أجبن الناس على الإطلاق؛ قال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾ [الحشر: ١٣ - ١٤].
ثالثاً: على الإنسان أن يبحث عن الحق ليلاً ونهاراً، فإن وجده اتبعه بلا تردد، وهذا يؤخذ من فعل عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي ﵄.
стр. 257
فهذا عبد الله بن سلام عندما نظر إلى وجه النبي ﷺ ووجده ليس بوجه كذاب، وعندما سأله عن المسائل الثلاث وأجابه النبي ﷺ ، عرف ابن سلام أن النبي ﷺ حق، وأنه جاء بالحق من عند الله تعالى، فعندها بلا تردد قال: أشهد أن لا إله الله وأشهد أنك رسول الله، وقال ابن سلام لليهود: يا معشر اليهود! اتقوا الله؟ فوالله الذي لا إله غيره إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق.
وهذا سلمان الفارسي ﵁، ترك أهله، وترك الغنى عند أبيه، وانتقل من بلد إلى بلد، ومن شخص إلى شخص، وباعوه عبداً لرجل من اليهود، ومع ذلك يبحث عن الحق فعندما التقى برسول الله ﷺ وقدم له الصدقة فلم يأكل النبي ﷺ منها، وقدم له الهدية فأكل ﷺ منها، ورأى سلمان خاتم النبوة بين كتفي النبي ﷺ انكب على رسول الله ﷺ يقبله ويبكي، ودخل في دين الله، فعلى الإنسان أن يبحث دائماً عن الحق في كل شيء، فإذا وجده اتبعه بلا تردد؛ لأنه ليس بعد الحق إلا الضلال، ولأن الحق أحق أن يتبع، فكم من إنسان منعه الكبر من اتباع الحق؟! وكم من إنسان منعه الجهل من اتباع الحق، وكم من إنسان منعته الدنيا وحب الدينار عن اتباع الحق، وكم من إنسان منعته الحزبية البغيضة عن اتباع الحق؟!
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢].
رابعاً: ضرورة التعاون على البر والتقوى، وضرورة مساعدة المحتاج، وضرورة التعاون على قضاء الدين عن المدين.
وهذا يؤخذ من فعل النبي ﷺ والصحابة ﵃ مع سلمان الفارسي ﵁ عندما ساعدوه ليتحرر من الرق فالله يقول:
стр. 258
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
وقال ﷺ : "أعينوا أخاكم" أي: سلمان (١).
وقال ﷺ : "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً؛ ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .. " (٢).
فإذا ابتلي رجل من المؤمنين الصالحين بِدَين، من غير إسراف ولا تبذير، ولا محاربة لله ورسوله بالمعاصي، فإنه يجب على المسلمين أن يتعاونوا مع هذا الرجل على قضاء هذا الدين عنه، كما فعل النبي ﷺ والصحابة مع سلمان الفارسي ﵁.
قال ﷺ : "ما من عبد كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله عون" (٣) أي: أعانه الله.
وقال ﷺ : "ما من أحد يدان ديناً يعلم الله منه أنه يريد قضاءه، إلا أداه الله عنه في الدنيا" (٤)
اللهم أعز الإِسلام والمسلمين.
стр. 259
الخطبة السادسة والعشرون: المسجد في الإسلام
أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن المسجد في الإِسلام.
عباد الله! أولُ عملٍ قام به النبي ﷺ عندما وصل إلى المدينة هو بناء المسجد.
يقول أنس بن مالك ﵁: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نزل علوِّ المدينة، في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا متقلدين بسيوفهم.
قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال أنس: وكان رسول الله ﷺ يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى بني النجار فجاءوا، فقال ﷺ : "يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا"، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.
قال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: كان فيه نخل، وقبور المشركين وخربٌ، فأمر رسول الله ﷺ بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت وبالخرب فسويت، وصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه حجارة.
وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم: اللهم لا
стр. 260
خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة" (١).
