٧١٧ - " بَابُ لَا يَحِل لِأحَدٍ أنْ يَرْجِعَ في هِبَتِهِ "
٨١٧ - عنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : " لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ الَّذِي يَعُودُ في هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ في قَيْئهِ ".
ــ
٧١٧ - " باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته "
٨١٧ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " ليس لنا مثل السوء " أي لا ينبغي لنا ولا يحل لنا أن نرتضي لأنفسنا مثل السوء، بأن نتصف بتلك الصفة الذميمة التي لا توجد إلا في أخس الحيوانات وأقذرها وهو الكلب " الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه " أي فإن الشخص الذي يرجع في هبته التي يعطيها لغيره، هو كالكلب الذي تسمح له نفسه الدنيئة، وطبيعته القذرة في استرجاع قيئه، فالإنسان الذي يعود في هديته كأنما استعاد قيئه، وزاد أبو داود قال همام: قال قتادة: " ولا نعلم القيء إلاّ حراماً " أي ولا نعلم عودة المرء في قيئه إلا حراماً. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله " ليس لنا مثل السوء ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من الأفعال الذميمة والتصرفات الدنيئة التي تنافي المروءة ولا يرتضيها الطبع السليم أن يرجع المرء في هبته، وقد احتج به الشافعية والحنابلة على تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضها، لأن النبي ﷺ سمى ذلك مثل سوء، وقال: " ليس لنا مثل السوء " أي لا ينبغي لنا ولا يحل لنا أن نتصف بهذه الصفة الذميمة، ولهذا قال ابن بطال: جعل النبي ﷺ الرجوع في الهبة كالرجوع في القيء، وهو حرام، فكذا الرجوع في الهبة. وقال أبو حنيفة: للواهب الرجوع في هبته ما دامت قائمة، وكان الموهوب أجنبياً ولم يعوضه منها لحديث ابن عمر أنّ
стр. 1227
٧١٨ - " بَابُ مَا قِيلَ في الْعُمْرَى والرُّقْبَى "
٨١٨ - عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ:
"قَضَى النبي ﷺ بِالْعُمْرَى أنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ".
ــ
النبي ﷺ قال: " من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها " (١) وأجاب عن حديث الباب بأن التشبيه من حيث أن الرجوع في الهبة أمر ظاهر القبح مروءة وخلقاً لا شرعاً، لأن الراجع في القيء هو الكلب لا الرجل والكلب غير متصف بتحريم أو تحليل.
٧١٨ - " باب ما قيل في العمرى والرقبى "
والعمرى: نوع من الهدية، وهي أن يهب الإِنسان إنساناً آخر شيئاً مدى عمره أي على أنه إذا مات الموهوب له عاد الشيء للواهب، وتكون بلفظ أعمرتك هذا الشيء - أي جعلته لك مدة عمرك، ويسمى القائل مُعْمِراً، والقول له مُعْمَراً، والرقبى: أن يقول لصاحبه أرقبتك داري إن مت قبلي رجعت إليَّ وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك، وسميت رقبى لأنّ كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، قال الحافظ: ترجم البخاري بالرقبى ولم يذكر إلّا الحديثين الواردين في العمرى، وكأنه يرى أنهما متحدا المعنى، وهو قول الجمهور. اهـ.
٨١٨ - قول جابر ﵁: " قضى النبي ﷺ بالعمرى أنها لمن وهبت له ".
معنى الحديث: أن النبي ﷺ حكم في العمرى أنها تكون هبة مملوكة لمن أعمرت له، لا تعود إلى المعمر بحال من الأحوال، وإنما تكون ملكاً للمُعْمَرِ في حياته وملكاً لورثته من بعده. الحديث: أخرجه الستة.
стр. 1228
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية العمرى وجوازها، وصحتها ونفاذها شرعاً، لقوله ﵁: قضى في العمرى، وقضاؤه فيها دليل مشروعيتها وصحتها، وأنها من المعاملات والعقود الشرعية.
قال الحافظ: وذهب الجمهور إلى صحة العمرى إلاّ ما حكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الناس وما روي عن داود، لكن ابن حزم قال بصحتها، وهو شيخ الظاهرية، قال الحافظ: ومنع الرقبى مالك وأبو حنيفة ومحمد، ووافق أبو يوسف الجمهور، وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ موقوفاً العمرى والرقبى سواء، والجمهور على أن العمرى والرقبى جائزان. ثانياًً: أن العمرى تكون هبة مملوكة لمن أعمرت له، ولعقبه من بعده، فمن أعمر بستاناً لشخص فقد وهبه إياه وملكه له ولأولاده من بعده، لأن النبي ﷺ -كما في حديث الباب- قضى بأنها لمن وهبت له، وفي رواية مسلم: لا ترجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث، وفي رواية أخرى له عن الزهري، فقد قطع قوله حقه، وهي لمن أُعْمِر ولعقبه، فلو قال: إن مت عاد إليَّ أو إلى ورثتي صحت الهبة (١) وألغي الشرط، لأنه فاسد لِإطلاق الحديث، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم، يرون أن العمرى تمليك للرقبة خلافاً لمالك. قال في " الإفصاح " واختلفوا في العمرى فقال أبو حنيفة (٢) والشافعي وأحمد: العمرى تملك الرقبة، فإذا أعمر رجلاً داراً فقال: أعمرتك داري هذه، أو قال: جعلتها لك عمرك أو عمري سواء، قال: المعمر للمعمر هي لك ولعقبك أو أطلق، فإن لم يكن له وارث فلبيت المال، ولا يعود إلى المعمر شيء وقال مالك: هي تمليك المنافع، فإذا مات المعمر رجعت إلى المعمر، وإن ذكر في الإِعمار عقبه رجعت
стр. 1229
إليهم، فإن انقرض عقبه رجعت إلى المعْمرِ، فإن أطلق لم ترجع إليهم، بل إلى المعمر، فإن لم يكن المعمر موجوداً عادت إلى ورثته، وحاصل ما ذكر في العمرى أنها ثلاثة أنواع: إما أن تؤبد كقولك: لك ولعقبك، أو تطلق كقولك: هي لك عمري أو عمرك، وجمهور العلماء على صحة هذين النوعين وأن كلاً منهما هبة مؤبدة، وقال مالك إن أطلقها عادت إليه، وإن أبّدها كانت هبة مؤبّدة، والصورة الثالثة أن يشترط الواهب الرجوع إليه بعد موت المُعْمَرِ فالشرط نافذ صحيح عند جماعة من العلماء (١) منهم الزهري ومالك وداود وأحمد في رواية اختارها ابن تيميّة، وذهب الباقون إلى إلغاء الشرط ولزوم الهبة، واستدل المالكية على رجوع العمرى إلى صاحبها بعد وفاة المعمر بأدلة: منها: ما رواه مالك في " الموطأ " عن نافع أن حفصة كانت قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب دارها ما عاشت، فلما توفيت بنت (٢) زيد قبض عبد الله بن عمر المسكن ورأى أنّه له، والإِسكان معناه هنا العمرى، ومنها: القياس، قال الباجي (٣): ودليلنا من جهة القياس أن تعليق الملك بوقت معين يقتضي تمليك المنافع دون الرقبة لأن تعليق الملك يمنع ملك الرقبة. وأجابوا عن حديث الباب بأن معناه: إذا قال في العمرى هي لك ولعقبك، فإنها لمن وهبت له، لما جاء في رواية " الموطأ " عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: " أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذى يعطاها، لا ترجع إلى الذى أعطاها أبداً لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث " أخرجه مسلم، ومالك في " الموطأ " والأحاديث يفسر بعضها بعضاً. ثالثاً: أن البخاري ذكر في الترجمة " الرُّقبى " مع أنه ليس في الأحاديث التي أخرجها أي ذكر لها، ولكنه يرى أن العمرى والرقبى يرجعان إلى معنى واحد، وهو الهبة المؤبدة، كما
стр. 1230
٧١٩ - "بَابُ الاسْتعَِارَةِ لِلْعَرُوس عِنْدَ الْبِنَاءِ "
٨١٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أنَّهَا دَخَلَ عَلَيهَا أيْمَنُ وعَليْهَا دِرْعُ قِطرٍ ثَمَنُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَقَالَتْ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إلى جَارِيتي انْظرُ إِلَيْهَا فَإِنَّها تُزْهَى أنْ تَلْبَسَهُ في الْبَيْتِ، وَقَدْ كانَ لي مِنْهُنَّ دِرْعٌ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَا كَانَتْ امْرَأة تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا أرْسَلتْ إِليَّ تَستَعِيرُهُ.
ــ
عليه أكثر أهل العلم، وعن الحنفية أن التمليك في العمرى يتوجه إلى الرقبة، وفي الرقبى إلى المنفعة، وقال في " الإِفصاح " (١) قال أبو حنيفة: تبطل الرقبى المطلقة، وصفتها أن يقول: هذه الدار رقبى. اهـ. أما مالك، فإن صفة الرقبى الحائزة عنده أن يقول: هي لك حياتك، قال الزرقاني (٢): فهي جائزة، وهي بهذا التفسير بمعنى العمرى - أي أنها تمليك للمنافع مدة حياة الشخص. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.
٧١٩ - " باب الاستعارة للعروس عند البناء "
٨١٩ - قولها ﵂: " أنه دخل عليها أيمن وعليها درع من قطن ".
معنى الحديث: أن أيمن الحبشي ﵁ راوي الحديث دخل على عائشة ﵂ وعليها ثوب يمني غليظ خشن، فقالت له: إن هذا الثوب الذي تتكَبَّرُ وتتَرَفَّعُ جاريتي أن تلبسه اليوم في البيت كان في ثوب مثله في حياة رسول الله ﷺ (يفتخر) النساء بلبسه في أعراسهن حتى أنه "ما
стр. 1231
٧٢٠ - " بَابُ فضلِ المنِيْحَةِ "
٨٢٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ ﵄ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أرْبَعُونَ خَصْلَةً أعْلاهُنَّ مَنِيحَةُ العَنْزِ، ما مِنْ عَامِل يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوابِهَا، وتَصْدِيْقَ مَوْعُودِهَا إلَّا أدخَلَهُ اللهُ بِهَا الْجَنَّةَ ".
