٦٩٩ - " بَابُ مَشَارَكَةِ الذِّمِيِّ وَالْمُشْرِكينَ في الْمُزَارَعَةِ "
٧٩٩ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
"أَعْطى رَسوُلُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ اليَهُودَ أن يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ
ــ
" من أعتق شقصاً من رقيق كان عليه أن يعتق نفسه فإن لم يكن له مال يستسعى العبد ". اهـ. أي وإن كان العبد فقيراً كلف بالعمل حتى يجمع ما يخلص به بقيته. وهناك صورة ثالثة لم تذكر في الحديث وهي أن يضمن المعتق نصيب شريكه من ماله إن كان موسراً، دون الرجوع على مملوكه بشيء كما جاء منصوصاً عليه في حديث ابن عمر: " من أعتق شركاً له من عبد، وكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد " وبهذه الأحكام الثلاثة أخذ أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العلم فقالوا: إن كان المعتق موسراً ضمن نصيب شريكه من ماله، وإن كان فقيراً والعبد موسراً اشترى بقية العبد من مال العبد نفسه، وإن لم يكن هذا ولا ذاك استسعى على المملوك حتى يخلص رقبته. وذهب الجمهور إلى أن من أعتق نصيبه إن كان موسراً غرّم نصيب صاحبه. وعتق العبد كله، وإن لم يكن له مال أعتق من العبد ما عتق لحديث ابن عمر عن النبي ﷺ : "من أعتق شركاً من عبد وكان له مال يبلغ ثمنه قيمة عدل فهو عتيق وإلّا فقد عتق منه ما عتق ". ثانياًًً: تقويم الأشياء بين الشركاء قبل قسمتها بالقيمة العادلة المعروفة في الأسواق التجارية، ومن ذلك الرقيق لا تجوز قسمته على الشركاء إلاّ بعد تقويمه، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة خلافاً لمالك وأبي يوسف: يجوز عندهما قسمة الرقيق قبل تقويمه، أما بقية الأشياء فلا بد من تقويمها اتفاقاً. والمطابقة: في قوله " قوم المملوك قيمة عدل ".
٦٩٩ - " باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة "
٧٩٩ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: "أعطى
стр. 1192
شَطر مَا يَخْرُجُ مِنْهَا".
٧٠٠ - " بَابُ الشَّرِكَةِ في الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ "
٨٠٠ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ ﵁:
وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النبي ﷺ وذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ بَايِعْهُ، فَقَالَ: هُوَ صَغِيرٌ، فَمَسحَ رَأْسَهُ، ودَعَا لَهُ، وَكَانَ يَخْرُجُ إلَى السُّوقِ فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ ابْنُ عُمَرَ
ــ
ْرسول الله ﷺ خيبر لليهود" أي سلمهم أراضيها الزراعية، وعقد معهم عقد مزارعة ينص هذا العقد " على أن يعملوها ويزرعوها " أي أن يقوموا بزراعتها وسقيها والعمل فيها وحرثها " ولهم شطر " أي نصف " ما يخرج منها " وللنبي ﷺ النصف الآخر. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " ولهم شطر ما يخرج منها ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز مشاركة المسلمين للكفار، سواء كانوا من أهل الذمة أو غيرهم في استثمار الأراضي الزراعية بأن يدفع المسلم الأرض للكافر ليقوم بزراعتها وخدمتها مقابل مشاركته في انتاجها الزراعي بنسبة معينة، ويسمى ذلك بالمزارعة، وقد تقدم في أوائل كتاب المزارعة.
٧٠٠ - " باب الشركة في الطعام وغيره "
٨٠٠ - ترجمة راوي الحديث: وهو عبد الله بن هشام التيمي ولد سنة أربع من الهجرة، وسكن المدينة ودعا له ﷺ بالبركة، ليس له سوى هذا الحديث وحديث آخر.
стр. 1193
وَابْنُ الزُّبَيْرِ ﵃ فَيَقُولانِ لَهُ: أشْرِكْنَا فَإِنَّ النبي ﷺ قَدْ دَعَا لَكَ بالبَرَكَةِ، فيَشْرَكُهُمْ، فَرُبَّمَا أصَابَ الرَّاحِلَةَ كما هِيَ (١) فَيَبْعَثُ بِهَا إِلى المَنْزِلَ.
ــ
معنى الحديث: أن عبد الله بن هشام ﵁ " ذهبت به أمه زينب إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله بايعه فقال: هو صغير " أي صغير السن لم يبلغ سن التمييز بعد، لأنه ولد في السنة الرابعة وذهبت به أمه إلى النبي ﷺ وهو لم يتجاوز السابعة " فمسح رأسه ودعا له " بالبركة "وكان يخرج إلى السوق فيشتري الطعام " أي يتاجر في المواد الغذائية من بُرّ وشعير ونحوه، " فيلقاه ابن عمر وابن الزبير ﵃ فيقولان له: أشركنا " في تجارتك، وذلك أملاً في الربح، لأنه دعا له ﷺ بالبركة فكان كما جاء في آخر هذا الحديث ربما ربح راحلة محملة بالطعام من صفقة واحدة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز الشركة في الطعام، وهو مذهب الجمهور خلافاً لمالك. الحديث: أخرجه أيضاًً أبو داود والمطابقة: في قوله " فيقولان له أشركنا ".
...
стр. 1194
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتابُ الرَّهْنِ "
٧٠١ - " بَاب الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ "
٨٠١ - عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الظَّهْرُ (١) يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كانَ مَرْهُوناً، ولَبَنُ الدَرِّ يُشْرَبُ بَنَفَقَتِهِ إِذا كَانَ مَرْهُوناً، وعلى الذي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَفَقَةُ ".
ــ
٧٠١ - " باب الرهن مركوب ومحلوب "
الرهن لغة: الثبوت والدوام. " ماء راهن " أي راكدٌ " ونعْمة راهنة " يعني دائمة، ومن معانيه الحبس أيضاًً كما في قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) أي محبوسة في موقف الحساب حتى تسأل عن أعمالها في الدنيا.
وشرعاً: كما قال الراغب: ما يوضع وثيقة للدين، وقال ابن قدامة: الرهن في الشرع المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه، أي حتى يكون ضماناً مالياً للدين فإذا لم يسدده المدين عند حلول الأجل كان له الحق في بيع ذلك المرهون واستيفاء حقه من ثمنه، أما قبل حلول الأجل فإن الرهن يكون وديعة لديه وأمانة عنده لا يحق له التصرف فيه.
٨٠١ - معنى الحديث: قوله ﷺ : " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً ". إلخ أي أن المرتهن له أن يركب ظهر الدابة المرهونة لديه من فرس أو جمل أو نحوه وأن يحلب البقرة والشاة وينتفع بلبنها مقابل إنفاقه عليها، وقال بعضهم: معنى قوله " يُركَب ويُشرب " أن الظهر المرهون يركبه الراهن
стр. 1195
ويشربه. بمعنى أن الراهن هو الذي ينفق على الرَّهن أثناء رهنه، وهو الذي يركبه ويشرب لبنه. وينتفع به. والمسألة خلافية كما سيأتي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استدل به بعض أهل العلم على أن الرهن إذا كان له منفعة، ويحتاج إلى نفقة كالدواب المركوبة أو المحلوبة فإن على المرتهن نفقته مقابل انتفاعه به وهو مذهب أحمد وإسحاق.
وقال الجمهور: نفقة الرهن ومنفعته للراهن، فهو الذي يركبه ويشربه مقابل نفقته ولا ينتفع المرتهن بشيء كما أنه لا نفقة عليه. وأجابوا عن حديث الباب بجوابين الأول قال الشافعي: المراد بقوله: " الظهر يركب بنفقته " الخ أنه لا يمنع الراهن من ظهره ودره - أي لا يمنع من ركوبة وشرب لبنه إن كان محلوباً، قال الصنعاني: وَرُدَّ بأنه وَرَدَ بلفظ المرتهن فتعين الفاعل " الثاني: أن هذا الحديث كما أفاده ابن عبد البر ترده أصول مجتمعة وأنه منسوخ بحديث ابن عمر ﵄ " لا تحلب ماشية امرىء بغير إذنه " قال الصنعاني أما النسخ (١) فلا بد له من معرفة التاريخ ولا يحمل عليه إلا إذا تعذر الجمع ولا تعذر هنا إذ يخص عموم النهي بالمرهون. الثالث: أن هذا الحديث خالف القياس في تجويز الركوب والشرب لغير المالك بدون إذنه وتضمينه بالنفقة لا بالقيمة، وأجاب عن ذلك الصنعاني بأن الأحكام الشرعية ليست مطردة على نسق واحد، بل الأدلة تفرق بينها والشارع حكم هنا بركوب المرهون وشرب لبنه وجعله قيمة النفقة، كما حكم ببيع الحاكم عن المدين المتمرد وجعل صاع التمر عوضاً عن اللبن في المصراة. ثانياًً: أن ما لا يحتاج إلى نفقة لا يجوز الانتفاع به كالثوب والأرض، فلا يلبس الثوب المرهون مثلاً ولا ينتفع من الأرض المرهونة بزراعتها أذن له الراهن أو لم يأذن له وهو قول الجمهور.
