الخطبة الثانية والأربعون: عمرة الحديبية (صلح الحديبية)
أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ . وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن عمرة الحديبية (صلح الحديبية).
عباد الله! والحديبية قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم (١).
عباد الله! وحديثنا عن عمرة الحديبية أو عن صلح الحديبية سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: سبب هذه العمرة وموقف المنافقين .
العنصر الثاني: الرسول ﷺ والصحابة الكرام يتحركون إلى مكة.
العنصر الثالث: الأحداث التي وقعت عند الحديبية قبل الصلح.
العنصر الرابع: صلح الحديبية.
العنصرالخامس: الأحداث التي وقعت بعد الصلح.
العنصر السادس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من صلح الحديبية.
العنصر الأول: سبب هذه العمرة وموقف المنافقين.
رأى النبي ﷺ -وهو بالمدينة- رؤيا بالمنام: أنه داخل مكة وطائف بالبيت العتيق، ورؤيا الأنبياء وحيٌ، فأولها رسول الله ﷺ على أنها إذنٌ من الله-
стр. 457
عز وجل- بدخول مكة.
فأذن مؤذنه في الناس بأن النبي ﷺ معتمر، فأجابه إلى العمرة ألف وأربعمائة من المؤمنين الصادقين.
عباد الله! وأما المنافقون فقد ظنوا بالله ظن السوء، ظنوا أن محمداً وأصحابه إن دنوا من مكة، فإن قريش والعرب سيستأصلونهم ويبيدونهم، فلا يرجع منهم واحد البتة.
ثم زَوَّروا في أنفسهم عذراً يعتذرون به للنبي ﷺ إن هو رجع، والله يعلم ما يسرون وما يعلنون، فأنزل على رسوله قرآناً يفضح فيه المنافقين.
قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣)﴾ [الفتح: ١١ - ١٣].
عباد الله! موقف المنافقين في كل الأحوال واحد لا يتغير إلا بأسلوبه وشكله الظاهري، وجزاؤهم على ذلك- عند الله تعالى -أيضاً واحد لا يتبدل.
فقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦].
стр. 458
العنصر الثاني: الرسول ﷺ والصحابة الكرام يتحركون إلى مكة .
عباد الله! خرج رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام من المدينة في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، ونظراً لتوقع الشر من قريش فإن المسلمين أخذوا سلاحهم فكانوا مستعدين للقتال، فلما وصلوا إلى ذي الحليفة -وهي ميقات أهل المدينة- أحرموا بالعمرة، وساقوا الهدى سبعين بدنة، وبعث النبي ﷺ عيناً إلى مكة ليأتيه بأخبار قريش.
ولما وصل رسول الله ﷺ وأصحابه إلى "عسفان" جاء الخبر إلى رسول الله ﷺ أن قريشاً قد جمعوا المجموع، وخرجوا يريدون أن يقاتلوه، ويصدوه عن البيت الحرام.
فاستشار النبي ﷺ أصحابه في أن يَغِيرَ على ديار الذين ناصروا قريشاً، واجتمعوا معها ليدعوا قريشاً ويعودوا للدفاع عن ديارهم.
فقال ﷺ : "أشيروا أيها الناس عليّ، أترون أن أميل إلى عيالهم، وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله قد قطع عينا من المشركين وإلا تركناهم محروبين؟ -والمحروب هو من سلب ماله- فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه.
قال ﷺ : "امضوا على اسم الله" (١).
عباد الله! أخذ رسول الله- ﷺ والصحابة يسيرون إلى مكة؛ حتى إذا كانوا
ببعض الطريق قال النبي ﷺ : "إن خالد بن الوليد بالغميم -مكان قريب من
стр. 459
مكة- في خيل لقريش طليعة -أي في مقدمة الجيش- فخذوا ذات اليمين، فانحازوا ذات اليمين، فلم يشعر بهم خالد حتى رأى الغبار صاعداً فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حلْ حلْ- وهي كلمة تقال للناقة إذا تركت السير- فألحت -أي تمادت على عدم القيام- فقالوا: خلأت القصواء -أي حرنت القصواء- فقال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله -أي من ترك القتال في الحرم- إلا أعطيتهم إياها -أي أجبتهم إليها- ثم زجرها فوثبت -أي قامت الناقة-.
فَعَدَلَ النبي- ﷺ عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على بئر قليل الماء، فما لبثوا أن نزحوه فشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهماً من كنانته؛ ثم أمرهم أن يجعلوه في البئر فما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه - وهذه من معجزاته ﷺ -.
العنصر الثالث: الأحداث التي وقعت عند الحديبية قبل الصلح .
عباد الله! أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إلى قريش رجلاً من أصحابه يخبرهم أنهم جاءوا عماراً، ولم يجيئوا لقتالٍ - ليعلم الجميع أن الإِسلام لا يطلب حرباً إلا إذا فرضت عليه، وإن الذين يشعلون الحرب هم أهل الكفر والشرك- فدعا عمر ﵁ فقال عمر: يا رسول الله ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فأرسله، فانطلق عثمان فمر على نفر من قريش فقالوا له: أين تريد؟
فقال: بعثني رسول الله- ﷺ أدعوكم إلى الله وإلى الإِسلام وأخبركم؛ أنا لم نأت لقتالٍ وإنما جئنا عماراً.
стр. 460
فقالوا: قد سمعنا ما تقول فأنفذ لحاجتك.
وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، فحمله بين يديه وأجاره حتى بلّغَ رسالة رسول الله ﷺ ، وتأخر عثمان ﵁ في مكة حتى أشيع أنه قد قتل.