ــ
كانت امرأة تُقيَّن" بضم التاء وتشديد الياء المفتوحة أي ما كانت امرأة تلبسُ وتُزَيَّنُ وَتُزَفُّ عروساً لزوجها " إلاّ وأرسلت إليّ تستعيره " لتلبسه في عرسها لما كانوا عليه من التقشف وضيق المعيشة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية إعارة الثياب، واستعارتها، وكذلك غيرها من الحلي والجواهر النفيسة للعروس وغيرها. ثانياًً: ما كان عليه أصحاب رسول الله من فقر وضيق وتقشف في الطعام واللباس والسكنى حتى أن أقل الملابس قيمة كان عندهم من الثياب النفيسة التي يتجملون بها في أعراسهم، ثم إنهم سرعان ما أقبلت عليهم الدنيا حتى إنّه لم ينته القرن الأول الهجري إلاّ وقد أصبحت هذه الملابس يأنف الإماء لبسها في البيوت فضلاً عن السيدات. والمطابقة: في قول عائشة: " ما كان امرأة تُقَيَّنُ إلاّ وأرسلت إلي تستعيره ".
٧٢٠ - " باب فضل المنيحة "
٨٢٠ - قوله ﷺ " أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز ". إلخ.
معنى الحديث: أن هناك أربعين خصلة من خصال الإِيمان والبرِّ والإحسان، ما من مسلم يحافظ على خصلة منها، ويداوم عليها مبتغياً من وراء ذلك رضا الله تعالى، راغباً في ثوابه، موقناً كل اليقين بما وعد الله العاملين
стр. 1232
بها من عظيم المثوبة والأجر، مخلصاً في عمله، إلاّ أدخله الله الجنة مع السابقين الأولين. ومن هذه الخصال إطعام الجائع، وسقي الظمآن، وبدء السلام، وطلاقة الوجه، وستر المسلم، وإعانة المحتاج، والتفسح في المجالس، وتفريج هموم الناس، وإدخال السرور على نفوسهم، وغرس الشجر وعيادة المريض، وقد أخبرنا النبي ﷺ في هذا الحديث عن أفضل هذه الخصال وأرفعها درجة عند الله فقال: " أعلاهن منيحة العنز " أي أفضل هذه الأعمال وأكثرها ثواباً " منيحة العنز " أي إعارة العنز للمسلم ليشرب من لبنها مدة وجود اللبن فيها، فإذا انقطع لبنها أعادها إلى صاحبها.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية منيحة العنز واستحبابها. قال في " المنهل العذب ": والمراد بها ذات اللبن من العنز تعار ليؤخذ لبنها، ثم ترد على صاحبها، ويقاس عليها منيحة الإِبل والبقر، ثانياً: الترغيب في منيحة العنز وكونها من أفضل أعمال الخير التي تبلغ أربعين خصلة، قال في " المنهل العذب ": فقد أبلغها بعضهم أربعين فأكثر منها، وقال ابن المنير، الأولى أن لا يعتنى بعدها لعدم عدِّ النبي ﷺ لها. والمطابقة: في قوله: " أعلاها منيحة العنز ". الحديث: أخرجه البخاري وأحمد وأبو داود.
***
стр. 1233
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الشهادات "
الشهادة: عُرفت بتعريفات كثيرة ترجع أكثرها إلى أن الشهادة هي الإخبار بخبر قاطع عن شيء معين، أي عن صحة ذلك الشيء أو بطلانه وعن وقوعه أو عدمه، بشرط أن يستند ذلك الإِخبار إلى علم يقيني من مشاهدة ومعاينة أو سماع، أو استفاضة فيما يتعذر علمه، فلا يحل لأحد أن يشهد إلّا عن علم يستند إلى ما ذكر. وتصح الشهادة بالاستفاضة عند الشافعية في النسب والولادة والموت والعتق والولاية والوقف والعزل والنكاح والولاية والتعديل والتجريح والوصية والرشد والسن والملك. وقال أبو حنيفة: تجوز في خمسة أشياء النكاح، والدخول، والنسب، والموت، وولاية القضاء.
وقال أحمد وبعض الشافعية: تصح في سبعة: النكاح، والنسب والموت والعتق والولاء والوقف والملك. وشروط الشهادة سبعة: الأول: الإِسلام فلا تجوز شهادة الكافر إلاّ في الوصية أثناء السفر عند أبي حنيفة، وشهادة الذمي على المسلم في الوصية أثناء السفر عند أحمد والشافعي ومالك، وشهادة الكفار بعضهم على بعض عند الحنفية. الثاني: العدالة بحيث لم يجرب عليه الكذب ولا الخيانة ولا الفسق، ولم يتصف بشيء يخل بالمروءة (١). الثالث والرابع: البلوغ والعقل، والخامس: الكلام، وقال مالك: تصح شهادة الأخرس إذا كان له إشارة مفهومة. السادس: الحفظ والضبط، فلا تقبل شهادة كثير النسيان والسهو والغلط. السابع: نفي التهمة، فلا تقبل شهادة المتهم بمحبة أو عداوة، خلافاً للشافعي ولا تقبل شهادة الوالد لولده، ولا الولد لأبيه عند الجمهور، خلافاً لأحمد في رواية.
стр. 1234
٧٢١ - " بَابُ مَا قِيلَ في شَهادَةِ الزُّورِ "
٨٢١ - عَنِ أبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ النبي ﷺ : " ألا أُنَبِّئُكُمْ بَأكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " ثَلاثاً، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: " الإِشْرَاكُ باللهِ، وعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ " وَجَلَسَ، وَكَانَ مُتَّكِئَاً، فَقَالَ: " أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ " فما زَالَ يُكَرِّرُهَا حتى قلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ.
ــ
٧٢١ - " باب ما قيل في شهادة الزور "
٨٢١ - قوله ﷺ : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً ". إلخ الكبائر: جمع كبيرة وهي كل معصية ترتب عليها حد في الدنيا أو عقوبة شديدة في الآخرة. و" ألا " استفهام، وتكرار لسؤال ثلاثاً للمبالغة في تنبيه السامعين إلى إلقاء السمع والإِصغاء لما يلقيه إليهم لأهميته.
ومعنى الحديث: أن النبي حرصاً منه على نجاة أمته وسلامتهم وسعادتهم أراد أن يحذرهم عن أخطر المعاصي وأعظمها عند الله تعالى ليجتنبوها فيسلموا من غضب الله ويسعدوا بطاعته ورضاه، فقال لهم: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً " وإنما وجه إليهم النبي ﷺ هذا السؤال أولاً وكرره عليهم ثلاث مرات، ليوجه أسماعهم إليه، ويحضّر قلوبهم لاستماع ما يلقيه إليهم حتى يكون أشد وقعاً على نفوسهم، وأعظم تأثيراً فيها، ولهذا قال لهم: ألا ترغبون أن أخبركم عن أعظم المعاصي عقوبة عند الله تعالى وكرر هذا السؤال ثلاث مرات " قالوا: بلى يا رسول الله " نريد أن تخبرنا عنها لنتجنبها وننجو من شرها، فأخبرهم أن أكبر الكبائر على الإطلاق ثلاثة أعمال " قال: الإشراك بالله " أي أولها الإِشراك بالله بأن يجعل لله شريكاً في ربوبيته أو ألوهيته أو صفاته، وهو الكبيرة الأولى التي لا تغتفر، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ
стр. 1235
بِهِ) ومن مات عليها كان مخلداً في النار كما قال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ) " وعقوق الوالدين " أي وثانيها عقوق الوالدين. أي الاساءة إليهما بالقول أو الفعل، لأنهما السبب الظاهري في وجود الإِنسان. وقد قرن الله تعالى حقهما بحقه في قوله تعالى: " (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) فالإِساءة إليهما من أعظم أنواع الجحود ونكران الجميل، لأن إحسانهما وفضلهما لا يماثله أي إحسان في هذا الوجود، ولهذا جعل النبي ﷺ عقوق الوالدين من أعظم الكبائر " وجلس وكان متكئاً فقال: " ألا وقول الزور " فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت " أي ولما أراد النبي ﷺ أن يخبر أمته عن المعصية الثالثة التي هي من أكبر الكبائر وهي " شهادة الزور " اعتدل في جلسته بعد أن كان معتمداً على وسادة اهتماماً بما سيقوله من التحذير عنها " فقال: ألا وقول الزور " أي وانتبهوا فإن من أكبر الكبائر شهادة الزور وهي أن تشهد شهادة كاذبة مخالفة للواقع، قال الشرقاوي: وإضافة القول إلى الزور من إضافة الموصوف إلى صفته، والمراد به شهادة الزور، وفي رواية " ألا وقول الزور، وشهادة الزور " والعطف للتأكيد، ومعناه أن قول الزور وشهادة الزور شيء واحد.
" قال: وما زال يكررها " أي يكرر قوله: ألا وقول الزور حتى قلنا ليته سكت " يعني تمنينا سكوته شفقة عليه. الحديث: أخرجه الشيخان وأحمد والترمذي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحذيره ﷺ الشديد لأمته عن شهادة الزور حيث لم يكتف بعدها من أكبر الكبائر، وإنما أضاف إلى ذلك مبالغته ﷺ في الاهتمام بها، فاعتدل في جلسته، وكرر التحذير منها مرات كثيرة حتى قالوا: ليته سكت، وهو ﷺ لم يفعل ذلك إلاّ لشدة خطورتها، وعظم جُرْمِها وسهولة وقوعها، والتهاون بأمرها، وتعدي ضررها، وتطاير شررها حتى قالوا شهادة الزور تقضي على صاحبها في الدنيا
стр. 1236
٧٢٢ - " بَابُ شَهَادَةِ الأعْمَى "
٨٢٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" تَهَجَّدَ النبي ﷺ في بَيْتي فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّي في الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: " يا عَائِشَةُ أصَوْتُ عَبَّادٍ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: " اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّاداً ".
ــ
والآخرة. ثانياًً: أن الذنوب ثلاثة أنواع: صغائر، وكبائر، وأكبر الكبائر كما يدل عليه هذا الحديث: والمطابقة: في قوله " ألا وقول الزور ".
