← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

النهي عن الكراء الذي يؤخذ عليه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب إعارة الفحل من حمل أو ثور أو تيس لينتفع به أصحاب المواشي في ضرابها وتلقيحها دون مقابل، لأنّه لما نهى عن كرائه دل ذلك على استحباب إعارته، وقد جاء التصريح بذلك في قوله ﷺ : " من حقها إطراق فحلها " أي إعارة الفحل للناس ليطرق مواشيهم. ثانياًً: النهي عن كراء الفحل وأخذ الأجرة عليه، وقد حمل النهي على التحريم، وهو قول أكثر الفقهاء، كما حكى عنهم الخطابي، قال العيني: وجزم الشافعي بتحريم البيع، لأن ماء الفحل غير متقوّم ولا معلوم. وذهب أبو هريرة إلى جواز الإِجارة عليه إذا استأجره على نزوات معلومة وعلى مدة معلومة، فإن آجره على الطرق حتى تحمل لم يصح، وهو قول مالك، وأجاز مانعو الأجرة أن يعطي صاحبه شيئاً على سبيل الهدية خلافاً لأحمد، والعلة في تحريم عسب الفحل لأنه ليس من مكارم الأخلاق، ولما فيه من جهالة وغرر، لأنه تسليم أجرة إزاء منفعة غير محققة حيث إنّه لا يعلم أتحمل أم لا؟ والعلة في إباحته عند من يجيزه قياسه على جواز أخذ الأجرة على تلقيح النخل. الحديث: أخرجه أيضاًً الأربعة. والمطابقة: في نهيه ﷺ عن عسب الفحل، وهو ما ترجم له البخاري. ***

стр. 1122

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتَابُ الْحَوَالَاتِ " ٦٦١ - " بَابُ الْحَوَالَةِ وَهَلْ يَرْجِعُ في الْحَوَالَةِ " ٧٦١ - عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: " مَطل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبعَ أحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ ". ــ ٦٦١ - " كتاب الحوالات " الحوالة لغة: النقل من محل إلى محل آخر، سواء كان المنقول عيناً أو شيئاً في الذمة، كنقل الدين من شخص لآخر. وشرعاً: نقل الدين من ذمة شخص إلى ذمة شخص آخر نظير دين مماثل له عليه، فتبرأ الذمة الأولى وتشغل الذمة الثانية. وأركانها أربعة: محيل، ومحال به، وهو الدين، ومحال عليه، وصيغة، في لا تنحصر في الإحالة بل تصح بكل ما يدل على نقل الدين، كقوله: " خذ حقك من فلان " فإن كان أخرس أجزأته الإِشارة. هذا وقد اتفقوا على صحة الحوالة وبراءة الذمة الأولى بها إذا كان للمحيل دين على المحال عليه. ٦٦١ - " باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة " ٧٦١ - معنى الحديث: أنه يحرم على المدين أن يتهرّب عن تسديد

стр. 1123

الدين الذي عليه عند حلول الأجل إذا كان قادراً على الدفع في حينه، فإذا تأخر عن التسديد مع قدرته عليه كان ظالماً للدائن، متعدياً عليه، مستحقاً للعقوبة في الدنيا بالسجن (١) ونحوه، وفي الآخرة بعقوبة الله التي تنال الظالمين من أمثاله، سواء توفر لديه المال بالفعل، أو استطاع الحصول عليه من تجارة أو صناعة أو نحوها. وهو معنى قوله ﷺ : "مطل الغني ظلم " فإن المطل في اللغة المدافعة، والمراد به هنا: تأخير ما وجب أداؤه لغير عذر من قادر على الأداء، قال الصنعاني: والمعنى على تقدير أنه من إضافة المصدر إلى الفاعل أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه، بخلاف العاجز. اهـ. فإذا جاء الدائن لاستلام حقه فأحاله المدين على شخص غني فعليه أن يقبل هذه الإحالة لما في ذلك من مصلحة الطرفين، وهو معنى قوله ﷺ : " فإذا اتبع على مليء " أي إذا أحيل الدائن على شخص غني قادر على الدفع " فليتبع " أي فليقبل الحوالة لما فيه من السماحة وحسن المعاملة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يحرم تأخير تسديد الدين عند حلول أجله على من كان قادراً عليه، بأن كان المال المطلوب موجوداً لديه بالفعل، أو كان قادراً على تحصيله من جهة ما وذلك إذا طلبه الدائن بلفظ صريح أو إشارة أو تلميح أو قرينة ظاهرة، فلا يحرم التأخير إلّا بهذين الشرطين: القدرة على الدفع ومطالبة الدائن بالسداد فإذا تأخر في هذه الحالة، جاز الحجر عليه وبيع أملاكه لتسديد دينه. ثانياًًً: مشروعية الحوالة بمعناها الشرعي الصحيح، وأن على الدائن إذا أحاله المدين على شخص غني يسهل عليه أخذ حقه (٢) منه أن يقبل هذه الحوالة، ولا يعارض فيها، وأنه

стр. 1124

لا ينبغي له أن يرفضها لقوله ﷺ : " إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع " أي فليقبل هذه الحوالة، هو أمر بقبول الحوالة، والأمر للوجوب عند الظاهرية، وحمله الجمهور على الندب والاستحباب، فقالوا: لا يجب على المحال قبول الحوالة، وإنما يستحب له ذلك فقط خلافاً للظاهرية، ومن ثم اختلفوا هل يعتبر في الحوالة رضا الشخص المحال أو لا يعتبر، قال في " الإِفصاح " (١) اختلفوا إذا لم يرض المحال، فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: يعتبر رضاه، عن أحمد روايتان، والحديث بظاهره حجة لمن يقول لا يعتبر رضاه، وهو مذهب الظاهرية وأبي ثور وابن جرير وأحمد في رواية، حيث إن الأصل في الأمر الوجوب. ثالثاً: أن المحال إذا لم يتمكن من أخذ حقه من المحال عليه لسبب ما كالفلس مثلاً، فإنه لا يرجع على المحيل، وهو مذهب أكثر أهل العلم، لأن قوله " فليتبع " معناه قبول الحوالة ندباً، أو وجوباً، والحوالة عقد لازم يجب الالتزام به مهما تغيرت الظروف والأحوال فليس من حق المحال أن يرجع على المحيل بحال من الأحوال. قال ابن رشد: فإن جمهور العلماء أنه إذا أفلس المحال عليه لم يرجع صاحب الدين على المحيل بشيء (٢). اهـ. وهو ما ترجم له البخاري بقوله: " وهل يرجع في الحوالة. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً عليها.

стр. 1125

٦٦٢ - " بَابٌ إِذَا أحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ على رَجُلٍ جَازَ " ٧٦٢ - عن سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ ﵁ قَالَ: " كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أتِىَ بِجَنَازَةٍ فقالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنُ؟ قَالُوا: لا، قَال: فَهَلْ تَرَكَ شيْئاً؟ قَالُوا: لا، فَصَلَّى عَلَيْهِ. ثُمَّ أتِي بِجَنَازَةٍ أخْرَى فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ، قال: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئاً؟ قَالُوا: ثَلَاَثةَ دَنَانِيرَ، فَصَلَّى عَليْهَا، ثم أُتِي بالثَّالِثَةِ، فَقالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: هَلْ تَرَكَ شَيْئاً؟ قَالُوا: لا، قال: فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ؟ قَالَ: صَلُّوا على صَاحِبِكُمْ، قَالَ أبو قُتادة: صَلِّ عَليْهِ يا رَسُولَ اللهِ وعليَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ ". ــ ٦٦٢ - " باب إذا أحال دين الميت على رجل جاز " أي إذا أحال أحد دين الميت على رجل وقبل الحوالة جازت الحوالة. ٧٦٢ - معنى الحديث: أن سلمة بن الأكوع ﵁ يروي لنا في هذا الحديث أنهم بينما كانوا جالسين مع النبي ﷺ في مسجده قدمت بين يديه جنازة ليصلي عليها فقال ﷺ : " هل ترك هذا الميت مالاً " وهل عليه دين؟ فقالوا: لا، فصلى على جنازته لبراءة ذمته من حقوق الناس. ثم جيء بجنازة أخرى ليصلي عليها، فسأل: هل على هذا الميت دين؟ فقالوا: نعم عليه دين، قال: هل خلّف مالاً، قالوا ثلاثة دنانير، فصلى عليه ﷺ ، لأنه ترك سداد دينه، فبرأت ذمته من حقوق الناس وتبعاتهم. ثم قدمت بين يديه جنازة ثالثة فقال: هل ترك مالاً قالوا: لا، قال: فهل عليه دين،