فدعا رسول الله ﷺ أصحابه إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة بيعة الرضوان على أن لا يفروا، فأخذ رسول الله ﷺ بيد نفسه وقال: هذه يد عثمان، ثم جاء عثمان ﵁ بعد أن تمت البيعة.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾.
عباد الله! بينما رسول الله ﷺ والمسلمون على حالهم بالحديبية، إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة -وهم موضع سر رسول الله ﷺ وأهل النصح له- فأخبر رسول الله ﷺ أن قريشاً خرجت بكل ما تملك من قوة، ونزلت بالحديبية عند الماء الكثير، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله ﷺ : إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب -أي أضعفت قوتهم وأموالهم- وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم مدة -أي جعلت بيني وبينهم مدة يترك الحرب بيننا وبينهم فيها- وُيخلّو بيني وبين الناس -أي من الكفار العرب وغيرهم- فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد رحموا -أي فإن ظهر غيرُهم عليَّ كفاهم المؤنة، وإن أظهر أنا على غيرهم فإن شاءوا أطاعوني وإلا فلا تنقض مدة الصلح إلا وقد استراحوا وقووا-
ثم قال ﷺ : وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي -أي: حتى أموت- ولينفذن الله أمره -أي: وليمضين الله أمره في نصر دينه-.
стр. 461
فقال بُديل: سأبلغهم ما تقول، ثم انطلق حتى أتى قريشاً فقال: يا معشر قريش، إنا جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا.
فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء.
وقال ذووا الرأي منهم: هات ما سمعته.
قال سمعته يقول كذا وكذا- وعرض عليهم الخطة التي عرضها عليه النبي- ﷺ فقال لهم عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته. فقالوا ائته. فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ نحواً من قوله لبُديل، فقال له عروة عند ذلك: يا محمَّد جئت لقتال قومك، فإن قتلتهم فهل رأيت أحداً قبلك اجتاح قومه- أي أهلكهم -وإن كانت الأخرى- يعني إن هزمت أنت -فإني والله أرى حواليك أوباشاً خليقاً- أي: حقيقاً- أن يفروا عنك ويدعوك -أي يتركوك-.
فقال أبو بكر ﵁ لعروة: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟
فقال عروة: مَنْ هذا؟ قالوا له: هذا أبو بكر.
فقال عروة: والله لولا يَدٌ لك عندي -أي نعمة- لم أجزك بها -أي: لم أكافئك بها- لأجبتك.
عباد الله! وأخذ عروة يكلم النبي ﷺ ، ويأخذ بلحيته، وكان المغيرة بن شعبة ﵁ قائماً عند رأس رسول الله ﷺ بالسيف وعلى رأسه المغفر، كلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله ﷺ ضربها المغيرة بنعل السيف وقال له: نح يدك عن لحية رسول الله ﷺ .
стр. 462
فقال عروة: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة.
قال عروة: أي غدر! أولست أسعى في غدرتك؟ - وكان المغيرة ﵁ في الجاهلية صحب رجالاً من قريش فقتلهم ثم أخذ أموالهم، ثم أتى النبي ﷺ فأسلم فقال النبي ﷺ : أما الإِسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء - لكونه أخذ غدراً-.
عباد الله! واستمر عروة يحدث رسول الله ﷺ وينظر في أصحابه كيف يحترمونه، ويعزرونه ويوقرونه، فما تنخم ﷺ نخامة إلا وقعت في يد أحد منهم، فدلك بها وجهه وجلده، ولا توضأ وضوءاً إلا كادوا يقتتلون على وضوئه، كلهم يريد أن يمس منه، ولا تكلم بكلمة إلا بادروا بالعمل بها ولا يحدون إليه النظر تعظيماً له.
فرجع عروة إلى قريش، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمَّد محمداً- وحدثهم بما رأى- ثم قال لهم: وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
عباد الله! فقام رجل من بني كنانة فقال دعوني آته. فقالوا ائته- فأتاه فلما أشرت على رسول الله ﷺ ، قال رسول الله- ﷺ لأصحابه: هذا رجل من بني كنانة قد أتاكم، وهو من قوم يعظمون البُدن فابعثوها له فبعثوها، واستقبله القوم يلبون- لبيك اللهم لبيك- فلما رأى البُدن وسمع التلبية قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم ما رأى قال لقريش: استقبلوني ملبين يسوقون الهدي، جاءوا معتمرين ولم يجيئوا لقتال، وما أرى أن يُصدوا عن البيت.
فقالوا له: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك.
عباد الله! ثم أرسلت قريش مكرز بن حفص وأعقبته بسهيل بن عمرو
стр. 463
فلما رآه النبي- ﷺ قال: قد سهل لكم من أمركم.
العنصر الرابع: صلح الحديبية:
عباد الله! عندما أرسلت قريش سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ أرادت بذلك الصلح مع رسول الله ﷺ ، ولكن بشرط أن يرجع المسلمون دون عمرة في هذا العام.
عباد الله! عندما جاء سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ قال: هات أكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبي ﷺ الكاتب:
فقال النبي ﷺ للكاتب: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.
فقال سهيل: أما (الرحمن) فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا "بسم الله الرحمن الرحيم".
فقال النبي ﷺ : اكتب "باسمك اللهم".
ثم قال ﷺ : "هذا ما قاضى عليه محمَّد رسول الله".
فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب "محمَّد بن عبد الله".
فقال النبي ﷺ : "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني"، اكتب "محمَّد بن عبد الله".
والرسول ﷺ يفعل ذلك لأنه قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها".
ثم قال ﷺ للكاتب: اكتب: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به.
فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخذنا ضغطه، ولكن ذلك من
стр. 464
العام المقبل، فكتب.
فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا.
