← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مُشَبَّهَاتٌ، لا يَعْلمها كَثِير مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ فقَدِ اسْتَبْرَأ لِدِينهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في المُشَبَّهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أن يُواقِعَه، ألا وِإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً، ألا وِإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، ألا ــ فاحشة وساء سبيل) أو كان من السنة كأكل الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، فهو محرم بالسنة، أو كان دليل التحريم من الإِجماع كحفر الآبار في طريق المسلمين وإلقاء السم في الطعام إذا علم أو ظهر أنهم يأكلونه فإنه حرام بالإجماع. أو كان الدليل من القياس كتحريم كل (١) إساءة للأبوين قياساً على تحريم التأفف في قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) وكتحريم التغوط في الماء الراكد والاغتسال فيه، قياساً على تحريم التبول. من قوله ﷺ " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه " وهذا القياس يسمى عند علماء الأصول بالقياس الأولوي. ثم قال ﷺ "وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس " أي وبين الحلال والحرام قسم ثالث وهو المشتبهات - أي الأمور التي تكون غير واضحة الحكم من حيث الحل والحرمة، فلا يعلم الكثيرون هل هي حلال أو حرام، ويدخل في ذلك جميع الأمور المشكوك فيها، مثل المال المشبوه أو المخلوط بالربا، أو غيره من الأموال المحرمة (٢) أما إنْ تأكد أن هذا من عين المال الربوي فإنه حرام صرف دون شك. وكذلك لو تأكد أنه من عين المال الحرام كالمغصوب مثلاً أو القمار فإنه حرام أيضاً، ولا يعد من المشتبهات. " فمن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " أي من اجتنبها فقد طلب البراءة لنفسه ديناً وعرضاً، فيسلم له دينه من النقص، وعرضه من القدح والذم والسمعة السيئة "ومن وقع في الشبهات: كراع

стр. 142

وِإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ الْقَلْبُ". ــ يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه" أي ومن اجترأ على الشبهات فقد عرض نفسه للخطر، وأوشك على الوقوع في الحرام، مثله في ذلك مثل راع يرعى حول الأرض التي حماها الملك لنفسه، وجعلها خاصة له، فإن هذا الراعي قد تدخل ماشيته في الحمى، فيستحق عقوبة السلطان، كذلك من يتهاون بالشبهات، فإنه على خطر لأنّها ربما كانت حراماً فيقع فيه، وهناك معنى آخر، وهو أنه ربما تساهل في الشبهات فأدى به ذلك إلى الاستهتار واللامبالاة، فيقع في الحرام عمداً، فإن الشبهة تجر إلى الصغيرة. والصغيرة تجر إلى الكبيرة نسأل الله السلامة. " ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمي الله محارمه " أي وإن حمى الله هي المعاصي التي حرمها على عباده، فمن دخل حماه بارتكاب شيء من المعاصي هلك، ومن قاربه بفعل الشبهات كان على خطر، وقد قال الشاعر: إنَّ السلامَةَ مِن لَيْلى وَجَارَتِهَا ... أن لَا تَمُرَّ بِنَا مِنْ حَوْلِ نَادِيْهَا " ألا وإن في الجسد مضغة " أي قطعة لحم صغيرة بقدر ما يمضغ " إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب " فكما أن القلب من الناحية الجسمية هو العضو الرئيس في الجسد، ومصدر الحياة فيه لارتباط حركة الدم به، فكذلك هو في نظر الإِسلام مصدر صلاح الإنسان وفساده من الناحية الروحية والدينية، وهو الموجه لسلوك الإِنسان وَأعماله من الأقوال والأفعال فمتى كان القلب سليماً من العقائد الخبيثة كالكفر والنفاق. والإِلحاد، ومن الأمراض النفسية كالكبر والاستعلاء والحقد والحسد والكراهية وغيرها، عامراً بالإِيمان والخوف من الله والحب في الله، صلحت

стр. 143

أعمال الجوارح واستقام سلوك الإِنسان دينيا واجتماعياً، والعكس بالعكس، وهو معنى قوله: "إذا صلحت صلح الجسد كله" أي صلحت أعْمال الجسد وسلوكه الظاهري ولهذا جاء في الحديث "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه". ويستفاد منه: ما يأتي: أولاً: أن أحكام الشريعة الإسلامية من حلال وحرام، وواجب ومندوب ومكروه، كلها واضحة جلية لا عذر لأحد في الجهل بها، لأنها ميسورة العلم سهلة المنال ومن جهل منها شيئاً فعليه أن يسأل أهل العلم فذلك واجب. ثانياً: الترغيب في الورع واتقاء الشبهات لكي يسلم للمؤمن دينه وعرضه، وقد قسم ابن المنذر الشبهات إلى ثلاثة أقسام: الأول: شيء يعلمه المرء حراماً، ثم يشك فيه هل هو باق على حرمته أم لا فلا يحل الإِقدام عليه إلاّ بيقين كشاتين ذبح إحداهما كافرٌ، وشككنا في تعيينها. الثاني: أن يكون الشيء حلالاً فيشك في تحريمه كالزوجة، يشك في طلاقها، فلا يعتبر ذلك، ولا أثر له. الثالث: شيء يشك في حرمته وحله على السواء فالأوْلى التنزه عنه، كما فعل رسول الله في التمرة الساقطة، حيث تركها خشية أن تكون من تمور الصدقة اهـ واتقاء هذا النوع الأخير مستحب على أرجح الأقوال، وفعله مكروه، وقد قال سفيان: لا يصيب عبد حقيقة الإِيمان حتى يدع الإِثم وما تشابه منه. ثالثاً: أن من أتى شيئاً يظنه الناس شبهة ويخشى طعن الناس عليه بسببه، وهو يعلم أنه حلال، فإنه يحسن له تركه، لسلامة عرضه، وأن من وقع في أمرٍ يدعو الناس إلى الوقيعة فيه، أن يتخذ ما يصونه عن سوء الظن به، كمن أحدث في صلاته مثلاً، فإنه يستحب له أن يأخذ بأنفه موهماً أنه رعف. رابعاً: أنه يجب على الإنسان أن لا يعرِّض نفسه لمواقف التهم، محافظة على سلامة عرضه، لقوله ﷺ " من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " ولهذا قال بعض السلف: من عرّض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء الظن به، وقد قال الشاعر:

стр. 144

٣٤ - " بَابُ مَا جَاءَ أنَّ الأعْمَالَ بِالنيةِ والْحِسْبَةِ " (١) ٤٢ - عنْ عمرَ بْنِ الْخَطابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ : "الأعْمَالُ بِالنيةِ، وَلِكُلِّ امْرِىءٍ ما نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ، ومَنْ كَانَتْ ــ وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلى ذَمِّهِ ... ذَمُّوْهُ بِالحَقِّ وَبِالبَاطِلِ خامساً: ينبغي للمسلم إذا خشي اشتباه الناس فيه وتوقع سوء الظن منهم أن يشرح لهم حقيقة أمره محافظة على سلامة عرضه، ففي الحديث أن النبي ﷺ لما خرج مع صفية من المسجد ووقف يتحدث معها مر رجلان فأسرعا فقال ﷺ " على رسلكما إنها صفية " فقالا: سبحان الله، يا رسول الله، أي هل نظن بك إلاّ خيراً، " فقال ﷺ : إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً، أو قال شيئاً "، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقف موقف التهم، والله أعلم. مطابقة الحديث للترجمة: في كونها جزءاً منه. ٣٤ - باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ٤٢ - الحديث: أخرجه الستة، وسائر كتب الحديث ما عدا الموطأ (٢). معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " الأعمال بالنية " أي لا تصح جميع العبادات الشرعية إلاّ بوجود النيَّة فيها، سواء كانت من المقاصد كالصلاة والصوم ونحوها، أو من الوسائل كالوضوء والغسل، فإذا وقعت العبادة بدون

стр. 145

هِجْرَته لِدُنيا يُصِيبها أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجهَا فهِجْرَتة إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". ــ نية كانت باطلة. أما المعاملات والجنايات، وأعمال القلوب، والأعمال العادية فإنها لا تتوقف صحتها على النية، لأن الأعمال وإن كانت في الأصل تطلق على جميع الأقوال والأفعال الصادرة من الإِنسان عبادة أو معاملة أو غيرها، إلّا أن المراد بها في هذا الحديث العبادات خاصة. " ولكل امرىء ما نوى " أي وإنما يعود على المسلم من عمله ما قصده منه، والحكم في هذه العبارة عامٌّ في جميع الأعمال من العبادات والمعاملات والأعمال العادية فمن قصد بعمله منفعة دنيوية، لم ينل إلاّ تلك المنفعة، ولو كان عبادة، فلا ثواب له عليها. ومن قصد بعمله التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء مرضاته، نال من عمله المثوبة والأجر، ولو كان عملاً عادياً كالأكل والشرب والجماع، فإن عمل الدنيا يتحول بحسن النية إلى عبادة فنتائج الأعمال بنياتها إلاّ المحرمات فإن حسن النية لا يبرر اقتراف المعصية، فالحرام حرام، ولو حسنت نية فاعله. ثم ختم النبي ﷺ حديثه هذا بضرب الأمثلة العملية لبيان تأثير النيات في الأعمال، واختلاف النتائج باختلافها حيث قال: " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله " أي فمن قصد بهجرته امتثال أمر ربه، وابتغاء مرضاته، والفرار بدينه من الفتن، فهجرته هجرة شرعية مقبولة عند الله تعالى، مأجور عليها بأجر المهاجرين، ولو مات في طريقه قبل الوصول إلى مهجره كما قال : (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) " ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها " أي ومن قصد بهجرته منفعة دنيوية وغرضاً شخصياً من مال أو تجارة أو زوجة حسناء، أوْ وَجَاهَة وسمعة، أو مركز يحصل عليه " أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " أي فلا ينال من هجرته إلاّ تلك المنفعة التي نواها، ولا نصيب له من الأجر والثواب. لأنَّه لا هجرة له شرعاً، وإنما هي رحلة عادية.

