← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

"أليْسَ حَسْبُكُمْ سنَّة رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنْ حُبِسَ أحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بالبَيْتِ وَبِالصَّفَا والْمَرْوَةِ، ثم حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحجَّ عَاماً قَابِلاً، فَيُهْدِي أو يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْياً". ــ إحرامه به من الأسباب والأعذار ما يمنعه عن إتمام مناسك الحج، سواء وقع له ذلك قبل الوقوف بعرفة أو بعده. ٦٦٤ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " أليس حسبكم سنة النبي ﷺ " أي ألا يكفيكم ما جاء في سنة نبيكم ﷺ " إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل " أي إن أحصر أحدكم، ومنع عن الوقوف بعرفة لعذر من الأعذار الشرعية ولكنه تمكن من دخول مكة، فإنه يجب عليه أن يتحلل بعمرة فيطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يخلع ثياب إحرامه فيصبح حلالاً يحل له كل شيء حتى النساء كما قال ﷺ : " ثم حل من كل شيء " أي تحلل من جميع محظورات الإِحرام وأصبحت له حلالاً يلبس الملابس، ويتطيب، ويحلق الشعر، ويباذر النساء " حتى يحج عاماً قابلاً " أي يشتمر. متحللاً من إحرامه حتى يقضي حجه من العام القادم " فيهدي " أي يذبح هدياً مع الحلق والنية قال العيني: أي يذبح شاة إذ التحلل لا يحصل إلاّ بنية التحلل والذبح والحلق " أو يصوم " أي وإن لم يجد الهدي يصوم عشرة أيام ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع. الحديث: أخرجه أيضاًً النسائي. والمطابقة: ظاهرة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن المحصر عن الوقوف بعرفة إذا بلغ مكة وتمكن من الطواف والسعي فإنه يترتب عليه الأحكام الآتية: الأول: أن يتحلل بعمرة لا تجزئه عن عمرة الإِسلام، وهو مذهب

стр. 982

٥٦٩ - " بَابُ النَّحْرِ قَبلَ الْحَلْقِ في الْحَصْرِ " ٦٦٥ - عَنْ الْمِسْوِرِ بْنِ مَخْرَمَةٍ ﵁: " أن رسول الله ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وأمرَ أَصْحَابَهُ بذَلِكَ ". ــ الجمهور، وقال الشافعية: لا ينوي بها العمرة. الثاني: أن يقضي حجه الذي أحصر عنه في العام القابل، وهل يقضيه مطلقاً، فريضة أو تطوعاً، أو يقضي الفريضة فقط. قال أبو حنيفة يقضيه مطلقاً، سواء كان الحج فريضة أو تطوعاً، وقال الجمهور: إنما يقضي الفريضة فقط. الثالث: أنّه يجب عليه الهدي لقوله ﷺ : " فيهدي " وهو مذهب الجمهور، وقال: أبو حنيفة: لا هدي عليه، ولا يعد محصراً، لأن المحصر عنده من منع الوصول إلى مكة وحيل بينه وبين الطواف والسعي (١)، وأما من بلغها، فحكمه عنده كحكم من فاته الحج، يحل بعمرة ويحج من قابل، ولا هدي عليه (٢). ثانياًً: أن من بلغ مكة وتمكن من البيت وحبس عن الوقوف يعد محصراً خلافاً لأبي حنيفة. ٥٦٩ - " باب النحر قبل الحلق في الحصر " ٦٦٥ - معنى الحديث: يحدثنا المسور ﵁: " أن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق " أي أنّ النبي ﷺ عندما أحصر عن أداء العمرة في صلح الحديبية، نحر هديه قبل أن يحلق شعره، فقدم النحر على الحلق، " وأمر أصحابه بذلك "، أي بأن يفعلوا كفعله. الحديث: أخرجه البخاري.

стр. 983

٥٧٠ - " بَاب قَوْلِ اللهِ تعَالَى (أَوْ صَدَقَةٍ) وَهِيَ إطْعَام سِتَّةِ مَسَاكِينَ " ٦٦٦ - عَنْ كَعْبِ بْنِ عجْرَةَ ﵁ قَالَ: وَقَفَ عَلَيَّ رَسول اللهِ ﷺ بالْحدَيْبِيَةِ ورأسِي يَتَهَافَت قَمْلاً فقالَ: ــ فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب الهدي على المحصر بالعدوِّ وهو مذهب الشافعي وأحمد في أصح الروايتين، قال ابن تيمية: والمحصر يلزمه دم في أصح الروايتين، ولا يلزمه قضاء حجه إن كان تطوعاً، وهو إحدى الروايتين، وقالت المالكية: لا هدي عليه في حصر العدو، وهو مذهب ابن القاسم، وإنما ينتظر مدة من الزمن مَا رَجا كشفَ الإِحصار عنه، فإذا يئس تحلل بموضعه حيث كان من الحرم وغيره، ولا هدي عليه، والمعتمد عندهم أنّه لا يتحلل إلاّ بحيث لو سار إلى عرفة من مكانه لم يدرك الوقوف، فان ظن أو شك (١) في زوال المانع قبل الوقوف فلا يتحلل حتى يفوت، فإن فات الوقوف فعل عمرة، والحديث صريح في وجوب الهدي، لأن النبي ﷺ لما حصره العدوُّ عن عمرته لم يتحلل حتى نحر الهدي، ولكن المالكية يحملون حديث الباب على من ساق الهدي معه، ويقولون: إن كان مع المحصر هدي نحره، وإلّا فلا هدي عليه. ثانياًً: تقديم النحر على الحلق في التحلل. والمطابقة: في قوله: " نحر ﷺ قبل أن يحلق ". ٥٧٠ - " باب قول الله تعالى: (أَوْ صَدَقَةٍ) وهي إطعام ستة مساكين " ٦٦٦ - معنى الحديث: يقول كعب ﵁: "وقف علي

стр. 984

" يُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: " فاحْلِقْ رَأَسْكَ " قَالَ: فيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ) إلَى آخِرها، فَقَالَ النبي ﷺ : " صُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ أو تَصَدَّق بِفَرْقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ أو انْسُكْ بمَا تَيَسَّرَ ". ــ رسول الله بالحديبية ورأسي يتهافت" أي يتساقط " قملاً فقال: يؤذيك هوامك " أي قملك " قلت نعم قال فاحلق رأسك " أي فأمره بحلق رأسه " قال في نزلت هذه الآية " وهو قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) فقال النبي ﷺ مبيناً الفدية المطلوبة: " صم ثلاثة أيام " أي إن شئت صم ثلاثة أيام " أو تصدق بفرق " بفتح الفاء والراء أو سكونها، وهو ثلاثة آصع، " أو أنسك بما تيسر " أي اذبح ما تيسّر لك من الذبائح، وأقلها شاة. الحديث: أخرجه الستة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب الفدية على من ارتكب محظوراً من محظورات الإِحرام، لأن كعب بن عجرة لما ارتكب بحَلْقِ رأسه محظوراً أمره النبي ﷺ بالفدية، وكذلك سائر المحظورات. ثانياًً: أن الفدية الواجبة ثلاثة أنواع: أولها: صيام ثلاثة أيام غير مقيدة بزمان، ولا بالتوالي كما يدل عليه ظاهر الحديث، لأن النبي ﷺ لم يذكر شيئاً من ذلك وإنما يُسْتَثْنَى من ذلك العيدان عند الجمهور، وقال أبو حنيفة، والشافعي: يستثنى من ذلك العيدان وأيّام التشريق، فلا يجوز صومها في الفدية. الثاني: التصدق بفرق، وهو ثلاثة آصع على ستة مساكين. الثالث: ذبح ذبيحة أقلّها شاة. والمطابقة: في قوله ﷺ : " أو تصدق بفرق "

стр. 985

٥٧١ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ (فَلَا رَفَثَ) " ــ ٥٧١ - "باب قول الله (فَلَا رَفَثَ) " معنى الآية: أن الله تعالى قال: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) فنفى عن المحرم هذه الأمور الثلاثة، ومعنى ذلك أن الله تعالى حرم عليه هذه الثلاثة، ومنعه منها، وحظر عليه ارتكابها وهي: ١ - الجدال والمخاصمة مع الرفقاء والخدم، ٢ - والفسوق، وهو ارتكاب المعاصي التي تخرج العبد عن طاعة الله، ٣ - والرفث وهو الجماع ومقدماته ودواعيه من التقبيل واللمس بشهوة، ومخاطبة المرأة فيما يتعلق بوطئها. واتفقوا على أن الجماع عمداً قبل الوقوف بعرفة يفسد الحج عليهما واجباً أو تطوعاً، طوعاً أو كرهاً، وأن عليهما أن يمضيا في حجهما الفاسد، وعليهما القضاء أنزل أو لم ينزل، وعليه الكفارة وهي شاة عند أبي حنيفة، وهدي عند مالك، وبدنة عند الشافعي وأحمَد. وإن كان الجماع بعد الوقوف وقبل التحلل الأول فإنه يصح حجه عند أبي حنيفه (١) وعليه بدنة، ويفسد عند مالك، ويفسد وعليه بدنة عند الشافعي وأحمد. وإن كان جماعه بعد التحلل الأول: وقبل طواف الإِفاضة، فقال مالك وأحمد: يمضي في الإِحرام الذي أفسده، ويحرم بعد ذلك من التنعيم يتم الطواف والسعي بإحرام صحيح، وقال الشافعي في قول وأبو حنيفة في رواية: يتم حجه ولا يستأنف، وعليه بدنة، أما إذا لمس بشهوة أو قبل فإنه يفسد حجه عند مالك (٢) إذا أنزل، ولا يفسد عند الشافعيّة، ويلزمه شاة (٣) فقط، هذا إذا أنزل وأما إذا لمس