стр. 1126

قالوا: عليه دين مقداره ثلاثة دنانير فتوقف عن الصلاة عليه، وأمرهم أن يصلوا عليه، " قال أبو قتادة صلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينه " يعني فتكفل أبو قتادة بتسديد ذلك الدين الذي عليه " فصلى عليه " النبي ﷺ عند ذلك. الحديث: أخرجه أيضاًً النسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: التحذير من الدين، والتوقي منه، والإِسراع في تسديده، لأن النبي ﷺ لم يصل على من ترك ديناً لم يترك سداده، لتعلق حق الناس بذمته، قال الصنعاني: ويدل هذا الحديث على شدة أمر الدين، فإنه ﷺ ترك الصلاة عليه لأنها شفاعة، وشفاعته مقبولة لا ترد، والدين لا يسقط إلا بالتأدية. وقال البيضاوي: لعله امتنع عن الصلاة على المدين الذي لم يترك وفاءً تحذيراً عن الدين، وزجراً عن المماطلة، وكراهة أن يوقف دعاؤه عن الإِجابة بسبب ما عليه من مظلمة الخلق. وقد كان ﷺ في أوّل هجرته وقبل فتح الفتوحات لا يصلي على المدين، فلما كثرت الفتوحات، وزاد: رأس المال الإسلامي، وتضاعف الدخل العام، تحمّل رسول الله ﷺ ديون هؤلاء، فقال ﷺ كما في حديث أبي هريرة، " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم " فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته " أخرجه البخاري ولهذا قال بعض أهل العلم: يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداءً بالنبي ﷺ ، فإنه ﷺ صرح بوجوب ذلك عليه في قوله " فعليّ قضاؤه ". اهـ. كما أفاده العيني. ثانياًً: جواز الحوالة في دين الميت، وأن الوارث إذا أحال دين الميت على غني، وقبل هذه الإحالة، صحت الحوالة شرعاً، وهو ما ترجم له البخاري واستدل عليه بحديث الباب، مع أنّه في الضمان والكفالة لا في الحوالة لتقاربهما، لأنهما ينتظمان في كون كل منهما نقل ذمة إلى ذمة أخرى، وقال أبو ثور: الكفالة والحوالة سواء، وكلاهما ينقل الحق عن ذمة المضمون عنه والمحيل، وحكي

стр. 1127

ذلك عن ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود كما أفاده ابن قدامة، ويرى الحنفية أن لا كفالة ولا حوالة عن الميت إذا لم يترك شيئاً، ونصَّ في " الهداية " على أن دين الميت لا يقبل الحوالة. ثالثاً: جواز ضمان دين (١) الميت الذي لم يترك شيئاً وكفالته، ولا رجوع للكفيل عندئذٍ في مال الميت إن ظهر للميت مال، وهو مذهب الشافعي والصاحبين محمد وأبي يوسف، وقال مالك: له أن يرجع (٢) في ماله إن ظهر له مال. وقال أبو حنيفة لا يجوز إذا لم يترك الميت مالاً. والمطابقة: في: " في كفالته لدين الميت والحوالة والكفالة سواء. ...

стр. 1128

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتابُ الْوَكَالَةِ " ٦٦٣ - " بَابُ وَكَالة الشَّرِيكِ الشَّرِيكَ في القِسْمَةِ وَغَيْرِهَا " ٧٦٣ - عن عُقْبَةَ بْنِ عَامرٍ ﵁: أنَّ النبي ﷺ أعْطَاهُ غَنَماً يَقْسِمُهَا على صحَابَتِهِ فَبَقِيَ عَتُودٌ فذكَرَهُ ــ " كتاب الوكالة " الوكالة لغة: بكسر الواو وفتحها، معناها الحفظ والكفاية والضمان، يقال: فلان وكيل فلان، بمعنى أنه حافظ لأمواله، أو نائب عنه في تدبير أعماله وكافيه فيها، قال الراغب: التوكيل أن تعتمد على غيرك، وتجعله نائباً عنك. وهو فعيل بمعنى المفعول. أما الوكالة شرعاً فهي كما يعرفها الفقهاء " استنابة شخص جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة عنه شرعاً من حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين ". وقولهم: " جائز التصرف " يخرج به كل من لا حقّ له في التصرف من صبي أو سفيه أو مجنون أو متخلف عقلياً، فإن استنابتهم لغيرهم لا تعد وكالة شرعية. أما الحقوق التي تجري فيها الوكالة فهي كثيرة، منها المعاملات كالبيع والشراء والإِجارة والمساقاة والهبة والوقف وغيرها، ومنها النكاح والطلاق والخلع والعتاق، ومنها المطالبة بالحقوق والمحاكمة فيها، ويجوز التوكيل في إقامة الحدود، وفِي العبادات المالية كالزكاة، والحج إذا آيس من الحج بنفسه، ولا يصح التوكيل في الشهادة والأيمان، ولا فِي العبادات البدنية المحضة. إلخ. ٦٦٣ - " باب وكالة الشريكِ الشريكَ في القسمة وغيرها " ٧٦٣ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ وهب مجموعة من غنم

стр. 1129

للنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " ضَحِّ بِهِ أنْتَ ". ٦٦٤ - " بَابُ الْوَكَالَةِ في قضاءِ الدُّيُونَ " ٧٦٤ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَجُلاً أتى النَّبيَّ ﷺ يَتَقَاضَاهُ فأغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أصْحَابُهُ، فَقَالَ ــ الضحايا لفقراء الصحابة، وأمر عقبة بن عامر ﵁ أن يتولّى قسمتها عليهم، فقبل هذه الوكالة، وقسم هذه الأغنام عليهم، قال: " فبقي عتود " بفتح العين وهو الصغير من ولد المعز " فقال: ضح وبه أنت " أي فأعطاه النبي له ليضحي به. فقه الحديث: استدل به البخاري على جواز وكالة الشريك لشريكه، لأنه فهم من الحديث أن عقبة كان وكيلاً عن أولئك النفر من الصحابة الذين شاركهم في الغنم وناب عنهم في استلامها وقسمتها. أما نفس القضية فجائزة اتفاقاً، وأما الاستدلال عليها بهذا الحديث، فهي مسألة فيها نظر لجواز أن يكون عقبة وكيلاً عن رسول الله ﷺ في هذه القسمة وهو الأقرب، لأنه هو الذي أمره بها. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " أعطاه غنماً يقسمها على صحابته " حسب مفهوم البخاري. ٦٦٤ - " باب الوكالة في قضاء الديون " ٧٦٤ - معنى الحديث: أن بعض الناس كان قد أسلف النبي ﷺ بعيراً إلى أجل معين، فلما حان الأجل حضر إلى النبي ﷺ يطلب منه تسديد الدين الذي عليه وذلك بأن يعطيه بعيراً مثل البعير الذي استدانه منه، قال أبو هريرة ﵁: " فأغلظ " يعني فاشتد الرجل في طلبه، وأعنف

стр. 1130

رَسُولُ اللهِ ﷺ : " دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحبِ الْحَقِّ مقَالاً "، ثُمَّ قَالَ: " أعْطُوهُ سِنَّاً مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لا نَجِدُ إلَّا أمثَلَ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: أعْطُوهُ، فَإِنَّ خَيْركم أحْسَنُكُمْ قَضَاءً ". ــ في مقاله واستعمل بعض العبارات الجافة، والكلمات القاسية، إما لكونه كان يهودياً، أو لأنه كان جافاً بطبعه دون أن يقصد الإِساءة إلى النبي ﷺ قال: " فهمّ به أصحابه " أي أرادوا الانتقام من هذا الرجل ولكنهم منعوا أنفسهم أدباً معه ﷺ ، " فقال رسول الله ﷺ : دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً " أي اتركوه، ولا تتعرضوا له بشيء، فإن الله قد جعل لصاحب الحق -سواء كان دائناً أو مؤجراً أو أجيراً- الحق في المطالبة بحقه شريطة عدم التعدي على غيره، " ثم قال: أعطوه سناً مثل سنه " أي ثم أمر النبي ﷺ بعض الصحابة أن يعطيه بعيراً من إبل الصدقة مساوياً لبعيره في السن " قالوا: يا رسول الله إنا لا نجد إلا أمثل من سنه " أي لم نجد إلاّ بعيراً أكبر من بعيره " قال أعطوه " أي أعطوه بعيراً أكبر من بعيره، وسددوا له الدين بأفضل منه، وأكثر قيمة، " فإن خيركم أحسنكم قضاء " أي فإن أفضلكم في معاملة الناس، وأكثركم ثواباً أحسنكم قضاءً للحقوق التي عليه ديناً أو غيره. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز التوكيل في قضاء الدين وهو ما ترجم له البخاري، لأن النبي ﷺ وكّل بعض الصحابة وهو أبو رافع أن ينوب عنه في قضاء الدين الذي عليه، بإعطاء الدائن بعيراً أمثل من بعيره من إبل الصدقة، كما يدل عليه حديث الباب. وعن أبي رافع ﵁ أن النبي ﷺ استلف من رجل بكراً " بفتح الباء وسكون الكاف " أي بعيراً صغيراً فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَةً قال: لا أجد إلا خيارًا رباعياً "بفتح الراء، وهو

стр. 1131

البعير الذي دخل في السنة السابعة من عمره" فقال: " أعطه إياه، فإن خيار الناس أحسنهم قضاء " رواه مسلم. لهذا قال الجمهور: يجوز (١) الوكالة في قضاء الدين استدلالاً بهذه الأحاديث، ولأن الدين من الحقوق المالية التي يصبح التوكيل فيها. ثانياًً: قال العيني: فيه حجة لمن (٢) قال بجواز قرض الحيوان، وهو قول الأوزاعي والليث ومالك والشافعي وأحمد واسحاق. وأجاز استقراض الجواري الطبري والمزني، وعن مالك إن استقرض أمة لم يطأها، وإن حملت ردها بعد الولادة وقيمة ولدها. اهـ. وقال أحمد والشافعي: لا يجوز قرض الإِماء كما أفاده ابن عبد البر وابن قدامة. ثالثاً: قال الصنعاني: في الحديث دليل (٣) على أنه يستحب لمن عليه دين من قرض أو غيره أن يرد أجود من الذي عليه (٤)، وأن ذلك من مكارم الأخلاق المحمودة عرفاً وشرعاً، ولا يدخل في القرض الذي يجرّ نفعاً، لأنه لم يكن مشروطاً من المقرض، وإنما ذلك تبرع من المستقرض، وظاهره العموم للزيادة عدداً أو صفة وقال مالك: الزيادة في العدد لا تحل. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. ...