стр. 146

ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن العبادات تتوقف صحتها على النية، سواء كانت مقاصد أو وسائل، وهو مذهب الجمهور، وذهب أبو حنيفة إلى تخصيص النية بالمقاصد فهي التي تحتاج إلى نية، أما الوسائل كالوضوء والغسل فإنه لا تتوقف صحته على النية، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في شرح هذا الحديث: " وقد اتفق العلماء على أن العبادة المقصودة لنفسها، كالصلاة والصوم والحج لا تصلح إلاّ بالنية، وتنازعوا في الطهارة مثل من يكون عليه جنابة، فينساها ويغتسل للنظافة، فقال مالك والشافعي وأحمد: النية شرط لطهارة الأحداث كلها، وقال أبو حنيفة: لا تُشترط في الطهارة بالماء، بخلاف التيمم، وقال زفر: لا يُشترط في هذا ولا هذا. والذين يوجبون النية في طهارة الأحداث يحتجون بهذا الحديث على أبي حنيفة، قال ابن تيمية: وأبو حنيفة يسلم أن الطهارة غير المنْوية ليست عبادة ولا ثواب فيها، وإنما النزاع في صحة الصلاة بها فقوله: " إنما الأعمال بالنيات " لا يدل على محل النزاع إلّا إذا ضمت إليه مقدمة أخرى وهي أن الطهارة لا تكون إلاّ عبادة، والعبادة لا تصح إلاّ بنية (١). فالمسألة مدارها على أن الوضوء هل يقع على غير العبادة -أم لا- والجمهور يحتجون بالنصوص الواردة في ثوابه، كقوله ﷺ " إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه مع الماء أو مع آخر قطر الماء " يقولون ففيه الثواب، والثواب لا يكون إلاّ مع النية فالوضوء لا يكون إلاّ بنية. وأبو حنيفة يقول: الطهارة شرط من شرائط الصلاة فلا تشترط لها النية كاللباس وإزالة النجاسة. وأولئك يقولون: اللباس والإِزالة يقعان عبادة وغير عبادة، ولهذا لم يرد نص بثواب الإِنسان على جنس اللباس والإِزالة، وقد وردت النصوص بالثواب على جنس الوضوء اهـ. والحاصل أن الجمهور يرون أن الوضوء والغسل " لا يقعان إلاّ عبادة يثاب عليهما كسائر العبادات بخلاف أبي

стр. 147

حنيفة، فإنه يرى أنّهما يقعان عبادة وغير عبادة، ولذلك لم يوجب النية فيهما، فإنْ نوى صح الوضوء والغسل وأثيْبَ عليهما وإن لم ينو صح الوضوء والغسل، ولم يثب عليهما. فالفرق بين من نوى ومن لم ينو إنما هو في الأجر والثواب، فهذا يؤجر، وذاك لا يؤجر، هذا هو قول أبي حنيفة عن النية في الوسائل، والحاصل أن النية عند المالكية فرض في الوضوء والغسل والتيمم والصلاة والزكاة والصوم، وركن في الحج، وعند الشافعية فرض في الوضوء والغسل والصوم وشرط في الزكاة، وركن في التيمم والصلاة والحج (١) وعند الحنابلة شرط في الوضوء والغسل والتيمم والصلاة والزكاة والصوم، وركن في الحج، وعند الحنفية شرط في التيمم والصلاة والزكاة والصوم والحج، سنة في الوضوء والغسل (٢)، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: " وقال بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد: تشترط لإزالة النجاسة، وهذا القول شاذ، فإن إزالة النجاسة لا يشترط فيها عمل للعبد، بل تزول بالمطر النازل والنهر الجاري ونحو ذلك، فكيف تشترط لها النية، وأيضاً فإن إزالة النجاسة من باب التروك لا من باب الأعمال، ولهذا لو لم يخطر بباله في الصلاة أنه مجتنب النجاسة صحت صلاته إذا كان مجتنباً لها، ولهذا قال مالك وأحمد في المشهور عنه والشافعي في أحد قوليه: لو صلّى وعليه نجاسة لم يعلم بها إلّا بعد الصلاة لم يعد، لأنه من باب التروك (٣) ". ثانياً: أن الأعمال العادية كالأكل والشرب والنكاح تتحول بحسن النية وقصد القربة والتقوّي على طاعة الله بإعفاف النفس، وصيانتها عن المآثم إلى عبادة يثاب عليها، كما يدل عليه قوله ﷺ " وإنما لكل امرىء ما نوى " وكما يدل عليه قوله ﷺ في الحديث

стр. 148

٤٣ - عَنْ أبِي مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النبِيِّ ﷺ قَالَ: " إذَا أنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهْ صَدَقَة ". ــ القادم: " إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهو له صدقة ". ثالثاً: أن من نوى عملاً صالحاً لم يعمله لعذر حال بينه وبينه كتب له أجر ذلك كما يدل عليه عموم قوله ﷺ : " ولكل امرىء ما نوى " ويؤكد ذلك قوله ﷺ " إن الله يقول للحفظة يوم القيامة اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر، فيقولون يا ربّنا لم يحفظ ذلك عنه ولا هو في صحفنا، فيقول الله تعالى: إنه نواه ". مطابقة الحديث للترجمة: أنها جزء منه. ٤٣ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. ترجمة راوي الحديث: هو أبو مسعود الأنصاري الخزرجي اسمه عقبة يقال له: البدري، وإن لم يشهد بدراً، لأنه سكنها، روى عن النبي ﷺ مائة وخمسين حديثاً، اتفقا منها على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بسبعة سكن الكوفة ومات بها سنة إحدى وثلاثين من الهجرة ﵁ وأرضاه. معنى الحديث: أن أبا مسعود الأنصاري ﵁ يروي عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا أنفق الرجل على أهله " أي إذا صرف الرجل ماله على أهله الذين يعولهم، وتجب عليه نفقتهم من زوجة وأولاد وغيرهم من أقاربه أي شيء من المال قليلاً كان أو كثيراً " يحتسبها " أي حال كونه يريد بتلك النفقة وجه الله وابتغاء مرضاته، ويقصد بها القربة إليه وامتثال أمره، راجياً منه الأجر والمثوبة، لا لمجرد العاطفة الإِنسانية، أو لكونه ملزماً بالنفقة عليهم " فهو له صدقة " أي فإن ذلك الانفاق يحتسب له عند الله عملاً صالحاً، وحسنة يثاب عليها ثواب الصدقة وليس معناه أن تلك النفقة تعطى حكم الصدقة، وإلا لما جاز الإنفاق على الزوجة الهاشمية.

стр. 149

٣٥ - " بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الدِّينُ النَّصِيحَةُ " ٤٤ - عنْ جرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البجلِيِّ ﵁ قَالَ: بَايعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وِإيتَاءِ الزَّكَاةِ والنُّصْحِ لِكًلِّ مُسْلِمٍ". ــ ويستفاد من الحديث: الترغيب في النية الصالحة في جميع الأعمال، ولو كانت عادية، لأن حسن النية فيها يحولها إلى طاعة يؤجر عليها. مطابقة الحديث لترجمة: في قوله " يحتسبها ". ٣٥ - باب قول النبي ﷺ الدين النصيحة أي أن هذا الدين قائم على النصيحة لا قيام له بدونها، لأنها أساسه وعماده، وهي كما قال الراغب: تحرّي كل قول أو فعل فيه صلاح صاحبه، من قولهم: نصَحت له الود أي أخلصته. ٤٤ - الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. ترجمة راوي الحديث: هو جرير بن عبد الله البجلي، قدم على النبي ﷺ في رمضان من السنة العاشرة، وبايعه على الإِسلام، ورحب به ﷺ وقال: أكرموه " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " أخرجه الطبراني. وكان ﵁ بهي الطلعة، جميل الصورة استعمله ﷺ على اليمن، وشهد فتح المدائن عاصمة الفرس، روى عن النبي ﷺ مائة حديث، اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بستة. نزل الكوفة، ثم تحول منها إلى قرقيسيا، فعاش فيها حتى مات بها سنة (٥١) هـ. معنى الحديث: يقول جرير ﵁ " بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة " من المبايعة وهي معاهدة من له الأمر من

стр. 150

٤٥ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: أتيت رَسُولَ اللهِ ﷺ قُلْتُ: أبَايِعُكَ علَى الإِسْلَامِ، فَشَرَطَ عَلَيَّ " وَالنُّصْحَ لِكُلِّ مُسْلِم ". ــ المسلمين، من رسول، أو إمام، أو ملك، أو غيره، على السمع والطاعة والوفاء بشروط معينة، ومعناه. عاهدت النبي ﷺ على السمع والطاعة وأداء أركان الإِسلام " والنصح لكل مسلم " أي وعاهدته أيضاً على النصيحة لكل مسلم ومسلمة، وذلك بالحرص على منفعتهما، وإيصال الخير إليهما، ودفع الشر عنهما بالقول والفعل معاً. والمطابقة في قوله: " والنصح لكل مسلم ". ٤٥ - الحديث: أخرجه الشيخان. معنى الحديث: تقدم. والمطابقة: في قوله: شرط عليّ " والنصح لكل مسلم ". ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: وجوب النصح للمسلمين، ومعاملتهم معاملة حسنة خالصة من المكر والخديعة والغش والخيانة. ثانياً: تحري الخير لهم، والحرص على مصالحهم، والسعي في منافعهم، فإن ذلك من مبادىء الإِسلام، التي أخذ النبي ﷺ عليها البيعة، كما رواه جرير، حيث قال: وشرط عليَّ " والنصح لكل مسلم ". ثالثاً: أن من أهم الحقوق الإِسلامية إرشاد المسلمين إلى الخير، وتعليم جاهلهم، وتنبيه غافلهم، والذب عن أعراضهم، وتوقير كبيرهم، والرحمة بصغيرهم فإنّ هذا كله يدخل في النصح لهم، الذي شرطه النبي ﷺ على كل مسلم والله أعلم. ***

