بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب صلاة التراويح "
وصلاة التراويح: إنما سميت بذلك لأنهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، وأطلق عليها ذلك في عصر الخلفاء الراشدين، وقد كانت تعرف في عصر النبوة بقيام الليل. قال في " فقه السنة ": قيام رمضان أو صلاة التراويح سنة للرجال والنساء، تؤدَّى بعد صلاة العشاء، وقبل الوتر ركعتين ركعتين، وليس في القراءة فيها شيء محدود، وقد ورد عن السلف أنهم كانوا يقرأون المئين، ويعتمدون على العصي من طول القيام، ولا ينصرفون إلاّ قبل بزوغ الفجر، فيستعجلون الخدم بالطعام مخافة أن يطَّلع عليهم، وكانوا يقرأون بسورة البقرة في ثماني ركعات. وقال أحمد: يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخفّ على الناس ولا يشق عليهم، وقال القاضي: لا يستحب النقصان عن ختمة ليسمع الناس جميع القرآن، ولا يزيد على ختمة كراهية المشقة عليهم. أما عدد ركعاتها التي كان النبي ﷺ يصليها فقد قالت في أصح الروايات عنها " كان يصلي عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة " أخرجه مسلم فإذا استثنينا الوتر وركعتي الفجر، يكون ما يصليه النبي ﷺ ثماني أو عشر ركعات. وأما ما رواه ابن أبي شيبة من أنه كان يصلي عشرين ركعة فإسناده ضعيف (١). وهكذا كان القيام على عهد النبي ﷺ فلما كان عهد عمر وعثمان صاروا يصلونها عشرين ركعة كما في
стр. 1052
٦١٧ - " بَابُ فضلِ قِيامِ رَمَضَانَ "
٧١٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، فَتُوفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ والأمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثمَّ كَانَ الأمْرُ عَلَى ذَلِكَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ، وَصَدْراً مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ ﵄.
ــ
حديث السائب بن يزيد، قال: " كانوا يقومون على عهد عمر بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان وعلي مثله "، قال الترمذي: وأكثر أهل العلم على ما روي عن عمر وعلي وغيرهما. اهـ. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية.
٦١٧ - " باب فضل من قام رمضان "
٧١٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " من قام رمضان إيماناً واحتساباً " قال النووي: المراد بقيام رمضان صلاة التراويح. اهـ. أي من أحيا ليالي رمضان بالعبادة وأهمها صلاة التراويح إيماناً وتصديقاً بما وعد الله به القائمين وانتظاراً للأجر والمثوبة عند الله تعالى وابتغاءً لمرضاته " غفر له ما تقدم من ذنبه " أي: كان قيامه هذا سبباً في غفران ذنوبه السابقة واللاحقة، لما جاء في رواية أخرى " غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " (١) " فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك " أي والصحابة طيلة حياته ﷺ يصلون التراويح فرادى، لا يجمعهم إمام، " ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر " أي وما زالوا يصلّون متفرقين في عهد أبي
ــ
(١) انظر ما قاله الحافظ في الفتح حول هذا الحديث. (ع).
стр. 1053
بكر، وأول خلافة عمر، ثم جمعهم عمر ﵁ على إمام واحد.
الحديث: أخرجه الجماعة والبيهقي ومالك في " الموطأ ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن النبي ﷺ شرع للناس صلاة التراويح، وحثهم عليها، فاستجابوا لدعوته، وأدوها في عهده متفرقين منفردين في بيوتهم -غالباً- قال الحافظ: في قوله " والأمر على ذلك " أي على ترك الجماعة. اهـ. ولم يكن النبي ﷺ جمع الناس على القيام كما في رواية أحمد عن الزهرى واستمر الأمر على ذلك إلى أول خلافة عمر ﵁، ثم جمعهم عمر ﵁ على أبي بن كعب، فصلّى بهم في المسجد جماعة، فخرج ليلة والناس يصلون خلفه فَسُرَّ بذلك. وقال: " نِعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون " يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله كما في البخاري. ثانياًًً: الترغيب في إحياء ليالي رمضان بالعبادة وقراءة القرآن، والتأكيد على استحباب صلاة التراويح، لأن النبي ﷺ جعل قيام رمضان سبباً في غفران الذنوب، والمراد بقيام رمضان كما قال النووي: صلاة التراويح، قال ابن قدامة: وهي سنة مؤكدة، وأول من سنّها رسول الله ﷺ ، قال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ يرغِّب في صلاة الليل من غير أن يأمر بعزيمة وهي سنة ثابتة عن النبي ﷺ ، وقد فعلها أصحابه في حياته، وأثنى عليهم، وصوب ما صنعوا كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: " خرج رسول الله ﷺ فإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء قوم ليس معهم قرآن وأُبي بن كعب يؤمهم وهم يصلون بصلاته، فقال النبي ﷺ : أصابوا، ونعم ما صنعوا " أخرجه أبو داود وفي إسناده مسلم بن خالد وهو صدوق كثير الأوهام (١) وفيه دليل على أن الأفضل لغير القارىء أن يصلي التراويح
стр. 1054
٦١٨ - " بَابُ فضلِ لَيلةِ الْقَدرِ "
٧١٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ
ــ
مأموماً بخلاف القارىء، فإن الأفضل في حقه الانفراد (١). وقال الجمهور: صلاة التراويح جماعة في المسجد أفضل منها في المنازل (٢) وقالت المالكية أداء صلاة التراويح في البيت أفضل من أدائها في المسجد، وهو قول بعض الحنفية، وذلك لقوله ﷺ في حديث زيد بن ثابت " فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة " فدل ذلك على أن صلاة التراويح في البيت أفضل إلا أن يكون آفاقياً أو لا ينشط لفعلها في بيته فأداؤها في المسجد أفضل، قال مالك في " المدونة ": قيام الرجل في بيته في رمضان أحب إليّ لمن قوي عليه، وليس كل الناس يقوى على ذلك (٣) وقال أبو يوسف وبعض الشافعية: الأفضل صلاتها فرادى. واستدل الجمهور على أن الجماعة فيها أفضل بأن ذلك هو ما فعله عمر ووافقه عليه أصحاب رسول الله، واستمر عمل المسلمين عليه، فكان ذلك إجماعاً من الصحابة على أفضلية الجماعة في صلاة التراويح، ولذلك قال أحمد: يعجبني أن يصلي مع الإِمام ويوتر معه. الحديث: أخرجه أيضاًً الجماعة والبيهقي ومالك في " الموطأ ". والمطابقة: في قوله: " غفر له ما تقدم من ذنبه ".
٦١٨ - " باب فضل ليلة القدر "
٧١٧ - معنى الحديث: أشاد النبي ﷺ في هذا الحديث بفضل ليلة
стр. 1055
مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيماناً واحتِساباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ".
ــ
القدر ونوّه بشأنها، وهي الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن الكريم إلى السماء الدنيا كما قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) وسمّاها ليلة القدر لعظم شأنها وعلو قدرها، ولأنها ليلة مباركة ذات منزلة عظيمة، وقدر رفيع، شرفها الله بنزول القرآن، فكانت أشرف الليالي، لأن الأزمنة تشرف وتعظم بما يقع فيها من أحداث جليلة، وقد أنعم الله على عباده في هذه الليلة بنزول القرآن الذي هدى الله به البشرية إلى ما فيه سعادتها وخيرها ونجاتها، فكان أعظم نعمة في أشرف ليلة، ولهذا سماها ليلة القدر. ويقال سميت بذلك لما يقدر فيها وما يكتبه الملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في (١) تلك السنة كما أفاده النووي، وفي هذا الحديث يبين النبي ﷺ أن من أحيى هذه الليلة المباركة بالصلاة وتلاوة القرآن غفر الله له ذنوبه السابقة واللاحقة على أن يفعل ذلك " إيماناً واحتساباً " أي تصديقاً بفضل هذه الليلة وفضل العمل - فيها ابتغاءً لوجه الله في عبادته.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على شرف ليلة القدر وفضل إحيائها بالعبادة، وأن قيامها لمن وافقها سبب للغفران، وإن لم يقم غيرها، فإن كانت له ذنوب كفرتها، وإن لم تكن له ذنوب فإنه يكتب له بها حَسنات، ويرفع بها درجات. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي " والمطابقة: في قوله: " غفر له ما تقدم من ذنبه ".
...
стр. 1056
٦١٩ - " بَابُ تحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدرِ فِي الوِتْرِ مِن العَشْرِ الأوَاخِرِ "
٧١٨ - عنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄:
أن النبي ﷺ قَالَ: " التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، لَيْلَةَ الْقَدْرِ في تَاسِعَةٍ، تبقى في سَابِعَةٍ تَبْقَى، في خَامِسَةٍ تَبْقَى ".
٧١٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هِيَ في الْعَشْرِ الأوَاخِرِ هي في تِسْع يَمْضِين، أوْ في سَبْعٍ يَبقَيْنَ، يَعْنِي، لَيْلَةَ الْقَدْرِ ".