стр. 986

٦٦٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أمُّهُ ". " جَزَاء الصيد " ٥٧٢ - " بَاب إِذَا صَادَ الحلالُ فأهْدَى لِلْمُحْرِمِ الصَّيدَ أكَلَهُ " ٦٦٨ - عن أبِي قَتَادَةَ، مِنْ حَدِيثٍ طَوِيل: "أنَّهُ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَّةِ فأحْرَمَ أصْحَابُهُ ولَمْ يُحْرِمْ، قَالَ فَنَظرتُ فَإذا أنا بِحِمَارِ وَحش، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فطَعَنْتهُ فأثْبَتُّهُ، واسْتَعَنْتُ بِهِمْ فأبَوْا أن يُعِينُونِي فأكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، وخَشِينَا أنْ نُقْتَطَعَ، فَطَلَبْتُ النبي ــ أو قبل ولم ينزل فعليه شاة عند مالك وأبي حنيفة وأحمد في رواية، وقال أحمد في رواية أخرى: عليه بدنة، وإن جامع المعتمر فسدت عمرته وعليه القضاء عند الجمهور. ٦٦٧ - أما شرح الحديث: فقد تقدم في " في باب الحج المبرور " فراجعه هناك. ٥٧٢ - " باب إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم الصيد أكله " ٦٦٨ - معنى الحديث: يحدثنا أبو قتادة ﵁ " أنه انطلق النبي ﷺ عام الحديبية " أي سافر معه إلى مكة عام صلح الحديبية " ولم يحرم " أي وكان حلالاً غير محرم " قال: فنظرت فإذا أنا بحمار وحش، فحملت عليه " أي عدوت خلفه بفرس فطعنته " فطعنته فأثبته " أي فأرديته قتيلاً

стр. 987

- ﷺ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ أهْلَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ، إِنَّهُمْ قد خَشُوا أنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ، فانتظِرْهُمْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ وعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: كُلُوا وَهُمْ مُحْرِمُونَ". ــ " واستعنت بهم فأبوا أن يعينوني " أي وكنت قبل أن أتوجه إلى ذلك الحمار الوحشي لأصيده قد طلبت من أصحابي أن يعينوني على صيده فرفضوا أن يعينوني " وخشينا أن نقتطع " أي خفنا أن يحاصرنا العدو ويحول بيننا وبين النبي ﷺ ، "فطلبت النبي ﷺ " أي فذهبت إليه " قلت: يا رسول الله أصبت حمار وحش وعندي منه فاضلة " أي بقية من لحمه " فقال ﷺ للقوم: كلوا، وهم محرمون " أي فأمرهم النبي ﷺ بالأكل من ذلك الصيد. الحديث: أخرجه الستة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه لا يجوز للمحرم أن يعين الحلال على قتل الصيد أو يأمره به، أو يشير إليه لقوله في الحديث: " واستعنت بهم فأبوا أن يعينوني "، فإن أعان المحرم على الصيد أو أمر به أو أشار إليه حرم عليه الأكل منه، ومما يؤكد ذلك ما جاء في رواية أخرى عن أبي قتادة أيضاًً ﷺ قال لهم: " أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها قالوا: لا، قال: فكلوا من لحمها ". ثانياًً: أنه يجوز للمحرم الأكل من الصيد الذي لم يُعن عليه ولم يأمر ولم يشر إليه كما دل عليه حديث االباب. ثالثاً: استدل به أبو حنيفة على أنّه يجوز له الأكل من الصيد الذي صاده له غيره ومن أجله (١)، لأن أبا قتادة إنما صاد هذا الحمار الوحشي له ولمن معه، وقال الجمهور: يحرم عليه ما صاده غيره من أجله لحديث جابر قال:

стр. 988

٥٧٣ - " بَابُ مَا يَقْتَلُ المُحْرِمُ من الدَّوَابِّ " ٦٦٩ - عن عَائِشَةَ ﵂: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " خَمْسٌ من الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقتَلْنَ في الْحَرَمِ: الغُرَابُ، والْحِدَاة، والْعَقْرَبُ، والفَارَةُ، والكَلْبُ الْعَقُورُ ". ــ سمعت النبي ﷺ يقول: " صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم " أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وأحمد وقال الشافعي عنه: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب. والمطابقة: في قوله ﷺ : " كلوا، وهم محرمون ". ٥٧٣ - " باب ما يَقْتِلُ المحرم من الدواب " ٦٦٩ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ : سمى بعض الحيوانات والحشرات " فاسقاً " أي مؤذياً للإنسان مضرَّاً له بطبعه، وهي خمس: الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور - أي الجارح، لأن بعضها يضر الإِنسان في نَفْسِهِ بما يحمله من مادة سامة يفرغها في جسمه كالعقرب وبعضها يؤذيه في ماله كالغراب والحدأة فإنهما طائران يختلسان أطعمة الناس، وبعضها يضر الإِنسان في نفسه وماله كالفأرة فإنها تنقل جراثيم الطاعون الفتاكة، وتفسد المال وتتلفه، ولذلك أباح النبي ﷺ قتل هذه الحيوانات في الحل والحرم للمحرم وغيره في قوله ﷺ : " يقتلن في الحرم " وعن ابن عمر ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عما يقتل المحرم من الدواب فقال: " خمس لا جناح في قتلهن على من قتلهن في الحل والحرم، العقرب والفأرة والحدأة والغراب والكلب العقور " أخرجه أبو داود والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز قتل هذه الأصناف المذكورة

стр. 989

في الحل والحرم للمحرم وغيره، وهي: أ - الغراب: وظاهر الحديث جواز قتله مطلقاً، وهو مذهب مالك، وذهب بعض الحنفية ومنهم صاحب " الهداية " إلى أنه لا يقتل إلاّ الغراب الأبقع، وهو الذي يأكل الجيف، وهو قول أحمد ويشمل غراب البين، كما قال ابن قدامة. ب - الحدأة: وهو قول الجمهور خلافاً لمالك في رواية حيث قال: إذا قتلها المحرم تؤدى كغيرها من أنواع الصيد، والمشهور من مذهب مالك جواز قتل الغراب والحدأة. وألحق الشافعي بالحدأة كل الطور الجارحة كالبازي والصقر. ج - العقرب: وألحق بها الشافعية جميع الحشرات المؤذية كالبق والبعوض ونحوه، وألحق بها مالك الزنبور فقط. د - الفأرة. هـ - الكلب العقور: وهو عند الجمهور كل ما عدا على الناس وأخافهم من الأسد والذئب ونحوه. أو بعبارة أخرى، قال الجمهور: المراد بالكلب العقور كل (١) ما عقر الناس وعدا عليهم من السباع والحيوانات المفترسة، أما أبو حنيفة فإنه فسر الكلب العقور بالكلب المعروف، إلَّا أنه ألحق به سائر السباع، وبهذا اتفقوا على جواز قتل السباع كلها. أما الوزغ فالجمهور على جواز قتله للمحرم، لقوله ﷺ : " الوزغ فويسق " أخرجه البخاري ونقل ابن عبد البر الاتفاق على جواز قتله في الحل والحرم، أما الحية فتقتل اتفاقاً لقول ابن مسعود ﵁: بينما نحن مع النبي ﷺ بغار بمنى إذ وثبت علينا حية، فقال النبي ﷺ : " اقتلوها " فابتدرناها فذهبت، فقال النبي ﷺ " وقيت شركم ووقيتم شَرَّها ". والمطابقة: في كون الحديث جواباً للترجمة. الحديث: أخرجه الخمسة إلا أبا داود. ...