هكذا عباد الله! بدأ النبي ﷺ ببناء المسجد في المدينة، وهو مسجد النبي ﷺ الذي لا تشد الرحال إلا إليه، وإلى المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، بنى النبي ﷺ لله بيتاً قبل أن يبني لنفسه بيتاً وسكناً، وبهذه البساطة قام مسجد النبي ﷺ من النخيل ومن الحجارة والسقف من الجريد، ولكنه خرَّج رجالاً هم صحابة النبي ﷺ ، الذين فتحوا قلوب العباد والبلاد.
عباد الله! وحديثنا عن المسجد سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: اهتمام الإسلام بالمساجد .
العنصرالثاني: أهمية المسجد في الإِسلام.
العنصرالثالث: البدع والمخالفات الشرعية التي وقعت في بناء المساجد.
العنصر الأول: اهتمام الإِسلام بالمساجد.
اهتم الإِسلام بالمساجد اهتماماً كبيراً وربط المسلمين بالمساجد، ففي كتاب ربنا: قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٨].
стр. 261
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ [البقرة: ١١٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨].
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]. وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧].
عباد الله! أما في سنة رسول الله ﷺ فقد اهتم النبي ﷺ بالمساجد اهتماماً كبيراً، فحث النبي ﷺ على بناء المساجد، فقال ﷺ : "من بني لله مسجداً يبتغي به وجه الله؛ بني الله له بيتاً في الجنة" (١)، وقال ﷺ : "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علَّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه مِنْ بعد موته" (٢).
стр. 262
- وحث النبي ﷺ على نظافة المساجد فقال ﷺ : "البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها" (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: "أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدُّور (أي: في الأحياء) وأن تنظف وتطيب" (٢).
وقال ﷺ : "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردَّها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا" (٣).
فلا يجوز إنشاد الضالة عبر السماعات في المسجد.
وقال ﷺ : "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك" (٤).
وقال ﷺ : "لا تقام الحدود في المساجد، ولا يستقاد فيها" (٥).
- وأمر النبي ﷺ الرجال بحضور الجماعة في المساجد وحذر من التخلف عن ذلك بدون عذر شرعي، فقال ﷺ : "من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر" (٦).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً
стр. 263
فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم .. " (١).
فليتق الله الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة بلا عذر شرعي.
- وحث النبي ﷺ على شهود الجماعة، وحضور الصلاة، وملازمة المساجد في أوقات الصلاة.
فقال ﷺ : "من غدا إلى المسجد أو راح أعدَّ الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح" (٢).
وقال ﷺ : "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ "
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط" (٣).
وقال ﷺ : "بشر المشائين في الظُّلَمِ إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" (٤).
وقال ﷺ : "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطت عنه بها خطيئة" (٥).
стр. 264
- وقد رغَّب النبي ﷺ في حب المساجد والتعلق بها وحضور مجالس العلم فيها والجلوس فيها لذكر الله بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس.
فقال ﷺ : "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد .. " (١).
وقال ﷺ : "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده" (٢).
وقال- ﷺ : "المسجد بيت كل تقي" (٣).
وقال- ﷺ : "من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة، تامة، تامة" (٤).
عباد الله! اهتم الإِسلام بالمساجد اهتماماً بالغاً أتدرون لم يا عباد الله؟!
هذا الذي نعرفه من،
العنصر الثاني: أهمية المسجد في الإِسلام .
عباد الله! المسجد هو أحب البقاع إلى الله تعالى، قال ﷺ : "أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها" (٥).
المسجد هو قلعة الإيمان، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
стр. 265
وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٨].
المسجد هو المدرسة التي يتخرج منها الرجال، الذين يفتحون قلوب العباد والبلاد بدعوة الإِسلام، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧].
المسجد هو المدرسة التي يتعلم المسلمون فيها دينهم الصحيح، من خلال الكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة، فقد علم النبي ﷺ أصحابه وزكاهم في مسجده، فتخرج من مسجد رسول الله ﷺ الصحابة ﵃ الذين فتحوا قلوب العباد والبلاد.
