← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

٦٤١ - " بَابُ إِنْ شَاء رَدَّ المصراة وفي حلبتها صاع من تمر " ٧٤١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ اشْتَرى غَنَمَاً مُصَرَّاةً فاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أمْسَكَهَا، وَإنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاع مِنْ تَمْرٍ ". ــ الناس بالباطل إذا لم يحصل المبيع، وقد نبه النبي ﷺ على هذه العلة في بيع الثمار قبل صلاحها، فقال: " أرأيت إن منع الله الثمرة، فبم يأكل أحدكم مال أخيه ". وقد ورد النهي عن بيع الغرر نصاً وتصريحاً في حديث، سعيد ابن المسيب أن رسول الله ﷺ " نهى عن بيع الغرر " أخرجه مالك في " الموطأ " ثم قال مالك رحمه (١) الله والأمر عندنا أن من المخاطرة والغرر اشتراء ما في بطون الإِناث، من النساء والدواب (٢)، لأنه لا يدري أيخرج أم لا، فإن خرج لم يدر أيكون حسناً أم قبيحاً؟ تاماً أم ناقصاً؟ ذكراً أم أنثى، وذلك كله يتفاضل، إن كان كذا فقيمته كذا وإن كان على كذا فقيمته كذا. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " نهى عن بيع حبل الحبلة ". ٦٤١ - " باب إن اشاء رد المصراة وفي حلبتها صاع من تمر " ٧٤١ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " من اشترى غنماً مصراة فاحتلبها " أي أن كل من غُرِّر به أو خدع في البيع، فاشترى غنماً قد حبس اللبن في ضرعها، وترك حَلْبُها مدة من الزمن ليكثر اللبن فيه فيظنَّ أنها حلوب كثيرة اللبن، فلما اشتراها وحلبها، ظهر له قلة لبنها، فإنّ له

стр. 1087

الحق في إبقائها أو ردها لبائعها لمدة ثلاثة أيام " فإن رضي أمسكها " أي فإن أحبها ورضي بها فله الحق في إبقائها " وإن سخطها " أي وإن كرهها فله الحق في ردها إلى صاحبها لمدة ثلاثة أيام، كما ذكرنا فإن ردها " ففي حلبتها صاع تمر " أي فإن عليه أن يدفع لصاحبها صاعاً من تمر عوضاً عن الحليب الذي شربه منها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم تصرية الغنم، ولو كان ذلك جائزاً لما كان للمشتري الحق في رد الشاة المصراة، وكذلك الإبل والبقر فإنه يحرم تصريتها لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا تصرُّوا الإِبل والغنم ... " إلخ متفق عليه، وفي رواية " لا تُصَرُّ " بالنفي وهو أبلغ، وقد جاء في الحديث الصحيح " أن النبي ﷺ نهى عن تصرية الحيوان إذا أريد بيعه ". ثانياًًً: أن للمشتري الحق في رد المصراة لمدة ثلاثة أيام على أن يدفعٍ لصاحبها صاعاً من تمر مقابل ما شربه من لبنها، سواء كانت غنماً أو إبلا أو بقراً، لما جاء في رواية أخرى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : " لا تصروا الإِبل والغنم، فمن ابتاعها بعد، فإنه بخير النظرين بين أن يحتلبها، إن شاء أمسك وإن شاء ردّها وصاعَ تمرٍ " متفق عليه وهو مذهب الجمهور، وقالت الحنفية: ليس له أن يردها وإنما يرجع على البائع بنقصان المبيع، وأجابوا عن حديث الباب وغيره بأنه مضطرب، لأنه ذكر التمر مرة، والقمح أخرى، وقالوا: إن هذا الحكم منسوخ، وأجيب بأن الطرق الصحيحة لا اختلاف ولا اضطراب فيها، وأما النسخ فإنه لا يثبت بالاحتمال. اهـ. كما أفاده الصنعاني. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " ففي حلبتها صاع من تمر ". ***

стр. 1088

٦٤٢ - " بَابُ مَنْ كَرِهَ أنْ يبيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ " ٧٤٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ ﵄ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللهَ ﷺ أنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ "، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄. ــ ٦٤١ - " باب من كره أن يبيع حاضِرٌ لباد بأجر " ٧٤٢ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " نهي رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد " أي نهي النبي ﷺ الحضري أن يتولى بيع السلعة للبدوي، فيصير له سمساراً، كما فسره بذلك ابن عباس ﵄، فقد روى البخاري بسنده المتصل عن ابن عباس أنّ طاووساً قال: قلت لابن عباس: ما قوله لا يبيع حاضر لباد قال: لا يكون له سمساراً. الحديث: أخرجه الخمسة، غير الترمذي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه لا يجوز للحضري أن يبيع للبدوي سلعته، وهو قول بعض أهل العلم منهم الشافعي وغيره، قال النووي: هذه الأحاديث تتضمن تحريم بيع الحاضر للبادي، وبه قال الشافعي والأكثرون، قال أصحابنا: والمراد به أن يقدم غريب من البادية أو من بلد آخر بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه، فيقول له البلدي: اتركه عندي لأبيعه على التدرج بأغلى. قال أصحابنا: وإنما يحرم بهذه الشروط وأن يكون عالماً بالنهي، وبه قال جماعة من المالكية، وقال بعض المالكية: يفسخ البيع (١) ما لم يفت، وقال عطاء ومجاهد وأبو حنيفة: يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقاً لحديث " الدين النصيحة " قالوا: وحديث " النهي عن بيع حاضر لباد "

стр. 1089

٦٤٣ - " بَابُ بَيعِ الشعير بالشعير " ٧٤٣ - عَنْ مَالِكِ بْنِ أوْسٍ ﵁: أنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفَاً بمائةِ دِينَارٍ قَالَ: فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطرفَ مِنِّي، فَأخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا في يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَأتِي خَازِنِي مِنَ الْغَابَةِ، وَعُمَرُ يَسْمَعُ ذلك، فَقَالَ: وَاللهِ لا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأخُذَ مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الذَّهَبُ بالذَّهَبِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ والبُرُّ بِالبُرِّ رِباً إِلَّا هَاءَ وهَاءَ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِباً إِلَّا هَاءَ وهَاءَ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ رِباً إلَا هَاءَ وَهَاءَ ". ــ منسوخ. اهـ. واختلف قول مالك في الشراء له، فمرة قال: لا يشتري له ولا يشتري عليه، ومرة أجاز الشراء له وهو قول الليث والشافعي (١). الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " فهي أن يبيع حاضر لباد " حيث أنّ النهي يدل على التحريم أو الكراهة على الأقل. ٦٤٣ - " باب بيع الشعير بالشعير " ٧٤٣ - معنى الحديث: يحدثنا مالك بن أوس ﵁ " أنه التمس صرفاً بمائة دينار " أي بحث عمن يصرفها له " قال: فدعاني طلحة " أي ناداني " فتراوضنا " أي فتساومنا عليها " حتى اصطرف مني " أي صرفها " ثم قال: " حتى يأتي خازني من الغابة " أي أمهلني في ثمنها حتى يأتي خازني من الغابة " وعمر يسمع ذلك فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه " الثمن " قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء " بفتح الهمزة

стр. 1090

أي إلاّ خُذْ وهات. قال العيني: والمراد أنهما يتقابضان في المجلس قبل التفرق منه، يعني أنّه لا يجوز بيع الذهب بالذهب إلاّ يداً بيد، فيتناول المشتري السلعة ويتناول البائع الثمن في وقت واحد ومجلس واحد، أما إذا تأخّر أحد البدلين عن الآخر فلا يجوز البيع، لأنه ربا النسيئة " والبر بالبر ربا إلاّ هاء وهاء " الخ أي وكذلك لا يجوز أن يتأخر أحد البدلين في البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر، لأنه ربا النسيئة، وهو محرم شرعاً. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز بيع الذهب بالذهب والبر بالبر والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، يداً بيد، أي بشرط أن يستلم البائع الثمن والمشتري السلعة قبل أن يتفرقا. ثانياًًً: أنه لا يجوز أن يتأخر أحد البدلين عن الآخر في بيع الذهب بالذهب، والبر بالبر والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، لأنه ربا النسيئة المحرم شرعاً. وكما لا تجوز النسيئة في بيع هذه الأصناف بنفسها، كذلك لا يجوز التفاضل، أما تحريم النسيئة فيدل عليه حديث الباب وأما تحريم التفاضل فتدل عليه أحاديث أخرى. وقد وردت هذه الأحكام مجتمعة في حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد " أخرجه مسلم فقد دل حديث عبادة هذا على أن بيع هذه الأصناف تعتريه أحكام ثلاثة: الأول: يحرم بيعها نسيئة وتفاضلاً إذا كان البدلان من نوع واحد، كبُرٍّ ببُرٍّ، وشعير بشعير (١) الثاني: يحرم بيعها نسيئة ويجوز تفاضلاً، إذا اختلف النوعان كبيع الشعير بالتمر (٢). الثالث: يجوز بيعها نسيئة وتفاضلاً إذا بيعت هذه