стр. 1132

٦٦٥ - " بَاب إِذَا وَكَّلَ رجُلاً فتركَ الْوَكِيلُ شَيْئَاً فَأجَازَهُ الموَكِّلُ فهو جَائِز " ٧٦٥ - عنْ أبِي هُرَيْرَةَْ ﵁ قَالَ: " وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأتَانِي آتٍ، فجَعَلَ يَحثُو مِنَ الطَّعَامِ، فأخَذْتُةْ، وَقُلْتُ لأرْفَعَنَّكَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: إنِّي مُحْتَاجٌ، وعَليَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَة شَدِيدَة، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فأصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : يا أبَا هُرَيْرَةَ ما فَعَلَ أسِيرُكَ البَارِحَةَ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شكا حَاجَةً شَدِيدَةً وعِيَالاً فَرحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: إِمَّا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وسَيَعُودُ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ــ ٦٦٥ - " باب إذا رجلاً فترك شيئاً فأجازه الموكل فهو جائز " (١) ٧٦٥ - معنى الحديث: أن رسول الله ﷺ وكل أبا هريرة على حفظ الزكاة أو الخراج فجاءه شخص مجهول " فجعل يحثو من الطعام " أي يأخذ منه ملء كفه مرة بعد أخرى، ويفرغه في وعائه، ليذهب به، فأمسك به أبو هريرة وتهدده بشكواه إلى رسول الله ﷺ فجعل الرجل يستعطفه، ويرجوه أن يترفق به ويتركه ويعطيه من تمر هذه الزكاة وبُرِّها، لأنه بائس مسكين فقير الحال، كثير العيال، ولولا حاجته الشديدة لما مد يده إلى هذا الطعام فرثى لحاله، وأطلقه، فلما: أصبح من تلك الليلة " قال النبي ﷺ : ما فعل أسيرك البارحة " يعني سأل، عن قصته مع ذلك الرجل الذي لقيه ليلة البارحة وأمسك به ثم أطلقه، ولم يكن أبو هريرة قد أخبر النبي ﷺ عن شيء من

стр. 1133

- ﷺ : إِنَّهُ سيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأخذْتُهُ، فَقُلْتُ: لأرْفَعَنَّكَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتاجٌ، وعليَّ عِيَالٌ، لا أعُودُ فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فأصْبَحْتُ فقَال لِي رسُولُ اللهِ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أسِيرُكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وعِيَالاً فرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أمَا إِنَّهُ قد كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ الثالثة فجاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فأخذْتُهُ فَقُلْتُ: لأرْفَعَنَّكَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وهذَا آخِرُ ثَلاثِ مَرَّاتٍ، إِنَّكَ تَزْعُمُ لا تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ، قَال: دَعْنِي أُعْلِّمُكَ كَلِمَاتٍ ينْفَعُكَ اللهُ بِهَا، قُلْتُ: ما هُوَ؟ قَال: إِذَا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ فاقرأ آيَةَ الْكُرْسِيِّ (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) ــ ذلك، ولكنّ الله أطلعه على ما وقع له، وأخبره به عن طريق الوحي " قال: قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته، فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك " أي كذب عليك فيما حدثك به، وأخبرك بخلاف الواقع، ثم أخبره النبي ﷺ بأنه سيعود إليه مرة ثانية، فعاد إليه في الليلة الثانية ووقع لهما ما وقع في الليلة الأولى، ولقي أبو هريرة النبي ﷺ وسأله عنه، وأخبره بأنه أطلقه، وقال له النبي ﷺ : قد كذبك، فانتظره أبو هريرة في الليلة الثالثة وجاء وصنع ما صنعه في الليلة السابقة، فقبض عليه أبو هريرة وقال: لن تفلت منّي هذه المرة أبداً لأنّها ثالث مرة تأتيني فيها وفي كل مرة تقول: إنك لن تعود ولا توفي بوعدك، وهو معنى قول أبي هريرة " فجاء يحثو من الطعام فأخذته، فقلت: لأدفعنك إلى رسول الله ﷺ وهذه آخر ثلاث مرات، إنك تزعم لا تعود ثم تعود " عند ذلك " قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)

стр. 1134

حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، ولا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، فأصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : ما فَعَلَ أسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ زعَمَ أنَّهُ يُعَلِّمَنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لي: إِذَا أَوَيْتَ إِلى فِراشِكَ فاقْرَأْ، آية الْكُرْسِيِّ مِنْ أوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ، اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ، وَقَال لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، ولا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيءٍ علَى الْخَيْرِ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : أمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كذوب، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثَ لَيَالٍ يا أبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لا، قَالَ: ذاكَ شَيْطَانٌ. ــ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله " أي اتركني وأطلق سراحي، وأنا أعلمك هذه الكلمات النافعة، وهي أن تقرأ إذا ذهبت إلى فراش نومك قبل أن تنام آية الكرسي، فإنك إذا فعلت ذلك، وكّل الله بك ملكاً يحرسك من شر الجن والإِنس، والإِنسان والحيوان طول ليلك، فلما أصبح أبو هريرة أخبر النبي ﷺ بذلك " فقال النبي ﷺ أما إنه قد صدقك وهو كذوب " أي قد صدقك فيما حدثك به عن آية الكرسي مع أنّه يغلب عليه الكذب بطبعه، لخبثه وشره، ثم قال له: " تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال: قلت: لا، قال: ذاك شيطان " أي ذاك أحد الشياطين. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الوكيل إذا تصرف في الشيء الذي وكل عليه، فمكن غيره من الأخذ منه، أو أقرض، وأسلف منه، بدون إذن موكله، فإن ذلك يجوز بموافقة موكله. وإجازته له، فإن

стр. 1135

٦٦٦ - " بَابُ الْوَكَالَةِ في الْحُدُود " ٧٦٦ - عن عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: " جِيءَ بالنُّعَيْمَانِ -أوْ ابْنِ النُّعَيْمَانِ- شَارِباً، فَأمرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ كَانَ في الْبَيْتِ أنْ يَضْرِبُوهُ، قَالَ ﵁: فَكُنْتُ أنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ فَضَرَبْنَاهُ بالنِّعَالِ والْجَرِيدِ ". ــ لم يجزه، لا يجوز تصرفه هذا ولا يصح شرعاً، وهو ما ترجم له البخاري، أمّا دليل جوازه إذا أجازه موكله وأمضاه فهو حديث الباب، حيث إن هذا الشخص المجهول. كان يأخذ كل ليلة من طعام صدقة الفطر الذي كان أبو هريرة وكيلاً عليه، ولم ير أبو هريرة في ذلك حرجاً ما دام رسول الله ﷺ قد أجازه وأمضاه بعد علمة به. ثانياً: فضل آية الكرسي، وأنها حصن منيع لقارئها تصونه من كل مكروه وتحفظه من جميع الآفات والمخاوف والأرواح الشريرة من الجن والشياطين طوال تلك الليلة حتى الصباح لقوله في الحديث: " فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان " فقد صدّق رسول الله ﷺ هذه المقالة حيث قال: " أما إنه قد صدقك ". ثالثاً: أن الحكمة ضالة المؤمن، وأن كلمة الحق مقبولة من قائلها سواء كان صالحاً أو فاسقاً، فإن العبرة بالقول لا بقائله، قال العيني: وفيه جواز تعلم العلم ممن لم يعمل بعلمه. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة. ٦٦٦ - " باب الوكالة في الحدود " ٧٦٦ - معنى الحديث: يقول عقبة بن الحارث ﵁: جاء أصحاب رسول الله ﷺ برجل شارب للخمر. شك فيه عقبة هل هو النعيمان