стр. 990

٥٧٤ - " بَابُ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ " ٦٧٠ - عن ابْنِ بُحَيْنَة ﵁ قَال: " احْتَجَمَ النبي ﷺ وَهُوَ مُحْرِم بلحْي جَمَل في وَسَطِ رَأْسِهِ ". ٥٧٥ - " بَابُ تزْوِيجَ الْمُحْرِمَ " ٦٧١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄: " أن النبي ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ ﵂ وَهُوَ مُحْرِم ". ــ ٥٧٤ - " باب الحجامة للمحرم " ٦٧٠ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ احتجم في حجة الوداع وهو محرم في وسط رأسه " بلحي جَمَل " (١) موضع بين مكة والمدينة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز الحجامة للمحرم مطلقاً سواء كان في موضع يحتاج إلى حلق الشعر كالرأس، أو في غيره، وسواء كان لضرورة أو لغيرها، وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فأما أهل الظاهر فقالوا: تجوز الحجامة للمحرم مطلقاً ولا فدية عليه إلاّ أن يحلق رأسه، وقال الجمهور: تجوز ما لم يقطع شعراً، فإن قطع أي شعر من رأسه أو من جسده، فعليه الفدية، وقال مالك: لا يحتجم المحرم إلاّ لضرورة لما في بعض الروايات " أن النبي ﷺ احتجم لضرر كان به ". والمطابقة: في قوله: " احتجم النبي ﷺ وهو محرم ". ٥٧٥ - " باب تزوج المحرم " ٦٧١ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: "أن

стр. 991

٥٧٦ - " بَابُ الاغتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ " ٦٧٢ - عن أبِي أيُّوبٍ الأنْصَارِيِّ ﵁: " أنَّهُ قِيلَ لَهُ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَضَعَ أبو أيوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأطَأهُ حتى بَدَا لِي رَأسُهُ ثُمَّ قَالَ لإنْسَان ــ النبي ﷺ تزوج ميمونه " أي أنه ﷺ عقد عليها عقد زواجه منها أثناء سفره في الطريق إلى مكة " وهو محرم " بعمرة القضاء في السنة السابعة من الهجرة. فقه الحديث: استدل الإمام أبو حنيفة بهذا الحديث على أنه يجوز للمحرم أن ينكح حال إحرامه، أي أن يعقد على زوجته وهو محرم، على شرط أن لا يدخل بها إلاّ بعد تحلله من إحرامه، وهو قول ابن عباس وابن مسعود مستدلين بهذا الحديث، وقال الجمهور: لا يجوز النكاح للمحرم وإن نكح فنكاحه باطل، لقول النبي ﷺ كما في حديث عثمان ﵁ " إن المحرم لا ينكح ولا يُنكح " أخرجه الترمذي، وقال حسن صحيح، وأما حديث الباب فتعارضه أحاديث أخرى فقد روت ميمونة نفسها أسنها كانت حلالاً، ومثله عن أبي رافع، وهو الرسول إليها، فترجح روايتها على رواية ابن عباس، لقول الأصوليين إن رواية من له مدخل في الواقعة مقدمة على رواية الأجنبي. الحديث: أخرجه الخمسة بألفاظ متعددة. والمطابقة: في قوله: " تزوج ميمونة وهو محرم ". ٥٧٦ - " باب الاغتسال للمحرم " ٦٧٢ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن حُنَين في هذا الحديث أنه قال لأبي أيوب الأنصاري: "كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو

стр. 992

يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأسَهُ بِيَدَيْهِ، فأقْبَلَ بِهِمَا وأدْبَرَ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ". ٥٧٧ - " بَابٌ دخولِ الحَرَمِ ومكة بِغيرِ إِحْرَام " ٦٧٣ - عَنْ أَنَسٍ ﵁: "أن رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وعَلَى رَأسِهِ المِغْفَرُ، فلما ــ محرم" أي أنه سأله عن كيفية غسل النبي ﷺ لرأسه أثناء إحرامه وطلب منه أن يبين له ذلك عملياً " فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا في رأسه "، أي فأمسك أبو أيوب الثوب بيده، فأرخاه حتى ظهر لي رأسه " ثم قال لِإنسان يصبب عليه: اصبب فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه لأقبل بهما وأدبر " أي أمر رجلاً أن يصب على رأسه الماء، فصب الماء عليه، ودلك شعره وحركه بيديه، فذهب بهما إلى آخر الرأس، ثم رجع بهما إلي أوله، " ثم قال: هكذا رأيته ﷺ يفعل " أي على هذه الكيفية كان ﷺ يغتسل. الحديث: أخرجه الستة إلا الترمذي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز الغسل للمحرم، ودلك رأسه بيده إذا أمن سقوط الشعر منه، وهو مذهب الجمهور، خلافاً لمالك حيث قال بكراهته، لأنه قد يسقط بعض الشعر. والمطابقة: في قوله: " هكذا رأيته ﷺ يفعل ". ٥٧٧ - " باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام " ٦٧٣ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ " أنّ رسول الله ﷺ دخل عام الفتح "، أي أن النبي ﷺ خل مكة يوم الفتح بغير إحرام

стр. 993

نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُل فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَل مُتَعَلِّق بَأستارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ". ــ " وعلى رأسه المغفر " أي وقد غطى رأسه بالمغفر، وهو قلنسوة من حديد، توضع على الرأس، " فلما نزعه " أي فلما نزع النبي ﷺ المغفر " جاءه رجل " وهو أبو برزة، " فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة " أي لجأ إلى الكعبة، واحتمى بأستارها، " فقال: اقتلوه " ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة لأنه كان قد أسلم، وسماه النبي ﷺ عبد الله بعد أن كان اسمه عبد العزى، فارتد، وانضم إلى المشركين في غزوة الفتح، وخرج يقاتل في صفوفهم، فلما رأى خيل الله دخله الرعب وارتعدت فرائصه، فرجع حتى انتهى إلى الكعبة، فنزل عن فرسه، وطرح سلاحه، ودخل تحت أستارها فأمر النبي ﷺ بقتله، وضربت عنقه بالسيف بين زمزم والمقام. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يكن حاجاً ولا معتمراً، كما ترجم له البخاري. لأن النبي ﷺ دخلها يوم الفتح كما في حديث الباب، وعلى رأسه المغفر، وعن جابر ﵁ " أنه ﷺ لم يكن محرماً " أخرجه مسلم وهو مذهب الشافعي، حيث قال: يجوز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يكن حاجاً ولا معتمراً، والجمهور على أنّه لا يجوز دخول مكة بغير إحرام، لحديث ابن عباس ﵄: " لا يدخل أحد مكة إلَّا محرماً " أخرجه البيهقي، وقال ابن حجر: إسناده جيد. ثانياًً: مشروعية إقامة القصاص والحدود بمكة خلافاً لأبي حنيفة. ثالثاً: استدل به القاضي عياض وغيره من المالكيّة على قتل من آذى النبي ﷺ وأنه لا تقبل توبته. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " دخل ﷺ عام الفتح وعلى رأسه المغفر ".

стр. 994

٥٧٨ - " بَابُ حَجَّ الصبيَانَ " ٦٧٤ - عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيد ﵄ قَالَ: " حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وأَنا ابْنُ سَبْع سِنينَ ". ــ ٥٧٨ - " باب حج الصبيان " أي هذا باب يذكر فيه حكم حج الصبيان الصغار الذين هم دون البلوغ كما تدل عليه الأحاديث الصحيحة. ٦٧٤ - معنى الحديث: يقول السائب ﵁: " حج " بضم الحاء وفتح الجيم للمجهول " بي مع رسول الله ﷺ " أي حج بي والدي مصاحباً لرسول الله ﷺ ومرافقاً له، كما في رواية الفاكهي عن محمد بن يوسف عن السائب قال: " حج بي أبي "، في رواية الواقدي " حجت بي أمي " ويجمع بين الروايتين بأنه قد حج مع أبويه، كما أفاده العيني، " وأنا ابن سبع سنين " أي وأنا صبي صغير لا أتجاوز السابعة من عمري. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية حج الصبي وصحته وانعقاده، وهو مذهب جمهور العلماء لقول السائب بن يزيد في حديث الباب " حج بي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع سنين " حيث سمى فعله حجاً، ولو لم يكن حجاً شرعياً صحيحاً لما قال ذلك، ومما يؤكد ذلك ما رواه جابر ﵁ أن امرأة رفعت صبياً لها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: " نعم ولك أجر " واختلفوا هل يجزئه حجه هذا عن الفريضة، فقال الظاهرية وبعض أهل الحديث: إن الصبي إذا حج قبل بلوغه كفاه ذلك عن حجة الإِسلام، والجمهور على أنه يصح منه ويثاب عليه، ولا يكفيه عن الفريضة. وذهب أبو حنيفة إلى أن الصبي لا حج له، لأن البلوغ شرط في قبول حجه وصحته. ثانياًًً: جواز تحمل

стр. 995

٥٧٩ - " بَابُ مَنْ نذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْكَعْبَةِ " ٦٧٥ - عنْ أنسٍ ﵁: أن النبي ﷺ رَأى شَيْخَاً يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ: " مَا بَالُ هَذَا؟ " قَالُوا: نَذَرَ أنْ يَمْشِي قَالَ: " إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌ " وَأَمَرَهُ أنْ يَرْكَبَ. ــ الصبي للحديث إن كان مميزاً، لأن السائب تحمل حديثه هذا وهو لم يتجاوز السابعة من عمره، أي أنه تحمل هذا الحديث وهو في هذه السن، وقبله منه المحدثون. الحديث: أخرجه أيضاًً الترمذي. والمطابقة: في كونه حج مع النبي ﷺ وعمره سبع سنين. ٥٧٩ - " باب من نذر المشي إلى الكعبة " ٦٧٥ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ " أن النبي ﷺ رأى شيخاً يُهادى (١) بين ابنيه " أي أنه ﷺ رأى رجلاً كبيراً طاعناً في السن قد وهن عظمه وضعفت قواه، وأصبح لا يستطيع السير إلاّ مستعيناً بغيره، فهو يمشي معتمداً على ولديه، " قال: ما بال هذا؟ " أي ما شأنه لا يتمالك نفسه ويكاد يسقط على الأرض من شدة الإِعياء والتعب " قالوا: نذر أن يمشي " أي أن يحج ماشياً " قال: إن الله عن تعذيب هذا " الرجل " نفسه " وتكليفها ما تعجز عنه ولا تقدر عليه " لغني " أي إن الله تعالى غني عن الوفاء بهذا النذر الذي يؤدّي بالإِنسان إلى تعذيب نفسه وتكليفها ما لا تقدر عليه، فهو القائل : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) " وأمره أن يركب " لعجزه.

