٦٧٩ - " بَابُ أَدَاءِ الدُّيُونَ "
٧٧٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْ كانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبَاً مَا يَسُرُّنِي أَنْ لا يَمُرَّ عَليَّ ثَلَاثٌ وعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا شَيْءٌ أرْصُدُهُ لِدَيْنٍ ".
ــ
بالنسبة إلى من كانت لديه عُهَدٌ مالية، فإنه إذا حَسُنَتْ نيته، وتعرض لظروف خارجة عن إرادته، أعانه الله تعالى، وأدّى عنه ما عليه في الدنيا والآخرة لعموم الحديث. ثانياًً: قال ابن بطال: فيه الحث على حسن التأدية عند المداينة وأن الجزاء من جنس العمل. الحديث: أخرجه أيضاًً أحمد وابن ماجة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
٦٧٩ - " باب أداء الديون "
٧٧٩ - معنى الحديث: يقول رسول الله ﷺ : " لو كان لي مثل أحد ذهباً ما يسرني أن لا يمر علي ثلاث " أي ما يسرني: أن يمر علي ثلاثة أيام " و (لا) زائدة كما قال بعض أهل العلم " وعندي منه شيء إلّا شيء أرصده لدين " أي لو كنت أملك من المال مقدار جبل أحد من الذهب الخالص لأنفقته كله في سبيل الله، ولم أُبْقِ منه إلاّ الشيء الذي أحتاج إليه في قضاء الحقوق، وتسديد الديون التي عليَّ، وما زاد على ذلك فإنه لا يسرني أن يمضي علي ثلاثة أيام وعندي منه شيء، والمطابقة: في قوله: " إلاّ شيءٌ أرصده لدين ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على وجوب الاهتمام بالدين، والحرص على قضائه والمسارعة إلى تسديده وتقديمه على الإِنفاق والصدقة في سبيل الله، لأن تسديد الديون أولى من الصدقة. الحديث: أخرجه الشيخان.
стр. 1157
٦٨٠ - " بَابُ حُسْنِ التَّقَاضِي "
٧٨٠ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَاتَ رَجُلٌ فَقِيْلَ لَهُ، قَالَ: كُنْتُ أبَايع النَّاسَ فأتَجَوَّزُ عنِ الْمُوسِرِ، وأُخَفِّفُ عَنِ الْمُعْسِرِ فَغُفِرَ لَهُ ".
ــ
٦٨٠ - " باب حسن التقاضي "
٧٨٠ - معنى الحديث: يقول النبي: " مات رجل فقيل له " أي فسئل عما قدم في دنياه من أعمال صالحة، " قال: كنت أبايع الناس فأتجوّز عن الموسر " أي كنت تاجراً أبايع الناس بالدين فأيسّر عليهم في قضاء ديونهم، فمن كان غنياً تساهلت معه في تسديد ما عليه، ولم ألزمه بدفعه عند حلول الأجل. " وأخفف عن المعسر " أي وإن كان المدين غير قادر على الدفع خففت عنه بتأجيل الدين حتى يتيسر له أو بإعفائه من بعض الدين أو كله. قال النبي ﷺ : " فغفر له " أي فغُفِرَتْ ذنوبه مكافأة له على رحمته بالناس، ورفقه بهم، وتيسيره عليهم. وفي رواية النسائي: " إن هذا الرجل لم يعمل خيراً قط، وكان يداين الناس " وفي رواية الحاكم أنه كان يقول لرسوله: " خذ ما تيسر، ودع ما تعسّر، وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عنا، فقال الله تعالى: قد تجاوزت عنك ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فأتجوَز عن الموسر، وأخفف عن المعسر فغفر له ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب التسامح والتساهل مع الناس عند تقاضي الحقوق والديون منهم بانظار المعسر، والتجاوز عن الموسر، فإنّه سبب في مغفرة الله تعالى، والجزاء من جنس العمل.
стр. 1158
٦٨١ - " بَابُ حُسْنِ الْقَضَاءِ "
٧٨١ - عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ:
أتَيْتُ النبي ﷺ وَهُمَ في الْمَسْجِدِ -قَالَ مِسْعَرُ: أرَاهُ قَالَ: ضُحَى- فَقَالَ ﷺ : " صَلِّ رَكْعَتَيْنِ " وكانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وزَادَنِي.
ــ
٦٨١ - " باب حسن القضاء "
٧٨١ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: " أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد " أي أن النبي ﷺ كان قد اشترى من جابر ﵁ في غزوة الفتح بالدين، فلما قديم المدينة ذهب - إلى النبي ﷺ في مسجده ليسلم عليه، فأحسن النبي ﷺ استقباله، وأمره بتحية المسجد، " فقال: صل ركعتين " لأن تحية المسجد مقدمة على كل عمل، " وكان لي عليه دين " وثمن البعير الذي اشتراه منه بالدين " فقضاني وزادني " أي فأعطاني الدين الذي عليه، وزادني عن حقي فأعطاني أكثر منه، وفي رواية: " زادني: قيراطاً، قال جابر: قلت هذا القيراط الذي زادني رسول الله ﷺ لا يفارقني، فجعلته في كيس، فلم يزل عندي حتى جاء أهل الشام يوم الحرة فأخذوه فيما أخذوا ". الحديث: أخرجه الستة بألفاظ.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: الترغيب في حسن قضاء الدين، وأقله أن يقضي عند حلول الأجل دون تسويف أو مماطلة. ثانياًًً: أن من حسن القضاء أن يَرُدَّ الدين بأجود أو أكثر منه، فيزيد الدائن عما أخذه منه، قال الصنعاني: ولا يدخل ذلك في القرض الذي يجر نفعاً، لأنه لم يكن مشروطاً من المقرض، وإنما ذلك تبرع، وظاهره جواز الزيادة
стр. 1159
٦٨٢ - " بَابُ إِذَا وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ في الْبَيْعِ والْقَرْضِ والوَدِيعَةِ فَهُو أحَقُّ بِهِ "
٧٨٢ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ أدرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أفلَسَ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ ".
ــ
عدداً وصفة وقال مالك: لا تجوز في العدد. والمطابقة: في قوله: " فقضاني وزادني ".
٦٨٢ - " باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة فهو أحقُّ به "
٧٨٢ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحقُّ به من غيره " أي من وجد ماله بعينه دون زيادة أو نقصان أو تغيير أو تبديل عند إنسان مفلس لا تتسع أمواله لسداد ديونه، فإنه أحق باسترداد ماله من بقية الغرماء. قال الحافظ: فإن تغيرت العين في ذاتها بالنقص مثلاً، أو في صفة من صفاتها فهو أسوة بالغرماء.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من وجد ماله عند مفلس دون تغير في ذاته أو في صفة من صفاته، فإن له الحق في استرداده، سواء كان متاعاً أو سلعة تجارية، ولا يكون أسوة بالغرماء، وهو مذهب الشافعي مطلقاً حيث قال: المقرض أحق باسترداد ماله من البائع كما أفاده الصنعاني. وذهب غيره إلى أن هذا الحكم يختص بالبائع دون المقرض، للتصريح بذلك في قوله ﷺ : " أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من الثمن شيئاً، فوجد متاعه فهو أحق به " أخرجه أبو داود. لكن حديث الباب
стр. 1160
٦٨٣ - " بَابُ مَنْ بَاعَ مَالَ الْمُفْلِس أو الْمُعْدِمِ فقَسَّمَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَأعْطَاهُ حَتَّى يُنْفِقَ عَلَى نفْسِهِ "
٧٨٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:
أعتَقَ رَجُلٌ غُلاماً لَهُ عنْ دُبُرٍ فَقَالَ النبي ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِيْهِ مِنِّي " فاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَأخذَ ثَمَنَهُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ.
ــ
عام في كل من له مال على آخر بقرض أو بيع إن وجد ما له بعينه فهو أحق به، ولا يلزم أن تكون أحاديث البيع مخصصة له كما أفاده الصنعاني. وذهب أبو حنيفة إلى أن من وجده ماله بعينه عند مفلس فهو أسوة بالغرماء مطلقاً.
وذهب الشافعية إلى أن الميت، كالمفلس، فمن وجد ماله بعينه عند ميت فهو أحقُّ به، وفرق المالكية بين الفلس والموت، فقالوا: لا حق في حال الموت.
الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الترجمة متضمنة لمعنى الحديث.
٦٨٣ - " باب من باع مال المفلس أو المعدم فقسمه بين الغرماء وأعطاه حتى ينفق على نفسه "
أي هذا باب في بيان حكم من باع من الحكام مال المفلس ليقسم ثمنه على غرمائه بنسبة ديونهم، وأعطاه منه ما يحتاج إليه يومياً من نفقته ونفقة عياله.