стр. 1136

أو ابنه، والتحقيق أنه النعيمان نفسه، فوكل النبي الصحابة الذين كانوا في البيت على ضربه وإقامة الحد عليه نيابة عنه، قال عقبة: وكنت من بين هؤلاء فضربناه بالنعال والجريد حتى استوفى الحد الذي عليه. الحديث: أخرجه الستة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على صحة الوكالة وجوازها شرعاً في إقامة الحدود الشرعية، وهو ما ترجم له البخاري، لأنّ هؤلاء الذين أقاموا الحد على نعيمان كانوا وكلاء عن النبي ﷺ في إقامة الحد عليه. وقد وكل النبي ﷺ أُنَيْساً بإقامة الحد على المرأة الزانية، فقال له: " اغد يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها " أخرجه البخاري في نفس الباب، وقال الحافظ في " الفتح ": فإن الإمام لما لم يتول إقامة الحد بنفسه، وولاه غيره كان ذلك بمنزلة توكيله لهم في إقامته، أما الوكالة في إثبات الحدود والقصاص فإنها لا تصح عند أكثر أهل العلم، ولا بد من حضور المدعي، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف، وذهب ابن أبي ليلى وجماعة إلى جوازها والله أعلم. والمطابقة: في قوله: " فأمر رسول الله ﷺ من كان في البيت أن يضربوه ". ***

стр. 1137

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتابُ المُزَارَعَة " ٦٦٧ - " بَابُ فضلِ الزَّرْعَ والْغرْس إِذَا أكِلَ مِنْهُ " ٧٦٧ - عن أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِم يَغْرِسُ غَرْساً، أو يَزْرَعُ زَرْعَاً، ــ " كتاب المزارعة " والمزارعة لغة مفاعلة من الزرع، ومعناها الشركة في زراعة الأرض وإنتاجها بين المالك والعامل. وشرعاً هي: دفع أرض وحب لمن يزرعها ببعض ما يخرج منها كثُلث غلتها أو نصفها، سواء كانت غلتها طعاماً كالقمح أو الشعير، أو غير طعام كالقطن والكتان، شريطة أن تكون البذور على المالك. قال في " فقه السنة ": هي إعطاء الأرض لمن يزرعها على أن يكون له نصيب مما يخرج منها كالنصف أو الثلث أو الأكثر، حسب ما يتفقان عليه. وقال في " الإِفصاح ": واختلفوا في المزارعة وهي أن يدفع أرضه البيضاء إلى آخر ليزرعها ببعض ما يخرج منها بشرط أن تكون البذور على المالك فمنعها على هذه الصفة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأجازها أحمد وحده، وهو مذهب أبي يوسف ومحمد، ثم اختلفوا في الأرض فيها نخل هل تجوز المزارعة فيها، فمنعها أبو حنيفة على الإِطلاق، وقال مالك: إن كان تبعاً للأصول جاز، وأجازها الشافعي وأحمد، إلاّ أن الشافعي اشترط أن يكون البياض فيها يسيراً. اهـ. ٦٦٧ - " باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه " ٧٦٧ - معنى الحديث: أنه لا أحد من المسلمين يغرس أي نوع من

стр. 1138

فَيَأكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أو إِنْسَانٌ أو بَهِيمَةٌ إلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ". ٦٦٨ - " بَابُ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلْحَرْثِ " ٧٦٨ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أمسَكَ كلْبَاً فَإِنَّه يَنْقصُ كُلَّ يَوْم مِنْ ــ النخيل والأشجار المثمرة أو يزرع شيئاً من الحبوب الغذائية فيأكل منه أي مخلوق من الكائنات الحية، إنسان أو بهيمة أو طير إلاّ كان له أجر الصدقة وثوابها، وفي حديث جابر: " وما سرق منه فهو له صدقة، وما أكل السبع فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزأه أحد إلاّ كان له صدقة، أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله: " إلَّا كان له به صدقة ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل الزراعة والفلاحة، وما يناله المزارع عند الله من الأجر والمثوبة عن كل ما أكل من ثماره وحاصلاته الزراعية لأن الزراعة هي قوام الحياة للبشرية جمعاء. قال العيني: واستدل به بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب، واختلف في أفضل المكاسب، فقال النووي: أفضلها الزراعة، وقيل أفضلها الكسب باليد وهي الصنعة، وقيل أفضلها التجارة وأكثر الأحاديث تدل على أفضلية الكسب باليد، منها حديث أبي بردة قال: سئل رسول الله ﷺ أي الكسب أطيب؟ قال: " عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور " أخرجه الحاكم في " المستدرك " وصححه والتحقيق أن ذلك يختلف باختلاف حاجة الناس وظروفهم. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. ٦٦٨ - " باب اقتناء الكلب للحرث " ٧٦٨ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ حذّر من اقتناء الكلاب

стр. 1139

عَمَلِهِ قِيرَاطٌ، إلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أو مَاشِيَةٍ". ٦٦٩ - " بَابُ اسْتِعْمَالِ الْبَقَرِ لِلْحِرَاثَةِ " ٧٦٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ راكبٌ عَلَى بَقَرَةٍ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ ــ تحذيراً شديداً حتى إنه ﷺ أخبرنا وهو الصادق المصدوق، بأن من اقتنى كلباً لأيّ غرض من الأغراض فإنه ينقص من ثواب عمله كل يوم قيراط، وفي رواية مسلم فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان، قال الشرقاوي: والحكم للزائد، لأنه حفظ ما لم يحفظه الآخر، ولم يستثن ﷺ من ذلك سوى ثلاثة أنواع من الكلاب رخص في اقتنائها لحاجة الناس إليها ولما فيها من مصلحة معتبرة شرعاً، وهي كلب الحرث الذي يتخذ لحراسة الحقول الزراعية، وكلب الماشية، وكلب الصيد (١). والمطابقة: في قوله: " إلّا كلب صيد ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه لا يجوز اقتناء الكلب إلاّ لحاجة معتبرة شرعاً، لأنّ ذلك يؤدي إلى نقصان الحسنات يومياً. ثانياًً: أنه يرخّص في الكلب لمصلحة من المصالح الشرعية كحراسة الماشية أو الزرع أو الصيد، قال مالك: أما ما جعل في الدور فلا يعجبني، ولا يعجبني أن يتخذ المسافر كلباً يحرسه. الحديث: أخرجه الشيخان. ٦٦٩ - " باب استعمال البقر للحراثة " ٧٦٩ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق،

стр. 1140

فَقالَت: لَمْ أخْلَقْ لِهَذَا، خلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ"، قَالَ ﷺ : آمَنتُ بِهِ أنَا وأبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. وَأخَذَ الذِّئبُ شَاةً فَتَبِعهَا الرَّاعِي، فَقَالَ الذِّئبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُع يَوْمَ لا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي، قَالَ ﷺ : آمَنْت بِهِ أنا وَأبو بَكْرٍ وَعُمَرُ، قَالَ الرَّاوِي، عَنْ أبي هُرَيرَةَ: وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ في الْقَوْمِ ". ــ يخبرنا عن حادثتين خارقتين للعادة وقعتا في الأزمان الماضية، أما الأولى: فإنه بينما كان رجل راكباً على بقرة، وإذا بالبقرة تتكلم حقيقة، وتقول بلغة الناس ولسان البشر: كيف تركبني مع أنّ الله لم يخلقني للركوب، وإنما خلقني لحرث الأرض. وأما الثانية: فقد اختطف الذئب شاة من الغنم فتبعها الراعي ليأخذها منه، فقال الذئب: إن كنت الآن قد حميت هذه الشاة مني، فسيأتي اليوم الذي لا تجد فيه الغنم راعياً يحميها من الذئاب، وذلك قرب قيام الساعة. وهو معنى قوله " فقال الذئب: من لها يوم السبع " أي من يحميها مني في ذلك اليوم الذي تخلو فيه الأرض من البشر، ولا يبقى فيها سوى السباع حيث تخرب البلاد، ويهلك العباد ويفنى البشر، فلا يبقى للغنم راع يحميها من السباع والذئاب. وهكذا نطقت البقرة وتكلم الذئب بإذن الله وقدرته، " قال ﷺ -آمنت به أنا، وأبو بكر وعمر " أي قال النبي ﷺ تعليقاً على هاتين الحادثتين: أما أنا وأبو بكر وعمر فإنا قد صدقنا بهاتين الحادثتين وإن كانتا من الأشياء الغريبة الخارقة للعادة المخالفة للنظم الكونية، لأن الذي خلق هذه النظم قادر على خرقها (١) والقدرة الإلهية لا يستعصي عليها شيء. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.