قال المسلمون: سبحان الله، كيف يُرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟
فبينما هم كذلك! إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو، وكان قد أسلم فحبسوه وأوثقوه في الحديد، فهرب منهم وهو مقيد، حتى رمى بنفسه بين ظهرأني المسلمين، فلما رآه أبوه قال: يا محمَّد هذا أول ما أقاضيك عليه أن تردَّه إليّ.
فقال ﷺ ؟ إنا لم نقض الكتاب بعد.
فقال سهيل: ردَّه عليَّ، وإلا والله لا أصالحك على شيء أبداً.
فقال- ﷺ له: فأجزه لي- قال سهيل: ما أنا بمجيزه لك.
قال- ﷺ : بلى فافعل، قال سهيل: ما أنا بفاعل.
فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين بعد ما أسلمت وعذبت.
عباد الله! وغضب المسلمون لرد المسلمين الفارين من قريش إليها فقالوا: "يا رسول الله تكتب هذا؟ قال لهم: نعم. إنه مَنْ ذهب إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له مخرجاً وفرجاً" (١).
عباد الله! وظهر الغضب الشديد على عمر بن الخطاب ﵁ فراجع رسول الله ﷺ في ذلك فقال: "فأتيت نبي الله- ﷺ "، فقلت: ألست نبي الله
стр. 465
حقاً؟ قال: بلى.
قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟
قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري.
قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟
قال: بلى، فأخبرتك أنا ناتيه العام؟ قلت: لا
قال: فإنك آتيه ومطوف به.
قال عمر: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقاً؟
قال: بلى.
قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى.
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟
فقال له: أبو بكر بمثل ما قال له رسول الله ﷺ .
وزاد: "يا عمر إلزم غرزه -أي: تمسك بأمره وترك مخالفته- حيث كان فإني أشهد أنه رسول الله قال عمر: وأنا أشهد" (١).
وقال عمر: "ما زلت أصوم وأتصدق وأعتق مِنَ الذي صنعتُ مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيراً" (٢).
عباد الله! وكان عمر ﵁ يُراجع الرسول ﷺ ليقف على الحكمة من موافقته على شروط الصلح، وكان يرغب في إذلال المشركين فجميع ما
стр. 466
صدر منه كان معذوراً فيه بل هو مأجور لأنه مجتهد فيه (١).
العنصر الخامس: الأحداث التي وقعت بعد الصلح:
عباد الله! لما فرغ رسول الله- ﷺ من الصلح قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، فوالله ما قام منهم رجل واحد، قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة ﵂ فذكر لها ما لقي من الناس.
قالت أم سلمة: يا نبي الله! أتحب ذلك، اخرج ولا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك.
فخرج ﷺ فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنة وحلق، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً.
عباد الله! وقبل أن يرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة جاءه نسوة مهاجرات فماذا يفعل فيهن؟
فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].
عباد الله! وبعد أن رجع النبي- ﷺ إلى المدينة جاءه رجل من قريش يقال له أبو بصير وهو مسلم، فبعثت قريش في طلبه رجلين، فأتيا النبي ﷺ
стр. 467
وسألاه أن يرده عليهم فرده عليهم.
فانطلقا به فنزلا بذي الحليفة، ومعهم أبو بصير، وأخرجا تمراً كان معهما يأكلان منه، فبينما هم يأكلون أخرج أحدهما سيفه وأخذ يلوح به.
فقال له أبو بصير: أرى سيفك هذا سيفاً جيداً!
فقال الرجل: نعم إنه كذلك، وإني قد جربته وجربته.
فقال أبو بصير: أرنيه أنظر فيه قال الرجل: نعم خذه.
فأخذه أبو بصير وضرب به الرجل حتى قتله، فلما رآه صاحبه يُضرب، فر مذعوراً هارباً إلى المدينة، فدخل المسجد يعدو فلما رآه النبي ﷺ قال: إن هذا قد رأى ذعراً.
فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول.
فبينما هو عند رسول الله- ﷺ إذ جاء أبو بصير، فقال يا نبي الله! قد أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي- ﷺ : "ويل أمه مسعر حرب، لو كان معه أحد" فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر -أي: ساحله- فعلم أبو جندل بن سهيل بن عمرو أن أبا بصير يقيم على سيف البحر، فاحتال حتى تَفَلَّتَ من قريش وأتى أبا بصير، فأقام معه على سيف البحر، وسمع رجال من المستضعفين من المسلمين من مكة أن أبا بصير وأبا جندل على سيف البحر، فخرجوا إليهم حتى كانوا عصبة، لا يسمعون بعِيْرٍ لقريش جاءت من الشام إلا خرجوا عليها، وقتلوا من فيها فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم، لما أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم فأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ
стр. 468
مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤:٢٦].
وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيت.
العنصر السادس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من صلح الحديبية .
أولاً: كان صلح الحديبية فتحاً مبيناً على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين، ففي عودة النبي ﷺ والصحابة من الحديبية نزل على رسول الله ﷺ الوحي بسورة الفتح.
يقول ﷺ لعمر بن الخطاب: "لقد أنزلت علي الليلة سورة لهيَ أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ (١).
يقول البراء ﵁ "تعدون أنتم الفتح؛ فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية" (٢).
عباد الله! وقد اشتملت هذه السورة العظيمة على المبشرات الكثيرة
стр. 469
الطيبة لرسول الله ﷺ وللصحابة الكرام ﵃ ومن هذه
المبشرات:
١. المغفرة من الله لرسول الله- ﷺ ما تقدم وما تأخر من ذنبه.
قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ١ - ٣].
٢. تبشير المؤمنين بالجنة.
قال تعالى ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾ [الفتح: ٥]
٣. بشرهم بفتح خيبر.
قال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ .. ﴾ [الفتح: ٢٠].