ــ
٦١٩ - " باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر "
٧١٨ - معنى الحديث: أن الله أخفى عنا ليلة القدر، ولم يحدد لنا وقتها، ولكنها لا تخرج عن الليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان التي ذكرها النبي ﷺ بقوله: " في تاسعه تبقى " أي في ليلة الحادي والعشرين من رمضان " في سابعه تبقى " وهي ليلة الثالثة والعشرين منه " في خامسه تبقى " وهي ليلة الخامس والعشرين. والمعنى اطلبوها وتحرّوها في ليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان كليلة الحادي والعشرين، وليلة الثالث والعشرين، وليلة الخامس والعشرين، ويقاس عليها ليلة السابع والعشرين، وليلة التاسع والعشرين، لأنها أوتار. الحديث: أخرجه أيضاًً أبو داود والترمذي والبيهقي وأحمد.
٧١٩ - معنى الحديث: أن ليلة القدر الموجودة في العشر الأواخر من رمضان وفي الأوتار منها دون تحديد بليلة معينة، فيحتمل أن تكون " في تسع يمضين " أي في ليلة التاسع والعشرين " أو في سبع يبقين " أي في ليلة الثالث
стр. 1057
والعشرين وفي رواية " أو في سبع يمضين " فتكون ليلة السابع والعشرين من الشهر والنبي ﷺ عندما ذكر هذه الليالي أراد بها التمثيل لا الحصر، فيقاس عليها بقية ليالي الوتر من العشر الأواخر.
فقه الحديثين: دل هذان الحديثان على أن ليلة القدر في ليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان دون تعيين، وهو مذهب مالك، قال في " الإِفصاح " واتفقوا على أنها تطلب في شهر رمضان إلاّ أبا حنيفة، فإنه قال في جميع السنة، ثم اختلف المتفقون على انها في شهر رمضان في آكد لياليه، فقال الشافعي ليلة إحدى وعشرين، وقال مالك في ليالي الأفراد من العشر الأواخر وقال أحمد: ليلة سبع وعشرين. اهـ. وهو قول أكثر أهل العلم، لحديث ابن عمر مرفوعاً: " من كان متحريها فليتحرها ليلة السابع والعشرين " أخرجه أحمد بإسناد صحيح. فائدة هامة: هل هناك ظاهرة خاصة خارقة للعادة تقع في هذه الليلة المباركة، قال الحافظ بخصوص هذا الموضوع: واختلفوا هل لها علامة تظهر لمن وقعت له أم لا؟ فقيل: يرى كل شيء ساجداً، وقيل: يرى الأنوار في كل مكان ساطعة حتى في المواضع المظلمة، وقيل: يسمع سلاماً وخطاباً من الملائكة، وقيل: علامتها استجابة دعاء من وقعت له، واختار الطبري أن جميع ذلك غير لازم، وأنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه. الحديث الأخير أخرجه البخاري. والمطابقة: في كونه ﷺ أمر بالتماسها ليلة الحادي والعشرين والثالث والعشرين الخ. وهي الوتر من العشر الأواخر.
***
стр. 1058
٦٢٠ - " بَابُ الْعَمَلِ في الْعَشْرِ الأوَاخِرِ من رَمَضَانَ "
٧٢٠ - عن عَائِشَةَ رَضِيَ، اللهُ عَنْهَا قَالَتْ:
" كَانَ النبي ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأحيَا لَيْلَهُ، وأيْقَظَ أهْلَهُ ".
ــ
٦٢٠ - " باب العمل في العشر الأواخر من رمضان "
٧٢٠ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يجتهد في الليالي العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها، فإذا كانت ليلة الحادي والعشرين " شد مئزره " أي جد واجتهد في العبادة وقيام الليل، واعتزل النساء، وهو مأخوذ من قول الشاعر:
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوْا شَدُّوْا مآزِرَهُمْ ... عنِ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأطْهَارِ
" وأحيا ليله " أي قام معظم ليله في الصلاة والذكر وتلاوة القرآن، وليس معناه أنه أحيا الليل كله، لقول عائشة ﵂: " ما علمته قام ليلة حتى الصباح، ولا صام شهراً كاملاً سوى مضان " أخرجه البخاري " وأيقظ أهله " أي نبههم من نومهم ليقضوا فترة منه في الصلاة وقيام الليل، كما في حديث أمّ سلمة ﵂ أنه لم يكن يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلاّ أقامه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه ﷺ كان يخصُّ العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في غيرها، منها إحياء الليل وإيقاظ الأهل واعتزال النساء. ثانياًًً: استحباب الاجتهاد في العبادة وإحياء الليل وايقاظ الأهل في هذه العشر اقتداءً به ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة من حيث إنَّ شدَّ المئزر وإحياء الليل، وإيقاظ الأهل كلها من العمل في القسم الأواخر كما أفاده العيني.
стр. 1059
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الاعتكاف "
٦٢١ - " بَابُ الاعْتِكَافِ في الْعَشْرِ الأوَاخِرِ "
٧٢١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أَنَّ النبي ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأوَاخِرَ من رَمَضَانَ حتى تَوَفَّاهُ
ــ
" كتاب الاعتكاف "
الاعتكاف لغة: الإِقبال على الشيء وملازمته خيراً كان أو شراً، فمن الأول قوله تعالى: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) ومن الثاني قوله تعالى: (يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ) أما الاعتكاف شرعاً فهو إقامة المسلم في بيت من بيوت الله بنية حبس النفس على طاعة الله وعبادته بنية، تدريباً لنفسه على تذوق الطاعات، والبعد عن المغريات، قال تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) وهو شريعة قديمة معروفة في الأديان السابقة والمسجد ركن (١) في صحة الاعتكاف، ولهذا قال البخاري: والاعتكاف في المساجد كلها، ولا بد من النية، وهي ركن عند المالكية والشافعية، وشرط عند الحنفية والحنابلة، وشروطه الإِسلام والتمييز والطهارة الكبرى، وزاد المالكية شرطاً وهو الصوم، واشترط الحنفية الصوم في الاعتكاف الواجب.
٦٢١ - " باب الاعتكاف في العشر الأواخر "
٧٢١ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يداوم على الاعتكاف في
стр. 1060
اللهُ، ثم اعتَكَفَ أزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ".
٦٢٢ - " بابٌ لا يَدخلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةٍ "
٧٢٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" إِنْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ ليدْخِلُ عَليَّ رَأسَهُ وَهُوَ في الْمَسْجِدِ فَأرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُل الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَة إِذَا كَانَ مُعْتَكِفَاً ".
ــ
العشر الأواخر من رمضان كل عام طيلة حياته، فلما مات " اعتكف أزواجه من بعده " أي واظب أزواجه على هذه السنة بعد وفاته اقتداءً به ﷺ الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث: أولاً: على مشروعية الاعتكاف وعلى أنه سنة مؤكدة في رمضان، قال ابن عبد السلام: ومقتضى الأحاديث أنه ﷺ داوم على فعله، فيكون سنة وقالت المالكية: حكمه الاستحباب مطلقاً، وفي رمضان آكد، وفي العشر الأواخر آكد. والذي عليه الجمهور أنه سنة مؤكدة في رمضان وفي العشر الأواخر آكد. ثانياًً: مشروعية الاعتكاف للمرأة، ولا خلاف في ذلك عند أهل العلم، قال الشافعي: للمرأة أن تعتكف في كل مسجد، وقال أبو حنيفة والثوري: لها الاعتكاف في مسجد بيتها واعتكافها فيه أفضل وقالت المالكية: لا يصح اعتكافها إلاّ في المسجد.
والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة.
٦٢٢ - " باب لا يدخل البيت إلّا لحاجة "
٧٢٢ - معنى الحدايث: أنه ﷺ كان من سنته المعروفة عنه إذا اعتكف أن يدخل رأسه إلى بيت عائشة الذي كان ملاصقاً لمسجده لتسرحه له وهو معنى قولها: "إن كان رسول الله ﷺ ليدخل علي رأسه وهو في
стр. 1061
٦٢٣ - " بَابُ الأخبِيَةِ في الْمَسْجِدِ "
٧٢٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أن النبي ﷺ أرادَ أنْ يَعْتَكِفَ، فلمَّا انْصَرَفَ إلى الْمَكَانِ الذي أرَادَ أن يَعْتَكِفَ فِيهِ إِذَا أخْبِيَةٌ، خِبَاءُ حَفْصَةَ، وَخِبَاءُ زَيْنَبَ، فَقالَ: آلبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ، ثَمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حتَّى اعْتَكَفَ عَشْراً مِنْ شَوَّالٍ".
ــ
المسجد فأرجّله" فكلمة " إنْ " مخففة من " إنَّ " الثقيلة المشددة التي هي حرف توكيد ونصب، واسمها ضمير الشأن محذوف، والمعنى: إن الأمر الذي اعتاد عليه النبي ﷺ وكان يفعله دائماً إذا اعتكف أن يدخل رأسه إلى السيدة عائشة ﵂ لتسرح له شعره، " وكان لا يدخل البيت إلّا لحاجة " أي لا يخرج من معتكفه إلى بيته إلاّ لعذر شرعي من قضاء حاجة أو وضوء أو نحوه. الحديث: أخرجه الستة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن المعتكف لا يجوز له الخروج إلاّ لعذر شرعي كقضاء حاجة، أو وضوء، أو غسل جنابة أو حيض أو نفاس أو نحوه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وأجاز الشافعي وأحمد الخروج لعيادة المريض وتشييع الجنازة لمن شرط ذلك. ثانياًًً: أنه يجوز للمعتكف تنظيف بدنه وتسريح شعره، والغسل والطيب كما يجوز له إخراج رأسه من المسجد لتنظيفه وتسريحه. والمطابقة: في قوله: " لا يدخل البيت إلا لحاجة ".