٧٨٣ - معنى الحديث: أن رجلاً من الأنصار أعتق عبداً له بعد وفاته، وهو معنى قوله: " عن دُبُر " ثم افتقر وأفلس، وركبته الديون، فعرض النبي ﷺ غلامه للبيع في طريق المزايدة، حتى رسى على نعيم بن عبد الله، فاشتراه بثمانمائة درهم، كما في رواية أخرى للبخاري، قال جابر: " فأخذ ﷺ ثمنه فدفعه إليه " أي سلمه إليه ليأخذ منه قدْر نفقته، ويقضي بالباقي
стр. 1161
دينه ويقسمه على غرمائه، فقد جاء في رواية النسائي: " أن الرجل كان مديناً، وباع النبي ﷺ الغلام الذي دبره، فدفعه إليه وقال له: اقض دينك " الحديث: أخرجه أيضاًً النسائي بألفاظ مختلفة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن المدين إذا أفلس فإن للحاكم الشرعي أن يبيع ماله، ويقسمه على غرمائه ويعطيه منه قدر نفقته اليومية، كما يفيد هذا الحديث برواياته المختلفة. قال الحافظ: وذهب (١) الجمهور إلى أن من ظهر فلسه فعلى الحاكم الحجر عليه في ماله حتى يبيعه عليه، ويقسمه بين غرمائه على نسبة ديونهم، وخالف الحنفية، واحتجوا بقصة جابر حيث قال في دين أبيه: فلم يعطهم الحائط، قال: ولا حجة فيه، لأنه أخّر القسمة ليحضر فتحصل البركة في الثمرة بحضوره. اهـ. " فإن قلت " ليس في هذا الحديث أن النبي ﷺ قسم المال بنفسه بين الغرماء، وإنما المذكور في الحديث أنّه دفع إليه ماله، فالجواب كما قال العيني: أنه لما أمره ﷺ بقضاء دينه من ثمنه، فكأنه هو الذي تولى قسمته بين غرمائه، لأن البيع لم يكن إلّا لأجلهم (٢). اهـ. ومن الأحاديث الصحيحة الصريحة في الحجر على المفلس وتقسيم ماله على غرمائه ما روي عن كعب بن مالك " أن النبي ﷺ حجر على معاذ ماله، وباعه في دين كان عليه " رواه الدارقطني (٣) وصححه الحاكم وأخرجه أبو داود مرسلاً، ورجح إرساله، قال عبد الحق: المرسل أصح من المتصل، وقال ابن الصلاح: هو حديث ثابت كان ذلك سنة تسع، وجعل لغرمائه خمسة أسباع حقوقهم، فقالوا: يا رسول الله بعه لنا فقال: ليس لكم إليه سبيل. قال الصنعاني: والحديث دليل على أنه يحجر الحاكم على المدين التصرف في ماله ويبيعه عنه لقضاء غرمائه، والقول بأنه حكاية فعل
стр. 1162
غير صحيح. فإن هذا فعل لا يتم إلاّ بأقوالٍ تصدر عنه ﷺ يحجر بها تصرفه، وألفاظ يباع بها ماله، وألفاظ يقضى بها غرماؤه، وما كان بهذه المثابة لا يقال إنه حكاية فعل: اهـ. واختلفوا هل يختص الحجر بالمدين المفلس أم أنه يشمل كل مدين لم يقض الدين الذي عليه عند حلول الأجل ولو كان غنياً، فقال الجمهور: يدخل في ذلك الغني إذا ماطل في تسديد الدين، فيبيع الحاكم عليه ماله لينصف منه غريمه أو غرماءه، ومما يدل على ذلك قوله ﷺ : " ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبتهِ " فإنْه يدل على أنه يحجر عليه، ويباع عنه ماله، لأنه داخل تحت مفهوم العقوبة. وقال بعضهم: لا يحجر على المدين إن كان غنياً وإنما يجب حبسه حتى يقضي دينه قالوا: وليس في حجره ﷺ على معاذاً أي دليل على أنه يحجر - على الغني إذا لم يقض الدين الذي عليه، لأن معاذاً كان في الحقيقة مفلساً لما في رواية أبي داود عن عبد الرحمن بن كعب ابن مالك مرسلاً قال: " وكان معاذ بن جبل رجلاً سخياً، وكان لا يمسك شيئاً، فلم يزل يدان حتى أغرق ماله كله في الدين، فأتى النبي ﷺ فكلمه ليكلم غرماءه، فباع رسول الله ﷺ لهم ماله حتى قام معاذ بغير شيء (١) " وأما قوله ﷺ " ليُّ الواجد بحل عرضه وعقوبته " فمعناه أن الغني إذا ماطل في قضاء الدين حلت عقوبته بسجنه لا بالحجر عليه. أما كيف يقسم مال المفلس على الغرماء؟ فقد اتفق أهل العلم على أن المفلس الذي له مال لا يفي بديونه يَحْجُرُ الحاكم عليه إذا طلب غرماؤه أو بعضهم ذلك، ويكف يده عن التصرف فيه ويبيع عليه ماله " عند الجمهور " (٢) ويقسمه بالحصص على غرمائه الحاضرين المطالبين بحقوقهم الذين حلّت آجالهم فقط، دون الحاضرين الذين لم يطالبوا بحقوقهم، أو الغائبين الذين لم يوكّلوا أحداً عنهم، أو الدائنين
стр. 1163
الذين لم تحل آجالهم، كما ذهب إليه أحمد والشافعي، خلافاً لمالك حيث قال: يحل الدين بالحجر وإن لم يحضر أجله. أما الميت المفلس: فإنه يقضي من الموجود من ماله لكل حاضر أو غائب طلب أو لم يطلب، حل أجله أو لم يحل، بعد قضاء حق الله تعالى من زكاة أو كفارة لقوله ﷺ " فإن دين الله أحقُّ أن يقضى " ولا بد أن يترك الحاكم للمفلس ما يقوم بمعيشته من مسكن يؤويه، ومال يتجر فيه، وآلة حرث، وأجرة خادم، وذهب مالك والشافعي إلى أنه تباع داره في هذه الحالة. وأما البالغ السفيه الذي يسيء التصرف في ماله، ويصرفه فيما لا مصلحة فيه، فقد قال ابن المنذر: أكثر العلماء على أن من بلغ عاقلاً لا يحجر عليه إلا أن يكون مفسداً لماله، فإذا كان كذلك حجر عليه حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فإذا بلغها سلم المال إليه بكل (١) حال، واستدل الجمهور على أنه يحجر على السفيه بما في الحديث الصحيح من النهي عن إضاعة المال (٢) والسفيه يضيعه بسوء تصرفه، أما الصغير فإنه يحجر عليه حتى يبلغ الحلم ويؤنس منه الرشد. والمطابقة: في كونه ﷺ : دفع إليه ثمن العبد ليقسمه بين غرمائه.
...
стр. 1164
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" " كتابُ الخُصُومَاتِ "
٦٨٤ - " بَابُ ما يُذْكَرُ فِي الأشْخاص والخُصُومَةِ "
٧٨٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ رَجُلاً يَقْرَأُ آيَةً سَمِعْتُ رسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (١) خِلافَهَا فأخذْتُ بِيَدِهِ فأتيْتُ بِهِ ﷺ فَقَالَ: " كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ فلا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا ".
ــ
" كتاب الخصومات "
الخصومات: جمع خصومة، وهي المنازعة بين شخصين أو أكثر يدّعى أحدهما أو أحدهم ما ينكره الطرف الآخر، فيتشاجران، ولا يلزم أن تكون على حق مالي يدعيه أحد الطرفين على الآخر، بل قد تنشأ عن اختلاف في قضية علمية، فإنها كما تكون في حق شخصيٍّ أو تعد جنائي، فإنها تكون كذلك في مسائل علمية أو دينية أو أمور أخرى.