فمن أين تخرج أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسلمان وصهيب وغيرهم ﵃ أجمعين؟
المسجد هو المدرسة التي يتعلم المسلمون فيها النظام في كل شيء في أعمالهم، في بيوتهم، في شؤونهم، في أسواقهم، ففي المسجد رجل يؤذن للصلاة فإذا أمره الإِمام بإقامة الصلاة أقامها، ثم يتقدم الإِمام ليؤم الناس، فلا يتقدم أحد للإمامة إلا بعد إذنه وهذا هو النظام في أسمى صورة وأبهى حلته، ويقوم المسلمون أجمعون خلف هذا الإِمام صفوفاً معتدلة متساوية.
وكان النبي ﷺ يهتم بنفسه بتسوية هذه الصفوف وتعديلها ويأمر بها:
عن أبي مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة،
стр. 266
ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (١).
فانظروا عباد الله!، يوم أن كانت الصفوف على عهد رسول الله ﷺ مستوية اتحدت القلوب، ويوم أن أصبحت الصفوف في أيامنا معوجة كانت القلوب مختلفة فتفرقت الأمة وضعفت، وقوي الأعداء علينا.
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسوّي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أن قد عقلنا عنه. ثم خرج يوماً فكاد أن يكبر فرأى رجلاً بادياً صدره من الصف فقال: "عباد الله! لتُسوُّنَّ صفوفكم، أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم" (٢).
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أقيموا الصفوف، حاذوا بين المناكب، سدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله" (٣).
وقال ﷺ : "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين" (٤).
فانظروا عباد الله! إلى هذا النظام، الصفوف مستوية خلف إمام واحد وهم ملتزمون بهديه، مقتدون بفعله، لا يكبرون حتى يكبر، ولا يركعون
стр. 267
حتى يركع، ولا يرفعون حتى يرفع، ولا يسجدون حتى يسجد، ولا ينصرفون من الصلاة حتى ينصرف.
والذي يخالف هذا الإِمام وهذا النظام متوعد بالمسخ على لسان رسول الله ﷺ ، قال- ﷺ : "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإِمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار" (١).
عباد الله! في المسجد ترى العدل والمساواة في أبهى صورها، فالغني بجوار الفقير، والكبير بجوار الصغير، والعامي بجوار الأمير، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.
كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
في المسجد ترى الرحمة من الإِمام على المأمومين، وترى السمع والطاعة من المأمومين للإمام، وهذا يعلم المسلمين السمع والطاعة للأمير العام، ويعلم الأمير الرحمة على الرعية التي استرعاه الله عليها.
فالرعية التي تربت في المسجد تسمع وتطيع لأميرها، وإن ضربها وأخذ أموالها ما لم يأمر بمعصية الله، فإن أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله.
في المسجد تربى المسلمون على مراقبة الله في أعمالهم، فالذي يقف خمس مرات بين يدي ربه يمنعه ذلك من الإقدام على المعاصي والذنوب.
العنصر الثالث: البدع والمخالفات الشرعية التي وقعت في بناء المساجد .
عباد الله! تبين لنا ما للمسجد من أهمية كبيرة في حياة المسلمين وعلى
стр. 268
الرغم من عظم هذه الأهمية، فقد فرط المسلمون من ناحية في بناء هذه المساجد، وأفرطوا من ناحية ثانية.
أما تفريطهم؛ فإنك تجد آلاف القرى والأحياء في العالم الإِسلامي ليس فيها مسجد واحد، بينما تتناثر في كل مكان دور اللهو والفجور وأما إفراطهم؛ فإنك تجد المسجد الواحد وقد كلف بناؤه مئات الألوف من الدنانير، أنفقت على الزخارف والتحف التي أودعوها في هذا المسجد؛ حتى صار بالمتحف أشبه منه بالمسجد.
عباد الله! ومن المخالفات الشرعية التي وقع فيها الكثير من المسلمين في بناء المساجد.
أولاً: بناء المساجد على القبور .
وهذا حرام، ولا يجوز في شريعة الإِسلام، والنبي- ﷺ عندما اشترى الأرض التي يريد أن يبني فيها مسجده ووجد فيها قبور المشركين، أمر بقبور المشركين فنبشت؛ لأنه لا يجوز بناء المساجد فوق القبور لقول النبي ﷺ قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" (١).
