٥٩٠ - " بَاب هَلْ يُقَالُ رَمَضانُ أو شَهْرُ رَمَضَانَ ؟ "
٦٨٦ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أبوَابُ السَّمَاءِ وغُلِّقَتْ أبْوَابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَيّاَطِينُ ".
ــ
أخرجه الشيخان، والترمذي والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن للجنة أبواباً متعددة بتعدد الأعمال لكل عبادة باب يختص بأهلها المتفوقين فيها. ثانياًًً: أن من بين هذه الأبواب باب الصائمين، ويقال له: الريان، لأن من دخل منه يرتوي فلا يظمأ أبداً كما في رواية الترمذي: " ومن دخله لم يظمأ أبداً ". والمطابقة: في قوله: " من كان من أهل الصيام دعى من باب الريان ".
٥٩٠ - " باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان "
٦٨٦ - معنى الحديث: أن أبواب السماء تفتح عند قدوم رمضان حقيقة لا مجازاً إحتفاءً بهذا الشهر الكريم. وترحيباً به في الملأ الأعلى، وتنويهاً بفضله وشرفه، وإعلاماً للملائكة بدخوله، كما تفتح أبوابها لكل من مات فيه صائماً قائماً بواجباته غير مفسد له بالمحرمات والآثام استقبالاً له وترحيباً بمقدمه، وتبشيراً له بما أعدَّ الله له في دار الكرامة " وغلقت أبواب جهنم " حقيقة عن الصائمين، فمن مات منهم كان من عتقاء رمضان " وسلسلت الشياطين " أي وربطت الشياطين بالسلاسل، حقيقة أيضاًً وحمله بعضهم على شياطين الوسوسة والإِغواء، وهو أنسب. الحديث: أخرجه الشيخان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل شهر رمضان، حيث تفتح فيه أبواب السماء وأبواب الجنة كما في رواية أخرى في
стр. 1017
٥٩١ - " بَابُ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَولَ الزُّورِ والْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ "
٦٨٧ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قالَ رَسوُلُ اللهَ ﷺ : " مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ في أن يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ".
ــ
البخاري، " وتغلق أبواب النار " وفيه بشارة عظيمة لمن مات فيه قائماً بحقوقه، والواجبات التي عليه، وأنه تربط فيه الشياطين عن الناس وتمنع عن الوسوسة لهم، ولا يقال كيف تربط ونحن نرى الناس يذنبون في رمضان؟ فالجواب أن هذا لا يتعارض مع الحديث، فإن الإِنسان توسوس له نفسه أيضاًً، فالمعاصي التي يرتكبها في رمضان نتيجة لغرائزه وشهواته النفسية. ثانياًًً: أنه لا مانع من أن يقال رمضان. والمطابقة: في قوله: " إذا دخل رمضان ".
٥٩١ - " باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم "
٦٨٧ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " من لم يدع قول الزور والعمل به " أي من لم يترك القول الباطل والكلام المحرّم أثناء صومه من الكذب وشهادة الزور، والغيبة والنميمة والقذف والشتيمة " والعمل به " أي ولم يترك الأعمال الباطلة من الظلم والغش والخيانة وأكل الربا وغيرها " فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه "، أي فإن صيامه لا يكون مرضياً عنه، ولا يقبل قبولاً كاملاً، ولا يثاب عليه ثواب الصائمين الذين يوفَّون أجرهم بغير حساب، وإن كان الصوم في حد ذاته صحيحاً مسقطاً للفرض الذي عليه.
فقوله: " وليس لله حاجة " إلخ مجاز يراد به عَدمُ القبول الكامل من إطلاق السبب وإرادة المُسَبِّبِ، قال ابن المنير: هو كناية عن عدم قبول الصوم،
стр. 1018
٥٩٢ - " بَابُ الصَّوْمِ لِمَنْ خاف عَلَى نفْسِهِ الْعُزُوبَةَ "
٦٨٨ - عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:
كُنَّا مَعَ النبي ﷺ فَقَالَ: "مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أغَضُّ
ــ
كما يقول الغضبان لمن رد عليه شيئاً طلبه منه فلم يقم به: لا حاجة في به. الحديث: أخرجه أيضاًً الأربعة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحذير الصائم من الأقوال الباطلة والأفعال المحرمة، لأنّها تسخط الله وتنقص من ثواب الصوم فلا يجازى الصائم على صومه بغير حساب، إلاّ إذا صام عن المحرمات، أما إذا اقترفها فإنه لا يستفيد منه إلا إسقاط الفرض فقط. ثانياًً: أنه ليس الغرض من الصيام الحرمان من الطعام والشراب، بل ما يترتب عليه من تهذيب النفس، وتقويم السلوك الإِنساني، قال البيضاوي في قوله ﷺ : " فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " أي ليس المقصود من شرعية الصيام نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر قبول. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
٥٩٢ - " باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة "
٦٨٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " من استطاع الباءة " وهي لغةً الجماعُ والمراد بها هنا مؤونة النكاح والقدرة عليه " فليتزوج " أي: أنَّ النبي ﷺ يأمُرُ بالزواج كلَّ من كان قادراً عليه جسمياً ومادياً إحصاناً لنفسه ودينه، لأنه في حاجة إليه بمقتضى غريزته الجنسية التي أودعها الله فيه فإنّها إذا لم تجد لها مصرفاً شرعياً صرفت قواها في الفواحش والموبقات،
стр. 1019
لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء".
٥٩٣ - " بَابُ قَوْلِ النَّبِِّي ﷺ إِذَا رَأيْتُمْ الْهِلالَ فَصُومُوا "
٦٨٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الشَّهر تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلا تَصُومُوا حتى تَرَوْهُ، فإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فأكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاِثين ".
ــ
والزواج هو المصرف الشرعي لها، وهو الوقاية والحماية لها من الخبائث، كما قال ﷺ : " فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج " أي فإن النكاح أمنع للبصر والفرج من اقتراف الخطايا " ومن لم يستطع فعيه بالصوم فإنه له وجاء " أي فإن الصوم يكسر الشهوة. الحديث: أخرجه الخمسة غير الترمذي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: الترغيب في الزواج لكل من يقدر عليه مالياً ونفسياً وجسمياً. ثانياًًً: استحباب الصوم لمن خاف على نفسه من العزوبة، وخشي الفاحشة لأنّ الصوم يضعف الشهوة. والمطابقة: في قوله: " ومن لم يستطع فعليه بالصوم ".
٥٩٣ - " باب قول النبي ﷺ إذا رأيتم الهلال فصوموا "
٦٨٩ - معنى الحديث: أن الشهر يكون أحياناً تسعة وعشرين يوماً كما يكون أحياناً ثلاثين، الكل جائز وواقع، ولكن الاعتماد في الصيام والإفطار على الرؤية، أو إكمال ثلاثين يوماً وهو معنى قوله: " فلا تصوموا حتى تروه " أي حتى تروا الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من شعبان وكذلك الحكم في الإِفطار، لا تفطروا حتى تروا الهلال بعد غروب اليوم التاسع والعشرين من رمضان، " فإن غم عليكم " أي فإن لم تروا الهلال ولم يظهر
стр. 1020
لكم لأي سبب من الأسباب، " فأكملوا العدة ثلاثين " أي فأتموا عدة أيام الشهر ثلاثين يوماً، سواء كان ذلك في الصيام كما نص عليه حديث الباب، أو في الإِفطار من رمضان كما في الأحاديث الأخرى، فقد جاء في رواية أخرى للبخاري عن ابن عمر " إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا " أخرجه البخاري، ومعنى ذلك أن هذا الحكم في الصيام والإِفطار معاً، وفي رواية أخرى عن ابن عمر أيضاًً: " الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له " أخرجه أبو داود والشيخان وأحمد بن حنبل. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن ثبوت رمضان يكون برؤية الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من شعبان بشهادة شاهدي عدل أنهما رأيا الهلال، ولا يثبت بعدل واحد، عند مالك وأحمد في رواية، وقال أكثر أهل العلم: يثبت بعدل واحد لحديث ابن عمر ﵄ قال: " تراءى الناس الهلال (١) فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصام، وأمر الناس بصيامه " أخرجه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم، قالوا: تقبل شهادة رجل واحد في الصيام، وبه يقول ابن المبارك والشافعي في قول: وأحمد في رواية، قال النووي: وهو الأصح. فإن لم ير الهلال فيثبت بإكمال شعبان ثلاثين يوماً. ثانياًً: أن الإفطار كالصيام يثبت أيضاًً بالرؤية أو بإكمال ثلاثين يوماً. إلاّ أنه لا يثبت عند عامة الفقهاء إلاّ برؤية عدلين، خلافاً للظاهرية.