٦٨٤ - " باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة "
٧٨٤ - معنى الحديث: أن ابن مسعود سمع رجلاً يقرأ آية من القرآن قراءة تختلف عما سمعه من رسول الله ﷺ ، وكان هذا الرجل هو عمر ﵁، قال ابن مسعود: " فأخذت بيده فأتيت به رسول الله ﷺ " أي فأمسكت بيده وذهبت به إلى النبي ﷺ أشكوه إليه، "فقال: كلاكما
стр. 1165
محسن" أي فسمع ﷺ قراءة كل منهما فقال: " كلاكما محسن " أي مصيب في قراءته " لا تختلفوا " أي لا تتنازعوا وتتخاصموا في مثل هذه الأمور التي لها أصل شرعي، لأنها جاءت عن النبي ﷺ بأوجه مختلفة كلها صحيحة كالأحرف السبعة فإنها ثابتة عن رسول الله ﷺ " فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا "، يعني فإن بني اسرائيل لما اختلفوا كان اختلافهم سبب هلاكهم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: التحذير عن الخصومة في الأمور التي لها أصل شرعي من الكتاب والسنة كالأحرف السبعة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، أو الاختلافات الفقهية، فإن المسلمين قد اختلفوا في الأحكام التشريعية منذ عهد الصحابة والتابعين، وتغايرت فتاوى الصحابة فيها، ولا ينبغي النزاع والخصومة فيها، فإن هؤلاء المجتهدين جميعاً على هدى من الله، ويؤجرون على كل حال، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد. ثانياًً: أن اختلاف أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان، وكذلك اختلاف فقهاء الإِسلام، والأئمة الأعلام في المسائل الفقهية والأحكام الشرعية لا يدخل ضمن الاختلاف المذموم شرعاً (١) فقد قال الإِمام ابن قدامة في أول كتابه " المغني " وهو يتحدث عن أئمة المذاهب الإِسلامية: إن الله مَهَّد بهم قواعد الإِسلام، وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجةٌ قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، تحيا القلوب بأخبارهم، وتحصل السعادة باقتفاء آثارهم، ثم اختصّ منهم نفراً أعلى قدرهم ومناصبهم، وأبقى ذكرهم ومذاهبهم، فعلى أقوالهم مدار الأحكام، وبمذاهبهم يعتني فقهاء الإِسلام. اهـ. وقال في " شرح الطحاوية " فإذا وُجِدَ لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له في تركه من عذر، وجماع الأعذار ثلاثة أصناف. أحدها: عدم اعتقاده أنّ النبي ﷺ قاله:
стр. 1166
٦٨٥ - " بَابُ كَلَامِ الخصُومِ بَعضِهِمْ في بَعْضٍ "
٧٨٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:
قَاَلَ رَسُولُ اللهَ ﷺ : " مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، وَهوَ فِيهَا فَاجِر، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ "، قَالَ: فَقَالَ
ــ
الثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة. الثالث: اعتقاده أن ذلك منسوخ. ثم قال: " فلهم الفضل علينا، والمنة بالسبق، وتبليغ ما أرسل به الرسول إلينا، وإيضاح ما كان منه يخفى علينا. اهـ. فهذا الاختلاف الفقهي لا حرج فيه، وإنما الاختلاف المذموم المنهي عنه شرعاً هو اختلاف التضاد وهو كما قال في " شرح الطحاوية " الذي تُحمدُ فيه إحدى الطائفتين وتذم الأخرى كما في قوله تعالى: (وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ). اهـ. ويدخل في ذلك الاختلاف العقائدي كاختلاف أهل البدع والأهواء الذي يؤدّي إلى سفك الدماء، واستباحة الأموال، والعداوة والبغضاء بين المسلمين، كما وقع من الخوارج الذين حاربوا أهل السنة، وكما وقع من المعتزلة الذين عذبوا أئمة الهدى ونكلوا بهم. الحديث: أخرجه أيضاًً النسائي في الكبرى. والمطابقة: في قوله: " فلا تختلفوا " إلخ.
٦٨٥ - " باب كلام الخصوم بعضهم في بعض "
٧٨٥ - معنى الحديث: قال عبد الله ابن مسعود ﵁ يوماً وهو يتحدث عن رسول الله ﷺ : " قال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين وهو فيها فاجر " أي من أقسم بالله تعالى على شيء وهو كاذب في يمينه، متعمد الكذب، عالم بأنه غير محق في قوله ودعواه " ليقتطع بها مال امرىء مسلم " أي ليأخذ حقاً لغيره، أو يسقط عن نفسه حقاً لغيره، مسلماً كان أو ذمياً، قال القسطلاني: والتقييد بالمسلم جرى على الغالب، فلا فرق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتابُ اللُّقَطَةِ "
٦٨٦ - " بَابٌ إِذَا لَمْ يُوجَد صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فهِيَ لِمَنْ وَجَدَهَا "
٧٨٦ - عن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ قَالَ:
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فسَألهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: " اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفها سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وِإلَّا فَشَأنَكَ بِهَا "،
ــ
" كتاب اللقطة "
بفتح القاف على المشهور، وقال الخليل: بسكون القاف وهو القياس إلّا أنه غير مستعمل، وهي لغة: المال الملتقط، وشرعاً: ما وجد من مال ضائع غير ممتنع بقوته.
٦٨٦ - " باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها "
٧٨٦ - معنى الحديث: أن رجلاً وهو عقبة بن سويد سأل النبي ﷺ عن حكم اللقطة " أي المال الضائع " إذا وجده المسلم ماذا يصنع به؟ " فقال: اعرف عفاصها (١) ووكاءها "، أي تعرّف على جميع مميزاتها وعلاماتها من شكل الوعاء والحبل ولونهما، " ثم عرفها سنة "، أي أعلن للناس عن وجود متاع ضائع عندك لمدة سنة كاملة، ويكون ذلك في أوّل الأمر مرتين يومياً أول (٢) النهار وآخره، ثم مرة واحدة في اليوم، ثم مرة في
стр. 1169
قَالَ فَضَالَةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: " هِيَ لَكَ أو لأخيكَ، أو للذِّئْبِ " قَالَ فَضَالَةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: " مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤهَا وحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ، وتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا ".
ــ
الأسبوع، وإنما أمر ﷺ بتعريفها لمحاولة إيصالها إلى صاحبها " فإن وجد صاحبها وإلا فشأنك بها " أي فإن حضر صاحبها خلال السنة فسلمها له، " وإلا فشأنك بها " (١) أي وإن لم يحضر صاحبها بعد سنة فتصرف فيها، وفي رواية أخرى: ثم استمتع بها، فإن جاء ربها فأدها إليه يعني فإن جاء ربها بعد السنة، وذكر علاماتها المميزة لها من شكل ولون ووعاء ونحوه، وكانت موجودة لديك بعينها فسلمها له، وادفعها إليه، وإن تصرفت فيها فعليك ضمانها، فادفع إليه قيمتها وثمنها " قال: فضالة الغنم " أي فما حكم الشاة الضائعة هل ألتقطها أيضاًً؟ " قال: لك، أو لأخيك، أو للذئب " أي فأمره ﷺ ضمناً بأخذها لأنه إن لم يأخذها هو أخذها غيره من الناس، فإن لم يأخذها هو ولا غيره كانت طعاماً للذئاب والسباع. " قال: فضالة الإِبل؟ " أي فسأله عن الجمل الضائع أو الناقة الضائعة " قال: ما لك ولها؟ " وهذا استفهام إنكاري، أي لِمَ تأخذها وهي لا حاجة لها بك " معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر " أي لا داعي لأخذها أبداً، لأنها توفرت لها كل أسباب المعيشة من حذاء قوي صلب تسير عليه، وهو خفها، وسقاء ضخم تحفظ به الماء وهو بطنها ثم هذا هو العشب بين يديها، والماء موجود ترده ولو بعد أيام فتختزنه في بطنها فيرويها.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية التقاط اللقطة واستحبابه حفظاً لمال المسلم، وصيانة له عن الضياع، وهو مذهب
стр. 1170
أبي حنيفة والشافعي وقال مالك وأحمد: ترك التقاطها أفضل لحديث: " ضالة المسلم حرق النار " ولما يخشي، من الضمان والدين، وذهب قوم إلى أن الالتقاط واجب، وتأوّلوا حديث الوعيد بمن أخذها للانتفاع بها من أول الأمر، وهو رواية عن الشافعي، واستدل على وجوبه بقوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) وولاية المؤمن للمؤمن تقتضي التقاط ماله، واختار أبو الخطاب الحنبلي أنه إذا وجدها بمضيعة وأمن نفسه عليها، فالأفضل أخذها. ثانياًً: أنه ينبغي التعرف على جميع مميزات اللقطة من شكل الوعاء والحبل ولونهما، وأن يقوم بتعريفها، والإِعلان عنها لمدة سنة وجوباً، لحديث الباب، حيث إن إمساكها دون تعريف لها وأكلها والتصرف فيها دون ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، ومعنى التعريف لها الإِعلان عنها أولاً في مكان التقاطها ثم في المجتمعات القريبة منه، ثم في المجتمعات العامة كالمساجد (١) والأسواق ونحوها، أو بتبليغ الجهات المسؤولة عنها. ثالثاً: أنه إذا حضر صاحبها قبل انقضاء السنة، وذكر العلامات المميزة لها سلّمها إليه، لقوله ﷺ : " اعرف عفاصها ووكاءها " فإنه لم يأمر الملتقط بمعرفة الوعاء والحبل ونحوه إلاّ ليسأل من يزعم أنّه صاحبها عن هذا العلامات التي تميزها. رابعاً: أنه إذا لم يحضر صاحبها بعد سنة، فله أن ينتفع بها، ويتصرف فيها شريطة ضمانها لصاحبها عند حضوره، فيدفع إليه ثمنها. قال ابن قدامة (٢): وترد اللقطة بمجيء صاحبها، ويضمن له بدلها إن تعذر ردها، وهو مذهب أكثر أهل العلم، وقال الشوكاني: " ذهب الجمهور (٣) إلى وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت " وأجاز أبو حنيفة تملكها لمن كان فقيراً. خامساً: أنه ينبغي أخذ ضالة الغنم لضعفها وعدم تمكنها من المعيشة
стр. 1171
٦٨٧ - " بَابٌ إِذَا وجَدَ تمْرَةً في الطَّرِيقِ "
٧٨٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنِّي لأنْقَلِبُ إِلى أهْلِي فأجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً على فِرَاشِيِ فَأرْفَعُهَا لآكُلَهَا، ثُمَّ أخشَى أنْ تَكُونَ صَدَقَةً، فَأُلقِيهَا ".