الحديث: أخرجه أيضاًً أبو داود والترمذي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة.
стр. 1196
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب العتق "
العتق لغة: كما قال ابن قدامة الخلوص، ومنه عتاق الخيل وعتاق الطير أي خالصها. وسمّى البيت الحرام عتيقاً لخلوصه (من أيدي الجبابرة) لعبادة الله وحده.
والعتق شرعاً: تحرير الرقبة وتخليصها من الرق، يقال: عتق العبد وأعتقه وهو عتيق ومعتق. اهـ. ولا شك أن هذه الأبواب من عتق وتدبير ومكاتبة تظهر بوضوح موقف الإِسلام من (١) الأرقاء، ومدى تشوفه إلى تحريرهم، وتكشف زيف المتهمين له بأنه يهدر كرامة الإِنسان، فالإِسلام لم يكن أول من شرع الرق، بل كان مشروعاً في معظم قوانين العالم ودياناته، وفي اليونان أقره أفلاطون وأرسطو، وكذلك القانون الروماني حتى أنه أباح استرقاق المدين إذا لم يف بدينه واسترقاق الأسرى والتلهي بقتلهم وتعذيبهم، وأقر الفرس والإِسرائيليون الرق، واستباحوا استرقاق أهل المدن المفتوحة من النساء والأطفال، أما الرجال فليس لهم سوى القتل، كما هو موجود في كتبهم، والنصارى أقروا الرق، وأوصوا بالأرقاء خيراً، وجاء الإِسلام فنظّم الرق، وألغى كثيراً من أسبابه فقد كان الرجل قبل الإِسلام يبيع ولده بل يبيع نفسه، فوضع الإِسلام للرق حدوداً، واشترط في الأسرى أن يكون أسرهم في حرب شرعية ينظمها الإِمام لسبب مشروع، وأجاز له أن يمن على الأسير وللأسير أن يفتدي من ماله، ثم أكثر الإِسلام بعد ذلك من أسباب العتق فجعله كفارة للظهارِ والقتل وفطر رمضان، وشرع المكاتبة إلى غير ذلك مما يدل على حرص الإِسلام على تحرير الإِنسان.
стр. 1197
٧٠٢ - " بَابُ مَا جَاءَ في الْعِتْقِ وَفضلِهِ "
٨٠٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أيُّمَا رَجُلٍ أعْتَقَ امرءاً مُسْلِمَاً اسْتَنْقَذَ اللهُ تَعَالَى بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوَاً مِنَ النَّارِ ".
ــ
٧٠٢ - " باب ما جاء في العتق وفضله "
٨٠٢ - قوله ﷺ : " أيما رجل أعتق امرءاً مسلماً إلى آخره " .. إلخ.
معنى الحديث: أنه ما من عبد مسلم يخلّص رقبة مسلم من الرق ويحرره من العبودية لغيره، ويشتريه ويعتقه أو يكون مملوكاً له فيعتقه لوجه الله تعالى ويجعله حراً بعد أن كان عبداً مملوكاً، أو جارية مملوكة، إلا " استنقذ الله بكل عضوٍ منه عضواً من النار " أي إلاّ خلّص الله بكل عضو من تلك النفس البشرية التي أعتقها عضواً من جسمه من النار، وبذلك ينجو من العذاب، ويفوز بالجنة مع السابقين الأولين، لأن من نجا من النار دخل الجنة لا محالة، وفي رواية: " من أعتق رقبة مسلمة " والمراد بالرقبة ذات الإِنسان كلها، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، فهو مجاز مرسل، وقال في " النهاية " الرقبة في الأصل العتق، جعلت كناية عن جميع ذات الإِنسان تسميةً للشيء ببعضه، فإذا قال: أعتق رقبة، فكأنما قال: أعتق عبداً أو أمةً. وقوله: " أيما رجل " كلمة أيما مركبة من " أي " الشرطية " وما " الزائدة للتأكيد، ورجل مجرور بالإِضافة، أو مرفوع بالبدلية، وفي رواية: " أي مسلم " وقوله: " استنقذ الله بكل عضو منه عضواً من النار " يشعر بأن الله ينجيه من النار بعد استحقاقه لها: الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
стр. 1198
٧٠٣ - " بَابٌ أيُّ الرِّقَابِ أفضَلُ "
٨٥٣ - عَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ:
سَأَلْتُ النبي ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " إِيمَان باللهِ، وَجِهَادٌ في سَبِيلِ اللهِ "، قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَغْلاهَا ثَمَنَاً،
ــ
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل العتق في الإِسلام، وأن عتق الرقبة المسلمة من الرق سبب في النجاة من النار لمن استحق دخولها. " قال الصنعاني " (١): في تقييد الرقبة المعتقة بالإِسلام أيضاًً دليل على أن هذه المثوبة لا تنال إلا بعتق المسلمة، وإن كان في عتق الكافرة فضل، لكن لا يبلغ ما وعد به هنا من الأجر. ثانياًًً: قال الخطابي: يستحب أن لا يكون العبد المعتق ناقص العضو بالعور أو الشلل أو نحوهما بل يكون سليماً، ليكون معتقه قد نال الموعود في عتق أعضائه. ثالثاً: أن هذا الفضل يترتب على عتق الذكور والإِناث معاً لأن قوله: " من أعتق امرءاً مسلماً " يتناول الجنسين (٢) معاً إلاّ أن عتق الذكور أفضل على الأصح كما أفاده العيني. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة.
٧٠٣ - " باب أي الرقاب أفضل "
٨٠٣ - قوله ﵁: " سألت النبي ﷺ أي العمل أفضل إلخ ".
معنى الحديث: أن أبا ذر ﵁ سأل النبي ﷺ عن أفضل
стр. 1199
وأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا" قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ، قَالَ: " تُعِينَ صَانِعَاً أو تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ "، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ، قَالَ: " تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَة تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ ".
ــ
الأعمال فأجابه ﷺ أن أفضل الأعمال وأكثرها ثواباً على الإِطلاق الإِيمان بالله ويدخل فيه التصديق بكل ما جاء به الرسول ﷺ واعتقاد أنه حق لا شك فيه ويليه في المرتبة كما قال ﷺ : " الجهاد في سبيل الله " لنشر دينه، وإعلاء كلمته، لا لقومية ولا عصبية، ولا رياء ولا سمعة، قال أبو ذر: " قلت: فأي الرقاب أفضل ": يعني أي الرقاب في العتق أفضل وأعظم أجراً " قال: أغلاها ثمناً " أي أرفعها قيمة وسعراً في الأسواق التجارية " وأنفسها عند أهلها " اسم تفضيل، أي وأفضلها أيضاًً: أحبها وأكرمها عند أصحابها، وأكثرها رغبة عند أهلها، وأعزها في نفوس مالكيها، لأن عتق العبد أو الجارية النفيسة دليل على قوة إخلاص سيدها " قال: فإن لم أفعل " أي فإن لم أقدر على عتق الرقاب لأني لا أملك مالاً " قال: تعين صانعاً " أي تعين صاحب مهنة على مهنته، أو أي عامل على عمله " أو تصنع لأخرق " وهو الذي لا يحسن العمل، ومعنى تصنع لأخرق أي ترشده وتوجهه أو تعمل له العمل الذي لا يقدر عليه، وروى الدارقطني ضائعاً " بالضاد المعجمة " قال الحافظ: وقد وجهت بأن المراد بالضائع ذو الضياع من فقر أو عيال (١) قال أبو ذر: " قلت: فإن لم أفعل " أي فإن لم أستطع مساعدة العامل على عمله لعجز بدني أو مهني أو لم أستطع مساعدة الفقير لأني فقير مثله، " قال: تدع الناس من الشر فإنها صدقة " أي تكف شرك وأذاك عن الناس فيحسب لك ذلك عند الله، وتؤجر عليه أجر الصدقة وثوابها. الحديث: أخرجه الشيخان
стр. 1200
٧٠٤ - " بَابٌ إِذَا أَعْتَقَ عَبْداً بَيْنَ اثْنَيْنِ أو أَمَةً بَيْنَ الشُّرَكَاءِ "
٨٥٤ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "مَن أَعْتَقَ شِرْكَاً لَهُ في عَبْدٍ فكانَ لَهُ مَالٌ
ــ
والنسائي وابن ماجة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن أفضل الرقاب في العتق وأكثرها ثواباً أغلاها ثمناً وأحبها إلى نفس سيدها، لأن المعتق في هذه الحالة يفارق أعز الناس عنده، وذلك من أصعب الأمور وأشقها على النفس البشرية، وأعظمها جهاداً لها، فإذا تغلب عاد نفسه وهواه، وأعتق من يحبه ويهواه دل ذلك على قوة دينه وإيمانه ويقينه. ثانياًًً: أن أفضل الأعمال على الإِطلاق الإِيمان بالله عقيدة وقولاً وعملاً، لأنه أساس كل خير ومصدر كل سعادة، وشرط في قبول جميع الأعمال الشرعية، وصحتها شرعاً، ويليه الجهاد، لما فيه من حماية الدين، سواء كان جهاداً للنفس أو جهاداً للعدو. ثالثاً: الترغيب في الأعمال المهنية والدعوة إلى ممارستها ولو على سبيل المشاركة للصانع والمعاونة له، لقوله ﷺ : " تعين صانعاً ". رابعاً: الحث على حسن المعاملة والمعايشة السلمية مع الناس ما أمكن وكف الشر عنهم، فإن ذلك حسنة عظيمة يثاب عليها ثواب الصدقة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب عن الترجمة بل هو جواب لها بالفعل حيث قال البخاري في الترجمة: " أي الرقاب أفضل " وهذا سؤال جوابه من الحديث " أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها ".