стр. 996

فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من نذر أن يحج ماشياً وعجز عن المشي وجب عليه الركوب، وهل عليه هدي إذا ركب أم لا؟ اختلف في ذلك الفقهاء، فقال الظاهرية: لا هدي عليه، وليس المشي مما يوجب نذراً، وقال أبو حنيفة وعطاء والحسن البصري: يمشي ما استطاع فإذا عجز ركب وأهدى شاة، وقال الشافعي: يهدي احتياطاً، وقال مالك في " الموطأ " يعود، ثم يحج مرة أخرى فيمشي ما ركب ولا هدي عليه (١). الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث جواباً للترجمة كما أفاده العيني. ...

стр. 997

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتاب فضائل المدينة " أي هذا كتاب تُذكر فيه الأحاديث الدالة على فضائل المدينة. والفضائل: جمع فضيلة، مأخوذة من قولهم: أفضل عليه أي زاد عليه، فهى إذن زيادة شيء على شيء آخر في فعل خير أو صفة حميدة، ثم أطلقت على الخصوصية التي ينفرد بها الشيء عن غيره. وفضائل المدينة: هي المزايا والمحاسن الخاصة التي انفردت بها عن غيرها وامتازت بها عن سواها. ومن فضائلها كثرة أسمائها فإن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى قال السمهودي (١): وأجمعوا على تفضيل مكة والمدينة على سائر البلاد، واختلفوا أيهما أفضل، فذهب عمر بن الخطاب وابنه ومالك ابن أنس وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة واستثنى بعضهم فقال: محل الخلاف في غير الكعبة المشرفة، واستدلوا على تفضيل المدينة بقوله ﷺ : في الحديث الصحيح: " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد " أي: بل أشد، وقد استجاب الله دعوة نبيه ﷺ فصارت أحب بقاع الأرض إلى نفسه، وهو ﷺ لا يحب إلاّ ما أحبه الله، ولا يفضل إلاّ ما فضله الله، ثم إن الله قد اختارها مهاجراً لنبيه ﷺ وجعلها له مسكناً وقراراً، وافترض عليه المقام بها، وحث النبي ﷺ على سكناها ووصفها بالأفضلية المطلقة على سائر بلاد الله، فقال: " المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون " وتمنى الموت بها فقال: " اللهم لا تجعل منايانا بمكة " أخرجه أحمد (٢)، وقال ﷺ : "ما على الأرض

стр. 998

٥٨٠ - " بَابُ حَرَمِ الْمَديْنَةِ " ٦٧٦ - عَن أنَسِ ﵁: عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "الْمَدِينَةُ حَرَمٌ من كَذَا إلى كَذَا لا يُقْطَعُ شَجَرُهَا، ولا يُحْدَثُ فِيها حَدَث، من أحْدَثَ فيها حَدَثاً فَعَلْيهِ لَعْنَةُ اللهِ ــ بقعة أحَبُّ إلي أن يكون قبري بها منها" أي من المدينة رواه مالك مرسلاً (١). ٥٨٠ - " باب حرم المدينة " ٦٧٦ - معنى الحديث: أن رسول الله ﷺ جعل المدينة حرماً بأمر الله تعالى له بذلك كما في حديث جابر ﵁ حيث قال ﷺ : " إن إبراهيم حرّم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها " أخرجه مسلم. وقوله ﷺ : " من كذا إلى كذا " بيان لحدود حرم المدينة، وأنه يمتد من عير إلى ثور لما في حديث عليّ ﵁: " المدينة حرم ما بين عير إلى ثور " أخرجه الستة فأمَّا عير أو عاثر. فهو الجبل المعروف في جنوب المدينة، وأما جبل ثور فقد قال ابن النجار: هو جبل صغير وراء أحد، يعرفه أهل المدينة، ولا ينكرونه، وقال ابن تيمية: عير جبل عند الميقات يشبه العير وهو الحمار، وقال الطبري: ثور جبل خلف أحد من شماليه صغير مدور يعرفه أهل المدينة، ومعنى كون المدينة حرماً. أنه جعل لها حرمة وتشريفاً وتعظيماً في نفوس المسلمين ومشاعرهم، كما جعلها محرمة الصيد والشجر كمكة، بدليل قوله ﷺ : " لا يقطع شجرها " أي لا يقطع نباتها الطبيعي الذي ينبت نبته دون سقي، وعن علي عن النبي ﷺ

стр. 999

والْمَلائِكَةِ والنَّاسِ أجمَعِينَ". ــ " لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطها " والنفي بمعنى النهي، أي لا يجوز قطع شجرها، ولا صيد الصيد في حدودها " من أحدث فيها حدثاً " أي ابتدع فيها بدعة أو ارتكب كبيرة، وفي رواية " أو آوى محدثاً " بفتح الدال وكسرها، أي أعان على بدعة أو معصية " فعليه لعنة الله " أي غضبه وطرده من رحمته وجنته " والناس أجمعين " أي وعليه دعاء الناس باللعنة وفي رواية " لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً " أي لا يقبل الله منه فرضاً ولا نفلاً. الحديث: أخرجه الشيخان. فقه الحديث: دل هذا الحديث: أولاً: على تحريم شجر المدينة وصيدها لقوله ﷺ " المدينة حرم " وتحريم المدينة يشمل تحريم شجرها وصيدها معاً، وإذا كان لم يذكر الصيد في حديث الباب نصاً، فقد ورد في حديث علي ﵁ حيث قال: " ولا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها " فإذا حَرُم تنفيره حرم قتله من باب أولى، وتحريم المدينة صيداً ونباتاً هو ما عليه أكثر أهل العلم وجماهير الفقهاء، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يحرم صيد المدينة ولا نباتها الطبيعي، وأن الحرمة في حديث الباب حرمة تعظيم وتقديس وتشريف. وقال صاحب " فيض الباري ": نهيه ﷺ عن قطع أشجارها كان لغرض الابقاء على زينتها وبهجتها وجمالها الطبيعي لا لأنها محرمة تحريم مكة، قالوا: والدليل على ذلك أنه لا يترتب على قطع أشجارها جزاءٌ شرعي كأشجار مكة وأنه أمر النبي ﷺ بقطع الأشجار عند بناء مسجده. وفي استدلالهم بذلك نظر، فأما استدلالهم على عدم تحريمه بكونه لا يترتب عليه جزاء شرعي، فهو غير مسلم، لأن المسألة خلافية، وقد قال أحمد وفي رواية للشافعي في قول إن فيه الجزاء، وأما قطعه ﷺ للأشجار عند بناء مسجده ﷺ فلا دليل فيه، لأن الأشجار التي قطعها لم تكن من الأشجار الطبيعية التي يحرم