ــ
دون صاحبها، فإن أكلها هل يضمنها؟ قال مالك: يأكلها ولا يضمنها لقوله ﷺ : " لك أو لأخيك أو للذئب "، قال الجمهور: يضمنها. سادساً: أن ضالة الإبل لا تؤخذ لاستغنائها بنفسها. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله " فإن وجد صاحبها وإلّا فشأنك بها ".
٦٨٧ - " باب إذا وجد تمرة في الطريق "
٧٨٧ - معنى الحديث: أنّ النبي ﷺ يقول: والله إني لأجد التمرة على فراشي بعد رجوعي إلى بيتي. فتميل نفسي إليها، فأرفعها إلى فمي لآكلها، فأخشى أن تكون من تمر الزكاة فأتركها وأردها إلى مكانها. الحديث: أخرجه الشيخان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الأشياء التافهة إذا التقطها المسلم يملكها بمجرد التقاطه لها، ولا يحتاج ولا يجب عليه تعريفها، لأن النبي ﷺ لما وجد التمرة على فراشه رفعها ليأكلها دون تعريف لها، فدل ذلك على أنّ اللقطة إذا كانت من الأشياء التي يعلم بداهة أن صاحبها لا يطلبها فإنها لا يجب تعريفها، وقد روي عن عمر ﵁ أنّه مر على أعرابي يعرف تمراً - أي تمراً يسيراً فخفقه بالدرّة وقال: كل يا بارد الزهد. ثانياًً: أنه يستحب من باب الورع التوقف عن تناول الأشياء التافهة حرصاً على سلامة الدين لقوله ﷺ : ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها " فإن النبي ﷺ قد امتنع عن أكلها تورعاً واحتياطاً، مخافة أن تكون من تمر الصدقة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.
стр. 1172
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتابُ الْمَظَالِمِ "
٦٨٨ - " بَابُ قِصَاصِ الْمَظَالِمِ "
٧٨٨ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁:
عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا خَلُصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بقَنْطرةٍ بَيْنَ الْجَنةِ والنَّار، فيتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كانَتْ بَيْنَهُمْ في الدُّنيا، حَتَّى
ــ
٦٨٨ - "
كتاب المظالم باب قصاص المظالم "
المظالم لغة جمع مظلمة بكسر اللام وفتحها، حكاه الجوهري وغيره، والكسر أكثر، حتى أن صاحب " القاموس " اقتصر عليه حيث قال: المظلمة بكسر اللام ما يظلمه الرجل لغيره، فلم يذكر غير الكسر، وهي مشتقة من الظلم. والظلم كما قال الراغب: " وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة، وإمّا بعدول عن وقته ومكانه " ومنه أخذت المظلمة، وهي في اللغة كما قال الحافظ: " اسم لما أخذ بغير حق ". أمّا المظلمة شرعاً فإنها التعدي على حقوق الآخرين، سواء كان ذلك بأخذ أموالهم بالباطل، أو بانتهاك أعراضهم، ويدخل في المظالم كل الاعتداءات المالية والجسمية والأخلاقية وغيرها، وكل الجنايات وجميع المخالفات الشرعية والذنوب، وإن لم تتعد إلى الغير، لأن فاعلها يظلم نفسه، ويتعدى عليها بتعريضها للعقوبة الإلهية.
٧٨٨ - معنى الحديث: أن المؤمنين يوم القيامة إذا تجاوزوا الصراط المنصوب على متن جهنم أوقفتهم الملائكة عند جسر آخر، ليقتص المظلوم من ظالمه حقه الذي اعتدى عليه فيأخذه من حسناته، أي فيأخذ من حسناته بقدر تلك المظلمة وهو معنى قوله: " فيتقاصون مظالم كانت بينهم "
стр. 1173
إِذَا نُقُّوا وهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، فوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ في الْجَنَّةِ أدلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ في الدُّنيا".
ــ
(بالصاد) أي فيقتص المظلوم من حسنات الظالم بقدر المظلمة التي أصابته منه، وفي رواية " فيتقاضون " (بالضاد) أي فيتحاكمون في هذه المظالم إلى رب العزة والجلال " حتى إذا نقوا وهذبوا أُذن لهم بدخول الجنة " أي فإذا طُهّروا وتخلصوا من حقوق الناس أدخلوا الجنة " فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم بمسكنه في الجنة أدل بمنزله كان في الدنيا " أي أن أهل الجنة أعرف بمنازلهم فيها من أهل الدنيا بمنازلهم. الحديث: أخرجه البخاري وأحمد.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: التحذير الشديد من ارتكاب المظالم والتعدي على حقوق الآخرين سواء كانت بدنية أو مالية أو أخلاقية أو غيرها، لأن المظلوم يوم القيامة يأخذ من حسنات ظالمه، حتى يستوفي حقّه منه، وإذا كان هذا الحديث قد دل على أن القصاص في الحقوق والمقاضاة فيها تكون بعد المرور على الصراط فقد أكد المحققون على أن هذا القصاص الذي بعد الصراط إنما هو في المظالم الخفيفة، فذكر ابن بطال بأنه يختصُّ بالذين لا تستغرق مظالمهم حسناتهم، لأنهم لو استغرقت مظالمهم حسناتهم لما جاز أن يقال فيهم خلصوا من النار. إذن فهؤلاء الذين يحاكمون في حقوق العباد بعد الصراط هم الذين عليهم تبعات يسيرة، ولكل واحد منهم على أخيه مظلمة، وله مظلمة، ولم يكن في شيء منه ما يستحق النار.
فالجميع يدخلون الجنة إلاّ أنهم يتفاوتون في المنازل. ثانياًًً: أن أهل الجنة يعرفون منازلهم أكثر من معرفة أهل الدنيا بمنازلهم. والمطابقة: في قوله " فيتقاصون مظالم ".
стр. 1174
٦٨٩ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى ألا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمينَ "
٧٨٩ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَليْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفْ ذَنْبَ كَذَا؟ أتَعْرِفْ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أيْ رَبِّ، حَتَّى إذَا قَرَّرَهُ بذُنُوبِهِ، وَرَأى في نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وأَنا أغفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فيُعْطى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وأَمَّا الكَافِرُ والْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الأشْهَادُ: هَؤُلاءِ الَّذِيْنَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، ألا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ".
ــ
٦٨٩ - " باب قول الله تعالى ألا لعنة الله على الظالمين "
٧٨٩ - معنى الحديث: أن ابن عمر ﵄ يحدثنا عن النبي ﷺ أنّه سمعه بنفسه يقول: " إن الله يدني المؤمن " أي يقربه إليه يوم القيامة ليكلمه ويعرض عليه ذنوبه فيما بينه وبينه، " فيضع عليه كنفه (١) ويستره " أي فيشمله بعنايته ورعايته ولطفه ورحمته، ويستر عليه ذنوبه، ويكلمه فيها سراً، " فيقول له " فيما بينه وبينه دون أن يطلع على ذلك أحد ويعرض عليه ذنوبه سرَّاً قائلاً له في لطف " أتعرف ذنب كذا " هكذا يذكره بما فعله في الدنيا في لطف وخفاء " حتى إذا قرره بذلك " واعترف بذنوبه " ورأى في نفسه أنه هلك " أي وتيقن أنه دخل النار إِلا محالة إلاّ أن يتداركه عفو الله، " قال: سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم " أي أغفرها لك في هذا اليوم كما سترتها عليك في الدنيا " أما الكافر أو المنافق " في عقيدته
стр. 1175
٦٩٠ - " بَاب الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
٧٩٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
ــ
" فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم " أي فيقول الحاضرون من الملائكة والنبيين والجن والإِنس: هؤلاء الذين كفروا ونسبوا إلى الله ما لا يليق به من الشريك والولد والزوجة " ألا لعنة الله على الظالمين " أي ألا إن هؤلاء الكفار هم الذين اختصهم الله باللعنة والطرد من رحمته. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الظالمين المستحقين للعنة هم الكفار والمنافقون لقوله في الحديث: " وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين " أما المؤمنون فلا يلعنون ولو كانوا عصاة، لأن مصيرهم إلى الجنة، ولأن رحمة الله لا بد أن تنالهم، فلا يلعن العاصي بعينه، أما اللعن بدون تعيين فلا مانع منه لقوله ﷺ : " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ". ثانياًً: سعة رحمة الله وعفوه على عباده، وأنه لا يأس مع الإيمان. والمطابقة: في قوله " وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين ".
٦٩٠ - " باب الظلم ظلمات يوم القيامة "
٧٩٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " الظلم ظلمات " قال القاضي عياض: هو على ظاهره، فيكون ظلمات على صاحبه فلا يهتدي يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا، فربما وقعت قدمه في ظلمة ظلمه فهوت في حفرة من حفر النار، كما أفاده القسطلاني.