٦٢٣ - " باب الأخبية في المسجد "
٧٢٣ - معنى الحديث: " أن النبي ﷺ أراد أن يعتكف " في رمضان وذهب إلى خبائه من المسجد، فرأى أخبية كثيرة منصوبة في المسجد
стр. 1062
لنسائه " والخباء خيمة صغيرة من صوف " فقال النبي ﷺ مخاطباً من معه: أتظنون أنّ هؤلاء النسوة قد صنعن بفعلهن هذا خيراً؟ ثم انصرف غاضباً، ولم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاعتكف في شوال قضاءً لما تركه بعد الاعتكاف في رمضان. اهـ. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية نصب الأخبية للاعتكاف فيها في المسجد، لأن النبي ﷺ عندما انصرف إلى المسجد إنّما ذهب إلى خبائه الذي نُصبَ له هناك، كما جاء في رواية أخرى عن عائشة قالت: " كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباءً، فيصلي الصبح، ثم يدخله " والروايات يفسر بعضها بعضاً.
ثانياًً: استدل به أبو حنيفة ﷺ أنه لا يصح اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة، وأجازه الجمهور، وأما استدلال أبي حنيفة على عدم صحة اعتكافها بإنكاره عليهن في قوله: " آلبرِّ تقولون " فإنما أنكر التضييق على المصلين بتلك الأخبية، لا نفس الاعتكاف، لأن المسجد كان صغيراً. ثالثاً: قال الترمذي: اختلف أهل العلم في المعتكف إذا قطع اعتكافه، فقال بعضهم: وجب عليه القضاء، واحتجوا بالحديث، وهو قول مالك وأبي حنيفة. وقال الشافعي: إن كان تطوعاً ليس عليه أن يقضي إلا أن يحب ذلك. وحمل قضاءه ﷺ الاعتكاف في شوال على الاستحباب. والمطابقة: في قوله: " فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه " أي إلى خبائه.
***
стр. 1063
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب البيوع "
مقدمة وتمهيد
من مزايا التشريع الإِسلامي عنايته بتنظيم الحياة الإِنسانية من جميع نواحيها المختلفة، فإن بعض الأديان اقتصر على الجانب الروحي للانسان من العقائد والعبادات والطقوس الدينية دون حياة الإِنسان المعيشية والاجتماعية، فلم تعن بمعاملاته مع الآخرين من أبناء جنسه (١) أو تضع القوانين اللازمة لهذه المعاملات عدا بعض النصائح التي تدعو إلى التسامح والمسالمة دون تحديد المسؤوليات والحقوق والواجبات، ولم تعنَ بوضع القوانين التفصيلية لحماية حقوق الإِنسان، ولهذا اضطر أصحاب هذه الديانات إلى استعمال القوانين الوضعية لتنظيم العلاقات الإِنسانية واعتبروا الدين علاقة روحية بين العبد وربه فقط، لأنهم لم يجدوا في دينهم القوانين الكفيلة بتنظيم حياتهم ومعيشتهم. وإذا كان هذا هو الواقع بالنسبة إلى الأديان الأخرى، فإنه لا ينطبق على شريعة الإِسلام الشاملة لحياة الإِنسان الدينية والدنيوية، وهذه هي النصوص الإِسلامية في الكتاب والسنة والفقه الإسلامي لم تدع حكماً يحتاج إليه البشر في الأحوال الشخصية والاجتماعية والقضائية والمعاملات والجنايات والسياسة والاقتصاد إلّا بينته للناس، ففي المعاملات وضع الإِسلام أحكام البيع والشراء والإِيجار
стр. 1064
والوكالة والكفالة وغيرها لضبط تصرفات الناس في هذه الحياة على وجه يضمن لهم الأمن والاستقرار والسعادة الحقيقية. ولو دققنا النظر في هذه الأحكام من الناحية النفسية والاجتماعية والسياسية لوجدنا فيها كل ضمان للملكية الفردية السليمة والحرية الشخصية الصحيحة فإن كل أحكام المعاملات في الإسلام قائمة على عدم أكل أموال الناس بالباطل ولا شك أن في مقدمة ذلك أَبواب المعاملات " البيوع وما يتعلق بها " وقد عُني الإسلام بالبيع ووضع له الشروط والأحكام لتحقيق الكسب الحلال والحيلولة دون أكل أموال الناس بالباطل، وحماية الإِنسان من أكل الحرام، ولهذا قال ﷺ : " أفضل أنواع الكسب البيع المبرور، وعمل اليد " ولا يكون البيع مبروراً إلاّ إذا كان بيعاً شرعياً صحيحاً. قال القاري: والكسب بقدر الكفاية واجب لنفسه وعياله عند عامة العلماء، وما زاد عليه فهو مباح، وإنما عني الإِسلام بالبيع لحاجة الناس إليه، فالبيع والنكاح كما قال ابن العربي المالكي: عقدان يتعلق بهما قوام العالم، لأن الله خلق الإِنسان محتاجاً إلى الغذاء مفتقراً إلى النساء، وخلق له ما في الأرض جميعاً، ولم يتركه له سدى يتصرف باختياره كيف يشاء، فيجب على كل مكلف أن يتعلم ما يحتاج إليه، وأن لا يفعل شيئاً حتى يعلم حكم الله فيه. وقول بعضهم: يكفي ربع العبادات ليس بشيء إذ لا يخلو مكلف من بيع وشراء. والبيع لغة: تمليك المال بالمال مطلقاً، سواء كان مبادلة سلعة بنقد، أو سلعة بسلعة، ويقال لأحد البدلين مبيع وللثاني ثمن، أما الشراء فهو تملك المال بالمال. أما البيع شرعاً فهو مبادلة مال بمال على سبيل التراضي، ووجه التأبيد، والمراد بالمال: المال الذي له قيه: شرعية، وهو المال الحلال الذي ينتفع به شرعاً، فيخرج بذلك المال الحرام كالخمر مثلاً، فإن مبادلته بالنقد لا يسمى بيعاً، وكذلك يُقالُ في الحشرات التي لا ينتفع بها، والمراد بقولهم على سبيل التراضي أن تكون المبادلة برضا الطرفين فيخرج بذلك كل مبادلة بالإكراه، فإنها لا تسمى بيعاً، ويخرج بقولهم على وجه التأبيد الإِيجار،
стр. 1065
٦٢٤ - " بَابُ مَا جَاءَ في قَوْلِ اللهِ تعَالَى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) "
٧٢٤ - عَنْ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ:
" لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْني وَبَيْنَ سعْدِ بْنِ الرَّبِيع فَقَالَ سعْدُ بْنُ الرَّبيع: إِنِّي أكْثَرُ الأنْصَارِ مَالاً، فَأقْسِمُ لَكَْ نِصْفَ مَالِي، وانْظرُ أيَّ زَوْجَتَي هَوِيْتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لا حَاجَةَ لي في ذَلِكَ هَلْ مِنْ سُوقٍ فيه تَجَارَةٌ، قَالَ:
ــ
لأنه مؤقت فلا يسمى بيعاً.
٦٢٤ - " باب ما جاء في قول الله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) "
٧٢٤ - ترجمة راوي الحديث: وهو عبد الرحمن بن عوف ﵁ أحد الثمانية السابقين إلى الإِسلام وأحد أصحاب الشورى وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان، وأحد العشرة المبشرين بالجنة. ومن كبار الأثرياء المحسنين في الإِسلام تصدق بأربعين ألفاً وله عدة أحاديث في البخاري وغيره، وقد شهد المشاهد كلها، وتوفي سنة واحد وثلاثين من الهجرة.
معنى الحديث: أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة أراد أن يقيم بين المهاجرين والأنصار رابطة وعلاقة أقوى من النسب، وهي رابطة الأخوة في الإِسلام، فجعل لكل مهاجر أخاً من الأنصار وأقام بينهما علاقة تنزل منزلة أخوة النسب تقتضي المناصرة والمواساة والمشاركة في السراء والضراء، حتى إنهم كانوا يتوارثون في أوّل الإِسلام إلى أن نزل قوله تعالى: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) فاقتصر الإِرث على أصحاب المواريث الشرعية المعروفة
стр. 1066
سُوقُ قَيْنُقَاعَ، قَالَ: فَغدا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمنِ ﵁ فَأَتَى بَأَقِطٍ وَسَمْنٍ، قَالَ: ثُمَّ تَابَعَ الغُدُوَّ، فَما لَبِثَ أنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنَ عَلَيْهِ أثر صُفْرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ : " تَزَوَّجْتَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَمَنْ؟ قَالَ: امْرَأةٍ مِنَ الأنْصَارِ، قَالَ: " كَمْ سُقْتَ لَهَا؟ " قَالَ: زِنَةُ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أو نُوَاةً مِنَ ذَهَب، فَقَال لَهُ النبي ﷺ : " أَوْلِمْ ولَوْ بِشَاةٍ ".