٧٠٤ - " باب إذا أعتق عبداً بين اثنين أو أمة بين الشركاء "
٨٠٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "من أعتق شركاً له في عبد" أي من أعتق حصته ونصيبه من عبد مشترك بينه وبين غيره "فإن
стр. 1201
يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ العَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأعطى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ، وِإلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ".
ــ
كان له مال يبلغ ثمن العبد" أي فإن كان غنياً موسراً يمكنه ماله من شراء بقية العبد من شريكه أو شركائه " قوِّم عليه قيمة عدل، فأعطي شركاءه حصصهم، وعتق عليه " أي عتق عليه العبد، يعني فإن كان موسراً، فإنه يضمن لشركائه حصصهم، فيقوّم العبد بالقيمة العادلة التي يقدّرها أهل الخبرة حسب أمثاله في الأسواق التجارية، فيدفع قيمة بقية العبد إلى شركائه، ويعتق العبد كله كما جاء مصرحاً به في قوله ﷺ : " فعليه عتقه كله " أخرجه البخاري وكما في رواية شعبة عن قتادة أن النبي ﷺ قال: " من أعتق مملوكاً بينه وبين آخر فعليه خلاصه " أخرجه أبو داود، وعن أبي هريرة ﵁ " أن رجلاً أعتق شقيصاً له من غلام " أي أعتق نصيباً له في عبد، فأجاز النبي ﷺ عتقه، وغرّمه بقية ثمنه " وإلا فقد عتق منه ما عتق " بفتح التاء في الفعل الأول والثاني، أي وإن كان المعتق معسراً لا يستطيع شراء بقية العبد، فإنه يعتق من العبد ما أعتق، ويبقى الباقي مملوكاً، قال البخاري: في هذه العبارة لا أدري أشي قاله نافع أو من الحديث، أي هل هي مدرجة موقوفة على نافع أو مرفوعة موصولة إلى النبي ﷺ ولكن مالكاً ﵀ رفعها إلى النبي ﷺ وهو الأرجح لأن أهل مكة أدرى بشعابها، قال الشافعي: لا أحسب عالماً بالحديث يشك في أنّ مالكاً أحفظ لحديث نافع من أيوب، لأنه ألزم له منه. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من أعتق نصيباً له في مملوك وكان موسراً فإنّه يضمن حصة شريكه أو شركائه، ويدفع إليهم قيمة حصصهم، ويعتق العبد كله وإن كان معسراً أعتق من العبد ما أعتق،
стр. 1202
وبقي الباقي مملوكاً، فأصبح بعضه حراً وبعضه عبداً، وكذلك الحكم في الأمة، وهو مذهب الجمهور. قال ابن رشد: فأمّا العبد بين الرجلين يعتق أحدهما حظه منه، فإن الفقهاء اختلفوا في حكم ذلك، فقال مالك والشافعي وأحمد: إن كان المعتق موسراً قوّم عليه نصيب شريكه قيمة عدل، فدفع ذلك إلى شريكه أو شركائه، وعتق الكل عليه، وإن كان المعتق معسراً لم يلزمه شيء، وبقي المعتق بفتح التاء - بعضه حراً وبعضه عبداً. وقال: أبو يوسف ومحمد: استسعى العبد في قيمته للسيد الذي لم يعتق حظه منه، وهو حر يوم أعتق حظه منه، ويكون ولاؤه للأوّل، وبه قال الأوزاعي وجماعة الكوفيين. قال: وعمدة مالك والشافعي حديث ابن عمر وهو حديث الباب، وعمدة محمد وأبي يوسف صاحبي أبي حنيفة حديث أبي هريرة أنّ النبي ﷺ قال: " من أعتق شقيصاً له في عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه " قال: وكلا الحديثين خرجه أهل الصحيح البخاري ومسلم. اهـ. واختلفوا على أي أساس يقوّم العبد هل يقوم على أنه عبد كله أو يقوم على أن بعضه حر وبعضه عبد. قال القرطبي: وظاهره أي الحديث أنّه يقوم كاملاً لا عتق فيه، وهو معروف المذهب - أي مذهب المالكية، وقيل يقوم على أن بعضه حرٌ والأول أصح لأن سبب التقويم جناية المعتق بتفويته نصيب شريكه فيقوم على ما كان عليه يوم الجناية. اهـ. كما أفاده الزرقاني. ثانياًًً: أن نصيب المعتق يعتق في نفس وقت الإِعتاق حالاً لقوله ﷺ : " وإلّا فقد عتق منه ما عتق " وقد أجمع العلماء كما قال الصنعاني على (١) أن نصيب المعتق يعتق بنفس الاعتاق. اهـ.
هذا وقد تقدم الكلام على هذه المسألة، واختلاف المذاهب فيها في " باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل " من كتاب الشركة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.
стр. 1203
٧٠٥ - " بَابُ كَرَاهِيَّةِ التَّطَاوُلِ على الرَّقِيقِ وقولِهِ: عَبْدِي وأَمَتِي "
٨٠٥ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَال رَسُولُ اللهَ ﷺ : " لا يَقُلْ أحَدُكُمْ أطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّىءْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، ولْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلايَ، وَلا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي أمَتِي ولْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي ".
ــ
٧٠٥ - " باب كراهية التطاول على الرقيق وقوله عبدي وأمتي "
٨٠٥ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " لا يقل أحدكم أطعم ربّك وَضِّىء ربك " أي أنه ﷺ نهي عن المغالاة في الكلام واستعمال الألفاظ التي فيها شبهة في العقيدة تنافي التوحيد، كقول السيد لعبده: " أطعم ربك " فإن كلمة الرب وإن كانت تطلق بمعنى السيد إلاّ أنها تطلق أيضاًً بمعنى الخالق، ولذلك ينبغي له أن لا يقول: أطعم ربك، لئلا يظن السامع أنه أراد أطعم خالقك، فتكون عليه هذه الكلمة شبهة في عقيدته وتوحيده. " وليقل سيدي ومولاي " وهذا خطاب للمماليك، أي وليقل العبد أو الجارية سيدي ومولاي بدل ربي حرصاً على سمعة عقيدته " ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي " أي لا يستعمل هذه الألفاظ التي تكسر خاطر مملوكه، وتجرح شمعوره، والتي فيها شبهة عقائدية أيضاًً.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على النهي عن التطاول على المملوك والترفع عليه، واستعمال الألفاظ التي تشعره بضعفه وذلته، وإظهار الاستعلاء والتعاظم عليه أثناء مخاطبته، مثل اسق ربّك فإنه منهي عنه لأمرين أولهما: الحرص على مراعاة شعور المملوك، وعدم إيذائه، وثانيهما: البعد عن كل شبهة تؤدّي إلى تشويه سمعة العقيدة لئلا يسيء الناس الظن في عقيدته. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله " لا يقل أحدكم عبدي أمتي ".
стр. 1204
٧٠٦ - " بَابٌ إِذَا أَتاهُ خادِمُهُ بطَعَامِهِ "
٨٠٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أو لُقْمَتَيْنِ، أَوْ أكْلَةً أو أكْلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ ".
ــ
٧٠٦ - " باب إذا أتاه خادمه بطعامه "
٨٠٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إذا أَتى أحدكم خادمه بطعامه " أي إذا وضع له خادمه الطعام على سفرته " فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين " بضم الهمزة وهي اللقمة، أي فالأفضل له أن يجلسه على طعامه، فإن لم يفعل ذلك، فليعطه من ذلك الطعام لقمة أو لقمتين. " فإنّه ولي علاجه " أي فإن ذلك الخادم المسكين هو الذي قام بعمل ذلك الطعام، وتولى إعداده وإحضاره بين يدي سيده، فإن كان جارية فقد تكون هي التي تولت طهيه، وباشرت صنعه، ولذلك فإن الأولى إطعامها شيئاً منه تطبيباً لنفسها.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على الترغيب في مكارم الأخلاق، وحسن معاملة الخدم، وتطييب نفوسهم، ومواساتهم، ومشاركتهم في الطعام على مائدة واحدة، أو إعطائهم شيئاً منه، ويستحب إجلاسهم على المائدة، ولا يجب، ويتأكد استحباب ذلك في حق من صنع الطعام، وحمله وشم رائحته، وتعلقت به نفسه. قال المهلب: هذا الحديث يفسر حديث أبي ذر في التسوية بين العبد والسيد على سبيل الندب (١) الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في كون الحديث بمنزل الجواب للترجمة.