стр. 1091

٦٤٤ - " بَابُ بَيْعِ الذَّهَبِ بالذَّهَبِ " ٧٤٤ - عنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَبيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَواءٍ، والفِضَّةَ بالفِضَّةِ إلَّا سَوَاءً بِسَواءٍ، وبِيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ، والفِضَّةَ بالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْتُمْ ". ــ الأصناف بأصناف أخرى غير الأشياء المذكورة في الحديث، وهذا الحكم وإن كان غير منصوص عليه، إلاّ أنه يؤخذ من مفهوم الحديث، والله أعلم. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " الشعير بالشعير ربا إلاّ هاء وهاء ". ٦٤٤ - " باب بيع الذهب بالذهب " ٧٤٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء "، أي أنه ﷺ ينهانا عن بيع الذهب بالذهب إلّا إذا كانا متماثلين متساويين في مقدارهما ووزنهما. " والفضة بالفضة إلا سواء بسواء " أي وكذلك لا تبيعوا الفضة بالفضة إلاّ متماثلين " وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم " أي سواء كانا متماثلين أو متفاضلين أما النسيئة فلا تجوز لما جاء في الحديث السابق. فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم التفاضل في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، وهو ربا الفضل، وكذلك لا يجوز بيع البر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والزبيب بالزبيب، والملح بالملح متفاضلاً، كما جاء النهي عن ذلك في حديث عبادة بن الصامت الذي ذكرناه في شرح الحديث

стр. 1092

٦٤٥ - " بَابُ بَيْعِ الدِّينَارِ بالديْنَارِ نسَاءً " ٧٤٥ - عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ الله " عَنْهُ قَالَ: "الدِّينَارُ بالدِّينَارِ، والدِّرْهَمُ بالدِّرْهَمِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ــ السابق. وقد اتفق الفقهاء على تحريم ربا الفضل في السبعة الأصناف المذكورة في الحديث، واختلفوا فيما عداها (١)، فطائفة قصرت التحريم عليها وهم الظاهرية، وطائفة حرمت، التفاضل في كل مكيل أو موزون بجنسه، وهذا مذهب أحمد في ظاهر مذهبه، وأبي حنيفة وطائفة خصته بالنقدين والطعام مطلقاً، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد، سواء كان قوتاً أو فاكهة أو دواء، وطائفة خصته بالطعام مكيلاً أو موزوناً وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد، وطائفة خصته بالقوت وما يُصلحه وهو قول مالك، واعتبره ابن القيم أرجح الأقوال (٢). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاّ سواء بسواء ". ٦٤٥ - " باب بيع الدينار بالدينار نساءً " ٧٤٥ - معنى الحديث: أن أبا سعيد الخدري " قال: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم " أي لا يجوز بيع الدينار الواحد إلاّ بدينار واحد مثله في القدر والوزن، وكذلك لا يجوز بيع الدرهم من الفضة إلاّ بدرهم يساويه في وزنه، فلا يجوز التفاضل في بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، وفي رواية أخرى عنه: " الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم مثلاً بمثل، من زاد وازداد فقد أربى " أخرجه مسلم، " فقيل له: " أي قال أبو صالح

стр. 1093

لا يَقُولُهُ فَقَالَ أبو سَعِيدٍ سَألتُهُ، فقُلْتُ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أوْ وَجَدْتَهُ في كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ: كُل ذلِكَ لا أقُولُ وأنتُمْ أعْلَمُ برَسُولِ اللهِ ﷺ مِنِّى، ولَكِنَّنِي أخْبَرنِي أُسَامَةُ أن النبي ﷺ قَالَ: " لا رِبَا إِلَّا في النَّسِئَةِ". ــ الزيات راوي الحديث لأبي سعيد: " إن ابن عباس لا يقوله " أي لا يقول بربا الفضل، ولا يحرمه في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة والشعير بالشعير الخ. " فقلت: سمعته من النبي ﷺ " أي فقال أبو سعيد أتيتُ ابن عباس فسألته: هل سمعت جواز التفاضل بين المتماثلين من هذه الأصناف السبعة من النبي ﷺ " أو وجدته في كتاب الله " منصوصاً عليه فيه " قال: كل ذلك لا أقول " أي لم أجده في القرآن، ولا سمعته بنفسي من النبي ﷺ " ولكن أخبرني أسامة أن النبي ﷺ قال: لا ربا إلاّ في النسيئة " وهذا يدل على جواز التفاضل. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم ربا الفضل، لقول أبي سعيد: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، وأبو سعيد لا يقوله من عنده، وقد جاء هذا الحديث في رواية أخرى مرفوعاً إلى النبي ﷺ بلفظ " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى " أخرجه أحمد والبخاري. ثانياًًً: تحريم ربا النسيئة بقوله ﷺ : " لا ربا إلاّ في النسيئة " ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. ثالثاً: ذهب ابن عباس ﵄ إلى جواز بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والشعير بالشعير، وكل شيء بمثله متفاضلاً، وحصر الربا في بيع النسيئة فقط، وحجته في ذلك حديث أسامة " لا ربا إلاّ في النسيئة " وقد اتفقوا على صحته كما أفاده الحافظ، واختلف أهل العلم في الإِجابة عنه، فقال بعضهم: معنى قوله ﷺ : " لا ربا إلا في النسيئة " أن غيره

стр. 1094

٦٤٦ - " بَابُ بَيْعِ الْوَرِقِ بالذَّهَبِ نسِيئَةً " ٧٤٦ - عنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ وَزَيْدِ بْنِ أرْقَمَ ﵃: أنَّهُمَا سُئِلا عَنِ الصَّرْف فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: هَذَا خَيرٌ مِنِّي ــ من أنواع الربا بالنسبة إليه لا يُعَدُّ شيئاً (١)، لأن الخطر الأشد، والضرر الأعظم إنما هو في ربا النسيئة، فإنه متى وقع في أمة استشرى فيها وتمكن منها تمكن السرطان من الجسم الذي يحل فيه، ولأنه لا يكاد يقع ربا الفضل إلّا كان ربا النسيئة سبباً فيه، فلا تكاد ترى أحداً يقبل شراء التمر بالتمر متفاضلاً إلّا إذا كان الثمن مؤجلاً، وكذلك بيع الدراهم بالدراهم متفاضلاً سببه النسيئة كما نرى في الديون الربوية والمعاملات البنكية. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " الدينار بالدينار " يعني يداً بيد فلا تجوز النسيئة. ٦٤٦ - " باب بيع الورق بالذهب نسيئة " ٧٤٦ - معنى الحديث: أنه سئل البراء بن عازب وزيد بن أرقم

стр. 1095

وكلاهُمَا يَقُولُ: " نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيع الذَّهَبِ بالْوَرِقِ دَيْناً ". ٦٤٧ - " بَابُ بَيْعَ الْمُزَابَنَةِ " ٧٤٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا تَبيعُوا الثَّمَرَ حتى يَبْدُو صَلَاحُهُ، ولا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بالتَّمْرِ قَالَ: وأخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ في بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بالرُّطَبِ، ْ أو بالتَّمْرِ، ولم يُرَخِّصْ في غَيْرِهِ. ــ ﵃ عن صرف الذهب بالفضة أو بالعكس هل يجوز فيه الدين أم لا، فكان كل واحد منهما يدفع الفتوى عن نفسه، ويقول عن الآخر: إنه خير منه، ثم قالا: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق " يعنى بالفضة " ديناً " أي بالدين، وهو بيع ذهب حاضر بفضة مؤجلة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم الدين في الصرف، لأنه يلزم منه بيع أحد المتماثلين في العلة الواحدة بالآخر مؤجلاً، وهو ربا النسيئة. والمطابقة: في قوله: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق ديناً ". ٦٤٧ - " باب بيع المزابنة " وهو أي بيع المزابنة بيع الرطب بالتمر: ٧٤٧ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار عامة حتى تنضج، ويظهر صلاحها، وتصبح على الصفة التي يرغبها الناس فيها، وعلامة ذلك أن تحمرّ وتصفرّ، كما في الرطب مثلاً، ونهى ﷺ أيضاًً عن بيع الرطب بالتمر وهو ما يسمى عند العرب ببيع المزابنة، وبيع الزبيب بالعنب، وبيع العرايا، وسيأتي تفسيره، إلاّ أن النبي ﷺ استثنى من هذا النهي بيع

стр. 1096

العرايا، فأجازه ورخص فيها كما روى الزهري في هذا الحديث عن زيد بن ثابت " أنّ رسول الله ﷺ رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غيره " ومعناه أن النبي ﷺ استثنى من هذا بيع العرية فأجازه، وهو بيع الرطب على النخل من التمر بعد معرفة خرصه عند جفافه بشروط معينة. الحديث: أخرجه الشيخان. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم بيع الثمار قبل نضجها وسيأتي في موضعه. ثانياًًً: تحريم بيع المزابنة، وهو بيع الثمار الرطبة الناضجة بالثمار الجافة، كبِيع الرطب بالتمر، والعنب بالزبيب، لأنه يؤدي إلى التفاضل بين المتماثلين نوعاً وعلة، وهو ربا الفضل، ويستثنى من ذلك بيع العرية أو العرايا، وهو أن يبيع رطباً على النخل لا يبلغ خمسة أوسق بخرصه من التمر لمن يأكله رطباً، وقد رخص فيه النبي ﷺ وأجازه، قال ابن قدامة وهو قول أكثر أهل العلم منهم مالك وأهل المدينة والأوزاعي والشافعي وإسحاق. وقال أبو حنيفة (١) لا يحل بيعها لأن النبي ﷺ نهى عن بيع المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر متفق عليه. قال ابن قدامة: ولنا ما روى أبو هريرة " أن النبي ﷺ رخص في العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق " "قال" ورواه زيد بن ثابت، وسهل بن أبي حثمة وغيرهما، وخرجه أئمة الحديث في كتبهم وفي سياقه " إلا العرايا " كذلك في المتفق عليه، وهذه زيادة يجب الأخذ بها. اهـ. ثالثاً: قال في حديث الباب: " وأخبرني زيد ابن ثابت أن رسول الله ﷺ رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر " وظاهره يدل على جواز بيع الرطب على النخل بالرطب على الأرض ولكن الشراح تأوّلوا هذه الرواية كما قال القسطلاني بأن " أو" للشك وأكثر الروايات على أنه إنما قال بالتمر، فلا يعول على غيره. هذا وقد حمل بعض أهل العلم