ــ
وكان من ضمن هؤلاء المهاجرين عبد الرحمن بن عوف، فقد آخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، فعرض عليه سعد أن يختار إحدى زوجاته، فيطلقها ويزوجها له ويعطيه نصف ماله فأبت، عليه مروءته وعزة نفسه أن يكون عبئاً على غيره، وعالة على سواه، فقال لسعد: " لا حاجة لي في ذلك " لأنني شاب سليم قويّ قادر على العمل، وفي رواية أنه قال له: " بارك الله لك في أهلك ومالك "، ثم سأل عن سوق المدينة التجاري، فدله على سوق بني قينقاع ويقع عند جسر بطحان، وكان يقام عدة مرات في السنة، يجتمع فيه التجار العرب الوافدون إلى المدينة، فصار عبد الرحمن بن عوف يتردد عليه كل يوم صباحاً ليتاجر في السمن والأقط وغيره من المواد الغذائية، والأقط هو اللبن المجفف المعروف في عصرنا هذا (بالمضِير) فلم يمض عليه إلّا زمن قليل، حتى جمع شيئاً من المال، فتزوج منه وأتى إلى النبي ﷺ ، وعليه أثر الصُّفْرَة، أي صفرة الطيب الذي تطيب به في زفافه " فقال رسول الله ﷺ : تزوجت؟ قال: نعم، قال: ومن؟ قال: امرأة من الأنصار " وهي بنت أنس بن رافع من بني عبد الأشهل " قال: كم سقت لها؟ " أي كم دفعت لها من الصداق " قال: زنة نواة من ذهب " وهي وزن ثلاثة دراهم وثلث كما قال أحمد بن حنبل " فقال له النبي ﷺ : أولم ولو بشاة " أي فأمره ﷺ بالوليمة وهي الطعام الذي يصنع في العرس، والمعنى اصنع
стр. 1067
٦٢٥ - " بَابُ مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ أيْنَ كَسِبَ الْمَالَ ؟ "
٧٢٥ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنَ النبي ﷺ قَالَ: " يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أخَذَ مِنهُ، أَمِنَ الْحَلالَ أمْ مِنَ الْحَرَامَ؟ ".
ــ
بمناسبة عرسك طعاماً، واذبح فيه ولو شاة واحدة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث: أولاً: على تفسير الآية الكريمة، وبيان معنى التجارة الصحيحة التي شرعها الإِسلام، ودل عليها قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ)، وأنها هي البيع والشراء في الأسواق التجارية كما دل على مشروعية البيع، وأنه من أشرف الوسائل لكسب المال الحلال، فقد مارسه أصحاب رسول الله ﷺ كما فعل عبد الرحمن بن عوف حيث قال هَل من سوق تجارة، فلما دلّه عليه تابع الغُدوَّ إليه حتى جمع مالاً، فتزوج، ثم واصل البيع والشراء حتى أصبح من أثرياء الصحابة الأجواد.
فقد بلغ ما تصدق به على عهد النبي ﷺ أربعين ألفاً، بالإِضافة إلى ما حمل عليه. ثانياًً: ما كان عليه المهاجرون والأنصار في عهد النبي ﷺ من مودة ومحبة وإيثار بالمال وغيره، مما دفع سعد بن الربيع أن يعرض على ابن عوف نصف ماله إلخ. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " هل من سوق؟ ".
٦٢٥ - " باب من لم يبال من أين كسب المال "
٧٢٥ - معنى الحديث: أن الناس تتغير بهم الأحوال، وتتبدل الأزمان، ويأتي عليهم زمان يضعف فيه الدين، وتفسد الضمائر والذمم، ويتكالب الناس فيه على جمع المال من حلال أو حرام، فالغاية تبرر الوسيلة عندهم،
стр. 1068
٦٢٦ - " بَابُ شِرَاءِ النَّبي ﷺ بِالنَّسِيئَةِ "
٧٢٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁:
أنَّهُ مَشَى إلى النَّبِي ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وِإهَالَةِ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ ﷺ دِرْعَاً لَهُ بالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودي، وأخذَ مِنْهُ شعيراً لِأهْلِهِ، ولقدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " مَا أمْسَى عِنْدَ آل مُحَمَّدٍ صَاعُ بُرٍّ، ولا صَاعُ حَبٍّ " وإنْ عِنْدَهُ لَتِسْعَ نِسْوَةٍ.
ــ
والحلال ما حل في أيديهم كما قال ﷺ " لا يبالي المرء ما أخذ منه " أي لا تهمه الوسيلة التي اكتسب بها المال، والطريق الذي أخذه منه " أمن الحلال " أي سواء كان من، كسب حلال كالبيع المبرور وعمل اليد " أم من الحرام " كالاختلاس والربا والقمار والرشوة، لأن المصلحة المادية هي الهدف الوحيد، والغاية الرئيسية لكل معاملاته.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: التحذير الشديد من اكتساب المال من الطرق غير المشروعة، لأنّ النبي ﷺ إنما ذكر ذلك في موضع الذم والإنكار على من يصنع هذا. ثانياًً: إخباره ﷺ ببعض الأمور في المستقبل، وهذا من معجزاته ﷺ . الحديث: أخرجه أيضاًً النسائي. والمطابقة: في قوله: " لا يبالي المرء ما أخذ منه ".
٦٢٦ - " باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة "
٧٢٦ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ دُعي مرة على خبز من شعير وإهَالة سنخة أي ألية متغيرة الرائحة، فأجاب الدعوة، وأكل من ذلك الطعام، كما أنه ﷺ اشترى مرة من يهودي شعيراً بثمن مؤجل، ورهن عنده درعه مقابل ذلك، لأنه لم يبق في بيته أي شيء من المواد الغذائية كما قال أنس "ولقد
стр. 1069
٦٢٧ - " بَابُ السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ في الْبَيْعِ "
٧٢٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " رَحِمَ اللهُ رَجُلاً سَمْحَاً إِذَا بَاعَ، وِإذَا اشْتَرَى، وِإذَا اقْتَضَى ".
ــ
سمعته يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع بر ولا صاع حب " أي سمعته ﷺ يقول: دخل علينا المساء، ولا يوجد في بيت آل محمد صاع من قمح أو شعير " وإن عنده لتسع نسوة " أي في حين أن لديه تسع زوجات هن في أمسِّ الحاجة إلى الغذاء ولذلك اضطر إلى شراء الشعير من اليهودي نسيئة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز بيع الطعام وغيره وشرائه نسيئة، لأنه ﷺ فعل ذلك، ولكن بشرطين: الأول: أن يختلف الجنسان، فلا يجوز (شعير بتمر) نسيئة. الثاني أن لا يكون صرفاً فلا تجوز النسيئة في الصرف، وفيه دليل على جواز التعامل مع أهل الكتاب. الحديث: أخرجه أيضاًً النسائي والترمذي. والمطابقة: في كونه ﷺ اشترى الشعير من اليهودي نسيئة.
٦٢٧ - " باب السهولة والسماحة في البيع "
٧٢٧ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ دعا لكل مسلم يلتزم بالسماحة والرفق وحسن المعاملة في بيعه وشرائه أن يسبغ الله عليه رحمته ونعمته وفضله وكرمه، وكذلك كل من تسامح من إخوانه في اقتضاء ديونه، والمطالبة بحقوقه، فتجاوز عن الموسر، وأنظر المعسر.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن حسن المعاملة والتسامح في البيع والشراء واقتضاء الديون سبب في نجاح الإِنسان في تجارته وأعماله، وفوزه بكل ما يصبو إليه من مال وصحة وولد، لأنّ النبي ﷺ دعا له بالرحمة،
стр. 1070
٦٢٨ - " بَابٌ إِذَا بَيَّنَ البَيِّعَانِ وَلَمْ يكْتُمَا وَنصَحَا "
٧٢٨ - عَنْ حَكِيم بْنِ حِزَام ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " البَيِّعَانِ بالخِيَارِ ما لَمْ يتفرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنا بُورِكَ لَهُمَا في بَيْعِهِمَا، وإنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ".
ــ
ودعوته مستجابة، فهو ولا شك مشمول برحمة الله ونعمته وعنايته.
وَإذَا العِنايَةُ لَاَحَظتْكَ عُيُوْنُهَا ... نَمْ فالحَوَادِثُ كُلُّهُنَّ أمَانُ
والمطابقة: في دعائه ﷺ لأهل السماحة.
٦٢٨ - " باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا "
٧٢٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " أي أن لكل منهما الحق في أن يختار ما يريد من إمضاء البيع أو فسخه ما داما لم يتفرقا، فإذا تفردا وجب البيع، وانتهى الخيار، كما في حديث ابن عباس ﵄ أنه ﷺ قال: " فإن فارقه فلا خيار له "، " فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما "، أي فإن صدق البائع وبين العيب الذي في سلعته، وصدق المشتري وبين العيب الذي في الثمن حلت البركة في ذلك البيع فكان مربحاً، وكثر نفعه لهما، " وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما "، أي رفعت البركة من ذلك البيع، فكان خسارة لهما.
فقه الحديث: دل هذا الحديث دلالة صريحة على ثبوت الخيار للمتبايعين في إمضاء البيع وفسخه حتى يتفرقا، واختلف أهل العلم في التفرق الذي يسقط الخيار، ويوجب البيع، فذهب الشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنه التفرق بالأبدان، وأثبتوا خيار المجلس، وقال مالك وأبو حنيفة: هو التفرق بالأقوال عند انتهاء العقد، ووقوع الإِيجاب والقبول، فإذا قال البائع: بعت والمشتري
стр. 1071
٦٢٩ - " بَابُ بَيْعِ الْخِلْطِ مِنَ التَّمْرِ "
٧٢٩ - عَنْ أبي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ:
كُنَّا نرزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ، وَهُوَ الْخَلْطُ مِنَ التَّمْرِ، وكنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا صَاعَيْنِ بِصَاع، ولا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ ".