قيل هذه غنائم خيبر.
٤. بشرهم الله برضاه عنهم.
قال تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].
٥. بشرهم بالنصر والتمكين في الأرض وظهور هذا الدين.
فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
стр. 470
الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح: ٢٨].
ثانياً: في صلح الحديبية تطبيق النبي ﷺ لمبدأ الشورى في الإِسلام.
حيث استشار المسلمين في الإغارة على ذراري المشركين عندما قال لهم:
"أشيروا أيها الناس عليَّ" وأخذ برأي الصديق ﵁ واستشار أم سلمة ﵂ في أمر الناس؛ لما لم يبادروا بالنحر والحلق حين أمرهم بعد الصلح، وأخذ ﷺ برأيها.
ثالثاً: وقد ظهرت معجزات النبي ﷺ في صلح الحديبية عندما ازداد الماء بين يديه يقول جابر ﵁: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة، فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه فقال رسول الله- ﷺ : "ما لكم؟ " قالوا يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك، فوضع النبي ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون.
قال جابر: فشربنا وتوضأنا.
قال رجل لجابر: كم كنتم يومئذ؟
قال جابر: لو كنا مائة ألفٍ لكفانا كنا خمس عشرة مائةً (١).
اللهم اجعل للمسلمين فرجاً ومخرجاً.
стр. 471
الخطبة الثالثة والأربعون: غزوة خيبر
أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة خيبر.
عباد الله! خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، تقع على بعد ستين أو ثمانين ميلاً من المدينة من جهة الشمال، وسكانها من اليهود.
عباد الله! ومدينة خيبر كانت حين غزاها الرسول ﷺ وأصحابه آخر معقل من معاقل اليهود في أرض الجزيرة.
عباد الله! وفتح خيبر وعداً وعده الله تعالى لرسوله ﷺ وللمؤمنين عند عَوْدَتِهم مِنْ صلح الحديبية، قال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠].
يعني صلح الحديبية، وبالمغانم الكثيرة خيبر.
عباد الله! وحديثنا عن غزوة خيبر سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: أسباب هذه الغزوة وموقف المنافقين .
العنصر الثاني: الجيش الإِسلامي في طريقه إلى خيبر.
العنصر الثالث: أحداث الغزوة.
العنصرالرابع: معجزات النبي ﷺ في غزوة خيبر.
العنصر الأول: أسباب هذه الغزوة وموقف المنافقين:
ومن أسباب هذه الغزوة: أن اليهود في خيبر نقضوا المعاهدة التي بينهم
стр. 472
وبين رسول الله ﷺ ، وعقدوا حلفاً مع قريش ضد الرسول ﷺ ، يهدف إلى تطويقه من الشمال إلى الجنوب (١).
واليهود في خيبر هم الذين حزَّبوا الأحزاب ضد المسلمين في غزوة الأحزاب، وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة، ويهود خيبر هم الذين وضعوا خطة لاغتيال النبي- ﷺ .
فكان لا بد من التخلص من يهود خيبر، الذين هم سبب لكل شر وبلاء في أرض الجزيرة.
عباد الله! وموقف المنافقين واحد لا يتغير إلا في أسلوبه وشكله فقط، وعندما خرج رسول الله- ﷺ والمسلمون إلى خيبر، أرسل رأس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول إلى يهود خيبر: "أن محمداً قصدكم وتوجه إليكم فخذوا حذركم، ولا تخافوا منه، فإن عددكم وعدتكم كثيرة، وقوم محمَّد شرذمة قليلون، عُزَّلٌ لا سلاح معهم إلا قليل".
فلما علم ذلك يهود خيبر، أرسلوا إلى غطفان يستمدونهم -لأنهم كانوا حلفاء يهود خيبر، ومظاهرين لهم على المسلمين- وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن هم غلبوا المسلمين (٢).
وصدق الله العظيم حيث قال في وصف المنافقين: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النساء: ١٣٨ - ١٣٩]، وقال
стр. 473
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٧ - ٦٨]
العنصر الثاني: الجيش الإِسلامي في طريقه إلى خيبر .
عباد الله! رجع النبي- ﷺ من الحديبية في ذي الحجة من السنة السادسة للهجرة، وبعد شهر واحد خرج بجيش المسلمين إلى خيبر، وهو على يقين من النصر والفتح، لما وعده الله تعالى أثناء عودته من صلح الحديبية.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾ [الفتح: ١٨ - ١٩].
عباد الله! وبينما يسير الجيش المسلم إلى خيبر ذات ليلة إذ قال رجل من الصحابة لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك -وكان عامر بن الأكوع رجلاً شاعراً- فنزل يحدو بهم وهو يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداءً لك ما اتقينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
وأنزلن سكينةً علينا ... إنا إذا صيح بنا أتينا
وبالصياح عولوا علينا ... وإن أردوا فتنةً أبينا
فقال ﷺ : "من هذا السائق" فقالوا: عامر بن الأكوع.
فقال ﷺ : "يرحمه الله" فقال رجل من القوم: يا رسول الله وجبت -أي:
стр. 474
أنه يرزق الشهادة بدعائك له ووجبت له الجنة- لولا أمتعتنا به" (١).
وكان الصحابة ﵁ يعرفون أن رسول الله ﷺ إذا استغفر لرجل منهم يخصه؛ استشهد، فعلموا أن عامر بن الأكوع سيستشهد في غزوة خيبر.
عباد الله! وكان الصحابة ﵃ إذا صعدوا كبروا، وإذا نزلوا سبحوا (٢). فأشرفوا على واد فرفعوا صوتهم بالتكبير: الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله.
فقال رسول الله- ﷺ : "أربعوا على أنفسكم، أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً قريباً وهو معكم" (٣).
