← Сира

Сира · id 97933

سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام

صالح بن طه عبد الواحد

Полный текст (586 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]، وقال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١]. وقال ﷺ : "بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا" (١). أما المؤمنون الصادقون؛ فقد قال الله تعالى في وصفهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وقال ﷺ لخباب بن الأرت ﵁: "قد كان قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها ثم يؤتي بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (٢). رابعاً: الإِسلام دين الله، ومن وقف في وجه دعوة الإِسلام دمره الله،

стр. 492

وهذا يؤخذ من رسالته ﷺ إلى كسرى عظيم فارس عندما مزقها فدعا عليه النبي ﷺ فمزق الله ملكه. وهذا الذي فعله الله في جميع الأمم السابقة عندما وقفت في وجه دعوة الإسلام. قوم نوح عندما وقفوا في وجه الإِسلام الذي جاء به نوح ﵇ أبادهم الله. عاد عندما وقفوا في وجه الإِسلام الذي جاء به هود ﵇ أبادهم الله. ثمود عندما وقفوا في وجه الإِسلام الذي جاء به صالح ﵇ أبادهم الله. فرعون عندما وقف في وجه الإِسلام دمره الله. قريش عندما وقفت في وجه الإِسلام ودعوة رسول الله ﷺ دمرهم الله. فليحذر الذين يكيدون للإسلام فإن الله يقول في كتابه، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٥ - ١٧]. اللهم دمر كلَّ من وقف في وجه الإِسلام.

стр. 493

الخطبة الخامسة والأربعون: غزوة مؤتة أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ . وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة مؤتة. عباد الله! غزوة مؤتة وقعت في السنة الثامنة للهجرة وكانت نصراً وفتحاً للمسلمين؛ لأن الرسول ﷺ قال: "فأخذ الراية خالد ففتح الله عليه". غزوة مؤتة رفعت من شأن المسلمين، وقذفت الرعب في قلوب الكافرين. عباد الله! وحديثنا عن غزوة مؤتة سيكون حول العناصر التالية: العنصر الأول: سبب هذه الغزوة . العنصر الثاني: رسول الله ﷺ والجيش الإِسلامي في المدينة قبل التحرك إلى الشام. العنصر الثالث: الجيش الإِسلامي في طريقه إلى أرض الشام. العنصر الرابع: أحداث الغزوة. العنصر الخامس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة مؤتة. العنصر الأول: سبب هذه الغزوة. سبب هذه الغزوة أن رسول الله ﷺ بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني -أحد أمراء قيصر إلى

стр. 494

أرض الشام- فأوثقه رباطاً، ثم قدمه فضرب عنقه. ولم يُقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره، فاشتد ذلك على رسول الله ﷺ حين نُقلت إليه الأخبار لأن الرسل لا يُقتلون، فجهز لغزو الروم جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وهو أكبر جيش إسلامي لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب (١). العنصر الثاني: رسول الله- ﷺ والجيش الإِسلامي في المدينة قبل التحرك إلى الشام . عباد الله! أَمَّرَ رسول الله ﷺ على هذا الجيش الكبير زيد بن حارثة ﵁ وقال ﷺ للجيش: "إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة" (٢). ووصى رسول الله ﷺ الأمير في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً، وكان ﷺ يفعل ذلك دائماً إذا أرسل جيشاً في سبيل الله. عن بريدة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أَمَّرَ أميراً على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً .. " الحديث (٣). عباد الله! وودع المسلمون الجيش، وسلموا على الأمراء فبكى عبد الله بن رواحة- ﵁ فقالوا له: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله

стр. 495

- ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١]، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟ فقال المسلمون للجيش: صحبكم الله بالسلامة، ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين -أي: سالمين-. فقال عبد الله بن رواحة يرد على هذا الوداع: ولكنني أسألُ الرحمن مغفرةً ... وضربةً ذات فرغ (١) تقذف الزَّبدا أو طعنةً بيدي حَرَّان مجهزة ... بحربةٍ تنفذ (٢) الأحشاء والكبدا حتى يُقال إذا مرَّوا على جَدثي (٣) ... يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا (٤) عباد الله! وودع النبي ﷺ جيش المسلمين. وكان النبي ﷺ إذا أراد أن يستودع الجيش: قال "أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم" (٥). العنصر الثالث: الجيش الإِسلامي في طريقه إلى أرض الشام: عباد الله! تحرك الجيش الإِسلامي بقيادة زيد بن حارثة ﵁ قاصدين أرض الشام، فلما وصلوا إلى "معان" - وهي مدينة معروفة على الحدود

стр. 496

الأردنية-، وصلتهم الأخبار أن الروم قد تجهزوا لهم بمئتي ألف مقاتل لقتالهم؛ مائة ألف من الروم، ومائة ألف أخرى من نصارى العرب. عباد الله! وجيش المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل فقط، وكأن النسبة واحد إلى سبعين. وبات الجيش الإِسلامي بمعان ليلتين يتشاورون في الأمر، أيتقدمون للهجوم على عدوهم على بركة الله، معتصمين بالله، واثقين به؟ أم يبعثون إلى رسول الله ﷺ من يخبره الخبر فيرى رأيه، فإما أن يمدهم بمدد من عنده، وإما أن يأمرهم بأمره فيمضوا له. فقام عبد الله بن رواحة ﵁ خطيباً في الجيش فقال: يا قوم: والله إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وإنا ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظفر -أي نصر- وإما شهادة. فقال الناس: صدق والله ابن رواحه، ثم تشجعوا وتحركوا نحو العدو (١). العنصر الرابع: أحداث الغزوة: عباد الله! وصل جيش الإسلام إلى "مؤتة" وعسكروا هناك، وتعبأوا للقتال في ثلاثة آلاف مقاتل، ووصل جيش الروم بقوته في مئتي ألف مقاتل يقول أبو هريرة ﵁ -وهو ممن أسلموا بعد صلح الحديبية، وكانت مؤتة أول غزوة يحضرها-: "شهدت مؤتة فلما دنا المشركون -أي الروم- رأيت ما لا قبل لأحد به، رأيت عدداً وعدة وسلاحاً وخيلاً، وديباجاً وحريراً وذهباً، فبرق بصري. فقال لي ثابت بن أرقم: يا أبا هريرة كأنك ترى جُموعاً كثيرة؟

стр. 497

قال: إي والله. فقال له ثابت: إنك لم تشهد معنا بدراً، إنا لا نُنصر بالكثرة" (١). وصدق ثابت ﵁ لأن الله قال في كتابه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [الأنفال: ٢٦]. عباد الله! وهناك في "مؤتة" التقى الجمعان، وبدأ القتال المرير، ودخل ثلاثة آلاف مقاتل من المسلمين في مئتي ألف مقاتل من المشركين، معركة عجيبة تشاهدها الدنيا بالدهشة والحيرة، ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب. عباد الله! أخذ الراية زيد بن حارثة ﵁ حب رسول الله ﷺ وجعل يقاتل بضراوة وبسالة لا يوجد لها نظير إلا في أمثاله من أبطال الإِسلام، فلم يزل يقاتل حتى شاط في رماح القوم -أي: سال دمه- فقتل ﵁. ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب ﵁ ابن عم النبي ﷺ ، فقاتل على فرسه الشقراء حتى أرهقه القتال، فنزل عن فرسه فعقرها -أي: ضرب قوائمها بالسيف وهي قائمة- ورفع الراية بيده، والسيف في يده الأخرى وأخذ يقاتل القوم وهو يقول:

стр. 498

يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارداً شرابها والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها عليَّ إن لاقيتها ضِرابها عباد الله، فما زال ﵁ يقاتل القوم حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله فقطعت شماله، فاحتضن الراية بعضديه حتى قتل ﵁، فعوضه الله عن يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء. "ولذلك كان ابن عمر ﵄ إذا سلم على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يقول: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين" (١). ولذلك لقب جعفر بن أبي طالب بجعفر الطيار. عباد الله، يقول ابن عمر ﵄ "وقفت على جعفر يومئذ، وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره- يعني في ظهره" (٢). وفي رواية أخرى: يقول ﵁ "كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنة ورميةٍ" (٣). عباد الله، لما قتل جعفر بن أبي طالب أخذ الراية عبد الله بن رواحة الأمير الثالث المعين بأمر رسول الله ﷺ فرفعها، فوجد في نفسه تردداً عن

стр. 499

الاقتحام فأكرهها على النزول وقال: أقسمتُ يا نفسُ لتنزلنّه ... إن أجلب الناسُ وشدُّوا الرنَّه لتنزلنه أو لتكرهنّه ... مالي أراك تكرهين الجنة وقال أيضاً: يا نفسُ إلا تُقتلي تموتي! ... هذا حمام الموت قد صليت! وما تمنيت فقد أُعطيت! ... إن تفعلي فعلهما هُديت! ثم نزل، فأتاه ابن عم له بِعَرْقٍ من لحم فقال: شُدَّ بهذا صلبك فقد لقيت ما لقيت، فنهس منه نهسه، ثم سمع جلباً -أي صوتاً- فقال: وأنت في الدنيا -يعني القتال دائر بين المسلمين والمشركين وأنت يا ابن رواحة في الدنيا- ثم رمى بقطعة اللحم، وأخذ سيفه، ودخل في صفوف المشركين فقاتل حتى قتل ﵁. عباد الله! تقدم ثابت بن أرقم ﵁ فرفع الراية وقال: يا قوم اصطلحوا على أميرٍ منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، لست لها، فاصطلح الناسُ على خالد بن الوليد ﵁ وكانت هذه الغزوة أول غزوة يشهدها خالد في صفوف المسلمين؛ لأنه أسلم بعد صلح الحديبية. عباد الله! أخذ خالد ﵁ الراية وقاتل قتالاً مريراً. يقول خالدٌ ﵁: "لقد انقطعت في يدي يوم مؤته تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة لي يمانية" (١)، ولذلك سماهُ رسول الله ﷺ يومها سيف الله،

стр. 500

قال ﷺ : "فأخذها سيف من سيوف الله ففتح الله له" (١). عباد الله! ولما كان الليل أعاد خالد بن الوليد ﵁ تنظيم الجيش وغير فيه وبدل، فجعل الميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، والمقدَّمة ساقة، والساقة مقدمة، ووضع خطة للانسحاب بالجيش في صباح اليوم التالي في عزة وكرامة دون أن يُشعر العدو أنه منسحب، فلما طلع النهار وتراءى الجمعان رأى العدو أن الجيش قد تغير وتبدّل، فقذف الله الخوف في قلوب الكفار، فظنوا أن خالداً قد أُمِدَّ بمددٍ من المدينة لأنَّ صورة الجيش قد تغيرت، وأخذ خالد يقاتل وهو يرجع إلى الوراء بالجيش قليلاً قليلاً قليلاً، فألقى الله الرعب أيضاً في قلوب الكفار، وظنوا أن خالداً يريدُ استدراجهم ليبيدهم، فانسحبوا قبل المسلمين، وقتل المسلمون من المشركين كثيراً، وأوقع جيش الإِسلام بالعدو خسائر كبيرة، وولَّي العدو مهزوماً واكتفى خالد بهذه النتيجة، وآثر الانصراف بمن معه. وكانت النتيجة في غزوة مؤته لصالح المسلمين، وكانت نصراً وفتحاً. عباد الله! ومن أرض المعركة بمؤته إلى المدينة حيث قام رسول الله ﷺ يخبر المسلمين في المدينة بنتائج المعركة. يقول أنس ﵁: خطب النبي- ﷺ فقال: أخذ الراية زيدٌ فأصيب -أي: قتل-، ثم أخذها جعفر فأصيب -أي: قتل- ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب -أي: قتل- ثم أخذها خالد بن الوليد مِن غير إمرة ففتح الله له وعيناه تذرفان (٢). عباد الله! فلما جاءه من يخبره قال النبي ﷺ : تُخبرني أم أُخبرك؟

стр. 501

قال: أخبرني أنت يا رسول الله؟ فأخبره بما كان، فقال الصحابيُّ: والله يا رسول الله ما نقصت مما دار حرفاً. قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤] (١). العنصر الخامس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة مؤتة: أولاً: المسلمون ينتصرون على أعدائهم في المعارك بالإِسلام العظيم الذي أكرمهم الله به، وهذا يؤخذ من قول عبد الله بن رواحة ﵁ عندما قال لأصحابه في غزوة مؤته: والله ما نقاتل القوم -أي العدو- بعدَّة ولا عدد ولا كثرة، والله ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فامضوا يا قوم على بركة الله، فهي والله إحدى الحسنيين: إما الظفر وإما الشهادة". ويؤخذ أيضاً من قول ثابت ﵁ لأبي هريرة عندما قال له: "يا أبا هريرة كأنك ترى جموعاً كثيرة. قال أبو هريرة: أي والله، قال ثابت: إنك لم تشهد معنا بدراً، إنا لا ننصر بالكثرة". ففي بدرٍ نصر الله المسلمين وهم قلة قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. ويوم حنين أُعجب المسلمون بكثرتهم فلم تُغنِ عنهم شيئاً. قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ

стр. 502

مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦]. فالنصر من عند الله تعالى؛ ولو كان المسلمون قلة إذا رجعوا إلى دينهم ونصروا الله في أنفسهم، قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]. وقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)﴾ [محمد: ٧ - ٨]. وقال- ﷺ : "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (١). ثانياً: رحمة النبي- ﷺ بالمسلمين، ويؤخذ ذلك من حزنه وبكائه عندما نعى الأمراء الذين استشهدوا في غزوة مؤته، وعيناه تذرفان -أي تدمعان-. عباد الله! وقد تكرر ذلك منه- ﷺ ، يوم أرسلت إليه إحدى بناته تقول له: إن ابني قد احتُضر فاشهدنا، فردّ مع رسولِها يقول: "إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب". فأرسلت إليه تُقسمُ عليه ليأتينها، فأتاها في نفرٍ من أصحابه، فرُفع إليه