...
стр. 1021
٥٩٤ - " بَابُ قَوْلَ النبي ﷺ لَا نكْتُبُ ولا نحْسِبُ "
٦٩٠ - عنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّا أمَّة أمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وعِشْرِينَ، وَمَرَّة ثَلاِثينَ ".
ــ
٥٩٤ - "باب قول النبي ﷺ لا نكتب ولا نحسب "
٦٩٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إنا أمة أمية " أي تغلب علينا الأميّة، وهي البقاء على أصل ولادة الأم، بمعنى أننا لا نعرف القراءة والكتابة، والحساب، وقيل المراد بالحساب حساب النجوم والمنازل والفلك، وذلك باعتبار ما غلب عليهم، وإلّا فقد كان في العرب من يعرف ذلك، ولكنهم قلة " الشهر هكذا وهكذا " يعني أن النبي ﷺ أشار بأصابع يديه أولاً ثلاث مرات عقد في الثالثة أصبعاً واحداً يعني تسعة وعشرين يوماً، ثم أشار بأصابع يديه ثانياًً ثلات مرات ولم يعقد شيئاً، يعني ثلاثين يوماً، فبين أن الشهر يكون تسعة وعشرين ويكون ثلاثين يوماً.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الصيام والإِفطار لا يثبتان كما قال أهل العلم إلاّ بالرؤية، وأما ما نسب إلى الشافعي من أنه. قال: من تبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغُمَّ عليه، جاز له أن يُبيته (١) ويجزئه، فقد رده ابن عبد البر، وقال: الذي عندنا في كتبه -أي في كتب الشافعي- أنه لا يصح رمضان إلاّ برؤية أو شهادة عادلة، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً.
الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث جزءاً من الترجمة.
стр. 1022
٥٩٥ - " بَاب لا يَتَقَدَّمَنَّ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْم وَلا يَوْمَيْنِ "
٦٩١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النبي ﷺ قَالَ: " لا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يوْم أوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا أن يَكُونَ رَجُل كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ ".
ــ
٥٩٥ - " باب لا يتقدمن رمضان بصوم يوم أو يومين "
٦٩١ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين " أي لا يجوز لأحد أن يستقبل رمضان بصيام آخر شعبان، فيصوم قبله يوماً أو يومين، بنية كونهما من رمضان (١)، لاحتمال كونهما منه، سواء كان الجو صحواً أو غائماً، وإنما ذكر اليومين (٢) لأنه قد يحصل الشك في يومين لوجود غيم أو ظلمة في شهرين أو ثلاثة، وإنما، نهى عن ذلك لأن الصيام بنية رمضان قبله مخالفة لحكم الشارع الذي علق الصيام على الرؤية ثم قال: " إلاّ أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم " وهذا استثناء منقطع " معناه " لكن إذا كان للصائم أيّام معتادة يصومها آخر الشهر تطوعاً، أو كان نذراً أو قضاءً فصادف آخر شعبان، فلا مانع من صيامه إذن، لأن ذلك ليس من جنس الصيام المنهي عنه شرعاً. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: كراهية صيام آخر يوم من شعبان المسمى بيوم الشك مطلقاً. سواء صامه وحده أو مع يوم قبله لحديث الباب، ولقول عمار ﵁: "من صام اليوم الذي يشك
стр. 1023
٥٩٦ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) "
٦٩٢ - عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم ﵁ قَالَ:
لَمَّا نَزَلَتْ (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) عَمَدْتُ إلى عِقَال أسْوَدَ، وِإلَى عِقَال أبْيَضَ، فَجَعَلْتُهُمَا تحتَ وِسَادَتي،
ــ
فيه فقد عصى أبا القاسم"، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول (١) سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق كرهوا أن يصام اليوم الذي يشك فيه، ورأى أكثرهم أنّه إن صامه وكان من شهر رمضان أن يقضي يوماً مكانه، وعند الحنفية (٢) إن ظهر أنّه من رمضان أجزأ عنه. ثانياًً: أنه يجوز صيام يوم الشك في أيّام معتادة أو نذر أو قضاء صادف ذلك اليوم، قال الحافظ: والحكمة في النهي عن صيامه بنية أنه من رمضان أنّ الحكم علق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم (٣).
٥٩٦ - " باب قول الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) "
٦٩٢ - معنى الحديث: يقول عدى بن حاتم ﵁: " لما نزلت (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) عمدت (٤) إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي " أي
стр. 1024
فجعَلْتُ أنْظُرُ في اللَّيْلِ، فَلا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: " إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ ".
ــ
ظننت أن المراد بالخيط الأبيض والأسود معناهما الحقيقي، وأن المقصود بهما حبلان أحدهما أبيض والثاني أسود، وفهمت من الآية أن المسلم لا يزال مفطراً يأكل ويشرب حتى يتجلى النهار، ويظهر له الحبل الأبيض من الحبل الأسود، فأحضرت الحبلين، ووضعتهما تحت وسادتي لأتعرّف منهما على أوّل وقت الصيام، " فجعلت أنظر في الليل " أي فلما طلع الفجر صرت أنظر في الحبلين فلا أميز الأبيض من الأسود، وهو معنى قوله: " فلا يستبين لي " أي لا أعرف هذا من هذا، " فغدوت على رسول الله ﷺ " فذكرت له ذلك فقال: إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار " أي ليس المقصود بالخيط الأبيض والخيط الأسود حقيقتهما ومعناهما الظاهرى، وإنما المقصود بالخيط الأسود سواد الليل، وبالخيط الأبيض بياض النهار، ونوره وضياؤه، وفي رواية ابن جرير (١) أن النبي ﷺ قال له: " إذا جاء رمضان فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر قال ففتلت خيطين من أبيض وأسود فنظرت فيهما عند الفجر، فرأيتهما سواء، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله كل شيء أوصيتني قد حفظت غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: وما منعك يا حاتم، وتبسم، كأنه قد علم ما فعلت، قلت: فتلت خيطين من أبيض وأسود، فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء، فضحك رسول الله ﷺ حتى رؤي نواجذه، ثم قال: ألم أقل لك من الفجر إنما هو ضوء النهار وظلمة الليل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في كون الحديث تفسيراً للآية.
стр. 1025
٥٩٧ - " بَابُ بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيْجَابٍ "
٦٩٣ - عن أنس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:
قَالَ النبي ﷺ : " تَسَحَّرُوا فَإِنَّ في السَّحُورِ بَرَكَةً ".
٥٩٨ - " بَابُ الصَّائِمِ يُصْبِحُ جُنُبَاً "
٦٩٤ - عن عَائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ ﵄:
ــ
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تفسير الآية الكريمة كما ترجم له البخاري. ثانياًً: على أن الصيام والإِمساك يبدأ من طلوع الفجر.
٥٩٧ - " باب بركة السحور من غير إيجاب "
٦٩٣ - معنى الحديث: أن الله أودع في السحور خيراً كثيراً، ونفعاً عظيماً لأنه ينشط البدن، ويقوي الجسم، ويعين على الصيام الذي هو من أفضل القربات وأعظم الطاعات، ولذلك أمر به ﷺ في هذا الحديث، ورغب فيه، وبين ﷺ أنه الفارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، كما في حديث عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: " إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر " (١) أخرجه الخمسة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن السحور سنة مستحبة، لأن النبي ﷺ أمر به وأقل مقتضيات الأمر الندب، وقد نقل ابن المنذر الإجماع عليه، وبين أنه بركة، وهو ما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان والمطابقة: ظاهرة.
٥٩٨ - " باب الصائم يصبح جنباً "
٦٩٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان أحياناً يجامع أهله في ليالي
стр. 1026
" أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ ويصُومُ ".
٥٩٩ - " بَابُ الْمُبَاشَرةِ للصَّائِمِ "
٦٩٥ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" كَانَ النبي ﷺ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أمْلَكَكُمْ لِإرْبِهِ ".