стр. 1205
٧٠٧ - " بَابٌ إِذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ "
٨٠٧ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا قَاتَل أحَدُكُمْ فَلْيَتَجَنَّبِ الْوَجْهَ ".
ــ
٧٠٧ - " باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه "
٨٠٧ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إذا قاتل أحدكم " وفي رواية مسلم: إذا ضرب أحدكم " فليجتنب الوجه " أي إذا ضرب أحدكم شخصاً تأديباً أو تعزيراً له، أو في حد من حدود الله تعالى فليحذر أن يضربه على وجهه، وليبتعد عن ذلك كل البعد، ولو في إقامة حد من حدود الله، فقد روى أبو بكرة في قصة المرأة التي زنت، فأمر رسول الله ﷺ برجمها وقال: " ارموا واتقوا الوجه ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الضرب وجوازه كوسيلة وعقوبة إسلامية مشروعة لتأديب الأولاد عند الضرورة إذا لم تنفع معهم الوسائل الأخرى من نصح، وتوجيه، وعتاب، وتقريع، وتوبيخ، فيلجأ إلى الضرب من باب (آخر الدواء الكي) وكذلك جواز الضرب في التعزير والحدود الشرعية كما دل عليه هذا الحديث إجمالاً، ودلت عليه النصوص الشرعية تفصيلاً. ثانياًً: الابتعاد عن ضرب الوجه في أي عقوبة، سواء كانت حداً أو تعزيراً أو تأديباً لعموم حديث الباب، ولأن النبي ﷺ لما أمر برجم المرأة التي زنت قال: " ارموا واتقوا الوجه " أخرجه الشيخان وأبو داود. قال العيني: فإذا كان ذلك في حق من تعين إهلاكه
стр. 1206
فمن دونه أولى (١)، وذلك لأن الوجه، لطيف يجمع الحواس كلها فيخشى من ضربه تعطيل حاسة منها، أو تشويه صورته، كما أفاده (٢) النووي. والمطابقة: في قوله " فليجتنب الوجه " فإن هذا عام في ضرب أي إنسان ولو كافراً، فكيف إذا كان المضروب مسلماً.
...
стр. 1207
منار القاري
شرح مختصر
صحيح البخاري
تأليف حمزة محمد قاسم
راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط
عني بتصحيحه ونشره بشير محمد عيون
الجزء الرابع
مكتبة دار البيان
ص. ب ٢٨٥٤ - هاتف ٢٢٩٠٤٥
دمشق - الجمهورية العربية السورية
مكتبة المؤيد
ص. ب ١٠ - هاتف ٧٣٢١٨٥١
الطائف - المملكة العربية السعودية
стр. 1208
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
بيروت
١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م
стр. 1209
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" بَابٌ فِي الْمُكَاتبِ "
٧٠٨ - " بَابُ ما يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَاتبِ ومن اشترَطَ شَرْطاً لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ "
٨٠٨ - عن عَائِشَةَ ﵂:
أنَّ بريرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا في كِتَابَتِهَا ولمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئَاً، (١)
ــ
" باب في المكاتب "
قال الحافظ: " والمكاتب " بالفتح من تقع له الكتابة، وبالكسر من تقع منه. والمكاتبة لغة: اشتقاقها -كما قال الراغب- من كتب بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) أو بمعنى كتب الخط، وعلى الأول تكون مأخوذة من معنى الالتزام، وعلى الثاني تكون مأخوذة من الخط الموجود عند عقدها غالباً. والمكاتبة شرعاً: وتسمى الكتابة كما قال ابن قدامة: والكتابة إعتاق السيد عبده على مال في ذمته يؤدَّى مؤجلاً، سميت كتابة لأن السيد يكتب بينه وبينه كتاباً بما اتفقا عليه، وقيل سمّيت كتابة من الكتب، لأن المكاتب يضم بعض النجوم - أي يجمع بعض الأقساط التي يدفعها إليه العبد إلى بعض. قال البخاري:
٧٠٨ - " باب ما يجوز من شروط المكاتِب ومن اشترط شيئاً ليس في كتاب الله "
٨٠٨ - قول عائشة ﵂: " إن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها " إلخ.
стр. 1210
قَالَت لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِى إلى أهْلِكِ إنْ أحَبُّوا أنْ أقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ ويَكُونُ وَلاؤكِ لي فَعَلْتُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأهلِهَا فَأبَوْا، وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ، ويَكُونَ وَلاؤكِ لَنَا، فذكرَتْ ذَلِكَ لِرَسوُلِ اللهِ ﷺ فقالَ لها رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ابْتَاعِي فَأعْتِقِي، فَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ"، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ في كِتَابِ اللهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ فَلَيْسَ لَهُ، وِإنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، شَرْطُ اللهِ أحقُّ وَأَوْثَقُ ".
ــ
معنى الحديث: أن بريرة كانت أمة مملوكة لبعض الأنصار، فكاتبها أهلها على أن تجمع ثمنها، وتدفعه إليهم على أقساط مؤجلة، تنتهي كلها في زمن محدد، فإذا أدت ما عليها كانت حرة، فأتت إلى عائشة تسألها معونة مالية تساعدها على هذه المكاتبة، فطلبت منها عائشة أن ترجع إلى أهلها وتعرض عليهم موافقة عائشة على أن تدفع لهم جميع المال الذي كاتبوها عليه، على أن يكون الولاء لها والولاء هو وراثة العبد أو الأمة بعد وفاتهما فرفضوا ذلك " وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ويكون ولاؤك لنا " أي إن أرادت أن تعينك تفضلاً وتكرماً وتحتسب أجرها ومثوبتها عند الله، ويكون ميراثك لنا، فلتفعل، وإلّا فلا " فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ : ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق " أي فقال لها النبي ﷺ اشتري بريرة وأعتقيها ولا تبالي بالشرط الذي اشترطوه لأنفسهم، فإنه شرط باطل غير نافذ شرعاً، لأن ميراث العبد أو الأمة لسيده الذي أعتقه ولسيدها الذي أعتقها " ثم قام رسول الله ﷺ " أي قام في الناس خطيباً
стр. 1211
" فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله " أي ليست موافقة لأحكام الله تعالى، " من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة شرط " أي من اشترط شرطاً مخالفاً لحكم الله فإنه باطل لا ينفذ شرعاً، " شرط الله أحق وأوثق " أي شرط الله أولى بتنفيذه والعمل به من شروط الناس، لأنه لا يُقَدَّم على حكم الله شيء، وهو الصواب لما يتضمنه من العدل والحكمة، ولأنه حكم العليم الحكيم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية المكاتبة، لأن هؤلاء الأنصار كاتبوا بريرة وأقرهم النبي ﷺ على ذلك، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك، واختلفوا هل كانت معروفة قبل الإِسلام؟ والصحيح كما قال الحافظ: أنها كانت في العصر الجاهلي (١)، قال ابن خزيمة: " وقد كانوا يكاتبون في الجاهلية " وأقرها الإِسلام، قال ابن خزيمة: وأوّل من كوتب في الإِسلام سلمان، كما أفاده الحافظ، واختلفوا فيما إذا بقي على المملوك شيء، فروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم " أخرجه أبو داود والنسائي وصححه (٢) الحاكم، قال مالك (٣) في " الموطأ " وهو رأيي. وهو مذهب الجمهور أيضاً.
قال الزرقاني: وكان فيه خلاف عن السلف، فعن علي: إذا أدى الشطر فهو غريم " وعنه يعتق منه بقدر ما أدّى، وعن ابن مسعود: لو كاتبه على مائتين وقيمته مائة فأدّى المائة عتق، وعن عطاء: إذا أدى المكاتب ثلاثة أرباع كتابته عتق، وروى النسائي عن ابن عباس مرفوعاً: " المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى " ورجال إسناده ثقات، لكن اختلف في إرساله ووصله. اهـ. كما أفاده الزرقاني. ثانياًً: أنه لا يجوز للمكاتب أن يشترط شرطاً مخالفاً لأحكام الله
стр. 1212
تعالى وإن فعل ذلك فالشرط باطل، ولو مائة شرط، كما في الحديث، وهو ما ترجم له البخاري لأن حكم الله أولى بالتنفيذ. ثالثاً: مشروعية الولاء للمعتق، فهو صاحب الحق الشرعي فيمن أعتقه يرثه بعد موته، قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أنّ من أعتق عبداً أو أعتق عليه أن له عليه الولاء، وأجمعوا أيضاً على أن السيد يرث عتيقه إذا مات جميع ماله إذا اتفق دينهما، ولم يُخَلِّف وارثاًَ سواه، وذلك لقول النبي ﷺ : " الولاء لحمة كلحمة النسب " ويقدم المولى على الرد وذوي الأرحام في قول جمهور العلماء، فمن خلف بنتاً ومولاة فلبنته النصف والباقي لمولاه ولا يرد على الوارث شيء.