стр. 503

الصبيّ ونفسه تقعقع، فذرفت عيناه ﷺ فقيل له: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: "هذه رحمة، جعلها الله في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" (١). ولما دخل ﷺ على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه بكى أيضاً وقال: "إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزنون ولا نقول إلا ما يرضى ربنا" (٢)، كيف لا والله يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. عباد الله! وفي هذا دلالة على جواز البكاء والحزن على الميت من غير نياحة، ولا رفع للصوت لأن ذلك حرامٌ. ثالثا: معجزات النبي ﷺ في غزوة مؤته. المعجزة الأولى: أنه حين عيّن الأمراء أشار من طرفٍ خفىٍّ إلى استشهادهم حيث أمّر زيد بن حارثة ثم قال، فإن أصيب فجعفر، ثم قال: فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة. المعجزة الثانية: أن الله أطلعه على كل ما دار في أرض المعركة بمؤته، وأراهُ ما كان فيها، فنعى الشهداء إلى أهليهم قبل أن يأتيه الخبر من أرض المعركة. اللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.

стр. 504

الخطبة السادسة والأربعون: الفتح الأكبر (فتح مكة) أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الفتح الأكبر (فتح مكة). عباد الله! فتح مكة: هو الفتح الأعظم الذي أعزّ الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، فتح مكة هو الفتح الأكبر الذي اسستنقذ الله به بلده الحرام وبيته، الذي جعله هدى للعالمين، من أيدي الكفار والمشركين. فتح مكة: هو الفتح الذي دخل النَّاس به في دين الله أفواجاً قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [سورة النصر] فتح مكة هو الفتح الذي تحطمت فيه الأصنام، وزهق فيه الباطل، وانكسرت رؤوس الكفر، وعلت فيه كلمة التوحيد في مكة خاصة وفي كل الدنيا عامة، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١] عباد الله! وحديثنا عن فتح مكة سيكون حول العناصر التالية: العنصر الأول: سبب هذا الفتح. العنصر الثاني: رسول الله ﷺ يستعد للخروج إلى مكة في سريةٍ تامةٍ. العنصر الثالث: رسول الله ﷺ والجيش الإِسلامي في طريقهم إلى مكة وأحداث الطريق.

стр. 505

العنصر الرابع: أحداث الفتح. العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من فتح مكة. العنصر الأول: سبب هذا الفتح صَالَحَ النبي ﷺ قريشاً صلح الحديبية، وأعطاهم فيه كل ما سألوه مما يعظم حرمات الله، وكان من بنود هذا الصلح: أولاً: وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين. ثانياً: من أحب أن يدخل في عقد محمَّد ﷺ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأن القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين تعتبر جزءاً من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يعتبر عدواناً على ذلك الفريق، وحسب هذا البند دخلت خزاعة في عهد رسول الله ﷺ ودخلت بنو بكر في عهد قريش. عباد الله! وظل رسول الله ﷺ وفياً لقريش بعدها، ملتزماً بكل شروط الصلح، حتى إذا كانت السنة الثامنة للهجرة عَدَتْ بنو بكر حليفة قريش على خزاعة حليفة رسول الله ﷺ ، وقتلت منهم رجالاً، وعاونتهم قريش على هذا الاعتداء فنقضت بذلك عهدها مع رسول الله- ﷺ ، وتعرف قريش أن هذا نقض صريح لصلح الحديبية، وعدوان سافرٌ على حلفاء المسلمين؛ ولذلك رأى النبي ﷺ أن الوقت قد حان للقضاء على قريش. العنصر الثاني: رسول الله ﷺ يستعد للخروج إلى مكة في سرية تامة . عباد الله! أصدر رسول الله ﷺ أمره للجيش المسلم بالتجهيز والاستعداد للخروج للغزو، ولم يُعلمهم بوجهته، وحرص ﷺ على السرية التامة لئلا تستعد قريش للقتال، وقد استنفر رسول الله ﷺ القبائل التي حول المدينة:

стр. 506

أسلمُ وغفار وَمُزينة وجهينة وأشجع وسليم وخرج المهاجرون والأنصار فلم يتخلف منهم أحد. عباد الله! وقد بلغ عدد الجيش الإِسلامي عشرة آلاف مقاتل، وهذا العدد الكبير يدل على تعاظم قوة المسلمين ما بين صلح الحديبية وفتح مكة. عباد الله! ولما أجمع رسول الله ﷺ المسير إلى مكة، كتب أحد الصحابة كتاباً إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر في المسير إليهم لغزوهم، وحملت الكتاب امرأةٌ، إلا أن الوحي من السماء كان إلى رسول الله ﷺ أسبق من الكتاب إلى قريش، فبعث رسول الله ﷺ من أصحابه من أتاه بهذا الكتاب الذي بعث إلى قريش. عباد الله! تعالوا بنا إلى عليِّ بن أبي طالب ﵁ لنستمع إليه وهو يخبرنا الخبر: يقول عليٌّ ﵁: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال ﷺ : "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ -مكان بين مكة والمدينة وهو من المدينة أقرب- فإن بها ظعينة -امرأة في هودج- معها كتاب من حاطب فأتوني به". قال عليٌّ: فانطلقنا تتعادى (أي تجري) بنا خيلُنا حتى أتينا روضة خاخ فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي من كتابٍ، فقلنا: لتخرجنَّ الكتاب أو لنُلْقِين الثياب، فأخرجته من عِقاصِها -ضفائرها- فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى نفر من قريش، يخبرهم فيه ببعض أمر رسول الله- ﷺ . فقال رسول الله- ﷺ : "ما هذا يا حاطب؟ " فقال: يا رسول الله لا تعجل عليّ! ما فعلته كفراً بعد الإسلام، ولا ردَّة عن الدين بعد إذ هداني اللهُ إليه، ولكني كنت امرءاً مُلصقاً في قريش ولم

стр. 507

أكن مِن أنفسهم، وما من أحدٍ من أصحابك إلا له أهلٌ في قريش يحمون ماله وأهله، فأردت إن فاتني ذلك من النسب أن أتخذ بهذا الكتاب عندهم يداً يحمون بها أهلي ومالي. فقال رسول الله ﷺ :"إنه قد صَدَقكم". فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عُنق هذا المنافق. فقال ﷺ : يا عمر أو ليس قد شهد بدراً؟ وما يدريك لعلَّ الله قد اطلع على أهل بدرٍ فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم، فأنزل الله ﵎ في حاطب بن أبي بلتعة وكتابه الذي بعث به إلى قريش سورة الممتحنة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ [الممتحنة: ١] (١). عباد الله! وهكذا أخفى الله ﵎ عن قريش خبر خروج رسوله ﷺ إليهم، وكذلك ما يستطيع أحد أبداً أن يتكلم في حق حاطب الصحابي الجليل ﵁ لأنه شهد بدراً وشفعت له حسنته الكبيرة بشهوده في بدر ما فعل.