стр. 1141

٦٧٠ - " بَابٌ إِذَا قَالَ: اكْفِنِي مَؤُونةَ النَّخلِ أو غَيْرِهِ، وتُشْرِكُنِي في الثَّمَرِ " ٧٧٠ - عنْ أَبِي هُرَيرَة ﵁ قَالَ: "قَالَتِ الأَنْصَارُ للنَّبِيِّ ﷺ : اقسِمْ بَيْنَنَا وبَيْنَ إخْوَانِنَا النَّخِيلَ، قَالَ: ــ فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الدواب لا تستعمل إلاّ فيما جرت العادة باستعمالها فيه -كما قال القاري- لأن الله قد هيأ هذه الكائنات وسخّرها لما خلقت له، فإذا استعملت في غير ما خلقت له، كان ذلك ظلماً لها، وقد قالت البقرة: لم أخلق لهذا -يعني الركوب-، وأقر النبي ﷺ ذلك، فأصبح حجة لما ذكرنا. ثانياًً: أن من الإِيمان التصديق بكل ما أخبر به ﷺ مطلقاً، ولذلك آمن الصديق والفاروق بهاتين الحادثتين رغم غرابتهما لأنه أخبر عنهما النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق. ثالثاً: أن البقر للحرث لا للركوب. والمطابقة: في قولها: " خلقت للحراثة ". ٦٧٠ - " باب إذا قال أكفني مؤونة النخل أو غيره وتشركني في الثمر " أي إذا أعطى المالك للفلاح أرضاً مغروسة بالنخل أو الشجر، وقال له: اكفني سقيها وخدمتها والإِشراف عليها، ولك جزءٌ من الثمرة، ولي الباقي، فتكون شريكاً في في ثمارها مقابل عملك فيها، فإن ذلك يجوز شرعاً وهو ما يسمى عند الفقهاء بالمساقاة. ٧٧٠ - معنى الحديث: أن الأنصار كانوا يملكون البساتين التي في المدينة فلما هاجر النبي ﷺ إليها عرضوا عليه ﷺ أن يقسم النخيل التي

стр. 1142

لا، فَقَالُوا: تُكْفُونَنَا المَؤونَةَ ونُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ، قَالُوا: سَمِعْنَا وأَطَعْنَا". ــ يملكونها بينهم وبين المهاجرين. فقالوا: يا رسول الله هذه نخيلنا بين يديك، اقسمها بيننا وبين إخواننا من المهاجرين، فأبى النبي ﷺ أن يفعل ذلك. فاقترحوا شيئاً آخر " فقالوا: تكفوننا المؤونة، ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا " أي فقالوا: ما دام رسول الله ﷺ لم يوافق على مشاركتكم لنا في هذه النخيل، فإنا نعرض عليكم مشاركتكم لنا في ثمارها مقابل أن تكفونا مؤونتها، وتقوموا بسقيها وخدمتها، وكل ما تحتاج إليه، فتكون منا النخيل ومنكم العمل فيها، ونشترك معاً في ثمرتها، فوافق النبي ﷺ على ذلك، وقال المهاجرون: سمعنا وأطعنا. وهكذا تمت بينهم هذه المعاملة التي تعرف عند الفقهاء بالمساقاة. الحديث: أخرجه أيضاًً النسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية " المساقاة " لقول الأنصار: " تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمر " قال القسطلاني: أي ويكون الحصيل من الثمر بيننا وبينكم، وهو ما يعرف عند الفقهاء بالمساقاة. قال في " تيسير العلام ": وهي دفع شجر لمن يسقيه ويعمل عليه بجزء معلوم من ثمره، قال: والمساقاة والمزارعة من عقود المشاركات التي مبناها العدل بين الشريكين فإن صاحب الشجر والأرض كصاحب النقود التي يدفعها للمضارب (١) في التجارة، فالغنم بينهما، والغرم عليهما، وبهذا يعلم أنّها أبعد عن الضرر والجهالة من الإِجارة. وأقرب إلى القياس والعدل. اهـ. وقد أجازها مالك والشافعي وأحمد والظاهرية وأكثر أهل العلم. وذهب أبو حنيفة إلى أنّها لا تجوز بحال، لأنها إجارة بثمره لم تخلق، أو بثمرة مجهولة فهي راجعة إلى التصرف بالثمرة قبل بدو صلاحها، أو راجعة إلى جهالة العوض -أي

стр. 1143

المبيع وكلاهما ممنوع شرعاً. وقد اتفق الجمهور على جوازها إجمالاً لما جاء في حديث الباب من اتفاق المهاجرين والأنصار عليها. قال العيني: ثم ظاهر الحديث يقتضي عملهم على النصف مما يخرج من الثمرة. لأن الشركة إذا أبهمت ولم يكن فيها حد معلوم كانت نصفين، والحديث حجة للجمهور على جواز المساقاة شرعاً. وأما قول من قال: إنها لا تجوز لأنها إجارة بثمرة لم تخلق ولما فيها من جهالة العوض، فالجواب عنه من وجهين الأول: أنه لا اجتهاد مع النص، والنص موجود، وهو حديث الباب. الثاني: أن المساقاة ليست إجارة حتى تطبق عليها أحكامها، وإنما هي شركة مضاربة والشريكان يشتركان في الغرم والغنم معاً. واختلفوا هل تختص بالنخيل التي ورد الحديث فيها فقط، أو تقاس عليها الأشجار الأخرى، فذهب الظاهرية إلى أنها لا تجوز إلّا في النخيل خاصة وقال الشافعي: تجوز في النخل والكرم خاصة، وقال: أحمد تجوز في كل ما له ثمر مأكول (١)، بل ألحق كثير من أصحابه كل ما له ورق أو زهر ينتفع به. وقال مالك: تجوز في كل ما له أصل ثابت فهي رخصة عامة، قال مالك في " الموطأ ": السّنة في المساقاة عندنا أنها تكون في أصل كل نخل أو كرم أو زيتون أو رمان أو فرسك (بكسر الفاء) وهو الخوخ، أو الخوخ الأحمر الأجرد " أو ما أشبه ذلك من الأصول جائز لا بأس به، على أن لرب المال نصف الثمر أو ثلثه أو ربعه أو أكثر من ذلك أو أقل، وقال مالك: والمساقاة أيضاًً تجوز في الزرع إذا خرج واستقل، فعجز صاحبه عن سقيه وعمله وعلاجه. والمطابقة: في قولهم: " تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمر " وإقراره ﷺ ذلك.

стр. 1144

٦٧١ - " بَابُ المزَارَعَةِ بالشَّطْرِ وَنحْوِهِ " ٧٧١ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " عَامَلَ النبي ﷺ خيْبَرَ بِشَطر مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أوْ زَرْعٍ، فَكَانَ يُعْطِي أزوَاجَهُ مائَةَ وَسْقٍ، ثمانونَ وَسْقَ تَمْرٍ، وَعُشْرُونَ وسقَ شَعِيرٍ ". ــ ٦٧١ - " باب المزارعة بالشطر ونحوه " أي هذا باب يذكر فيه، الأحاديث الدالة على مشروعية المزارعة بنصف ما يخرج من الأرض ونحوه. ٧٧١ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ لما فتح خيبر أقرَّ اليهود على البقاء في البساتين والحقول الزراعية، واتفق معهم على المشاركة في إنتاجها، مقابل أن يقوموا بمؤونتها وخدمتها وسقيها، ويكون لهم نصف ما يخرج منها من الثمر وهذا هو المساقاة. ونصف ما يخرج منها من الحبوب - وهذا هو المزارعة، وفي رواية سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ لما فتح خيبر قال لهم: " أقركم فيها على ما أقركم الله ، على أن الثمر بيننا وبينكم " فكان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه " أخرجه مالك في " الموطأ " وعن جابر ﵁ قال: خرص ابن رواحة أربعين ألف وسق، ولما خيرهم أخذوا الثمرة وأدّوا عشرين ألف وسق. قال ابن عمر ﵄: " وكان يعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسق تمراً وعشرون وسق شعير " والوسق ستون صاعاً. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية المساقاة،

стр. 1145

لأنّ النبي ﷺ عامل يهود خيبر بشطر ما يخرج من الثمر، وهذا هو عين المساقاة، وهو مذهب الجمهور. قال ابن قدامة: وهذا (١) -الأمر- عمل به الخلفاء الراشدون في مدة خلافتهم، واشتهر ذلك فلم ينكره منكر، فكان إجماعاً، وقال أبو حنيفة: لا تجوز المساقاة، لأنها إجارة بثمرة مجهولة، والحديث حجة عليه ولا اجتهاد مع النص. ثانياًً: استدل البخاري بهذا الحديث على مشروعية المزارعة مطلقاً، سواء كانت الأرض المزروعة بين النخيل والأشجار، أو كانت أرضاً بيضاء يعني: سواء كانت تبعاً للمساقاة، أو كانت وحدها، لأن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر كما في حديث الباب، وهو مذهب الإِمام أحمد وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة، قال البخاري: قال أبو جعفر: ما بالمدينة أهل بيت إلاّ ويزرعون على الثلث والربع، وزارع علي، وسعد، وابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وابن سيرين، وممن رأى ذلك سعيد بن المسيب، وطاووس، والزهري، وابن أبي ليلى. اهـ. وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا تجوز المزارعة في الأرض البيضاء (٢) واستدلوا بحديث ابن عمر أنه قال: " ما كنا نرى بالمزارعة بأساً حتى سمعنا رافع بن خديج يقول: نهى رسول الله ﷺ عنها "، وبحديث رافع بن خديج عن النبي ﷺ أنه قال: " من كانت له أرض فليزرعها، أو فليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا بطعام مسمّى ". أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وأجاب القائلون بجواز المزارعة بأجوبة: منها كما قال ابن قدامة: أن أحاديث رافع مضطربة جداً، مختلفة اختلافاً كثيراً يوجب ترك العمل بها لو انفردت، فكيف تقدم على مثل حديثنا، أي على حديث الباب. قال الإِمام أحمد: حديث رافع