عباد الله! ولما أشرف الجيش المسلم على خيبر، قال لهم ﷺ "قفوا"، ثم تضرع ﷺ إلى ريه بهذا الدعاء "اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها. ونعوذ بك من شر هذه القرية، وشر أهلها، وشر ما فيها" (٤).
لتعلموا يا أمة الإِسلام أن جيش الإِسلام ذاكراً لله دائماً في سفره وحضره.
عباد الله! وصل جيش الإِسلام إلى أسوار خيبر، وبات- ﷺ والمسلمون خارج خيبر، واليهود لا يشعرون، فلما أصبح النبي ﷺ والمسلمون صلوا
стр. 475
الفجر في أول وقته، ثم دخلوا خيبر واليهود خارجون إلى مزارعهم بآلات الزراعة.
فلما رأوا الرسول ﷺ والجيش قالوا: محمَّد والله، محمَّد والخميس: -أي الجيش- ثم فروا هاربين، ودخلوا حصونهم كما وصفهم الله في كتابه، فقال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر: ١٣ - ١٤].
عباد الله! فلما رأى الرسول ﷺ ما بهم من الرعب قال: "الله أكبر خربت خيبر، الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين" (١).
الرعب يدب في قلوب الكفار إذا كنا على ديننا، أمَّا إذا تركنا ديننا فقد أخبر النبي- ﷺ "ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن".
قالوا: يا رسول الله! وما الوهن؟
قال ﷺ : "حب الدنيا، وكراهية الموت" (٢).
عباد الله! وتحصنت يهود خيبر في ثمانية حصون أشدها تحصناً هو (حصن ناعم) وكان هذا الحصن هو خط الدفاع الأول لليهود لمكانه (الاستراتيجي).
وكان هذا الحصين هو حصن مرحب اليهودي: ملك اليهود- الذي كان يعد بالألف -أي: كان عندهم بألف رجل-
стр. 476
العنصر الثالث: أحداث الغزوة .
عباد الله! في ليلة الهجوم على خيبر، قال رسول الله ﷺ لأصحابه مبشراً لهم بالفتح: "لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه".
فبات الناس يدكُّون -أي: يتهامسون -أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله- ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها.
فقال ﷺ : "أين علي بن أبي طالب؟ ".
فقالوا: يا رسول الله! هو يشتكي عينيه -أي: به رمد-
فقال ﷺ : "أرسلوا إليه" فأتي به.
فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية.
فقال علي ﵁: يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟
فقال رسول الله ﷺ "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإِسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن يكون لك حمر النعم" (١).
يوجه النبي ﷺ الصحابة إلى أن يحرصوا على دعوة الناس إلى الإِسلام، ولا يتطلعوا إلى الغنائم التي بعد الفتح.
عباد الله! أخذ علي ﵁ الراية، وتحرك بجيش المسلمين إلى أول حصن من حصون اليهود، ألا وهو حصن ناعم وهو من أشد حصون اليهود تحصناً،
стр. 477
ويوجد فيه مرحب ملك اليهود الذي يعد بالألف.
فدعاهم علي ﵁ للإسلام فرفضوا هذه الدعوة.
وخرج ملكهم مرحب إلى ميدان القتال ودعا إلى المبارزة وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي "مرحب" ... شاكِي السلاح (١) بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فبرز إليه علي ﵁ وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره
-أي: اقتل الأعداء قتلاً واسعاً- فتقدم علي ﵁ إلى مرحب فعلاه بالسيف فقطع رقبته، ثم تقدم نحو حصون اليهود ففتحها حصناً حصناً، وكان الفتح على يد عليّ ﵁.
عباد الله! ولما اطمأن رسول الله ﷺ بخيبر بعد فتحها، أهديت إليه شاه فيها سم من امرأة يهودية، لتعلموا أن اليهود أهل غدر وخيانة ومكر، تعالوا بنا لنستمع إلى أبي هريرة ﵁ وهو يخبرنا الخبر:
يقول أبو هريرة ﵁ "لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم فعرف النبي ﷺ وقال لأصحابه: أمسكوا إنها مسمومة بعد أن مضغ النبي ﷺ منها مضغة.
стр. 478
ثم قال ﷺ : "اجمعوا من كان ها هنا من اليهود".
فجمعوا له: فقال لهم رسول الله ﷺ : إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقوني عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم.
فقال لهم رسول الله- ﷺ : من أبوكم؟
قالوا: أبونا فلان.
فقال رسول الله- ﷺ : كذبتم بل أبوكم فلان- لتعلموا أن اليهود أهل الكذب-
فقالوا: صدقت وبررت.
فقال لهم رسول الله- ﷺ : من أهل النار؟
فقالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفوننا فيها.
فقال رسول الله- ﷺ : كذبتم، اخسئوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبداً.
ثم قال لهم: هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه؟
قالوا: نعم.
فقال ﷺ : هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟
قالوا: نعم.
فقال ﷺ : "ما حملكم على ذلك؟ "
قالوا: أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك" (١)
стр. 479
عباد الله! ثم جيء بالمرأة التي وضعت السم في الشاة فسألها رسول الله ﷺ : "لم وضعت السم في الشاة"؟
قالت اليهودية: أردت أن أقتلك؟
فقال ﷺ : "ما كان الله ليسلطك علي".
قال الصحابة ﵃ يا رسول الله؟ أفلا نقتلها؟ قال ﷺ : "لا" (١).
الله أكبر، إنها والله أخلاق النبوة، العفو عند المقدرة.
عباد الله! ثم عاد رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقد فتح الله له فتحاً مبيناً، ونصره نصراً عزيزاً، وحقق للمسلمين ما ودعهم به: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾.