стр. 508

العنصر الثالث: رسول الله ﷺ والجيش الإِسلامي في طريقهم إلى مكة وأحداث الطريق . عباد الله! خرج رسول الله ﷺ بالجيش الإِسلامي من المدينة، في رمضان من السنة الثامنة للهجرة في عشرة آلاف مقاتل. وخرج- ﷺ صائماً، وصام الجيش معه، حتى إذا كان بالكديد- مكان بين مكة والمدينة -أفطر- ﷺ -وأظهر فِطرهُ أمام الجيش ليروه ليقتدوا به فيفطروا، فلما رأوه قد أفطر أفطروا، ومازال رسول الله- ﷺ يفطر في رمضان عام الفتح، ويقصر الصلاة حتى رجع إلى المدينة. عباد الله! الجيش الإِسلامي بقيادة رسول الله- ﷺ في طريقه إلى مكة. وفي الطريق: يلتقي العباس بن عبد المطلب عمُّ رسول الله ﷺ بجيش المسلمين، وذلك عندما خرج العباس بعياله مُهاجراً من مكة إلى المدينة، وهو لا يدري أن رسول الله ﷺ قادمٌ من المدينة فلقي رسول الله ﷺ في الطريق فلزمه، وكان العباس مسلماً ولكنه كان مقيمًا في مكة. عباد الله! وفي الطريق: نزل رسول الله ﷺ بجيش المسلمين في مكان بالقرب من مكة يُسمى "مرَّ الظهران" بالليل. فنزل الجيش، ونصبت الخيام، وأُوقدت النيران في معسكر يضم عشرة آلاف مقاتل، حتى أضاء منها الوادي، وفي هذه الليلة خرج أبو سفيان عظيم قريش وحكيم بن حزام وبُديل بن ورقاء يلتمسون الأخبار، فلما رأوا تلك النار قال أبو سفيان: كأنها نيران عرفة، فقال حكيم بن حزام: كأنهم بنو عمرو فقال أبو سفيان: بنو عمرو أقل من هذا. وبينما هم يتحدثون إذ مرَّ عليهم عيون رسول الله- ﷺ فأخذتهم إلى رسول الله ﷺ ، فوقع ثلاثة من كبراء مكة أسرى للجيش الإِسلامي.

стр. 509

هذا أبو سفيان الذي قال في غزوة أُحد: اعل هُبل، أبو سفيان الذي قال في غزوة أحد لنا العُزى ولا عزى لكم، فها هو بين يدي رسول الله ﷺ أسيراً. فما تظنون أن يفعل به رسول الله- ﷺ ؟ دعاه ﷺ طوال الليل إلى الإِسلام فأسلم أبو سفيان. عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى ابن عباس ﵄ وهو يخبرنا الخبر: يقول ابن عباس ﵄: لما نزل رسول الله ﷺ "مرَّ الظهران"، قال العباس: والله لئن دخل رسول الله- ﷺ مكة عنوة قبل أن تستأمنه قريش لقد هلكت قريش. فركب العباس بغلة رسول الله- ﷺ وانطلق يبحث عن ذي حاجةٍ يأتي مكة، فيأمرهم أن يخرجوا إلى رسول الله ﷺ فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم مكة. قال العباس: فبينما أنا أسيرُ إذ سمعت صوت أبي سفيان وبُديل بن ورقاء يتحدثان. فقلت: أبا سفيان، فعرف صوتي فقال: العباس، فقلت: نعم. قال أبو سفيان: مالك فداك أبي وأمي؟ قال العباس: رسول الله والناسُ. قال أبو سفيان: ويحك فما الحيلة؟ قال العباس لأبي سفيان: اركب ورائي، فركب وراءه فأتى به النبي- ﷺ فأسلم. فقال العباس للنبي ﷺ : يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له منه شيئاً.

стр. 510

فقال النبي ﷺ : "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن" (١). فأراد أبو سفيان أن ينصرف فيأتي أهل مكة فيخبرهم؛ فقال النبي- ﷺ للعباس: "يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها". قال العباس: فانطلقت بأبي سفيان فحبسته حيث أمرني رسول الله- ﷺ أن أحبسه، فجعلت القبائل تمرُّ علينا قبيلةً بعد قبيلةٍ، كلما مرت قبيلة سألني أبو سفيان: من هؤلاء؟ أقول بني سُليم، يقول: ماليَ ولبني سُليم ثم تمر القبيلة فيقول من هؤلاء؟ أقول مُزينة، يقول: مالي ولمزينة، فجعلت القبائل تمرُّ قبيلة قبيلة، كلما رأى قبيلة قال: يا عباسُ من هؤلاء؟ أقول بني فلان، يقول ماليَ ولبني فلان، حتى مرَّ رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء معه الأنصار والمهاجرون لا تُرى منهم إلا الأعين فلما رآهم أبو سفيان قال: يا عباس من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله ﷺ معه المهاجرون والأنصار. قال أبو سفيان: يا عباس! ما لأحدٍ بهؤلاء من قبل ولا طاقة. ثم قال أبو سفيان: يا عباس! لقد أصبح ملك ابن أخيك الآن عظيماً. فأراد العباس أن يصحح هذه الفاهيم لأبي سفيان فقال له: يا أبا سفيان ليس الملك ولكنها النبوة؛ ليعلم الجميع أن محمداً ﷺ ما جاء يوماً يبحث عن الملك ولا عن الدنيا إنما جاء بالنبوه ليدعو الناس إلى هذا الدين العظيم.

стр. 511

قال العباس له: ويحك! النجاة النجاة! أدرك قومك. فانطلق أبو سفيان ليأتي أهل مكة ليخبرهم بخبر رسول الله ﷺ ، فلما دخل مكة صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! إن محمداً قد جاءكم بما لا قبل لكم به اليوم ولا طاقة. فأقبلت إليه هندُ بنت عتبة زوجته تأخذ بشاربه؛ وتقول: اقتلوا الأحمق، قبَّحك الله من طليعة قوم. فقال أبو سيفيان: يا معشر قريش لا تغرنكُم هذه ولا مقالُها، بادروا، من دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ. قالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك؟ قال لهم أبو سفيان: ومن أغلق عليه داره فهو آمنٌ، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى المسجد وأغلق بعضهم عليه داره" (١). العنصر الرابع: أحداث الفتح عباد الله! قسم النبي ﷺ جيش المسلمين إلى ميمنة وميسرة وقلب، وعين ﷺ -قادة الجيش كلٌّ في مكانه. ودخل النبي ﷺ مكة فاتحاً منتصراً، مؤيداً من الله- ﵎ وكان- ﷺ خاشعاً لله، شاكراً لأنعمه، يقرأ سورة الفتح، ويرجِّع في قراءتها وهو على راحلته. عباد الله! وكانت قريش قد وبَّشت أوباشاً -أي: جمعت جموعاً متفرقة من