ــ
اشتريت لزم البيع، واستدل مالك على ذلك بقوله ﷺ : " ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله " فلو كان خيار المجلس مشروعاً لم يحتج للاستقالة، لأن من حقه الخيار ما دام في المجلس. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " فإن صدقا وبينا بورك لهما ".
٦٢٩ - " باب بيع الخلط من التمر "
أي هذا باب في بيان حكم بيع الخلط، وهو التمر المخلوط المشكل من أنواع مختلفة بتمر من نوع واحدٍ.
٧٢٩ - معنى الحديث: أن الصحابة ﵃ كانوا يأخذون من الزكاة التمر المشكل من أنواع مختلفة فيبيعونه بالتمر الذي من نوع واحد كل صاعين بصاع لرداءة هذا وجودة ذاك، فأنكر عليهم النبي ﷺ ، ونهاهم عن هذا البيع وقال: " لا صاعين بصاع " أي لا يجوز بيع صاعين من التمر بصاع من التمر، وإن اختلف النوعان في الجودة والرداءة، لاتحادهما في النوع، ولا يحل التفاضل بين البدلين من نوع واحد، فلا يجوز بيع التمر بالتمر، أو البر بالبر أو الشعير بالشعير إلاّ سواء بسواء، يداً بيد، وإلا كان عين الربا.
" ولا درهمين بدرهم " أي ولا يجوز أيضاًً بيع درهمين من الفضة بدرهم من الفضة لاتحاد النوع.
стр. 1072
٦٣٠ - " بَابُ مُوكِل الرِّبَا "
٧٣٠ - عن أبي جُحَيْفَةَ ﵁:
أَنَّهُ اشْتَرَى عَبْداً حَجاماً فأمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ، وَقَالَ: " نَهَى النبي ﷺ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، ونَهَى عَن الوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ وآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ، ولَعنَ الْمُصَوِّرَ ".
ــ
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه لا يجوز بيع التمر المشكل من أنواع مختلفة بالتمر الذي من نوع واحد متفاضلاً، لأنه ربا، وكذلك الطعام كله من بر وشعير ونحوه، لا يجوز بيعه بشيء من نوعه متفاضلاً، فإذا احتاج صاحب التمر الرديء إلى شراء تمر جيد فإنه يبيع تمره بأحد النقدين، ويشتري بثمنه تمراً جيداً كما أرشدنا إلى ذلك النبي ﷺ في بعض الأحاديث الأخرى. ثانياًًً: أنه لا يجوز التفاضل في بيع الفضة بالفضة أو الذهب الذهب. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في نهيه ﷺ بيع التمر بالتمر متفاضلاً، وهو ما ترجم له البخاري.
٦٣٠ - " باب موكل الربا "
٧٣٠ - معنى الحديث: أن أبا جحيفة (وقد تقدمت ترجمته) اشترى عبداً كان يعمل في الحجامة، فأمره بكسر الآلة التي كان يحجم بها، ولما سئل عن ذلك قال: (نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب) أي عن بيع الكلب وأخذ ثمنه " وثمن الدم " أي ونهى أيضاًً عن ثمن إخراج الدم، وأجرة الحجامة، فكسر أبو جحيفة المحاجم، لأنه فهم أنّ النهي عن ذلك على سبيل التحريم، فأراد حسم المادة، وكأنه فهم أنّ ذلك العبد لا يطيع النهي، ولا
стр. 1073
يترك التكسب بالحجامة إلاّ إذا كسرت محاجمه. اهـ. كما أفاده الحافظ. قال: " ونهى عن الواشمة والموشومة " الكلام على حذف مضاف أي ونهى عن فعل الواشمة والموشومة، وما تقوم به الواشمة من وشم غيرها وما تفعله الموشومة من وشم نفسها، أو تكليف غيرها بوشمها، والوشم غرز جلدة البشرة بالإِبرة، وحشوها بالكحل أو النيل فيسودّ ذلك الموضع، أو يزرق، أو يخضر، وتظهر فيه أشكال وألوان مخالفة للون البدن، وكانوا يرون أن ذلك من التجميل.
" وآكل الربا وموكله " وهو على حذف مضاف أيضاًً تقديره ونهى عن فعل آكل الربا، وعن فعل موكله " والمعنى " أنه نهى عن التعامل بالربا، ومنعه على الطرفين معاً، فمنع آكل الربا أن يأخذه من غيره ومنع موكل الربا أن يدفعه ويعطيه لغيره. " ولعن المصور " أي الصور الحيوانية. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: على أن موكل الربا " وهو كل من يدفع لغيره فائدة ربوية " عاص وآثم، ومرتكب لكبيرة لأن النبي ﷺ نهى عن إعطاء الربا، كما نهى عن أخذه فآكل الربا وموكله في ارتكاب الكبيرة سواء، حيث إن النبي ﷺ سوّى بينها في النهي، فكلاهما مرتكب للكبيرة. ثانياًً: تحريم بيع الكلب لنجاسته، وهو مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة، وفي رواية عن مالك جواز بيع كلب الحراسة والصيد. ثالثاً: النهي عن أجرة الحجامة، وعن الوشم وسيأتي. والمطابقة: في قوله: "وآكل الرِّبا وموكله".
***
стр. 1074
٦٣١ - " بَابُ مَا يَكْرَهُ مِنَ الْحَلِفِ في الْبَيعِ "
٧٣١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن أبِي أوْفَى ﵁:
" أنَّ رَجُلاً أقَامَ سِلْعةً وهُوَ في السُّوقِ، فَحَلَفَ باللهِ لَقَدْ أَعْطي بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ، لُوقِعَ فِيهَا رجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فنَزَلَتْ (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) ".
ــ
٦٣١ - " باب ما يكره من الحلف في البيع "
٧٣١ - معنى الحديث: كما يرويه ابن أبي أوفى ﵁ " أنّ رجلاً أقام سلعة وهو في السوق " أي عرض في السوق سلعة يعني بضاعة للبيع، " فحلف بالله لقد أعطى بما ما لم يعط " أي فأراد أن يروج سلعته بأي وسيلة من الوسائل، ولو كانت محرمة، فلجأ إلى الأيمان الكاذبة، فحلف بالله -وهو كاذب، في يمينه- أنه أعطي بها بدل سلعته ما لم يعط " ليوقع فيها رجلاً من المسلمين "، أي ليخدع بأيمانه هذه بعض المشترين، ويوقعه في سلعته بالسعر الذي يريده طمعاً وجشعاً ورغبة في جمع المال عن أي طريق، حلالاً أو حراماً، من باب الغاية تبرر الوسيلة " فنزلت (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) " أي إن الذين يتخذون من الأيمان الكاذبة وسيلة لاكتساب الأموال المحرّمة، وينالون بها عوضاً يسيراً من الدنيا، أولئك لا نصيب لهم من الجنة ونعيمها، ولا يكلمهم الله كلمة رضا، ولا ينظر إليهم نظر رحمة، ولا يثني عليهم يوم القيامة، وليس لهم إلاّ العذاب الشديد.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم ترويج السلع التجارية بالأيمان
стр. 1075
٦٣٢ - " بَابُ ذِكْرِ الْحَجَّامَ "
٧٣٢ - عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
" احْتَجَم النبي ﷺ وأعطَى الذِي حَجَمَهُ، ولو كَانَ حَراماً لَمْ يُعْطِهِ ".
ــ
الكاذبة، وكونه من الكبائر، لأنّ هذا الوعيد لا يترتب إلاّ على كبيرة. الحديث: أخرجه البخاري والمطابقة: في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ) إلخ.
٦٣٢ - " باب ذكر الحجام "
أي هذا باب تذكر فيه الأحاديث الدالة على جواز عمل الحجام وأخذ الأجرة على الحجامة.
٧٣٢ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " احتجم النبي ﷺ " أي عالج ﷺ نفسه بالحجامة وأمر أبا ظبية أن يحجمه، " وأعطى الذي حجمه " أي وأعطاه أجرته، فأمر له بصاع تمر، وأمر أهله أن يخففوا من خراجه، وكان يعمل، ويدفع لسيده ثلاثة آصع، فوضع عنه صاعاً، ثم قال ابن عباس تعليقاً على حديثه هذا: " ولو كان حراماً لم يعطه " أي ولو كان أجر الحجامة وثمنها حراماً لم يعط النبي ﷺ الحجام أجرة عليها. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز أجرة الحجام، وهو مذهب الجمهور، قالوا: هو كسب فيه دناءة، ولكنه غير محرم، والنهي عنه في بعض الأحاديث للتنزيه فقط، وقال بعضهم: كان حراماً ثم نسخ، وهذا يحتاج إلى معرفة التاريخ، وذهب أحمد وآخرون إلى أنه يكره للحرِّ احتراف
стр. 1076
٦٣٣ - " بَابُ التجَارَةِ فيمَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ والنِّسَاءِ "
٧٣٣ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
أرْسَلَ النبي ﷺ إلى عُمَرَ ﵁ بِحُلَّةِ حَرِيرٍ أو سيَرَاءَ، فرآهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "إِنِّي لَمْ أرْسِلْ بِهَا إليكَ لِتَلْبِسَهَا، إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لا خَلَاقَ لَهُ، إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لتسْتَمْتِعَ بِهَا" يَعْنِي تَبِيعُهَا.