стр. 1097

٦٤٨ - " بَابُ إِذَا بَاعَ الثِّمَارَ قَبْلَ أنْ يبدُوَ صَلَاحُهَا ثُمَّ أصَابَتْهَا عَاهَةٌ فَهُوَ مِنَ الْبَائِعِ " ٧٤٨ - عَنْ أنَس ﵁ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْع الثِّمَارِ حتَّى تُزْهِيَ، قِيلَ: وَمَا تُزْهِي، قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ، أرَأيْتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأخُذُ أحَدُكُمْ مَالَ أخِيهِ؟ ". ــ الحديث على ظاهره فأجازوا بيع الرطب على النخل بالرطب على الأرض، قال القسطلاني: وهو وجه عند الشافعية وقد روى النسائي والطبراني من طريق الأوزاعي عن الزهري ما يؤيّد أن " أو" للتمييز لا للشك حيث قال: بالرطب أو بالتمر. والمطابقة: في قوله: " ولا تبيعوا الثَّمرَ بالتمر " أي الرطب بالتمر. ٦٤٨ - " باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابته عاهة فهو مِنَ البائع " ٧٤٨ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ نهانا عن بيع الثمار التي على رؤوس النخل منفردة وحدها عن النخل حتى تنضج، ويظهر صلاحه ﷺ ، وهو معنى قوله: " حتى تُزْهي " قال الخليل: أزهى النخل بدا صلاحه، وفي رواية تزهو، وصوّبها بعضهم، وأنكر الياء، وصوب الخطابي الياء، ونفى تزهو بالواو، وقال ابن الأثير: والصواب الروايتان على اللغتين، يقال: زها يزهو إذا ظهرت ثمرته وأزهى يزهي إذا احمرّ واصفرّ كما جاء تفسيره بذلك في حديث الباب حيث قال: " فقيل لى: يا رسول الله وما تزهي؟ فقال: حتى تحمرّ " وفي رواية " أو تصفَرّ "، لأنه إذا احمرت أو اصفرت كان ذلك علامة على تمام نضوجها ثم بين أن العلة الشرعية في تحريم بيع الثمار قبل نضوجها

стр. 1098

هي ما يحتوي عليه هذا البيع من الضرر والمخاطرة، لأنها قد تتلف الثمرة فيخسر المشتري، فيؤدي ذلك إلي أكل أموال الناس بالباطل لاحتمال حدوث العاهة قبل أخذها " فقال ﷺ : أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه " " والمعنى " أنه إنما نهى ﷺ عن هذا البيع لأنه لا ينبغي لأحد أن يأخذ مال أخيه باطلاً، وبيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها قد يؤدي إلى ذلك، لأنه إذا تلفت الثمرة لا يبقى للمشتري في مقابل ما دفعه شيء. قال القسطلاني: واختلف في هذه الجملة هل هي مرفوعة (١) أو موقوفة فصرح مالك بالرفع، حيث قال في " الموطأ ": وقال رسول الله ﷺ : " أرأيت إذا منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه " وقال الدارقطني: خالف مالكاً جماعة، منهم ابن المبارك يعني فقالوا إنها موقوفة على أنس ﵁، قال الحافظ: وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قولَ من رفعه. الحديث: أخرجه الشيخان. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه والحديث صريح في ثمار النخل، حيث نهى عن بيعها حتى تزهي أي حتى تحمرّ أو تصفرّ، ويتم نضجها، ويظهر صلاحها، وكذلك الحكم في بيع العنب والحبوب، لما جاء في حديث أنس " أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع العنب حتى يسودّ، وعن بيع الحب حتى يشتد " أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة. ويعرف صلاح البلح بالاحمرار والاصفرار وصلاح العنب بظهور الماء الحلو اللين والسواد في بعضه والاصفرار في البعض الآخر، وصلاح الحبوب ببياضها واشتدادها وصلاح الفواكه بطيب الأكل، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، كرهوا بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، قال الزرقاني: وبه قال الجمهور:

стр. 1099

أما حكم هذا البيع من حيث الصحة والفساد فقد قال ابن قدامة: لا يخلو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أقسام. أحدها: أن يشتريها بشرط التبقية فلا يصح البيع إجماعاً، لأنّ النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها والنهى يقتضي فساد المنهي عنه. الثاني: أن يبيعها بشرط القطع في الحال، فيصح بالإِجماع، لأن المنع إنما كان خوفاً من تلف الثمرة، وحدوث العاهة عليها قبل أخذها. والثالث: أن يبيعها مطلقاً ولم يشترطا قطعاً ولا تبقية فالبيع باطل عند الحنابلة وبه قال مالك والشافعي، وأجازه أبو حنيفة، لأن إطلاق العقد يقتضي القطع، فهو كما لو اشترطه. اهـ. والمراد ببيع الثمار قبل بدو صلاحها الذي تجري فيه هذه الأحكام هو بيعها لغير مالك الأصل، أما بيعها مع الأصل فإنه يجوز في جميع الأحوال إجماعاً. فإن اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها: بشرط القطع، ثم أبقاها حتى بدا صلاحها فالبيع صحيح عند أكثر الفقهاء، وهو رواية عن أحمد. ثانياًًً: استدل ابن شهاب الزهري بهذا الحديث على أنه إذا باع البائع الثمرة منفردة عن الأصل قبل أن يبدو صلاحها، فأصابتها جائحة يعني عاهة (١) فأهلكتها كانت في ضمان البائع، فعليه أن يعوّض المشتري عما تلف من الثمرة، وفي هذا يقول الزهري كما رواه عنه البخاري: " ولو أن رجلاً ابتاع تمراً قبل أن يبدو صلاحه ثم أصابته عاهة كان ما أصابه على ربه " أي كان ذلك التلف محسوباً على مالك الثمرة " وهو البائع، والظاهر أن هذا هو مذهب البخاري. أمّا مذهب الفقهاء في هذه المسألة فقد قال ابن قدامة: " ما تهلكه الجائحة من الثمار من ضمان البائع " وبهذا قال أكثر أهل المدينة، منهم يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك وأبو عبيد وجماعة من أهل الحديث. وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد: هو من ضمان المشتري لما روي أنّ امرأة أتت النبي ﷺ فقالت:

стр. 1100

٦٤٩ - " بَابُ بَيْعِ الْمُخاضَرَةِ " ٧٤٩ - عَنْ أنسٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، والْمُخَاضَرَةِ، وَالْمُلامَسَةِ، والمُنَابَذَةِ، والْمُزَابَنَةِ ". ــ إن ابني اشترى ثمرة من فلان فأذهبتها الجائحة فسألته أن يضع عنه، فتألى أن لا يفعل فقال النبي ﷺ : " تألى فلان أن لا يفعل خيراً " متفق عليه ولو كان واجباً لأجبره عليه. قال ابن قدامة: ولنا ما روى مسلم في " صحيحه " عن جابر " أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح "، وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : " إن بعت من أخيك تمراً فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، لم تأخذ مال أخيك بغير حق " رواه مسلم وأبو داود. قال ابن قدامة: وفي رواية أخرى أن ما كان دون الثلث فهو من ضمان المشتري، وهو مذهب مالك والشافعي في القديم. اهـ. ويتلخص لنا من ذلك أن ما أتلفته الجائحة فيه " ثلاث أقوال: الأول: أنه في ضمان المشتري مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً: وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي في الجديد. الثاني: أنه في ضمان البائع مطلقاً، لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها وهو مذهب أحمد وجماعة من أهل الحديث وأكثر أهل المدينة. الثالث: أنه في ضمان المشتري إذا كان دون الثلث، وهو مذهب مالك والشافعي في القديم والله أعلم. والمطابقة: في قوله: " بم يأخذ أحدكم مال أخيه ". ٦٤٩ - " باب بيع المخاضرة " ٧٤٩ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن أنواع من البيوع. منها بيع المحاقلة: وهو بيع الزرع من البُرِّ والشعير في سنبله، والفول في غلافه