عباد الله! وقسّم رسولُ الله ﷺ هذه المغانم الكثيرة التي غنمها من يهود خيبر كما أمره الله تعالى، وأثناء القسمة أدركه مهاجره الحبشة، جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فضرب لهم بسهم، ولم يسهم لمن غاب عن خيبر إلا لمهاجرة الحبشة، وكان في السبي صفية بنت حيي بن أخطب فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه، ثم دعاها إلى الإِسلام فأسلمت فأعتقها رسول الله ﷺ وجعل عتقها صداقها، وبنى بها، وأولم عليها بالتمر والسمن، ولم يكن في وليمتها لحم قط.
стр. 480
عباد الله! ولما دخل رسول الله ﷺ على صفية وجد في وجهها خضرةً فقال لها ﷺ : "ما هذا"؟
قالت: رأيت كأن القمر زال من مكانه فوقع في حجري، فذكرت ذلك لزوجي ابن أبي الحقيق اليهودي، فلطمني على وجهي؛ وقال: تمنين هذا الملك الذي بالمدينة- يقصد رسول الله ﷺ وأنا والله يا رسول الله لا أذكر من أمرك شيئاً (١).
ولكن هذه الرؤيا التي رأتها هي زواجها من النبي ﷺ .
عباد الله! وهكذا فتح رسول الله ﷺ خيبر، واستراح المسلمون من غدر وخيانة اليهود، وليعلم الجميع أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.
العنصر الرابع: معجزات النبي ﷺ في غزوة خيير:
أولاً: إخباره- ﷺ باستشهاد عامر بن الأكوع وهم في طريقهم إلى خيبر، وقد حدث ذلك.
ثانياً: إخباره- ﷺ بأن من يأخذ الراية غداً سيفتح الله على يديه، ففتح الله خيبر على يديه.
ثالثاً: بصق ﷺ في عين علي بن أبي طالب ﵁، ودعا له فشفي من ألم عينيه كأنما لم يكن بها وجع.
رابعاً: إخباره ﷺ بأن الشاة التي قدمت له مسمومة، عندما قال- ﷺ
стр. 481
لأصحابه "أمسكوا فإنها مسمومة".
خامساً: إخباره ﷺ بأن رجلاً ممن معه من الذين خرجوا إلى خيبر من أهل النار.
يقول أبو هريرة ﵁: خرجنا إلى خيبر، فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن معه ممن يدعي الإِسلام: هذا من أهل النار.
فلما كان القتال، قاتل الرجل أشد ما يكون القتال، وكثرت به الجراحات حتى كاد بعض الناس أن يرتاب، فوجد الرجل ألم الجراحة، فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها أسهماً فنحر بها نفسه، فاشتد رجال إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: صدق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه.
فقال رسول الله- ﷺ : "قم يا فلان فأذن في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن".
ثم قال الرسول- ﷺ : "إن الله ليؤيد الدين بالرجل الفاجر" (١).
اللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.
стр. 482
الخطبة الرابعة والأربعون: كُتُبُ رسول الله ﷺ إلى الملوك والرؤساء يدعوهم فيها إلى الإسلام
أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم- إن شاء الله- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك والرؤساء يدعوهم فيها إلى الإسلام.
عباد الله! عندما قال الله لرسوله ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، وقال له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، وقال له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾
قام رسول الله ﷺ بدعوة الناس إلى هذا الدين العظيم، بالليل والنهار، سراً وعلانية، في السلم والحرب.
ففي صلح الحديبية قال رسول الله ﷺ عندما وصله الخبر أن قريشاً اجتمعت لمنعه من دخول مكة: "إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا -أي قريش- ماددتهم مدة - أي: جعلت بيني وبينهم مدة يترك الحرب بيننا وبينهم فيها- ويخلّوا بيني وبين الناس" - أي: يتركوني أدعو الناس إلى الإسلام، وهذا هو الشاهد على أن رسول الله ﷺ كان حريصاً على دعوة الناس إلى الإِسلام في السلم.
وفي غزوة خيبر: قال رسول الله ﷺ لعلي ﵁؛ عندما أعطاه الراية
стр. 483
وأرسله إلى خيبر: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم أدعوهم إلى الإِسلام" وهذا هو الشاهد على أن رسول الله ﷺ كان حريصا على دعوة الناس إلى الإِسلام حتى في أيام الحرب.
عباد الله! وبصلح الحديبية أمن رسول الله ﷺ شر أقوى أعدائه، شر قريش، وبفتح خيبر قضى رسول الله ﷺ على شر اليهود في الجزيرة العربية - من الشمال-، وبذلك استقرت الأوضاع في المدينة، وأمن رسول الله ﷺ والمسلمون على المدينة عاصمة الدولة الإِسلامية.
عباد الله! عند ذلك كتب رسول الله ﷺ إلى ملوك ورؤساء الدول الكبرى، كفارس، والروم يدعوهم إلى الإسلام.
عن أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ " (١).
عباد الله! وكسرى هو لقب لكل مَن ملك الفرس، وقيصر هو لقب لكل مَنْ ملك الروم، والنجاشي هو لقب لكل مَنْ ملك الحبشة.
عباد الله! وعندما عزم الرسول ﷺ على إرسال الكتب إلى الملوك والرؤساء قيل له: "إن العجم لا يقبلون إلا كتاباً مختوماً، فاتخذ رسول الله ﷺ خاتماً ونقشه محمَّد رسول الله" (٢).
"فكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمَّد سطر، ورسول سطر،
стр. 484
والله سطر" (١).
"وكان رسول الله- ﷺ : يجعل هذا الخاتم في الخنصر من يده اليسرى" (٢).