ــ
رمضان ولا يغتسل بعد جماعه بل يبيت وهو جنب من أهله أي وهو جنب من جماع أهله لا من احتلام، ويطلع عليه الفجر وهو على حال الجنابة، فيصوم، ثم يغتسل ولا يرى في ذلك بأساً. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي بألفاظ مختلفة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنّه يجوز للصائم أن يصبح جنباً كما ترجم له البخاري، وهو مذهب جمهور العلماء والفقهاء، قال النووي: وقد أجمع أهل هذه الأمصار على صحة صوم الجنب، سواء كان من احتلام أو جماع، وبه قال جماهير الصحابة والتابعين، وحكى عن أبي هريرة إبطاله، والصحيح أنّه رجع عنه كما صرح به في رواية مسلم، وحكي عن طاووس وعروة: إن علم بجنابته لم يصح، وعن الحسن البصري أنه يجزئه في صوم التطوع دون الفرض، قال النووي: ثم ارتفع هذا الخلاف وأحمع العلماء بعد هؤلاء على صحته. اهـ. وقال ابن دقيق العيد: صار ذلك إجماعاً أو كالإِجماع (١). اهـ. والمطابقة: في قوله: " كان يدركه الفجر وهو جنب ".
٥٩٩ - " باب المباشرة للصائم "
٦٩٥ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يستمتع بنسائه بالتقبيل
стр. 1027
٦٠٠ - " بَابُ الصَّائِمِ إِذَا أكَلَ أوْ شَرِبَ ناسياً "
٦٩٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النبي ﷺ قَالَ: " إِذَا نَسِيَ فَأكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ ".
ــ
والملامسة والمعانقة وسائر أنواع المباشرة عدا الجماع وهو صائم، ولكنه ﷺ كان أقدر على امتلاك نفسه، والسيطرة على شهوته، فهو بالرغم من هذه المباشرة في مأمن من الجماع، وهو معنى قولها: " وكان أملككم لأربه " بفتح الهمزة والراء، على ما رواه أكثر المحدثين أي: لحاجته وشهوته ويروى بكسر الهمزة وسكون الراء، ويطلق على الذكر خاصة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود وأحمد.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنّه يجوز للصائم المباشرة (١) غير الفاحشة والقبلة إذا أمن على نفسه، أما من لم يأمن على نفسه فإنه يكره له ذلك، كما تكره المباشرة الفاحشة، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وقال مالك يكره التقبيل (٢) إن علمت السلامة، فإذا لم تعلم فهو حرام، وقال الشافعي: تجوز المباشرة والقبلة للشيخ دون الشاب. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً عليها.
٦٠٠ - " باب الصائم إذا أكل وشرب ناسياً "
٦٥٦ - معنى الحديث: أن الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً فإن عليه
стр. 1028
٦٠١ - " بَابٌ إِذَا جَامَعَ في رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيءٌ فتصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّره "
٦٩٧ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
"بَينَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النبي ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
ــ
أن يتم بقية نهاره، ولا يفسد صومه، ولا يوجب عليه ذلك الأكل أو الشرب إثماً ولا قضاءً، فقد روي عن أبي هريرة أنه نسي صيام أول يوم من رمضان فأصاب طعاماً قال: فذَكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: أتم صيامك، فإن الله أطعمك وسقاك ولا قضاء عليك " أخرجه الدارقطني، إلاّ أن أحد رواته وهو الحكم بن عبد الله ضعيف الحديث. وإنما لم يترتب على الناسي شيء لأنه أكل وشرب دون إرادته واختياره، وهو معنى قوله: " أطعمه الله وسقاه ".
نسب الإِطعام والإِسقاء إلى الله تعالى، لأن العبد لم يكن له اختيار لنسيانه، فلا يعد إفطاره جناية على صومه. الحديث: أخرجه الستة.
فقه الحديث: استدال به الجمهور على أن من أكل أو شرب ناسياً لا يفسد صومه ولا يلزمه قضاء لقوله ﷺ : " فليتم صومه "، ولا تلزمه كفارة من باب أولى، وقال مالك: يفسد صومه ويلزمه القضاء، ولا إثم عليه ولا كفارة، وحمل المالكية حديث الباب على إسقاط الإثم والمؤاخذة عليه دون القضاء (١)، ولكن قد جاء التصريح بإسقاط القضاء في حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة " ذكره الحافظ في " الفتح " وقال فيه: أقل درجات هذا الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسناً فيصلح للاحتجاج به. والمطابقة: في قوله: " فليتم صومه ".
٦٠١ - " باب إذا جامع في رمضان "
٦٩٧ - معنى الحديث: أنه بينما كان أصحاب رسول الله ﷺ في
стр. 1029
اللهِ هَلَكْتُ، قَالَ: " مَا لَكَ؟ " قَالَ: وَقَعْتُ على امْرَأتِي وأنَا صَائِم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تَعْتِقُهَا؟ " قَالَ: لا، قَالَ: " فَهَلْ تَسْتَطِيْعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتتَابِعَيْنِ؟ " قالَ: لا، قَالَ: " فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينَاً؟ " قَالَ: لا، فَمَكَثَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فبينا نَحْنُ على ذَلِكَ أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بعَرَقٍ فيهِ تَمْرٌ، والعَرَقُ المِكْتَلُ، قَالَ: " أينَ السَّائِلُ؟ " فَقَالَ: أنا، قَالَ: " خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ " فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَعَلَى أفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ، فَواللهِ مَا بَيْنَ لابتَيْهَا -يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ- أهلُ بَيْتٍ أفقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيتي، فَضَحِكَ النبي ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنيابُهُ، ثُمَّ قَالَ أطعِمْهُ أهلَكَ ".
ــ
مجلسه فوجئوا برجل يدخل عليهم وهو سلمان بن صخر البياضي جاء يسأل النبي ﷺ عن فعلة وقع فيها فقال: هلكت يا رسول الله، أي وقعت في المعصية التي تؤدّي إلى الهلاك، فسأله ﷺ عما وقع له، فأجاب بأنه جامع أهله في رمضان، وفي مرسل ابن المسيب عن سعيد بن منصور أصبت امرأتي ظهراً في رمضان، فقال له النبي ﷺ : " هل تملك رقبة " عبداً أو أمة فتعتقه فيكون كفارة لك، أو هل لديك من المال ما تشتري الرقبة فتعتقها قال: لا، " قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين " أي متواليين " قال: لا " وفي رواية للبخاري " قال: لا أقدر " وفي رواية ابن اسحاق: " وهل لقيت ما لقيت إلاّ من الصيام " " قال فهل تجد إطعام ستين مسكيناً، قال: لا " وهكذا ذكر له النبي ﷺ أنواع الكفارة الثلاثة فأجاب بأنه لا يقدر على شيء منها، فأمره النبي ﷺ بالجلوس عنده، لينظر في أمره فبينما هو عنده جاء إلى النبي رجل من الأنصار بعرق قال: والعرق المكتل أي الزنبيل
стр. 1030
الكبير، فسأل عنه النبي ﷺ ، ثم قال له: خذ هذا المكتل من التمر، فتصدق به على ستين مسكيناً يكون كفارة لك، " فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي " أي ليس هناك داخل حدود المدينة التي بين الحرتين من هو أفقر من أهل بيتي، فأنا أولى بهذه الصدقة من غيري، " فضحك النبي ﷺ " من حال هذا الرجل الذي جاءه خائفاً على نفسه راغباً في فدائها، فلما وجد الرخصة طمع أن يأكل ما أُعطيه من الكفارة " ثم قال: أطعمه " أهلك " فأذن له أن يأكل كفارته وأن يتصدق بها نفسه. الحديث: أخرجه الستة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب الكفارة على من جامع في رمضان عامداً وهو قول عامة إلّا ما حكي عن الشعبي وابن جبير والنخعي أن عليه القضاء، أما المجامع ناسياً فلا يفطر ولا كفارة عليه عند الجمهور لمفهوم حديث الباب، وقال أحمد: يفطر وعليه الكفارة، وقال مالك: يفطر وعليه القضاء. والحديث حجة لمن خصص الكفارة بالجماع عمداً لقول السائل " هلكت " أي عصيت الله ولا معصية في النسيان.
واختلفوا في المرأة، فقال مالك وأبو حنيفة عليها القضاء والكفارة، وعن الشافعي قولان وعن أحمد روايتان. ثانياًًً: أن الكفارة تكون بأحد الأنواع الثلاثة على الترتيب وجوباً وهو مذهب الجمهور، خلافاً لمالك وأحمد في رواية، ولا تسقط بالإعسار وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة خلافاً للجمهور والحديث حجة على عدم سقوطها، فإن تكرر الجماع في يوم واحد فالكفارة واحدة إجماعاً وإذا تكرر في يومين أو أيّام فلكل يوم كفارة. ثالثاً: أن من أنواع الكفارة إطعام ستين مسكيناً، لكل مسكين مد (١) عند المالكية والشافعية، وقال أحمد: مدٌّ من بُرّ أو نصف صاع من تمر أو شعير وقالت
стр. 1031
٦٠٢ - " بَابُ الْحِجَامَةِ والْقَيءِ لِلصَّائِمِ "
٦٩٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّهُ قَالَ:
"إِذَا قَاءَ فلا يُفْطِرُ، إِنَّمَا يُخْرِجُ ولا يُوْلِجُ".