стр. 1101

٦٥٠ - " بَابُ بيعِ التَّصَاوِيرِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا رُوحٌ، ومَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ " ٧٥٠ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أنَّهُ أتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ ــ بحبٍ خالص من نوعه كيلاً (١) ومنها المخاضرة: وهي بيع الثمار قبل أن يظهر صلاحها، وقد تقدم، ومنها الملامسة: وهو أن يبيعه الشيء إذا لمسه بيده دون مشاهدته والمنابذة: وهي أن يقول له أي ثوب نبذته إليّ فقد اشتريته بكذا، والمزابنة: وقد تقدم شرحها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم هذه البيوع المذكورة وبطلانها أما المخاضرة فهي بيع الحبوب والثمار قبل أن يبدو صلاحها، وهو بيع محرم وباطل، وقد تقدم شرحه في الباب السابق، كما ترجم له البخاري. أما المحاقلة فهي عند الجمهور بيع الحنطة والشعير في سنبله، والفول في غلافه بحب من نوعه كيلاً، وقال مالك: هي كراء الأرض ببعض ما ينبت منها. أما الملامسة والمنابذة فقد تقدم شرحهما في شرح الحديث على حسب قول الجمهور فيهما. الحديث: أخرجه البخاري. ٦٥٠ - " باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح وما يكره من ذلك " ٧٥٠ - معنى الحديث: أن رجلاً قال لابن عباس ﵄: إنني أعمل في رسم الصور الحيوانية من ذوات الأرواح وأبيعها وأعيش من

стр. 1102

يَدِي، وإِنِّي أصْنَعُ هَذِه التَّصَاوِيرَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لا أحَدِّثُكَ إلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيها الرُّوحَ، وليْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أبَداً " فَرَبا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً، واصْفَرَّ وَجهُهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنْ أبيْتَ إلَّا أن تَصْنَعَ فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كلِّ شَيءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ. ــ كسبها، وأنفق على عيالي منها، فهل يجوز ذلك؟ فقال له ابن عباس ﵄: إنني لا أريد أن أجيبك على سؤالك هذا إلاّ بحديث سمعته بنفسي من رسول الله ﷺ حيث قال: " من صوّر صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ في الروح، وليس بنافخ " أي من رسم هذه الصور الحيوانية لذوات الأرواح، فإن الله تعالى سيعذبه يوم القيامة عذاباً شديداً طويلاً حتى ينفخ فيها الروح، وهذا أمر لا يقدر عليه، ولا يتمكن منه، فيطول عذابه إذن، " فربا الرجل ربوة شديدة واصفر " أي فلما سمع الرجل هذا الوعيد الشديد الذي يترتب على تصوير الصور الحيوانية فزع فزعاً شديداً حتى اصفرّ لونه من شدة الخوف: " فقال: ويحك إن أبيت إلاّ أن تصنع فعليك هذا الشجر " أي فلما رأى ابن عباس ما أصاب هذا الرجل من الفزع والخوف الشديد من هذا الوعيد، وأدرك الحرج الذي وقع فيه، وأن الرجل بين أمرين أحلاهما مر، أشفق عليه، ورثا لحاله، وعبر عن ذلك بقوله: " ويحك " فهي كلمة ترحم وعطف وإشفاق، ثم أشار عليه بعمل من جنس مهنته لا إثم فيه، فقال: إذا كنت لا بد لك من التصوير، ولا غنى لك عنه، لأنه مهنتك التي لا غنى لك عنها في حياتك، وصنعتك التي لا بد لك منها، ولا تعرف غيرها، وتجارتك التي تتعيش منها، فإن في إمكانك أن ترسم الصور النباتية والطبيعية كالأشجار والأزهار والجبال والأنهار، وتتكسسب منها، ولا يكون عليك في

стр. 1103

٦٥١ - " بَابُ تحْرِيمِ التِّجَارَةِ في الْخمْرِ " ٧٥١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سُورَةِ الْبَقَرةِ عنْ آخِرِهَا خَرَجَ النبي ﷺ فَقَالَ: " حُرِّمَتْ التِّجَارَةُ في الْخَمْرِ ". ــ رسمها وبيعها أي حرج من الناحية الدينية. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم رسم الصور الحيوانية وتصوير ذوات الأرواح من إنسان ودابّة وطير وبيعها واقتنائها. ثانياًً: جواز تصوير الصور النباتية والطبيعية من غير ذوات الأرواح وبيعها، والتكسب منها، كما أفتى بذلك ابن عباس ﵄: وهو ما ترجم له البخاري استناداً إلى قول ابن عباس ﵄. والمطابقة: بين قول ابن عباس ﵄ في الحديث " إن أبيت إلاّ أن تصنع فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح " وبين قوله في الترجمة: " باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح ". ٦٥١ - " باب تحريم التجارة في الخمر " ٧٥١ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " لما نزلت آيات سورة البقرة " ولفظه في رواية أخرى: " لما نزلت الآيات من سورة البقرة في الربا " " خرج النبي ﷺ فقال: حرمت التجارة في الخمر " أي أنّه لما نزلت آيات تحريم الربا خرج النبي ﷺ من بيته إِلى المسجد، فأعلن تحريم التجارة في الخمر والبيع والشراء فيها، لأن كل ما لا يجوز تناوله من المشروبات تحرم التجارة فيه، لما في ذلك من ترويج المشروبات المحرمة بين

стр. 1104

٦٥٢ - " بَابُ إِثْمَ مَنْ بَاعَ حُراً " ٧٥٢ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: " قَالَ اللهُ: ثَلَاثَة أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُل أعطى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرَّاً فأكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأجَرَ أجِيراً فاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أجْرَهُ ". ــ الناس وتشجيع الناس على تعاطيها وشربها. الحديث: أخرجه الخمسة إلا الترمذي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم بيع المسكرات وأشباهها من المشروبات التي تحجب العقول وتغيبها وكذلك سائر المخدرات، لما في ذلك من ترويج السموم الفتاكة بين الناس، وشلّ حركتهم الجسمية والعقلية والنفسية، والقضاء على إرادتهم وتحطيم شخصيتهم، وانتشار الجنون فيهما. والمطابقة: في قوله: " حرمت التجارة في الخمر ". ٦٥٢ - " باب إثم من باع حراً " ٧٥٢ - معنى الحديث: يحدثنا رسول الله ﷺ في هذا الحديث عن ربه فيقول: " قال الله: ثلاثه أنا خصمهم " أي ثلاثة أنواع من البشر هم أعداء الله، والله خصمهم الشديد الخصومة لهم، ومن كان الله خصمه فقد هلك لا محالة. " رجل أعطى بي ثم غدر " قال العيني: فيه حذف المفعول (١)، تقديره أعطى العهد باسمي، واليمين بي، ثم نقض العهد، ولم يف به. وقال ابن الجوزي: معناه حلف في قوله، ثم غدر ونقض العهد الذي حلف عليه، واجترأ على الله تعالى. " ورجل باع حراً فأكل ثمنه " أي باع حراً عالماً بحريته، عامداً متعمداً، ثم أخذ ثمنه، وأدخله على نفسه.

стр. 1105

٦٥٣ - " بَابُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ " ٧٥٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: " بَاعَ النبي ﷺ المُدَبَّرَ ". ٦٥٤ - " بَابُ ثَمَنِ الْكَلْبِ " ٧٥٤ - عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁: ــ " ورجل استأجر أجراً " أي عاملاً " فاستوفى منه " عمله " ولم يعطه أجرته " أي وأكل عليه أجرة عمله. الحديث: أخرجه البخاري وأحمد وابن ماجة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم بيع الحر وكونه من الكبائر، لأن هذا الوعيد لا يترتب إلاّ على كبيرة. ثانياًًً: أن من الكبائر الجرأة على الأيمان الباطلة، ونقض العهود، وأكل أجرة الأجير، لأنه استخدمه بغير عوض، وأكل حقه بالباطل، وهو من أقبح المظالم وأشدها. والمطابقة: في قوله: " رجل باع حراً ". ٦٥٣ - " باب بيع المدبَّر " ٧٥٣ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: " باع النبي ﷺ المدبر " وهو العبد الذي أعتقه سيده بعد موته. الحديث: أخرجه أيضاًً أبو داود والنسائي وابن ماجة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز بيع المدبر، قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، لم يروا في بيع المدبر بأساً وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وكره قوم بيع المدبر، وهو قول سفيان الثوري ومالك. والمطابقة: في قوله: " باع النبي ﷺ المدبَّر ". ٦٥٤ - " باب ثمن الكلب " ٧٥٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن ثلاثة أشياء.