رابعاً: الحديث دل على مشروعية المكاتبة، وهل هي واجبة أو مستحبة؟ قال ابن رشد (١) ﵀: اختلفوا في عقد الكتابة هل هو واجب أو مندوب؟ قال أهل الظاهر: هو واجب واستدلوا بظاهر قوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)، وأما الجمهور فإنهم لما رأوا أن الأصل أن لا يُجبر أحد على عتق مملوكه حملوا هذه الآية على الندب. اهـ. وقال مالك في " الموطأ " ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع أحداً من الأئمة أكره رجلاً على مكاتبة عبده. اهـ. والمطابقة: في قوله " كل شرط ليس في كتاب الله فليس له ". الحديث: أخرجه الستة.
...
стр. 1213
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٧٠٩ - " كتابُ الهِبَةِ وَفضلِهَا والتَّحْرِيض عَلَيْهَا "
٨٠٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: " ابْنَ أخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظر إِلى الْهِلالَ ثُمَّ الهِلَالِ ثُمَّ الهِلَالِ ثلاثَة أهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وما أوقِدَتْ في أبيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَارٌ، فَقُلْتُ: يا خالةُ مَا كَانَ يَعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الأسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلَّا أنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ جيرَانٌ مِنَ الأنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ -َ مِنْ ألبَانِهِمُ فَيَسْقِيْنَا ".
ــ
٧٠٩ - " كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها "
٨٠٩ - قول عائشة ﵂: " يا ابن أختي: إنْ كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار " إلخ.
معنى الحديث: أن النبي ﷺ بلغ من زهده وتقشفه أنه كان يمضي عليه وعلى آل بيته شهران يرون فيهما ثلاثة أهلة لا يوقد في أبياتهم نار، ولا يطبخ طعام، علماً بأنهم كانوا تسع نسوة، هكذا قالت عائشة لعروة ﵂، فلما سمع عروة منها هذا الحديث، تملكته الدهشة، فسألها على أي شيء كانوا يعيشون، وأي طعام يأكلون، قالت: كنا نعيش على " التمر والماء " إلاّ أنه كان لنا جيران من الأنصار، لديهم بعض الشياه والنياق التي وهبت لهم، فكانوا يعطوننا من ألبانها. الحديث: أخرجه الشيخان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الهبة،
стр. 1214
٧١٠ - " بَابُ الْقَلِيلِ مِنَ الْهِبَةِ "
٨١٠ - عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَوْ دُعِيتُ إلى ذِرَاعً أو كُراعٍ لأجَبْتُ، ولو أهْدِيَ إِليَّ ذِرَاعٌ أو كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ".
ــ
ولها معنيان معنى عام وهي ما تعطيه لغيرك في حياتك تقصد من ورائه بدلاً، فإن كان منفعة دنيوية فهو الهدية وإن كان ثواباً أخروياً فهو الصدقة، أو لا تقصد بذلك العطاء بدلاً، بل لمجرد المحبة والمساعدة للغير وهو المنحة والعطية، ومعنى خاص: وهو ما يدفع إلى الغير لا يقصد من ورائه بدلاً، ويسمى منحة، أيضاً وهذا النوع يثاب عليه، ويؤجر على فعله، لا سيما إذا كان للجيران وأمثالهم (١) لقوله ﷺ : " لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة ". ثانياًً: ما كان عليه النبي ﷺ وآل بيته من التقشف والزهد والقناعة بالقليل مع أن في إمكانه أن يملك الدنيا بحذافيرها. والمطابقة: في قولها " وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من ألبانها " فإن المنحة نوع من أنواع الهبة.
٧١٠ - " باب القليل من الهبة "
قال العيني: ١ - أراد به أن المهدي إليه بشيء قليل لا يستقله ولا يرده لقلته قلت: ولهذا ساق الحديث الآتي ليستدل به على ما ترجم له.
٨١٠ - قوله ﷺ : " لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت " الذراع هو ساعد الشاة، والكراع ما دون الركبة من الشاة أو البقرة، وهو ما تسميه العامة (بالمقدم).
معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان لا يتأخر عن إجابة أي دعوة
стр. 1215
٧١١ - " بَابُ ما لا يُرَدُّ مِنَ الْهَدِيَّة "
٨١١ - عن أنَس ﵁ قَالَ:
"كَانَ النبي ﷺ لا يَرُدُّ الطِّيْبَ".
ــ
وحضورها والأكل من الطعام الذي يقدم له، سواء كان هذا الطعام كثيراً أو قليلاً، وسواء كان هذا الطعام طعاماً فاخراً نفيساً أو لم يكن كذلك، وكان ﷺ لا يرفض أي هدية تقدم إليه ولو كانت يسيرة. الحديث: أخرجه البخاري وأحمد.
فقه الحديث: أن من السنة إجابة الدعوة، والأكل من طعامها وقبول الهدية، ولو كان الطعام والهدية لا قيمة لهما. وهذا معنى تمثيله ﷺ بالكراع والذراع، قال الحافظ: وخصَّ الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير، لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها، والكراع لا قيمة له، وفي المثل: أعط العبد كراعاً يطلب منك ذراعاً، قال ابن بطال: أشار ﷺ إلى الحض على قبول الهدية، ولو قلت. اهـ. وذلك لما فيه من التواضع وجبر خاطر المهدي ومراعاة شعوره حتى لا يتألم نفسياً بالرفض فيكون ذلك إيذاءً له. والمطابقة: في قوله " ولو أهدي إليه ذراع أو كراع لقبلت ".
٧١١ - " باب ما لا يرد من الهدية "
٨١١ - قوله: " كان النبي ﷺ لا يرد الطيب ". إلخ.
معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان إذا أهدي إليه الطيب يقبله، ولا يرده على صاحبه، لأنه ﷺ كان يحب الروائح الزكية والعطور الشذية، ويرغبها كثيراً لأنه يناجي الملائكة، وهي تحبها بطبيعتها، وقد أوصى ﷺ أمته بقبول هدية الطيب، فقال ﷺ : " من عرض عليه طيب فلا يرده لأنه خفيف المحمل، طيّب الرائحة " أخرجه أبو داود والنسائي، وفي حديث آخر: "ثلاثة
стр. 1216
٧١٢ - " بَابُ الْمُكَافَأةِ في الْهِبَةِ "
٨١٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" كَانَ النبي ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيثيْبُ عَلَيْهَا ".
ــ
لا ترد الوسائد والدهن واللبن" أخرجه الترمذي، وقال: يعني بالدهن الطيب. اهـ. كما أفاده الشرقاوي وأخرجه أيضاً الترمذي والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب قبول الهدية عامة، والطيب خاصة لحسن رائحته وخفة مؤونته، لأنه لا تكليف فيه على مهديه، والطيب كما قال ابن القيم: غذاء الروح، وله تأثير في حفظ الصحة، ودفع كثير من الآلام. والمطابقة: في قوله " لا يرد الطيب ".
٧١٢ - " باب المكافأة في الهبة "
٨١٢ - قولها ﵂: " كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها ".
معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يراعي مشاعر الناس، ويقدر عواطفهم فلا يرد أي هدية تقدم إليه مهما كانت يسيرة، كما قال ﷺ : " لو أهدي إليّ ذراع أو كراع لقبلت "، لأنه يعلم أن صاحبها لم يهدها إليه إلاّ تعبيراً عما يكنه له من محبة ومودة فكيف يردها إليه، أليس من مقابلة الإِحسان بالإِحسان ومواجهة المشاعر الطيبة بمثلها قبول الهدية تطييباً لنفس مهديها، ْفهو ﷺ يقبل الهدية جبراً لخاطر صاحبها ولئلا يسيء إليه بردها مع أنه عبر له عن محبته بإهدائها. " ويثيب عليها " أي يكافىء عليها بأعظم منها، ليقابل المعروف بأكثر منه، وتلك شيمة الكرام.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه يستحب قبول الهدية، والمكافأة عليها لهذا الحديث، حيث قال: " ويثيب عليها " أي يقبلها ويكافىء عليها،
стр. 1217
٧١٣ - " بَابُ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ، وِإذَا أعْطَى بَعضَ وَلَدِهِ شَيْئَاً لَمْ يَجُزْ حتى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ ويُعْطِيَ الآخرِيْنَ مِثلَهُ "
٨١٣ - عَنِ النّعْمَانِ بْنِ بَشِير ﵄:
أن أَبَاهُ أتى بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلاماً، فَقَالَ: " أكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فارْجِعْهُ ".