٦٩٩ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
"أن النبي ﷺ احْتَجَمَ، وهُو مُحْرِم، واحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ".
ــ
الحنفية: يجب لكل مسكين ما يجب في الفطرة وهو نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير. والمطابقة: في كون الحديث دل على كفارة الجماع وهو ما ترجم له البخاري.
٦٠٢ - " باب الحجامة والقيء للصائم "
٦٩٨ - تمهيد: هذا الحديث رواه البخاري موقوفاً على أبي هريرة ﵁ ورواه الأربعة كما قال العيني مرفوعاً من حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض " إلاّ أن الترمذي قال: إنه حديث حسن غريب (١) لا نعرفه إلاّ من حديث عيسى بن يونس، قال الحافظ في " بلوغ المرام " وقد قواه الدارقطني.
معنى الحديث: أن الصائم إذا غلبه القيء فخرج منه دون اختياره فإنه لا يفسد صومه لأن الصوم إنما يبطل بما يدخل إلى الجوف لا بما خرج منه، وهذا الذي وقع منه القيء " إنما يخرج ولا يولج " أي ولا يدخل شيئاً. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " إذا قاء فلا يفطر ".
٦٩٩ - معنى الحديث: ظاهر، وهو أن النبي ﷺ احتجم حال إحرامه في حجة الوداع واحتجم حال صيامه أيضاًً. الحديث: أخرجه
стр. 1032
٦٠٣ - " بَابُ الصَّوْم في السَّفَرِ والإِفْطَار "
٧٠٠ - عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ورضي الله عنهَا أن حَمزَةَ بْنَ عَمْروٍ الأسْلَمِيَّ قَالَ للِنَّبِيِّ ﷺ : أأصُومُ في السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصَيَّاَمِ، فَقَالَ: " أن شِئْتَ فَصُمْ، وَإنْ شِئْتَ فَأفطِرْ ".
ــ
الشيخان والترمذي وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: "واحتجم وهو صائم".
فقه الحديثين: دل الحديث الأول على أن من غلبه القيء لا يفسد صومه، ولا قضاء عليه، وقد قام الإجماع على ذلك، أما الاستقاء فإنه مفطر بالإِجماع كما نقله ابن المنذر، ودل الحديث الثاني على جواز الحجامة للصائم، وهو مذهب الجمهور. والحديث دليل على نسخ الفطر بالحجامة، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة.
٦٠٣ - " باب الصوم في السفر والإفطار "
٧٠٠ - معنى الحديث: أن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ سأل رسول الله ﷺ هل أصوم رمضان في السفر أو أفطر فخيره النبي ﷺ بين الصيام والإِفطار معاً، قال له: " إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر "، أي فيجوز لك هذا وهذا. قال ابن دقيق العيد: ليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان، أي لم يصرح في حديث الباب أنه سأله عن صوم رمضان، فلا يكون فيه حجة على من منع صيام رمضان في السفر. وهذا صحيح بالنسبة إلى حديث الباب ولكن ورد التصريح بأنه سأله عن صوم رمضان في رواية أخرى حيث قال: " قلت يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكرمه وأنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان، وأنا أجد القوة، وأنا شاب، فأجد بأن أصرم يا رسول الله أهون علي من أن أأخره فيكون ديناً،
стр. 1033
أفأصوم أعظم لأجري أم أفطر؟ قال: " أي ذلك شئت يا حمزة " أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي. الحديث: أخرجه أيضاًً الجماعة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث كما قال النووي على أن الصوم والفطر جائزان (١) في السفر لقوله ﷺ للسائل: " إن شئت فصم وإن شئت فأفطر " وأما احتمال أن يكون ذلك في غير صوم رمضان فإنه قد انتفى بالرواية الأخرى التي جاء فيها النص الصريح على أنّه سأله عن رمضان، حيث قال في سؤاله: ربما صادفني هذا الشهر -يعني رمضان- كما تقدم في الشرح، ولهذا قال الجمهور يجوز في السفر صوم رمضان وإفطاره معاً لحديث الباب، والصوم أفضل لمن يقوى عليه، لأن النبي ﷺ وابن رواحة صاما مع مشقة السفر وشدة الحرارة، كما في حديث أبي الدرداء ﵁ قال: " خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلاّ ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة " أخرجه الشيخان وأبو داود، فالحديث دليل على أن الصيام في السفر أفضل لمن قوي عليه والإِفطار أفضل لمن لم يقو عليه، ولا يقال: إن ذلك كان تطوعاً لما في رواية أخرى عن أبي الدرداء قال فيها: " خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته في شهر رمضان في حر شديد " وقال بعض الظاهرية والشيعة: لا يجوز الصوم في السفر ولا يصح لقوله ﷺ : " ليس من البر الصيام في السفر " أخرجه الشيخان وأبو داود والبيهقي وحمل الشافعي نفي البر فيه على من أبى قبول الرخصة عند الشدة والمشقة وعدم القدرة على الصوم، وقال أحمد والأوزاعي: يجوز الأمران والفطر أفضل عملاً بالرخصة، كما في الحديث " إن الله يجب أن تؤتي رخصة " والمطابقة: في قوله: " إن شئت فصم وإن شئت فافطر".
стр. 1034
٦٠٤ - " بَابٌ مَنْ مَات وعَلَيْهِ صَوْمٌ "
٧٠١ - عن عَائِشَةَ ﵂:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ مَاتَ وَعَليْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُْ وَلِيُّهُ ".
ــ
٦٠٤ - " باب من مات وعليه صوم "
٧٠١ - معنى الحديث: أن من لم يصم رمضان أو أياماً منه لعذر من الأعذار الشرعية، ثم مات ولم يقض ما عليه من صوم ذلك الشهر أو أيام منه، فإنه يجوز لقريبه أن يصوم عنه، ويصح صيامه عنه، ويجزؤه، ويسقط عن الميت ذلك الفرض الذي عليه، يكون قضاؤه عنه بمنزلة قضائه هو عن نفسه كما جاء ذلك موضحاً في حديث، ابن عباس ﵄، قال: " جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنّ أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: نعم، فدين الله أحق أن يُقضى " أخرجه الستة، فقد جعل النبي ﷺ قضاء الصوم عن الميت بمنزلة قضاء الدين عنه، وقاسه عليه قياساً أولوياً، حيث قال: " فدين الله أحق أن يقضى ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز قضاء الصوم عن الميت بالصوم عنه، وهو مذهب الشافعي القديم (١)، وصوبه النووي، وقال الجمهور لا يصوم عنه وإنما يطعم عنه. والمطابقة: في قوله: " صام عنه وليه ".
стр. 1035
٧٠٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
جَاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أفأقْضِيَهِ عَنْهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ فَدَيْنُ اللهِ أحَقُّ أن يُقْضَى ".
ــ
٧٠٢ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر " أي وفي ذمتها صوم شهر واجب عليها لم تصمه، يحتمل أنه من رمضان أو غيره، ويحتمل أنه نذر فقد جاء في رواية أخرى أنه قال: " وعليها صوم نذر " " أفأقضيه عنها " أي هل يجزىء القضاء عنها؟ وهل إذا صمت بدلاً عنها ينفعها ذلك ويسقط عنها الصوم الذي لم تصمه؟ " قال: نعم " اقض عنها صومها، فإنك إن فعلت ذلك سقط عنها، ثم ضرب له النبي ﷺ على ذلك مثلاً بالدين وقضائه عن الميت، فقال - كما في رواية مسلم: " لو كان على أمّك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم " " قال: فدين الله أحق أن يقضى " أي إذا كان دين الناس يمكن قضاؤه ويجزى عن الميت فدين الله الذي هو الصوم أولى بالقضاء وقبوله. قال العيني: تقدير الكلام حق العبد يقضى فحق الله أحق. الحديث: أخرجه الستة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز قضاء الصوم عن الميت، وقبوله عنه، وانتفاعه بذلك الصوم، وقد تقدم شرحه. ثانياًً: ترغيب أقارب الميت وحثُّهم على قضاء الحقوق التي عليه سواء كانت من حقوق الله كالصوم والحج وغيره، أو من حقوق الناس كالديون، لأن الرجلَ عندما سأل عن قضاء الصوم عن أمه قال: نعم، فحثه على قضائه، ثم ضرب له مثلاً بقضاء الديون عن الميت، وفيه ترغيب في قضائه، وقد قيده الإِمام أحمد بالنذر. والمطابقة: في قوله ﷺ : " نعم ".