стр. 512

قبائل متفرقة لا أنساب بينهم- وقالت قريش: نقدِّم هؤلاء الأوباش -أي: نجعلهم في المقدمة- فإن أصابوا -أي انتصروا- كنا معهم، وإن أُصيبوا -أي قُتلوا- أعطينا الذي سئلنا -أي: صالحنا المسلمين- عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى أبي هريرة ﵁ وهو يخبرنا الخبر، يقول أبو هريرة: دخل رسول الله ﷺ مكة فنظر فرآني فقال: "يا أبا هريرة نادِ في الأنصار لا يأتيني إلا أنصاري". قال أبو هريرة: فاجتمعوا حوله، فأقاموا به. فقال- ﷺ : "أرأيتم إلى أوباش قريش، احصدوهم حصداً ولا تبقوا منهم أحداً، ووضع يمينه على شماله". قال أبو هريرة: فانطلقنا فما شاء أحدٌ منا أن يقتل أحداً منهم إلا قتله، وما فعلوا بنا شيئاً. فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أُبيدت خضراء قُريش، لا قريش بعد اليوم. ثم قال أبو سفيان: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل السجد فهو آمن، فردَّد رسول الله- ﷺ مقولة أبي سفيان -تأكيداً وإقراراً لها- فقال- ﷺ : "من دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن". فلما سمع الأنصار مقولة رسول الله ﷺ قالوا فيما بينهم: أمُّا الرجل -يعنون رسول الله ﷺ - فأدركته رغبة في قريته -أي: مكة- وأسرُّوها في أنفسهم، والله سميعٌ عليمٌ فأوحى الله بها إلى رسوله ﷺ . فقال ﷺ : "يا معشر الأنصار! قلتم أمَّا الرجل فأدركته رغبة في قريته؟ ".

стр. 513

قالوا: إي والله يا رسول الله، لقد قلنا هذا .. يعزُّ علينا أن تتركنا يا رسول الله وتقيم في أهلِك، فقال ﷺ : "إن الله ورسوله يُصِّدقانكم ويعذرانكم"، ثم قال ﷺ لهم: "كلا، ما أفعل الذي ظننتم، إني رسول الله هاجرتُ إلى الله وإليكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم". عباد الله! وأمر رسول الله ﷺ جيش المسلمين بتحطيم الأصنام، وتطهير البيت الحرام منها، وشارك ﷺ في ذلك بيده، فكان يهوي بقوسه إليها فتتساقط على الأرض تحت الأقدام وهو يقرأ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ وكانت الأصنام ستين وثلاث مئة. عباد الله! ولطخ النبي ﷺ صور إبراهيم وإسماعيل وإسحق وهم يستقسمون بالأزلام- وكانت هذه الصور داخل الكعبة- وقال ﷺ : قاتلهم الله ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام. ولم يدخل الرسول ﷺ الكعبة إلا بعد أن محيت هذه الصور منها، ثم دخل- ﷺ الكعبة فصلى فيها ركعتين، ثمَّ استلم الرسول ﷺ الحجر الأسود، وطاف بالبيت سبعاً مهللاً مكبراً ذاكراً شاكراً، فلما فرغ ﷺ من الطواف بالبيت سبعاً، رقي الصفا فاستقبل الكعبة وهلَّل وحمد الله، وأثنى عليه، ومجَّدهُ بما هو أهله ودعا بما شاء الله أن يدعو به، ولم يطف بين الصفا والمروة لأنه لم يكن محرماً بعمرة (١). عبادة الله! وأمر رسول الله ﷺ بلالاً أن يصعد فوق ظهر الكعبة، فيؤذن

стр. 514

للصلاة، فصعد بلال وأذن للصلاة، وأنصت أهل مكة للنداء الجديد على آذانهم كأنهم في حُلمٍ، إن هذه الكلمات تقصف في الجو فتقذف بالرعب في أفئدة الشياطين، فلا يملكون أمام دويِّها إلا أن يولوا هاربين، أو يعودوا مؤمنين، الله أكبرُ الله أكبرُ، اللهُ أكبر اللهُ أكبر. ذلك الصوت الذي كان يهمس يوماً تحت أسواط العذاب وهو يقول: أَحدٌ أَحدٌ، ها هو اليوم يُجلجل فوق كعبة الله قائلا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، والكل خاشعٌ منصت خاضع. ها هي الآن كلمة التوحيد هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فها هي الأصنام تحت الأقدام، إنها لحظة والله يبكى فيها القلب فرحاً على هذا النصر العظيم. عباد الله! ثم أخذ رسول الله ﷺ يبايع الناس على الإِسلام، فبايعهم على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا؛ بايعهم رجالاً ونساءً صغاراً وكباراً. وما مست يدُ رسول الله ﷺ يد امرأة قط (١). وقال ﷺ -للنساء: "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأةٍ كقولي لمئة امرأة" (٢). عباد الله! فلما بايع النبي- ﷺ -الرجال والنساء على الإِسلام والسمع والطاعة لله ولرسوله ﷺ واستقر الأمن .. خرج ﷺ فدخل بيت أمِّ هانئ بنت أبي طالب بنت عمه، فاغتسل ﷺ ثم صلى ثماني ركعات شكراً لله تعالى على هذا الفتح.

стр. 515

وأجارت أم هانئ حموين لها، فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرتِ يا أمِّ هانئ" (١). عباد الله! فلما مكن الله رسوله- ﷺ من أهل مكة، واستقر الفتح أمَّنَ رسول الله- ﷺ الناس جميعاً، وعفا عنهم كلهم ولم يأخذهم بجريرتهم السابقة، إلا أربعة رجالٍ وامرأتين كانوا قد آذوه إيذاءً شَديداً. فقال- ﷺ : "اقتلوهم ولو وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة" فمنهم من قتل ومنهم من أسلم. عباد الله! فلما كان الغد من يوم الفتح قام النبي ﷺ في الناس خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ومجَّدهُ بما هو أهله، ثم قال: "يا أيها الناس إن مكة حرَّمها الله، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يحل لأحد أن يسفك فيها دماً، ولا أن يعضد فيها شجرة، فإن أحدٌ ترخص بقتال رسَّوَل الله ﷺ يوم الفتح -أي بفعل رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم، وإنما أحلها الله لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب" (٢). عباد الله! وفي فتح مكة نزلت سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾. العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من فتح مكة . أولاً: كان فتح مكة بداية فتحٍ عظيم للمسلمين، فقد كان الناس تبعاً

стр. 516

لقريش في جاهليتهم كما أنهم تبعٌ لقريش في إسلامهم، وكانت القبائل تنتظر ما يفعل رسول الله ﷺ مع قومه وعشيرته، فإن نصره الله عليهم دخلوا في دينه، وإن انتصرت قريش عليه يكونون بذلك قد كفوهم أمره. فلما نصر الله رسوله والمسلمين، وفتحوا مكة عرف الناس جميعاً أنه رسول الله صدقاً، فدخل الناس في دين الله أفواجاً. قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) .. ﴾. ثانياً: سورة النصر علامة على أجل رسول الله ﷺ . قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يُكثر من قوله: "سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه". فقال ﷺ : "أخبرني ربي أنى سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتُها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه"، فقد رأيتها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ (١). عباد الله! وهذه السورة تسمى سورة التوديع، حيث جاءت مخبرة بقرب أجل المصطفى ﷺ فعن ابن عباس: قال: كان عمر يُدخلني مع أشياخ بدرٍ فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لِمَ تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله. فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعاني ذات يومٍ فأدخلني معهم فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم.