стр. 1146

٦٧٢ - " بَابُ مَنْ أحَيَا أرْضَاً مَوَاتاً " ٧٧٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: " مَنْ أَعْمَرَ أرضَاً لَيْسَتْ لأحدٍ فهُوَ أَحَقُّ ". ــ ألوان، وقال أيضاًً: حديث، رافع ضروب، وقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لذلك. ثالثاً: أن المساقاة والمزارعة لا تجوز إلاّ على نسبة معينة مما تنتجه الأرض من الثمر أو الزرع، لأن هذه هي صيغة المساقاة والمزارعة التي عامل بها النبي ﷺ أهل خيبر، حيث عاملهم على النصف مما يخرج منها. وهي نفس المعاملة التي تمّت بين المهاجرين والأنصار، أما المساقاة أو المزارعة على جهة محددة من الأرض بأن يكون إنتاج هذه الجهة للمالك وإنتاج الجهة الأخرى للفلاح والعامل فهذا لا يجوز، لما فيه من مضرة للمالك وحده أو للعامل وحده إذا أصيبت إحدى الجهتين بآفة سماوية، وقد جاء النهي عن ذلك في الحديث الصريح عن رافع بن خديج ﵁ قال: " كنا نكري الأرض بالناحية منها مسَمَّى لسيد الأرض فمما يصاب ذلك وتسلم الأرض فنهينا " أخرجه الخمسة. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً عليها. ٦٧٢ - " باب من أحيا أرضاً مواتاً " ٧٧٢ - معنى الحديث: أن مَنْ عَمر أرضاً بيضاء أو أرضاً خالية من العمران، فأحياها بزراعتها أو بنائها، ولم يعرف لها مالك قبله، فهو أحق بملكيتها من غيره. الحديث: أخرجه البخاري. فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحقاق ملكية الأرض الموات لمن أحياها بالزراعة والعمران، وظاهر الحديث أنها تعتبر ملكه مطلقاً، سواء أذن به الإِمام أو لم يأذن، وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا بد من

стр. 1147

٦٧٣ - " بَابُ " ٧٧٣ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَوْمَاً يُحَدِّث -وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أهلَ البَادِيَة- أَنَّ رَجُلاً من أَهلِ الْجَنَّةِ استَأذَنَ رَبَّهُ في الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ: ألسْتَ فيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلى، ولكني أُحِبُّ أَنْ أَزرَعَ، قَالَ: فَبَذَرَ فَبَادَرَ الطرفُ نَبَاتُهُ واسْتِوَاؤهُ واستِحْصَادُهُ فَكَانَ أمثَالَ الْجِبَالِ، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: دُونَكَ ــ إذنه، وقال مالك: إذا كانت مما لا يستأنس فيها الناس له تملكها ولا حاجة إلى إذن الإِمام وإلا فلا. والمطابقة: في كون الترجمة من معنى الحديث. ٦٧٣ - " بابُ " هكذا بدون عنوان ولا تنوين، لأن التنوين يتبع الإِعراب، ولا إعراب إلّا في التركيب، اللهم إلاّ إذا قدرنا له مبتدأ محذوف تقديره هذا بابٌ فينون، كما أفاده العيني. ٧٧٣ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يوماً يحدّث أصحابه عن الدار الآخرة واستطرد إلى الجنة والنار، فذكر أن رجلاً من أهل الجنة اشتهت نفسه أن يمارس الزراعة التي كان يهواها في الدنيا، فاستأذن ربه في ذلك، فقال الله : ألست تعيش في هذه الجنة التي تنعم فيها بكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من ثمار يانعة، وقطوف دانية، وقصور وحور، وأنهار من عسل مصفى، وأخرى من خمر لذة للشاربين، والتي تجد فيها كل ما تريده وتحبه نفسك. دون مشقة أو عناء، فما حاجتك إلى الزراعة الذي تكد فيها وتكدح " قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع، قال: فبذر، فبادر الطرف نباته، واستواؤه وحصاده " أي فأذن الله له أن يمارس هوايته في الجنة فما كاد يبذر بذره حتى نبت الزرع ونضج واستحصد في أسرع من

стр. 1148

يا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ، فَقَالَ الأعْرَابِيُّ: واللهِ لا تَجدُهُ إِلَّا قُرَشِيَّاً (١) أو أَنْصَارِيَّاً، فَإِنَّهُمْ أصْحَابُ زَرْعٍ وأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بأَصْحَابِ زَرْعٍ، فضحِكَ النبيُّ ﷺ ". ــ طرفة عين ولمحة بصر " فكان أمثال الجبال " أي فجُمع القمح الذي زرعه فصار أكواماً ضخمة كالجبال، عند ذلك قال الله تعالى له: تلك هي طبيعتك أيها الإِنسان لا يمكن أن يغنيك شيء عن هوايتك المفضلة لديك، وكان بين الحاضرين أعرابي " فقال الأعرابي والله لا تجده، إلاّ قرشياً أو أنصارياً " لأن الأنصار هم الذين يعملون في الزراعة. الحديث: أخرجه البخاري. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن لكل إنسان هوايته المفضلة التي لا يشغله ولا يغنيه عنها شيء مهما عظم قدره حيث إن الجنة بما فيها لم تنس هذا الرجل حبه للزراعة، فسأل ربه ذلك. ***

стр. 1149

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتاب المساقاة " ٦٧٤ - " بَابٌ في الشِّرْبِ وَمَنْ رَأى صَدَقَةَ الْمَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَتّهَ جَائِزَةً مَقْسُومَاً أوْ غَيْر مَقْسوم " ٧٧٤ - قَالَ عُثْمَانُ ﵁: قَالَ النبي ﷺ : " مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيكُونُ دَلْوُهُ مِنْهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ " فَاشْتَراهَا عُثْمَانُ ﵁. ــ ٦٧٤ - " باب في الشرب، ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة، مقسوماً كان أو غير مقسوم " (١) قال القسطلاني: " الشرب النصيب والحظ من الماء " والظاهر أن المراد بهذا الباب بيان أحكام الماء من حيث الملكية وعدمها، فمنه ما يملكه صاحبه ويتصدق به ويهبه ويوصي به إن شاء، ومنه ما لا يُمْلك. قال العيني: الماء على أقسام: قسم منه لا يملك أصلاً وكل الناس فيه سواء في الشرِب وسقي الدواب، كالأنهار العظام. وقسم منه يملك وهو الماء الذي يدخل في قسمة أحد أو يكون بئراً موجوداً في أرض مملوكة له، فالناس فيه شركاء في الشرب، وسقى الدواب دون ري الأرض، وقسم منه يكون مُحْرَزاً في الأواني ونحوها، وهذا مملوك لصاحبه بالإِحراز وانقطع حق غيره منه. ٧٧٤ - معنى الحديث: كما قال ابن بطال: أن بئر رومة -وهي في الشمال الغربي من المدينة- كانت ليهودي يقفل عليها، ويغيب

стр. 1150

٦٧٥ - " بَابُ مَنْ قَال: إِنَّ صَاحِبَ المَاءِ أحَقُّ حَتَّى يَرْوَى " ٧٧٥ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: " لا يُمْنَعُ (١) فَضْلُ الْمَاءِ ليَمْنَعَ بِهِ الْكَلأُ ". ــ فيأتي المسلمون ليشربوا منها، فلا يجدونه حاضراً، فيرجعون بغير ماء فشكا المسلمون ذلك، فقال ﷺ : "من يشتريها ويمنحها المسلمين، ويكون نصيبه فيها كنصيب أحدكم فله الجنة" فاشتراها عثمان ﵁ بخمسة وثلاثين ألف درهم فوقفها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الماء يملك ما لم يكن من المياه العظيمة كمياه الأنهار ونحوها، لأن النبي ﷺ أمر عثمان بشراء بئر رومة من اليهودي، ومنحها للمسلمين، فاشتراها عثمان ﵁، وأوقفها، ومالا يُملك، لا يشترى ولا يوقف، فدل الحديث على أنّ الماء يملك ويوهب ويتصدق به لأنّ الوقف صدقة. والمطابقة: في قوله ﷺ : " من يشتري بئر رومة ". ٦٧٥ - " باب من قال إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى " ٧٧٥ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ نهى من كان لديه ماء من بئر أو غيره يزيد عن حاجته وحوْلَهُ عُشْبٌ ترعاه ماشية أن يمنع تلك الماشية من الشرب منه، فيضطر راعيها إلى منعها عن الأكل من ذلك الكلأ، لأنّها لو أكلت منه لظمأت ولا تجد ماءً فتهلك. الحديث: أخرجه الستة. فقه الحديث: دل هذا الحديث كما قال الحافظ: على أنه يجب على صاحب