ــ
الحجامة، ويحرم عليه الإِنفاق على نفسه منها، وله أن ينفق منها على دوابه ورقيقه فقط، واستدلوا بقوله ﷺ : " كسب الحجام خبيث " أخرجه مسلم، قال ابن الجوزي: كُرهت لأنَّها من الأشياء التي يجب على المسلم إعانة أخيه بها دون أجر. ثانياًً: جواز التداوي بإخراج الدم. والمطابقة: في قوله: " وأعطى الذي حجمه ".
٦٣٣ - " باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء "
أي هذا باب في بيان جواز بيع ما يكره لبسه للرجال، وكذلك ما يكره لبسه للنساء، لأن ما لا يصلح لهذا يصلح لهذا وما جاز بيعه جاز شراؤه.
٧٣٣ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " أرسل النبي ﷺ إلى عمر ﵁ بحلة حرير " والحلة لباس من ثوبين " أو سيراء " (بكسر السين) وهي نوع من الثياب يخالطه حرير كالسيور، أي أن تلك الحلة كانت من الحرير الخالص، أو مخلوطة بالحرير " فرآها عليه، فقال: إنّي لم أرسل إليك لتلبسها " أي لم أهدها إليك لتلبسها " إنما يلبسها من لا خلاق له " أي إنما يلبس ثياب الحرير من الرجال في الدنيا الكفار الذين لا نصيب لهم من الحرير أو غيره في الآخرة، أو إنما يلبس الحرير من الرجال من فسدت أخلاقه من المتشبهين بالنساء. "إنما بعثت إليك لتستمتع
стр. 1077
٦٣٤ - " بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخِدَاعِ في الْبَيْعِ "
٧٣٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
أنَّ رَجُلاً ذُكِرَ للنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ في الْبُيُوعِ فَقَالَ: " إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ ".
ــ
بها " أي لتنتفع بها " يعني تبيعها " أو تلبسها لنسائك.
فقه الحديث: دل هذا الحديث كما قال الحافظ على جواز بيع ما يكره لبسه للرجال. اهـ. وذلك لقوله ﷺ : " إنما بعثت بها إليك لتستمتع بها " يعنى تبيعها، وفي رواية أخرى في باب اللباس " إنما بعثت بها إليك لتبيعها أو لتكسوها " وأما ما يكره لبسه للنساء فبالقياس عليه كما أفاده الحافظ.
الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " إنما بعثت إليك لتستمتع بها " يعني تبيعها ".
٦٣٤ - " باب ما يكره من الخداع في البيع "
٧٣٤ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: " أن رجلاً ذكر للنبي ﷺ أنه يُخدع في البيوع " أي أن رجلاً يدعى " حبان " (بفتح الحاء) بن منقذ (بفتح القاف) أخبر النبي ﷺ بأنه مغفل لا يحسن البيع والشراء، ويغشه الناس لقلة رشده، حتى إن أهله سألوا النبي ﷺ أن يحجر عليه، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك، فقال: يا رسول الله لا أصبر عن البيع فأذن له، ولكنه أراد أن يحميه من الخداع " فقال: إذا بايعت فقل: لا خلابة " (بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام) أي لا خديعة، وإنما أمره أن يقول ذلك لمن يتعامل معه تنبيهاً له بوجوب الصدق والأمانة والنصح في المعاملة، أي لا تخادعني فإن الإِسلام لا يبيح الخديعة ولا يقرّ
стр. 1078
٦٣٥ - " بَابُ مَا ذُكِرَ في الأسْوَاقَ "
٧٣٥ - عَنْ أنسِ بْنِ مالِكٍ ﵁ قَالَ:
كَانَ النبي ﷺ في السُّوقِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يا أبا الْقَاسِمِ فالْتَفَتَ إلَيْهِ
ــ
بيع الخديعة، وفي رواية أخرى أنه قال له " ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فاردد " فبقى ذلك الرجل حتى أدرك زمن عثمان، وهو ابن مائة وثلاثين سنة. فكان إذا اشترى شيئاً فقيل له إنك غبنت فيه رجع فيشهد له رجل من الصحابة أن النبي ﷺ قد جعل له الخيار ثلاثاً فيردوا له دراهمه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم الخداع في البيع والغبن فيه وهو الزيادة في ثمن السلعة زيادة فاحشة على من لا يعرف قيمتها، لقوله ﷺ : " إذا بايعت فقل: لا خلابة " أي لا خديعة في البيع شرعاً، وهو نفي بمعنى النهي يقتضي تحريم المنهى عنه. ثانياًًً: ثبوت الخيار بالغبن، فمن غبن في ثمن السلعة، وزيد عليه في الثمن وهو يجهل قيمتها كان له الخيار في ردها، وهو مذاهب مالك وأحمد على شرط أن يكون الغبن فاحشاً والزيادة كثيرة، واختلفوا في تقدير الغبن الفاحش الذي يتحقق به الخيار فقيده بعض المالكية بأن يبلغ الغبن ثلث القيمة أما القليل فيتسامح فيه. وذهب الجمهور إلى عدم ثبوت الخيار بالغبن لعموم أدلة البيع ونفوذه من غير تفرقة بين الغبن وغيره. وأجابوا عن حديث الباب بأنه حكم استثنائي خاص بهذا الرجل لضعف عقله وقلة رَشَده، مما جعل حكم تصرفه كتصرف الصبي المأذون له في التعامل مع الناس. الحديث: أخرجه الستة إلا الترمذي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " فقل لا خلابة ".
٦٣٥ - " باب ما ذكر في الأسواق "
٧٣٥ - معنى الحديث: أنه ﷺ بينما كان يسير في سوق من أسواق
стр. 1079
النبي ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّمَا دعَوْتُ هَذَا، فَقَالَ النبِيُّ ﷺ : "سَمُّوا باسمي ولا تَكَنَوْا بِكُنْيتِي".
٦٣٦ - " بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الكَيْلِ "
٧٣٦ - عن الْمِقْدَام بْن مَعْدِي كَرِبَ:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "كيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ ".
ــ
المدينة التجارية إذا به يسمع صوتاً ينادي يا أبا القاسم فالتفت وهو يظن أنه يناديه، فقال له صاحب الصوت: إنما ناديت هذا، وأشار إلى رجل آخر، فقال النبي ﷺ : " سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي " بفتح التاء والنون المشدّدة على حذف إحدى التاءين، وإنما نهى عن التكني بكنيته في حياته خشية الالتباس.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الأسواق التجارية في الإِسلام، وجواز دخول المسلم إليها لقضاء حاجاته المعيشية، وشراء المواد الغذائية والمنزلية الموجودة فيها، لأنها كانت موجودة منذ عهد النبي ﷺ وكان يدخلها لقوله في حديث الباب " كان النبي ﷺ في السوق " وهو ما ترجم له البخاري. ثانياًً: النهي عن التكني بكنيته ﷺ المشهورة وهي أبو القاسم، قال القسطلاني: والنهى ليس للتحريم، وقد جوّزه مالك مطلقاً، وقصر النهي على زمنه للالتباس. وقال جمع من السلف: النهي خاص بمن اسمه محمد وأحمد، لحديث النهي عن الجمع بين اسمه وكنيته، ومذهب الجمهور جوازه مطلقاً. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله: " كان النبي ﷺ في السوق ".
٦٣٦ - " باب ما يستحب من الكيل "
٧٣٦ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ أمر باستعمال الكيل في جميع
стр. 1080
٦٣٧ - " بَابُ مَا يُذْكَرُ في بَيْعِ الطَّعَامِ وَالحُكْرَةِ "
٧٣٧ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
" رَأيتُ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مجَازَفَةً يُضْرَبُونَ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أن يَبِيعُوهُ حتى يُؤْووهُ إلى رِحَالِهِمْ ".
ــ
المواد التموينية من قمح وشعير وتمر وزبيب وغيرها عند بيعها وشرائها وإحصائها وإخراج زكاتها، فقال ﷺ : " كيلو طعامكم يبارك لكم " أي: تُوضَعُ لكم فيه البركة والخير الكثير والنفع العظيم، فينتفع به بائعه ومشتريه، وآخذه ومعطيه، لأن النبي ﷺ دعا لأهل المدينة في مدهم وصاعهم. الحديث: أخرجه البخاري وابن حبان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب الكيل في بيع المواد التموينية وشرائها لقوله ﷺ : " كيلو طعامكم " فإن هذا أمرٌ وأقل مقتضيات الأمر الاستحباب والندب. ثانياًًً: أن البركة تحل في الطعام المكيل سيما بالمدينة المنورة، فينمو ويتكاثر ويعظم نفعه الغذائي، فيكفي القليل منه العدد الكثير من الناس، وتقوى به الأجسام، وتصح الأبدان، وتخلو من الأمراض والأسقام وتهنأ، به النفوس لقوله ﷺ وهو الصادق المصدوق: " كيلو طعامكم يبارك لكم " ولا شك أن الطعام المبارك غذاء وشفاء وقوة وصحة وهناء. والمطابقة: في قوله: " كيلو طعامكم ".