стр. 1176
٦٩١ - " بَابُ مَنْ كَانتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ فَحَلَّلَهَا لَهُ هَلْ يُبَيِّنُ لَهُ مَظْلَمَتَهُ "
٧٩١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أو شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أن لَا يَكُونَ دِينَارٌ ولا دِرْهَمٌ، إِنْ كَان لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ من سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ ".
ــ
فقه الحديث: دل هذا الحديث على التحذير من عواقب الظلم الوخيمة لأنه يتحول يوم القيامة إلى ظلمات تغشى بصر فاعله، وتحجب عليه طريقه.
الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في كون الترجمة هي لفظ الحديث.
٦٩١ - " باب من كانت له مظلمة عند رجل فحللها له هل ييين له مظلمته "
٧٩١ - معنى الحديث: أن من أخذ من أخيه شيئاً بالباطل، أو تعدى على حق من حقوقه المالية أو البدنية أو غيرها " فيتحلله منه اليوم " أي فليبادر إلى استرضائه والاستسماح منه (١) في الدنيا وليُعِدْ إليه حقه من ماله، " قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهم "، أي قبل أن يأتي ذلك اليوم الذي لا يملك فيه نقوداً يستطيع بها أن يرد للمظلوم حقه المالي الذي ظلمه فيه فيحاكمه إلى ربه ، فإن كان له عمل صالح فإنه يؤخذ من حسناته
стр. 1177
٦٩٢ - " بَابُ إِثْمِ من خاصَمَ في بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ "
٧٩٢ - عن أمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ اللهُ عَنْهَا:
أَنَّهُ ﷺ سَمِعَ خُصَومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَج إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "إِنَّمَا أنا بَشَرٌ وِإنَّه يَأتِيني الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أن يَكُونَ أبلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأحسِبُ
ــ
وأعماله الصالحة بقدر تلك المظلمة، ويضاف إلى حسنات خصمه، فيزيد المظلوم في حسناته، ويخسر الظالم من حسناته، وإن لم يكن للظالم حسنات، فإنه يؤخذ من سيئات المظلوم، وتضاف إلى الظالم، وربما تضاعفت سيئاته وتراكمت وألقي به في النار، فيهلك الظالم، ويربح المظلوم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الظالم إذا أراد أن يتوب إلى الله توبة صادقة وكانت عليه حقوق مالية للمظلومين أن يتحلل منهم قبل كل شيء، ويبرىء ذمته من حقوقهم بإعادة حقوقهم إليهم، أو استسماحهم بعد أن يبين لهم الشيء الذي ظلمهم فيه حتى يكونوا على معرفة تامة به، ولتبرأ ذمته من تلك المظلمة المعينة، لأن صحة البراءة والتحلل يتوقفان على إعادة الحق إليهم أو مسامحتهم في الشيء المعين الذي ظلموا فيه وذلك أمر قام الإِجماع عليه، كما أفاده الحافظ. أما البراءة والتحلل من المجهول فهو محل خلاف بين أهل العلم. الحديث: أخرجه البخاري والترمذي. والمطابقة: في قوله: "فليتحلله منه".
٦٩٢ - " باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه "
٧٩٢ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ سمع مشاجرة بين اثنين، من الصحابة رضوان الله عليهم فخرج من بيته إليهم ليتعرف على الخصومة التي بينهما، ويقضي فيها، فقال لهم قبل أن يقضي بينهما محذراً لكل واحد منهما من المخاصمة في الباطل " إنما أنا بشر مثلكم " قال العيني: أي لا أعلم الغيب
стр. 1178
أنَّهُ صَدَقَ، فَأقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فإِنَّما هِيَ قِطْعَة مِنَ النَّارِ، فَلْيَأخُذْهَا أوْ لِيَتْرُكْهَا".
ــ
وبواطن الأمور كما هو مقتضى الحالة البشرية، وإنما أحكم بالظاهر " من البينة أو اليمين " والله يتولى السرائر " وإنه يأتيني الخصم " أي يأتيني الخصمان المدعي والمدعى عليه " فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض " يعني فقد يكون أحد الخصمين أقدر على إثبات دعواه بالحجة والبينة من الآخر " فأحسب أنه قد صدق " أي فيغلب على ظني أنّه صادق محقٌّ " فأقضي له بذلك " أي فأحكم له بالقضية لما معه من الحجة والبينة " فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها " أي فمن حكمت له بحق أخيه المسلم وسلمته له فلا يستحله فإنه إذا أخذ ذلك الحق وهو يعلم أنه باطل وظُلْمٌ لغيره فإنه يأخذ مالاً حراماً يؤدي به إلى النار. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: التحذير الشديد عن الدعوى الباطلة التي يراد منها أكل أموال الناس بالباطل، لما تؤدي إليه من النار وبئس القرار، وأن المخاصمة في الباطل إثم ومعصية، وهو ما ترجم له البخاري. ثانياًً: أن النبي ﷺ كان يحكم بين الناس بالحجة الظاهرة من بينة أو يمين تشريعاً للقضاة والحكام في كل العصور والأزمان، فإن أساس القضاء في الإِسلام يعتمد على أصول ثلاث: البينة، اليمين، الإِقرار، أي إقرار الشخص على نفسه بالحق الذي عليه، وهو سيّد الأدلة، ولا يجوز الحكم بغيرها حتى قال بعض أهل العلم: إن القاضي لا يحكم بعلمه، فلو علم حقيقة الأمر في القضية المعروضة عليه في مجلس القضاء لا يحكم بعلمه، وإنما يحيل القضية إلى قاض آخر، ويأتي شاهداً فيها. والدليل على أن القاضي يحكم
стр. 1179
٦٩٣ - " بَابٌ لا يَمْنَعُ جَار جَارَهُ أنْ يَغرِزَ خشبَةً في جِدَارِهِ "
٧٩٣ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في
ــ
بما يظهر له. قوله ﷺ : " فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له "، وإنما حكم النبي ﷺ بذلك ليكون الحكم بالظاهر قاعدة من قواعد القضاء الشرعي في الإِسلام، لأن الحكم باليقين ليس في مقدور البشر، وحقيقة الأمر في صدق أحد الخصمين وكذب الآخر غيب لا يعلمه إلاّ الله، فلا يصلح أن يكون أساساً للقضاء. ثالثاً: أن حكم الحاكم لا يحل حراماً ولا يبيح مظلمة، فمن حكم له بشيء من حق غيره فإنه يحرم عليه أخذه ما دام يعلم أنّه حق غيره، لقوله ﷺ : " فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار " وبهذا أخذ الجمهور فقالوا: إن حكم الحاكم لا يحلل الحرام للمحكوم له، سواء كان ذلك في الأموال أو الأعراض، وذهب أبو يوسف ومن وافقه من أهل العلم إلى أن كل ما يقضي به الحاكم من تمليك مال، أو إزالة ملك، أو إثبات نكاح أو طلاق أو ما أشبه ذلك، فهو على ما حكم (١)، وإن كان في الباطن على خلاف ما شهد به الشاهدان، كما أفاده العيني، ولكن حديث الباب حجة عليه. والمطابقة: في قوله " فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار".
٦٩٣ - " باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره "
٧٩٣ - قوله ﷺ : " لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره " يجوز فيه الرفع على أن لا نافية، والجزم على أنها ناهية.
ومعنى الحديث: أن النبي ﷺ يقول: لا ينبغي للمسلم إذا كان له
стр. 1180
جِدَارِهِ"، ثُمَّ قَالَ أبو هُرَيْرَةَ ﵁: ما لي أراكُمْ عنهَا مُعْرِضينَ، واللهِ لأرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أكتَافِكُمْ.
ــ
بناء أن يمنع جاره الملاصق لداره من أن يغرز خشبة في جداره وعلى أن " لا " جازمة، يكون معناه أن النبي ﷺ : ينهى كل مسلم له بناء أن يمنع جاره من غرز خشبة في جداره، هكذا روى أبو هريرة هذا الحديث. وفي رواية أخرى عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: " إذا استأذن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه، قال: فلما حدث أبو هريرة طأطأوا رؤوسهم " أي نكسوا رؤوسهم " فقال: ما في أراكم عنها معرضين، والله لأرمينّ بها بين أكتافكم، أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة، وهو معنى قوله ﷺ في حديث الباب " ثم قال أبو هريرة ﵁: ما لي أراكم عنها معرضين " أي ما لي أراكم منصرفين عن سماع مقالتي هذه، أو معرضين عن سنة رسول الله ﷺ وإنما وجّه إليهم هذه الملامة حين طأطأوا رؤوسهم ثم اشتد عليهم بكلامه فقال: " والله لأرمين بها بين أكتافكم "، أي لأشيعن (١) هذه المقالة فيكم ولأقرّعنكم بها كما يُضْرَب الإِنسانُ بالشيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته. وقال الخطابي: معناه إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلن الخشبة على رقابكم كارهين.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من حق الجار أن يمد خشبة في الجدار، ولهذا قال أحمد والشافعي وإسحاق: يجب عليه أن يمكنه من ذلك عند احتياجه، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي في الجديد يستحب له ذلك.