ولقد كان- ﷺ يُحذر من اتخاذ المساجد على القبور ويعد المتخذين شرار الخلق.
عن عائشة ﵂ أن أم سلمة وأم حبيبة ﵄ ذكرتا لرسول- ﷺ كنيسة رأتاها في أرض الحبشة فيها تصاوير فقال ﷺ : "أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا
стр. 269
فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (١).
ولما حضرته ﷺ الوفاة لم ينشغل بسكرات الموت مع شدتها عن تحذير أمته من اتخاذ القبور مساجد
- عن عائشة وابن عباس ﵃ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ ؛ طفِق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها؛ كشفها، فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٢) يحذر ما صنعوا.
وعن جندب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" (٣).
فلا يجوز أبداً أن يُبنى مسجد على قبر، أو يجاء برجل فيدفن في المسجد؛ لأن الإِسلام جاء لمحاربة الشرك وسد الذرائع التي تفضي إلى الشرك، واتخاذ المساجد على القبور ودفن الصالحين في المساجد بعد موتهم من وسائل الشرك.
ثانياً: زخرفة المساجد
قال ﷺ : "ما أمرت بتشييد المساجد" (٤).
وقال ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد" (٥).
стр. 270
وقال ﷺ : "إذا حليتم مصاحفكم، وزوقتم مساجدكم، فالدمار عليكم" (١).
وصدق رسول الله ﷺ حين نبأ بمصير المسلمين في قوله: "لتتبعن سنن من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم"،
قيل: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟! " (٢).
المسلمون اليوم انشغلوا بزخرفة المساجد عن تزكية النفوس، وعمارة المساجد بالصلاة فيها فكان هذا حالهم.
أما أسلافنا الكبار -الصحابة ﵃ فقد انصرفوا عن زخرفة المساجد وتشييدها إلى تزكية أنفسهم وتقويمها، فكانوا أمثلة صحيحة للإسلام، وفتحوا قلوب العباد والبلاد.
ورضي الله عن عمر الفاروق الذي قال لرجل عندما هم ببناء المسجد:
"أكنّ الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر؛ فتفتن الناس"
فيا أمة الإِسلام! عودوا إلى الله وإلى القرآن، وعودوا إلى المساجد، وكونوا في المساجد، كما أراد الله وكما أراد رسول الله ﷺ .
اللهم فقهنا في ديننا.
стр. 271
الخطبة السابعة والعشرون: الإخاء بيم المهاجرين والأنصار
أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الإخاء بين المهاجرين والأنصار
عباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أن رسول الله ﷺ عندما وصل إلى المدينة بدأ أولاً ببناء المسجد؛ لأن في المسجد يقف المسلمون خمس مرات في اليوم والليلة بين يدي ربهم، وفي المسجد يتعلم المسلمون دينهم، وفي المسجد يتعود المسلمون على النظام في كل حياتهم، وفي المسجد يتدرب المسلمون على السمع والطاعة لأولي أمرهم.
عباد الله! ولما وصل النبي ﷺ المسلمين بربهم من خلال عبادتهم في المسجد، وصل بين المسلمين بعضهم ببعض فآخى بين المهاجرين والأنصار.
عباد الله! وحديثنا عن الإخاء بين المهاجرين والأنصار سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: المهاجرون والأنصار في الكتاب والسنة .
العنصر الثاني: الإخاء بين المهاجرين والأنصار.
العنصر الثالث: حقوق الأخوة في الله.
العنصر الرابع: الأمراض التي تفتك وتفسد الأخوة في الله.
العنصر الأول: المهاجرون والأنصار في الكتاب والسنة.
المهاجرون هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، طاعة ومحبة لله ولرسوله ﷺ ونصرة لدين الله كما وصفهم ربهم في كتابه.
стр. 272
فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨].
نعم والله صادقون في إيمانهم، صادقون في هجرتهم، صادقون في محبتهم لله ولرسوله ﷺ .