стр. 517

قال: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾. فقال بعضهم: أمرنا أن نحمده ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً. فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجلُ رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، - وذلك علامة أجلك- ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فقال عمر: "ما أعلم منها إلا ما تقولُ" (١). ثالثاً: التحذير من الشفاعة في حدٍ من حدود الله قال عروة بن الزبير: إن امرأةً سرقت في عهد رسول الله ﷺ في غزوة الفتح، ففزع قومُها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه. قال عروة: فلما كلمة أسامة فيها تلون وجه رسول الله ﷺ ، فلما كان العشيّ قام رسول الله ﷺ خطيباً فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي محمَّد بيده، لو أن فاطمة بنت محمَّد سرقت لقطعت يدها" ثم أمر رسول الله ﷺ بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت. قالت عائشة: فكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ (٢).

стр. 518

رابعاً: الكبيرة دون الشرك لا تخرج صاحبها من الإيمان وقد تكفر بالحسنة الكبيرة، وهذا يؤخذ من فعل حاطب بن أبي بلتعة ﵁ عندما أرسل كتاباً إلى قريش يخبرهم فيه بخبر رسول الله- ﷺ ، وشفع له شهوده بدراً فقال- ﷺ لعمر بن الخطاب: يا عمر أو ليس قد شهد بدراً؟ وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدرٍ فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". عقيدتنا في أصحاب الكبائر أنهم في مشيئة الله إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم، ولا نكفرهم، ولا نخرجهم من الملة كما تفعل الخوارج. اللهم رد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.

стр. 519

الخطبة السابعة والأربعون: غزوة حُنين أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء السابع والأربعين من سيرة محمَّد ﷺ سيدُ الأنبياء وإمام المتقين، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة حنين. عباد الله! غزوة حنين وقعت بعد فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة وتعتبر من أكبر المعارك التي خاضها المسلمون في عصر السيرة ومن أكثرها خطورة. عباد الله! وحديثنا عن غزوة حنين سيكون حول العناصر التالية: العنصر الأول: جيش المشركين بقيادة مالك بن عوف سيد هوزان يستعد لمحاربة المسلمين . العنصر الثاني: جيش المسلمين بقيادة رسول الله ﷺ يستعد في مكة للقضاء على بقايا الشرك والوثنية، وأحداث الطريق. العنصر الثالث: أحداث الغزوة. العنصر الرابع: حكمة رسول الله- ﷺ في تقسيم الغنائم. العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة حنين. العنصر الأول: جيش المشركين بقيادة مالك بن عوف سيد هوزان يستعد لمحاربة المسلمين: كان فتح مكة بمثابة الضربة القاضية للشرك والمشركين في مكة ومن حولها من قبائل العرب، ولما فتح الله مكة على رسوله والمؤمنين، وأعلى كلمته،

стр. 520

ونصر دينه، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وخضعت قريش لرسول الله ﷺ ؛ خافت هوازن وثقيف -وهي من أشرس وأقوى القبائل العربية- وقالوا: قد فرغ محمَّد لقتالنا، فلنغزُه قبل أن يغزونا، وأجمعوا أمرهم على هذا، وولَّوا عليهم مالك بن عوف سيد هوازن. عباد الله! وكان مالك بن عوفٍ شجاعاً مقداماً، إلا أنه سقيمُ الرأي سيءُ المشورةِ، فلما اجتمعت قبائل العرب إليه، وجعلوا أمرهم بين يديه؛ أمرَ الناس أن يُخرجوا نساءهم وأبناءَهم وأموالهم معهم؛ ظنًّا منه أن هذه الأموال وتلك الأولاد؛ تحمل الرجال على الثبات عند اللقاء دفاعاً عنها. عباد الله! ورفض هذا الرأي أعرابيٌ كبيرٌ مُحنّك، هو دُرَيدُ بنُ الصِّمة وقال له: إنك إن نُصرت لن ينفعك إلا رجلٌ بسفيه ورمحه، وإن كانت الأخرى فُضحت في نسائِك وأَموالك، فسفَّه مالك رأيه وأصرَّ على خُطتِه. عباد الله! ووضع مالك بن عوفٍ قائد المشركين خطته لخوض المعركة ضد المسلمين على النحو التالي: أولاً: حشر نساء المقاتلين وأطفالهم وأموالهم خلفهم، وقصد من وراء هذا التصرف؛ دفع المقاتلين إلى الاستبسال والثبات أمام أعدائهم لأن المقاتل -من وجهة نظره- إذا شعر أن أعزّ ما يملك وراءه في المعركة، صعُبَ عليه أن يلوذ بالفرار مخلفاً ما وراءه في ميدان المعركة. ثانياً: رتب قومه بشكل صفوفٍ؛ قدَّم الخيل ثم المقاتِلة ثم النساء ثم الغنم ثم الإبل. ثالثاً: رفع الروح العنوية لدى جنوده؛ بأن وقف فيهم خطيباً يحثهم على الثبات والاستبسال وأمرهم أن يُجردوا سيوفهم، وقال لهم: "إذا أنتم رأيتم القوم فاكِسروا جفون سيوفكم، وشدوا شدة رجل واحدٍ عليهم".

стр. 521

رابعاً: وضع الكمائن لمباغتة جيش المسلمين والانقضاض عليهم، وقد كادت هذه الخطة أن تقضي على قوات المسلمين لولا لطف الله وعنايته. خامساً: أمر جيشه بالمبادرة بالهجوم على المسلمين؛ لأن النصر في الغالب يكون للمهاجم، أما المدافع فغالباً ما يكون في مركز الضعف. ولهذا أتت هذه الخطةُ ثمارها بعض الوقت -أي: في بداية المعركة- ثم اختلت موازين القوى- بفضل الله تعالى- ثم بثبات رسول الله- ﷺ حيث كسب المسلمون الجولة، وانتصروا على أعدائهم. العنصر الثاني: جيش المسلمين بقيادة رسول الله ﷺ يستعد في مكة للقضاء على بقايا الشرك والوثنية. وأحداث الطريق . عباد الله! ولما وصلت الأخبار إلى رسول الله ﷺ ، أن مالك بن عوفٍ -قائد المشركين- خرج بجيشٍ قوامُهُ عشرين ألفاً لقتال المسلمين بعد فتح مكة، قام رسول الله ﷺ بما يلي: أولاً: أرسل أبا حدرد الأسلمي فقال له: اذهب فادخل في القوم حتى تعلم لنا مِن علمهم، فدخل فمكث فيهم يوماً أو يومين ثم أقبل فأخبره الخبر (١). ثانياً: جهز ﷺ جيشاً إسلامياً قوامه اثني عشر ألفاً، يقول أنسٌ ﵁: "لما كان يوم حنين أقبلت هوازان وغطفانُ بذراريهم ونعمهم، ومع النبي ﷺ يومئذٍ عشرةُ آلافٍ، ومعه الطلقاء- الذين أطلقهم النبي ﷺ بعد فتح