стр. 1036
٦٠٥ - "بَابٌ مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ ؟ "
٧٠٣ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا أقْبَلَ اللَّيْلُ منْ هَا هُنَا، وأدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أفْطر الصَّائم ".
ــ
٦٠٥ - " باب متى يحل فطر الصائم "
٧٠٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس " أي إذا جاء الليل (١) من جهة المشرق، وذهب النهار (٢) من جهة المغرب، وغابت شمس ذلك اليوم بسقوطها في الأفق، " فقد أفطر الصائم " أي، فقد حان وقت الإِفطار من الصوم، قال ابن خزيمة: لفظهُ خبر، ومعناه الأمر، أي فليفطر الصائم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الإِفطار من الصوم عند غروب الشمس، وأن غروبها يتحقق بأحد أمور ثلاثة يُعْرَفُ انقضاء النهار برؤية بعضها (٣)، وهي رؤية ظلام الليل بالمشرق، وذهاب ضوء النهار بالمغرب، ومشاهدة مغيب الشمس، ورؤية قرصها يحتجب وراء الأفق وهو أقواها ولا يحتاج بعده لدليل آخر. ثانياًً: أمر النبي ﷺ للصائمين بالإِفطار فوراً عند غروب الشمس مباشرة، وهذا يدل على استحباب تعجيل الفطر، وسيأتي بيانه. والمطابقة: في كون الحديث جواباً للترجمة. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة.
стр. 1037
٦٠٦ - " بَابُ تعْجِيلِ الإِفْطَارِ "
٧٠٤ - عَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵄:
أن رسول الله ﷺ قَالَ: " لا يَزَالُ النَّاس بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطر ".
٦٠٧ - " بَاب إِذا أفْطَرَ في رَمَضَانَ ثُمَّ طَلعَتِ الشَّمْسُ "
٧٠٥ - عَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ:
"أفْطرنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْم ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ قِيلَ
ــ
٦٠٦ - " باب تعجيل الإِفطار "
٧٠٤ - معنى الحديث: يحدثنا سهل بن سعد ﵄ " أن رسول الله ﷺ قال: " لا يزال الناس بخير " أي لا يزال المسلمون على خير وحق وهدى من الله متمسكين بسنة نبيهم، واقفين عند حدوده، غير مبدلين ولا مغيّرين " ما عجلوا الفطر " أي مدة تعجيلهم بالإفطار من صومهم عند غروب شمس يومهم مباشرة، لما في ذلك من المبادرة إلى قبول الرخصة من الله تعالى. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب تعجيل الفطر عند تحقق غروب الشمس مباشرة، لئلا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى في قبول الرخصة، وشكر النعمة. قال الشافعي في " الأم " تعجيل الفطر مستحب، ولا يكره تأخيره إلاّ لمن تعمد ذلك، ورأى الفضل فيه. والمطابقة: في تعليق الخير وارتباطه بتعجيل الفطر.
٦٠٧ - " باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس "
٧٠٥ - معنى الحديث: تقول أسماء ﵂: "أفطرنا على
стр. 1038
لِهِشَام: أفَأمِرُوا بِالْقَضَاء؟ قَال: لَا بُدَّ مِنْ قَضاءٍ".
٦٠٨ - " بَابُ التَّنكِيلِ لِمَنْ أكْثرَ الْوِصَالَ "
٧٠٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
نَهَى النبي ﷺ عنِ الوِصَالِ في الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُل مِنَ
ــ
عهد النبي يوم غيْم" أي احتجبت الشمس بالغيوم فظنوا أنّه قد غربت الشمس لانتشار الظلام فأفطروا، " ثم طلعت الشمس " أي ثم انكشف السحاب وظهرت الشمس فعلمنا أننا أفطرنا قبل الغروب، " قيل لهشام " أي فسئل هشام " فأمروا بالقضاء " أي: هل أمروا بقضاء ذلك اليوم؟ " قال: لا بد من قضاء " أي نعم أمروا بالقضاء ولا سبيل لتركه. الحديث: أخرجه أيضاًً أبو داود وابن ماجة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من أفطر قبل الغروب ظناً منه أنّ الشمس قد غربت يجب عليه القضاء دون الكفارة، وهو مذهب الجمهور حيث قالوا: يمسك بقية يومه، ويقضي يوماً آخر مكانه، وعن شعيب بن عمرو الأنصاري قال: أفطرنا أنا وأبي مع صهيب في شهر رمضان في يوم غيم فبينما نحن نتعشى إذ طلعت الشمس، فقال صهيب: طعمة الله أتموا صيامكم واقضوا يوماً مكانه، وروي ابن أبي شيبة عن عمر ترك القضاء مكانه. والمطابقة: في كون الحديث جواباً للترجمة.
٦٠٨ - " باب التنكيل لمن أكثر الوصال "
٧٠٦ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة: " نهى النبي ﷺ عن الوصال " أي نهى أمته رحمة ورفقاً بهم عن مواصلة الصوم يومين بترك الطعام ليلاً ونهاراً قصداً وعمداً فإن أمسك اتفاقاً فلا يعد وصالاً "فقال له رجل:
стр. 1039
الْمُسْلِمينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: " وأيكُمْ مِثْلِي إِنِّي أبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ " فَلَمَّا أبَواْ أنْ يَنْتَهُوا عن الْوِصَالِ، وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمَاً ثُمَّ يَوْماً، ثمَّ رَأوا الْهِلالَ فَقَالَ: " لَوْ تَأخرَ لَزِدْتُكُمْ " كالتنكِيل لَهُمْ حِينَ أبوا أن يَنْتَهُوا.
ــ
إنك تواصل" أي فكيف تنهانا عن شيء تفعله وقد أمرتنا باتباع سنتك؟ " قال: وأيكم مثلي؟ " وهو استفهام بمعنى النفي، أي ليس الأمر كما تظنون، فإن الوصال لم يشرع لكم، وإنما هو خصوصية من خصوصيات نبيكم، فلا تقيسوا أنفسكم عليَّ، فإنكم لستم مثلي، ولا تقدرون على ما أقدر عليه، وفي رواية " إني لست كهيئتكم " " إني أبيت يطعمني ربي ويسقين " أثناء الليل ويمدني بالطعام والشراب فيه، أو يعطيني قوة الأكل والشرب فيه، وبذلك يمكنني من مواصلة الصيام دون إعياء، ويُحتمل أنه أراد به حقيقة الأكل والشرب. وأنه ﷺ كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله تعالى كرامة له في ليالي صيامه، ولا يقال إن هذا الاحتمال يضعفه قولهم: إنك تواصل، وكونه يؤتى بالطعام والشراب ليلاً ينافي الوصال، لأنّ هذا الإِطعام والاسقاء من باب الكرامة، ولا تجري عليه أحكام المكلفين. " قال " " فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال " أي تمادوا عليه " واصل بهم " أي استمر النبي ﷺ بهم على مواصلة الصوم يومين " ثم رأوا الهلال " أي هلال شوال، " فقال ﷺ : لو تأخر لزدتكم " أي ليته تأخر هلال شوال حتى أزيد في عدد أيام الوصال، " كالتنكيل لهم " أي قال ذلك زجراً وتأديباً لهم، حيث كلفوا أنفسهم ما لا يطيقون، ولذلك قال لهم كما في رواية أخرى: " فاكْلَفُوا من العمل ما تطيقون ". الحديث: أخرجه الشيخان.
ويستفاد منه: كراهية الوصال، وهو مذهب الجمهور حيث حملوا النهي
стр. 1040
٦٠٩ - " بَابُ صَوْمِ شَعْبَانَ "
٧٠٧ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطرُ، وَيُفْطِرُ حتى نَقوْلَ لا يَصُومُ، فما رَأيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صيامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأيتُهُ أكْثَرَ صِياماً مِنْهُ في شَعْبَانَ ".