стр. 1151

٦٧٦ - " بَابُ إِثْمِ مَنْ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ مِن الْمَاءِ " ٧٧٦ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ثَلَاثَة لا يَنْظُرُ اللهِ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ولا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَاب ألِيم: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءِ بِالطرَّيقِ فَمَنَعَهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُل بَايَعَ إِمَاماً لَا يُبَايِعُهُ إلَّا لِدُنيا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ، وِإنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُل أقامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أعطَيْتُ بِهَا كَذَا أَو كَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُل، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةِ (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) ". ــ البئر أن يبذل ما يفضل عن حاجته من الماء لسقي الماشية وأنه يحرم عليه منعها من الشرب كما ذهب إليه أكثر أهل العلم، وهو مذهب مالك والأوزاعي والجمهور، إلاّ أن مالكاً ألحق بالماشية الزرع خلافاً للجمهور. مطابقة الحديث للترجمة في قوله ﷺ : " لا يُمنَعُ فضل الماء ليمنع به الكلأ ". ٦٧٦ - " باب إثم من منع ابن السبيل الماء " ٧٧٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " أي أنّهم محرومون يوم القيامة من رحمة الله فلا ينظر الله إليهم نظرة رضا، ولا يغفر لهم ذنوبهم، ولهم عذاب موجع شديد. " رجل له فضل ماء بالطريق فمنعه ابن السبيل " أي رجل قاسي القلب له ماء على قارعة الطريق، زائد عن حاجته وحاجة عياله، فمنع المسافر الغريب أن يشرب منه. " ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلاّ لدنيا، فإن أعطاه منها رضي، وإن لم يعط سخط " يعني والصنف الثاني - من بايع إمامه، وعاهده على السمع والطاعة لمنفعة وغرض دنيوي، إن حقق له تلك

стр. 1152

المنفعة أحبه ورضي عنه، وإلا كرهه ونقم عليه. والصنف الثالث: " رجل أقام سلعته بعد العصر، فقال: والله الذي لا إله غيره لقد أعطيت بها كذا وكذا فصدقه رجل " أي رجل عرض سلعته وبضاعته للبيع بعد صلاة العصر، فأقسم بالله كذباً أنه اشتراها بسعر كذا ليروجها بأيمانه الكاذبة " ثم قرأ: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) " أي إن الذين ينقضون العهد ويحلفون الأيمان الكاذبة لكي ينالوا بذلك عوضاً يسيراً من حطام الدنيا من مال أو مركز أو جاه (أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ) أي لا نصيب لهم من نعيمها (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) بما يسرهم (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) نظر رحمة (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي شديد الإِيلام والإِيجاع لهم وإنما تلا النبي ﷺ هذه الآية ليستدل بها، على أن الذين ينفقون سلعهم، ويروجون تجارتهم بالأيمان الكاذبة داخلون في هذا الوعيد الشديد ضمن الأصناف الثلاثة المذكورة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يحرم على صاحب الماء أن يمنع ما زاد عن حاجته عن المسافر، لأن هذا الوعيد الشديد المذكور في الحديث لا يترتب إلّا على ارتكاب محرم، وفيه حجة لمالك على أنّه لا يجوز منع فضل الماء عن كل من يحتاج إليه. سواء كان إنساناً أو ماشية أو زرعاً كما يقول: ثانياًً: وجوب السمع والطاعة لولي الأمر فيما أحبه المسلم أو كرهه من أمور الدنيا. ثالثاً: تحريم الأيمان الكاذبة والوعيد الشديد عليها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي بألفاظ متعددة. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة حيث عدَّ ﷺ من الأصناف الثلاثة المحرومين من رحمة الله وغفرانه رجلاً له فضل ماء بالطريق فمنعه ابن السبيل، وهذا الوعيد لا يترتب إلا على من ارتكب إثماً ومعصية، وهو ما ترجم له البخاري. ***

стр. 1153

" كتَابٌ فِي الِاسْتِقْرَاضِ وَأدَاءِ الدُّيُونِ والْحَجْرِ والْتَّفْلِيس " ٦٧٧ - " بَابُ مَنِ اشْتَرَى بالدَّيْنِ ولَيْس، عِنْدَهُ ثَمَنُهُ " ٧٧٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ " قَالَ: " كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ، أتَبيعُهُ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، غَدَوْتُ إِلَيْهِ بالبَعِيرِ، فَأعْطَانِي ثَمَنَهُ. ــ ٦٧٧ - " كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس " والاستقراض: طلب القرض، وهو شرعاً: دفع مال لمن ينتفع به ويَرُد بدله، وأما الحجر والتفليس فسيأتي بيانهما. " باب من اشترى بالدين وليس عنده ثمنه وليس بحضرته " ٧٧٧ - معنى الحديث: أن جابراً ﵁ يقول: " غزوت مع رسول الله ﷺ " أي خرجت معه ﷺ في غزوة الفتح " قال: كيف ترى بعيرك "؟ أي فأبطأ به جمله، فسأله النبي ﷺ قائلاً كيف ترى بعيرك؟ قال جابر: قلت: يا رسول الله قد أعيا، أي اشتد عليه التعب والضعف حتى عجز عن السير، قال: فنزل رسول الله يحجنه بمحجنه " أي يجره بعصى معوجة الرأس، ثم قال: اركب فركبته فلقد رأيته أكفه عن رسول الله ﷺ " أي فرأيته يجري بسرعة شديدة وأنا أمنعه عن السرعة، لئلا يتقدم على رسول الله ﷺ ثم " قال: أتبيعه؟ قلت: نعم، فبعته إياه " أي فبعت له ذلك البعير ديناً " فلما قدم المدينة غدوت إليه بالبعير فأعطاني ثمنه " أي فلما وصل

стр. 1154

إلى المدينة ذهبت إليه بالبعير صباحاً، فأعطاني ثمنه، وفي رواية: فاشتراه مني بأوقية وهي أربعون درهماً، وفي رواية أخرى: " بأربعة دنانير " وفي رواية أخرى قال: " قدم النبي ﷺ قبلي وقدمت بالغداة -أي صباحاً- فجئنا إلى المسجد، فوجدته على باب المسجد قال: الآن قدمت؟ قلت: نعم، قال: فدع جملك وادخل فدخلت، وصليت، فأمر بلالاً أن يزن لي فوزن بلال فأرجح لي في الميزان، فانطلقت حتى وليت، فقال: ادعو لي جابراً، فقلت: الآن يردّ علي الجمل ولم يكن شيء أبغض إلي منه، قال: خذ جملك ولك ثمنه ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز الشراء بالدين، وقد أجمعوا على جوازه لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ). ثانياًًً: مشروعية الدين عامة سواء كان في البيوع أو ديناً خالصاً - إذا كان مستوفياً لشروطه الشرعية، ولم يكن في الأشياء الربوية، كالصرف، أو بيع التمر بالشعير نسيئة، أو كان قرضاً جرَّ نفعاً، فإنه لا يجوز. ثالثاً: استدل به الإِمام أحمد على جواز بيع دابة يشترط البائع (١) ركوبها لنفسه إلى موضع معلوم، وأجازه مالك بشرط أن تكون المسافة قريبة، وقالت الشافعية والحنفية: لا يصح، سواء بعدت المسافة، أو قربت، لحديث النهي عن بيع وشرط، وأجابوا عن حديث الباب بأنه واقعة عين يتطرق إليها الاحتمال، والدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في كونه ﷺ اشترى بعير جابر بالدّين.

стр. 1155

٦٧٨ - " بَابُ مَنْ أَخذَ أمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أدَاءَهَا أو إِتْلَافَهَا " ٧٧٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ أخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أدَاءَهَا أدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ ". ــ ٦٧٨ - " باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها " ٧٧٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "من أخذ أموال الناس يريد أداءها " أي من أخذ شيئاً من أموال الناس ديناً أو وديعة يريد قضاء الدين وتسديده لصاحبه عند أوّل فرصة سانحة، كما يريد المحافظة على تلك الوديعة حتى يعيدها إلى صاحبها سالمة كاملة " أدّى الله عنه " أي يسّر الله له قضاء الدين في الدنيا وهيأ له من أسباب الرزق ما يقضي به ذلك الدين، وإن مات ولم يتيسّر له قضاء ذلك الدين مع حسن نية، وصدق عزيمة وشدة رغبة في قضائه ومات والدين باق عليه، فإن الله يؤدي عنه ذلك الدين في الآخرة بإرضاء غريمه عنه بما شاء أن يرضيه به، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " ما من مسلم يدان ديناً يعلم الله أنه يريد أداه إلاّ أداه الله عنه في الدنيا والآخرة " أخرجه ابن ماجة وابن حبان والحاكم. ثم قال ﷺ : " ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله " أي ومن أخذ شيئاً من أموال الناس ديناً أو وديعة يريد تضييع ذلك المال على صاحبه، ولا ينوي إعادته إليه أو حفظه له، وإنما ينوي أن يضيعه على شهواته ومصالحه الشخصية، فإنّ الله سيجازيه من جنس نيته وعمله، فيصيبه بالتلف والهلاك والشقاء في نفسه وصحته وماله وولده وكل ما يحبه ويهواه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنّ النية الصالحة تيسر قضاء الديون، وتسهل أداءها، على عكس النية السيئة، وكذلك الحال