стр. 151

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتاب العلم " بدأ الإِمام البخاري كتابه هذا " بالوحي " لأنه أصل الدين ومصدره وأساسه، وثنى " بالإِيمان " لأنه كيانه وقوامه، وثلث " بالعلم " لأنه غذاؤه، ثم أَتى بعد ذلك بأحكام العبادات والمعاملات والجنايات وغيرها، لأنها فروع الدين. " والعلم " كما قال ابن خلدون: على نوعين، منه ما هو طبيعي يهتدي إليه الإنسان بتفكيره وهو العلوم الإِنسانية أو الفلسفية، ومنه ما هو نقلي سماعي يأخذه الإِنسان عن الشارع، وهو العلوم الشرعية المستندة إلى الكتاب والسنة، ولا محل للعقل فيه إلاّ في إلحاق الفروع بالأصول، وهو ما يسمى بالقياس الشرعي. ويدخل في العلم الشرعي بمعناه العام معرفة العقائد الإِسلامية والأحكام الشرعية، ومصادرها ومراجعها من حديث وتفسير وفقه وأصول وآثار الصحابة واختلاف العلماء، وعلوم الآلة من لغة ونحو وصرف وبلاغة، وعلم الرجال وأنسابهم وصفاتهم، وأسماء الصحابة، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وعلم القراءات ومخارج الحروف إلى غير ذلك من المعارف الإِسلامية. وهو قسمان: فرض عين، وفرض كفاية: فأما فرض العين فهو ما يجب على كل مسلم معرفتِه ذكراً كان أو أنثى. قال ابن القيم (١) " وهو الذي لا يسع مسلماً جهله كأصول الإِسلام الخمسة، وشرائع الإِسلام من وضوء وغيره، والمحرمات التي اتفقت الأديان على تحريمها، وهي المذكورة في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ

стр. 152

وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) الخ. وأحكام المعاشرة والمعاملة، إلا أن القدر الكافي في فقه المعاملات ما تمس الحاجة إليه " اهـ والحاصل أن العلم الواجب على كل مسلم هو معرفة الله ومعرفة رسوله، ومعرفة قواعد الإِيمان وأركان الإِسلام، وأن يعرف من الأحكام ما تتوقف عليه صحة العبادة، ويعرف من أحكام المعاملات ما يمارسه، ويحتاج إليه، فلا يقدم على شيء من بيع أو شراء أو نكاح أو طلاق حتى يعرف حكم الله فيه، ويسأل أهل العلم عنه. قال الحسن بن الربيع: سألت ابن المبارك عن قول النبي ﷺ " طلب العلم فريضة على كل مسلم " فقال: ليس هو الذي يطلبونه، ولكن فريضة على من وقع في شيء من أمر دينه أن يسأل عنه حتى يعلمه. وروى ابن عبد البر عن ابن وهب قال: سُئل مالك عن طلب العلم أهو فريضة على الناس، فقال: لا، ولكن يطلب المرء ما ينتفع به في دينه. وأما فرض ﷺ الكفاية: فهو ما يجب أن يتخصص فيه طائفة من المسلمين فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولو تركه أهل البلد كلهم لأثموا جميعاً، وقد اختلف أهل العلم فيما يدخل في فرض الكفاية من العلوم الإِسلامية والإنسانية والمدنية قال ابن القيم: (١) كل واحد يدخل في ذلك -أي في هذا العلم الذي هو فرض كفاية- ما يظنه فرضاً، فيدخل بعض الناس الطب والحساب والهندسة، وبعضهم المساحة، وبعضهم الصناعة، ومن الناس من يقول: علوم العربية كلها فرض كفاية لتوقف فهم كلام الله ورسوله عليها، ومن الناس من يقول: إن أصول الفقه منها، لأنه العلم الذي يعرف به الدليل ومرتبته وكيفية الاستدلال به، ويرى ابن القيم أن هذه العلوم من باب ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب، وهو قول الغزالي أيضاً حيث يرى أن كل علم لا يُستغنى عنه (٢) في قوام أمر الدنيا كالطب الذي هو ضروري لحاجة بقاء الأبدان، والحساب الذي هو

стр. 153

ضروري في المعاملات، وقسمة الوصايا والمواريث وغيرها من العلوم المدنية والإِنسانيّة، فهو فرض كفاية، وهذا ما رجحه علماء المسلمين وقد اتسعت دائرة العلوم الإِسلامية، حتى أن الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى عد في مجلس الرشيد ثلاثة وستين علماً، ونقل السيوطي عن القاضي أبي بكر ابن العربي المالكي أنه ذكر في قانون التأويل أن علوم القرآن بلغت أضعاف كلماته أربع مرات. ***

стр. 154

٣٦ - " بَابُ مَنْ شِلَ عَنِ الْفُتْيَا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ في حَدِيبهِ فَأتمَّ الحَدِيثَ، ثُمَّ أجَاَب السَّائِلَ " ٤٦ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبيُّ ﷺ في مَجلِس يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أعرَابِيّ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَومِ: سَمِعَ مَا قَالَ فكرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهم: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: أيْنَ -أرَاهُ- السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ، قَال: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، ــ ٣٦ - باب من سئل عن الفتيا وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل ٤٦ - الحديث: أخرجه البخاري فقط. قال القسطلاني: وهو مما تفرد به عن بقية الكتب الستة. معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁ " بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم " أي يتحدث مع أصحابه " جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ " أي حضر إلى مجلسه الشريف رجل أعرابي، فلما وصِل إليه قال: متى تقوم الساعة؟ وتنتهي هذه الدنيا؟ " فمضى رسول الله ﷺ يحدث " أي استمر النبي ﷺ في حديثه مع من يحدثه لئلا تضيع الفائدة " فقال بعض القوم: سمع ما قال وكره ما قال " أي سمع كلام الأعرابي، وكره سؤاله، لأنَّ الساعة لا يعلمها أحد، ولذلك أعرض عن جوابه، ولم يلتفت إليه "وقال بعضهم: لم يسمع" سؤاله لانشغاله بالحديث مع غيره " حتى إذا قضى حديثه " أي ولكن النبي ﷺ استمر في حديثه الأول حتى انتهي منه، ثم التفت إلى السائل، وسأل عنه " فقال أين -أراه- السائل عن الساعة "

стр. 155

قَالَ: إِذَا ضُيِّعَتِ الأمَانَةُ فانتظِر السَّاعَة"، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: " إِذَا وُسِّدَ الأمْرُ إِلى غَيْرِ أهْلِهِ فانتظِرِ السَّاعَةَ ". ــ أي أين السائل عن الساعة؟ "قال: ها أنا يا رسول الله" أي لبيك يا رسول الله أنا حاضر بين يديك، قريب منك " قال: فإذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة " أي إذا ارتفعَتِ الأمانة، وصار الناس لا يشعرون بالمسؤولية نحو أي حق يتعلق بذمتهم، سواء كان هذا الحق مالاً أو عملاً أو سراً فقد أوشكت تلك الأمة أن تنتهي، ويقضى عليها، فانتظر ساعة نهايتها وزوالها، فإنها قد دنت، أو أوشكت الدنيا على الزوال إذا ارتفعت الأمانة منها. " قال: كيف إضاعتها " أي ما هي الأسباب المؤدية إلى إضاعتها وما علامة ذلك " قال: إذا وسدَ الأمر إلى في أهله فانتظر الساعة " أي إذا أسندت الأمور الهامة التي ترتبط بها مصالح المسلمين من إمارة وقضاء وحسبة وشرطة إلى غير أصحاب الكفاءات الشرعية والإِدارية والعلمية والفنية وسلمت لغير ذوي الاختصاص فقد ضاعت الأمانة وأوشكت الساعة أن تقوم، لأن الولاية أمانة ومسؤولية لا يمكن أن يؤديها إلاّ من كان عالماً بها ناصحاً فيها، مقدراً لمسؤوليته نحوها، فإذا وليها غير أهلها من الجهلة أو الخونة لم يقوموا بأدائها، فتضيع مصالح الناس، وتنتشر الفوضى، ويعم الظلم، وتتفشى العداوة والبغضاء، فينهار كيان المجتمع، ويؤدي ذلك إلى القضاء على الأمة، وعند ذلك انتظر الساعة، إما ساعة تلك الأمة خاصة إذا كان ضياع الأمانة في نطاقها، أو ساعة العالم كله إذا ارتفعت الأمانة من الدنيا كلها، فإنه ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: وجوب العناية بالسائل وطالب العلم، والاهتمام به، وإجابته على سؤاله (١)، كما فعل النبي ﷺ حيث قال،