أما الأنصار هم أهل المدينة الذين استقبلوا إخوانهم المهاجرين وضربوا مثلاً أعلى في الإيثار، كما وصفهم ربهم ﵎ في كتابه فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
ومن الأمثلة على الإيثار عند الأنصار
يقول أبوهريرة ﵁: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أصابني الجهْد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً، فقال رسول الله- ﷺ : ألا رجل يضيفه هذه الليلة يرحمه الله!؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله ﷺ لا تدخري به شيئاً.
قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية!
قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت.
ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ فقال: لقد عجب الله أو ضحك من فلان وفلانة، فأنزل الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
стр. 273
وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١).
ولذلك أثنى رسول الله ﷺ على الأنصار وتمنى أن يكون منهم فقال ﷺ : "لو أن الأنصار سلكوا وادياً أو شعباً لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار".
فقال أبو هريرة: ما ظلم بأبي وأمي! آووه ونصروه (٢).
وجعل النبي ﷺ حبهم علامة الإيمان، وبغضهم أمارة النفاق، فقال ﷺ : "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" (٣).
فالويل الويل للروافض الشيعة الذين يبغضون صحابة رسول الله ﷺ ، والنبي ﷺ يقول: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" (٤).
وقال ﷺ : "استوصوا بالأنصار خيراً" (٥).
عباد الله! ها هم أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، من سلك سبيلهم سعد في الدنيا والآخرة، ومن ترك سبيلهم شقي في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا
стр. 274
الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال ﷺ : "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة". قيل وما هي يا رسول الله؟ قال: "التي تكون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (١).
عباد الله! وها هم صحابة رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار كما وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩].
العنصر الثاني: الإخاء بين المهاجرين والأنصار .
عباد الله! عندما وصل النبي ﷺ المدينة وبنى المسجد؛ آَخى بين المهاجرين والأنصار أخوةً تجعل المهاجري أولى بمال أخيه الأنصاري في الميراث من أهله وأقاربه والعكس، فضرب الأنصار المثل الأعلى في الوفاء بحق الأخوة وحسن الاستقبال وكرم الضيافة.
عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالاً، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها، فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في شيء من ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟
стр. 275
قال: سوق قينقاع.
فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن ثم تابع الغدو، فما لبث أن جاء وعليه أثر صفرة، فقال له النبي- ﷺ : "تزوجت"؟
قال: نعم. قال: "مَنْ؟ " قال: امرأةً من الأنصار قال: "وكم سقت؟ " قال: زنة نواةٍ من ذهب فقال له النبي- ﷺ : "أولم ولو بشاة" (١).
عباد الله! عقد الأنصار عقد الإخاء بكل تسامح وإيثار، وهم أصحاب الأموال وأهل الديار، وعقد المهاجرون عقد الإخاء بكل عفة وزهد واستغناء، شاكرين لإخوانهم الأنصار حسن استقبالهم، وكرم ضيافتهم، وإن تعجب فاعجب من سعد بن الربيع وهو يعرض على أخيه عبد الرحمن بن عوف نصف ماله، ويزداد عجبك حين تسمع سعد بن الربيع وهو يقول لأخيه عبد الرحمن بن عوف: عندي زوجتان انظر إليهما فأيتهما أعجبتك فسمِّها لي؛ فأطلقها فإذا انقضت عدتها تزوجتها الله أكبر! الله أكبر ما هذا الذي نسمعه؟
لا تعجب فإن الإيمان إذا تمكن من القلوب فعل أكثر من ذلك.
وإن تعجب من حسن العرض، فاعجب أكثر وأكثر من حسن الرفض اعجب من قول عبد الرحمن بن عوف لأخيه سعد بن الربيع: بارك الله لك في أهلك ومالك، لا حاجة لي في شيء من ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ ثم ذهب إلى السوق وتاجر.
الله أكبر من أي مدرسة تخرج هؤلاء؟ إنها مدرسة محمَّد ﷺ .
стр. 276
عباد الله! استمر عقد الإخاء بين المهاجرين والأنصار، إذا مات أحدهما ورثه أخوه دون ابن أمه وأبيه إلى أن أنزل الله قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾ [الأحزاب: ٦].
فنسخت روابط الإخاء وبقيت أخوة النسب دون أخوة الإخاء الذي أمضاه النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار.