٦٣٧ - " باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة "
٧٣٧ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: رأيت الذين كانوا يشترون المواد الغذائية من قمح وشعير وتمر " جزافاً " بدون كيل ولا وزن في زمن النبي ﷺ يمنعون من بيعها قبل قبضها واستلامها، ويضربون
стр. 1081
٦٣٨ - " بَاب لا يَبيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أخِيهِ، ولا يَسُومُ على سوْمِ أخِيهِ حتى يَأذَنَ لَهُ أوْ يَتْرِك "
٧٣٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
"نَهَى النبي ﷺ أن يَبِيعَ حَاضِرٌ لبَادٍ، ولا تَنَاجَشُوا، ولا يَبِيعُ الرَّجُلُ
ــ
لئلا يبيعوا الطعام " حتى يؤوه إلى رحالهم " أي حتى ينقلوه إلى منازلهم، فمن حاول منهم بيعه قبل استيفائه ونقله إلى منزله، منع من ذلك، ولو بالضرب. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم بيع الطعام قبل استلامه ونقله إلى المستودع، لأن النبي ﷺ كان يضربهم على ذلك.
ثانياًً: استدل به البخاري على جواز الحكرة، وهي احتكار الطعام انتظاراً لغلاء سعره، وهو غير ظاهر، لأنه ليس في أحاديث الباب للحكرة ذكر، كما أفاده الحافظ. والذي عليه أكثر أهل العلم: تحريم احتكار المواد الغذائية لقوله ﷺ : " من احتكر فهو خاطىء " أخرجه مسلم، وفي رواية لمسلم أيضاًً " لا يحتكر إلا خاطىء " وقد خصه بعضهم بالطعام والقوت الضروري للناس والبهائم نظراً إلى الحكمة المناسبة للتحريم. والمطابقة: في كونه ﷺ كان يضربهم على بيع الطعام قبل إيوائه إلى مخازنهم.
٦٣٨ - " باب لا يبيع على بيع أخيه ولا يسوم على سومه حتى يأذن له أو يترك "
٧٣٨ - معنى الحديث: أنّ النبي ﷺ نهى عن أنواع من البيع لما فيها من ضرر محقق منها " أن يبيع حاضر لباد " وقد فسره ابن عباس ﵄ بأن يكون له سمساراً، ومعناه كما قال بعضهم: أن يجيء الغريب
стр. 1082
على بَيْع أخِيهِ، ولا يَخْطبُ عَلَى خِطبَةِ أخِيْهِ، وَلا تَسْأل الْمَرأة طلاقَ أخْتِهَا لِتَكْفَأ مَا فِي إِنَائِهَا".
ــ
إلى البلد بسلعته، يريد بيعها في الحال، فيقول له الحضري: دعها عندي لأبيعها لك على التدريج بأعلى من سعرها الحالي، وهو قول الشافعي ولهذا قال: لا يجوز ذلك، وذلك أبو حنيفة إلى جوازه والله أعلم. ومنها بيع النجش حيث قال ﷺ : " ولا تناجشوا " أي لا يزد أحدكم على غيره في السلعة التي لا يريد شراءها ليدفعه إلى شرائها بثمن أغلى مخادعة له واحتيالاً عليه. ومنها بيع الرجل على بيع أخيه، حيث قال ﷺ : " ولا يبيع الرجل على بيع أخيه " بالجزم على أن (لا) ناهية، وبالرفع على أنها نافية، وصورة ذلك أن يقع البيع مع الخيار، فيأتي آخر في مدة الخيار، فيقول للمشتري: افسخ هذا البيع، فأنا أبيعك بأرخص من ذلك، وكذلك شراء الرجل على شراء غيره منهي عنه. ثم إنّ النبي ﷺ بعد ذلك نهى عن أعمال أخرى خارج البيوع فقال: " ولا يخطب على خطبة أخيه " أي لا يأتي رجل بعد الاتفاق على الزواج والتراضي بين الطرفين وركون كل منهما إلى الآخر فيخطب تلك المرأة لنفسه، ويُرغب أهلها في تزويجها له، " ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها " أي ولا تطلب المرأة المخطوبة طلاق الزوجة الأولى لتسلبها ما كانت تنعم به من معاشرة ونفقة ونحوها. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم بيع الحاضر للبادي وهو أن يتولى الحضري بيع السلعة للبدوي في المستقبل، منتظراً ارتفاع سعرها، قال العيني: وهو قول أكثر أهل العلم، وقول مالك والليث والشافعي وأحمد، وحكى مجاهد جوازه وهو قول أبي حنيفة وآخرين (١) وقالوا: النهي
стр. 1083
٦٣٩ - " بَابُ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ "
٧٣٩ - عَنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄:
" أنَّ رَجُلاً أعْتَقَ غُلاماً لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَأخَذَهُ النبي ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي، فاشتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِكَذَا وَكَذَا فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ ".
ــ
منسوخ، وهل النهي يقتضي الفساد أم لا؟ ذهب مالك وأحمد إلى أن البيع لا يصح، وذهب الجمهور إلى أنّه يصح مع الحرمة. ثانياًًً: تحريم النجش (١) فإن تواطأ البائع والمشتري أثما معاً، والبيع صحيح عند الشافعية والحنفية، خلافاً للحنابلة، وقالت المالكية: له الخيار. ثالثاً: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه بعد الركون والتراضي، ولا خلاف في ذلك. رابعاً: تحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه المسلم ما لم يأذن له وإلا كان عاصياً وصح نكاحه عند الجمهور، خلافاً لداود الظاهري ومالك في رواية. وقال مالك في المشهور عنه يفسخ النكاح قبل الدخول، ويلحق الذمي بالمسلم عند الجمهور. خامساً: أنه لا يجوز للمخطوبة أن تسأل طلاق الزوجة الأولى. والمطابقة: هي: " في كون الحديث جزءاً من الترجمة ".
٦٣٩ - " باب بيع المزايدة "
٧٣٩ - معنى الحديث: يحدثنا جابر ﵁: " أن رجلاً أعتق غلاماً عن دبر " أي أن رجلاً أنصارياً يدعى أبا مدكور أعتق عبداً قبطياً بعد وفاته يسمى يعقوب، " فأخذه النبي ﷺ فقال: من يشتريه " أي فأصابت الرجل ضائقة مالية فعرض النبي ﷺ عبده للبيع عن طريق المزايدة
стр. 1084
٦٤٠ - " بَابُ بَيْعِ الْغرَرِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ "
٧٤٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:
"أن رَسُولَ اللهِ ﷺ نهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعَاً يتبَايَعَهُ
ــ
" فاشتراه نعيم (١) بن عبد الله " بأغلى ثمن وصل إليه " بكذا " أي بثمانمائة درهم. الحديث: أخرجه الخمسة غير أبي داود.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز بيع المزايدة وهو مذهب الجمهور، وكرهه بعضهم وعدوه من النجش، والحديث حجة عليهم: وعن أنس ﵁ " أن النبي ﷺ باع حلساً وقدحاً وقال: من يشتري هذا الحلس (٢) والقدح؟ فقال رجل: آخذهما بدرهم فقال النبي ﷺ : من يزيد على درهم " الخ أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي. ثانياًًً: جواز بيع المدير وهو مذهب، الشافعي وأحمد خلافاً لمالك وغيره.
٦٤٠ - " باب بيع الغرر وحبل الحبلة "
أي هذا باب تذكر فيه الأحاديث المتعلقة بتحريم بيع الغرر وبيع حَبَلِ الحبلة بفتح الباء فيهما، قال العيني: وهو الصواب. وبيع الغرر، هو كل بيع يجهل فيه الثمن أو المبيع، أو يجهل فيه سلامة المبيع، أو أجله، ومنه بيع حبل الحبلة، فإنه نوع من أنواع بيع الغرر، وعطفه عليه من باب عطف الخاص على العام، وبيع حبل الحبلة كما قال مالك والشافعي: أن يقول البائع بعتك هذه السلعة بثمن مؤجل إلى أن تنتج هذه الناقة، ثم تنتج الذي في بطنها وهو باطل لأنّه بيع غرر لجهالة الأجل: وهناك أقوال أخرى في معناه تأتي
стр. 1085
أهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، كانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الجَزُورَ إلَى أن تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ الَّتِي في بَطْنِهَا".
ــ
في شرح الحديث.
٧٤٠ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة بفتح الباء في الكلمتين، وهو بيع من البيوع التي كان يمارسها العرب في الجاهلية، فحرمها الإسلام، ونهى عنها الرسول ﷺ . ومعنى بيع حبل الحبلة الذي كانوا يتعاملون به في الجاهلية كما قال راوي الحديث أن الرجل كان يشتري البعير بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ناقة، وتكبر تلك الناقة التي ولدتها، وتلد أيضاًً مثل أمها، وإنما نهى النبي ﷺ عن هذا البيع لأن الأجل فيه مجهول، فهو بيع غرر.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم بيع حبل الحبلة، واختلف الفقهاء في معناه، فقال مالك والشافعي وغيرهما: هو أن يقول البائع بعتك هذه السلعة بثمن مؤجل إلى أن تنتج هذه الناقة، ثم تنتج التي في بطنها، وهو بيع حرام وباطل وبيع غرر لأن الأجل فيه مجهول، وقال أحمد: هو بيع ولد الناقة، وهو بيع غرر أيضاًً، لأنه بيع شيء مجهول إلى أجل مجهول، وهو محرم وباطل، لما ذكرنا، ولأنه غير مقدور على تسليمه إلا أن راوي الحديث قد فسر بيع حبل الحبلة بالأول وتفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر. ثانياًًً: استدل البخاري بنهيه ﷺ عن بيع حبل الحبلة على تحريم بيع الغرر، وهو كل بيع احتوى على جهالة، أو كان المبيع غير مقدور على تسليمه، أو غير تام الملكية، كالعبد الآبق، والسمك في الماء الكثير، لأن العلة في النهي عن بيع حبل الحبلة هي الغرر، فيدخل في ذلك جميع بيوع الغرر. والحكمة في تحريمه - كما أفاده الزرقاني (١) أنه أكلٌ لأموال
стр. 1086
٦٤١ - " بَابُ إِنْ شَاء رَدَّ المصراة وفي حلبتها صاع من تمر "
٧٤١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ اشْتَرى غَنَمَاً مُصَرَّاةً فاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أمْسَكَهَا، وَإنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاع مِنْ تَمْرٍ ".