стр. 156

" أين السائل " فسأل عنه، واهتم به، وتوجه إليه، وهذا هو واجب العالم، فإن كان السؤال مما يمكن الإجابة عليه أجابه، وإلا أقنعه بكل لطف عن عدم إمكانية الإجابة عن سؤاله، فإن النبي ﷺ قد أمر العلماء أن يرحّبوا بطلاب العلم، لأنهم وصية رسول الله ﷺ كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ . ثانياً: من الأدب أن لا تسأل العالم ما دام مشغولاً بالحديث مع غيرك، فإذا سئل العالم أثناء حديثه مع الغير أخر الإجابة حتى ينتهي من حديثه لئلا تضيع الفائدة، هذا مع الرفق بالسائل إذا أخطأ في سؤاله، لأن الأعرابي قد أخطأ في سؤاله عن الساعة ولكنه ﷺ لم يؤاخذه أو يعاتبه على سؤاله هذا، بل أجابه بما يمكن الإِجابة عليه، وهو بيان العلامات الدالة عليها، أو الدالة على الساعة الخاصة. ولم يعاتبه أيضاً على سؤاله أثناء حديثه، وإنما اكتفى بتأخير إجابته. ثالثاً: أنه لا حياء في السؤال عن العلم، والإِلحاح فيه وتكراره، لزيادة العلم، لأن السائل كرر السؤال بقوله: وكيف إضاعتها. رابعاً: أن الولايات كلها من قضاء أو إمارة أو شرطة أو غيرها أمانة ومسؤولية يجب إسنادها إلى مستحقيها من ذوي الدين والأمانة والاختصاص، وإلا فسدت البلاد والعباد، وكان ذلك إيذاناً بانهيار الأمة، والقضاء عليها. خامساً: قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن العلم سؤال وجواب، ومن ثَمَّ قيل: السؤال نصف العلم. والمطابقة: في قوله: بينما النبي ﷺ يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة، فمضى رسول الله ﷺ يحدث أصحابه. ***

стр. 157

٣٧ - " بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْئهُ بالْعِلْمِ " ٤٧ - عَنِ ابْنِ عُمَروٍ ﵄ قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ في سَفْرَةٍ سَافَرْنَاها، فأدْرَكَنَا وَقَدْ أرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأ، فَجعَلْنَا نَمْسحُ أرْجُلَنَا فنَادَى بأعْلَى صَوْتِهِ: " وَيْلٌ للأعْقَابِ مِنَ النَّارِ " مَرَّتَيْنِ أو ثَلَاثاً. ــ ٣٧ - باب من رفع صوته بالعلم ٤٧ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. معنى الحديث: يقول ابن عمرو ﵄ " تخلف رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها " بين مكة والمدينة كما رواه مسلم " فأدركنا " أي فلحقنا النبي ﷺ " وقد أرهقتنا الصلاة " أي وقد تأخرنا عن صلاة العصر، حتى أوشكت الشمس على الغروب وكادت تفوتنا " ونحن توضأ " أي ولم ننته بعد من الوضوء " فجعلنا نمسح أرجلنا " أي فاستعجلنا في الوضوء وصرنا نغسل أعضاءنا غسلاً خفيفاً يشبه المسح " فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب " جمع عقب، وهو مؤخر القدم " من النار " أي فنادى النبي ﷺ أصحابه منذراً لذين لا يغسلون أعقابهمِ بالعذاب الشديد يوم القيامة. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: وجوب تعليم الجاهل وتنبيهه على خطئه، وتحذيره من التقصير في الواجبات الشرعية سواء كان ذلك عمداً أو سهواً. ثانياً: أن الفرض في الوضوء هو غسل الرجلين خلافاً لمن يرى أن الفرض مسحها فقط، لأن النبي ﷺ أنذر الذين يغسلون أرجلهم غسلاً خفيفاً بهذا الوعَيد الشديد، فكيف بمن يمسحونها. ثالثاً: مشروعية رفع الصوت بالعلم لقوله " فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار ". والمطابقة: في قوله " فنادى بأعلى صوته " إلخ.

стр. 158

٣٨ - " بَابُ قَوْلِ الْمحَدِّثِ حَدَّثَنَا وَأخبَرنا وأنبأنا " ٤٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ مِن الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وِإنَّها مِثْلُ الُمسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَاْ هِيَ؟ فوقَعَ النَّاسُ في شَجَرِ الْبَوَادِي، وَوَقَعَ في نَفسِي أنَها النَّخْلَةُ، فاسْتَحييْتُ ثم قالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهَ؟ قَالَ: " هِي النَّخْلَةُ ". ــ ٣٨ - باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا ٤٨ - الحديث: أخرجه الشيخان. معنى الحديث: أن النبي ﷺ طرح يوماً على أصحابه بعض الأسئلة فقال: " إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم " أي هناك شجرة لا يسقط ورقها في الخريف كبقية الأشجار الأخرى وهي تُشْبه المسلم في كثرة خيراتها، وتعدد منافعها، فكما أنَّ المسلم يُنتفَع به في كل شيء، فيكرِم الجار، ويقري الضيف، ويغيث الملهوف، فكذلك هذه الشجرة المباركة ينتفع بكل أجزائها " فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر الوادي " أي فظن الناس أنها من أشجار البادية " ووقع في نفسي أنها النخلة " يعني وخطر في بالي أن هذه الشجرة هي النخلة، لأنها هي التي تدوم خضرتها، ولا يسقط ورقها، ويكثر نفعها، ويستفاد من جميع أجزائها من جذع وثمر، وجريد وليف وغيره، " فاستحييت " أي فمنعني عن الإِجابة توقير غيري من كبار الصحابة " ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة " كما وقع في نفسي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية الحوار والنقاش العلمي وتشبيه

стр. 159

٣٩ - " بَابُ القِرَاءَةِ والعَرْض على المحدِّثِ " ٤٩ - عنْ أنس ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في المَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ على جَمَلٍ فأنَاخَهُ في الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثمَّ قَالَ: أيكُمْ مُحَمَّدٌ، والنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِىء بينَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هذا الرَّجُلُ الأبيَضُ الْمُتَّكِىءُ، فَقَالَ لَهُ الرجلُ: ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : قد أجبتُكَ، فقالَ الرَّجُلُ للنَّبِيِّ ﷺ : إِني سَائِلُكَ فَمُشَدِّد ــ الأشياء بنظائرها تحريكاً لعقول الطلبة. ثانياًً فضل النخلة، وكثرة منافعها. ثالثاً: مشروعية قول المحدث حدثنا، وأنه لا فرق بين حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، وسمعت فلاناً وهو مذهب البخاري وذهب آخرون إلى أنه يقول لما سمعه من لفظ الشيخ سمعت أو حدثنا ولما قرأه عليه أخبرنا والأحوط الإِفصاح بالواقع كما أفاده القسطلاني. والمطابقة: في قوله: " حدثنا ما هي ". ٣٩ - باب القراءة والعرض على المحدث قال في المصباح: عرضت الشيء عرضاً، من باب ضرب، والمراد بالعرض هنا قراءة الحديث على الشيخ وهو يسمع. ٤٩ - الحديث: أخرجه الستة. معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد " أي بينما كنا جالسين مع النبي ﷺ في مسجده فوجئنا برجل يدخل راكباً على بعيره، فسار به حتى أناخه داخل المسجد، " ثم عقله " بفتح العين والقاف، أي ثنى ساقه وذراعه وربطهما، وفي رواية ابن عباس ﵄: فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله ثم دخل، " ثم قال: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ متكىء

стр. 160

عَلَيْكَ، فلا تجِدْ عليَّ في نَفْسِكَ، فَقَالَ: سَل عَمّا بَدَا لَكَ، فَقَالَ: أسْألكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ آللهُ أرْسَلَكَ إِلى النَّاس كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أنشُدُكَ باللهِ، آللهُ أمَرَكَ أنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ في الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أنشُدُكَ باللهِ آللهُ أمَرَكَ أنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَنّةَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أنْشُدُكَ باللهِ آللهُ أمَرَكَ أنْ تَأخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ــ بين ظهرانيهم" أي جالس بين أصحابه مستند إلى وسادة في وسطهم " فقلنا: هذا الرجل الأبيض " أي هو هذا الرجل الأبيض المشرب بحمرة " فقال له الرجل: ابن عبد المطلب " أي فناداه بقوله: يا ابن عبد المطلب " فقال له النبي ﷺ قد أجبتك " أي سمعتك وتهيأت لِإجابتك " فقال: إني سائلك فمشدد عليك " أي سائلك في لهجة شديدة " فلا تجِدْ عليَّ " أي فلا تغضب علي في نفسك فإني لم أقصد الإِساءة إليك " قال سل عما بدا لك " أي اسأل عن كل ما تحتاج إلى معرفته من أحكام الإِسلام وأركانه فسأجيبك عنه. " فقال أسألك بربك ورب من قبلك " أي أسألك وأستحلفك بربك الذي خلقك وخلق من قبلك من هذا العالم أن تصدُقني الحديث فيما أسألك عنه " آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ " أي هل الله أرسلك إلى الناس جميعاً أو إلى قريش خاصة " فقال: اللهم نعم " أي أقسم بالله واستشهد به علي أن الله أرسلني إلى الناس كافة. " قال: أنشدك " بضم الشين " بالله " أي أسألك بالله ومن سئل بالله فليجب " آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس " بضم النون وفتح الصاد أي هل الله أمرك أن تكلفنا بهذه الصلوات الخمس في كل يوم وليلة " قال: اللهم نعم " أي أقسم على أنّ الله أمرني بذلك. " قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر قال: اللهم نعم ". قال: أنشدك