الحديث: أخرجه الشيخان والجماعة عدا النسائي. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
стр. 1181
٦٩٤ - " بَابُ النُّهْبَى بِغيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ "
٧٩٤ - عن عبدِ اللهِ بْنِ يَزِيْدٍ الأنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: " نَهَى النبي ﷺ عن النُّهْبَى وَالمُثْلَةِ ".
ــ
٦٩٤ - " باب النُّهبى بغير إذن صاحبه "
النهبى (١) على وزن فعلى من النهب، وهو أخذ الشيء من أحد عياناً، والمراد به بيان حكم أخذ الشيء من صاحبه عياناً عنوة واقتداراً وهو ما يسمى بالغصب.
٧٩٤ - قوله ﵁: " نهى النبي ﷺ عن النهبى والمثلة ".
معنى الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن أمرين من الكبائر، الأولى " النهبى " وهي أخذ الشيء من صاحبه بدون إذنه عياناً عنوة واقتداراً. والنهبى والغصب بمعنى واحد. الثاني: المثلة بضم الميم وسكون الثاء، وهي العقوبة بقطع الأعضاء كجدع الأنف والأذن وفقىء العين وغيره.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب احترام الملكية الفردية في الإِسلام، والنهي عن الغصب والنهب، وتحريم ذلك تحريماً شديداً، سواء كان المنهوب مسلماً أو كافراً، لأن الحقوق الإِنسانية من نفس ومالٍ وعرضٍ وغيره يستوي فيها المسلم والكافر، وقد دل الحديث على أن الاعتداء على الأموال باغتصابها من الكبائر، وإلّا لما ترتب عليه هذا الوعيد الشديد، وكذلك كل اعتداء على مال الغير سواء كان بالغصب أو بالسرقة أو بالخيانة كبيرة، ولا شك لأنه أكل لأموال الناس بالباطل. ثانياً: تحريم المثلة بالإِنسان، أو الحيوان، وهي قطع بعض الأعضاء إمعاناً في التشفي
стр. 1182
٦٩٥ - " بَابُ مَنْ قَاتلَ دُونَ مَالِهِ "
٧٩٥ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ قَالَ:
سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ: " مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ".
ــ
والإِنتقام، والمثلة جريمة وحشية حرمها الإِسلام أشد التحريم لما فيها من العنف والقسوة وإهدار كرامة الإِنسان. والمطابقة: في قوله " نهي النبي ﷺ عن النهبى ". الحديث: أخرجه البخاري.
٦٩٥ - " باب من قاتل دون ماله فهو شهيد "
٧٩٥ - قوله " سمعت النبي ﷺ يقول: من قتل دون ماله ".
معنى الحديث: يروي لنا ابن عمرو في هذا الحديث أنه سمع النبي ﷺ بنفسه " يقول: من قتل دون ماله فهو شهيد " أي من تعرّض له لص أو غاصب وحاول أخذ ماله منه غصباً قوة واقتداراً بغير حق شرعي، فإنّ عليه أن يقاتله دفاعاً عن ماله، فإن قتل في الدفاع عن ماله فهو شهيد في حكم الله تعالى، وكذلك من قُتل دفاعاً عن نفسه، وقد جاء هذا المعنى الذي ذكرناه مصرحاً به نصاً في رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء (١) رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي، قال: " فلا تعطه مالك " قال: أرأيت إن قاتلني قال: " قاتله " قال: أرأيت إن قتلني، قال: " فأنت شهيد " قال: أرأيت إن قتلته، قال: " هو في النار " أخرجه مسلم. وفي لفظ أحمد، قال: يا رسول الله أرأيت إن عدى على مالي قال: " انشد الله " قال: فإن أبوا عليّ قال: " انشد الله " قال: فإن أبوا علي قال: " قاتل فإن قتلت ففي الجنة، وإن قَتَلْتَ ففي النار ".
стр. 1183
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الدفاع عن المال ومقاتلة من يريد اغتصابه أو سرقته، لأن ذلك حق مشروع في جميع الأديان السماوية، إلا أنه يبدأ بالمدافعة عنه دفاعاً خفيفاً، فإن رجع عنه فبها وإلا دافعه بالأشد فالأشد حتى يصل ذلك إلى درجة المقاتلة، فإن قُتِلَ المعْتدي من غاصب أو سارق فدمه هدر، وإن قتل المعتدى عليه فهو شهيد. قال الشوكاني: وأحاديث الباب فيها دليل على أنها تجوز مقاتلة من أراد أخذ مال إنسان من غير فرق بين القليل أو الكثير إذا كان الأخذ بغير حق، وهو مذهب الجمهور كما حكاه النووي والحافظ في الفتح، وقال بعض العلماء: إن المقاتلة واجبة، وقال بعض المالكية: لا تجوز إذا طلب الشيء الخفيف، ولعل مستمسك من قال بالوجوب ما في حديث أبي هريرة من الأمر بالمقاتلة كما في رواية مسلم. وأما القائل (١) بعدكم الجواز في الشيء الخفيف فعموم أحاديث الباب ترده، ولكنه ينبغي تقديم الأخف فالأخف فلا يعدل المدافع إلى القتل مع إمكان الدفع بدونه. ويدل على ذلك أمره ﷺ -كما في رواية أحمد- بانشاد الله قبل المقاتلة، وحكى ابن المنذر عن الشافعي أنه قال: من أريد ماله أو نفسه أو حريمه فله المقاتلة وليس عليه عقل ولا دية، ولا كفارة، وقال أبو حنيفة في رجل خرج (٢) بالسرقة فاتبعه الرجل فقتله فلا شيء عليه. قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل يدفع عما ذكر إذا أريد ظلماً بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث أجمعوا على استثناء السلطان للآثار الواردة في الأمر بالصبر على جوره، وترك القيام عليه. اهـ. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله " من قتل دون ماله فهو شهيد " لأن تقدير الترجمة "من
стр. 1184
٦٩٦ - " بَابٌ إِذَا كَسَرَ قَصْعَةً أوْ شَيْئاً لِغيْرِهِ "
٧٩٦ - عَنْ أنسٍ ﵁:
" أن النبي ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَصْعَةٍ فيهَا طَعَام، فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ فَضَمَّهَا، وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالَ: كُلُوا: وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ ".
ــ
قاتل دون ماله فقتل فحكمه أنه شهيد" قال العيني واقتصر في الحديث على لفظ قتل لأنه يستلزم المقاتلة، وبهذا تتضح المطابقة.
٦٩٦ - " باب إذا كسر قصعة أو شيئاً لغيره "
أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على حكم من كسر قصعة يعنى إناءً من الخشب، أو شيئاً آخر غيره لشخص آخر، هل يضمن المثل أو القيمة أم لا؟.
٧٩٦ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ " أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه "، أي كان في بيت عائشة ﵂ " فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام " أي فبينما كان في بيت عائشة أهدت إليه إحدى زوجاته الأخريات، وهي زينب بنت جحش قصعة فيها طعام (١) من حيس، " فضربت بيدها فكسرت القصعة " أي فضربت عائشة ﵂ القصعة بيدها فكسرتها غيرة منها على رسول الله حيث تملكتها الغيرة من تلك الزوجة الأخرى، فأثارت غضبها ولم تتمالك نفسها فكسرت القصعة انتقاماً منها، لأنها اغتاظت من ضرتها كيف ترسل تلك الهدية
стр. 1185
إلى النبي ﷺ وهو في بيتها فدفعتها الغيرة إلى الانتقام منها بكسر قصعتها. " فضمها " أي فجمع النبي ﷺ أطراف تلك القصعة التي انكسرت. " وجعل فيها الطعام وقال: كلوا " أي وأمر النبي ﷺ من كان معه من الصحابة بالأكل منها، وكان الطعام الذي فيها من الحيس وهو طعام يصنع من التمر والأقط والسمن، قال العيني: وقد يجعل عوض الأقط الدقيق. اهـ.