стр. 1106

" أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، ومَهْرِ البَغِيِّ، وحُلْوَانِ الْكَاهِنَ ". ــ الأول: أنه ﷺ " نهى عن ثمن الكلب " أي عن بيع الكلب، وأخذ ثمنه مطلقاً، سواء كان معلَّماً على الصيد أو غير معلّم، أو كان مما يجوز اقتناؤه مثل كلب الماشية والحرث، أو مما لا يجوز اقتناؤه. الثاني: أنه ﷺ نهى عن " مهر البغي " وهو الثمن الذي تتقاضاه الزانية مقابل تسليم نفسها للرجل الأجنبي وسماه مهراً مجازاً. الثالث: أنه نهى ﷺ عن " حلوان الكاهن " وهو ما يأخذه الكاهن أو الكاهنة مقابل تنبأهما بالغيب. والكاهن الذي يدعي علم الغيب، ويخبر الناس بزعمه عن الكائنات الغيبية والأشياء المستقبلية، وهو شامل لكل من يدعي ذلك من منجم وضراب بالحصا ونحوه، وسمّى ما يتقاضاه الكاهن حلواناً تشبيهاً بالشيء الحلو، لأنه يؤخذ سهلاً بلا كلفة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم هذه الأشياء الثلاثة المذكورة، وقد أجمع العلماء على تحريم مهر البغي، ثم اختلفوا فيما يصنع فيه، واختار ابن القيم أنه يجب التصدق به، ولا يرد إلى الدافع، لأنه دفعه باختياره في مقابل عوض لا يمكن استرجاعه، فهو كسب خبيث يجب التصدق به، ولا يعان صاحب المعصية بحصول غرضه، ورجوع ماله. وأجمعوا أيضاًً على تحريم حلوان الكاهن وأنه لا يحل له ما يأخذه، ولا يحل لأحد تصديقه. أما بيع الكلب وأخذ ثمنه فإن ظاهر الحديث يدل على تحريم بيعه وأكل ثمنه مطلقاً، مأذوناً فيه أو غير مأذون، وهو مذهب أحمد والشافعي والأوزاعي وداود، وعلة تحريم بيعه نجاسته: وجوّز أبو حنيفة بيع الكلب الذي فيه منفعة، وعن مالك ثلاث روايات: الأولى: لا يجوز، وتجب القيمة، والثانية: يجوز بيع ما فيه منفعة: والثالث كالجمهور. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: ظاهرة.

стр. 1107

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتابُ السَّلَمِ " ٦٥٥ - " بَابُ بَيْعِ السَّلَمِ في كَيْل مَعْلُومٍ " ٧٥٥ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ والنَّاسُ يُسْلِفُونَ في التَّمْرِ السَنّتيْنِ والثَّلَاثَ فَقَالَ: " مَنْ أسْلَفَ في شَيْءٍ ففِي كيْل مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلِ مَعْلُوم ". ــ " كتاب السلم " السلم بفتح السين واللام معناه لغة: تسليم رأس المال في مجلس البيع، ويسمى سلفاً أيضاًً، إلاّ أن السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز، أما السلم شرعاً فهو بيع شيء مؤجل موصوف في الذمة بثمن معجّل مقبوض في مجلس العقد كبيع عشرين أردباً من القمح مؤجلة، إلى عام أو عامين بأربعة آلاف معجلة نقداً في مجلس العقد، وهو بيع شرعه الإِسلام لمنفعة البائع بتوسعه في الثمن ومنفعة المشتري بشراء السلعة بأقل من قيمتها الحاضرة. ٦٥٥ - " باب بيع السلم في كَيْل معلوم " ٧٥٥ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة وجد الأنصار يتعاملون بالسلم، فيبيعون التمر مؤجلاً إلى عام أو عامين أو ثلاثة أعوام بثمن معجل مقبوض حالاً في مجلس العقد، فأقرهم ﷺ على بيع السلم

стр. 1108

-هذا- لما فيه للمتبايعين من مصلحة ظاهرة، ولكنه ضبطه بشروط معينة فقال ﷺ : " من أسلف في شيء " أي من اشترى شيئاً من تمر أو بُرّ أو شعير مؤجلاً إلى عام أو عامين بثمن حاضر مقبوض في مجلس العقد، " فيسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم "، أي فليكن الشيء الذي اشتراه شيئاً معيناً، معلوم المقدار، محدود الكمية كيلاً ووزناً، مضبوطاً بأجل معلوم، ومدة معينة معروفة محددة كسنة أو سنتين مثلاً، لا بأجل مجهول المدة غير محدد الزمن. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز بيع السلم، لأن النبي ﷺ أقر أهل المدينة عليه، وضبطه لهم بشروط معينة، وهو ما ترجم له البخاري. ثانياًً: أنه يشترط في صحة السلم شروطاً لا بد منها: الأول: أن يكون المبيع محدود الكمية، معلوم المقدار كيلاً أو وزناً أو ذرعاً أو عدداً، فلا يصح السلم في مجهول القدر، لما فيه من الغرر والضرر، وفتح باب النزاع والشقاق. الثاني: أن يكون المبيع مؤجلاً أجلاً معلوماً مؤقتاً بفترة معينة وزمن محدود لا يختلف، لقوله ﷺ " إلى أجل معلوم " فإذا كان مما يختلف كالجذاذ والحصاد، فلا يجوز، وهو قول أحمد والشافعي وأبي حنيفة، وقال أحمد في رواية: أرجو أن لا يكون به بأس، وهو مذهب مالك وأبي ثور. قال ابن قدامة: (١) ولنا ما روي عن ابن عباس ﵄ أنّه قال: لا تبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا تبايعوا إلاّ إِلى شهر معلوم، واستدل المالكية بما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: " إن رسول الله ﷺ بعث إلى يهودي أن ابعث إليَّ بثوبين إلى الميسرة " ولكن قال أحمد: رواه (حربي) بن عمارة وفيه (غفلة) وهو صدوق. الثالث: أن يقبض الثمن فوراً في مجلس العقد لقوله ﷺ : " فليسلف " والإِسلاف تسليم الثمن مقدماً، وإعطاءه حالاً في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل قبض الثمن فالعقد باطل عند

стр. 1109

أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك: يجوز أن يتأخر يومين أو ثلاثاً أو أكثر ما لم يكن ذلك شرطاً. والرابع: أن يكون السلف في الذمة لا في الأعيان، فلا يجوز في ثمرة بستان بعينه، لأنه لا يؤمن من تلفه، قال ابن المنذر: إبطال السلف في ذلك كالإِجماع من أهل العلم. الخامس: أن يكون المبيع مستوفياً لشروط البيع كلها، لأنّ السلم نوع من أنواعه. السادس: أن يكون المبيع مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها، فيصح في الحبوب والثمار والدقيق والثياب والحديد والرصاص والكبريت، وكل مكيل أو موزون أو مزروع أو معدود، قال ابن قدامة: واختلفت الرواية في السلف في الحيوان، فروي: لا يصح السلم فيه، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي، قال: وظاهر المذهب يصح السلم فيه، قال ابن المنذر (١): وممن روينا عنه أنه لا بأس بالسلم في الحيوان ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والأوزاعي والشافعي، وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: " أمرني رسول الله ﷺ أن أبتاع البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى مجيء الصدقة ". اهـ. واستدل الحنفية وأهل الكوفة على عدم جوازه بما أخرجه الحاكم في " المستدرك " أنّ (٢) النبي ﷺ نهى عن السلف في الحيوان "، قال الزيلعي في " نصب الراية ": قال الحاكم: حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. إلاّ أن من رواته إسحاق بن إبراهيم، وقد قال فيه ابن حبان: منكر الحديث جداً يأتي عن الثقات بالموضوعات. السابع: أن يضبط المبيع بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهراً من جنس ونوع وجودة ورداءة ولون وبلد، قال ابن قدامة: ولا يجب استقصاء كل الصفات، لأن ذلك متعذر، فيجب الاكتفاء بالأوصاف الظاهرة التي يختلف الثمن بها ظاهراً، فيصف التمر بأربعة أوصاف: النوع برني أو معقلي، والبلد إن كان يختلف، فيقال: بغدادي أو بصري، فإنّ البغدادي أحلى لعذوبة

стр. 1110

الماء، وأقل بقاءً، والبصري بخلاف ذلك، والقدر " يعني الحجم " كبار أو صغار، وحديث أو عتيق، فأما اللون، فإن كان النوع الواحد مختلفاً كالطبرز يكون أحمر ويكون أسود ذكره: ثم ذكر أن البُرَّ يوصف بأربعة أوصاف النوع والبلد والحجم وحديث أو عتيق. اهـ. الثامن: قال الصنعاني: واختلفوا أيضاًً في شرطية المكان الذي يسلم فيه فأثبته جماعة، وذهب آخرون إلى عدم اشتراطه، وفصلت الحنفية فقالت: إن كان لحمله مؤونة فيشترط، وإلّا فلا، وقالت الشافعية: إن عقد حيث لا يصح التسليم كالطريق يشترط وإلا فقولان. هذا وقد اختلفوا هل يشترط في المبيع أن يكون موجوداً عند بائعه حال العقد، فذهب الشافعي ومالك إلى أنّه لا يشترط، واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن أبزى " بفتح الهمزة وسكون الباء " قال: " كنا نصيب الغنائم مع رسول الله ﷺ وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنستلفهم في الحنطة والشعير والزبيب قيل: أكان لهم زرع؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك " أخرجه البخاري، قال الصنعاني وهو استدلال بفعل الصحابي أو تركه ولا دليل على أنه ﷺ علم بذلك، وأقره. قال الصنعاني: (١) ويعارض ذلك حديث ابن عمر عند أبي داود: " ولا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه " فإن صح ذلك كان مقيداً لتقريره لأهل المدينة "على سلم السنة والسنتين، وأنه ﷺ أمرهم أن لا يسلفوا حتى يبدو صلاح النخل، وهذا يؤيد ما ذهب إليه أبو حنيفة من أنه يشترط في المسلم فيه أن يكون موجوداً عند العقد إلى الحلول (٢). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فليسلف في كيل معلوم ".