عباد الله! وأول من كتب إليه من الملوك هو هرقل عظيم الروم. وهذا هو نص الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمَّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإِسلام -أي بدعوة الإِسلام وهي كلمة التوحيد- أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين -الفلاحين- ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [آل عمران: ٦٤] (٣).
عباد الله! وختم رسول الله ﷺ هذا الكتاب، وبعث به دحية الكلبي، فدفعه دحية إلى عظيم بصرى، فسلمه هرقل.
ماذا فعل هرقل عندما وصله الكتاب؟ وماذا كان رده؟
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى ابن عباس ﵄ -وهو يخبرنا الخبر من فيِّ أبي سفيان بن حرب.
يقول ابن عباس ﵄ حدثني أبو سفيان بن حرب من فيه إلى فيَّ، قال -أي أبو سفيان- انطلقت في المدة التي كانت بيننا وبين رسول الله
стр. 485
( ﷺ -يعني صلح الحديبية- فبينما أنا بالشام إذا جئ بكتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل -يعني عظيم الروم- جاء به دحية الكلبي، فدفعه إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل.
فقال هرقل: هل ها هنا أحدٌ من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
قالوا: نعم.
قال: -أي: أبو سفيان - فدُعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه.
فقال: -أي هرقل- أيكم أقرب نسباً من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
قال: أبو سفيان: أنا -يقول أبو سفيان- فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي ثم دعا ترجمانه؟
فقال قل لهم: إني سائل هذا الرجل -يقصد أبا سفيان- عن هذا الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني، فكذبوه ..
قال أبو سفيان: والله لولا مخافة أن يؤثر عني الكذب، لكذبته -أي: لولا خفت أن رفقتي ينقلون عني الكذب إلى قومي، ويتحدثون به في بلادي، لكذبت عليه، لبغضي إياه-
ثم قال لترجمانه: سلة كيف حسبه فيكم؟
قال أبو سفيان: هو فينا ذو حسب.
قال هرقل: فهل كان مِن آبائه ملك؟
قال أبو سفيان: لا.
قال هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
стр. 486
قال أبو سفيان: لا
قال هرقل: ومن يتبعه؟ أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟
قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم.
قال هرقل: أيزيدون أم ينقصون؟
قال أبو سفيان: بل يزيدون.
قال هرقل: هل يرتد أحد منهم عن دينه، بعد أن يدخل فيه سخطه له؟
قال أبو سفيان: لا
قال هرقل: فهل قاتلتموه؟
قال أبو سفيان: نعم
قال هرقل: كيف كان قتالكم إياه؟
قال أبو سفيان: تكون الحرب بيننا وبينه سجالاً -يصيب منا ونصيب منه-.
قال هرقل: فهل يغدر؟
قال أبو سفيان: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها، -يقصد بها صلح الحدييية- قال أبو سفيان: ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه-.
قال هرقل: فهل قال هذا القول أحد قبله؟
قال أبو سفيان: لا.
ثم قال هرقل لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فيكم، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، فكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها، وسألتك: هل كان في آبائه ملك، فزعمت أن لا، فقلت: لو كان في آبائه ملك، قلت: رجل
стр. 487
يطلب ملك آبائه، وسألتك عن أتباعه: أضعفاء الناس أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم: وهم أتباع الرسل. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، وقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله. وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطةً له، فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهيم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم.
وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أن الحرب بينكم وبينه سجال، تنالون منه وينال منكم، وكذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة، وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أن لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا.
فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله، قلت: رجل يأتم بقول قيل قبله.
ثم قال هرقل: بم يأمركم؟
قال أبو سفيان: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف.
قال هرقل: إن يكن ما تقول فيه حقاً؛ فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه، لأحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه، فإذا فيه "بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم".
سلام على ما تبع الهدى .. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإِسلام، أسلم
стр. 488
تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾. فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط -وهي الأصوات المختلطة- وأمر بنا فأخرجنا.
فقال أبو سفيان: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة -أي: عظم أمر رسول الله ﷺ . إنه ليخافه ملك بني الأصفر- يعني الروم.
قال أبو سفيان: فما زلت موقناً بأمر رسول الله ﷺ أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإِسلام" (١).
عباد الله! وكتب رسول الله ﷺ إلى كسرى ملك الفرس يدعوه إلى الإِسلام، وهذا هو نص الكتاب:
"بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من أَتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. أدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ًويحق القول على الكافرين. فأسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس" (٢).
عباد الله! عندما وصل الكتاب إلى كسرى مزقه.
стр. 489
فلما وصل الخبر إلى رسول الله ﷺ قال: "مزق الله ملكه" (١).
فاستجاب الله لدعاء رسوله ﷺ ومزق ملك كسرى، وذلك عندما قام ابنه بقتل إخوته ثم قتل والده ليرث الملك وحده ثم بعد ذلك بقليل مات هذا الابن فتمزق ملك كسرى جزاءً وفاقاً ولا يظلم ربك أحداً.
عباد الله! أما الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك والرؤساء فهي كثيرة جداً منها:
أولاً: محمَّد رسول الله ﷺ بُعث بالإِسلام إلى الناس كافة، والدليل على ذلك في كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨].
والدليل على ذلك من السنة:
قوله ﷺ "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" (٢).
الشاهد أرسلت للناس كافة.
ويؤخذ أيضاً من رسائله ﷺ إلى الملوك والرؤساء والقادة، في داخل الجزيرة وخارجها يدعوهم فيها إلى الإِسلام، ويقول: "فإني أنا رسول الله إلى
стр. 490
الناس كافة؛ لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين".
ثانياً: الكذب خلقٌ قبيح في الجاهلية، وقبيح وحرام في الإِسلام. ويؤخذ هذا من قول أبي سفيان عندما سأله هرقل فقال: "فوالله لولا الحياء مِنْ أن يأثروا على كذباً لكذبت عليه".
فيا أمة الإِسلام! الكذب قبيح في الجاهلية وقبيح عند الكفار، أما يستحي المسلم الذي يصلي ويصوم أن يكذب على الله، وعلى رسول الله، وعلى الناس.
وقد جاء الإِسلام يأمر بالصدق ويحذر من الكذب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾.
وقال ﷺ : " عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر .. " (١).
ثالثاً: المؤمن الصادق إذا تمكن الإيمان من قلبه لا يرتد عن دينه أبداً، وإن نشر بالمناشير ومشط بأمشاط الحديد، وهذا يؤخذ من قول هرقل: "سألتك هل يرتد أحدٌ منهم سخطة عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، أما المنافقون والذين في قلوبهم مرض، والذين دخلوا في الإِسلام طمعاً في الدنيا الفانية، فهم الذين يرتدون عن دينهم، وفيهم قال تعالى لرسوله ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ
стр. 491
يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]، وقال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].
وقال ﷺ : "بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا" (١).
أما المؤمنون الصادقون؛ فقد قال الله تعالى في وصفهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال ﷺ لخباب بن الأرت ﵁: "قد كان قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها ثم يؤتي بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (٢).
رابعاً: الإِسلام دين الله، ومن وقف في وجه دعوة الإِسلام دمره الله،
стр. 492
وهذا يؤخذ من رسالته ﷺ إلى كسرى عظيم فارس عندما مزقها فدعا عليه النبي ﷺ فمزق الله ملكه.
وهذا الذي فعله الله في جميع الأمم السابقة عندما وقفت في وجه دعوة الإسلام.
قوم نوح عندما وقفوا في وجه الإِسلام الذي جاء به نوح ﵇ أبادهم الله.
عاد عندما وقفوا في وجه الإِسلام الذي جاء به هود ﵇ أبادهم الله.
ثمود عندما وقفوا في وجه الإِسلام الذي جاء به صالح ﵇ أبادهم الله.
فرعون عندما وقف في وجه الإِسلام دمره الله.
قريش عندما وقفت في وجه الإِسلام ودعوة رسول الله ﷺ دمرهم الله.
فليحذر الذين يكيدون للإسلام فإن الله يقول في كتابه، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٥ - ١٧].
اللهم دمر كلَّ من وقف في وجه الإِسلام.
стр. 493
الخطبة الخامسة والأربعون: غزوة مؤتة
أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ . وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة مؤتة.
عباد الله! غزوة مؤتة وقعت في السنة الثامنة للهجرة وكانت نصراً وفتحاً للمسلمين؛ لأن الرسول ﷺ قال: "فأخذ الراية خالد ففتح الله عليه".
غزوة مؤتة رفعت من شأن المسلمين، وقذفت الرعب في قلوب الكافرين.
عباد الله! وحديثنا عن غزوة مؤتة سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: سبب هذه الغزوة .
العنصر الثاني: رسول الله ﷺ والجيش الإِسلامي في المدينة قبل التحرك إلى الشام.
العنصر الثالث: الجيش الإِسلامي في طريقه إلى أرض الشام.
العنصر الرابع: أحداث الغزوة.
العنصر الخامس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة مؤتة.
العنصر الأول: سبب هذه الغزوة.
سبب هذه الغزوة أن رسول الله ﷺ بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني -أحد أمراء قيصر إلى
стр. 494
أرض الشام- فأوثقه رباطاً، ثم قدمه فضرب عنقه. ولم يُقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره، فاشتد ذلك على رسول الله ﷺ حين نُقلت إليه الأخبار لأن الرسل لا يُقتلون، فجهز لغزو الروم جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وهو أكبر جيش إسلامي لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب (١).
العنصر الثاني: رسول الله- ﷺ والجيش الإِسلامي في المدينة قبل التحرك إلى الشام .
عباد الله! أَمَّرَ رسول الله ﷺ على هذا الجيش الكبير زيد بن حارثة ﵁ وقال ﷺ للجيش: "إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة" (٢).
ووصى رسول الله ﷺ الأمير في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً، وكان ﷺ يفعل ذلك دائماً إذا أرسل جيشاً في سبيل الله.
عن بريدة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أَمَّرَ أميراً على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً .. " الحديث (٣).
عباد الله! وودع المسلمون الجيش، وسلموا على الأمراء فبكى عبد الله بن رواحة- ﵁ فقالوا له: ما يبكيك يا ابن رواحة؟
فقال: والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله
стр. 495
- ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١]، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟
فقال المسلمون للجيش: صحبكم الله بالسلامة، ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين -أي: سالمين-.
فقال عبد الله بن رواحة يرد على هذا الوداع:
ولكنني أسألُ الرحمن مغفرةً ... وضربةً ذات فرغ (١) تقذف الزَّبدا
أو طعنةً بيدي حَرَّان مجهزة ... بحربةٍ تنفذ (٢) الأحشاء والكبدا
حتى يُقال إذا مرَّوا على جَدثي (٣) ... يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا (٤)
عباد الله! وودع النبي ﷺ جيش المسلمين.
وكان النبي ﷺ إذا أراد أن يستودع الجيش: قال "أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم" (٥).
العنصر الثالث: الجيش الإِسلامي في طريقه إلى أرض الشام:
عباد الله! تحرك الجيش الإِسلامي بقيادة زيد بن حارثة ﵁ قاصدين أرض الشام، فلما وصلوا إلى "معان" - وهي مدينة معروفة على الحدود