стр. 161

اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِما جئْتَ بِهِ، وأنا رَسُولُ مَنْ وَرَائي مِنْ قَوْمِي، وَأنا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ". ــ بالله آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة " أي الزكاة " فقال: اللهم نعم " أى أقسم على ذلك " فقال الرجل: آمنت بما جئت به " أي فإني منذ الآن أعلن إيماني بما جئت به " وأنا رسول من ورائي من قومي " أي وأنا رسول قومي الموفد إليك من قبلهم لأتلقى منك أركان هذا الدين، وأبلغها لهم " وأنا ضِمام " بكسر الضاد " ابن ثعلبه أخو بني سعد بن بكر " أي من قبيلة بني سعد التي استرضع فيها النبي ﷺ ، والتي منها حليمة السعدية مرضعته ﷺ ، وكان قدوم ضمام سنة تسع من الهجرة الذي هو عام الوفود. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن لآخذ الحديث عن المحدث طرقه المتعددة، منها العرض عليه كما في هذا الحديث، فإن ضمام كان يعرض (١) على النبي ﷺ أركان الإِسلام - أي يذكرها واحداً واحداً: والنبي ﷺ يسمعها منه، ويصادق عليها، وهذا هو ما يسمى عند المحدثين بالعرض، قال الحافظ: وهو عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره بحضرته، وقد كان بعض السلف لا يعتدون إلَّا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ، دون ما يقرأ عليهم، ولهذا بوَّب البخاري على جوازه، وأورد فيه قول الحسن البصري: لا بأس بالقراءة على العالم، وكذا ذكر عن سفيان الثوري ومالك موصولاً أنهما سوَّيا بين السماع من العالم والقراءة عليه. ثانياًً: اشتمل الحديث على بيان بعض أركان الإِسلام. ثالثاً: أنه يجوز الاستحلاف على الخبر للتأكد منه. رابعاً: استدل به ابن بطال على طهارة أبوال الإِبل وأرواثها، لأن ضمام أدخل بعيره المسجد، ولا يؤمن أن يبول فيه، فلو كان نجساً لمنعه النبي ﷺ

стр. 162

٤٠ - " بَابُ مَا يُذْكَرُ في الْمُنَاوَلَةِ وَكتَابِ أهْلِ الْعِلْمِ بالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ " ٥٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلاً وَأمَرَهُ أنْ يَدْفَعَهُ إلى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إلى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأهُ مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ ــ وهو من أقوى أدلة المالكية على طهارتها. والمطابقة: في كون السائل إنما أخذ من النبي ﷺ أركان الإِسلام عن طريق عرضها عليه. ٤٠ - باب ما يذكر في المناولة (١)، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان ٥٠ - الحديث: أخرجه البخاري. معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ " أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه رجلاً، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين " أي أن النبي ﷺ أرسل مع رجل من الصحابة وهو عبد الله بن حذافة كتاباً إلى كسرى ملك الفرس يدعوه فيه إلى الإِسلام، وأمره أن يسلِّم هذا الكتاب إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين ليوصله إلى كسرى " فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى " أي فأوْصله أمير البحرين إلى كسرى ملك الفرس، وهو أبرويز بن هرمز ابن أنوشروان " فلما قرأه مزَّقه " أي فلما قرأ " أبرويز " كتاب رسول الله ﷺ ثارت ثائرته وتهدد وتوعد، وقطَّعه " فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزَّقوا كل ممزَّق " أي فدعا ﷺ على الفرس أن يمزِّق الله شملهم، ويقضي على دولتهم، ويزيل سلطانهم، فاستجاب الله دعاء نبيه ﷺ ، فسلط على

стр. 163

أنَّ ابنَ المُسَيَّب قال (١): فَدَعَا عَلَيْهِم رَسُولُ اللهِ أنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّق". ٥١ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتَاباً أوْ أرَادَ أنْ يَكْتُبَ كِتَاباً، فَقِيْلَ لَهُ: إنَّهُمْ لا يَقْرَؤونَ كِتَاباً إلَّا مَخْتُوماً، فَاتَّخَذَ خَاتَمَاً مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ مُحَمَّد رَسُول الله كأنِّى أنْظرُ إِلى بَيَاضِهِ في يَدِهِ". ــ " أبرويز " ابنه شيرويه، فطعنه في بطنه، ومزق أحشاءه، ولم تمض سوى سنوات قلائل حتى زال سلطان الفرس نهائياً. ٥١ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " كتب النبي ﷺ كتاباً أو أراد أن يكتب كتاباً فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلَّا مختوماً " أي قال له ﷺ بعض أصحابه ﵃ علِى سبيل المشورة: إنَّ ملوك الأعاجم لا يتراسلون إلَّا بالكتب المختومة توثيقاً وتأكيداً " فاتخذ خاتماً من فضة نقشه: محمد رسول الله " أي فاتخذ النبي ﷺ له خاتماً من فضة مكتوباً عليه محمد رسول الله ليختم به على رسائله، لأنه استحسن ذلك، ورأى حاجته إليه. ْويستفاد من الحديثين: أولاً: مشروعية المراسلات العلمية ونشر الدعوة الإِسلامية والعلوم الشرعية عن طريق الكتابة إلى الأقطار الأخرى. ولهذا كان من طرق نقل الحديث التي جرى عليها المحدثون، ما يسمى عندهم بالمكاتبة. وهي كما عرفها ابن الصلاح: أن يكتب الشيخ إلى الطالب وهو غائب شيئاً من حديثه بخطه، أو يكتب له ذلك وهو حاضر، أو يأمر غيره بأن يكتب

стр. 164

له ذلك عنه، وهي نوعان: أحدهما: أن تتجرد المكتابة عن الإِجازة. والثاني: أن تقترن بالإِجازة بأن يكتب إليه ويقول: أجزت لك ما كتبته لك، أو ما كتبت به إليك أو نحو ذلك. فأما الكتابة بدون إجازة فقد أجاز الرواية بها كثير من المتقدمين والمتأخرين منهم السختياني والليث بن سعد وبعض الشافعية وجعلها أبو المظفر السمعاني وبعض الأصوليين أقوى من الاجازة ومنع بعض الشافعية الرواية بها، قال ابن الصلاح: والمذهب الأول هو الصحيح المشهور بين أهل الحديث (١)، وكثيراً ما يوجد في مسانيدهم قولهم: كتَبَ إلَيَّ فلان قالَ: حدثنا فلانٌ، والمراد به هذا. وذهب غير واحد من علماء المحدثين وأكابرهم إلى جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا في الرواية بالمكاتبة، والمختار قول من يقول فيها كتب إلي فلان. قال ابن الصلاح: " أما المكاتبة المقرونة بلفظ الإِجازة فهي في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقرونة بالإجازة. قلت: وتدخل هذه المكاتبة في مضمون حديث الباب، ويدل عليها دلالة مباشرة. ثانياًً: دل الحديث، على جواز المناولة في الحديث كما ترجم له البخاري، وأقوى أنواعها المناولة المقرونة بالإِجازة، وهي كما عرفها القسطلاني " أن يعطي الشيْخ الكتاب للطالب ويقول له فيه: هذا سماعي من فلان، وقد أجزت لك أن ترويه عنه، اهـ. ولها صور أخرى أيضاً، منها: أن يعير الشيخ الكتاب للطالب لينسخه ويقابل به ثم يعيده للشيخ، أو يعطي الطالب للشيخ الكتاب فينظر فيه الشيخ ويتأمله حتى يتأكد أنه أصل صحيح، وأنه من روايته، ثم يُعيده الشيخ للطالب، ويخبره أنه من روايته، ويأذن له بأن يرويه عنه. قال فضيلة الشيخ أحمد شاكر: فهذه الصور كلها مناولة مقرونة بالإِجازة، وهي أعلى أنواع الإِجازة. اهـ. واختلف المحدثون في حكمها: هل هي كالسماع فيقال فيها حدثنا وأخبرنا أم لا؟ فذهب الزهري وربيعة ويحيى بن

стр. 165

٤١ - "بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ ومنْ رَأى فُرْجَةً في الْحَلْقَةِ فجلَسَ فِيهَا " ٥٢ - عَنْ أبِي وَاقِدٍ اللَّيْثي ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ، وَالنَّاسُ مَعَهُ إذْ أقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَاقْبَلَ اثْنَانِ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وذهبَ وَاحِدٌ، فوقَفَا على رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأما أحدُهُمَا فَرَأى فُرْجَةً في الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وأمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ وأمَّا الثَّالِثُ فأدْبَرَ ذَاهِباً، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ ــ سعيد الأنصاري ومجاهد والشعبي وعلقمة ومالك وابن وهب وابن القاسم وجماعة آخرون، كما أفاده النووي إلى أن هذه المناولة في القوة كالسماع. والصحيح المختار كما قال ابن الصلاح: المنع من إطلاق حدثنا وأخبرنا ونحو هذه وأنه لا بد من عبارة تشعر بالمناولة، بأن يقول حدثنا فلان مناولةً، أو إجازةً، وهو الذي عليه الجمهور. ومطابقة الحديثين للترجمة: في كونه ﷺ كان يوصل كلامه إلى الملوك عن طريق الكتابة. ٤١ - باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها ٥٢ - الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. ترجمة راوي الحديث: هو أبو واقد الليثي اسمه الحارث، واشتهر بكنيته، أسلَم يوم الفتح، وشهد حنين واليرموك، ثم جاور بمكة، روى أربعة وعشرين حديثاً اتفقا على حديث واحد، وهو هذا، وزاد مسلم حديثاً، توفي بمكة سنة ثمانٍ وثمانين من الهجرة، وعمره خمس وستون سنة. معنى الحديث: يحدثنا أبو واقد ﵁ " أن رسول الله ﷺ -