قال الشاعر:
وإذا تَكُوْنُ كَرِيْهَة أدْعَى لَهَا ... وَإذَا يحَاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ
قال الراوي: " وحبس الرسول والقصعة " أي وأبقى النبي ﷺ الرسول والقصعة المكسورة عنده وأخرهما " حتى فرغوا " أي حتى انتهوا من أكل طعامهم، " فدفع القصعة الصحيحة " أي فغرّم السيدة عائشة مثل القصعة التي كسرتها، وأخذ قصعة صحيحة من أوانيها فدفعها إلى زينب بدل قصعتها التي كسرتها عائشة، وهكذا ألزم النبي ﷺ عائشة ﵂ بالضمان بالمثل، لأن " من أتلف شيئاً فعليه ضمانه " كما في الحديث الصحيح والمطابقة: في قوله " فدفع القصعة (١) الصحيحة ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية ضمان المتلفات من العروض والحيوان بالمثل، قال ابن التين (٢): احتج بهذا الحديث من قال: يقضى في العروض بالأمثال، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ورواية عن مالك، وفي رواية ما صنع الآدميون غرم مثله كالثوب وبناء الحائط ونحو ذلك، وكل ما كان من صنع الله مثل العبد والدابَّة ففيه القيمة، والمشهور من مذهبه أن كل ما كان ليس بمكيل ولا موزون ففيه القيمة، وما كان مكيلاً أو موزوناً فيقضى بمثله يوم استهلاكه. قال العيني: ومذهب أبي حنيفة أن
стр. 1186
كل ما كان مثلياً يجب عليه مثله، والمثلي كالمكيل مثل الحنطة والشعير والموزون كالدراهم والدنانير وغير المثلي كالعدديات المتفاوتة كالبطيخ والرمان والثياب، والعددي المتقارب كالجوز والبيض ففيه القيمة. الحديث: أخرجه أيضاًً الترمذي والنسائي وابن ماجة.
***
стр. 1187
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الشركة "
الشركة لغة: بكسر الشين، وسكون الراء على الأفصح، وقد تفتح الشين وتكسر الراء، هي خلط أحد المالين بالآخر بحيث لا يتميّزان عن بعضهما أو يتميزان. أمّا الشركة شرعاً: فهي ثبوت الحق الشرعي في شيء لاثنين فصاعداً، وهي نوعان: شركة ملك، وشركة عقد، فالأولى أن يملك الاثنان عيناً، والثانية أن يقول أحدهما للآخر: شاركتك في كذا ويقبل الآخر.
وتنقسم شركة العقود إلى خمسة أقسام: الأولى: شرح العنان: وهي أن يشترك اثنان أو أكثر بمالين أو أموال على الاتجار فيها، واقتسام الربح بينهما أو بينهم على ما اصطلحا عليه واشترطا، أو يشترك اثنان بمالهما على أن يعمل أحدهما فقط، بشرط أن يكون للعامل جزء أكثر من الربح مقابل عمله، وهي جائزة صحيحة عند الجمهور. الثانية شركة المضاربة: وهي أن يدفع صاحب المال قدراً معيناً من ماله إلى من يتجر فيه مقابل جزء مشاع معلوم النسبة من الربح شريطة أن يكون نقداً، وهي جائزة عند الجميع إلاّ أن أبا حنيفة لا يسميها شركة. الثالثة شركة الأبدان: وهي أن يشترك عاملان أو أكثر، ويتَّفقا على العمل بأبدانهما وما يرزقانه من الأجر بينهما، وهي جائزة صحيحة عند الجمهور خلافاً للشافعي، إلا أن مالكاً اشترط الاتفاق في العمل الواحد، والصناعة الواحدة، كحداد وحداد. الرابعة شركة المفاوضة: وهي الاشتراك في استثمار المال مع تفويض كل واحد منهما أو منهم لصاحبه في البيع والشراء والتوكيل، وهي جائزة صحيحة عند مالك وأبي حنيفة، إلاّ أن أبا حنيفة اشترط أن تكون بين مسلمين حرّين جائزي التصرف، وأن يكون المالان متساويين والتصرف متساوياً والربح متساوياً، وأن لا يبيعا من جنس مال الشركة شيئاً إلاّ ويُدْخِلانه في الشركة، وأن يضمن كل منهما
стр. 1188
٦٩٧ - " بَابُ الشَّرِكَةِ في الطَّعَامِ والنَّهْدِ والعُروضِ "
٧٩٧ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الأشْعَرِيينَ أَذَا ارمَلُوا في الْغَزْوِ أوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ واحدٍ، ثم اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ في إِنَاءٍ وَاحِدٍ بالسَّوِية، فَهُمْ مِنِّي وَأنا مِنْهُمْ".
ــ
صاحبه في البيع والشراء، وأن يكون كل ما يشتريانه على الشركة عدا طعام أهلهم وأولادهم. الخامسة شركة الوجوه: وهي اشتراك اثنين أو أكثر في شراء تجارة في ذمتهما - أي بثمن مؤجل متعلق بالذمة اعتماداً على وجاهتهما على أن يكون الربح بينهما، وهي جائزة عند أحمد وأبي حنيفة خلافاً لمالك والشافعي.
٦٩٧ - " باب الشركة في الطعام والنهد والعروض "
" والنهد " بفتح النون وكسرها هي أن ينثر الرفقة زادهم على سفرة واحدة ليأكلوا جميعاً منه. " والعروض " بضم العين جمع عرض (بسكون الراء) وهو المتاع، ويقابل النقد، وتجوز فيه شركة العنان والمفاوضة عند مالك إذا اتحد الجنس، وقال الشافعي: تجوز في العروض المثلية، وقال أبو حنيفة: لا تجوز مطلقاً (١) ولا تكون إلاّ بالنقدين.
٧٩٧ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إن الأشعريين إذا أرملوا " أي إذا قلّ زادهم في السفر " أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة " أي: أو قل طعامهم في الحضر وخافوا أن لا يسد حاجتهم "جمعوا ما كان عندهم
стр. 1189
في ثوب واحد" أي جمعوا الطعام الذي كان متفرقاً بعضه عند هذا وبعضه عند ذاك، واشتركوا فيه جميعاً ووضعوه في ثوب واحد، " ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية "، أي بالتساوي بينهم.
فقه الحديث: استدل البخاري بهذا الحديث على جواز الشركة في النهد أو في الطعام، والنهد كما قلنا أن ينثر الرفقة زادهم على سفرة فيأكلوا جميعاً، أو يجمعوه ويقتسموه بينهم قسمة متساوية، كما في هذا الحديث أو غير متساوية.
قال العيني: وذلك جائز في جنس واحد أو في الأجناس. وإن تفاوتوا في الأكل، وليس هذا من الربا في شيء وإنما هو من باب الإِباحة. وقال في " فيض الباري ": ليست هذه من باب المعاوضات التي تجري فيها المماكسة أو تدخل تحت الحكم، وإنما هي من باب التسامح، وقد جرى بها التعامل من لدن عهد النبوة. وأما الشركة في الطعام وكل ما يملك فقد قال الحافظ: والجمهور على صحة الشركة في كل ما يتملك -يعني من طعام وغيره- والأصح عند الشافعية اختصاصها بالمثلي، وعند المالكية تكره الشركة في الطعام. هذا ومما يستفاد من الحديث استحباب خلط الطعام والمشاركة فيه حضراً وسفراً، لأن النبي ﷺ أثنى على الأشعريين ومدحهم بعملهم هذا، لما يترتب عليه من حلول البركة في الطعام، وكفايته للعدد الكثير من الناس، وانتفاع الأبدان به، وغير ذلك من المؤانسة والمباسطة أثناء تناوله، ولهذا كان هذا العمل من سنته ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله " جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ".
***
стр. 1190
٦٩٨ - " بَابُ تقْوِيمِ الأشْيَاءِ بَيْنَ الشُرّكَاءِ بِقِيمَةِ عَدل "
٧٩٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ أعتَقَ شَقِيْصاً مِنْ مَمْلُوكه فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ في مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ".
ــ
٦٩٨ - " باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل "
٧٩٨ - قوله: " من أعتق شَقِيْصاً من مملوكه فعليه خلاصه "
" الشقيص " بفتح الشين المشددة هو نصيب المالك من العبد، أو نصيب الشريك من العبد المشترك.