٦١٠ - " بَابُ حَقِّ الْجِسْمِ في الصَّوْمِ "
٧٥٨ - عَنْ عَبْدِ الله بْن عَمْرِو بْنِ العَاص ﵄ قَال:
قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ اللهِ ألمْ أُخْبَرْ أنكَ تَصُومُ النَّهَارَ
ــ
على الكراهة لأن النبي ﷺ واصل بالصحابة كما في حديث الباب، ولو كان حراماً لما واصل بهم، ذهب ابن حزم إلى أن النهي للتحريم، وصححه ابن العربي من المالكية. والمطابقة: في قوله: " كالمنكل لهم ".
٦٠٩ - " باب صوم شعبان "
٧٠٧ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يصوم أحياناً أياماً كثيرة من الشهر حتى نظن أنه سيصوم الشهر كله، أحياناً يفطر أياماً كثيرة حتى نظن أنه لن يصوم منه شيئاً، ولكنه ﷺ لم يصم شهراً كاملاً سوى رمضان، وما رأيته صام في شهر من السنة أكثر من شعبان " باستثناء رمضان طبعاً " الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه يستحب الإكثار من الصوم في شعبان. والمطابقة: في قولها: " وما رأيته أكثر منه صياماً في شعبان ".
٦١٠ - " باب حق الجسم في الصوم "
٧٠٨ - معنى الحديث: أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يصوم
٦١١ - " بَاب مَنْ زارَ قَوْماً لَمْ يُفطِرْ عِنْدَهُمْ "
٧٠٩ - عن أنَس ﵁ قَالَ:
دَخَلَ النبي ﷺ عَلَى أمِّ سُلَيم فأتَتْهُ بِتَمرٍ وَسَمْن، قَالَ: " اعِيدُوا سَمْنَكُمْ في سِقَائِهِ، وتَمْرَكُمْ في وعَائِهِ فإِنِّي صَائِمٌ "، ثُمَّ قَامَ إلى نَاحِيَةٍ
ــ
من الصيام فقال كما في رواية أخرى: " وهو أعدل الصيام، قال فقلت إني أطيق أفضل من ذلك: فقال رسول الله ﷺ : لا أفضل من ذلك " (١) أخرجه الستة وإنما وصفه ﷺ بالأفضلية لأنّه يمكن صاحبه من أداء حق الله وحق نفسه وحق المجتمع عليه. والمطابقة: في قوله: " إن لجسدك عليك حقاً ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الواجب على المسلم أن يراعي في صيام التطوع جسمه ونفسه، ولا يسترسل في الصيام فَيُقْصِّرُ في حقوق أخرى دينية ونفسية واجتماعية ولهذا رغبه ﷺ أن يقتصد في صيامه وقيامه، وبين له أن أفضل الصيام وأعدله صيام داود، ويليه صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وقد تبين لعبد الله بن عمرو قدر هذه النصيحة الغالية عندما كبر سنه، ووهن جسمه، وعجز عن الصيام الذي كان يصومه والقيام الذي كان يقومه أثناء شبابه، وتمنى لو قبل رخصة النبي ﷺ واستجاب لنصيحته. الحديث: أخرجه الستة إلا الترمذي بألفاظ.
٦١١ - " باب، من زار قوماً فلم يفطر عندهم "
٧٠٩ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ زار يوماً أم سليم، فقدمت له طعاماً من سمن وتمر تكريماً له، فاعتذر لها أنه كان صائماً صيام تطوع، ثم تنحى إلى جهة من البيت فصلى ركعتين تطوعاً، ودعا لها ولأهل بيتها،
стр. 1043
مِنَ البيتِ فَصَلَّى غَيرَ المَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لأم سُلَيمْ وأهْلِ بَيْتهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْم: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّ لي خُوَيْصةً، قَالَ: " مَا هِيَ؟ " قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ فما تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلا دُنيا إِلَّا دَعَا لي بِهِ، قَالَ ﷺ : " اللهُمَّ ارْزُقْهُ مالاً، وَوَلَداً وَبَارِكْ لَهُ " فإِنِّي لَمِنْ أكْثَرِ الأنصَارِ مَالاً، وَحَدَّثَتْنِي ابْنتِي أمَيْنَةُ أنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ الحَجَّاجِ بِضْع وَعِشْرُونَ وَمِائَة.
ــ
فقالت يا رسول الله: لي إليك حاجة خاصة أسألك قضاءها، فسألها عن حاجتها، فقالت له: " خادمك أنس " تريد استعطافه عليه، ثم سألته أن يدعو له، فدعا له ﷺ دعاء يجمع بين خير الدنيا والآخرة فقال: " اللهم ارزق مالاً وولداً، وبارك له " وفي رواية ابن سعد: " اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره واغفر ذنبه " " قال: فإني لمن أكثر الأنصار مالاً وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم الحجاج " أي عند قدوم الحجاج إلى البصرة، وذلك سنة خمس وسبعين " بضع وعشرون ومائة " هؤلاء الذين ماتوا من أولاده، وأما الذين بقوا ففي رواية اسحق بن أبي طلحة عن أنس " أن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة " ولهذا قال ﵁: " فدعا في رسول الله ﷺ بثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة " (١) أخرجه مسلم، ولم يبين الثالثة وهي المغفرة كما تقدم لنا في حديث ابن سعد.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنّ الصائم المتطوع إذا حلّ ضيفاً على أحد، فقدم له طعام له أن يفطر، وله أن يستمر بالصوم، وإنما يندب ويستحب له أن يصلي ويدعو لهم، فإن أفطر فعليه القضاء كما قال مالك
стр. 1044
٦١٢ - " بَاب صوْم الْجمعَةِ فَإذَا أصْبَحَ صَائِمَاً يَوْمَ الْجُمُعَةِ فعَلَيْهِ أن يفْطِرَ "
٧١٠ - عن جوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ (١) ﵂:
" أنَّ النبي ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهي صَائِمَة، فَقَالَ: أصُمْتِ أمْسِ؟ قَالَتْ: لا، قَالَ: ترِيدينَ أنْ تَصومِي غَداً؟ قَالَتْ: لا، قَالَ: فأفْطرِي ".
ــ
وأبو حنيفة، خلافاً لغيرهم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة.
٦١٢ - " باب صوم الجمعة، فإذا أصبح صائماً يوم الجمعة فعليه أن يفطر "
٧١٠ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ دخل يوم الجمعة على أم المؤمنين جويرية بنت الحارث، ﵂ وهي صائمة صيام تطوع، فسألها ْهل صمت يوماً قبله؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي اليوم الذي بعده؟ قالت: لا، فأمرها ﷺ بالإِفطار، لأن إفراد يوم الجمعة وتخصيصه بالصيام منهي عنه شرعاً، كما في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلّا أن يصوم قبله أو يصوم بعده" أخرجه الشيخان وأحمد وابن ماجة والحاكم والبيهقي والترمذي، والحكمة في النهي عن صيامه وحده على أرجح الأقوال، كونه يوم عيد والعيد لا يصام كما جاء مصرحاً بذلك
стр. 1045
٧١١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ: " لا يَصُومَنَّ أحَدكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إلَّا يَوْماً قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ ".
ــ
في رواية أخرى عن أبي هريرة مرفوعاً: " يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده " (١) أخرجه الحاكم.
الحديث: أخرجه أيضاًً أحمد وأبو داود (٢) مطابقة الحديث للترجمة: في قوله: " فأفطري ".
٧١١ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة: " سمعت النبي ﷺ يقول: لا يصومن " بنون التوكيد، وفي رواية لا يصوم بدون نون، وهو نَفْي المراد به النهي لا يصومن " أحدكم يوم الجمعة إلاّ يوماً قبله أو بعده " أي لا يجوز لأحد من المسلمين سواء كان ذكراً أو أنثى أن يصوم يوم الجمعة تطوعاً إلاّ أن يصوم (٣) يوماً قبله أو يوماً بعده، وقد ورد الحديث بلفظ النهي الصريح في رواية أخرى حيث قال ﷺ : " لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلّا أن يصوم قبله أو يصوم بعده " أخرجه مسلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة. مطابقة الحديث للترجمة: في كونه دليلاً عليها.