стр. 1111

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتابُ الشُّفْعَةِ " ٦٥٦ - " بَابُ عَرْض الشُّفْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبلَ الْبيْعِ " ٧٥٦ - عَنْ أبِي رَافِع مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ : أنَّهُ جَاءَ إِلِى سَعْد بْنِ أبِي وَقَّاصٍ ﵁ فَقالَ لَهُ: ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ في دَارِكَ، فَقَالَ سَعْدُ: وَاللهِ لا أزِيدُكَ على أرْبَعَةِ آلافٍ مُنَجَّمَةٍ أو ــ ٦٥٦ - " باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع " الشفعة: مأخوذة من شفع الشيء إذا ضمَّه إليه، لأن صاحبها يضم مال غيره إلى ماله. وهي شرعاً كما قال ابن قدامة: استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه إلى غيره من يد من انتقلت إليه بثمنها، فإذا أراد أحد الشريكين أن يبيع نصيبه، فالذي يقتضيه حسن العشرة أن يبيعه لشريكه، فإذا باعه لأجنبي فقد سلط الشريك على صرف ذلك لنفسه. ٧٥٦ - معنى الحديث: أن البخاري يروي بسنده عن أبي رافع " أنه جاء إلى سعد بن أبي وقاص فقال له ابتع مني بيتي في دارك "، أي أن أبا رافع مولى النبي ﷺ كان يملك غرفتين. في دار سعد بن أبي وقاص، فأراد بيعهما لحاجة عرضت له، فعرضهما على سعد، لأن له حق الشفعة " فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة " أي فسامهما منه سعد بأربعة آلاف

стр. 1112

مَقَطَّعَةٍ، فَقالَ أبُو رَافِعٍ: لَقَدْ أعْطِيْتُ بِهَا خَمْسَمِائَةِ دينَار ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: " الْجَارُ أحقُّ بسَقَبِهِ، ما أعطَيْتُكَهَا بأرْبَعَةِ آلافٍ، وَأنا أُعْطى بِهَا خمْسمِائَةِ دينَارٍ، فأَعطَاهَا أيَّاهُ. ــ درهم فقط مقسمة على أقساط معينة، وأقسم أن لا يزيده على ذلك " فقال أبو رافع: لقد أُعطيت بها خمسمائة دينار " أي لقد سيمت منّي بأكثر من هذا الثمن حيث أعطيت فيها خمسمائة دينار " ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: الجار أحق بسقبه " بفتح السين والقاف، ويجوز إبدال السين صاداً وهو القُرب " ما أعطيتكها بأربعة آلاف " يريد أبو رافع أن يقول: لا بد لي من أن أبيعهما لك، ولو بسعر أقل، وإن الذي يدفعني إلى بيعهما لك بأربعة آلاف مع أنني أعطيت فيهما أكثر هو هذا الحديث الذي سمعته من النبي ﷺ والذي قرّر فيه حق الجار في شراء نصيب جاره، وتفضيله في البيع على غيره، وتقديمه على سواه، لما بينهما من علاقة قوية وقرابة وثيقة، ولولا ذلك لما بعتها لك بهذا الثمن الأقل. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه ينبغي للجار إذا أراد أن يبيع ما يخصه من الأرض أو الدار أن يعرضها على جاره كما فعل أبو رافع، وكذلك الشريك، وهو أولى لقوله ﷺ " من كان له شريك في حائط فلا يبيع نصيبه من ذلك حتى يعرضه على شريكه " أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، لكن يؤيده ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال فيه: " لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به ". قال النووي: وهذا محمول عندنا على الندب على إعلامه، وكراهة بيعه قبل إعلامه كراهة تنزيه (١) وليس

стр. 1113

بحرام، ويصدق على المكروه أنّه ليس بحلال ويكون الحلال بمعنى المباح، وهو مستوى الطرفين والمكروه ليس بمستوى الطرفين، بل هو راجح الترك. ثانياًًً: إثبات حق الشفعة للجار لقوله ﷺ في حديث الباب " الجار أحق بسقبه " وبهذا قال أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العلم، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة، منها حديث الباب، ومنها حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: " جار الدار أحق بالدار " أخرجه النسائي وصححه ابن حبان. وذهب الجمهور إلى أنه لا شفعة للجار، وإنما الشفعة للشريك فقط، قالوا: والمراد بالجار في هذه الأحاديث الشريك (١) ويدل على ذلك حديث أبي رافع، لأنه سمّى الخليط جاراً، والقول بأنه لا يعرف في اللغة تسمية الشريك جاراً غير صحيح. وأجيب بأن أبا رافع لم يكن شريكاً لسعد، وإنما كان جاراً له، لأنه كان يملك بيتين في دار سعد. واستدل الجمهور على أن الجار لا شفعة له بما جاء في حديث جابر ﵁ حيث قال: " قضى رسول الله بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة " متفق عليه، وفي رواية مسلم " الشفعة في كل شرك في أرض أو رَبع " قالوا: وهذه الأحاديث تدل على حصر الشفعة فيما لم يقسم ولم تحدَّد حدوده، ومفهومه أن كل ما قسم وحددت حدوده لا شفعة فيه، والجار داخل في ذلك كما يقول الجمهور. الحديث: أخرجه أيضاًً أبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " ابتع مني بيتي في دارك ". ...

стр. 1114

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتَابُ الإِجَارَة " الإِجارة تكاد تكون من البديهيات التي هي ليست بحاجة إلى من يعرفها، ولكن العلماء عنوا بذلك لتحديدها تحديداً دقيقاً مطابقاً للوجه الشرعي الصحيح، فقالوا: الإِجارة لغة: بكسر الهمزة وفتحها وضمها، والكسر أشهر، مصدر سماعي لفعل أجر على وزن ضرب، ومعناها الجزاء على العمل، وقال بعضهم: ليست مصدراً ولكنها اسم لما يعطى على العمل، والتحقيق أنها تأتي على الوجهين. وشرعاً: تمليك منفعة معلومة مقصودة من العين المستأجرة بعوض، كتمليك منفعة الدار سكناً واستغلالاً مقابل العوض والأجرة التي تؤخذ من المستأجر، ويخرج بذلك البيع والهبة، لأنه تمليك للذات لا للمنفعة، وقولنا " معلومة " هذا شرط لا بد منه فيجب أن تكون المنفعة معروفة عند الفريقين. ولا بد أن تكون المنفعة مقصودة، أي معتبرة شرعاً وعقلاً. وأركان الإِجارة كالبيع: عاقد: وهو المؤجر والمستأجر ومعقود عليه: وهو الأجر والمنفعة وصيغة: وهي الإِيجاب والقبول، وتنعقد بأي لفظ يوضّح غرض المتعاقدين.

стр. 1115

٦٥٧ - " بَابُ اسْتئجَارِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ وقول الله تعَالى (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) وَمَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ مَنْ أرَادَهُ " ٧٥٧ - عن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ: أقْبَلْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الأشْعرِيِّينَ، فَقُلتُ: ما عَلِمْتُ أنهما يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ، فَقَالَ: " لَنْ - أوْ لا نَسْتَعْمِلُ على عَمَلِنَا مَنْ أرَادَهُ ". ــ ٦٥٧ - " باب استئجار الرجل الصالح " أي هذا باب في بيان مشروعية استئجار الرجل الصالح للعمل الذي يسند إليه من ناحية دينه وأمانته، ومن ناحية كفاءته وأهليته. ٧٥٧ - معنى الحديث: أن أبا موسى الأشعري ﵁ ذهب إلى رسول الله ﷺ يشفع في رجلين من الأشعريين يطلبان أن يوليهما رسول الله ﷺ عملاً من الأعمال الهامة التي تتعلق بها مصالح المسلمين، كالجباية أو القضاء أو نحو ذلك " فقال: لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده " أي لا نولّي على هذه الأعمال من حرص عليها وسعى إليها، لأنه ينبغي أن يُحْترَسَ من الحريص على الولاية ولأن من طلبها وكل إليها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الأعمال الهامة التي تتعلق بها مصالح المسلمين من أمارة وقضاء وجباية وشرطة، إنما تسند إلى من تتوفر فيه الصلاحية والكفاءة والأهلية لها لا لمن يطلبها ويحرص عليها، لأن الحرص عليها مظنة التهمة، ولأنه إن طلبها وُكِلَ إليها، ولا يعان عليها، قال ابن بطال: لما كان طلب العمالة دلالة على الحرص وجب أن يحترز من الحريص عليها. اهـ. ثم إن النبي ﷺ أعرض عن الرجلين الذين سألا الإِمارة