стр. 1156

٦٧٩ - " بَابُ أَدَاءِ الدُّيُونَ " ٧٧٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْ كانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبَاً مَا يَسُرُّنِي أَنْ لا يَمُرَّ عَليَّ ثَلَاثٌ وعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا شَيْءٌ أرْصُدُهُ لِدَيْنٍ ". ــ بالنسبة إلى من كانت لديه عُهَدٌ مالية، فإنه إذا حَسُنَتْ نيته، وتعرض لظروف خارجة عن إرادته، أعانه الله تعالى، وأدّى عنه ما عليه في الدنيا والآخرة لعموم الحديث. ثانياًً: قال ابن بطال: فيه الحث على حسن التأدية عند المداينة وأن الجزاء من جنس العمل. الحديث: أخرجه أيضاًً أحمد وابن ماجة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. ٦٧٩ - " باب أداء الديون " ٧٧٩ - معنى الحديث: يقول رسول الله ﷺ : " لو كان لي مثل أحد ذهباً ما يسرني أن لا يمر علي ثلاث " أي ما يسرني: أن يمر علي ثلاثة أيام " و (لا) زائدة كما قال بعض أهل العلم " وعندي منه شيء إلّا شيء أرصده لدين " أي لو كنت أملك من المال مقدار جبل أحد من الذهب الخالص لأنفقته كله في سبيل الله، ولم أُبْقِ منه إلاّ الشيء الذي أحتاج إليه في قضاء الحقوق، وتسديد الديون التي عليَّ، وما زاد على ذلك فإنه لا يسرني أن يمضي علي ثلاثة أيام وعندي منه شيء، والمطابقة: في قوله: " إلاّ شيءٌ أرصده لدين ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على وجوب الاهتمام بالدين، والحرص على قضائه والمسارعة إلى تسديده وتقديمه على الإِنفاق والصدقة في سبيل الله، لأن تسديد الديون أولى من الصدقة. الحديث: أخرجه الشيخان.

стр. 1157

٦٨٠ - " بَابُ حُسْنِ التَّقَاضِي " ٧٨٠ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَاتَ رَجُلٌ فَقِيْلَ لَهُ، قَالَ: كُنْتُ أبَايع النَّاسَ فأتَجَوَّزُ عنِ الْمُوسِرِ، وأُخَفِّفُ عَنِ الْمُعْسِرِ فَغُفِرَ لَهُ ". ــ ٦٨٠ - " باب حسن التقاضي " ٧٨٠ - معنى الحديث: يقول النبي: " مات رجل فقيل له " أي فسئل عما قدم في دنياه من أعمال صالحة، " قال: كنت أبايع الناس فأتجوّز عن الموسر " أي كنت تاجراً أبايع الناس بالدين فأيسّر عليهم في قضاء ديونهم، فمن كان غنياً تساهلت معه في تسديد ما عليه، ولم ألزمه بدفعه عند حلول الأجل. " وأخفف عن المعسر " أي وإن كان المدين غير قادر على الدفع خففت عنه بتأجيل الدين حتى يتيسر له أو بإعفائه من بعض الدين أو كله. قال النبي ﷺ : " فغفر له " أي فغُفِرَتْ ذنوبه مكافأة له على رحمته بالناس، ورفقه بهم، وتيسيره عليهم. وفي رواية النسائي: " إن هذا الرجل لم يعمل خيراً قط، وكان يداين الناس " وفي رواية الحاكم أنه كان يقول لرسوله: " خذ ما تيسر، ودع ما تعسّر، وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عنا، فقال الله تعالى: قد تجاوزت عنك ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فأتجوَز عن الموسر، وأخفف عن المعسر فغفر له ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب التسامح والتساهل مع الناس عند تقاضي الحقوق والديون منهم بانظار المعسر، والتجاوز عن الموسر، فإنّه سبب في مغفرة الله تعالى، والجزاء من جنس العمل.

стр. 1158

٦٨١ - " بَابُ حُسْنِ الْقَضَاءِ " ٧٨١ - عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أتَيْتُ النبي ﷺ وَهُمَ في الْمَسْجِدِ -قَالَ مِسْعَرُ: أرَاهُ قَالَ: ضُحَى- فَقَالَ ﷺ : " صَلِّ رَكْعَتَيْنِ " وكانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وزَادَنِي. ــ ٦٨١ - " باب حسن القضاء " ٧٨١ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: " أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد " أي أن النبي ﷺ كان قد اشترى من جابر ﵁ في غزوة الفتح بالدين، فلما قديم المدينة ذهب - إلى النبي ﷺ في مسجده ليسلم عليه، فأحسن النبي ﷺ استقباله، وأمره بتحية المسجد، " فقال: صل ركعتين " لأن تحية المسجد مقدمة على كل عمل، " وكان لي عليه دين " وثمن البعير الذي اشتراه منه بالدين " فقضاني وزادني " أي فأعطاني الدين الذي عليه، وزادني عن حقي فأعطاني أكثر منه، وفي رواية: " زادني: قيراطاً، قال جابر: قلت هذا القيراط الذي زادني رسول الله ﷺ لا يفارقني، فجعلته في كيس، فلم يزل عندي حتى جاء أهل الشام يوم الحرة فأخذوه فيما أخذوا ". الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: الترغيب في حسن قضاء الدين، وأقله أن يقضي عند حلول الأجل دون تسويف أو مماطلة. ثانياًًً: أن من حسن القضاء أن يَرُدَّ الدين بأجود أو أكثر منه، فيزيد الدائن عما أخذه منه، قال الصنعاني: ولا يدخل ذلك في القرض الذي يجر نفعاً، لأنه لم يكن مشروطاً من المقرض، وإنما ذلك تبرع، وظاهره جواز الزيادة

стр. 1159

٦٨٢ - " بَابُ إِذَا وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ في الْبَيْعِ والْقَرْضِ والوَدِيعَةِ فَهُو أحَقُّ بِهِ " ٧٨٢ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ أدرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أفلَسَ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ ". ــ عدداً وصفة وقال مالك: لا تجوز في العدد. والمطابقة: في قوله: " فقضاني وزادني ". ٦٨٢ - " باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة فهو أحقُّ به " ٧٨٢ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحقُّ به من غيره " أي من وجد ماله بعينه دون زيادة أو نقصان أو تغيير أو تبديل عند إنسان مفلس لا تتسع أمواله لسداد ديونه، فإنه أحق باسترداد ماله من بقية الغرماء. قال الحافظ: فإن تغيرت العين في ذاتها بالنقص مثلاً، أو في صفة من صفاتها فهو أسوة بالغرماء. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من وجد ماله عند مفلس دون تغير في ذاته أو في صفة من صفاته، فإن له الحق في استرداده، سواء كان متاعاً أو سلعة تجارية، ولا يكون أسوة بالغرماء، وهو مذهب الشافعي مطلقاً حيث قال: المقرض أحق باسترداد ماله من البائع كما أفاده الصنعاني. وذهب غيره إلى أن هذا الحكم يختص بالبائع دون المقرض، للتصريح بذلك في قوله ﷺ : " أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من الثمن شيئاً، فوجد متاعه فهو أحق به " أخرجه أبو داود. لكن حديث الباب

стр. 1160

٦٨٣ - " بَابُ مَنْ بَاعَ مَالَ الْمُفْلِس أو الْمُعْدِمِ فقَسَّمَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَأعْطَاهُ حَتَّى يُنْفِقَ عَلَى نفْسِهِ " ٧٨٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أعتَقَ رَجُلٌ غُلاماً لَهُ عنْ دُبُرٍ فَقَالَ النبي ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِيْهِ مِنِّي " فاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَأخذَ ثَمَنَهُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ. ــ عام في كل من له مال على آخر بقرض أو بيع إن وجد ما له بعينه فهو أحق به، ولا يلزم أن تكون أحاديث البيع مخصصة له كما أفاده الصنعاني. وذهب أبو حنيفة إلى أن من وجده ماله بعينه عند مفلس فهو أسوة بالغرماء مطلقاً. وذهب الشافعية إلى أن الميت، كالمفلس، فمن وجد ماله بعينه عند ميت فهو أحقُّ به، وفرق المالكية بين الفلس والموت، فقالوا: لا حق في حال الموت. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الترجمة متضمنة لمعنى الحديث. ٦٨٣ - " باب من باع مال المفلس أو المعدم فقسمه بين الغرماء وأعطاه حتى ينفق على نفسه " أي هذا باب في بيان حكم من باع من الحكام مال المفلس ليقسم ثمنه على غرمائه بنسبة ديونهم، وأعطاه منه ما يحتاج إليه يومياً من نفقته ونفقة عياله. ٧٨٣ - معنى الحديث: أن رجلاً من الأنصار أعتق عبداً له بعد وفاته، وهو معنى قوله: " عن دُبُر " ثم افتقر وأفلس، وركبته الديون، فعرض النبي ﷺ غلامه للبيع في طريق المزايدة، حتى رسى على نعيم بن عبد الله، فاشتراه بثمانمائة درهم، كما في رواية أخرى للبخاري، قال جابر: " فأخذ ﷺ ثمنه فدفعه إليه " أي سلمه إليه ليأخذ منه قدْر نفقته، ويقضي بالباقي
следующие страницы →