ــ
وفي رواية ابن أبي شيبة: " ويثيب ما هو خير منها ". قال الخطابي: من العلماء من جعل أمر الناس في الهدية على ثلاث طبقات. (أ): هدية الرجل من دونه كالخادم ونحوه، إكراماً له، وذلك غير مقتض ثواباً (ب): هدية الصغير للكبير رفدٌ ومنفعة، والثواب فيها واجب. (ج): هدية النظير للنظير، والغالب فيها التودد والتقرب، وقد قيل: إن فيها ثواباً. واستدل بعض المالكية بهذا الحديث على وجوب الثواب على الهدية إذا أطلق الواهب، ممن يطلب مثله الثواب. كالفقير للغني، وبه قال الشافعي في القديم: وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد: الهدية للثواب باطلة لا تنعقد، لأنها بيع بثمن مجهول. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي وأبو داود. والمطابقة: في قوله " ويثيب عليها ".
٧١٣ - " باب الهبة للولد، وإذا أعطى بعض ولده شيئاً لم يجز حتى يعدل بينهم ويعطي الآخرين مثله "
٨١٣ - " عن النعمان بن بشير ﵁ أن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً " إلخ.
معنى الحديث: أن بشير بن سعد الأنصاري كان له عدة أبناء، وكان ابنه النعمان محظوظاً عنده، فوهب له غلاماً من غلمانه، وخصه بهذه العطية
стр. 1218
دون بقية إخوانه، فأرادت أمه عمرة بنت رواحة أن توثق وتؤكد هذه الهبة وتثبتها بالبينة والشهود، حتى لا يستطيع أحد إبطالها، فقالت لزوجها كما في رواية أخرى للبخاري: " لا أرضى حتى يشهد رسول الله ﷺ " وغرضها من ذلك تثبيت العطية، عند ذلك " أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا " أي أعطيت ابني هذا وهو النعمان " غلاماً " أي عبداً من عبيدي، وفي الرواية الأخرى قال: " إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله " فقال: " أكل ولدك نحلت مثله؟ " وفي رواية مسلم: " كلهم وهبت لهم مثل هذا " " قال: لا، قال: فأرجعه "، أي فاسترجع هبتك هذه لما فيها من ظلم الآخرين من أبنائك، وأبى ﷺ أن يتم هذه المعاملة، أو يشهد عليها وعد ذلك جوراً، كما جاء مصرحاً به في رواية ابن حبان والطبراني أنه ﷺ قال: " لا أشهد على جور "، وفي رواية لمسلم: " فإني لا أشهد على جور ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب المساواة بين الأبناء في جميع الحقوق المالية، وعدم تخصيص بعضهم بهدية أو هبة أو عطية دون الآخرين، لما يترتب على ذلك من زرع العداوة والبغضاء في نفوسهم، وقطع الصلات الودية بينهم، ولما في ذلك من الظلم والإِجحاف بحقوق الآخرين، وقد تمسك بهذا الحديث من أوجب التسوية في العطية بين الأولاد، وبه صرح البخاري، وهو مذهب طاووس والثوري وأحمد بن حنبل وبعض المالكية، وقالوا: إن التفضيل بينهم باطل، وجورٌ، واستدلوا على ذلك بحديث الباب، وحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء " وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة (١) والتفضيل مكروه فقط، وإن فعل
стр. 1219
ذلك نفذ، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة منها: أن الموهوب للنعمان كان جميع مال أبيه، حكاه ابن عبد البرّ. وتعقب بأن الكثير من طرق الحديث مصرحة بالبعضية كما في حديث مسلم حيث قال: " تصدق علي أبي ببعض ماله ". ومنها: أن قوله: " ارجعه " دليل الصحة، ولو لم تصح الهبة لما صح الرجوع، قالوا: وإنما أمره بالرجوع لأن للوالد أن يرجع فيما وهب لولده، وتعقبه " الحافظ " بأن معنى قوله: " ارجعه " أي لا تمض الهبة المذكورة ولا يلزم من ذلك تقدم صحة الهبة. ومنها: أنه قد ثبت عن الصديق أنه نحل ابنته عائشة، وروى الطحاوي عن عمر أنه نحل ابنه عاصماً دون سائر ولده، ولو كان التفضيل غير جائز لما وقع من الخليفتين، وقد أجاب عروة عن قصة عائشة بأن إخوانها كانوا راضين، قال الحافظ: ويجاب بمثل ذلك في قصة عاصم. ومنها: أن الإِجماع انعقد. على جواز عطية الرجل لغير ولده فجوازه للولد أولى، وأجاب عنه الحافظ بأنه قياس مع النص وهو باطل. قال ابن قدامة: يجب (١) على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية إذا لم يختص أحدهم بمعنى يفيد التفضيل، فإن خص بعضهم بعطية أو فاضل بينهم فيها أثم، ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين: إما ردّ ما فضل به البعض، وإما إتمام نصيب الآخر. قال طاووس: لا يجوز ذلك ولا رغيف محترق، وبه قال ابن المبارك. وروي معناه عن مجاهد وعروة، وكان الحسن يكرهه ويجيزه في القضاء. وقال مالك والليث والثوري والشافعي وأصحاب الرأي: ذلك جائز لأن أبا بكر ﵁ نحل عائشة جذاذ عشرين وسقاً دون سائر ولده. واحتج الشافعي بقول النبي ﷺ : " أشهد على هذا غيري " حيث أمره بتأكيدها دون الرجوع فيها، ولأنها عطية تلزم بموت الأب، فكانت جائزة كما لو ساوى بينهم. قال ابن قدامة: ولنا ما روى النعمان بن بشير
стр. 1220
رضي الله عنهما قال: تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله ﷺ ، فجاء أبي رسول الله ﷺ ليشهده على صدقته، فقال: " أكل ولدك أعطيت مثله "، قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " قال فرجع أبي فردّ تلك الصدقة، وفي لفظ " فاردده " وفي لفظ " فارجعه " وفي لفظ " لا نشهد على جور " وفي لفظ " سوِّ بينهم " وهو حديث صحيح متفق عليه، وفيه دليل على التحريم، لأنّه سماه جوراً وأمر بردّه وامتنع عن الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضى الوجوب - وتفضيل بعضهم على بعض يورث العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم، فمنع منه كتزوج المرأة على عمتها أو خالتها، وفعل أبي بكر لا يعارض قول النبي ﷺ ولا يحتجُّ به معه، ويحتمل أنّ أبا بكر ﵁ خصها بعطية لحاجتها وعجزها عن الكسب والتسبب فيه مع اختصاصها بفضلها، وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله ﷺ وغير ذلك، ويحتمل أنه قد نحلها ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها فأدركه الموت قبل ذلك، ويتعين حمل هديته على هذه الوجوه، لأن حمله على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من أبي بكر اجتناب المكروهات وقول النبي ﷺ " فاشهد على هذا غيري " ليس بأمر، لأن أدنى أحوال الأمر الندب والاستحباب، ولا خلاف في كراهة هذا، وكيف يجوز أن يأمر بتأكيده (١) مع أمره برده وتسميته جوراً، وحمل الحديث على هذا حملٌ لحديث النبي ﷺ على التناقض والتضاد. قال ابن قدامة: فإن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه مثل اختصاصه بحاجة، أو زمانة أو عمى أو كثرة عائلة أو اشتغاله بالعلم أو نحوه من الفضائل، أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله، أو ينفقه
стр. 1221
٧١٤ - " بَابُ هِبَةِ الْمَرأةِ لِغيْرِ زَوْجِهَا وَعِتْقِهَا إِذَا كَانَ لَهَا زوْجٌ فَهُوَ جَائِز إذَا لَمْ تكُنْ سَفِيهَةً "
٨١٤ - عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂:
ــ
فيها، فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك، لقوله في تخصيص بعضهم بالوقوف لا بأس به إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة، والعطية في معناه. قال ابن قدامة: ويحتمل ظاهر لفظه المنع من التفضيل والتخصيص على كل حال، لكون النبي ﷺ لم يستفصل بشيراً في عطيته والأوّل أولى إن شاء الله لحديث أبي بكر، ولأن بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية، فجاز أن يختص بها، وحديث بشير قضية في عين لا عموم لها، وترك النبي ﷺ الاستفصال يجوز أن يكون لعلمه بالحال (١). اهـ. ثانياً: مشروعية الإِشهاد في الهبة لاثباتها وتوثيقها وتأكيدها قال العيني: وفيه أن الإِشهاد (٢) في الهبة مشروع وليس بواجب ولا تتوقف عليه صحة الهبة شرعاً، لأنه ليس ركناً من أركانها، والإِشهاد وإن لم يصرح به في حديث الباب، فقد صرح به في الروايات الأخرى، وكلها حول قصة واحدة، وقد قال في حديث الباب " إنّ أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: " إني نحلت ابني هذا غلاماً " ومعناه أنه أخبره ﷺ بإعطاء الغلام له لِيُشْهِدهُ على ذلك كما جاء في الروايات الأخرى، والأحاديث يفسر بعضها بعضاً. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً عليها.