стр. 1116

٦٥٨ - " بَابُ إِثْمِ مَنْ مَنَعَ أجْرَ الأجِيرِ " ٧٥٨ - عن أبي هُريْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: " قَالَ اللهُ تَعَالى: ثَلَاثَةٌ أنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ أعطى بي ثمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاع حراً فَأكلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأجَرَ أجيراً فاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أجرَهُ ". ــ ولم يولهما، وولَّى أبا موسى الذي لم يسألها. ثانياًً: أنه لا ينبغي طلب الأعمال الهامة في الدولة والسعي إليها من إمارة وحسبة وقضاء وشرطة، لأن النبي ﷺ أنكر عليهما طلبهما للولاية، وأعرض عنهما، ولم يولهما إيّاها لحرصهما عليها وقد جاء النهي عن ذلك (١) وظاهره التحريم. ثالثاً: أنه ينبغي لولي الأمر أن لا يولّي العمل من أراده وطلبه وسعى إليه حرصاً على مصالح المسلمين، لأنه مظنة التهمة، وهو ما ترجم له البخاري بقوله: " لن أو لا نستعمل من أراده ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " لا نستعمل من أراده ". ٦٥٨ - " باب إثم من منع أجر الأجير " ٧٥٨ - معنى الحديث: هذا حديث قدسي يرويه نبينا ﷺ عن ربه أنه " قال ثلاثة أنا خصمهم " قال ابن التين: وهو سبحانه خصم لجميع الظالمين إلاّ أنه أراد التشديد على هؤلاء بالتصريح. اهـ. وذلك لأن الخصم عدو لخصمه، قوي العداوة له، شديد الكراهة له، والمعنى: أن هؤلاء الثلاثة من أهل الكبائر في يتعرضون يوم القيامة لأشد العقوبة، لأنّهم أعداء لله، خصوم له، والخصم مكروه مبغوض عند خصمه، إذا ظفر به عاقبه

стр. 1117

٦٥٩ - " بَابُ ما يُعْطَى في الرُّقْيةِ " ــ أشد العقوبة، فكيف بمن كان الله خصمه ولهذا قال: " ومن كنت خصمه خصمته " كما في بعض الروايات " لأنه العزيز القهار المنتقم الجبار إذا أخذ الظالم لم يفلته " أمّا هؤلاء الثلاثة فأولهم: رجل عاهد عهداً وحلف بالله على الوفاء به، ثم غدر بالرجل الذي عاهده، وخانه ونقض العهد الذي بينه وبينه. والثاني: رجل اغتصب رجلاً حراً أو جحد عتقهُ له، ثم باعه وأكل ثمنه، قال الخطابي: يقع ذلك بأمرين (١) إمّا أن يعتقه ثم يكتم ذلك أو يجحده، وإمّا بأن يستخدمه كرهاً بعد العتق، وإنما كان الله خصمه كما قال ابن الجوزي، لأن الحر عبد لله، فمن جنى عليه فخصمه سيده. والثالث: رجل استخدم غيره في عمل له مقابل أجر معين، فاستوفى منه عمله، ومنعه أجرته. الحديث: أخرجه البخاري وأحمد وابن ماجة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: ما ترجم في البخاري وهو إثم من منع أجر الأجير، وأنه كبيرة من الكبائر، ولولا أنه كبيرة لما ترتب عليه هذا الوعد الشديد. ثانياًًً: أن هذه الجرائم الثلاثة المذكورة كلها كبائر. والمطابقة: في قوله: " ورجل استأجر أجيراً ". ٦٥٩ - " باب ما يعطى في الرقية " والمراد بهذا الباب ذكر الأحاديث الدالة على جواز أخذ الأجرة على الرقية وهي كما أفاده العيني " كل كلام استشفي به من مرض أو خوف أو شيطان أو نحوه، والمراد بها الرقية بالقرآن والأذكار والأدعية المأثورة كما يدل عليه حديث الباب.

стр. 1118

٧٥٩ - عنْ أَبي سَعِيدٍ الْخدْرِيِّ ﵁ قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أصحَاب النَّبِيِّ ﷺ ، في سَفْرَةٍ سافَروهَا، حتى نَزَلوا على حٍّي من أحْيَاءِ العَرَبِ، فاسْتَضَافوفمْ، فَأبَوْا أنْ يضَيِّفوهُمْ، فَلدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسعَوْا لَه بِكلِّ شَيءٍ لا يَنْفَعه شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لو أتَيْتمْ هؤلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلوا، لَعَلَّة أنْ يكونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيءٌ فأَتوْهُمْ، فَقالُوا: يَا أيُّهَا الرَّهْط إِنَّ سَيِّدَنَا لدِغَ وسعَيْنَا لَة بِكلِّ شَيْءٍ لا يَنْفَعه، فهلْ عِنْدَ أحَدٍ مِنْكُم مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعْم واللهِ إِني لأرْقِي، ولكِنْ واللهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكمْ فَلَمْ تضَيِّفُونَا، فما أنَا بِرَاق لَكمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جعْلاً، فصَالَحوهم عَلى قَطِيع من الغَنَمِ، فانْطَلَقَ يَتْفُل ــ ٧٥٩ - معنى الحديث: أن جماعة من الصحابة منهم أبو سعيد ﵁ مروا أثناء سفرهم على قبيلة، فسألوهم الضيافة المعتادة، فامتنعوا عن ضيافتهم لشدة بخلهم، فبينما هم في ديارهم، إذا برئيس القبيلة تلسعه عقرب فيتسمم جسمه وتشتد عليه آلامه، فيحاولون علاجه بشتى الوسائل، فيفشلون في ذلك، فيلجؤون إلى هؤلاء الجماعة من الصحابة فيسألونهم معالجة رئيسهم إن كان لديهم شيء ينفعه ويخلصه مما هو فيه، ويشفيه من آلامه الشديدة، التي تكاد تقضي عليه، فقال أحدهم: أنا أعالجه بالرقية بشرط أن تعطونا أجرة على علاجه، لأنكم بخلتم علينا بالضيافة، فاتفقوا معه على قطيع من الغنم يدفع إليهم مقابل علاجهم لمريضهم، فذهب إلى المريض، وأخذ يتفل عليه، ويرقيه بفاتحة الكتاب، أي يتفل عليه من ريقه مصحوباً بالقراءة. قال أبو سعيد: " فكأنما نشط من عقال " أي فشفي المريض في الحال، وانقطعت آلامه فوراً كأنما كان مربوطاً بحبل وأطلق منه، فأعطوهم قطيعاً من الغنم

стр. 1119

عَلَيْهِ وَيَقْرأ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَال، فانْطَلَقَ يَمْشِي وما بِهِ قَلَبَة، قَالَ: فَأوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الذي صَالَحُوهُم عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فقَالَ الَّذِى رَقَى: لا تَفْعَلُوا حتَّى نَأتِيَ النبي ﷺ ، فَنَذْكُرَ لَهُ الذي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يأمُرُنَا، فَقَدِمُوا علَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: " وَمَا يُدْرِيكَ أنَّهَا رُقِيّة؟ " ثم قَالَ: "قد أصَبْتُمْ اقسِمُوا واضْرِبُوا لي مَعَكُمْ سَهْماً، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ". ــ الذي تعاقدوا معهم عليه، فقال بعض الصحابة، نقسم هذا القطيع بيننا، ونأكله، فقال أبو سعيد: لا تتصرفوا فيه حتى نصل إلى رسول الله ﷺ ونخبره بما وقع لنا، ونسأله عن حكمه، ونفعل ما يأمرنا به. فلما قدموا إليه، أخبروه بالقصة فقال له النبي ﷺ : " وما يدريك أنها رقية " أي أن الفاتحة رقية عظيمة وشفاء من الأدواء والأسقام، ولكن كيف عرفت هذا، وفي رواية الدارقطني: " وما علمك أنّها رقية " قال: " حق ألقي في روعي " أي فراسة وإلهام من الله تعالى ألقى في قلبي فأحسست به إحساساً داخلياً وعملت بمقتضاه. وهذا توفيق من الله تعالى، حيث ألقى إليه في قلبه بهذا الإلهام الرباني الصادق، فجاء موافقاً للواقع، وهو معنى قوله ﷺ له: " قد أصبتم " أي قد وفقتم فيما ألهِمْتُم به وفي علاجكم لهذا الرجل اللديغ حيث كنتم سبباً في نجاته، ثم أمرهم أن يقسموا تلك الأغنام، وشاركهم فيها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي والترمذي. والمطابقة: في إقراره ﷺ لهم على أخذ الأجرة على الرقية فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الرقية الصحيحة، وثبوت نفعها بإذن الله تعالى، لأن أبا سعيد قال: "والله إني

стр. 1120

٦٦٠ - " بَابُ عَسْبِ الْفَحْلِ " ٧٦٠ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " نَهَى النبي ﷺ عن عَسْبِ الْفَحْلِ ". ــ لأرقي" ثم رقى الملدوغ، فشفي في الحال، واستجمع قواه " وانطلق يمشي، وما به قلبة " بفتح القاف واللام أي وليست به أي علة أو مرض. " قال الشوكاني ": وفي الحديث دليل على جواز الرقية بكتاب الله، ويلتحق به ما كان بالذكر والدعاء المأثور، وكذا غير المأثور مما لا يخالف المأثور. اهـ. ويدل على ذلك حديث الباب وغيره من الأحاديث الصحيحة. ثانياًًً: جواز أخذ الأجرة على الرقية الصحيحة كما تؤخذ على سائر المنافع، وهو ما ترجم له البخاري، وهو قول جمهور أهل العلم. ثالثاً: فضل سورة الفاتحة. وكونها شفاء ودواء ورقية عظيمة، وعن أبي سعيد مرفوعاً: " إنها شفاء من كل سقم ". قال ابن بطال: وموضع الرقية منها " إياك نستعين ". وعن ابن مسعود ﵁ قال: مرض الحسن أو الحسين فنزل جبريل ﵇، فأمره أن يقرأ الفاتحة على إناء من الماء أربعين مرة فيغسل يديه ورجليه ورأسه أخرجه أبو داود. ٦٦٠ - " باب عسب الفحل " قال العيني: واختلف أهل اللغة: هل هو " الضراب " أو الكراء الذي يؤخذ عليه، أو ماء الفحل. ٧٦٠ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن الأجرة التي تؤخذ على الفحل مقابل تلقيحة وضرابه للناقة أو البقرة أو الشاة. قال في " النهاية " لم ينه عن واحد منهما أي عن ماء الفحل، ولا عن ضراب الفحل، وإنما أراد