стр. 1000

٥٨١ - " بَابُ فضلَ الْمَدِينَةِ وأنَّها تَنْفِي الْخبَثَ " ٦٧٧ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أُمِرْتُ بِقَرْية تأكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ يَثْرِب وهي الْمَدِينَةُ، تَنْفي النَّاسَ كمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ ". ــ قطعها، وإنما كانت نخيلاً في حائط، وهي خارجة عن موضوع الخلاف، وأما كونه ﷺ نهي عن قطعها لتجميل المدينة، فلا مانع من اجتماع هذه العلة مع التحريم، وقد ذكر مالك هذه العلة حيث قال في سبب النهي إنما نهى عن قطع سدر المدينة لئلا توحش وليبقى فيها شجرها ليستأنس ويستظل به من هاجر إليها، وقد قال الشافعي في القديم: يؤخذ سلب من فعل شيئاً من ذلك لأنّ سعد بن أبي وقاص أخذ رجلاً يصيد في حرم المدينة فسلبه ثيابه فجاءه مواليه فقال: إن رسول الله ﷺ قال: " من أخذ أحداً يصيد فيه فليسلبه ثيابه " أخرجه أبو داود والبيهقي وهو مذهب بعض المالكية خلافاً للجمهور. ثانياًًً: التحذير الشديد من الابتداع في المدينة أو انتهاك حرمات الله فيها وأنه كبيرة. المطابقة: في قوله: " المدينة حرم ". ٥٨١ - " باب فضل المدينة وأضها تنفي الخبث " ٦٧٧ - معنى الحديث: يقول ﷺ : أمرني الله تعالى أن أسكن مدينة عظيمة تفتح كل بلاد، الدنيا شرقاً وغرباً، وتبسط عليها سلطانها، قال ابن وهب: قلت لمالك: ما تأكل القرى: قال تفتح القرى، " يقولون: يثرب، وهي المدينة " أي يسمونها يثرب واسمها الإِسلامي الذي يليق بها هو المدينة " تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد " الكير هو الجلد الذي ينفخ به الحداد على النار، وقال أكثر أهل اللغة، هو حانوت الحداد نفسه " والمعنى "

стр. 1001

٥٨٢ - " بَابُ الْمَدِينَةِ طَابَة " ٦٧٨ - عَنْ أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي ﵁ قَالَ: أقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ من تَبُوكَ حتى أشْرَفْنَا على الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: " هَذِهِ طَابَةٌ ". ــ أنّ المدينة تخرج شرار الناس كما يخرج الكير الوسخ من الحديد، وقال بعضهم: المراد به إخراج المنافقين منها عند ظهور المسيح الدجال، وقال بعضهم: تنفي الناس أي تصلحهم وتهذب نفوسهم وتخرج الشر والخبث منهم. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل المدينة على سائر البلاد بل على مكة نفسها لقوله: " تأكل القرى " أي تفتحها، وقد فتحت المدينة كل المدن بما فيها مكة. قال المهلب: هذا الحديث حجة لمن فضل المدينة على مكة لأنّها هي التي أدخلت مكة وسائر القرى في الإِسلام (١). والمطابقة: في قوله: " تنقي الناس ". ٥٨٢ - " باب المدينة (٢) طابة " ٦٧٨ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ لما عاد من تبوك وقارب دخول المدينة قال ﷺ تنويهاً بشأنها وثناءً عليها بحسن أسمائها: " هذه طابة "

стр. 1002

٥٨٣ - " بَابُ من رَغِبَ عَنِ الْمَدِينَةِ " ٦٧٩ - عَنْ سُفْيَانَ بن أبي زُهَيْرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تُفْتَحُ اليَمَنُ، فَيَأتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، ــ أي هذه هي المدينة الطيبة التي سماها الله طابة، كما في حديث جابر بن سمرة ﵄ " إن الله سمّى المدينة طابة " أخرجه مسلم، وذلك لطيب سكناها وطيب العيش بها. الحديث: أخرجه الشيخان. فقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل المدينة وشرف أسمائها وتسميتها بأسماء كريمة ذات معان حميدة، ومن ذلك تسميتها طابة وطيبة (١) بتسكين الياء وطيبة - بتشديد الياء، وطائب ككاتب والطبة والمُطَيَّبة (٢) وبعض هذه الأسماء سماها الله بها. وما سميت بذلك إلاّ لوجود هذه الصفات فيها حقيقة. قال ابن بطال: من سكنها يجد من تربتها وحيطانها رائحة حسنة. وقال ياقوت: من خصائصها طيب ريحها. وقال البكري: لَا تَحْسَب المِسْكَ الذكي كنُز بِهَا ... هَيْهَات أيْن المِسْكُ مِنْ رَيَّاهَا وَابْشِر فَفِي الخَبَرِ الصَحيع مُقَرَّر ... أنّ الإلهَ بِطَابَةٍ سَمّاهَا والمطابقة: في قوله: " هذه طابة ". ٥٨٣ - " باب من رغب عن المدينة " ٦٧٩ - راوي الحديث: سفيان بن أبي زهير الشنوي، وقال بعضهم: النمري، وهو من أزْدِ شنوءة، له صحبة، روى حديثين عن النبي ﷺ كما أفاده ابن عبد البر.

стр. 1003

فَيَتَحمَّلُونَ بأهْلِيهِمْ ومن أطَاعَهُمْ، والمدينَةُ خِيْر لهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وتُفْتَحُ الشَّامُ فيأتِي قوم يَبُسُّونَ فَيتَحمَّلونَ بأهْلِيهِمْ ومن أطَاعَهُمْ، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وتُفْتَحُ العِرَاقُ فَيَأتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فيتحَمَّلُونَ بِأهْلِيهِمْ ومن أطَاعَهُمْ، والْمَدِينَةُ خَيْر لَهُم لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ". ــ معنى الحديث: أن من معجزاته ﷺ أنه أخبر عن فتح اليمن، وقد فتحت في آخر حياته كما أخبر عن فتح الشام والعراق وقد فتح بعضها في عهد الصديق، وبعضها في خلافة الفاروق، ثمَّ أخبر ﷺ أنه إذا فتحت هذه البلدان يترك بعض الناس المدينة، ويسارعون في الذهاب إليها لخصبها ورخائها، وكثرة خيراتها وثرواتها، طمعاً في الدنيا، ورغبة في لذاتها، وهو معنى قوله ﷺ : " فيأتي قوم ييسون " بفتح الياء وضم الباء وتشديد السين أي يسوقون إبلهم ويسرعون في الذهاب إليها، " فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم " أي فينتقلون إلى اليمن أو الشام أو غيرها بأهليهم ومن اتبعهم من أصحابهم " والمدينه خير لهم لو كانوا يطمون " أي لو كان لديهم شيء من العلم الصحيح، والإِدراك السليم، لعلموا أن طيبة الطيبة خير لهم من تلك البلاد التي انتقلوا إليها لما يتوفر فيها من الخيرات الدنيوية والأخروية التي لا توجد في غيرها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على التحذير من ترك المدينة والانتقال إلى غيرها لمجرد هوى النفس وأن من تركها زهداً فيها فإنه يخسر الحياة الطيبة التي كان - يعيشها ولا يجد مثلها في البلاد التي انتفل إليها لعموم قوله ﷺ : " والمدينة خير لهم " أمّا المدينة فسيبدلها الله خيراً منه كما في الحديث " لا يخرج أحد رَغْبَةً عنها إلاّ أخلف الله فيها خيراً منه " فإذا كان الخروج لغرض ديني أو عذر شرعي فإنه غير مذموم لأن أصحاب النبي ﷺ تفرقوا في الأمصار. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة.

стр. 1004

٥٨٤ - " بابُ الإيمَانِ يَأرِزُ إلى الْمَدِينَةِ " ٦٨٠ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إنَّ الإيمَانَ لَيَأرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأرِزُ الْحَيَّةُ إلى حُجْرِهَا ". ٥٨٥ - " بَابُ إثْمَ مَنْ كَادَ أهْلَ الْمَدِينَةِ " ٦٨١ - عَنْ سَعْدٍ بنِ أبِي وَقَّاص ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ: "لَا يَكِيدُ أهْلَ الْمَدِينَةِ أحَد إلَّا أنمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ في الْمَاء". ــ ٥٨٤ - " باب الإِيمان يأرز إلى المدينة " ٦٨٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " إن الإِيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها " أي أن المؤمنين كلما شعروا بالخوف على دينهم وأحسّوا بالخطر على إسلامهم لجأوا إلى المدينة وآووا إليها كما تأوي الحية عندما تحس بالخطر إلى جحرها لتأمن فيه على نفسها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن المدينة قلعة الإِيمان وحصنه الحصين الذي يأوي إليه المسلمون عند اشتداد الفتن حفاظاً على دينهم، وفيه دليل على وجوب الهجرة على من خاف الفتنة على دينه. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. ٥٨٥ - " باب إثم من كادَ أهل المدينة " ٦٨١ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "لا يكيد أهل المدينة

стр. 1005

٥٨٦ - " بَابٌ لا يَدخلُ الدَّجَّالُ الْمَدِينَةَ " ٦٨٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " على أنقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ ولا الدَّجَّالُ ". ــ أحد إلاّ انماع كما ينماع الملح في الماء" أي لا يمكر أحد بأهل المدينة، وينوي إلحاق الشر بهم ويدبر لهم الأذى في الخفاء إلاّ أهلكه الله فوراً وأزاله من الوجود سريعاً، كما يذوب الملح في الماء. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: ظاهرة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن إيذاء أهل المدينة والسعي في الإِضرار بهم كبيرة من الكبائر لأن هذا الوعيد الشديد لا يترتب إلّا على جريمة نكراء. ثانياًًً: تعجيل العقوبة في الدنيا لمن أراد بأهل المدينة شراً وإنذاره بالهلاك السريع، وفي الحديث عن السائب بن خلاد: " من أخاف أهل المدينة ظالماً لهم أخافه الله، وكانت عليه لعنة الله " أخرجه النسائي ثالثاً: الترغيب في حب أهل المدينة والإِحسان إليهم لأن التحذير من الشيء ترغيب في ضده، فيكون مفهوم الحديث أن من أراد الخير لأهل المدينة وسعى فيه كانت له البشري بالحياة السعيدة، سيما إذا كان حبه لهم ناشئاً عن حبه للنبي ﷺ كما قال الشاعر: فَيَا سَاكِني أكْنافَ طِيْبَةَ كُلُّكُمْ ... إِلَى القَلْبِ مِنْ أجْلِ الحَبِيْبِ حَبِيْبُ ٥٨٦ - " باب لا يدخل الدجال المدينة " ٦٨٢ - معنى الحديث: أن الله حفظ المدينة وصانها من شرين