٧١٤ - " باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج فهو جائز إذا لم تكن سفيهة "
стр. 1222
أنَّهَا أعتقت وَلِيدَةً ولمْ تَسْتَأذِنْ النبي ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الذي يَدُورُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: أشَعَرْتَ يا رَسُولَ اللهِ أَني أعْتَقْتُ وَلِيدَتِي، قَالَ: " أَوَفَعَلْتِ؟ " قَالَت: نَعَمْ، قَالَ: " أمَا إِنَّكِ لَوْ أعطَيْيهَا أخْوَالَكِ كانَ أعْظَمَ لأجْرِكِ ".
ــ
يعني أن هبة المرأة لغير زوجها بدون إذنه صحيحة نافذة، وكذلك عتقها جاريتها إذا كانت رشيدة، أما إذا كانت سفيهة فلا يصح ذلك منها.
٨١٤ - قولها ﵂: " أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي ﷺ ".
معنى الحديث: أن أم المؤمنين ميمونة أعتقت جارية لها دون أن تخبر النبي ﷺ أو تستأذنه في عتقها، فلما كان يوم نوبتها " قالت: أشعرت أني أعتقت وليدتي قال: أوفعلت؟ " أي قالت له: أعلمت أني أعتقت جاريتي، فقال لها: هل أعتقتيها؟ ولم ينكر عليها أنها أعتقت بدون إذنه إلّا أنه " قال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك " ومعناه: حسناً ما فعلت، إلاّ أنك لو وهبتها لأخوالك من بني هلال لكان ذلك أفضل وأكثر ثواباً لما فيه من صلة الرحم. وهذه الجملة الأخيرة هي موضع الترجمة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يجوز للمرأة
إذا كانت رشيدة أن تتصرف في مالها بالهبة لغير زوجها، وبالعتق ولو بدون
إذنه، لأن ميمونة تصرفت في وليدتها - فأعتقتها بدون إذنه ﷺ ، ولأنه ﷺ
قال لها: " لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك "، فدل ذلك على أنّها لو وهبت جاريتها لغيره لكانت هبتها جائزة صحيحة، ولو بغير إذنه، وهو مذهب الجمهور، وقال مالك: لا يجوز لها أن تتصرف بدون إذنه إلاّ في ثلث مالها، كما أفاده العيني. أما هبة الرجل لزوجته أو الزوجة لزوجها فإنها صحيحة نافذة
стр. 1223
٧١٥ - " بَابُ قَبولِ الْهَدِيَّة مِنَ الْمُشْرِكِينَ "
٨١٥ - عَنْ أنَس ﵁:
" أنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أهْدَى إِلى النَّبِيِّ ﷺ ".
ــ
لا يجوز الرجوع فيها عند الجمهور، وقالت المالكية: إذا ادّعت الزوجة: أن الزوج خدعها أو أكرهها على هذه الهبة رجعت في هبتها لما رواه عبد الرزاق والطحاوي عن محمد بن سيرين أن امرأة وهبت لزوجها هبة ثم رجعت فيها فاختصما إلى شريح فقال للزوج: شاهداك أنّها وهبت لك من غير إكراه وهوان، وعن عبد الرزاق بسند منقطع عن عمر: أنه كتب أن النساء يعطين رغبة فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت. ثانياًً: أن الأعمال تتفاضل في الثواب بحسب ما يترتب عليها من المنفعة، ولهذا قال لميمونة: " لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك "، ففضل ﷺ هبة هذه الأمة على العتق الذي فيه تحرير النفس، لما يترتب على الهبة من انتفاع أقاربها " الفقراء " بها، ولما فيه من صدقة وصلة رحم. والمطابقة: في كونه ﷺ أقرّ ميمونة على عتق جاريتها بدون إذنه، وقال لها: " لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك ". وهذا يدل على جواز عتق المرأة جاريتها أو هبة شيء من مالها لغيره بدون إذنه، وهو ما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
٧١٥ - " باب قبول الهدية من المشركين "
٨١٥ - قوله: " إن أكيدر دومة أهدى إلى النبي ﷺ " (١) إلخ.
معنى الحديث: أن أكيدر بضم الهمزة وكسر الدال، ابن عبد الملك كان ملكاً نصرانياً على دومة الجندل بضم الدال "وهي مدينة بقرب تبوك، بها نخل فأرسل إليه النبي ﷺ خالد بن الوليد في سرية فقاتله وقتل أخاه،
стр. 1224
٧١٦ - " بَابُ الْهَدِيَّة لِلْمُشْرِكِينَ "
٨١٦ - عَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ:
"قَدِمَتْ عَلَيَّ أمِّي وَهِيَ مُشْرِكَة في عِهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فاسْتَفْتَيْتُ
ــ
وقدم به إلى المدينة أسيراً، فصالحه النبي ﷺ وأهدى أكيدر للنبي ﷺ جبَّة من سندس، وهو مارقّ من الديباج، فعجب الناس منها فقال النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا "، وفي رواية أنه لما قدم أخرج قباءً من ديباج منسوجاً بالذهب فرده النبي ﷺ عليه، ثم إنه وجد في نفسه (١) من رد هديته فقال له النبي ﷺ : ادفعه إلى عمر، وفي رواية مسلم " أن أكيدر دومة أهدى للنبي ﷺ ثوب حرير، فأعطاه علياً فقال شققه خمراً بين الفواطم ". الحديث: أخرجه أيضاً مسلم وأحمد موصولاً.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز قبول هدية الكافر، لأن أكيدر كان نصرانياً، وقد قبل منه ﷺ هديته، وعن علي ﵁ أن كسرى أهدى لرسول الله ﷺ فقبل منه، وأهدى له قيصر فقبل، وأهدت له الملوك فقبل منها، أخرجه الترمذي وأحمد، وعن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي أنه قال: لما قدم وفد ثقيف قدموا معهم بهدية فقال النبي ﷺ : " أهدية أم صدقة، قالوا: بل هدية فقبلها منهم " أخرجه النسائي. وعن أنس " أن ملك ذي يزن أهدى إلى النبي ﷺ حلة فقبلها " أخرجه أبو داود. والمطابقة: في كونه ﷺ قبل هدية أكيدر وهو نصراني، فدل على قبول هدية المشركين.
٧١٦ - " باب الهدية للمشركين "
٨١٦ - معنى الحديث: " تقول أسماء بنت أبي بكر ﵂:
стр. 1225
رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قُلْتُ: إِنَّ أمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغبَةٌ أفَأَصِلُ أمِّي؟ قَالَ: " نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ ".
ــ
" قدمت عليَّ أمي وهي مشركة " أي جاءت إليَّ أمي من النسب والولادة على الأصح لا من الرضاعة، وذلك لما رواه عبد الله بن الزبير في حديثه قال: قدمت قتيلة على بنتها أسماء بنت أبي بكر من مكة -وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية- بهدايا وزبيب وحسن وقرظ فأبت أسماء أن تقبل هديتها، أو أن تدخلها بيتها، فأرسلت إلى عائشة سلي رسول الله ﷺ فقال: لتدخلها، واختلفوا في اسمها فقيل قُتيلة بضم القاف وفتح التاء وقال الزبير بن بكار: قَتْلة بفتح القاف وسكون التاء والصحيح الأول " في عهد رسول الله ﷺ " أي في المدة التي ما بين صلح الحديبية وفتح مكة، أو في زمن النبي ﷺ " فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصل أمي " أي فسألت رسول الله ﷺ عنها فقلت: قدمت عليَّ أمي وهي لا تزال على كفرها، وهي راغبة، أي راغبة في بر ابنتها، أو مؤملة طامعة في أن أصلها وأحسن إليها بالهبات والهدايا وحسن الضيافة والقِرى " أفأصل أمي " بضيافتها وإهدائها " قال: نعم صليها " ولو كانت كافرة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز الهدية للمشركين لا سيما إذا كانوا من ذوي القربى. ثانياً: مشروعية صلة الرحم الكافرة كالرحم المسلمة (١). ثالثاً: استدل به بعضهم على وجوب النفقة للأب الكافر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله " نعم صلي أمك ".
стр. 1226
٧١٧ - " بَابُ لَا يَحِل لِأحَدٍ أنْ يَرْجِعَ في هِبَتِهِ "
٨١٧ - عنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : " لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ الَّذِي يَعُودُ في هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ في قَيْئهِ ".