فقه الحديثين: دل الحديثان على ما يأتي: أولاً: أنه لا يجوز إفراد يوم الجمعة وحده بالصيام، لأنه ﷺ نهى المسلمين عن صومه إلاّ إن يصوموا يوماً قبله أو بعده، وأمر جويرية بالإِفطار حين أفردته بالصوم، وقد ورد النهي الصريح عن تخصيصه بالصوم في حديث أبي هريرة ﵁ حيث
стр. 1046
٦١٣ - " "بَابٌ هَلْ يَخُصُّ شيئاً مِنَ الأيَّامِ "
٧١٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
" أنَّهَا سُئِلَتْ هَلْ كانَ رسُولُ اللهِ ﷺ يَخُصُّ مِنَ الأيَّامِ شَيْئاً؟ قَالَتْ: لا، كَانَ ﷺ عَمَلُهُ دِيمَةً، وأيُّكُمْ يُطِيقُ مَاَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُطِيقُ ".
ــ
قال ﷺ : " لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا يوم الجمعة بصوم من بين الأيّام إلاّ أن يكون، في صوم يصومه أحدكم " أخرجه مسلم، ولهذا ذهب ابن حزم إلى تحريم صيامه وحده، وقال الشافعية والحنابلة يكره، وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز صومه مطلقاً، لما جاء في حديث ابن مسعود ﵁: " أنه ﷺ قلما كان يفطر يوم الجمعة " أخرجه الترمذي (١)، وقال مالك في " الموطأ ": لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه ومن يقتدي به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن. اهـ.
٦١٣ - " باب هل يَخصُّ شيئاً من الأيّام "
أي هذا باب نذكر فيه هل من المشروع أن يخص الشخص شيئاً من الأيّام بالصيام، ويواظب عليه دائماً، ويلتزم به التزامه بالفرائض بحيث لا يتركه أبداً أم لا؟
٧١٢ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ " سئلت " أي سألها علقمة راوي الحديث، فقال لها: " هل كان رسول الله ﷺ يخص من الأيّام شيئاً؟ قالت: لا " قال العيني: معناه، أنه كان ﷺ لا يخصُّ شيئاً من الأيام دائماً، ولا راتباً، إلاّ أنه كان أكثر صيامه في شعبان وقد
стр. 1047
٦١٤ - " بَابُ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ "
٧١٣ - عَنْ أبي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنَ أزْهَرَ قَالَ:
شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: "هَذَانِ
ــ
حَضَّ على صوم الإِثنين والخميس، لكن صومه على حسب نشاطه، فربما وافق الأيام التي رغب، وربما لم يوافقها " كان عمله ديمه " بكسر الدال وسكون الياء، أي دائماً لا ينقطع، ومن ذلك قيل للمطر الذي يدوم ولا ينقطع أياماً الديمة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: ظاهر هذا الحديث أن النبي ﷺ ما كان يخص بعض الأيام من الشهر بالصيام، قال الشرقاوي: ويشكل عليه (١) صوم الاثنين والخميس الوارد عند أبي داود والترمذي والنسائي، وصححه ابن حبان، وأجاب في " فتح الباري " باحتمال أن يكون المراد بالأيّام المسؤول عنها الثلاثة من كل شهر، فكان السائل لم سمع أنه ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام سأل عائشة هل كان يخصها بالبيض قالت: لا. " ويحتمل " أنه ﷺ كان لا يواظب على صيام شيء من الأيام دائماً وأبداً، أو يلتزم بصيامه التزام الفرائض، بحيث لا يتركه أبداً، وإنما كان يصوم بعض الأيّام غالباً، ويترك صيامه أحياناً وهو ما أشار إليه العيني. ثانياًًً: استدل به بعض أهل العلم على أنّه يكره أن يتحرى بصيامه يوماً معيناً من الأسبوع قلت: ولكن يستثنى من ذلك الاثنين والخميس، لورود النص فيها. والمطابقة: في كون الحديث جواباً للترجمة.
٦١٤ - " باب صوم يوم الفطر "
أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على حكم صيام اليوم الأوّل
стр. 1048
يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا، يَوْمُ فِطركُمُ مِنْ صِيَامِكُمْ، واليَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ".
٦١٥ - " بَابُ صِيَامَ أَيام التَّشْرِيقَ "
٧١٤ - عَنْ عَائِشَةَ وابنِ عُمَرَ ﵃ قَالا:
" لَمْ يُرَخِّصِ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ أنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ ".
ــ
من عيد الفطر، قال العيني: ولم يصرح بالحكم اكتفاءً بالحديث.
٧١٣ - معنى الحديث: يقول أبو عبيد مولى ابن أزهر. " شهدت العيد " أي حضرت صلاة عيد الأضحى، لما جاء في الرواية الأخرى " يوم الأضحى " " مع عمر بن الخطاب ﵁ فقال: " أي قال في خطبته كما يدل عليه السياق " هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما " نَهيَ تحريم " يوم فطركم من صيامكم واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم " أي واليومان اللذان حرم عليكم صومهما أحدهما يوم عيد الفطر " وثانيهما " اليوم الأول من أيام عيد النحر الذي تأكلون فيه من ضحاياكم. الحديث: أخرجه الستة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم صومهما يوم الفطر ويوم الأضحى، لأن الأول منهما هو اليوم الذي يفطر فيه الناس، من صيامهم، فيجب عليهم إفطاره، ويحرم عليهم صيامه، وأمّا الثاني فيحرم صيامه لأن الله قد شرع للناس ضحاياهم، وسن لهم نبيه ﷺ الأكل منها في هذا اليوم، فكيف يعارضون ذلك بالصوم. والمطابقة: في قوله: " هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما ".
٦١٥ - " باب صيام أيام التشريق "
أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على حكم صيام أيام التشريق
стр. 1049
٦١٦ - " بَابُ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ "
٧١٥ - عنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ قَالَ:
"قَدِمَ النبي ﷺ الْمَدينَةَ، فَرَأى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ:
ــ
استناداً إلى ما يذكر في الحديث.
٧١٤ - معنى الحديث: تقول عائشة وابن عمر ﵃:
" لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ " أي لم يأذن النبي ﷺ لأحد من المسلمين ذكراً أو أنثى في صيام أيام التشريق " وهي الثلاثة الأيام التي تلي يوم النحر " " إلاّ لمن لم يجد الهدي " أي لم يأذن في صيامهما إلاّ لمتمتع أو قارن لم يقدر على هدي النُّسُك، ولم يستطع الذبح، فإن له أن يصوم أيام التشريق ضمن الأيام العشرة التي عليه لقوله تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ). الحديث: أخرجه البخاري.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه لا يجوز صيام أيّام التشريق إلّا لمتمتع لم يجد الهدي، ولم يصم الثلاثة الأيام في عشر ذي الحجة، فيجوز له صيامها ضمن العشرة التي عليه، وهو مذهب مالك والأوزاعي والشافعي في القديم. وقال أبو حنيفة: لا يجوز صيامها مطلقاً: وهو مشهور مذهب الشافعية لحديث سعد بن أبي وقاص، قال: " أمرني النبي ﷺ أن أنادي أيام منى أنها أيام أكل وشرب ولا صوم فيها " أخرجه أحمد. وأجاز أصحاب الشافعي صيامها فيما له سبب من نذر أو كفارة أو قضاء، وهو نظير الأوقات المنهي عنها. اهـ. كما نقله المحاملي والسرخسي. والمطابقة: في قوله: " لم يرخص النبي ﷺ في أيام التشريق ".
٦١٦ - " باب صيام يوم عاشوراء "
٧١٥ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: "قدم
стр. 1050
مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هذَا يَوْم نَجى اللهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى: قَالَ: فَأنَا أحَقُّ بموسى (١) مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأمَرَ بِصِيَامِهِ".
ــ
النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء" أي لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من محرم " فقال: ما هذا؟ " أي فسأل عن سبب صيامهم لهذا اليوم، " قالوا: هذا يوم صالح "، أي هذا يوم مبارك مليء بالأحداث والذكريات التاريخية العظيمة أنعم الله علينا فيه بنعمة كبرى حيث " نجّى الله بني إسرائيل " في هذا اليوم " من عدوهم ": فرعون وقومه، فأغرقهم في البحر، كما قال تعالى في سورة الشعراء: (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ) " فصامه موسى " وفي رواية مسلم: " فصامه موسى شكراً لله تعالى " وفي رواية أبي داود " ونحن نصومه تعظيماً له " " فصامه " النبي ﷺ شكراً لله تعالى على نجاة موسى من الغرق ومن عدوه " وأمر بصيامه ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فصامه وأمر بصيامه ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل يوم عاشوراء، وأنه يوم مبارك يُسَنُّ صيامه لأن النبي ﷺ صامه وأمر بصيامه، وأقل مقتضيات الأمر السنية والاستحباب وعن أبي قتادة ﵁ مرفوعاً: " صيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله " أخرجه مسلم.