стр. 166

اللهَ ﷺ قَالَ: " ألا أخْبِرُكُمْ عَنُ النَّفَرِ الثلَاَثةِ، أمَّا أحَدُهُمْ فأوَى إلى اللهِ فآواهُ اللهُ، وأما الآخَرُ فاسْتَحْيَا مِنَ اللهِ فاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وأمَّا الْآخَرُ فأعْرَضَ فأعرَضَ اللهُ عَنْهُ". ــ بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر" أي عندما كان النبي ﷺ جالساً في مسجده بين أصحابه، أقبل ثلاثة رجال. والنفر من الثلاثة إلى العشرة من الرجال " فأمّا أحدهم فرأى فرجة في الحلقة " أي فأما الأول منهم فرأى مكاناً خالياً في حلقة النبي ﷺ " فجلس فيها " أي في الحلقة نفسها " وأما الآخر فجلس خلفهم " أي وأما الثاني فلم يجد مكاناً في الحلقة فجلس وراء الجالسين فيها، حيث انتهي به المجلس، " وأما الثالث فأدبر ذاهباً " أي فإنه تولى ذاهباً، ولم يحاول الجلوس خلف الحلقة، " فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة " أي ألا تحبون أن أخبركم عن حال هؤلاء الثلاثة ثم شرع ﷺ في بيان أحوالهم فقال: " أما أحدهم فأوى " بقصر الهمزة " إلى الله فآواه " بمد الهمزة " الله " ومعنى " أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله " أي فأما الأول الذي جلس في نفس الحلقة فإنه قد تقرب إلى الله وانضم إلى حلقة العلم ومجلس النبي ﷺ فقربه الله إليه، وأدخله في حيّز مرضاته، فإذا كان يوم القيامة آواه الله إلى ظل عرشه، كما أفاده العيني " وأما الآخر فاستحيا من الله " أي وأما الثاني الذي لم يجد مكاناً في الحلقة " فجلس خلفهم " أي فإنه قد منعه الحياء من الله عن مزاحمه غيره فجلس حيث ينتهي به المجلس، " أستحيا الله منه " وقبل عذره وأشركه مع أهل تلك الحلقة في فضلهم وثوابهم، لأنه تعالى حيي كريم لا يمنع فضله وجوده عمّن منعه الحياء من الله تعالى عن مضايقة غيره مع حرصه على العلم ورياض جناته، فشمله فضل ذلك المجلس، وسعد بمجالسة أهله،

стр. 167

٤٢ - " بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ رُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سَامِع " ٥٣ - عن أبي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: قَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرِهِ، وأمسكَ انْسَان بِخِطَامِهِ أو بِزِمَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: أيُّ يَوْم هذَا؟ فسكتنَا حتى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيْهِ سوى اسْمِهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أليْس يَوْمَ النَّحْرِ، قُلْنَا بَلَى، قَالَ: فأيُّ شَهْرٍ هذَا؟ فَسَكَتنا حتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْر اسْمِهِ، فَقَالَ: أليْس بذي الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وأمْوَالَكُمْ ــ فإنهم هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. " وأما الآخر " وهو الذي انصرف ولم يجلس " فأعرض فأعرض الله عنه " أي فإن كان قد انصرف كارهاً فقد باء بسخط الله وغضبه، وإن كان له عذره فقد حُرِمَ من شرف ذلك المجلس وثوابه. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن من آداب المجالس العلمية وغيرها أن يجلس القادم حيث ينتهي به المجلس، ويشمل ذلك النوادي الأدبية والمساجد والمجتمعات العامة أو الخاصة، كما ترجم له البخاري، لأن النبي ﷺ أثنى على من جلس خلف الحلقة ولم يزاحم غيره. ثانياًً: أن مجالس العلم هي مجالس الخير ورياض الجنة، من جلس إليها كان في كنف الله تعالى، وفاز برضوانه، وآواه الله إليه. ثالثاً: أنه يستحب لمن وجد فرجة في الحلقة أن يجلس فيها. والمطابقة: في قَوله وأما الآخر فجلس خلفهم. ٤٢ - باب قول النبي ﷺ : " ربَّ مبلغ أوعى من سامع " ٥٣ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. معنى الحديث: يقول أبو بكرة ﵁ " قعد النبي ﷺ على بعيره " يوم النحر بمنى في حجة الوداع " وأمسك إنسان " وهو بلال رضي

стр. 168

وأعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرامٌ كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فإنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أوْعَى له مِنْهُ". ــ الله عنه " بخطامه أو بزمامه، ثم قال: أي يوم هذا؟ فسكتنا " لأنَّه سأل عن شيءٍ لا يجهله أحد، فظنوا أنه أراد غيره، " فظننا أنه سيسميه سوى اسمه " المعروف لدينا " قال: أليس يوم النحر! قلنا: بلى " هو كما ذكرت " قال: فأي شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلى " هو كما ذكرت " قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام " أي فإن حقوق كل واحد منكم أيها الناس من دم أو مال أو عرض محرمة على أخيه في جميع الأديان السماوية " كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا " أي إن الله حرم هذه الحقوق الإِنسانية، كما حرم القتال في هذا اليوم من هذا الشهر في هذا البلد منذ خلق السموات والأرض، وإنما شبه تحريم حقوق الإنسان هذه بحرمة يوم النحر في شهر ذي الحجة في هذا البلد الأمين لأن تحريمه كان ثابتاً عند العرب راسخاً في قلوبهم، بخلاف حقوق الإنسان، فإنهم كانوا يجهلونها، ويتهاونون فيها في الجاهلية، فشبه لهم هذه بهذه لتأكيد حرمتها. ثم قال ﷺ : " ليبلغ الشاهد الغائب " فأمرهم أن لا يكتفوا بسماع حديثه هذا والعمل به فقط، بل عليهم أيضاً أن يقوموا بتبليغه وروايته إلى غيرهم، فليبلغ الحاضر منهم الغائب، ويروي له حديث النبي ﷺ هذا، ليبقى حديث رسول الله ﷺ موجوداً في أمته تتداوله الأجيال جيلاً بعد جيل إلى قيام الساعة ولتؤخذ منه المسائل، وتستنبط الأحكام الفقهية على مر الأزمان والعصور " فإن الشاهد عسى أن ييلغ من هو أوعى منه " أي فإنَّ راوي الحديث قد يبلغه إلى من هو أفقه وأقدر على استنباط الأحكام الشرعية منه.

стр. 169

٤٣ - " بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخوَّلُهُمْ بالموْعِظَةِ وَالعِلْم كَي لا يَنْفِرُوا " ٥٤ - عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بالْمَوْعِظَةِ في الأيامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا ". ــ ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية التبليغ ورواية الحديث، وشرف هذا العلم، وأهله، ورحم الله السيوطي إذ يقول: مَنْ كَانَ مِنْ أهلِ الحَدِيْثِ فَإنهُ ... ذُوْ نَضْرَةٍ في وَجْهِهِ نُورٌ سَطَعْ إِنَّ النبيَّ دَعَا بِنَضْرِةِ وَجْهِ مَنْ ... أدَّى الحَدِيْثَ كَمَا تَحَمَّل وَاتَّبّعْ يشير ﵀ إلى قوله ﷺ "نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيرهُ ". ثانياً: تقرير حقوق الإِنسان وأنَّها محرمة على أخيه الإِنسان مطلَقاً بصرف النظر عن دينه ومذهبه وعنصره وجنسيته، فلا يجوز الاعتداء عليها بحال من الأحوال، ولم تشرع الحدود الشرعيّة إلَّا لصيانة الدين والنفس والمال والعرض والنسب والعقل، وحماية هذه الحقوق الانسانية كلها، كما هو مقرر في أصُول التشريع الإِسلامي. ثالثاً: أن العلم بالحديث شيء والفقه فيه شيءٌ آخر، فقد يروي المحدث، إلى من هو أفقه منه، وقد يكون المحدث غير فقيه. والمطابقة: في قوله " فإن الشاهد عسى أن يُبلِّغ من هو أوعى منه ". ٤٣ - باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا ٥٤ - الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي أيضاً. معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁: " كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام " أي كان ﷺ من شدة حرصه على انتفاع أصحابه

стр. 170

٥٥ - عن أنسٍ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " يَسِّروا ولَا تعَسِّروا وبَشِّروا ولَا تُنَفِّرُوا ". ــ واستفادتهم من وعظه وإرشاده لا يكثر عليهم من ذلك، وإنّما يتعهدهم بالموعظة في بعض الأيام دون بعض، ويتحرى الأوقات المناسبة التي هي مظنة استعدادهم النفسي لها، وإنما كان يقتصر على الوقت المناسب " كراهة السآمة علينا " أي خوفاً على نفوسنا من الضجر والملل، الذي يؤدي إلى استثقال الموعظة وكراهتها ونفورها، فلا تحصل الفائدة المرجوة، وقد قال الشاعر: إِنّما تَنْفَعُ المَقَالَةُ في المَرْءِ ... إِذا صَادَفت هُوىً في الفُؤَادِ والمطابقة: في قوله: يتخولهم بالموعظة. ٥٥ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. معنى الحديث: أمر النبي ﷺ في هذا الحديث بأمرين، يتوقف على الأول منهما استقامة الإِنسان في ذات نفسه، وعلى الثاني نفعه لغيره، ونهى عن ضدهما، لما يؤدي إليه من نتائج عكسية. أمّا الأمر الأول الذي يرتبط به صلاح الإِنسان واستقامته فهو التيسير، وضده التعسير، وفي هذا يقول ﷺ " يسروا " أي خففوا على أنفسكم بممارسة الأعمال التي تطيقونها، والاقتصاد والتوسط في نوافل العبادات والطاعات من صيام وقيام ونحوه، فأتوا منها ما استطتعم، مع المحافظة على الحقوق البدنية والنفسية والاجتماعية من طعام وشراب ولباس ونوم وراحة وزوجة وولد وغيرها، كما قال ﷺ : " إن لبدنك عليك حقاً، وإنّ لنفسك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك -أي ضيفك- عليك حقاً " " ولا تعسروا " أي لا تشددوا على أنفسكم بتكليفها ما لا تطيق من العبادات والطاعات، وإهمال حقوق الجسد والروح وحقوق الأهل والولد