العنصر الثالث: حقوق الأخوة في الله:
أنزل الله ﵎ قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فربط الله بين المسلمين برابطة الإيمان التي هي أقوى من رابطة النسب والوطن واللغة، فالمؤمنون إخوة وإن تباعدت أقطارهم، المؤمنون إخوة وإن تباعدت أجسادهم، يقول ﷺ : "المسلم أخو المسلم" (١).
ويقول ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" (٢) وشبك بين أصابعه.
عباد الله! وهذه الأخوة في الله لها حقوق كثيرة منها:
أولاً: التناصح والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر ، فالمسلم ناصح لأخيه المسلم أما المنافق يفضح قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
стр. 277
حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. قال تعالى: إخباراً عن نوح ﵇: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ وعن هود ﵇: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾. فالنصيحة من صفات الرسل والمؤمنين.
وقال ﷺ : "الدين النصيحة" ثلاث مرات. قيل لمن يا رسول الله؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" (١).
وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: بايعت رسول الله- ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح لكم مسلم (٢).
عباد الله! ومن الأمثلة على التناصح:
آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة أي لابسة ثياب المهنة، تاركة ثياب الزينة فقال: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبوالدرداء ليس له حاجة في الدنيا -أي: في النساء- وفي رواية: "يصوم النهار ويصلي الليل" فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً -أي لسلمان- فقال له: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فلما كان الليل ذهب أبوالدرداء يقوم، فقال له -أي سلمان- نم، فنام، ثم ذهب يقوم فقال له: نم فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا جميعاً فقال له سلمان: إن لربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه، فأتي النبي- ﷺ فذكر ذلك له فقال له النبي ﷺ : "صدق سلمان" (٣).
ثانياً: النصرة والدفاع والإعانة على قضاء الحاجات ، قال ﷺ : "انصر
стр. 278
أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله تنصره مظلوماً فكيف تنصره ظالماً؟ قال: تمنعه من ظلمه فذلك نصرك إياه" (١).
وقال ﷺ : "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة" (٢).
وقال ﷺ : "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (٣).
وقال ﷺ : "لأن أمشي في حاجة أخي أحب إلى من أن أعتكف في هذا المسجد (يعني مسجد المدينة) شهراً، ومن مشى مع أخيه في حاجة له حتى تتهيأ له ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام" (٤).
الشفاعة الحسنة لأخيك أن تمشي لقضاء حاجته.
ثالثاً: من حقوق الأخوة في الله: الدعاء لأخيك بظهر الغيب
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
وقال ﷺ : "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه
ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل" (٥).
رابعاً: ومن حقوق الأخوة في الله: الاستغفار للأخ حياً وميتاً ، فإن
стр. 279
الاستغفار هو دأب الملائكة المقربين والنبيين المرسلين.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧].
وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١].
وقال تعالى عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨].
وأمر الله رسول ﷺ بذلك فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩].
وقال- ﷺ : "من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة" (١).
وكان ﷺ إذا وضع الميت في قبره وأهال عليه التراب يقول: "استغفروا لأخيكم واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل" (٢).
خامساً: ومن حقوق الإخوة في الله: الإصلاح بينهم إذا وقع بينهم خلاف ونزاع .
قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ
стр. 280
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]
سادساً: ومن حقوق الإخوة في الله: أن يحب الأخ لأخيه ما يحب لنفسه .
قال ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١).
سابعاً: ومن حقوق الأخوة في الله: التعاون على البر والتقوى .
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وقال ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (٢).
ثامناً: من حقوق الأخوة في الله: التزاور في الله
قال الله تعالى: "وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين في والمتزاورين في" (٣).
وقال ﷺ : "إن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تُربُّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى.
стр. 281
قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه" (١).
تاسعاً: ومن أعظم حقوق الأخوة في الله: ألا يكون الأخ أحق بدرهمه
وديناره من أخيه .
لأن النبي ﷺ قال: "ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه" (٢).
ولقد أتى أبا هريرة رجل فقال: يا أبا هريرة إني أريد أن أؤاخيك في الله
فقال أبو هريرة: وهل تدري ما حق الأخوة؟
قال: لا، عرفني.