стр. 1121

النهي عن الكراء الذي يؤخذ عليه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب إعارة الفحل من حمل أو ثور أو تيس لينتفع به أصحاب المواشي في ضرابها وتلقيحها دون مقابل، لأنّه لما نهى عن كرائه دل ذلك على استحباب إعارته، وقد جاء التصريح بذلك في قوله ﷺ : " من حقها إطراق فحلها " أي إعارة الفحل للناس ليطرق مواشيهم. ثانياًً: النهي عن كراء الفحل وأخذ الأجرة عليه، وقد حمل النهي على التحريم، وهو قول أكثر الفقهاء، كما حكى عنهم الخطابي، قال العيني: وجزم الشافعي بتحريم البيع، لأن ماء الفحل غير متقوّم ولا معلوم. وذهب أبو هريرة إلى جواز الإِجارة عليه إذا استأجره على نزوات معلومة وعلى مدة معلومة، فإن آجره على الطرق حتى تحمل لم يصح، وهو قول مالك، وأجاز مانعو الأجرة أن يعطي صاحبه شيئاً على سبيل الهدية خلافاً لأحمد، والعلة في تحريم عسب الفحل لأنه ليس من مكارم الأخلاق، ولما فيه من جهالة وغرر، لأنه تسليم أجرة إزاء منفعة غير محققة حيث إنّه لا يعلم أتحمل أم لا؟ والعلة في إباحته عند من يجيزه قياسه على جواز أخذ الأجرة على تلقيح النخل. الحديث: أخرجه أيضاًً الأربعة. والمطابقة: في نهيه ﷺ عن عسب الفحل، وهو ما ترجم له البخاري. ***

стр. 1122

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتَابُ الْحَوَالَاتِ " ٦٦١ - " بَابُ الْحَوَالَةِ وَهَلْ يَرْجِعُ في الْحَوَالَةِ " ٧٦١ - عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: " مَطل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبعَ أحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ ". ــ ٦٦١ - " كتاب الحوالات " الحوالة لغة: النقل من محل إلى محل آخر، سواء كان المنقول عيناً أو شيئاً في الذمة، كنقل الدين من شخص لآخر. وشرعاً: نقل الدين من ذمة شخص إلى ذمة شخص آخر نظير دين مماثل له عليه، فتبرأ الذمة الأولى وتشغل الذمة الثانية. وأركانها أربعة: محيل، ومحال به، وهو الدين، ومحال عليه، وصيغة، في لا تنحصر في الإحالة بل تصح بكل ما يدل على نقل الدين، كقوله: " خذ حقك من فلان " فإن كان أخرس أجزأته الإِشارة. هذا وقد اتفقوا على صحة الحوالة وبراءة الذمة الأولى بها إذا كان للمحيل دين على المحال عليه. ٦٦١ - " باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة " ٧٦١ - معنى الحديث: أنه يحرم على المدين أن يتهرّب عن تسديد

стр. 1123

الدين الذي عليه عند حلول الأجل إذا كان قادراً على الدفع في حينه، فإذا تأخر عن التسديد مع قدرته عليه كان ظالماً للدائن، متعدياً عليه، مستحقاً للعقوبة في الدنيا بالسجن (١) ونحوه، وفي الآخرة بعقوبة الله التي تنال الظالمين من أمثاله، سواء توفر لديه المال بالفعل، أو استطاع الحصول عليه من تجارة أو صناعة أو نحوها. وهو معنى قوله ﷺ : "مطل الغني ظلم " فإن المطل في اللغة المدافعة، والمراد به هنا: تأخير ما وجب أداؤه لغير عذر من قادر على الأداء، قال الصنعاني: والمعنى على تقدير أنه من إضافة المصدر إلى الفاعل أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه، بخلاف العاجز. اهـ. فإذا جاء الدائن لاستلام حقه فأحاله المدين على شخص غني فعليه أن يقبل هذه الإحالة لما في ذلك من مصلحة الطرفين، وهو معنى قوله ﷺ : " فإذا اتبع على مليء " أي إذا أحيل الدائن على شخص غني قادر على الدفع " فليتبع " أي فليقبل الحوالة لما فيه من السماحة وحسن المعاملة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يحرم تأخير تسديد الدين عند حلول أجله على من كان قادراً عليه، بأن كان المال المطلوب موجوداً لديه بالفعل، أو كان قادراً على تحصيله من جهة ما وذلك إذا طلبه الدائن بلفظ صريح أو إشارة أو تلميح أو قرينة ظاهرة، فلا يحرم التأخير إلّا بهذين الشرطين: القدرة على الدفع ومطالبة الدائن بالسداد فإذا تأخر في هذه الحالة، جاز الحجر عليه وبيع أملاكه لتسديد دينه. ثانياًًً: مشروعية الحوالة بمعناها الشرعي الصحيح، وأن على الدائن إذا أحاله المدين على شخص غني يسهل عليه أخذ حقه (٢) منه أن يقبل هذه الحوالة، ولا يعارض فيها، وأنه

стр. 1124

لا ينبغي له أن يرفضها لقوله ﷺ : " إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع " أي فليقبل هذه الحوالة، هو أمر بقبول الحوالة، والأمر للوجوب عند الظاهرية، وحمله الجمهور على الندب والاستحباب، فقالوا: لا يجب على المحال قبول الحوالة، وإنما يستحب له ذلك فقط خلافاً للظاهرية، ومن ثم اختلفوا هل يعتبر في الحوالة رضا الشخص المحال أو لا يعتبر، قال في " الإِفصاح " (١) اختلفوا إذا لم يرض المحال، فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: يعتبر رضاه، عن أحمد روايتان، والحديث بظاهره حجة لمن يقول لا يعتبر رضاه، وهو مذهب الظاهرية وأبي ثور وابن جرير وأحمد في رواية، حيث إن الأصل في الأمر الوجوب. ثالثاً: أن المحال إذا لم يتمكن من أخذ حقه من المحال عليه لسبب ما كالفلس مثلاً، فإنه لا يرجع على المحيل، وهو مذهب أكثر أهل العلم، لأن قوله " فليتبع " معناه قبول الحوالة ندباً، أو وجوباً، والحوالة عقد لازم يجب الالتزام به مهما تغيرت الظروف والأحوال فليس من حق المحال أن يرجع على المحيل بحال من الأحوال. قال ابن رشد: فإن جمهور العلماء أنه إذا أفلس المحال عليه لم يرجع صاحب الدين على المحيل بشيء (٢). اهـ. وهو ما ترجم له البخاري بقوله: " وهل يرجع في الحوالة. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً عليها.

стр. 1125

٦٦٢ - " بَابٌ إِذَا أحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ على رَجُلٍ جَازَ " ٧٦٢ - عن سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ ﵁ قَالَ: " كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أتِىَ بِجَنَازَةٍ فقالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنُ؟ قَالُوا: لا، قَال: فَهَلْ تَرَكَ شيْئاً؟ قَالُوا: لا، فَصَلَّى عَلَيْهِ. ثُمَّ أتِي بِجَنَازَةٍ أخْرَى فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ، قال: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئاً؟ قَالُوا: ثَلَاَثةَ دَنَانِيرَ، فَصَلَّى عَليْهَا، ثم أُتِي بالثَّالِثَةِ، فَقالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: هَلْ تَرَكَ شَيْئاً؟ قَالُوا: لا، قال: فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ؟ قَالَ: صَلُّوا على صَاحِبِكُمْ، قَالَ أبو قُتادة: صَلِّ عَليْهِ يا رَسُولَ اللهِ وعليَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ ". ــ ٦٦٢ - " باب إذا أحال دين الميت على رجل جاز " أي إذا أحال أحد دين الميت على رجل وقبل الحوالة جازت الحوالة. ٧٦٢ - معنى الحديث: أن سلمة بن الأكوع ﵁ يروي لنا في هذا الحديث أنهم بينما كانوا جالسين مع النبي ﷺ في مسجده قدمت بين يديه جنازة ليصلي عليها فقال ﷺ : " هل ترك هذا الميت مالاً " وهل عليه دين؟ فقالوا: لا، فصلى على جنازته لبراءة ذمته من حقوق الناس. ثم جيء بجنازة أخرى ليصلي عليها، فسأل: هل على هذا الميت دين؟ فقالوا: نعم عليه دين، قال: هل خلّف مالاً، قالوا ثلاثة دنانير، فصلى عليه ﷺ ، لأنه ترك سداد دينه، فبرأت ذمته من حقوق الناس وتبعاتهم. ثم قدمت بين يديه جنازة ثالثة فقال: هل ترك مالاً قالوا: لا، قال: فهل عليه دين،
следующие страницы →