стр. 522

مكة وخلى سبيلهم- وهم ألفان" (١)، ثالثاً: وزيادة في الاحتياط وأخذاً بالأسباب، أرسل رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية -وهو لا يزال على شركه- يستعير منه أسلحة ودروعاً، فقال له: "أعطنا سلاحك هذا، نلقي به عدوَّنا غداً -إن شاء الله-". فقال صفوان: أغصبٌ يا محمَّد؟ قال ﷺ : "لا بل عارية مؤداةٌ" فأعاره ثلاثين درعاً وثلاثين بعيراً (٢). عباد الله! خرج رسول الله- ﷺ بجيش المسلمين من مكة، وفي الطريق عيون رسول الله ﷺ تتقدم الجيش لتأتي بأخبار العدو، وجاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنِّي انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم ونسائهم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "تِلك غنيمة المسلمين غداً -إن شاء الله تعالى-" (٣) وهذه بُشرى. وفي الطريق وجيش المسلمين يسير بهذا العدد الكبير؛ نظر المسلمون بعضهم إلى بعض والأرض قد امتلأت بهم، فقال بعضهم: لن نُغلبَ اليوم من قلةٍ، ولذلك عاتبهم الله في كتابه فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ

стр. 523

مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥]. عباد الله! وفي الطريق وقعت مخالفة من الطلقاء -أي الذين دخلوا في الإِسلام حديثاً- تعالوا بنا لنستمع إلى أحدهم وهو يخبرنا الخبر. يقول الحارث بن مالك: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حديثو عهدٍ بالجاهلية، قال: فسرنا معه إلى حنين وكانت كفار قريش ومن سواهم من العرب لهم شجرةٌ عظيمة خضراء يقال لها: ذات أنواط؛ يأتونها كل سنةٍ فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوماً. قال: فرأينا ونحن نسيرُ مع رسول الله- ﷺ سدرة خضراء عظيمةُ. قال: فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذاتُ أنواطٍ. قال رسول الله- ﷺ : "الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾ إنها السُنن لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم (١). عباد الله! معلوم أن هذا القول لم يصدر من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وإنما كان من مُسلمة الفتح، الذين أسلموا قريباً وصدق الله إذ يقول: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. فلا يستوي إيمانُ مسلمة الفتح وإيمان من سبقوهم من المهاجرين والأنصار؛ لأن مُسلمة الفتح لم ينهلوا بعدُ من المورد العذب، لم ينهلوا بعد

стр. 524

من الوحي، ولذلك لم يوبخهم رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ هذا جهلٌ لا يُكفِّرْ، ولذا لم يُكفرهم النبي ﷺ بقولهم. العنصر الثالث: أحداث الغزوة عباد الله! وصل الجيش الإِسلامي إلى وادي حنين، وكان مالك بن عوف -قائد جيش الشرك والوثنية حينئذ- قد سبقهم، فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي، وصنع كميناً للمسلمين في الطرق والمداخل والشعاب والمضايق، وأصدر أمره للجيش بأن يرشقوا المسلمين إذا طلعوا عليهم ثم يشدوا عليهم شدة رجل واحدٍ. عباد الله! وبالسَّحرِ عبأ رسول الله- ﷺ جيشه، وعقد الألوية والرايات وفرقها على الناس، وفي عماية الصبح -أي ظلامه-، استقبل المسلمون وادي حنين وشرعوا ينحدرون فيه، وهم لا يدرون بوجود كمناء العدو في مضايق هذا الوادي. فبينما هم ينحطون إذا هم تمطر عليهم النبال، وإذا كتائب العدو قد شدَّتْ عليهم شدَّة رجلٍ واحد، فانشمر المسلمون راجعين -أي انفضوا وانهزموا- لا يلوى أحدٌ على أحدٍ، وكانت هزيمة منكرة، وشمت الأعداءُ بهزيمة المسلمين، فقال بعضهم: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر -يريد أن المسلمين هُزموا هزيمة لا قائمة لهم بعدها أبداً-، وقال آخرُ: ألا بطل السحرُ اليوم، وقال ثالث: اليوم أدركُ ثأري من محمدٍ، اليوم أقتلُ محمداً. عباد الله! وانحاز النبي ﷺ ذات اليمين وأخذ ينادي: أين أيها الناس؟ هلموا إليَّ، أنا رسول الله، أنا محمَّد بن عبد الله فلا يردُ عليه أحدٌ، وركبت الإبل بعضها بعضاً وهي موليةٌ بأصحابها. ولم يبق حول النبي ﷺ إلا عددٌ قليل من المهاجرين والأنصار، وأهل

стр. 525

بيته، ورسول الله ﷺ تركض بغلته قبل الكفار، ويقول: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب يقول العباس: وأنا آخذٌ بلجام بغلة رسول الله ﷺ ، أكفّها إرادة أن لا تسرع، وأمر النبي- ﷺ العباس -وكان جهير الصوت- أن ينادي: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، يا أصحاب بيعة الرضوان، فأجابوا لبيك لبيك، حتى إذا اجتمع إلى رسول الله ﷺ نفرٌ منهم، استقبلوا العدو واقتتلوا وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخرى، وتجالد الفريقان مجالدة شديدة، ونظر النبي- ﷺ إلى ساحة القتال، وقد احتدم القتالُ فقال: "الآن حَمِيَ الوطيسُ" وتوجه النبي- ﷺ إلى ربه بالدعاء فقال ﷺ : "اللهم نزل نصرك"، ثم أخذ رسول الله- ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: "انهزموا ورب محمَّد" وقال: "شاهت الوجوه" فما خلق الله إنساناً من الكفار إلا ملأ عينيه تراباً من تلك القبضة- وولوا من أرض المعركة مدبرين، والمسلمون يحصدونهم حصداً- يقول العباس: فوالله ما هو إلا أن رماهم حتى رأيت حدَّهم كليلاً، وأمرَهم مدبراً، وفي غزوة حنين نزل قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦]. عباد الله! ولَّى المشركون الأدبار، واعتصموا بناحيةٍ يقالُ لها: (أوطاس) فأرسل النبي ﷺ في أعقابهم أبا عامر الأشعري فقاتلهم حتى قُتِلَ فأخذ