قال: إن من حق الأخوة ألا تكون أحق بدرهمك ولا دينارك مني.
فقال الرجل: لم أبلغ هذه المنزلة.
قال أبو هريرة: فإليك عني (٣).
وقال أبو جعفر لأصحابه يوماً: أيدخل أحدكم يده في جيب أخيه فيأخذ من ماله ما يريد؟
قالوا: لا. قال: فلستم بإخوان كما تزعمون (٤).
العنصر الرابع: الأمراض التي تفتك، وتفسد الأخوة في الله .
أولاً: الحسد والتباغض والتدابر
قال ﷺ : " .. لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع
стр. 282
بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره (ثلاث مرات) بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه" (١).
ثانياً: سوء الظن والتجسس والغيبة والنميمة .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
وقال- ﷺ : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا .. " (٢).
ثالثاً: الهجران ولذلك كان النبي- ﷺ يحذر أمته من الهجر
قال- ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (٣).
وقال ﷺ : "تعرض أعمال الناس في كل خميس واثنين، فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً؛ إلا امرءاً كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقول اتركوهما حتى يصطلحا" (٤).
رابعاً: السخرية ولذلك حذر الإِسلام من أن يسخر المسلم من أخيه المسلم.
стр. 283
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١].
خامساً: عدم التثبت من الأخبار التي ينقلها بعض الفساق .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
سادساً: الغش في البيع والشراء .
قال- ﷺ : "من غشنا فليس منا" (١).
وقال ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في
بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" (٢).
فاتقوا الله عباد الله!، وكونوا على حذر من هذه الأمراض التي فرقت بين المسلمين، وكونوا عباد الله! إخواناً كما أمركم الله ﵎.
اللهم ألف بين قلوب المسلمين.
стр. 284
الخطبة الثامنة والعشرون: وفاء المسلمين وغدر وخيانة اليهود
عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من
سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن وفاء المسلمين وغدر وخيانة اليهود.
عباد الله! عندما وصل النبي ﷺ إلى المدينة مهاجراً من مكة انشغل بما يلي:
أولاً: صلة الأمة بالله، فبادر ﷺ إلى بناء المسجد كما ذكرنا، لتظهر فيه شعائر الإِسلام التي طالما حوربت، ولتقام فيه الصلوات التي تربط المرء بربه، وتنقى القلب من أدران الأرض، ودسائس الحياة الدنيا.
ثانياً: صلة الأمة بعضها ببعض، فآخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار أخوة تمحى من خلالها كلمة (أنا)، ويتحرك الفرد فيها بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها، فلا يرى لنفسه كياناً دونها ..
ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام، وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه.
ثالثاً: صلة الأمة بالأجانب عنها، ممن لا يدينون دينها، أخص بالذكر "اليهود" الذين استوطنوا المدينة في ذلك الوقت.
عباد الله! وحديثنا عن وفاء المسلمين وغدر وخيانة اليهود سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: الإِسلام دين السلام والأمن والأمان، يأمر بالوفاء وينهى عن الخيانة والغدر.
стр. 285
العنصر الثاني: موقف اليهود من رسول الله ﷺ عندما وصل إلى المدينة.
العنصرالثالث: معاملة النبي ﷺ لليهود في المدينة.
العنصر الرابع: اليهود أهل غدر وخيانة.
العنصر الأول: الإِسلام دين السلام والأمن والأمان، يأمر بالوفاء وينهى عن الخيانة والغدر:
عباد الله! الإِسلام دين السلام والأمن والأمان، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: ٦١].
وقال عبد الله بن سلام -وكان رجلاً يهودياً شرح الله صدره للإسلام-: فلما رأيت وجهه (أي النبي ﷺ ) علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: "يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" (١).
وسأل رجل النبي ﷺ : أي الإِسلام خير؟
قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" (٢).
وقال ﷺ : "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" (٣).
وقال ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٤).
عباد الله! الإِسلام دين يأمر بالوفاء بالعهود ويحذر من الخيانة والغدر،