٧٢٢ - " باب شهادة الأعمى "
٨٢٢ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " تهجد النبي ﷺ في بيتي، فسمع صوت عباد يصلي في المسجد " أي فسمع صوت عباد بن بشر ﵁ وهو يتلو القرآن في صلاة التهجد " فقال: يا عائشة أصوت عباد " أي فغلب على ظنه أنه صوت عباد، وأراد أن يتأكد من ذلك، فسأل عائشة عنه قالت: " قلت: نعم " هو صوت عباد " قال: اللهم ارحم عباداً " فدعا له ﷺ بالرحمة الإِلهية التي تقتضي كثرة الإِحسان والإِنعام عليه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز شهادة الأعمى وصحتها اعتماداً على جماعه في كل ما يعرف بالسماع، لأن النبي ﷺ سأل عائشة عن الصوت الذي سمعه هل هو صوت عباد؟ واعتمد على إخبارها بأنه صوته، فدل ذلك على قبول شهادة الأعمى في المسموعات، وبه أخذ مالك وأحمد فقالوا: تجوز شهادته في النكاح والطلاق والبيع والإِجارة والنسب والوقف والإقرار سواء كان تحملها وهو أعمى، أو كان بصيراً ثم عمي، قال ابن القاسم: قلت لمالك: فالرجل يستمع من وراء الحائط، ولا يراه،
стр. 1237
٧٢٣ - " بَاب تعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضهِنّ علَى بَعضٍ: - حَدِيث الإِفْكِ "
٨٢٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" كَانَ رَسول اللهِ ﷺ إذَا أرَادَ أنْ يَخْرجَ سَفَراً أقْرَعَ بَيْنَ أزْوَاجِهِ، فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، فَأقْرَعَ بَيْنَنَا في غَزَاةٍ غزَاهَا، فخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجت مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأنَا أحْمَلُ في هَوْدَج وَأُنزل فِيهِ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ، وَقَفَلَ،
ــ
يسمعه يطلق امرأته فيشهد عليه، وقد عرف الصوت، قال مالك: شهادته جائزة. وقالت الشافعية: لا تقبل شهادته إلاّ في النسب، والموت، والملك المطلق. وقال أبو حنيفة: لا تقبل مطلقاً. ثانياًً: أن الدعاء بالرحمة لا يختص بالأموات. والمطابقة: في كون النبي ﷺ قبل شهادة عائشة أن الصوت صوت عباد وهي لم تره. الحديث: أخرجه البخاري.
٧٢٣ - " باب تعديل النساء بعضهن على بعض: حديث الإفك "
أي هذا باب في بيان تعديل النساء بعضهن لبعض، أي تزكيتهن لبعضهن، والمراد بحديث الإِفك هذا، الحديث الذي تحدثت فيه السيدة عائشة ﵂ عن تلك التهمة الباطلة والإِشاعة الكاذبة التي أشاعها الناس عنها فبرأها الله منها.
٨٢٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين أزواجه " أي أجرى بينهن قرعة، فأيتهن خرج سهمها صحبها معه، " فأقرع بيننا في غزاة " وهي غزوة بني المصطلق في رمضان سنة خمس من الهجرة " فخرج سهمي فخرجت معه " إليها "حتى
стр. 1238
وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ آذَنَ لَيلَةً بالرَّحِيل، فَقمْت حِينَ آذَنوا بالرحِيل فَمَشَيْت حَتَّى جَاوَزْت الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيت شَأنِي أقْبَلْت إِلَى الرَّحْل، فَلَمَسْت صَدْرِي فَإِذا عِقدٌ لي مِنْ جَزْعِ أظَفَارَ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْت فالتمسْت عِقْدِي فحبَسَنِي ابتغَاؤُهُ، فَأقبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلونَ لي، فاحْتَمَلوا هَوْدَجِي، فَرَحَلوه عَلَى بَعِيري الذي كُنْت أرْكَبُ، وَهُمْ يَحْسَبونَ أنِّي فِيه، وكانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافاً لَمْ يَثْقُلْنَ، ولمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْم، وِإنَّما يَأكلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ
ــ
إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل" أي عاد من غزوته، " ودنونا من المدينة " أي اقتربنا منها " آذن بالرحيل " أي أعلن عن رحيله " فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني " أي فلما انتهيت من قضاء حاجتي " فإذا عقد لي من جزع أظفار " بالفتح، الخرز اليماني، اشتهرت بهذه العقود المنظومة من الخرز الأسود الذي فيه عروق بيضاء، " قد انقطع " أي فلما لمست صدري وجدت عقدي هذا قد انقطع " فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه " أي فعدت أبحث عن عقدي فأخّرني التفتيش عنه عن العودة إلى هودجي " فأقبل الذين يُرَحلون " (بضم الياء، وفتح الراء) أي فجاء الذين يشدون رحلي على بعيري " فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه " أي يظنون أنني موجودة داخل الهودج، ولم يشعروا بعدكم وجودي، لأن وجودي أو عدمه لا يؤثر في ثقل الهودج أو خفته بشيء ثم بينت سبب ذلك فقالت: " وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلن " أي كن خفاف الأجسام، لم يثقلهن الشحم الكثير، والسمن الفاحش لأنهن لم يكن يأكلن كثيراً، ولا يتناولن الأطعمة الدهنية الدسمة إلاّ نادراً " وإنما يأكلن العُلقة من الطعام " بضم العين وسكون اللام، وهو القليل من الطعام، حيث كن يرين ثلاث
стр. 1239
الطَّعَامٍِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْم حِينَ رَفَعوة ثِقَلَ الْهَوْدَجِ، فاحْتَمَلوة، وكنْت جَارِيَة حَدِيْثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثوا الْجَمَلَ وَسَاروا، فَوَجَدْت عِقْدِي بَعْدَ ما اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فجِئْت منْزِلَهمْ وَلَيْسَ فِيهِ أحَدٌ، فَأمَمْت مَنْزِلي الَّذِي كُنْت فِيهِ، فَظَنَنْت أنَّهُمْ سَيَفْقِدونَنِي فيَرْجِعونَ إليَّ، فَبَيْنَا أنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْت، وكَانَ صَفْوَان بْن الْمَعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ من وَرَاءِ الْجَيش، فَأصبَحَ عِنْدَ مَنْزلي، فَرَأى سَوَادَ إِنْسَان نَائِم فَأتانِي، وَكَانَ
ــ
أهلة في شهرين، ولا يوقد في بيوتهن نارٌ " فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج " أي لم يلاحظوا خفة وزنه " وكنت جارية حديثة السن " أي صغيرة السن لم أكمل خمسة عشر عاماً " فبعثوا الجمل وساروا "، أي فأوقفوا الجمل وساروا به، وهم يظنون أني بداخله، " فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، أي بعدما قطع الجيش مسافة طويلة، " فجئت منزلهم، وليس فيه أحداً، أي فلما عدت إلى المكان الذي كان فيه الجيش إذا بي أفاجأ برحيلهم، وإذا هو بقعة خالية " فأممت منزلي الذي كنت فيه " أي فقصدت المكان الذي فيه هودجي " وظننت " أي علمت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليَّ " فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي " أي غلبني النعاس، " وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني " بضم السين وفتح اللام، وبالذال المعجمة، وكان صحابياً فاضلاً سأل النبي ﷺ أن يجعله على الساقة، فكان إذا رحل القوم قام يصلي، ثم اتبعهم فمن سقط له شيء أتاه به. أخرجه الطبراني، وكان يتخلف عن الناس فيصيب القدح والجراب والأزواد، فيحمله ويقدم به فيفرقه في أصحابه " من وراء الجيش "، أي يتفقد مخلفاتهم بعد رحيلهم، فيوصلها إليهم " فأصبح عند منزلي " أي فكان في الصباح عند المكان الذي أنا فيه " فرأى سواد إنسان نائم " أي فأبصر شخص إنسان نائم، "فأتاني وكان
стр. 1240
يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ باستِرْجاعِهِ حينَ أناخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِأ يَدَهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكَ عَبْدُ اللهِ بْن أُبَيِّ بْنُ سَلُولٍ، فقدِمْنَا المَدِينَةَ فاشْتَكَيْتُ بها شَهْراً والنَّاسُ يفيضُونَ مِنْ قَوْلِ أصْحَابِ الإِفْكِ، وَيَرِيبُنِي في وَجَعِي أَنِّي لا أرَى مِنَ النَّبيَّ ﷺ اللُّطْفَ الذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أمرَضُ، إِنَّمَا يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ
ــ
يعرفني قبل الحجاب"، أي فلما نظر إليَّ عرف أني عائشة، لأنه كان يعرفني قبل الحجاب، " فاستيقظت باسترجاعه " أي فاستيقظت من نومي على صوته وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، " حين أتاني في راحلته فوطأ يدها " أي داس على يدها ليقعدها " فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة " أي بعد ما نزلوا وقت الظهيرة ليستريحوا " فهلك من هلك " يعني فتورط من تورط في هذه القضية، وخاض في هذه التهمة الباطلة من حديث الإِفك. " وكان الذي تولى الإِفك عبد الله ابن أُبي بن سلول " أي وكان رأس هذه الجماعة الذي تبنى هذه التهمة الكاذبة على عائشة ودعمها وروج لها، وأشاعها هو عبد الله بن أُبي رئيس المنافقين، أما بقية أهل الإِفك فهم كما أفاده النسفي: يزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدوهم " فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهراً "، أي مرضت شهراً " والناس يفيضون في قول أصحاب الإِفك " أي يتحدثون في هذه الإِشاعة الكاذبة قالت: " ويرييني في وجعي أني لا أرى من النبي ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض " أي ومما بعث في نفسي الريبة والشك والإحساس الداخلي بأن هناك أمراً قد حدث، هو هذا التغير في معاملة النبي ﷺ لي حيث لم أعد أجد منه تلك المعاملة
стр. 1241
فَيَقُولُ: كيْفَ تِيْكُمْ، لا أشْعُرُ بِشَيْءٍ من ذلكَ، حتَّى نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ أنَا وأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِع مُتَبَرَّزُنَا، لا نَخْرُجُ إلَّا لَيْلاً إلى لَيْل، وذلكَ قَبْلَ أنْ نَتَّخِذَ الكُنُفُ قَرِيباً مِن بُيُوتِنَا، وأمْرُنَا أمْرُ الْعَرَبِ الأوَلِ في البَرِّيَّةِ أو في التَّنزَهِِ فَأقْبَلْتُ أنَا وأمُّ مِسْطَح بنتُ أبي رُهْم نَمْشِي، فَعَثَرَتْ في مِرْطِهَا، ْ فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٍ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَمَا قُلْتِ: أتَسُبِّينَ رَجُلاً شَهِدَ بَدْراً! فَقَالَتْ: يا هَنْتَاهْ، ألمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا؟ فَأخْبَرَتْنِي بقولِ أهْلِ الإِفْكِ فازْدَدْتُ مَرَضاً إلى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إلى بَيْتي، دَخَلَ عَليَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسلَّمَ، فَقَالَ: كَيفَ تِيْكُمْ، فقُلْتُ: إِئْذَنْ لي إلى