ــ
الناس بالباطل إذا لم يحصل المبيع، وقد نبه النبي ﷺ على هذه العلة في بيع الثمار قبل صلاحها، فقال: " أرأيت إن منع الله الثمرة، فبم يأكل أحدكم مال أخيه ". وقد ورد النهي عن بيع الغرر نصاً وتصريحاً في حديث، سعيد ابن المسيب أن رسول الله ﷺ " نهى عن بيع الغرر " أخرجه مالك في " الموطأ " ثم قال مالك رحمه (١) الله والأمر عندنا أن من المخاطرة والغرر اشتراء ما في بطون الإِناث، من النساء والدواب (٢)، لأنه لا يدري أيخرج أم لا، فإن خرج لم يدر أيكون حسناً أم قبيحاً؟ تاماً أم ناقصاً؟ ذكراً أم أنثى، وذلك كله يتفاضل، إن كان كذا فقيمته كذا وإن كان على كذا فقيمته كذا.
الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " نهى عن بيع حبل الحبلة ".
٦٤١ - " باب إن اشاء رد المصراة وفي حلبتها صاع من تمر "
٧٤١ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " من اشترى غنماً مصراة فاحتلبها " أي أن كل من غُرِّر به أو خدع في البيع، فاشترى غنماً قد حبس اللبن في ضرعها، وترك حَلْبُها مدة من الزمن ليكثر اللبن فيه فيظنَّ أنها حلوب كثيرة اللبن، فلما اشتراها وحلبها، ظهر له قلة لبنها، فإنّ له
стр. 1087
الحق في إبقائها أو ردها لبائعها لمدة ثلاثة أيام " فإن رضي أمسكها " أي فإن أحبها ورضي بها فله الحق في إبقائها " وإن سخطها " أي وإن كرهها فله الحق في ردها إلى صاحبها لمدة ثلاثة أيام، كما ذكرنا فإن ردها " ففي حلبتها صاع تمر " أي فإن عليه أن يدفع لصاحبها صاعاً من تمر عوضاً عن الحليب الذي شربه منها.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم تصرية الغنم، ولو كان ذلك جائزاً لما كان للمشتري الحق في رد الشاة المصراة، وكذلك الإبل والبقر فإنه يحرم تصريتها لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا تصرُّوا الإِبل والغنم ... " إلخ متفق عليه، وفي رواية " لا تُصَرُّ " بالنفي وهو أبلغ، وقد جاء في الحديث الصحيح " أن النبي ﷺ نهى عن تصرية الحيوان إذا أريد بيعه ". ثانياًًً: أن للمشتري الحق في رد المصراة لمدة ثلاثة أيام على أن يدفعٍ لصاحبها صاعاً من تمر مقابل ما شربه من لبنها، سواء كانت غنماً أو إبلا أو بقراً، لما جاء في رواية أخرى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : " لا تصروا الإِبل والغنم، فمن ابتاعها بعد، فإنه بخير النظرين بين أن يحتلبها، إن شاء أمسك وإن شاء ردّها وصاعَ تمرٍ " متفق عليه وهو مذهب الجمهور، وقالت الحنفية: ليس له أن يردها وإنما يرجع على البائع بنقصان المبيع، وأجابوا عن حديث الباب وغيره بأنه مضطرب، لأنه ذكر التمر مرة، والقمح أخرى، وقالوا: إن هذا الحكم منسوخ، وأجيب بأن الطرق الصحيحة لا اختلاف ولا اضطراب فيها، وأما النسخ فإنه لا يثبت بالاحتمال. اهـ. كما أفاده الصنعاني. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " ففي حلبتها صاع من تمر ".
***
стр. 1088
٦٤٢ - " بَابُ مَنْ كَرِهَ أنْ يبيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ "
٧٤٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ ﵄ قَالَ:
" نَهَى رَسُولُ اللهَ ﷺ أنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ "، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄.
ــ
٦٤١ - " باب من كره أن يبيع حاضِرٌ لباد بأجر "
٧٤٢ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " نهي رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد " أي نهي النبي ﷺ الحضري أن يتولى بيع السلعة للبدوي، فيصير له سمساراً، كما فسره بذلك ابن عباس ﵄، فقد روى البخاري بسنده المتصل عن ابن عباس أنّ طاووساً قال: قلت لابن عباس: ما قوله لا يبيع حاضر لباد قال: لا يكون له سمساراً. الحديث: أخرجه الخمسة، غير الترمذي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه لا يجوز للحضري أن يبيع للبدوي سلعته، وهو قول بعض أهل العلم منهم الشافعي وغيره، قال النووي: هذه الأحاديث تتضمن تحريم بيع الحاضر للبادي، وبه قال الشافعي والأكثرون، قال أصحابنا: والمراد به أن يقدم غريب من البادية أو من بلد آخر بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه، فيقول له البلدي: اتركه عندي لأبيعه على التدرج بأغلى. قال أصحابنا: وإنما يحرم بهذه الشروط وأن يكون عالماً بالنهي، وبه قال جماعة من المالكية، وقال بعض المالكية: يفسخ البيع (١) ما لم يفت، وقال عطاء ومجاهد وأبو حنيفة: يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقاً لحديث " الدين النصيحة " قالوا: وحديث " النهي عن بيع حاضر لباد "
стр. 1089
٦٤٣ - " بَابُ بَيعِ الشعير بالشعير "
٧٤٣ - عَنْ مَالِكِ بْنِ أوْسٍ ﵁:
أنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفَاً بمائةِ دِينَارٍ قَالَ: فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطرفَ مِنِّي، فَأخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا في يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَأتِي خَازِنِي مِنَ الْغَابَةِ، وَعُمَرُ يَسْمَعُ ذلك، فَقَالَ: وَاللهِ لا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأخُذَ مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الذَّهَبُ بالذَّهَبِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ والبُرُّ بِالبُرِّ رِباً إِلَّا هَاءَ وهَاءَ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِباً إِلَّا هَاءَ وهَاءَ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ رِباً إلَا هَاءَ وَهَاءَ ".
ــ
منسوخ. اهـ. واختلف قول مالك في الشراء له، فمرة قال: لا يشتري له ولا يشتري عليه، ومرة أجاز الشراء له وهو قول الليث والشافعي (١).
الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " فهي أن يبيع حاضر لباد " حيث أنّ النهي يدل على التحريم أو الكراهة على الأقل.
٦٤٣ - " باب بيع الشعير بالشعير "
٧٤٣ - معنى الحديث: يحدثنا مالك بن أوس ﵁ " أنه التمس صرفاً بمائة دينار " أي بحث عمن يصرفها له " قال: فدعاني طلحة " أي ناداني " فتراوضنا " أي فتساومنا عليها " حتى اصطرف مني " أي صرفها " ثم قال: " حتى يأتي خازني من الغابة " أي أمهلني في ثمنها حتى يأتي خازني من الغابة " وعمر يسمع ذلك فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه " الثمن " قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء " بفتح الهمزة
стр. 1090
أي إلاّ خُذْ وهات. قال العيني: والمراد أنهما يتقابضان في المجلس قبل التفرق منه، يعني أنّه لا يجوز بيع الذهب بالذهب إلاّ يداً بيد، فيتناول المشتري السلعة ويتناول البائع الثمن في وقت واحد ومجلس واحد، أما إذا تأخّر أحد البدلين عن الآخر فلا يجوز البيع، لأنه ربا النسيئة " والبر بالبر ربا إلاّ هاء وهاء " الخ أي وكذلك لا يجوز أن يتأخر أحد البدلين في البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر، لأنه ربا النسيئة، وهو محرم شرعاً.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز بيع الذهب بالذهب والبر بالبر والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، يداً بيد، أي بشرط أن يستلم البائع الثمن والمشتري السلعة قبل أن يتفرقا. ثانياًًً: أنه لا يجوز أن يتأخر أحد البدلين عن الآخر في بيع الذهب بالذهب، والبر بالبر والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، لأنه ربا النسيئة المحرم شرعاً. وكما لا تجوز النسيئة في بيع هذه الأصناف بنفسها، كذلك لا يجوز التفاضل، أما تحريم النسيئة فيدل عليه حديث الباب وأما تحريم التفاضل فتدل عليه أحاديث أخرى. وقد وردت هذه الأحكام مجتمعة في حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد " أخرجه مسلم فقد دل حديث عبادة هذا على أن بيع هذه الأصناف تعتريه أحكام ثلاثة:
الأول: يحرم بيعها نسيئة وتفاضلاً إذا كان البدلان من نوع واحد، كبُرٍّ ببُرٍّ، وشعير بشعير (١) الثاني: يحرم بيعها نسيئة ويجوز تفاضلاً، إذا اختلف النوعان كبيع الشعير بالتمر (٢). الثالث: يجوز بيعها نسيئة وتفاضلاً إذا بيعت هذه