стр. 171

٤٤ - " بَابٌ مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خيراً يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ " ٥٦ - عنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: ــ وغيرها، فإن ذلك يؤدي إلى نتيجة عكسية وخيمة العاقبة، وهي السآمة والملل المؤدي إلى كراهية الأعمال الصالحة، ثم إلى كراهية الدين نفسه. أما الأمر الثاني فهو التبشير الذي يتوقف عليه نجاح الموعظة وانتفاع الغير بها، وضده المبالغة في الترهيب والتخويف، المؤدي إلى النفور، وفي هذا يقول ﷺ " وبشروا " أي بشروا المؤمنين بفضل الله وثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، كما أفاد القسطلاني " ولا تنفروا " الناس بالإكثار من أحاديث الترهيب وأنواع الوعيد. والمطابقة: في قوله " ولا تنفروا ". ويستفاد من الحديثين: أولاً: استحباب اختيار الأوقات المناسبة للموعظة، وعدم الإكثار منها، ليستفيد بها السامعون، لأن الإكثار منها يُمِلُّهم وينفرهم. ثانياً: أن من السنة الاقتصاد في نوافل الطاعات والعبادات من صيام وقيام وإعطاء النفس حقوقها الطبيعية حتى تقبل على الطاعة في شوق ورغبة فتكون أجدى لها وأكثر نفعاً. ثالثاً: حث المرشدين على تبشير الناس وترغيبهم، وفتح أبواب الأمل والرجاء أمامهم حتى يقبلوا على ربهم في حب ورغبة، ويحسنوا الظن به، مع الاجتهاد في العمل، والاخلاص فيه، فإن حقيقة الرجاء أن يقترن الأمل بحسن العمل. وإلَّا فهو أماني باطلة، لا تجدي صاحبها شيئاً. ٤٤ - باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ٥٦ - الحديث: أخرجه الشيخان وأحمد وابن ماجه. ترجمة راوي الحديث: هو معاوية ابن أبي سفيان القرشي الأموي، أسلم مع أبيه يوم الفتح، وظهرت عليه النباهة منذ صغره، نظر إليه أبوه وهو غلام

стр. 172

سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ في الدِّيون، وإنَّما أنَا قَاسِمٌ، واللهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هِذِهِ الأمَّةُ قائِمَةً على أمْرِ اللهِ لَا يَضُرَّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يأتِيَ أمْرُ اللهِ". ــ فقال: إن ابني هذا لعظيم الرأس، وإنه لخليق أن يسود قومه فقالت أمه هند: قومه فقط! ثكلتْهُ أمه إن لم يسد العرب قاطبة، تولى الإِمارة عشرين سنة، والخلافة مثلها، وقال فيه عمر ﵁: هذا كسرى العرب روى (١٦٣) حديثاً انفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة، وتوفي سنة ٦٠ من الهجرة. معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " من يرد الله به خيراً " أي خيراً عظيماً، ونفعاً كثيراً، فإن التنكير للتعظيم " يفقهه في الدين " أي يمنحه العلم الشرعي الذي لا يدانيه خير في هذا الوجود في فضله وشرفه، وعلو درجته، لأنه ميراث الأنبياء، الذي لم يُورِّثُوا غيره " وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ". وللفقه في لسان الشرع معنيان، معنىً خاص: وهو معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات والمعاملات والجنايات والأحوال الشخصية. ومعنىً عام: وهو معرفة علوم الدين من توحيد وتفسير وحديث وفرائض وأحكام، وهو المراد هنا " وإنما أنا قاسم " أي وإنما أنا مجرد قاسم للعلوم الشرعية، ومبلغ لها، أبلغها وأنقُلها إليكم عن ربكم " والله يعطي " أي والله وحده هو الذي يعطي الحفظ والفهم من يشاء وعلى قدر ما يشاء " ولن تزال هذه الأمة " أي لا تزال طائفة من المسلمين " قائمة على أمر الله " أي ثابتة على دينه إلى قيام الساعة. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن العلم الشرعي أشرف العلوم إطلاقاً، لعلاقته بالله. ثانياً: أن الفقه في الدين موهبة ربانية يختلف الناس فيها وكذلك كل الملكات الإِنسانية. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.

стр. 173

٤٥ - " بَابُ الْفَهْمِ في الْعِلْمِ " ٥٧ - عنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيّ ﷺ فأتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ، فَأرَدْتُ أنْ أقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أرنا أصْغَرُ الْقَوْمِ، فَسَكَتُّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هِيَ النَّخْلَةُ". ــ ٤٥ - " باب الفهم في العلم " أراد البخاري هنا أن يثبت بالأحاديث الصحيحة أن الفهم قدر زائد على العلم الذي هو مطلق الإدراك، لأنه قوة ذهنيَّة يتوصل بها إلى استنباط الأشياء الدقيقة التي قد يصل إليها الفهم ولا يصل إليها العلم. ٥٧ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " كنا عند النبي ﷺ فأتي بجمّار فقال: إن من الشجر شجرة مثلها مثل المسلم " بفتح الميم والثاء أي أن هناك شجرة غريبة بين الأشجار الأخرى، تشْبه المسلم في صفاته الطيبة، وفي رواية " إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة " إلخ " فأردت أن أقول: هي النخلة فإذا أنا أصغر القوم: فسكت " أي فنظرت إلى الحاضرين من أجلاء الصحابة وشيوخهم، فوجدت نفسي أصغرهم سناً، فسكت عن الجواب حياءً وتكريماً وتوقيراً لكبار السن منهم. " قال النبي ﷺ : هي النخلة " وأجاب بما توقعت وإنما عرف ابن عمر أن تلك الشجرة هي النخلة من " الجُمّار " الذي أهدي إلى النبي ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله " فأردت أن أقول هي النخلة ". ويستفاد منه: أن الفهم قدر زائد على العلم، وأنه قوة ذهنية يتوصل بها صاحبها عن طريق الاستنباط إلى ما لا يتوصل إليه غيره من العلماء، كما

стр. 174

٤٦ - "بَابُ الاغْتِبَاط في الْعِلْمِ " ٥٨ - عَن ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا حَسَد إلَّا في اثْنَتَيْنِ، رَجُل آتَاهُ اللهُ مَالاً فسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا". ــ استنبط ابن عمر من قرينة الجمّار الذي أهدي إلى النبي ﷺ أن الشجرة المسؤول عنها هي النخلة، لأنّ النبي ﷺ إنما طرح هذا السؤال بعد إهدائه الجمّار الذي هو رأس النخلة، فدلّ على أنها هي. ٤٦ - " باب الاغتباط في العلم " ٥٨ - معنى الحديث: يشير النبي ﷺ هنا إلى أن الحسد أنواع مختلفة فمنه حَسَدٌ مذموم محرم شرعاً، وهو أن يتمنى المرء زوال النعمة عن أخيه، وحسد مباح وهو أن يرى نعمة دنيوية عند غيره فيتمنى لنفسه مثلها، وحسد محمود مستحب شرعاً، وهو أن يرى نعْمةً دينية عند غيره فيتمنّاها لنفسه. وهو ما عناه النبي ﷺ بقوله: " لا حسد إلاّ في اثنتين " أي أن الحسد تختلف أنواعه وأحكامه حمسب اختلاف أنواعه ولا يكون محموداً مستحباً شرعياً إلاّ في أمرين: "رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته (١) في الحق " أي الأمر الأول أن يكون هناك رجل غني تقي، أعطاه الله مالاً حلالاً، فأنفقه فيما ينفعه وينفع غيره ويرضي ربه من وجوه الخير، فيتمنى أن يكون مثله، ويغبطه على هذه النعمة. " ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها " أي والأمر الثاني: أن يكون هناك رجل عالم، أعطاه الله علماً نافعاً يعمل به: ويعلمه لغيره، ويحكم به بين الناس فيتمنى مثله.