стр. 526

الراية منه ابنُ أخيه أبو موسى الأشعري فما زال يقاتل العدو حتى بدَّد شملهم وهُزموا شر هزيمةٍ. ومالك بن عوف- قائد المشركين يومئذ- ومن معه من رجالات قومه قرروا أن يمضوا في الفرار حتى يصلوا إلى "الطائف"، فيتحصنوا بحصنها تاركين في هذا الفرار مغانم هائلة، فخلف العدو في أرض المعركة أربعة وعشرين ألفاً من الإبل، وأكثر من أربعين ألفاً من الغنم، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، هذا إلى جانب ستة آلاف من السبي (١). عباد الله! وكره رسول الله ﷺ أن يُقسم على الناس هذه الغنائم، وتأنى يبتغي أن يرجع القوم إليه تائبين، فيأخذوا ما فقدوا، ومكث ينتظرهم بضع عشرة ليلة فلم يجئه أحد، فجمع النبي ﷺ هذه الغنائم في (الجعرانة) وعين عليها حارساً، ثم خرج ﷺ بنفسه حتى أتى حصن الطائف الذي تحصن به مالك بن عوف ومن معه، وحاصرهم النبي ﷺ وطال الحصار، فلما طال الحصار ولم ينزلوا، رجع رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين. العنصر الرابع: حكمة رسول الله ﷺ في تقسيم الغنائم: عباد الله! عاد رسول الله ﷺ من الطائف بجيش المسلمين إلى (الجعرانة) وفي (الجعرانة) كانت غنائم حنين الجليلة، وبدأ رسول الله ﷺ في تقسيم الغنائم بسياسة خفيت حكمتها على بعض الصحابة آنذاك، حيث حظي بهذه الغنائم الطلقاء والأعراب تاليفاً لقلوبهم لقرب عهدهم بالإِسلام، وعدم تمكن معاني الإيمان من قلوبهم.

стр. 527

فأعطى مائة من الإبل لكل من عيينة بن حصن -من زعماء غطفان-، والأقرع بن حابس -من زعماء تميم-، والعباس بن مرداس، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وأبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية -من زعماء قريش (١). عباد الله! وشاع في الناس أن محمداً ﷺ يُعطى عطاء من لا يخشى الفقر، فجاء الأعراب من كل مكان يسألونه، حتى اضطروه إلى مضيق وحبسوه عن المسير فتعلق رداؤه بشجرة فقال- ﷺ : "أيها الناس أعطوني ردائي فوالله لو كان لي مثل هذه العضاة -أي: الوادي- نَعَما لقسمته فيكم، لا أحبس عنكم شيئاً، ثم لا تجدونني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً" (٢). عباد الله! وقد أثر عطاء رسول الله ﷺ في قلوب هؤلاء الزعماء وأتباعهم، فأظهروا الرضا بها وزادتهم رغبة في الإِسلام، ثم حَسُنَ إسلامهم جميعاً، فأبلوا في الإِسلام بلاءً حسناً، وخدموه بأنفسهم وأموالهم إلا يسيراً منهم. قال أنس ﵁: "إن كان الرجل ليُسلِمُ ما يريد إلا الدنيا، فما يُسلم حتى يكون الإِسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها" (٣). وقد عبر بعض المؤلفة قلوبهم عن أثر ذلك فقال صفوان بن أمية: "لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ" (٤).

стр. 528

عباد الله! وقد تأثر بعض المسلمين -في بداية الأمر- بهذا التقسيم لأنه لم يشملهم، فكان لابدَّ من بيان الحكمة لهم من ذلك. فقال ﷺ : "والله إني لأعطي الرجل وأدعُ الرجل، والذي أدعُ أحبُ إليَّ من الذي أُعطي، ولكن أُعطي أقواماً لِما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكِلُ أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير" (١). وقال ﷺ : "إني لأعطي رجالاً حُدثاء عهد بكفر أتألفهم" (٢). وقال ﷺ : "إني لأعطي الرجل وغيره أحبُ إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار" (٣). عباد الله! وقد بلغ رسول الله ﷺ أن الأنصار وجدوا في أنفسهم؛ لعدم أخذهم شيئاً من غنائم حنين، وأن بعض أحداثهم قالوا: "إذا كانت الشدة فنحن نُدعى، وتُعطى الغنائم غيرنا". وقالوا: "يُعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم". فأمر النبي ﷺ سعد بن عبادة أن يجمع له الأنصار، فجمعهم له في قبةٍ من أُدمٍ -أي: في خيمة من جلد- فخرج رسول الله ﷺ ، فقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم بي". قالوا: بلى!

стр. 529

قال ﷺ : ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله وبماذا نجيبك؟ المنُّ لله ورسوله. قال ﷺ : والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصُدقتم: جئتنا طريداً فآويناك وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فأمناك ومخذولاً فنصرناك .. فقالوا: المنُّ لله ورسوله. فقال ﷺ : أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفتُ بها قوماً أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإِسلام!! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده، لو أن الناس سلكوا شعباً، وسلكت الأنصار شِعباً لسلكت شِعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله رباً، ورسوله قسماً، ثم انصرف .. وتفرقوا .. (١). عباد الله! ولما فرغ النبي ﷺ من توزيع الغنائم وهو بالجعرانة، أراد أن يعتمر قبل أن يرجع؛ فأحرم بالعمرة من الجعرانة ليلاً، ووصل مكة فطاف وسعى ثم تحلل، وخرج منها ليلاً فبات بالجعرانة. ثم عاد- ﷺ -إلى المدينة وقد كان خرج منها في رمضان ودخلها في أواخر ذي القعدة. عباد الله! وشتان بين هذا الدخول والدخول يوم الهجرة، لقد دخلها يوم الهجرة خائفاً يترقب، وقريش قد بعثت من يأتي به حياً أو ميتاً.

стр. 530

أما اليوم فقد دخلها منصوراً نصراً مؤزراً، وصدقه الله وعده حيث قال له: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]. قال ابن عباس ﵄: لرادُّك ربك إلى مكة (١). فصدق الله رسوله وعده وردَّه إلى مكة، وفتح له غيرها، ثم عاد ﷺ إلى المدينة. العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخد من غزوة حنين: أولاً: التوكل على الله تعالى لا ينافي الأخذ بالأسباب: ويؤخذ هذا من فعل النبي ﷺ في غزواته، فكان يستعد للقاء العدو بالعددِ والعُدة. وفي غزوة حنين استعار النبي ﷺ أسلحة من صفوان بن أمية، وخرج بجيش كبير. فلا يجوز لرجلٍ أن يُقدم على عدو دون أن يُعِدَّ العدة ويقول: أنا متوكل على الله، فرسول الله ﷺ سيد المتوكلين، ولكنه أخذ بالأسباب. لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. فهؤلاء الذين يتسرعون لملاقاة الأعداء -قبل أن يستعدوا إيمانياً ومادياً- يضيعون الوقت والجهود فلابد أن يعتبروا بفعل رسول الله ﷺ . ثانياً: الإعجاب بالكثرة يحجب نصر الله: وهذا ما حدث في غزوة حنين فقال بعض المسلمين: "لن نُهزم اليوم من قلة"، فحجب هذا الإعجاب النصر في بداية المعركة.
следующие страницы →