стр. 1006

عظيمين وجعل على أبوابها ومداخلها ملائكة يحرسونها ويمنعون عنها الدجال والطاعون، على كل باب ملكان، كما في حديث أبي بكرة حيث قال ﷺ : " لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان " أخرجه البخاري. فالدجال لا يدخل مكة ولا المدينة لأنّها محرمة عليه، ممنوعة عنه، ويدخل سائر المدن الأخرى سواهما كما في حديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ : " ليس من بلد إلاّ سيطؤه الدجال إلاّ مكة والمدينة " أخرجه الشيخان والنسائي، ولكنه يصل إلى ضواحي المدينة، وينزل ببعض السباخ التي بها كما في حديث أبي سعيد حيث قال ﷺ : " فينزل ببعض السباخ التي بالمدينة " أخرجه الشيخان، وفي بعض الروايات: " ينزل في هذه السبخة التي بِمَمَرِّ قناة "، أخرجه أحمد، وفي رواية أن النبي ﷺ ركب إلى مجتمع السيول، وقال: " هذا منزله " ويقع مجتمع السيول هذا في الشمال الغربي من المدينة ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: على أن المدينة محروسة محفوظة من الدجال والطاعون معاً لهذا الحديث، ولقوله ﷺ كما في حديث أبي بكرة " لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال " فإذا كانت في مأمن من إرهابه والخوف منه، فهي في مأمن من دخوله من باب أولى، لأن الملائكة يقفون على مداخلها فيمنعونها عنه، ويحرسونها منه كما قال ﷺ : " على أنقاب المدينة ملائكة ". ومعنى ذلك أن حدود المدينة كلها محاطة بسور منيع من الملائكة، فلا يتجاوزها الرجال، ولهذا جاء في الأخبار الصحيحة أنه ينزل في السبخة التي تجتمع بها السيول في الشمال الغربي من المدينة، فإذا وصل إلى هناك وقع زلزال بالمدينة، وخرج إليه المنافقون منها، كما في حديث أنس عن النبي ﷺ ، حيث قال: " ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق " أخرجه الشيخان والنسائي، ويقيض الله للاسلام في ذلك الموقف الخطر، وتلك الظروف الصعبة من يناضل عن الدين، ويقف

стр. 1007

في وجه المسيح الدجال، ويصمد أمام جبروته وطغيانه، فيقول كلمة الحق أمام ذلك الطاغية، ويكدبه ويتحداه أمام الناس كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ حيث قال ﷺ " فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس، أو من خير الناس " أي من أفضل أهل المدينة ديناً وصلاحاً وثباتاً على الحق " فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله ﷺ حديثاً فيقول الدجال: أرأيت إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر " أي يقول للناس: أخبروني إن أنا قتلت هذا الرجل الذي واجهني بالتكذيب، وأحييته مرة أخرى، هل تشكون في ربوبيتي " فيقولون: لا " أي فيقول المنافقون: لا " فيقتله ثم يحييه، فيقول حين يحييه: والله ما كنت قط أشد بصيرة " أي أشد يقيناً بأنّك الدجال منّي اليوم " لأنه انطبقت عليك صفات الدجال التي أخبرنا بها نبينا ﷺ كما في ها الحديث وأمثاله " فيقول الدجال " لرجل من أتباعه " اقتله فلا يسلط عليه " ولا يقدر على قتله. ثانياًً: أن المدينة محمية من الطاعون، ولم ينقل في التاريخ قط أنه دخل المدينة أصلاً. والطاعون أورام دموية ودمامل خبيثة، قال السمهودي: وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة مع أنه يقع بالحجاز، ودخل جدة وينبع والفرع والصفراء والخبت وغير ذلك من الأماكن القريبة من المدينة، ولم يدخلها كما شاهدنا ذلك في طاعون سنة إحدى وثمانين وثمانمائة فإنه عم أكثر الأماكن القريبة من المدينة وكثر بجدة وهي محفوظة منه أتم الحفظ، فلله الحمد والمنة. والمطابقة: في قوله: " لا يدخلها الطاعون ". ***

стр. 1008

٥٨٧ - " باب " ٦٨٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبو بَكْرٍ وَبِلال، فَكَانَ ﷺ أبو بَكْرٍ إِذَا أخَذَتْهُ الْحُمَّىْ يَقُولُ: كُلُّ امْرِىءٍ مُصَبَّح في أهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أدنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَكَانَ بِلالُ إِذَا اقْلِعَ عَنْهُ الحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ وَيَقولُ: ألا لَيْتَ شعْرِي هَلْ أبِيْتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِى إذْخِر وَجَلِيلُ وهلْ أرِدَنْ يَوْماً مِيَاهَ مَجنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِيَ شَامَة وَطَفِيلُ ــ ٥٨٧ - " باب " ٦٨٣ - معنى الحديث: أن المدينة كانت قبل هجرته ﷺ موبوءة كثيرة الحميات والأمراض المعدية، فلما قدم إليها ﷺ ومعه أصحابه المهاجرون انتشرت فيهم الحمى فأصابت أبا بكر وبلالاً وغيرهم، فأحسوا بالغربة واشتاقوا إلى مكة، واستوحشت نفوسهم من المرض الذي أصابهم " كان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كلُّ امرىءٍ مُصَبّح في أهْلِهِ ... وَالمَوْتُ أدْنَى مِنْ شِرَاكِ نعْلِهِ " يريد ﵁ أنّ المرض قد أخذ منه كل مأخذ، وكابد من آلام الحمى وتجرع كؤوس مرارتها حتي أصبح في حالة سيئة، تتراى له أشباح المنون بين حين وآخر يقال له عند الصباح: " أنعِمْ صباحاً وهو في غاية القرب من الموت بل هو أقرب إليه من شراك نعله " والشراك بكسر الشين أحد سيور النعل. أما بلال فإنه كلما أفاق من غشيته حن إلى مكة وربوعها، وأخذ

стр. 1009

وَقَالَ ﷺ : " اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَة بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأُمَيَّةَ ابْنَ خَلَفٍ، كَمَا أخرَجُونَا مِنْ أرضِنَا إِلَى أرضِ الْوَبَاءِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اللَّهُمَّ حَبِّبْ إليْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبنا مَكَّةَ، أو أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في صَاعِنَا وَفي مُدِّنَا، وصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ، قَالَتْ: وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ أوبَأ أرْضِ اللهِ فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِيْ نَجْلاً يَعْنِي مَاءً آجِنَاً ". ــ يترنم في شعره بضواحيها ومغانيها، ويذكر طيب لياليها " وكان بلال إذا أقْلِعَ (١) عنه الحمى " أي إذا أفاق من الحمى " يرفع عقيرته " أي صوته " ويقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوماً مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل وهكذا يتمنى بلال أن يبيت ليلة واحدة في ضواحى مكة ويطفىء أشواقه الحارة من مياه مجنة (٢) وأن يمتع ناظريه بمشاهدة إذخر وجليل وغيرها من النباتات الخلوية التي حولها، وأن يشاهد " شامة وطفيل " (٣) وغيرهما من جبال مكة الشامخة، فلما رأى النبي ﷺ ما أصاب أصحابه دعا على الذين أخرجوهم من مكة " وقال: اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة " وغيرهم ثم قال ﷺ : " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد " وذلك لكي يتغلب حبهم لوطنهم الثاني على حبهم لوطنهم الأول، ثم قال: " اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا، وصححها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة "

стр. 1010

فدعا ﷺ ربه أن يغير حال المدينة إلى أحسن حال من الناحية المعيشية والصحية. أما من الناحية المعيشية فإنّه دعا لها بالبركة في مكاييلها المختلفة من مد وصاع وغيرها، فلا يكال بها الطعام حتى يتضاعف وينمو ويتكاثر، ويجزىء منه القليل، ويكفي عن الكثير، وتتغذى به الأجسام غذاءً جيداً فتتحسن الحالة المعيشية، وتتوفر المواد الغذائية. وأما من الناحية الصحية فقد دعا ﷺ ربه أن يصحح لهم المدينة، وأن ينقل ميكروب الحمى منها إلى الجحفة ويقضي على الجراثيم والأوبئة التي كانت فيها فيتمتع أهلها بماء صحي وجو نقي وتطيب بها الحياة. " قالت " عائشة ﵂ " وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله " أي أكثرها وباءً ثم بينت عائشة ﵂ سبب وبائها وكثرة وجود الحميات فيها حيث قالت: " فكان بطحان يجري نجلاً " بفتح النون وسكون الجيم، قال الراوي: " يعني ماء آجناً " قال العيني: " الآجن " بالمد الماء المتغير الطعم واللون. اهـ، أي وكان وادي بطحان في جنوب المدينة يجري طول العام وعلى مدار السنة بالمياه المتغيرة المتعفنة التي تتركد فيه كثيراً، فتتعفن فينشأ عن ذلك البعوض والميكروبات الضاّرة وتتفشى الأمراض، وتكثر الحميات، وينتشر الوباء، كما يحدث عادة في البلاد التي تكثر فيها المستنقعات دون أن تتواجد فيها رعاية صحية كافية للقضاء على تلك الميكروبات التي تنجم عنها. الحديث: أخرجه الشيخان. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن المدينة المنورة كانت قبل الإِسلام " أوبأ أرض الله " فلما هاجر إليها ﷺ طهرها الله من الوباء وصححها من الأدواء استجابة لدعوة نبيه ﷺ . ثانياًًً: أن الله بارك لأهل المدينة في ثمارهم وأقواتهم، ووضع البركة في مكاييلهم بحيث يكفي فيها من الطعام ما لا يكفي في غيرها استجابة لدعوة نبيه ﷺ ، وفي الحديث الصحيح " كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه " أو كما قال ﷺ . ثالثاً: أشار

стр. 1011

الحديث إلى وجوب العناية بالناحية الصحية والاهتمام بجودة الهواء، ونقاء الماء والتحذير من المياه الراكدة المتغيرة، لأن المياه المتغيرة الملوثة يتولد فيها البعوض والجراثيم التي تؤدي إلى تفشي الحميات والأمراض المختلفة، كما يدل على ذلك قول عائشة ﵂ في سبب انتشار الحميات، بالمدينة قبل الهجرة: " وكان بطحان يجري نجلاً - يعني ماءً آجناً " تريد ﵂ أن الماء المتعفن الذي كان في وادي بطحان هو سبب انتشِار الحميات بالمدينة والله أعلم. ***

стр. 1012

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتابَُ الصَّوْمَ " ٥٨٨ - " بَابُ فضلِ الصَّوْمِ " ٦٨٤ - عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسولَ الله ﷺ قَالَ: "الصيامُ جُنَّة فَلا يَرْفُثْ ولا يَجْهَلْ، وِإنِ امْرُؤ قَاتَلَهُ أوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِني صَائِم مرَّتَيْنِ، والذي نَفْسِي بِيَد لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ ــ كتاب الصوم الصوم لغة الامتناع عن أي شيء كلاماً أو طعاماً وشرعاً الإمساك عن شهوتي البطن -وهي الأكل والشرب- والفرج " وهي مباشرة النساء من الفجر إلى المغرب " وفرض في الثانية من الهجرة في شهر شعبان، وهو فرض على كل مكلف قادر عليه. ٥٨٨ - " باب فضل الصوم " ٦٨٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ وصف الصوم وصفاً دقيقاً يبين فيه فائدته بالنسبة للصائم فقال: " الصوم جنة " أي وقاية للإنسان من المعاصي، لأنه يكسر الشهوة ويسد مسالك الشيطان إلى النفس البشرية فيحميها من الخسران، ويصونها من النيران، ولذلك أمر النبي ﷺ الصائم أن يحافظ

стр. 1013

اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ من أجْلِي، الصيامُ لي وَأَنَا أُجْزِي بِهِ، والْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا". ــ على وقاية نفسه من مباشرة النساء، وصيانة لسانه من اللغو والفحش فقال: " فلا يرفث " أي لا يباشر النساء ولا يتلفظ بالكلمات القبيحة " وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم " أي فإن تعرض له أحد بالإِساءة فضاربه أو خاصمه أو شتمه فليقل في نفسه إني صائم وليكف عن مجاراته في انتهاك حرمة الصوم، فإن دفعته نفسه للرد عليه فليقل في نفسه مرة أخرى إني صائم، ثم أقسم ﷺ بربه الذي روحه بيده على أن خلوف الصائم وتغير رائحة فمه أجمل رائحة عند الله من رائحة المسك الذي هو أطيب الطيب " يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي " يعني يقول الله تعالى: إن هذا الصائم ترك شهوة بطنه وفرجه طاعة لي وامتثالاً لأمري " الصيام لي "، أي الصيام أخلص العبادات لي وأبعدها عن الرياء والسمعة " وأنا أجزي به " أي ولذلك فإني أجزي عليه من الأجر والمثوبة ما لا أجزي على غيره، أو أتولى المثوبة عليه بنفسي، قال الشرقاوي: وقد علم أن الكريم إذا تولّى الإِعطاء بنفسه كان ذلك إشارة إلى عظم العطاء " والحسنة بعشر أمثالها " أي وإذا كات الجزاء على الحسنات العادية الحسنة بعشر أمثالها، فما بالك بالصوم الذي تولى الله بنفسه الجزاء عليه فإنه يجزي عليه بغير حساب. قال الزرقاني قوله: وأنا أجزي به " أي بلا عدد ولا حساب، كقوله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ). الحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً عليها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضائل الصوم ومزاياه فمن فضائله إصلاح الغريزة، وترويضها على الوقوف عند حدود

стр. 1014

٥٨٩ - " بَابُ الرَّيَّانِ للصَّائِمِينَ " ٦٨٥ - عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ ــ الشرع والعقل، والالتزام بمنهج الدين وتقوية الإِرادة وسد مداخل الشيطان، مما يؤدي إلى تحقيق السعادة النفسية في الدنيا والنجاة من النار في الآخرة كما في رواية أخرى عن أبي هريرة " الصوم جنة من النار " أي وقاية منها أخرجه الترمذي، وفي رواية عنه " الصوم جنة من عذاب الله " أخرجه البيهقي قال في " الإكمال ": معنى الصوم جنة أنه يستر من الآثام أو من النار، أو من جميع ذلك، وبه جزم النووي. ومن مزاياه مضاعفة حسنات الصائمين بغير حساب، وهو معنى " وأنا أجزي به " أي أضاعف الثواب عليه بلا حدود لما في رواية " الموطأ " " كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلاّ الصيام فهو لي وأنا أجزي به " فالاستثناء يدل على أن مضاعفة أجر الصيام لا حد له. ثانياًًً: أن للعبادات روائح زكية يختلف بعضها عن بعض يوم القيامة فريح الصيام بين العبادات كالمسك، وطيب فم الصائم كرائحة المسك الذي هو أجمل الطيب. ثالثاً: أن الصيام الذي تضاعف له الحسنات هو الذي يجمع بين الكف عن الطعام والشراب والمحرمات. قال أحمد بن قدامة المقدسي: للصوم ثلاث مراتب، صوم العموم وهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وصوم الخصوص: وهو كف النظر واللسان والجوارح من اليد والرجل والسمع والبصر عن الآثام، وصوم خصوص الخصوص: وهو صوم القلب عما سوى الله (١). ٥٨٩ - " باب الريان للصائمين " ٦٨٥ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "من أنفق زوجين في

стр. 1015

مِنْ أبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيْر، فمنْ كَانَ مِنْ أهلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ من بَاب الصَّلَاةِ، ومنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كانَ مِنْ أهلِ الصيام، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، ومَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصًّدَقَةِ " فقالَ أبو بَكْرٍ ﵁ بأبِي أنتَ وَأمِّي يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأبوَابِ مِن ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَال: " نَعَمْ وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ". ــ سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير" أي من تصدق بعدد اثنين من أي شيء من المأكولات أو الملبوسات أو النقود، فأعطى درهمين، أو رغيفين، أو ثوبين لمن هو في حاجة إليهما ابتغاءً لرضوان الله نادته الملائكة من أبواب الجنة مرحبة بقدومه إليها، وهي تقول: لقد قدَّمت خيراً كثيراً تثاب عليه اليوم ثواباً كبيراً، " فمن كان منْ أهل الصلاة دعي من باب الصلاة " أي وقد جعل لكل عبادة في الجنة باباً مخصوصاً لها، فالمكثرون من الصلاة ينادون من باب الصلاة، ويدخلون منه، وهكذا الأمر بالنسبة إلى سائر العبادات، " ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان "، أي والمكثرون من الصوم تستقبلهم الملائكة عند باب الريان داعية لهم بالدخول منه، وسمي بذلك، لأنه كما في رواية الترمذي " من دخله لم يظمأ أبداً " " فقال أبو بكر ﵁ " طامعاً في فضل الله تعالى: " فهل يدعى أحد من تلك الأبواب " ومعناه أنه تساءل قائلاً " فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم " أي يوجد من المؤمنين من يُدعى من أبواب الجنة الثمانية لكثرة عباداته وتنوعها واختلافها، "وأرجو أن تكون منهم " لاجتهادك في كل العبادات وحرصك على جميع الخيرات. الحديث:

стр. 1016

٥٩٠ - " بَاب هَلْ يُقَالُ رَمَضانُ أو شَهْرُ رَمَضَانَ ؟ " ٦٨٦ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أبوَابُ السَّمَاءِ وغُلِّقَتْ أبْوَابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَيّاَطِينُ ". ــ أخرجه الشيخان، والترمذي والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن للجنة أبواباً متعددة بتعدد الأعمال لكل عبادة باب يختص بأهلها المتفوقين فيها. ثانياًًً: أن من بين هذه الأبواب باب الصائمين، ويقال له: الريان، لأن من دخل منه يرتوي فلا يظمأ أبداً كما في رواية الترمذي: " ومن دخله لم يظمأ أبداً ". والمطابقة: في قوله: " من كان من أهل الصيام دعى من باب الريان ". ٥٩٠ - " باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان " ٦٨٦ - معنى الحديث: أن أبواب السماء تفتح عند قدوم رمضان حقيقة لا مجازاً إحتفاءً بهذا الشهر الكريم. وترحيباً به في الملأ الأعلى، وتنويهاً بفضله وشرفه، وإعلاماً للملائكة بدخوله، كما تفتح أبوابها لكل من مات فيه صائماً قائماً بواجباته غير مفسد له بالمحرمات والآثام استقبالاً له وترحيباً بمقدمه، وتبشيراً له بما أعدَّ الله له في دار الكرامة " وغلقت أبواب جهنم " حقيقة عن الصائمين، فمن مات منهم كان من عتقاء رمضان " وسلسلت الشياطين " أي وربطت الشياطين بالسلاسل، حقيقة أيضاًً وحمله بعضهم على شياطين الوسوسة والإِغواء، وهو أنسب. الحديث: أخرجه الشيخان. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل شهر رمضان، حيث تفتح فيه أبواب السماء وأبواب الجنة كما في رواية أخرى في

стр. 1017

٥٩١ - " بَابُ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَولَ الزُّورِ والْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ " ٦٨٧ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قالَ رَسوُلُ اللهَ ﷺ : " مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ في أن يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ". ــ البخاري، " وتغلق أبواب النار " وفيه بشارة عظيمة لمن مات فيه قائماً بحقوقه، والواجبات التي عليه، وأنه تربط فيه الشياطين عن الناس وتمنع عن الوسوسة لهم، ولا يقال كيف تربط ونحن نرى الناس يذنبون في رمضان؟ فالجواب أن هذا لا يتعارض مع الحديث، فإن الإِنسان توسوس له نفسه أيضاًً، فالمعاصي التي يرتكبها في رمضان نتيجة لغرائزه وشهواته النفسية. ثانياًًً: أنه لا مانع من أن يقال رمضان. والمطابقة: في قوله: " إذا دخل رمضان ". ٥٩١ - " باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم " ٦٨٧ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " من لم يدع قول الزور والعمل به " أي من لم يترك القول الباطل والكلام المحرّم أثناء صومه من الكذب وشهادة الزور، والغيبة والنميمة والقذف والشتيمة " والعمل به " أي ولم يترك الأعمال الباطلة من الظلم والغش والخيانة وأكل الربا وغيرها " فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه "، أي فإن صيامه لا يكون مرضياً عنه، ولا يقبل قبولاً كاملاً، ولا يثاب عليه ثواب الصائمين الذين يوفَّون أجرهم بغير حساب، وإن كان الصوم في حد ذاته صحيحاً مسقطاً للفرض الذي عليه. فقوله: " وليس لله حاجة " إلخ مجاز يراد به عَدمُ القبول الكامل من إطلاق السبب وإرادة المُسَبِّبِ، قال ابن المنير: هو كناية عن عدم قبول الصوم،

стр. 1018

٥٩٢ - " بَابُ الصَّوْمِ لِمَنْ خاف عَلَى نفْسِهِ الْعُزُوبَةَ " ٦٨٨ - عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النبي ﷺ فَقَالَ: "مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أغَضُّ ــ كما يقول الغضبان لمن رد عليه شيئاً طلبه منه فلم يقم به: لا حاجة في به. الحديث: أخرجه أيضاًً الأربعة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحذير الصائم من الأقوال الباطلة والأفعال المحرمة، لأنّها تسخط الله وتنقص من ثواب الصوم فلا يجازى الصائم على صومه بغير حساب، إلاّ إذا صام عن المحرمات، أما إذا اقترفها فإنه لا يستفيد منه إلا إسقاط الفرض فقط. ثانياًً: أنه ليس الغرض من الصيام الحرمان من الطعام والشراب، بل ما يترتب عليه من تهذيب النفس، وتقويم السلوك الإِنساني، قال البيضاوي في قوله ﷺ : " فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " أي ليس المقصود من شرعية الصيام نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر قبول. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. ٥٩٢ - " باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة " ٦٨٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " من استطاع الباءة " وهي لغةً الجماعُ والمراد بها هنا مؤونة النكاح والقدرة عليه " فليتزوج " أي: أنَّ النبي ﷺ يأمُرُ بالزواج كلَّ من كان قادراً عليه جسمياً ومادياً إحصاناً لنفسه ودينه، لأنه في حاجة إليه بمقتضى غريزته الجنسية التي أودعها الله فيه فإنّها إذا لم تجد لها مصرفاً شرعياً صرفت قواها في الفواحش والموبقات،

стр. 1019

لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء". ٥٩٣ - " بَابُ قَوْلِ النَّبِِّي ﷺ إِذَا رَأيْتُمْ الْهِلالَ فَصُومُوا " ٦٨٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الشَّهر تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلا تَصُومُوا حتى تَرَوْهُ، فإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فأكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاِثين ". ــ والزواج هو المصرف الشرعي لها، وهو الوقاية والحماية لها من الخبائث، كما قال ﷺ : " فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج " أي فإن النكاح أمنع للبصر والفرج من اقتراف الخطايا " ومن لم يستطع فعيه بالصوم فإنه له وجاء " أي فإن الصوم يكسر الشهوة. الحديث: أخرجه الخمسة غير الترمذي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: الترغيب في الزواج لكل من يقدر عليه مالياً ونفسياً وجسمياً. ثانياًًً: استحباب الصوم لمن خاف على نفسه من العزوبة، وخشي الفاحشة لأنّ الصوم يضعف الشهوة. والمطابقة: في قوله: " ومن لم يستطع فعليه بالصوم ". ٥٩٣ - " باب قول النبي ﷺ إذا رأيتم الهلال فصوموا " ٦٨٩ - معنى الحديث: أن الشهر يكون أحياناً تسعة وعشرين يوماً كما يكون أحياناً ثلاثين، الكل جائز وواقع، ولكن الاعتماد في الصيام والإفطار على الرؤية، أو إكمال ثلاثين يوماً وهو معنى قوله: " فلا تصوموا حتى تروه " أي حتى تروا الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من شعبان وكذلك الحكم في الإِفطار، لا تفطروا حتى تروا الهلال بعد غروب اليوم التاسع والعشرين من رمضان، " فإن غم عليكم " أي فإن لم تروا الهلال ولم يظهر

стр. 1020

لكم لأي سبب من الأسباب، " فأكملوا العدة ثلاثين " أي فأتموا عدة أيام الشهر ثلاثين يوماً، سواء كان ذلك في الصيام كما نص عليه حديث الباب، أو في الإِفطار من رمضان كما في الأحاديث الأخرى، فقد جاء في رواية أخرى للبخاري عن ابن عمر " إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا " أخرجه البخاري، ومعنى ذلك أن هذا الحكم في الصيام والإِفطار معاً، وفي رواية أخرى عن ابن عمر أيضاًً: " الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له " أخرجه أبو داود والشيخان وأحمد بن حنبل. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن ثبوت رمضان يكون برؤية الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من شعبان بشهادة شاهدي عدل أنهما رأيا الهلال، ولا يثبت بعدل واحد، عند مالك وأحمد في رواية، وقال أكثر أهل العلم: يثبت بعدل واحد لحديث ابن عمر ﵄ قال: " تراءى الناس الهلال (١) فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصام، وأمر الناس بصيامه " أخرجه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم، قالوا: تقبل شهادة رجل واحد في الصيام، وبه يقول ابن المبارك والشافعي في قول: وأحمد في رواية، قال النووي: وهو الأصح. فإن لم ير الهلال فيثبت بإكمال شعبان ثلاثين يوماً. ثانياًً: أن الإفطار كالصيام يثبت أيضاًً بالرؤية أو بإكمال ثلاثين يوماً. إلاّ أنه لا يثبت عند عامة الفقهاء إلاّ برؤية عدلين، خلافاً للظاهرية. ...
следующие страницы →