стр. 175

٤٧ - " بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : اللَّهُمَّ عَلّمْهُ الْكِتَابَ " ٥٩ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ علِّمْهُ الْكِتَابَ ". ــ ويستفاد منه: أن من الحسد ما هو مشروع، وليس بحرام، وهو الغبطة. ومعناها: أن يرى المرء نعْمة عند غيره فيتمنى مثلها، فإن كانت الغبطة في أمر دنيوي من صحة أو قوة أو مركز أو ولد فهي مباحة، وإن كانت في أمر ديني كالعلم النافع أو المال الصالح فهي مستحبة شرعاً. والمطابقة: في قوله " ورجل آتاه الله الحكمة " إلخ. الحديث: أخرجه الشيخان وأحمد وابن ماجة. ٤٧ - " باب قول النبي ﷺ : اللهم علمه الكتاب " ٥٩ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " ضمني رسول الله ﷺ " إلى صدره أي طوقه بذراعيه، ووضع صدره على صدره تعبيراً عن محبته له، وشفقته عليه، وإيناساً لقلبه، وتبريكاً له بملامسة جسده الشريف ليحصل على العلم النافع، الذي يتفوق به على غيره، ثم أتبع ذلك بالدعاء له " وقال: اللهم علمه الكتاب " أي علمه القرآن حفظاً وفهماً وتفسيراً وتأويلاً وفقهاً وأحكاماً فاستجاب الله دعاءه. ويستفاد من الحديث مما يأتي: أولاً: فضل ابن عباس ﵄، وتميزه عن غيره بهذا الدعاء المبارك، الذي استجاب الله فيه دعوة نبيه، فأصبح ابن عباس ﵄ مضرب الأمثال، وبحر العلوم، وحَبر الأمة، وترجمان القرآن، وتفوق في الفقه على من هم أكثر منه حديثاً وروايةً حتى قال ابن القيم: أين تقع فتاوى ابن عباس واستنباطاته من فتاوى أبي هريرة، وهو أحفظ منه إلاّ أنه يؤدي الحديث كما سمعه. ثانياً: مشروعية الضم والمعانقة

стр. 176

٤٨ - " بَاب متَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ " ٦٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: أقْبَلْتُ رَاكِبَاً على حِمَارٍ أرتانٍ، وأرنا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنَىً إلى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْض الصَّفِّ، وأرْسَلْتُ الأتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ في الصَّفِّ، فلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَي". ــ عند المناسبات، ومنها استقبال المسافر فإنه مما يشرع المعانقة عنده. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجه. والمطابقة: في كون الترجة جزءاً من الحديث. ٤٨ - " باب متى يصح سماع الصغير " ٦٠ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " أقبلت راكباً على حمار أتان " بفتح الهمزة والتاء أي على حمار أنثى " وأنا قد ناهزت الاحتلام " أي وأنا غلام كنت قد قاربت البلوغ ولم أبلغ بعد، وكان عمره ﵄ في ذلك الوقت ثلاث عشرة سنة " ورسول الله يصلّي بمنى إلى غير جدار " أي إلى غير سترة من جدار أو غيره " فمررت بين يدي بعض الصف (١) " أي فمررت وأنا راكب حماري أمام بعض صفوف المصلين في حين أن إمامهم وهو النبي ﷺ لا سترة له " فلم ينكر ذلك علي " أي فلم ينكر أحدٌ علي مروري هذا. الحديث: أخرجه الستة.

стр. 177

٦١ - عنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيع ﵁ قَالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا في وَجْهِي وأنا ابْنُ خَمْسِ سِنين مِنْ دَلْوٍ". ٤٩ - " بَابُ فضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ " ٦٢ - عَنْ أبِي مُوسَى ﵁: عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، ــ ٦١ - معنى الحديث: يقول محمود بن الربيع ﵁: " عقلت من النبي ﷺ مجة مجها في وجهي " أي حفظت في ذاكرتي رشة من الماء رشها رسول الله ﷺ من فمه في وجهي "وأنا ابن خمس سنين " أي وأنا حينئذ صبي صغير لم أتجاوز الخامسة من عمري. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي وابن ماجة. ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: جواز سماع الصغير وتحمله الحديث إذا كان متمكناً من ضبطه، ولا يشترط البلوغ، لأن السلف قبلوا رواية ابن عباس وابن الربيع مع صغر سنهما. ثانياًً: أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، لأن ابن عباس مر أمام بعض الصف بحماره، والنبي ﷺ بغير سترة، ولم يأمرهم ﷺ بالإِعادة. مطابقة الحديثين للترجمة: في قبول أهل العلم لحديث ابن عباس وابن الربيع وهما صغيران. ٤٩ - " باب فضل من عَلِم وعَلّم " ٦٢ - معنى الحديث: شبه النبي ﷺ هذا العلم الشرعي المستمد من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ بغيْث عميم، ومطر غزير، نزل على أنواع مختلفة من الأرض في جدبها وخصبها، " فكان منها نقية " أي فكان البعض

стр. 178

كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أصَابَ أرْضاً، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّة قَبِلَتِ الْمَاءَ، فأنبهتَتِ الْكَلأ وَالْعُشْبَ الكَثِير، وكانَتْ مِنْهَا أجَادِبُ، أمْسَكَتْ الْمَاءَ، فَنَفعَ اللهُ بهَا النَّاسَ، فَشرَبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أخْرَى، إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَاتُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِين اللهِ وَنَفَعَهُ ما بَعَثَنِي بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بذَلِكَ رَأسَاً ولَمْ يَقْبَل هُدَى اللهِ الذي أرْسِلْتُ بِه". ــ منها أرضاً خصبة نقيّة من الحشرات والديدان، التي تفتك بالزرع. " قبلت الماءَ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير " أي شربت مياه الأمطار، فأنبتت النبات رطباً ويابساً، فاستفادت في نفسها نضرةً وجمالاً، وأفادت الإِنسان والحيوان غذاءً وكساءً. " وكانت منها أجادب " أي وكان بعضها أرضاً صلبة مجدبة، لا تنبت زرعاً، ولكن فيها غدْرَانٌ " أمسكت الماء " فكانت بمثابة خزانات ضخمة، حفظت الماء، وأمدت به غيرها " فنفع الله بها الناس، فسقوا " مواشيهم " وشربوا " " منها ما يرويهم " وزرعوا " أي وحولوا الماء إلى أرض خصبة فزرعوها، فهي وإن لم تنتفع بالغيث في نفسها، إلاّ أنها نفعت غيرها من الإنسان والحيوان. " وأصاب منها طائفة أخرى " أي وأصاب ذلك الغيث نوعاً آخر من الأرض " إنما هي قيعان " أي أرض مجدبة مستوية لا غدران فيها " لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ " أي فهي لا تحفظ الماء لاستواء سطحها، ولا تنبت العشب لجدبها وصلابتها فلم تنتفع بذلك الغيظ في نفسها، ولم تنفع غيرها فهي شر أقسام الأرض وأخبثها. ثم بيّن النبي ﷺ لنا في بقية الحديث هذه الأمثلة ووضّحها لنا بقوله: " فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم " أي فتلك (١) الأرض الخصبة النقية هي

стр. 179

مثل العالم المتفقه في دين الله العامل بعلمه المعلم لغيره، وتلك الأجادبُ التي تحفظ الماء لغيرها هي مثل العالم الذي يعلم غيره، ولا يعمل بعلمه، فهو كالشمعة تضيء لغيرها. وتحرق نفسها " ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " أي وأمّا القيعان التي لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فإنها مثل لصنفين من الناس: أولهما: المسلم الجاهل، أو المسلم العالم الذي لم يعمل بعلمه، ولم يعلمه غيره، وهو المقصود بقوله: " من لم يرفع بذلك رأساً ". وثانيهما: الكافر الذي لم يدخل في الدين أصلاً وهو المعني بقوله: " ولم يقبل هدى الله ". الحديث: أخرجه الشيخان. ويستفاد ما يأتي: أولاً: أن الناس ازاء هذا العلم الشرعي والاستفادة منه على أربعة أقسام: عالم عامل معلّم لغيره، وهو أشرف الأقسام، ومن ورثة الأنبياء، وعالم يعلّم غيره ولا يعمل بعلمه، فهذا ينفع الناس ولا ينفع نفسه، ويكون علمه حجة عليه، ومسلم جاهل أو عالم لا يعلم غيره، ولا يعمل بعلمه، هذا شرٌ ممن سبق، وكافرٌ لم يدخل في هذا الدين أصلاً فهذا هو أخبث الأقسام وشرها وأشقاها. ثانياً: فضل من علم وعمل وعلّم لأن النبي ﷺ شبهه بخير أجزاء الأرض وأشرفها وأزكاها وهي " الأرض النقية ". والمطابقة: في قوله ﷺ : " فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم ". ***

стр. 180

٥٠ - " بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ " ٦٣ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزنَا ". ــ ٥٠ - " باب رفع العلم وظهور الجهل " ٦٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ "إن من أشراط (١) الساعة" أي من علامات قرب قيام الساعة " أن يرفع العلم " على مراحل متعددة فيرفع أولاً " العلم النافع المقترن بالعمل الصالح "، حتى لا يبقى منه إلاّ كلمات تتردد على ألسنة العلماء، لا أثر لها في سلوكهم وتصرفاتهم الشخصية، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ ذكر يوماً رفع العلم فقيل له: كيف يذهب العلم وقد قرأنا القرآن وأقرأناه أبناءَنا ونساءَنا؟ فقال ﷺ : " هذه التوراة والإنجيل عند اليهود فما تغني عنهم ". وقال عبادة بن الصامت ﵁: لو شئت أخبرتك بأولي علم يرفع من الناس: " الخشوع " يزول هذا، فيتهاون الناس به ولا يعملون بمقتضاه لا حملة العلم ولا غيرهم، ويبقى علم اللسان حجة عليهم. ثم يذهب علم اللسان، فلا يبقى محدث ولا مفسر: إنما هي الكتب في المكتبات، ثم يرفع العلم كله من الكتب والقلوب معاً " ويثبت الجهل ". أي ويتمكن من الناس، ويفشو بينهم "ويشرب الخمر، ويظهر الزنا " أي ويكثر الزنا وشرب الخمور كنتيجة حتمية لارتفاع العلم وانتشار الجهل وزوال الخشية من القلوب. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي أيضاً. والمطابقة: في قوله " أن يرفع العلم ويثبت الجهل ".
следующие страницы →