...
стр. 1051
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب صلاة التراويح "
وصلاة التراويح: إنما سميت بذلك لأنهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، وأطلق عليها ذلك في عصر الخلفاء الراشدين، وقد كانت تعرف في عصر النبوة بقيام الليل. قال في " فقه السنة ": قيام رمضان أو صلاة التراويح سنة للرجال والنساء، تؤدَّى بعد صلاة العشاء، وقبل الوتر ركعتين ركعتين، وليس في القراءة فيها شيء محدود، وقد ورد عن السلف أنهم كانوا يقرأون المئين، ويعتمدون على العصي من طول القيام، ولا ينصرفون إلاّ قبل بزوغ الفجر، فيستعجلون الخدم بالطعام مخافة أن يطَّلع عليهم، وكانوا يقرأون بسورة البقرة في ثماني ركعات. وقال أحمد: يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخفّ على الناس ولا يشق عليهم، وقال القاضي: لا يستحب النقصان عن ختمة ليسمع الناس جميع القرآن، ولا يزيد على ختمة كراهية المشقة عليهم. أما عدد ركعاتها التي كان النبي ﷺ يصليها فقد قالت في أصح الروايات عنها " كان يصلي عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة " أخرجه مسلم فإذا استثنينا الوتر وركعتي الفجر، يكون ما يصليه النبي ﷺ ثماني أو عشر ركعات. وأما ما رواه ابن أبي شيبة من أنه كان يصلي عشرين ركعة فإسناده ضعيف (١). وهكذا كان القيام على عهد النبي ﷺ فلما كان عهد عمر وعثمان صاروا يصلونها عشرين ركعة كما في
стр. 1052
٦١٧ - " بَابُ فضلِ قِيامِ رَمَضَانَ "
٧١٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، فَتُوفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ والأمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثمَّ كَانَ الأمْرُ عَلَى ذَلِكَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ، وَصَدْراً مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ ﵄.
ــ
حديث السائب بن يزيد، قال: " كانوا يقومون على عهد عمر بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان وعلي مثله "، قال الترمذي: وأكثر أهل العلم على ما روي عن عمر وعلي وغيرهما. اهـ. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية.
٦١٧ - " باب فضل من قام رمضان "
٧١٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " من قام رمضان إيماناً واحتساباً " قال النووي: المراد بقيام رمضان صلاة التراويح. اهـ. أي من أحيا ليالي رمضان بالعبادة وأهمها صلاة التراويح إيماناً وتصديقاً بما وعد الله به القائمين وانتظاراً للأجر والمثوبة عند الله تعالى وابتغاءً لمرضاته " غفر له ما تقدم من ذنبه " أي: كان قيامه هذا سبباً في غفران ذنوبه السابقة واللاحقة، لما جاء في رواية أخرى " غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " (١) " فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك " أي والصحابة طيلة حياته ﷺ يصلون التراويح فرادى، لا يجمعهم إمام، " ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر " أي وما زالوا يصلّون متفرقين في عهد أبي
ــ
(١) انظر ما قاله الحافظ في الفتح حول هذا الحديث. (ع).
стр. 1053
بكر، وأول خلافة عمر، ثم جمعهم عمر ﵁ على إمام واحد.
الحديث: أخرجه الجماعة والبيهقي ومالك في " الموطأ ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن النبي ﷺ شرع للناس صلاة التراويح، وحثهم عليها، فاستجابوا لدعوته، وأدوها في عهده متفرقين منفردين في بيوتهم -غالباً- قال الحافظ: في قوله " والأمر على ذلك " أي على ترك الجماعة. اهـ. ولم يكن النبي ﷺ جمع الناس على القيام كما في رواية أحمد عن الزهرى واستمر الأمر على ذلك إلى أول خلافة عمر ﵁، ثم جمعهم عمر ﵁ على أبي بن كعب، فصلّى بهم في المسجد جماعة، فخرج ليلة والناس يصلون خلفه فَسُرَّ بذلك. وقال: " نِعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون " يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله كما في البخاري. ثانياًًً: الترغيب في إحياء ليالي رمضان بالعبادة وقراءة القرآن، والتأكيد على استحباب صلاة التراويح، لأن النبي ﷺ جعل قيام رمضان سبباً في غفران الذنوب، والمراد بقيام رمضان كما قال النووي: صلاة التراويح، قال ابن قدامة: وهي سنة مؤكدة، وأول من سنّها رسول الله ﷺ ، قال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ يرغِّب في صلاة الليل من غير أن يأمر بعزيمة وهي سنة ثابتة عن النبي ﷺ ، وقد فعلها أصحابه في حياته، وأثنى عليهم، وصوب ما صنعوا كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: " خرج رسول الله ﷺ فإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء قوم ليس معهم قرآن وأُبي بن كعب يؤمهم وهم يصلون بصلاته، فقال النبي ﷺ : أصابوا، ونعم ما صنعوا " أخرجه أبو داود وفي إسناده مسلم بن خالد وهو صدوق كثير الأوهام (١) وفيه دليل على أن الأفضل لغير القارىء أن يصلي التراويح
стр. 1054
٦١٨ - " بَابُ فضلِ لَيلةِ الْقَدرِ "
٧١٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ
ــ
مأموماً بخلاف القارىء، فإن الأفضل في حقه الانفراد (١). وقال الجمهور: صلاة التراويح جماعة في المسجد أفضل منها في المنازل (٢) وقالت المالكية أداء صلاة التراويح في البيت أفضل من أدائها في المسجد، وهو قول بعض الحنفية، وذلك لقوله ﷺ في حديث زيد بن ثابت " فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة " فدل ذلك على أن صلاة التراويح في البيت أفضل إلا أن يكون آفاقياً أو لا ينشط لفعلها في بيته فأداؤها في المسجد أفضل، قال مالك في " المدونة ": قيام الرجل في بيته في رمضان أحب إليّ لمن قوي عليه، وليس كل الناس يقوى على ذلك (٣) وقال أبو يوسف وبعض الشافعية: الأفضل صلاتها فرادى. واستدل الجمهور على أن الجماعة فيها أفضل بأن ذلك هو ما فعله عمر ووافقه عليه أصحاب رسول الله، واستمر عمل المسلمين عليه، فكان ذلك إجماعاً من الصحابة على أفضلية الجماعة في صلاة التراويح، ولذلك قال أحمد: يعجبني أن يصلي مع الإِمام ويوتر معه. الحديث: أخرجه أيضاًً الجماعة والبيهقي ومالك في " الموطأ ". والمطابقة: في قوله: " غفر له ما تقدم من ذنبه ".
٦١٨ - " باب فضل ليلة القدر "
٧١٧ - معنى الحديث: أشاد النبي ﷺ في هذا الحديث بفضل ليلة
стр. 1055
مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيماناً واحتِساباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ".
ــ
القدر ونوّه بشأنها، وهي الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن الكريم إلى السماء الدنيا كما قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) وسمّاها ليلة القدر لعظم شأنها وعلو قدرها، ولأنها ليلة مباركة ذات منزلة عظيمة، وقدر رفيع، شرفها الله بنزول القرآن، فكانت أشرف الليالي، لأن الأزمنة تشرف وتعظم بما يقع فيها من أحداث جليلة، وقد أنعم الله على عباده في هذه الليلة بنزول القرآن الذي هدى الله به البشرية إلى ما فيه سعادتها وخيرها ونجاتها، فكان أعظم نعمة في أشرف ليلة، ولهذا سماها ليلة القدر. ويقال سميت بذلك لما يقدر فيها وما يكتبه الملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في (١) تلك السنة كما أفاده النووي، وفي هذا الحديث يبين النبي ﷺ أن من أحيى هذه الليلة المباركة بالصلاة وتلاوة القرآن غفر الله له ذنوبه السابقة واللاحقة على أن يفعل ذلك " إيماناً واحتساباً " أي تصديقاً بفضل هذه الليلة وفضل العمل - فيها ابتغاءً لوجه الله في عبادته.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على شرف ليلة القدر وفضل إحيائها بالعبادة، وأن قيامها لمن وافقها سبب للغفران، وإن لم يقم غيرها، فإن كانت له ذنوب كفرتها، وإن لم تكن له ذنوب فإنه يكتب له بها حَسنات، ويرفع بها درجات. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي " والمطابقة: في قوله: " غفر له ما تقدم من ذنبه ".
...