ــ
الرقيقة التي كنت أجدها منه إذا مرضت " ولا أشعر بشيء " أي ولا أعلم بسبب ذلك " حتى نقهت " أي حتى تماثلت للشفاء من مرضي، " فخرجت أنا وأم مسطح قِبل المناصع متبرزنا " (١) وهو موضع شرقي المدينة كانوا يتبرزون فيه " قبل أن تتخذ الكنف " أي قبل أن نتخذ المراحيض " وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه " أي وشأننا في قضاء الحاجة شأن العرب القدامى الذين يتبرزون في الخلاء، لا في البنيان " فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي فعثرت في مرطها " بكسر الميم كساء من صوف " فقالت تعس مسطح " دعت عليه بالتعاسة والخيبة " فقلت بئسما قلت " أي لقد قلت قولاً سيئاً ذميماً، لأن بئس من أفعال الذم " أتسبين رجلاً شهد بدراً!! " استفهام تعجبي إنكاري أي كيف تسبين رجلاً من أهل بدر، وهم الذين أثنى عليهم رسول الله ﷺ ، ووصفهم بالفضل والعاقبة الحميدة. " فقالت: يا هنتاه " أي يا هذه " ألم تسمعي ما قالوا: " من التهمة لك، ثم أخبرتها عما دار حولها من حديث الإفك قالت: " فأخبرتني بقول أهل الإفك "
стр. 1242
أبَوَيَّ، قَالَتْ وَأنَا حِينَئِذٍ أرِيدُ أنْ أسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، فَأذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، َ فَأتَيْتُ أبوَيَّ فَقُلْتُ لأُمِّي: مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي على نَفْسِكِ الشَّأنَ، فَوَاللهِ لقَلَّمَا بهَانَتْ امْرَأة قَط وَضيئَةٌ عِنْدَ رَجُل يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إلَّا أكْثَرْنَ عَلَيْهَا، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا، قَالَتْ: فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَة حَتَّى أصبَحْتُ لا يَرْقَأ لِي دَمْعٌ ولا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أصْبَحْتُ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
أي بما تكلموا به في عرضي. قالت عائشة: " فازددت مرضاً على مرضي " عندما علمت بما قذف الناس في عرضي، " فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله ﷺ فسلم، فقال: كيف تيكم " أي كيف حال تلك يشير إلى عائشة، فسأل عنها بلهجة جافة فاترة، تختلف عن لهجته التي كان يتحدث بها سابقاً مع زوجته الحبيبة " فقلت ائذن لي إلى أبوي، قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر " أي وإنما ذهبت إلى بيت أبي لأتعرّف من أبوي على حقيقة ما دار حولي من حديث الإِفك " فقلت لأمي: ما يتحدث الناس به؟ فقالت: يا بنية هوّني على نفسك الشأن " أي فأرادت أمها " أم رُومَان " تسليتها والتخفيف عنها، فقالت لها: لا تهتمي بالإِشاعة كل هذا الاهتمام، ولا تحزني كل هذا الحزن، وخففي عن نفسك من همومها وأحزانها، فلست أوّل امرأة حسناء قيل عنها ما قيل، بل قلما كانت امرأة جميلة محبوبة عند زوجها لها ضرائر يغرن منها إلاّ تحدثن عنها بما تكره، وهو معنى قولها " لقلما كانت امرأة قط وضيئة " أي جميلة لا عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلاّ أكثرن عليها " أي إلاّ أكثرن عليها الأحاديث بما يسيء إليها " فقلت: سبحان الله " تعجباً مما سمعت " قالت: فبت تلك الليلة لا يرقأ لي دمع " أي فبت تلك الليلة كلها أبكي لا يكف لي دمع وقضيتها كلها ساهرة، لا أذوق طعم النوم
стр. 1243
عَلِيَّ بْنَ أبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْي يَسْتَشِيرهمَا في فِرَاقِ أهْلِهِ، فَأمَّا أسَامَة فَأشَارَ عَلَيْهِ بالَّذِي يَعْلَم في نَفْسِهِ مِنَ الْودِّ لَهمْ، فَقَالَ أسَامَة: أَهلُكَ يَا رَسولَ اللهِ ولا نَعْلَم وَاللهِ إِلَّا خَيْراً، وأمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ يُضَيِّقِ الله "عَلَيْكَ، وَالنِّسَاء سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، فَدَعَا رَسول اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ فَقَالَ: يَا بَرِيرَة هَلْ رَأيْتِ فِيهَا شَيْئاً يرِيبُكِ؟ فَقَالَتْ بَرِيرَة: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ إِنْ رَأيْت
ــ
من شدة ما أقاسيه من الهموم والأحزان، وكنت في حالة نفسية سيئة جداً لهول تلك الصدمة العنيفة التي فاجأتني. وفي رواية أخرى عن أم رومان، أن عائشة قالت لها: سمع رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، وأبو بكر؟ قالت: نعم، فخرت مغشياً عليها، فما أفاقت إلاّ وعليها نافض أي مصحوبة برجفة ورعشة بدنية، وهو ما يسمى " النفاضة " " فدعا رسول الله ﷺ علي بن أيى طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي " أي عندما تأخر الوحي " يستشيرهما في فراق أهله " أي في طلاق عائشة " فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم " أي أما أسامة فتحدث عنهم بما يشعر به نفسياً من المودة لهم " فقال أهلك " أي فقال له: احفظ أهلك " ولا نعلم إلاّ خيراً " أي ولا نعلم عن سيرتها وسلوكها إلاّ الخير والصلاح، وأما علي فقال: يا رسول الله " لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير " وفي رواية قال له مسلياً له، مخففاً من همومه وأحزانه، قد أحل الله لك غيرها وأطاب، طلقها فانكح غيرها، قال ذلك لما رأى ما عنده ﷺ من الغم والقلق " فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: " يا بريرة هل رأيت فيها شيئاً يريبك؟ " أي هل رأيت في سلوكها وتصرفاتها ما يبعث على الشك والريبة فيها؟ " فقالت: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت فيها أمراً أغمصه عليها "
стр. 1244
مِنْهَا أَمْرَاً أغمِصُهُ عَلَيْهَا أكْثَرَ مِنْ أنَّهُّا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنِ الْعَجِين فَتَأتِي الدَّاجِنُ فَتَأكُلَهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلْولَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُل بَلَغَنِي أذَاهُ في أهْلِي، فوَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أهْلِي إِلَّا خَيْراً، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْراً، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أهْلِي إِلَّا مَعِي، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مَعَاذٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أنَا وَاللهِ أعْذِرُكَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مِنَ الأوْس ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أمْرَكَ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُو سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلاً صَالِحاً، وَلكنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ والله لا تَقْتُلُهُ وَلا تَقْدِرُ
ــ
أي ما رأيت منها شيئاً يعيبها " أكثر من أنها جارية حديثة السن " أي فتاة صغيرة السن تغفل عن بعض الأمور " تنام عن العجين، تأتي الداجن فتأكله " أي فتأتي الشاة فتأكله " فقال رسول الله ﷺ : من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي " أي من ينصرني عليه " وقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً " أي وقد اتهموا أهلي برجل صالح، حسن السيرة والسمعة بين الناس " فقام سعد فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه " أي آخذ لك الحق منه " إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك " أي فنفذنا فيه أمرك، وعاقبناه بالعقوبة التي تريدها، " فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً " غير متهم في عقيدته " ولكن احتملته الحمية " أي غلبت عليه الأنفة والعصبية لقبيلته فعارض سعد بن معاذ " فقال: كذبت لَعَمْرُ الله والله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك " لأنه رأى أنه ليس من حق سعد بن معاذ أن يتدخل في أمر يتعلق
стр. 1245
عَلى ذَلِكَ: فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ: كَذَبتَ لَعَمْرُ الله، وَاللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِق تُجادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، فَثَارَ الْحَيَّانِ الأوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، وَسكَتَ وَبَكَيْتُ يَوْمِي لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ولا أكْتَحِلُ بِنَوْم، فأصْبَحَ عِنْدِي أبوَايَ قَدْ بَكَيْتُ لَيلَتَيْنِ ويَوْماً حَتَّى أظُنُّ أنَّْ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبدِي، قَالَتْ: فَبَيْنَما هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وأنا أبْكِي، إذ استأذَنَتِ امْرأةَ بن الأنْصَارِ فأذنتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَكَ إِذ دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَجَلَس وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فِيَّ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ مَكَثَ شَهْراً لا يُوِحَى إلَيْهِ في شَأنِي شَيءٌ، قَالَتْ: فتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ فَإنهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَان كُنْتِ بَرِيْئَةً فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وإنْ كُنْتِ
ــ
بالخزرج، وأن ذلك من اختصاصه هو، أو أن معنى لا تقتله لا تجد إلى قتله سبيلاً لمبادرتنا إلى قتله قبلك كما أفاده في " بهجة النفوس " " فقام أسيد ابن حضير فقال: كذبت لعمر الله لنقتلنه " أي تأكد وتحقق أنه لو أمرنا رسول الله بقتله قتلناه ولا نبالي ما يكون " فإنك منافق تجادل عن المنافقين " ولم يقصد بذلك وصفه بالنفاق حقيقة، وإنما قال ذلك للمبالغة في زجره، ثم إن هذا السباب لا يقام له وزن، لأنه صدر في حالة غضب، والغضب من الشيطان " فثار الحيان حتى هموا " بالقتال " فخفضهم " أي فهدأ النبي ﷺ من غضبهم وثائرتهم " وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم " وقد تقدم شرحه " حتى أظن أن البكاء فالق كبدي " أي حتى غلب على ظني أن البكاء يشق كبدي " فبيما نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ فجلس " أي جلس عندي " ثم قال: يا عائشة لقد بلغني عنك كذا وكذا "
стр. 1246
ألْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِرِي اللهَ وتُوبِي إِلَيْه، فإِنَّ الْعَبْدَ إِذا اعْترفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطرةً، وَقُلْتُ لِأبِي: أجب عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: وَاللهِ ما أدْرِي ما أقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: لأمي أجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، قَالَتْ: واللهِ ما أدْرِي ما أقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَتْ: وأنَا جَارِيَة حَدِيثَةُ السِنِّ لا أقْرَأ كَثِيراً مِنَ القُرآنِ، فَقُلْتُ: إِني وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أنَّكُمْ سَمِعْتُمْ ما يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ، وَوَقَر في أنْفُسِكُمْ، وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِني بَريئَة وَاللهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَبَرِيئَة لَا تُصَدِّقُونِي بذَلِكَ، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بَأمْر، واللهُ يَعْلَمُ أني بَرِيئَة لتصَدِّقُنِّي، واللهِ مَا أجَدُ لِي وَلَكُمْ
ــ
أي لقد أشاع عنك بعض الناس أنك فعلت كذا وكذا مع صفوان بن المعطل " وإن كنت ألممت " أي وإن كنت فعلت ذنباً، واقترفت خطيئة حقاً " فاستغفري الله وتوبي " أي فاعترفي بالذنب واستغفري الله وتوبي إليه " فإن العبد إذا اعترف بذنبه فتاب تاب الله عليه " لأنّ التوبة توجب المغفرة، ويتوب الله على من تاب. " فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي " أي فلما انتهى رسول الله ﷺ من حديثه هذا جف دمعي لهول ما سمعت، وعند ذلك التفت إلى أبويّ استنجد بهم في الدفاع عني " قلت لأبي أجب عني رسول الله ﷺ قال: والله ما أدرى ما أقول " لأن الصدمة النفسية كانت قاسية عنيفة غلبت عليه وعلى تفكيره، وأعجزت لسانه عن الإجابة، فهو في موقف يحار فيه أعظم الرجال ماذا يقول، وبماذا يجيب، إذا نظر هنا وجد رسول الله ﷺ ومقامه فوق كل مقام، وإذا نظر هناك وجد عائشة ابنته الكريمة الشريفة الطاهرة المطهرة تتعرض لهذه التهمة الشنيعة، أمران يحق
стр. 1247
مَثَلاً إِلَّا أبَا يُوسُفَ إِذْ قَالَ (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأنا أرجُو أن يُبَرِّئَنِي اللهُ، وَلَكِنْ واللهِ مَا ظَنَنْتُ أنْ يُنْزِلَ في شَأنِي وَحْياً، ولأنَا أحْقَرُ في نَفْسِي مِنْ أنْ يَتَكَلَّمَ بالْقُرْآنِ في أمْرِي، وَلَكِنِّي كُنْتُ أرْجُو أنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ في النَّوْمِ رُؤيَا تُبَرِّئُنِي، فَوالله مَا رَامَ مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أحَدٌ مِنْ أهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى
ــ
للمرء أن يقول أمامهما لا أدري ما أقول " قالت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن " أي لا أحفظ الكثير منه، ولكنني أفقه معانيه، فقارنت بين حالي وحال يعقوب، فقلت " والله: لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم " أي واستقر حديث الناس في نفوسكم وأثر في قلوبكم " ولئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك "، لأنكم تظنون أني كذبت عليكم خشية العار " والله ما أجد في ولكم مثلاً إلاّ أبا يوسف إذ قال: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) " أي لا يسعني في هذا الموقف إلاّ الصبر والتسليم لأمر الله وانتظار الفرج والبراءة منه ، فهو الذي يبرئني وحده دون غيره، وهو الذي يدافع عني دون سواه " ثم تحولت إلى فراشي وأنا أرجو أن ييرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحياً، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا تبرئني " أي ما كنت آمل أن ينعم الله علي بمثل ما أنعم، وأن يكرمني بمثل هذا التكريم، فينزل الوحي الصريح، والآيات القرآنية التي تتلى على مر العصور في تبرئتي، لأني في نظري أقل شأناً من ذلك، ولكن من تواضع لله رفعه كُلُّ ما كنت آمله وأتوقعه أن يبرئني الله تعالى من هذه التهمة الباطلة برؤيا مناميّة تثبت براءتي فوقع ما هو أعظم من ذلك "فوالله
стр. 1248
أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْىَ فَأخَذَهُ مَا كَانَ يَأخُذُهُ مِنَ البُرحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ في يَوْم شَاتٍ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أنْ قَالَ لِي: يا عَائِشَةُ احْمَدِي اللهَ فَقَدْ بَرَّأكِ الله"، فَقَالَتْ لِي أمِّي: قُومِي إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: لَا وَاللهِ لَا أقومُ إِلَيْهِ، ولا أحْمَدُ إِلَّا اللهَ، فَأنزلَ اللهُ (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) الآيَاتِ، فلمَّا أنزلَ اللهُ هَذَا في بَرَاءَتِي
ــ
ما رام مجلسه" أي ما فارق النبي ﷺ مجلسه " حتى أُنزِلَ عيه الوحي فأخذه ما كان يأخذه " أي فأصابه ما كان يصيبه أثناء نزول الوحي " من البرحاء " أي من ارتفاع الحرارة وشدة العرق " حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان " أي حتى صار العرق يتساقط منه كما تتساقط اللآلىء المتناثرة " في يوم شات " أي حال كونه ﷺ قد حدث له ذلك في يوم شتوي شديد البرودة " فلما سرّي عن رسول الله " بضم السين وكسر الراء المشددة أي فلما انكشف عنه الوحي " وهو يضحك " أي حال كونه ضاحكاً متهلل الأسارير، مشرق الوجه من شدة السرور والفرح ببراءة زوجته الحبيبة الصديقة بنت الصديق ﵂ " فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله ﷺ " أي قومي إليه واشكريه على بشراه لك بهذه البراءة "، " فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلاّ الله " لأنه هو الذي برأني مما نسب إليَّ بقرآن يتلى إلى يوم القيامة، أما أنتم فقد شككتم في أمري " فأنزل الله (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) الآيات " إلى آخر قوله تعالى: (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) فأثبت الله تعالى بالوحي الصريح براءة عائشة حيث قال: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) وسمى الله تلك التهمة الشنيعة " إفكاً " فقال: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ
стр. 1249
قَالَ أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وكانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أثَاثَةَ لِقَرَابتهِ مِنْهُ: وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطحٍ شَيْئَاً أبَدأً بَعْدَ مَا قَالَ لِعَائِشَةَ، فَأَنزلَ اللهُ (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى -إلى قَوْلِهِ- وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فَقَالَْ أبو بَكْرٍ ﵁: بَلَى وَاللهِ إِنِّي لأحِبُّ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إلى مِسْطِحٍ الَّذِي كانَ يُجْرِي عَلَيْهِ، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسأل زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْش عَنْ أمرِي، فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ مَا عَلِمْتِ مَا رَأيتِ، فَقالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أحْمِى سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْراً، قَالَتْ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِيني فَعَصَمَهَا اللهُ بالْوَرَعِ.
ــ
مِنْكُمْ) إعلاناً عن كذبهم وافترائهم فيها، ثم هددهم بالعقوبة عليها في الدنيا والآخرة، حيث قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) " قال أبو بكر الصديق وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه " وذلك أن أم مسطح سلمى كانت بنت خالة أبي بكر الصديق، فغضب وقال: " والله لا أنفق على مسطح شيئاً " بعد ما فعل الذي فعل " فأنزل الله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) " أي لا يحلف أصحاب المال والغنى " أن يؤتوا أولي القربى " أي لا يحلفوا على أن لا يعطوا أقاربهم من أموالهم، لأنهم أساؤوا إليهم، قال تعالى: " (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) " يعني ألا تحبون أن يغفر الله لكم ذنوبكم مقابل عفوكم عنهم " فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه " أي فأعاد إلى مسطح ما كان يعطيه، وكفّر عن يمينه. " فقال: يا زينب ما علمت وما رأيت " أي ما الذي تعلمينه عن عائشة وما هي مرئياتك عنها فيما يتعلق
стр. 1250
بسلوكها " فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري " أي أصون سمعي من أن أقول سمعت ولم أسمع أو بصرى عن أن أقول رأيت ولم أر " فعصمها الله بالورع " أي فمنعها الورع من الوقوع فيما وقع فيه غيرها، وهو خُلقٌ في النفس يمنع صاحبه من الوقوع في المحرمات والشبهات. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وأحمد.
ما يستفاد من الحديث: ويستفاد منه فوائد كثيرة نعجز عن استقصائها ونكتفي ببعضها. أولاً: صحة القرعة بين النساء في السفر وغيره، وبه استدل مالك وغيره في العمل بالقرعة في القسم بين الزوجات في السفر وغيره والعتق والوصايا والقسمة ونحو ذلك، وهو مذهب الشافعي وأحمد وجماهير العلماء. وحكي عن أبي حنيفة إبطالها، وحكي عنه إجازتها، قال العيني (١): وليس المشهور عن أبي حنيفة إبطال القرعة وأبو حنيفة لم يقل ذلك وإنما قال القياس يأباها، لأنه تعليق الاستحقاق بخروج القرعة، وذلك قمار، ولكن تركنا القياس للآثار، وللتعامل الظاهر من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير. ثانياً: جواز الغزو بالنساء، وخدمة الرجال لهن في الأسفار، لقول عائشة فأقبل الذين يُرَحلون لي فاحتملو هودجي. ثالثاً: فضيلة الاقتصاد في الأكل، وعدم الإِسراف فيه صحياً ودينياً، لقول عائشة ﵂ في وصف نساء الصحابة رضوان الله عليهن في العهد النبوي: " وإنما يأكلن العلقة من الطعام ".
رابعاً: أنه يستحب أن يُسَرَّ عَنِ الإِنسان (٢) ما يقال فيه إذا لم يكن في ذكره فائدة كما كتموا عن عائشة ما يدور حولها من إشاعات كاذبة شهراً، ولم تسمعه بعد ذلك إلا بعارض عرض. خامساً: أن المرأة مهما كانت الأسباب لا تذهب إلى بيت أبويها إلاّ بإذن زوجها لأن عائشة ﵂ قالت:
стр. 1251
" فقلت ائذن لي إلى أبوي " فاستأذنته وهي في أسوأ الأحوال بدنياً ونفسياً، وهكذا يجب أن تكون المرأة الصالحة لأن سيرة هؤلاء الأبرار إنما ندرسها لنتأسى بها في حياتنا ونطبقها عملاً في سلوكنا، لا نستعرضها كما تستعرض التحف القديمة الثمينة، حتى إذا ما تحدث أحدٌ عن تطبيقها، قالوا: ذلك عصر وهذا عصر، أين نساؤنا من نساء رسول الله ﷺ ، وأين نحن منه، كلمة حق أريد بها باطل. نعم أين نحن منه في عصمته ومكانته عند ربه، أما في الواجبات والفرائض فإننا يجب علينا أن نتبعه فيها، لأنها يستوي فيها المسلمون جميعاً، لا فرق بين طبقة وطبقة، وكذلك نساؤنا يجب عليهن أن يتبعن أمهات المؤمنين في الواجبات التي لا بد منها، كالحجاب واستئذان الزوج في خروجهن، وطاعة أمره، والمحافظة على ماله وعرضه، هذه كلها واجبات لا يجوز لمسلم أو مسلمة إذا أمر باتباع سيرة المصطفى أو الصحابة أو الأسرة النبوية الكريمة أن يقول: أين نحن من أولئك حتى تطالبنا باتباعهم فالواجب واجب، والحق حق، والفرض فرض في كل قرن وعصر. نعم فيما يتعلق بالفضائل والمستحبات والمندوبات الأمر فيها واسع بعض الشيء، أما الواجبات، أو المحرمات فلا نقاش فيها " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم " هذا هو أساس التشريع الإِسلامي في كل عصر ومصر. سادساً: لُبابُ هذا الحديث وجوهره والعنصر الأساسي فيه هو بيان فضل السيدة عائشة وتبرئتها القاطعة من التهمة الباطلة التي نسبت إليها بوحي صريح منزل على رسول الله ﷺ ، وقرآن يتلى على مر العصور والأزمان يقطع ألسنة المرجفين، ويقضي على إشاعات المغرضين والملحدين، وأدلة براءتها من حديث الباب والآيات المنزلة في شأنها كثيرة، وأهمها ثلاثة الأول: التبرئة الصريحة الحاسمة في قوله تعالى: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) قال البغوي يعنى عائشة وصفوان ذكرهما بلفظ الجمع (١). الثاني: شهادة القرآن لعائشة
стр. 1252
بأنها الطاهرة المطهرة حيث قال فيها (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ) قال ابن كثير أي ما كان (١) الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله ﷺ إلاّ وهي طيبة، لأنه أطيب من كل طيّب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له لا شرعاً ولا قدراً. الثالث: أن الله سمي هذه التهمة الباطلة إفكاً حيث قال: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) والإفك أبلغ الكذب (٢)، وأشنع الافتراء والبهتان الذي لا تشعر به حتى يفجأك. وقد افتخرت عائشة ﵂ بهذه الفضائل التي ميزها الله بها، وأنعم بها عليها، قال البغوى: روي (٣) أن عائشة كانت تفتخر بأشياء أعطتها لم تعط امرأة مثلها، وهي أن جبريل أتى بصورتها في قطعة من حرير، وقال: هذه زوجتك، وأن النبي ﷺ لم يتزوج بكراً غيرها، وقبض رسول الله ﷺ ورأسه في حجرها، ودُفِن في بيتها وكان ينزل عليه الوحي وهو معها في لحافه، ونزلت براءتها من السماء، وأنها ابنة خليفة رسول الله ﷺ وصدِّيقه، وخلفت طيبة ووعدت مغفرة ورزقاً كريماً. سابعاً: ما ترجم له البخاري من جواز تعديل النساء للنساء، وتزكية بعضهن لبعض، لأنّه ﷺ سأل بريرة وزينت عن عائشة فزكتاها، وتحدثتا عن صلاحها وكمال دينها، حيث قالت: زينب والله ما علمت عنها إلّا خيراً. وقالت بريرة: إن رأيت منها أمراً أغمضه عليها، أي ما رأيت منها أمر قبيحاً أعيبها عليه من أجله، وفي رواية أن بريرة لما سئلت عن عائشة قالت: سبحان الله، ما علمت عليها إلا كما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر (٤) وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة حيث قال: بجواز تعديل النساء بعضهن (٥) بعضاً، وقبول تزكية المرأة للمرأة إذا شهد امرأتان ورجل في
стр. 1253
٧٢٤ - " بَاب إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلاً كَفَاهُ "
٨٢٤ - عن أبي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ:
أثْنَى رَجُل عَلى رَجُلٍ ﷺ عِنْدَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: " وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ " مِرَاراً، ثُمَّ قَالَ: " مَنْ كان مِنْكُمْ مَادِحاً أخَاهُ لَا مَحَالَةَ " فَلْيَقُلْ أحْسِبُ فُلاناً واللهُ حَسِيبَهُ، ولا أُزَكِّي عَلى اللهِ أحَداً، أحسِبُهُ كَذَا وَكَذا إنْ كان يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ ".
ــ
قضية، وهو مذهب البخاري، لأن النبي ﷺ سأل بريرة عن حال عائشة ولما أجابت ببراءتها اعتمد النبي ﷺ قولها، فخطب واستعذر من ابن أُبيّ.
وقال مالك والشافعي ومحمد (١) بن الحسن: لا تقبل تزكية المرأة للمرأة، وأجاب القاضي عياض عن حديث الباب بأن قضية عائشة ليست من باب الشهادات، وإنما هي من باب التحقيق الشرعي لإظهار براءة المتهم أو إدانته (٢) والله أعلم. ثامناً: قال ابن بطال: من سَب عائشة ﵂ بما برأها الله تعالى منه يقتل لتكذيبه بالله ورسوله ﷺ . مطابقة الحديث للترجمه: في كونه ﷺ سأل زينب وبريرة عن عائشة فعدلتاها، وزكتاها، فدل ذلك على مشروعية تعديل النساء بعضهن لبعض كما ترجم له - البخاري.
٧٢٤ - " باب إذا زكى رجل رجلاً كفاه "
أي تكفي في تزكية الشاهد المزكي الواحد والمسألة فيها خلاف قوله ﵁: " أثنى رجل على رجل عند النبي ﷺ فقال: ويلك قطعت عنق صاحبك " إلخ.
стр. 1254
معنى الحديث: أن النبي ﷺ جمع رجلاً يثني على رجل آخر ويطريه، ويبالغ في مدحه ويصفه بما ليس فيه، فحذره من ذلك " فقال: ويلك قطعت عنق صاحبك " أي أهلكته وأضررت به، حيث وصفته بما ليس فيه، فربما جره ذلك إلى العجب والغرور والشعور بالكمال، فلا يزداد من الفضائل، فيصبح كالمقطوع الرأس المتوقف عن الحركة، أو كالمشلول العاجز عن العمل.
" ثم قال ﷺ : من كان منكم مادحاً أخاه لا محالة " أي إذا كان لا بد من مدحه لأن المقام يقتضي الثناء عليه اقتضاًء شرعياً كتزكية الشاهد مثلاً " فليقل: أحسب فلاناً والله حسيبه ولا أزكي على الله أحداً، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه "، أي إن كان لا بد من الثناء عليه لمصلحة مشروعة فليقتصر على وصفه بما يعلم فيه من خصال الخير الموجودة، ويقول أثناء وصفه له: أحسبه رجلاً عدلاً، أو صالحاً، أو كريماً مثلاً، أو شجاعاً، أو ماهراً في صنعته إن كان يعلم أن هذه الصفة موجودة فيه، لا أن يثني عليه جزافاً، ثم يقول: " والله حسيبه ولا أزكي على الله أحداً " أي ولا أقطع لأحد بشيء في المستقبل ولا أقطع له بشيء في ضميره، لأنه لا يعلم الغيب إلاّ الله، وإنما أظن أنه على هذه الصفة: والله أعلم به. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وأحمد وابن ماجة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية تزكية المسلم بما يعلم فيه عند الشهادة أو غيرها لقوله ﷺ : " فليقل أحسبه كذا أو كذا إن كان يعلم ذلك منه " أي يصفه بما يعلم عنه دون إسراف في الثناء أو مبالغة فيه. ثانياًً: استدل أبو حنيفة بهذا الحديث على جواز الاكتفاء في التزكية برجل واحدٍ وهو مذهب البخاري كما تدل عليه الترجمة، وبه قال أبو يوسف، وقال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن: لا بد في التزكية من اثنين. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة حسب مفهوم البخاري.
стр. 1255
٧٢٥ - " بَاب إِذَا تسَارَعَ قَوْمٌ في اليَمِينَ "
٨٢٥ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
" أن النبي ﷺ عَرَضَ على قَوْم الْيَمِينَ فأسْرَعُوا، فَأمرَ أن يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ في اليَمِينِ أيُّهُمْ يَحْلِفُ ".
ــ
٧٢٥ - " باب إذا تسارع قوم في اليمين "
٨٢٥ - قوله " إن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين " الخ.
معنى الحديث: أن النبي ﷺ كما أفاده الحافظ تخاصم إليه اثنان تنازعا عيناً ليست في يد واحدٍ منهما، ولا بينة لواحد منهما، وكانت تلك العين في يد شخص ثالث غيرهما، فعرض عليهما النبي ﷺ اليمين، فتسارعا إليه، وبادر كل منهما لأدائه، قال: " فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف " أي فأجرى ﷺ بينهما قرعة، فأيهم خرج سهمه وجه إليه اليمين.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه إذا تداعى رجلان متاعاً في يد ثالث، ولم يكن لهما بينة، أو لكل منهما بينة، وقال الثالث: لا أعلم إن كان هذا المتاع لهذا أو ذاك، فالحكم أن يقرع بين المتداعيين، فأيهما خرجت له القرعة يحلف ويعطى له، وهو قول علي ﵁، وقال الشافعي: يترك في يد الثالث، وقال أبو حنيفة: يجعل بين المتداعيين، وقال أحمد والشافعي في قول: يقرع بينهما في اليمين كقول على. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله " فأمر أن يسهم بينهم ".
***
стр. 1256
٧٢٦ - " بَاب كَيْفَ يسْتَحْلَفُ "
٨٢٦ - عن ابْنِ عمَرَ رَضِيَ الله "عَنْهمَا:
أنَّ النبي ﷺ قَالَ: " مَنْ كَانَ حَالِفَاً فَلْيَحْلِفْ باللهِ أوْ لِيَصْمتْ "
ــ
٧٢٦ - " باب كيف يستحلف "
أي إذا وجهت اليمين إلى أحد الخصمين فبأي شيء يحلف.
٨٢٦ - قوله ﷺ : " من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت " إلخ.
معنى الحديث: هذا الحديث رُوِيَ في هذه الرواية مختصراً من حديث آخر عن ابن عمر ﵄ أنه أدرك عمر بن الخطاب ﵁ في ركب، أي في جماعة راكبين على الإبل أكثر من عشرة " وعمر يحلف بأبيه " فناداهم رسول الله ﷺ : " ألا إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت " بضم الميم، ومعناه من احتاج إلى القَسَم لتأكيد خبر من الأخبار، أو للوصول إلى حقه، أو للدفاع عن نفسه أمام الحاكم الشرعي، فليقسم بالله تعالى، أو بأحد أسمائه وصفاته "، كما كان ﷺ يقول: " لا، ومقلب القلوب " وإلا فليسكت ولا يقسم بشيء من مخلوقات الله أبداً، لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك صريحاً، الحديث: أخرجه الشيخان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه لا يجوز الحلف بغير الله تعالى، وهو ما أجمع عليه أهل العلم، كما أفاده ابن عبد البرّ، وقال الصنعاني: لا يخفى أن الأحاديث واضحة في التحريم لما سمعت، ولما أخرجه أبو داود، والحاكم واللفظ له من حديث ابن عمر أنه قال ﷺ : "من حلف بغير الله كفر " ثانياًً: أن اليمين التي يستحلف بها هي اليمين بالله تعالى، وهي التي توجّه إلى المدعى عليه. والمطابقة: في قوله: " فليحلف بالله ".
стр. 1257
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتابُ الصُّلْحِ "
٧٢٧ - " بَاب لَيْسَ الْكَاذِبُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الناس "
٨٢٧ - عَنْ أمِّ كُلْثُوم بنْتِ عُقْبَةَ ﵂ قَالَتْ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لَيْس الكَذابُ الذي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاس فَيَنْمِي خَيراً، أوْ يَقُولَ خَيْراً ".
ــ
" كتاب الصلح "
والصلح لغة: حسم الخصام بين المتخاصمين، بإنهاء الخلاف بينهم بالوسائل السلمية. وشرعاً: عقد ينهي الخصومة بين المتخاصمين، ويسمى كل منهما مصالحاً، والحق المتنازع عليه مصالحاً عنه، وما يؤديه أحدهما لخصمه بدل الصلح. وهو نوعان: (أ) عام: ويشمل كل اتفاقية بين طرفين متنازعين تؤدي إلى إنهاء النزاع بينهما، سواء كانا زوجين أو متداعيين، فرداً أو جماعة (ب) خاص: وهو الصلح بين المتداعيين أمام الحاكم الشرعي.
وخلاصة القول ما ذكره ابن رشد حيث قال: " واتفق المسلمون على جواز الصلح على الإِقرار، واختلفوا في جوازه على الإنكار، فقال مالك وأبو حنيفة: يجوز، وقال الشافعي: لا يجوز، لأنه منَ أكل أموال الناس بالباطل.
٧٢٧ - " باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس "
٨٢٧ - راوية الحديث: هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط الأموية، أخت عثمان بن عفان لأمه ﵄، أسلمت قديماً، وهاجرت إلى المدينة عام الحديبية، فجاء أخواها يطلبانها من النبي ﷺ فأبى أن يردها إليهما، روت حديثين، أحدهما هذا الحديث.
معنى الحديث: أن الذي يكذب ويخبر بخلاف الواقع ليصلح بين شخصين
стр. 1258
٧٢٨ - " بَابُ قَوْلِ الإمَامِ لأصْحَابِهِ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِح "
٨٢٨ - عن سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵄:
أنَّ أهلَ قُبَاءَ اقْتَتَلُوا حتَّى تَرَامَوْا بالحِجَارَةِ، فأخْبِرَ النبي ﷺ بِذلِكَ
ــ
متنازعين ليس هو الكذاب المذموم شرعاً ما دام يريد أن يصلح بين رجلين من المسلمين، ويزيل ما في قلبيهما من العداوة والبغضاء والكراهية " فينمي (١) خيراً " أي فينقل كلام الخير، ويروي لأحدهما أن صاحبه أثنى عليه ومدحه، وذكره بالأوصاف الجميلة، وهو كاذب في قوله ليقارب بين قلبين متباعدين، ويزيل ما فيهما من نفور ووحشة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: الترغيب في الاصلاح بين الناس، وإزالة الخصومات فيما بينهم، سواء كانت في القضايا المالية، أو في الأحوال الشخصية، أو بين أعضاء الأسرة فإنه مندوب إليه شرعاً.
ثانياً: جواز الكذب للإصلاح بين المتخاصمين بأن ينقل بينهم من كلام الخير ما لم يقولوه ليلين قلوبهم، كما في هذا الحديث، وفي رواية أخرى عن أم كلثوم ﵂ أنها قالت: " لم أسمعه ﷺ يرخص في شيء مما يقول الناس أنه كذب إلا في ثلاث، وهي الحرب، وحديث الرجل لامرأته، والإصلاح بين الناس " أخرجه مسلم والنسائي، وقال آخرون: لا يجوز الكذب مطلقاً، وحملوا الكذب هنا على التورية والتعريض، كمن يقول للظالم: دعوت لك أمس، وهو يريد اللهم اغفر للمسلمين. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في قوله " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ".
٧٢٨ - " باب قول الإِمام: اذهبوا بنا نصلح "
٨٢٨ - معنى الحديث: يحدثنَا سهل بن سعد ﵄ "أن
стр. 1259
فَقَالَ: " اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ (١) بَيْنَهُمْ ".
ــ
أهل دماء اقتتلوا" أي وقعت بينهم خصومة شديدة أدّت إلى الاشتباك بالأيدي والضرب بالحجارة، حتى ترامت أخبارهم إلى النبي ﷺ بالمدينة " فقال: اذهوا بنا نصلح بينهم " أي فخرج إليهم النبي ﷺ في جماعة من أصحابه، وروي في سبب ذلك أن امرأة من الأنصار يقال لها " أم زيد " كان بينها وبين زوجها شيء فحبسنها في عُلِّيَّةِ بيته، فبلغ ذلك قومها، فجاءوا وجاء قومه، واقتتلوا بالأيدي والنِّعال، فأنزل الله تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي بألفاظ مختلفة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث. على مشروعية خروج الإمام عند حدوث النزاع والخصام، وتفاقم الأمر، للإصلاح بين الطرفين المتنازعين، وهو مصداق قوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) قال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار، كانت بينهما مدارأة -أي خصومة- في حق بينهما، فقال أحدهما: لآخذن حقي عنوة لكثرة عشيرته، ودعاه الآخر أن يحاكمه إلى رسول الله ﷺ ، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر بينهما حتى تواقعا وتناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنِّعال والسيوف (٢)، فنزلت هذه الآية. قال أهل العلم: لا يخلو الأمر إما أن يقع البغي منهما جميعاً فالواجب حينئذ السعي بينهما بما يصلح ذات البين، ويؤدي إلى المكافّة والموادعة، فإن لم يصطلحا قوتلا، وإما أن يقع البغي من إحداهما، فالواجب أن تقاتل فئة البغي حتى تكف وتتوب، فإن التحم القتال بينهما
стр. 1260
٧٢٩ - " بَابٌ كَيْف يَكْتُبُ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ فُلانُ بنُ فُلان، وفلانُ بْنُ فلان، وإنْ لَمْ يَنْسُبهُ إلى قبيلَتِهِ أو نسَبِهِ "
٨٢٩ - عنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ:
"اعْتَمَرَ النبي ﷺ في ذِي الْقَعْدَة، فأبَى أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، حتَّى قَاضَاهُمْ علَى أنْ يقيمَ بِهَا ثَلَاَثةَ أيَّامٍ، فَلَمَّا كتبُوا الْكِتَابَ
ــ
لشبهة دخلت عليهما، وكلتاهما عند نفسها محقة، فالواجب إزالة الشبهة فإن أصرتا على القتال، ولم ترجعا إلى الحق، فهما باغيتان يجب قتالهما (١). اهـ. كما أفاده القرطبي في " تفسيره ". والمطابقة: في قوله " اذهبوا بنا نصلح بينهم ".
٧٢٩ - " باب كيف يكتب هذا ما صالح عليه فلانُ بن فلان فلانَ بن فلان "
٨٢٩ - معنى الحديث: يقول البراء ﵁: " اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة " أي خرج ﷺ في شهر ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة إلى مكة معتمراً، " فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة " أي فلما وصل ﷺ الحديبية صده كفار قريش. ومنعوه من دخول مكة، وحالوا بينة وبين العمرة في تلك السنة، فعقد معهم النبي ﷺ صلحاً وهدنة لمدة عشر سنوات على شروط معينة، منها أن يعود إلى المدينة ذلك العام دون عمرة على أن يعتمر من العام القابل، وأن يدخلوا مكة وسلاح كل واحد منهم في قرابه، أي في جعبته، وأن لا يقيم بها أكثر من ثلاثة أيام وهو معنى قوله: " حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام " أي: حتى صالحهم النبي ﷺ على أن يعتمر من العام القابل، ولا يقيم بمكة أكثر من ثلاثة أيام، وأن لا
стр. 1261
كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: لا نُقِرُّ بِهَا، فلوْ نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا مَنَعْنَاكَ، لَكِنْ أنتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُ اللهِ، فَقَالَ: أُنا رَسُولُ اللهِ، وأُنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبدِ اللهِ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ، امْحُ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ: لا واللهِ لا أمْحُوكَ أبَداً، فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكِتَابَ فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، لا يَدْخُلُ مَكَّةَ سِلَاحٌ إلا في القِرَابِ، وأنْ لا يَخْرُجَ مِنْ أهلِهَا بأحَدٍ إِنْ أرادَ أن يَتَّبِعَهُ، وأن لا يَمْنَعَ أحَداً مِنْ أصْحَابِهِ أرادَ أنْ يُقِيمَ بِهَا، فلمَّا دَخَلَهَا ومضى الأجَلُ، أتَوْا
ــ
يأتيه أحد منهم أثناء الهدنة إلا رده إليهم، وأن لا يمنع أحداً من أصحابه يريد الإِقامة بمكة أن يقيم بها، " قال البراء: فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه " أي هذا هو العهد الذي صالح عليه وعقده " محمد رسول الله، فقالوا: لا نقر بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك " أي لو كنا نعلم ونؤمن برسالتك ما منعناك عن البيت، " ولكن أنت محمد بن عبد الله " أي: ولكن الذي نعرفه عنك أنك محمد بن عبد الله - الذي هو اسمك واسم أبيك المعروف عندنا، " فقال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله "، فلا مانع من استبدال هذا بذاك، " ثم قال لعلي: امح رسول الله، فقال: لا والله لا أمحوك " أي لا أمحو عنك صفة الرسالة، فأنت رسول الله حقاً وصدقاً " فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله " أي ما صالح عليه " لا يدخل مكة سلاح إلّا في القراب "، أي إلا في جعبته، " وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه "، وفي رواية وعلى أن لا يأتيك منا رجل هو على دينك إلا رددته إلينا، " وأن لا يمنع أحداً من أصحابه أراد أن يقيم بها " أي بمكة، "فلما
стр. 1262
عَلِيَّاً، فقالُوا: قُلْ لصاحِبِكَ: اخْرُجْ عنَّا فَقَدْ مَضَى الأجَلُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَبِعَتْهُمْ ابنَةُ حَمْزَةَ: يا عَمِّ يا عَمِّ، فَتَنَاوَلَهَا عليُّ ﵁، فأخَذَ بِيَدِهَا، وقَالَ لِفَاطِمَةَ: دونَكِ ابنةَ عَمِّكِ احمِلِيهَا، فاخْتَصَمَ فيها عَلِيٌّ وزيْدٌ وجَعْفَرُ، فقالَ عَلِى: أنَا أحَقُّ بِهَا وهي ابنةُ عَمِّي، وقال جَعْفَرُ: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالتهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أخِي، فقَضَى بِهَا النبي ﷺ لخَالَتِهَا، وَقَالَ: " الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأمِّ " وَقَالَ لِعَلِي: أنتَ مِنِّي وَأنَا مِنْكَ، وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: أشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي، وَقَالَ لِزَيْدٍْ: أنْتَ أخونَا وَمَوْلَانا".
ــ
دخلها ومضى الأجل أتوا علياً، فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا، فقد مضى الأجل "، أي فلما دخلها ﷺ في عمرة القضاء، وانتهت ثلاثة أيام جاءوا إلى علي بن أبي طالب وطلبوا منه أن يبلغ صاحبه بالرحيل، " فتبعتهم ابنة حمزة " بن عبد المطلب واسمها أمامة تريد أن ترحل معهم، " فتناولها علي بن أبي طالب، فأخذها بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك " أي خذيها، " فاختصم فيها علي وزيد وجعفر " وأراد كل واحد منهم أن يأخذها، فأمّا زيد فلأن النبي ﷺ قد آخى بينه وبين حمزة، وأما علي فلأنها ابنة عمه، وأما جعفر فهي بنت عمه وزوجته خالتها. قال البراء: " فقضى النبي ﷺ لخالتها، وقال: " الخالة بمنزلة الأم " أي فحكم النبي ﷺ بحضانتها لخالتها أسماء بنت عميس زوجة جعفر ﵄، لأن الخالة بمنزلة الأم في المحبة " وقال لعلي أنت مني " في النسب والمحبة والأسبقية إلى الإِسلام إلى غير ذلك من الفضائل " وقال لجعفر: أشبهت خلقي " بفتح الخاء وسكون اللام، وهو الصورة الظاهرة " وخلقي " بضم الخاء واللام، وهو الصورة الباطنة من الأخلاق والفضائل " وقال لزيد أنت أخونا ومولانا " أي أخونا
стр. 1263
في الإِسلام وعتيقنا، والولاء لحمة كلحمة النسب.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الصلح مع الكفار، وعقد الاتفاقيات والمعاهدات السياسية والعسكرية. معهم لصالح المسلمين، كما فعل النبي ﷺ في صلح الحديبية حيث صالحهم هذا الصلح الذي كان فتحاً عظيماً للمسلمين على الرغم مما وقع فيه من تنازلات عظيمة ثم إن هذا الصلح كان بأمر إلهي لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، فلا يحق لأحد أن يقول كيف فعل كذا. ثانياًً: أن عقد الصلح يكون بصيغة المصالحة الصريحة كقوله: هذا ما صالح فلان بن فلان فلان بن فلان، وهو ما ترجم له البخاري، أو بما يدل على المصالحة كما في نص الحديث. ثالثاً: جواز المصالحة مع المحاربين لمدة محدودة، وهو ما يسمى في التعبير الحديث بالهدنة المؤقتة، قال العيني: واختلفوا في المدة، فقيل لا تتجاوز عشر سنين، وبه قال الشافعي والجمهور.
رابعاً: قال القسطلاني: واستنبط منه أن الخالة مقدمة في الحضانة على العمة، لأنّ النبي ﷺ قضى بها لخالتها مع وجود عمتها صفية بنت عبد المطلب.
هذا وقد اختلف العلماء في الخالة والأخت أيهما أولى بالحضانة، فقال أبو حنيفة: الأخت من الأم أولى من الأخت من الأب ومن الخالة، والخالة أولى من الأخت من الأب، وقال الشافعي وأحمد: الأخت من الأب أولى من الأخت من الأم ومن الخالة، وقال مالك: الخالة أولى من الأخت مطلقاً.
والأخت من الأم أولى من الأخت من الأب (١). والمطابقة: في قوله " ما قاضي عليه محمد بن عبد الله " الحديث: أخرجه الشيخان.
...
стр. 1264
٧٣٠ - " بَابٌ هلْ يُشِيرُ الإِمَامُ بالصُّلْحَ "
٨٣٥ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" سَمِعَ النبي ﷺ صوْتَ خُصُوم بِالبَابِ، عَالِيةً أصْوَاتُهُمَا، وَإذَا أحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ، وَيَسْتَرْفِقُهُ في شَيءٍ وهُوَ يَقُولُ: واللهِ لا أفْعَلُ، فخرجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أينَ المُتَألِّي علَى اللهِ لا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ؟ فَقَالَ: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ وَلَهُ أيَّ ذَلِكَ أحًّب ".
ــ
٧٣٠ - " باب هل يسير الإِمام بالصلح "
٨٣٠ - قولها: " سمع النبي ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهم " إلخ. معنى الحديث: أن النبي ﷺ سمع صوت خصمين يتنازعان في قضية مالية، وقد ارتفعت أصواتهما حتى وصلت إلى مسامع النبي ﷺ في بيته، فأصغى النبي ﷺ إلى هذه الأصوات، وإذا به يسمع أحد الرجلين " يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء ". أي يطلب منه أن يضع عنه شيئاً من دينه أو يتنَازل " وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله ﷺ فقال أين المتألي على الله أن لا يفعل المعروف؟ " أي أين الحالف بالله على عدم فعل المعروف " فقال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب " أي أنا الذي حلفت، ولكن حيث شفعت فيه فإني أجيبه إلى ما يطلب.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب تدخل الإِمام للإصلاح بين الخصمين، والشفاعة لدى صاحب الحق بالتنازل عن بعض حقه.
الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.
стр. 1265
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الشروط "
الشروط جمع شرط، والشرط شرعاً -كما قال العيني- هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، ولم يكن داخلاً فيه، وقيل: ما يلزم من انتفائه انتفاء المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط. وقد قسم الأصوليون الشرط شرعاً إلى ثلاثة أقسام الأول: شرط مكمل لحكمة المشرع، ملائم لها كاشتراط الرهن، والحميل، والنقد في الثمن، وهذا لا خلاف في صحته.
الثاني: شرط غير ملائم لمقصود الشارع، بل هو على الضد من ذلك، كشرط إسقاط النفقة على الزوجة أو عدم الانتفاع بالبيع، وهذا لا خلاف في بطلانه لقوله ﷺ لعائشة: " ابتاعي فأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام رسول الله ﷺ فقال: ما بال أناس يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة شرط، شرط الله أحق وأوثق " فقد أبطل النبي ﷺ هذا الحديث كل شرط مخالف لأحكام الشريعة، مناقض لمقصود الشارع، فمقصود الشارع مثلاً من البيع الانتفاع بالمبيع، فإذا اشترط البائع عدم الانتفاع فقد ناقض (١) مقصود الشارع، وشرطه فاسد غير نافذ لمناقضته للحكمة التشريعية المقصودة من البيع. ومن أغراض الشارع في النكاح الإِنفاق على الزوجة وكفايتها مؤونة معيشتها، فإذا اشترط الزوج عدم الإِنفاق فقد ناقض غرض الشارع من النكاح، وشرطه باطل، وقس على هذه المسائل غيرها من الشروط. الثالث: الشرط الذي لا يظهر فيه منافاة لمقصود الشارع، ولا ملاءمة له، وهذا ما دام في باب المعاملات فإنه يكتفى فيه بعدم المنافاة، والأصل فيه الجواز حتى يدل الدليل على خلافه.