ــ
٧١٧ - " باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته "
٨١٧ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " ليس لنا مثل السوء " أي لا ينبغي لنا ولا يحل لنا أن نرتضي لأنفسنا مثل السوء، بأن نتصف بتلك الصفة الذميمة التي لا توجد إلا في أخس الحيوانات وأقذرها وهو الكلب " الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه " أي فإن الشخص الذي يرجع في هبته التي يعطيها لغيره، هو كالكلب الذي تسمح له نفسه الدنيئة، وطبيعته القذرة في استرجاع قيئه، فالإنسان الذي يعود في هديته كأنما استعاد قيئه، وزاد أبو داود قال همام: قال قتادة: " ولا نعلم القيء إلاّ حراماً " أي ولا نعلم عودة المرء في قيئه إلا حراماً. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله " ليس لنا مثل السوء ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من الأفعال الذميمة والتصرفات الدنيئة التي تنافي المروءة ولا يرتضيها الطبع السليم أن يرجع المرء في هبته، وقد احتج به الشافعية والحنابلة على تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضها، لأن النبي ﷺ سمى ذلك مثل سوء، وقال: " ليس لنا مثل السوء " أي لا ينبغي لنا ولا يحل لنا أن نتصف بهذه الصفة الذميمة، ولهذا قال ابن بطال: جعل النبي ﷺ الرجوع في الهبة كالرجوع في القيء، وهو حرام، فكذا الرجوع في الهبة. وقال أبو حنيفة: للواهب الرجوع في هبته ما دامت قائمة، وكان الموهوب أجنبياً ولم يعوضه منها لحديث ابن عمر أنّ
стр. 1227
٧١٨ - " بَابُ مَا قِيلَ في الْعُمْرَى والرُّقْبَى "
٨١٨ - عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ:
"قَضَى النبي ﷺ بِالْعُمْرَى أنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ".
ــ
النبي ﷺ قال: " من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها " (١) وأجاب عن حديث الباب بأن التشبيه من حيث أن الرجوع في الهبة أمر ظاهر القبح مروءة وخلقاً لا شرعاً، لأن الراجع في القيء هو الكلب لا الرجل والكلب غير متصف بتحريم أو تحليل.
٧١٨ - " باب ما قيل في العمرى والرقبى "
والعمرى: نوع من الهدية، وهي أن يهب الإِنسان إنساناً آخر شيئاً مدى عمره أي على أنه إذا مات الموهوب له عاد الشيء للواهب، وتكون بلفظ أعمرتك هذا الشيء - أي جعلته لك مدة عمرك، ويسمى القائل مُعْمِراً، والقول له مُعْمَراً، والرقبى: أن يقول لصاحبه أرقبتك داري إن مت قبلي رجعت إليَّ وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك، وسميت رقبى لأنّ كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، قال الحافظ: ترجم البخاري بالرقبى ولم يذكر إلّا الحديثين الواردين في العمرى، وكأنه يرى أنهما متحدا المعنى، وهو قول الجمهور. اهـ.
٨١٨ - قول جابر ﵁: " قضى النبي ﷺ بالعمرى أنها لمن وهبت له ".
معنى الحديث: أن النبي ﷺ حكم في العمرى أنها تكون هبة مملوكة لمن أعمرت له، لا تعود إلى المعمر بحال من الأحوال، وإنما تكون ملكاً للمُعْمَرِ في حياته وملكاً لورثته من بعده. الحديث: أخرجه الستة.
стр. 1228
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية العمرى وجوازها، وصحتها ونفاذها شرعاً، لقوله ﵁: قضى في العمرى، وقضاؤه فيها دليل مشروعيتها وصحتها، وأنها من المعاملات والعقود الشرعية.
قال الحافظ: وذهب الجمهور إلى صحة العمرى إلاّ ما حكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الناس وما روي عن داود، لكن ابن حزم قال بصحتها، وهو شيخ الظاهرية، قال الحافظ: ومنع الرقبى مالك وأبو حنيفة ومحمد، ووافق أبو يوسف الجمهور، وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ موقوفاً العمرى والرقبى سواء، والجمهور على أن العمرى والرقبى جائزان. ثانياًً: أن العمرى تكون هبة مملوكة لمن أعمرت له، ولعقبه من بعده، فمن أعمر بستاناً لشخص فقد وهبه إياه وملكه له ولأولاده من بعده، لأن النبي ﷺ -كما في حديث الباب- قضى بأنها لمن وهبت له، وفي رواية مسلم: لا ترجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث، وفي رواية أخرى له عن الزهري، فقد قطع قوله حقه، وهي لمن أُعْمِر ولعقبه، فلو قال: إن مت عاد إليَّ أو إلى ورثتي صحت الهبة (١) وألغي الشرط، لأنه فاسد لِإطلاق الحديث، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم، يرون أن العمرى تمليك للرقبة خلافاً لمالك. قال في " الإفصاح " واختلفوا في العمرى فقال أبو حنيفة (٢) والشافعي وأحمد: العمرى تملك الرقبة، فإذا أعمر رجلاً داراً فقال: أعمرتك داري هذه، أو قال: جعلتها لك عمرك أو عمري سواء، قال: المعمر للمعمر هي لك ولعقبك أو أطلق، فإن لم يكن له وارث فلبيت المال، ولا يعود إلى المعمر شيء وقال مالك: هي تمليك المنافع، فإذا مات المعمر رجعت إلى المعمر، وإن ذكر في الإِعمار عقبه رجعت
стр. 1229
إليهم، فإن انقرض عقبه رجعت إلى المعْمرِ، فإن أطلق لم ترجع إليهم، بل إلى المعمر، فإن لم يكن المعمر موجوداً عادت إلى ورثته، وحاصل ما ذكر في العمرى أنها ثلاثة أنواع: إما أن تؤبد كقولك: لك ولعقبك، أو تطلق كقولك: هي لك عمري أو عمرك، وجمهور العلماء على صحة هذين النوعين وأن كلاً منهما هبة مؤبدة، وقال مالك إن أطلقها عادت إليه، وإن أبّدها كانت هبة مؤبّدة، والصورة الثالثة أن يشترط الواهب الرجوع إليه بعد موت المُعْمَرِ فالشرط نافذ صحيح عند جماعة من العلماء (١) منهم الزهري ومالك وداود وأحمد في رواية اختارها ابن تيميّة، وذهب الباقون إلى إلغاء الشرط ولزوم الهبة، واستدل المالكية على رجوع العمرى إلى صاحبها بعد وفاة المعمر بأدلة: منها: ما رواه مالك في " الموطأ " عن نافع أن حفصة كانت قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب دارها ما عاشت، فلما توفيت بنت (٢) زيد قبض عبد الله بن عمر المسكن ورأى أنّه له، والإِسكان معناه هنا العمرى، ومنها: القياس، قال الباجي (٣): ودليلنا من جهة القياس أن تعليق الملك بوقت معين يقتضي تمليك المنافع دون الرقبة لأن تعليق الملك يمنع ملك الرقبة. وأجابوا عن حديث الباب بأن معناه: إذا قال في العمرى هي لك ولعقبك، فإنها لمن وهبت له، لما جاء في رواية " الموطأ " عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: " أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذى يعطاها، لا ترجع إلى الذى أعطاها أبداً لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث " أخرجه مسلم، ومالك في " الموطأ " والأحاديث يفسر بعضها بعضاً. ثالثاً: أن البخاري ذكر في الترجمة " الرُّقبى " مع أنه ليس في الأحاديث التي أخرجها أي ذكر لها، ولكنه يرى أن العمرى والرقبى يرجعان إلى معنى واحد، وهو الهبة المؤبدة، كما
стр. 1230
٧١٩ - "بَابُ الاسْتعَِارَةِ لِلْعَرُوس عِنْدَ الْبِنَاءِ "
٨١٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أنَّهَا دَخَلَ عَلَيهَا أيْمَنُ وعَليْهَا دِرْعُ قِطرٍ ثَمَنُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَقَالَتْ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إلى جَارِيتي انْظرُ إِلَيْهَا فَإِنَّها تُزْهَى أنْ تَلْبَسَهُ في الْبَيْتِ، وَقَدْ كانَ لي مِنْهُنَّ دِرْعٌ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَا كَانَتْ امْرَأة تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا أرْسَلتْ إِليَّ تَستَعِيرُهُ.
ــ
عليه أكثر أهل العلم، وعن الحنفية أن التمليك في العمرى يتوجه إلى الرقبة، وفي الرقبى إلى المنفعة، وقال في " الإِفصاح " (١) قال أبو حنيفة: تبطل الرقبى المطلقة، وصفتها أن يقول: هذه الدار رقبى. اهـ. أما مالك، فإن صفة الرقبى الحائزة عنده أن يقول: هي لك حياتك، قال الزرقاني (٢): فهي جائزة، وهي بهذا التفسير بمعنى العمرى - أي أنها تمليك للمنافع مدة حياة الشخص. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.
٧١٩ - " باب الاستعارة للعروس عند البناء "
٨١٩ - قولها ﵂: " أنه دخل عليها أيمن وعليها درع من قطن ".
معنى الحديث: أن أيمن الحبشي ﵁ راوي الحديث دخل على عائشة ﵂ وعليها ثوب يمني غليظ خشن، فقالت له: إن هذا الثوب الذي تتكَبَّرُ وتتَرَفَّعُ جاريتي أن تلبسه اليوم في البيت كان في ثوب مثله في حياة رسول الله ﷺ (يفتخر) النساء بلبسه في أعراسهن حتى أنه "ما