ومعنى الحديث: أنه إذا كان المملوك " عبداً أو أمة " مشتركاً بين شخصين وأعتق أحدهما نصيبه منه، سواء كان نصفه أو أكثر أو أقل، فإنّ عليه أن يشتري بقية العبد من شريكه، ويأخذ ثمن ذلك من مال العبد إن كان له مال " فإن لم يكن في مال قوّم المملوك "، أي سئل أهل الخبرة عن ثمنه، ثم جعلت له قيمة مثله، وهو معنى قوله: " قيمة عدل " أي قيمة مناسبة له، وهي ثمن أمثاله، " ثم استسعي غير مشقوق عليه " أي ثم كلف المملوك بالعمل في صناعة أو زراعة أو نحوها حتى يجمع المال الكافي لتحرير بقيته، وتخليص رقبته من الرق، ودفع القيمة العادلة للشريك حتى يتم عتقه كله. الحديث: أخرجه الستة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه إذا أعتق أحدُ الشريكين نصيبه من العبد فإن على ذلك العبد إذا كان غنياً أن يشتري ما تبقى منه لسيده الآخر من ماله الخاص، ويعتق نفسه من ماله كما قال ﷺ : " فعليه خلاصه في ماله " وكما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:
стр. 1191
٦٩٩ - " بَابُ مَشَارَكَةِ الذِّمِيِّ وَالْمُشْرِكينَ في الْمُزَارَعَةِ "
٧٩٩ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
"أَعْطى رَسوُلُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ اليَهُودَ أن يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ
ــ
" من أعتق شقصاً من رقيق كان عليه أن يعتق نفسه فإن لم يكن له مال يستسعى العبد ". اهـ. أي وإن كان العبد فقيراً كلف بالعمل حتى يجمع ما يخلص به بقيته. وهناك صورة ثالثة لم تذكر في الحديث وهي أن يضمن المعتق نصيب شريكه من ماله إن كان موسراً، دون الرجوع على مملوكه بشيء كما جاء منصوصاً عليه في حديث ابن عمر: " من أعتق شركاً له من عبد، وكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد " وبهذه الأحكام الثلاثة أخذ أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العلم فقالوا: إن كان المعتق موسراً ضمن نصيب شريكه من ماله، وإن كان فقيراً والعبد موسراً اشترى بقية العبد من مال العبد نفسه، وإن لم يكن هذا ولا ذاك استسعى على المملوك حتى يخلص رقبته. وذهب الجمهور إلى أن من أعتق نصيبه إن كان موسراً غرّم نصيب صاحبه. وعتق العبد كله، وإن لم يكن له مال أعتق من العبد ما عتق لحديث ابن عمر عن النبي ﷺ : "من أعتق شركاً من عبد وكان له مال يبلغ ثمنه قيمة عدل فهو عتيق وإلّا فقد عتق منه ما عتق ". ثانياًًً: تقويم الأشياء بين الشركاء قبل قسمتها بالقيمة العادلة المعروفة في الأسواق التجارية، ومن ذلك الرقيق لا تجوز قسمته على الشركاء إلاّ بعد تقويمه، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة خلافاً لمالك وأبي يوسف: يجوز عندهما قسمة الرقيق قبل تقويمه، أما بقية الأشياء فلا بد من تقويمها اتفاقاً. والمطابقة: في قوله " قوم المملوك قيمة عدل ".
٦٩٩ - " باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة "
٧٩٩ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: "أعطى
стр. 1192
شَطر مَا يَخْرُجُ مِنْهَا".
٧٠٠ - " بَابُ الشَّرِكَةِ في الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ "
٨٠٠ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ ﵁:
وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النبي ﷺ وذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ بَايِعْهُ، فَقَالَ: هُوَ صَغِيرٌ، فَمَسحَ رَأْسَهُ، ودَعَا لَهُ، وَكَانَ يَخْرُجُ إلَى السُّوقِ فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ ابْنُ عُمَرَ
ــ
ْرسول الله ﷺ خيبر لليهود" أي سلمهم أراضيها الزراعية، وعقد معهم عقد مزارعة ينص هذا العقد " على أن يعملوها ويزرعوها " أي أن يقوموا بزراعتها وسقيها والعمل فيها وحرثها " ولهم شطر " أي نصف " ما يخرج منها " وللنبي ﷺ النصف الآخر. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " ولهم شطر ما يخرج منها ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز مشاركة المسلمين للكفار، سواء كانوا من أهل الذمة أو غيرهم في استثمار الأراضي الزراعية بأن يدفع المسلم الأرض للكافر ليقوم بزراعتها وخدمتها مقابل مشاركته في انتاجها الزراعي بنسبة معينة، ويسمى ذلك بالمزارعة، وقد تقدم في أوائل كتاب المزارعة.
٧٠٠ - " باب الشركة في الطعام وغيره "
٨٠٠ - ترجمة راوي الحديث: وهو عبد الله بن هشام التيمي ولد سنة أربع من الهجرة، وسكن المدينة ودعا له ﷺ بالبركة، ليس له سوى هذا الحديث وحديث آخر.
стр. 1193
وَابْنُ الزُّبَيْرِ ﵃ فَيَقُولانِ لَهُ: أشْرِكْنَا فَإِنَّ النبي ﷺ قَدْ دَعَا لَكَ بالبَرَكَةِ، فيَشْرَكُهُمْ، فَرُبَّمَا أصَابَ الرَّاحِلَةَ كما هِيَ (١) فَيَبْعَثُ بِهَا إِلى المَنْزِلَ.
ــ
معنى الحديث: أن عبد الله بن هشام ﵁ " ذهبت به أمه زينب إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله بايعه فقال: هو صغير " أي صغير السن لم يبلغ سن التمييز بعد، لأنه ولد في السنة الرابعة وذهبت به أمه إلى النبي ﷺ وهو لم يتجاوز السابعة " فمسح رأسه ودعا له " بالبركة "وكان يخرج إلى السوق فيشتري الطعام " أي يتاجر في المواد الغذائية من بُرّ وشعير ونحوه، " فيلقاه ابن عمر وابن الزبير ﵃ فيقولان له: أشركنا " في تجارتك، وذلك أملاً في الربح، لأنه دعا له ﷺ بالبركة فكان كما جاء في آخر هذا الحديث ربما ربح راحلة محملة بالطعام من صفقة واحدة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز الشركة في الطعام، وهو مذهب الجمهور خلافاً لمالك. الحديث: أخرجه أيضاًً أبو داود والمطابقة: في قوله " فيقولان له أشركنا ".
...
стр. 1194
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتابُ الرَّهْنِ "
٧٠١ - " بَاب الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ "
٨٠١ - عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الظَّهْرُ (١) يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كانَ مَرْهُوناً، ولَبَنُ الدَرِّ يُشْرَبُ بَنَفَقَتِهِ إِذا كَانَ مَرْهُوناً، وعلى الذي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَفَقَةُ ".
ــ
٧٠١ - " باب الرهن مركوب ومحلوب "
الرهن لغة: الثبوت والدوام. " ماء راهن " أي راكدٌ " ونعْمة راهنة " يعني دائمة، ومن معانيه الحبس أيضاًً كما في قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) أي محبوسة في موقف الحساب حتى تسأل عن أعمالها في الدنيا.
وشرعاً: كما قال الراغب: ما يوضع وثيقة للدين، وقال ابن قدامة: الرهن في الشرع المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه، أي حتى يكون ضماناً مالياً للدين فإذا لم يسدده المدين عند حلول الأجل كان له الحق في بيع ذلك المرهون واستيفاء حقه من ثمنه، أما قبل حلول الأجل فإن الرهن يكون وديعة لديه وأمانة عنده لا يحق له التصرف فيه.
٨٠١ - معنى الحديث: قوله ﷺ : " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً ". إلخ أي أن المرتهن له أن يركب ظهر الدابة المرهونة لديه من فرس أو جمل أو نحوه وأن يحلب البقرة والشاة وينتفع بلبنها مقابل إنفاقه عليها، وقال بعضهم: معنى قوله " يُركَب ويُشرب " أن الظهر المرهون يركبه الراهن
стр. 1195
ويشربه. بمعنى أن الراهن هو الذي ينفق على الرَّهن أثناء رهنه، وهو الذي يركبه ويشرب لبنه. وينتفع به. والمسألة خلافية كما سيأتي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استدل به بعض أهل العلم على أن الرهن إذا كان له منفعة، ويحتاج إلى نفقة كالدواب المركوبة أو المحلوبة فإن على المرتهن نفقته مقابل انتفاعه به وهو مذهب أحمد وإسحاق.
وقال الجمهور: نفقة الرهن ومنفعته للراهن، فهو الذي يركبه ويشربه مقابل نفقته ولا ينتفع المرتهن بشيء كما أنه لا نفقة عليه. وأجابوا عن حديث الباب بجوابين الأول قال الشافعي: المراد بقوله: " الظهر يركب بنفقته " الخ أنه لا يمنع الراهن من ظهره ودره - أي لا يمنع من ركوبة وشرب لبنه إن كان محلوباً، قال الصنعاني: وَرُدَّ بأنه وَرَدَ بلفظ المرتهن فتعين الفاعل " الثاني: أن هذا الحديث كما أفاده ابن عبد البر ترده أصول مجتمعة وأنه منسوخ بحديث ابن عمر ﵄ " لا تحلب ماشية امرىء بغير إذنه " قال الصنعاني أما النسخ (١) فلا بد له من معرفة التاريخ ولا يحمل عليه إلا إذا تعذر الجمع ولا تعذر هنا إذ يخص عموم النهي بالمرهون. الثالث: أن هذا الحديث خالف القياس في تجويز الركوب والشرب لغير المالك بدون إذنه وتضمينه بالنفقة لا بالقيمة، وأجاب عن ذلك الصنعاني بأن الأحكام الشرعية ليست مطردة على نسق واحد، بل الأدلة تفرق بينها والشارع حكم هنا بركوب المرهون وشرب لبنه وجعله قيمة النفقة، كما حكم ببيع الحاكم عن المدين المتمرد وجعل صاع التمر عوضاً عن اللبن في المصراة. ثانياًً: أن ما لا يحتاج إلى نفقة لا يجوز الانتفاع به كالثوب والأرض، فلا يلبس الثوب المرهون مثلاً ولا ينتفع من الأرض المرهونة بزراعتها أذن له الراهن أو لم يأذن له وهو قول الجمهور.
الحديث: أخرجه أيضاًً أبو داود والترمذي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة.