كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: لا نُقِرُّ بِهَا، فلوْ نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا مَنَعْنَاكَ، لَكِنْ أنتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُ اللهِ، فَقَالَ: أُنا رَسُولُ اللهِ، وأُنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبدِ اللهِ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ، امْحُ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ: لا واللهِ لا أمْحُوكَ أبَداً، فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكِتَابَ فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، لا يَدْخُلُ مَكَّةَ سِلَاحٌ إلا في القِرَابِ، وأنْ لا يَخْرُجَ مِنْ أهلِهَا بأحَدٍ إِنْ أرادَ أن يَتَّبِعَهُ، وأن لا يَمْنَعَ أحَداً مِنْ أصْحَابِهِ أرادَ أنْ يُقِيمَ بِهَا، فلمَّا دَخَلَهَا ومضى الأجَلُ، أتَوْا
ــ
يأتيه أحد منهم أثناء الهدنة إلا رده إليهم، وأن لا يمنع أحداً من أصحابه يريد الإِقامة بمكة أن يقيم بها، " قال البراء: فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه " أي هذا هو العهد الذي صالح عليه وعقده " محمد رسول الله، فقالوا: لا نقر بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك " أي لو كنا نعلم ونؤمن برسالتك ما منعناك عن البيت، " ولكن أنت محمد بن عبد الله " أي: ولكن الذي نعرفه عنك أنك محمد بن عبد الله - الذي هو اسمك واسم أبيك المعروف عندنا، " فقال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله "، فلا مانع من استبدال هذا بذاك، " ثم قال لعلي: امح رسول الله، فقال: لا والله لا أمحوك " أي لا أمحو عنك صفة الرسالة، فأنت رسول الله حقاً وصدقاً " فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله " أي ما صالح عليه " لا يدخل مكة سلاح إلّا في القراب "، أي إلا في جعبته، " وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه "، وفي رواية وعلى أن لا يأتيك منا رجل هو على دينك إلا رددته إلينا، " وأن لا يمنع أحداً من أصحابه أراد أن يقيم بها " أي بمكة، "فلما
стр. 1262
عَلِيَّاً، فقالُوا: قُلْ لصاحِبِكَ: اخْرُجْ عنَّا فَقَدْ مَضَى الأجَلُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَبِعَتْهُمْ ابنَةُ حَمْزَةَ: يا عَمِّ يا عَمِّ، فَتَنَاوَلَهَا عليُّ ﵁، فأخَذَ بِيَدِهَا، وقَالَ لِفَاطِمَةَ: دونَكِ ابنةَ عَمِّكِ احمِلِيهَا، فاخْتَصَمَ فيها عَلِيٌّ وزيْدٌ وجَعْفَرُ، فقالَ عَلِى: أنَا أحَقُّ بِهَا وهي ابنةُ عَمِّي، وقال جَعْفَرُ: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالتهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أخِي، فقَضَى بِهَا النبي ﷺ لخَالَتِهَا، وَقَالَ: " الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأمِّ " وَقَالَ لِعَلِي: أنتَ مِنِّي وَأنَا مِنْكَ، وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: أشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي، وَقَالَ لِزَيْدٍْ: أنْتَ أخونَا وَمَوْلَانا".
ــ
دخلها ومضى الأجل أتوا علياً، فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا، فقد مضى الأجل "، أي فلما دخلها ﷺ في عمرة القضاء، وانتهت ثلاثة أيام جاءوا إلى علي بن أبي طالب وطلبوا منه أن يبلغ صاحبه بالرحيل، " فتبعتهم ابنة حمزة " بن عبد المطلب واسمها أمامة تريد أن ترحل معهم، " فتناولها علي بن أبي طالب، فأخذها بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك " أي خذيها، " فاختصم فيها علي وزيد وجعفر " وأراد كل واحد منهم أن يأخذها، فأمّا زيد فلأن النبي ﷺ قد آخى بينه وبين حمزة، وأما علي فلأنها ابنة عمه، وأما جعفر فهي بنت عمه وزوجته خالتها. قال البراء: " فقضى النبي ﷺ لخالتها، وقال: " الخالة بمنزلة الأم " أي فحكم النبي ﷺ بحضانتها لخالتها أسماء بنت عميس زوجة جعفر ﵄، لأن الخالة بمنزلة الأم في المحبة " وقال لعلي أنت مني " في النسب والمحبة والأسبقية إلى الإِسلام إلى غير ذلك من الفضائل " وقال لجعفر: أشبهت خلقي " بفتح الخاء وسكون اللام، وهو الصورة الظاهرة " وخلقي " بضم الخاء واللام، وهو الصورة الباطنة من الأخلاق والفضائل " وقال لزيد أنت أخونا ومولانا " أي أخونا
стр. 1263
في الإِسلام وعتيقنا، والولاء لحمة كلحمة النسب.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الصلح مع الكفار، وعقد الاتفاقيات والمعاهدات السياسية والعسكرية. معهم لصالح المسلمين، كما فعل النبي ﷺ في صلح الحديبية حيث صالحهم هذا الصلح الذي كان فتحاً عظيماً للمسلمين على الرغم مما وقع فيه من تنازلات عظيمة ثم إن هذا الصلح كان بأمر إلهي لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، فلا يحق لأحد أن يقول كيف فعل كذا. ثانياًً: أن عقد الصلح يكون بصيغة المصالحة الصريحة كقوله: هذا ما صالح فلان بن فلان فلان بن فلان، وهو ما ترجم له البخاري، أو بما يدل على المصالحة كما في نص الحديث. ثالثاً: جواز المصالحة مع المحاربين لمدة محدودة، وهو ما يسمى في التعبير الحديث بالهدنة المؤقتة، قال العيني: واختلفوا في المدة، فقيل لا تتجاوز عشر سنين، وبه قال الشافعي والجمهور.
رابعاً: قال القسطلاني: واستنبط منه أن الخالة مقدمة في الحضانة على العمة، لأنّ النبي ﷺ قضى بها لخالتها مع وجود عمتها صفية بنت عبد المطلب.
هذا وقد اختلف العلماء في الخالة والأخت أيهما أولى بالحضانة، فقال أبو حنيفة: الأخت من الأم أولى من الأخت من الأب ومن الخالة، والخالة أولى من الأخت من الأب، وقال الشافعي وأحمد: الأخت من الأب أولى من الأخت من الأم ومن الخالة، وقال مالك: الخالة أولى من الأخت مطلقاً.
والأخت من الأم أولى من الأخت من الأب (١). والمطابقة: في قوله " ما قاضي عليه محمد بن عبد الله " الحديث: أخرجه الشيخان.
...
стр. 1264
٧٣٠ - " بَابٌ هلْ يُشِيرُ الإِمَامُ بالصُّلْحَ "
٨٣٥ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" سَمِعَ النبي ﷺ صوْتَ خُصُوم بِالبَابِ، عَالِيةً أصْوَاتُهُمَا، وَإذَا أحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ، وَيَسْتَرْفِقُهُ في شَيءٍ وهُوَ يَقُولُ: واللهِ لا أفْعَلُ، فخرجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أينَ المُتَألِّي علَى اللهِ لا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ؟ فَقَالَ: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ وَلَهُ أيَّ ذَلِكَ أحًّب ".
ــ
٧٣٠ - " باب هل يسير الإِمام بالصلح "
٨٣٠ - قولها: " سمع النبي ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهم " إلخ. معنى الحديث: أن النبي ﷺ سمع صوت خصمين يتنازعان في قضية مالية، وقد ارتفعت أصواتهما حتى وصلت إلى مسامع النبي ﷺ في بيته، فأصغى النبي ﷺ إلى هذه الأصوات، وإذا به يسمع أحد الرجلين " يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء ". أي يطلب منه أن يضع عنه شيئاً من دينه أو يتنَازل " وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله ﷺ فقال أين المتألي على الله أن لا يفعل المعروف؟ " أي أين الحالف بالله على عدم فعل المعروف " فقال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب " أي أنا الذي حلفت، ولكن حيث شفعت فيه فإني أجيبه إلى ما يطلب.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب تدخل الإِمام للإصلاح بين الخصمين، والشفاعة لدى صاحب الحق بالتنازل عن بعض حقه.
الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.
стр. 1265
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الشروط "
الشروط جمع شرط، والشرط شرعاً -كما قال العيني- هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، ولم يكن داخلاً فيه، وقيل: ما يلزم من انتفائه انتفاء المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط. وقد قسم الأصوليون الشرط شرعاً إلى ثلاثة أقسام الأول: شرط مكمل لحكمة المشرع، ملائم لها كاشتراط الرهن، والحميل، والنقد في الثمن، وهذا لا خلاف في صحته.
الثاني: شرط غير ملائم لمقصود الشارع، بل هو على الضد من ذلك، كشرط إسقاط النفقة على الزوجة أو عدم الانتفاع بالبيع، وهذا لا خلاف في بطلانه لقوله ﷺ لعائشة: " ابتاعي فأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام رسول الله ﷺ فقال: ما بال أناس يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة شرط، شرط الله أحق وأوثق " فقد أبطل النبي ﷺ هذا الحديث كل شرط مخالف لأحكام الشريعة، مناقض لمقصود الشارع، فمقصود الشارع مثلاً من البيع الانتفاع بالمبيع، فإذا اشترط البائع عدم الانتفاع فقد ناقض (١) مقصود الشارع، وشرطه فاسد غير نافذ لمناقضته للحكمة التشريعية المقصودة من البيع. ومن أغراض الشارع في النكاح الإِنفاق على الزوجة وكفايتها مؤونة معيشتها، فإذا اشترط الزوج عدم الإِنفاق فقد ناقض غرض الشارع من النكاح، وشرطه باطل، وقس على هذه المسائل غيرها من الشروط. الثالث: الشرط الذي لا يظهر فيه منافاة لمقصود الشارع، ولا ملاءمة له، وهذا ما دام في باب المعاملات فإنه يكتفى فيه بعدم المنافاة، والأصل فيه الجواز حتى يدل الدليل على خلافه.
стр. 1266
٧٣١ - " بَابُ الشُّرُوطِ في الْمَهْرِ عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ "
٨٣١ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرِ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ : " أحَقُّ الشروطِ أنْ تُوُفُوا بِهِ ما اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوج ".
٧٣٢ - " بَابٌ إِذَا اشْتَرَطَ في الْمُزَارَعَةِ إذَا شِئْتُ أخرَجْتُكَ "
ــ
٧٣١ - " باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح "
٨٣١ - معنى الحديث: يقول رسول الله ﷺ " أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج " أي أولى الشروط بالوفاء شروط النكاح، سواء تعلقت بالمهر، أو بالنفقة وحسن العشرة، أو غير ذلك، ما لم تكن محظورة، أو منافية لعقد النكاح. الحديث: أخرجه الستة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الشروط التي تشترط في النكاح هي شروط صحيحة واجبة التنفيذ، فما هي هذه الشروط المقصودة والتي تصح شرعاً؟ الشروط ثلاثة أقسام: الأول ما يقتضيه العقد من مقاصد النكاح، كاشتراط المهر، وحسن العشرة، والنفقة، والكسوة، والسكنى، والقَسم، ونحو ذلك، وهذا صحيح يجب الوفاء به اتفاقاً. الثاني: ما يخالف مقتضى العقد، كاشتراط عدم النفقة، أو اشتراطها أن لا يطأها، وهذا الشرط باطل، ويصح العقد عند أكثر أهل العلم، ويبطل عند الشافعي في قول. الثالث: ما لا يقتضيه العقد ولا ينافيه كاشتراطها أن لا يتزوج عليها، فالشرط باطل، والعقد صحيح عند الجمهور، وقال الأوزاعي وأحمد: الشرط صحيح ويجب الوفاء به عملاً بحديث الباب والله أعلم. والمطابقة: كما قال العيني تؤخذ من معنى الحديث.
٧٣٢ - " باب إذا اشترط في المزارعة إذا شئت أخرجتك "
стр. 1267
٨٣٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
"لَمَّا فَدَعَ أهْلُ خَيْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، قَامَ عُمَرُ خَطِيباً فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ علَى أمْوَالِهِمْ، وقَالَ: نُقِرُّكُمْ ما أقَرَّكُمْ اللهُ، وإنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إلى مَالِهِ هُنَاكَ، فعُدِيَ عَلَيْه مِنَ اللَّيْلِ فَفُدِعَتْ (١) يَدَاهُ ورِجْلَاهُ، ولَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُو غَيرَهُمْ، هُمْ عَدُوُّنَا وتُهْمَتُنَا، وقدْ رَأيْتُ إجْلَاءَهُمْ، فَلَمَّا أجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ أتَاهُ أحَدُ بني أبِي الحُقَيقِ فَقَالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أتُخْرِجُنَا وَقَدْ أقَرَّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ ، وعَامَلَنَا على الأمْوَالِ، وشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا؟ فَقَالَ عُمَرُ: أظَنَنْتَ أنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : كَيْفَ بِكَ إذَا أخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ، فقَالَ: كَانَتْ هَذِهِ هُزَيْلَةً مِنْ أبِي القَاسِمِ،
ــ
٨٣٢ - معنى الحديث: أن يهود خيبر غدروا بابن عمر فدفعوه وأسقطوه من مكان عال، فاعوجت يداه ورجلاه، وانقلبت كفاه وقدماه، فخطب عمر ﵁ وأخبر الناس بما وقع لولده من أشخاص مجهولين في خيبر، وأنه ليس له أعداء سوى اليهود فإن التهمة تتوجه إليهم، " وقد رأيت إجلاءهم " يعني إخراجهم من خيبر، " فلما أجمع عمر على ذلك، أتاه أحد بني أبي الحقيق " وهو رئيسهم، " فقال: تخرجنا وقد أقرنا محمد "، أي اتفق معنا على البقاء في خيبر، وعاهدنا عليه، " وعاملنا على الأموال " أي وتعاقد معنا على العمل في مزارع خيبر على طريقة المزارعة والمساقاة، " فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله ﷺ : كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك " أي لا تظن أني نسيت إخبار رسول الله ﷺ
стр. 1268
فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ، فأجْلَاهُمْ عُمَرُ، وأعطَاهُمْ قيمَة مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ وإبلاً وعُرُوضاً مِنْ أقتَابٍ وحِبَالٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ــ
إخراجكم من خيبر حيث قال لك: كيف يكون حالك إذا أخرجت أنت وقومك من خيبر " تعدو بك قلوصك " بفتح القاف أي تسرع بك نياقك، " فقال: كانت هذه هزيلة " (بضم الهاء) أي إنما قال ذلك مازحاً لا جاداً، " فقال: كذبت يا عدوَّ الله. فأجلاهم عمر، وأعطاهم ما كان لهم من الثمر مالاً " الخ أي وأعطاهم قيمة الثمار التي لهم دراهم وإبلاً وأمتعة، " من أقتاب وحبال وغير ذلك " والأقتاب هي جمع قتب وهو ما يوضع فوق ظهر الجمل لوقايته عند الحمل عليه. الحديث: أخرجه البخاري.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه إذا اشترط مالك الأرض في عقد المزارعة أو المساقاة أن يخرج العامل عليها متى شاء كان له ذلك، كما ترجم له البخاري، لأن رسول الله ﷺ قد اشترط ذلك بقوله كما في حديث الباب " نقركم على ما أقركم الله " وفي رواية أخرى للبخاري أنه قال لهم: " نقركم على ذلك ما شئنا " وثانياً: بهذا الحديث أخذ أهل الظاهر، فقالوا بجواز المساقاة على مدة مجهولة خلافاً للجمهور. قال ابن رشد: وأما الوقت الذي هو الشرط في مدة المساقاة فإن الجمهور على أنه لا يجوز أن يكون مجهولاً، وأجاز طائفة أن يكون إلى مدة غير مؤقتة، منهم أهل الظاهر، وعمدةُ الجمهور ما يدخل في ذلك من الغرر قياساً على الإِجارة، والمطابقة: في قوله " نقركم على ما أقركم الله ".
***
стр. 1269
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الوصايا "
الوصايا جمع وصية. والوصية لغة: إيصال شيء لِإنسانٍ ما غائباً أو حاضراً، مالاً أو غيره، فيدخل في ذلك. إيصال السلام والنصيحة والعقاب، والأمر والنهي، والمال والطعام، مأخوذة من وصيته وأوصيته إذا أوصلته إليه.
والوصية شرعاً لها معنيان: (أ) معنى عام (ب) ومعنى خاص.
(أ) فأما الوصية بالمعنى العام: فهي كل ما تقدمه لغيرك لكي ينتفع به، سواء كان علماً أو أدباً أو أخلاقاً أو مالاً، قال القاري: وقد (١) تستعمل الوصية بمعنى النصيحة، ومنه قوله تعالى (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) وقال الحافظ في " الفتح ": " وتطلق على ما يقع به الزجر عن المنهيات، والحث على المأمورات (٢). (ب) وأما الوصية بالمعنى الخاص فإنها تأتي لمعنيين: الأول أن يعين الميت قبل موته وصياً على أولاده القاصرين، يشرف عليهم، ويحفظ لهم أموالهم بعد وفاته. الثاني: أن يهب لإنسان ما عيناً أو ديناً أو منفعة يملكها بعد وفاته، وهي ثابتة بالكتاب والسنة، أمَا الكتاب فقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) حيث جعل الوصية مقدمة على قسمة المواريث. وأما السنة: فإن أول حديث يأتينا يحثُّ على الوصية. ويدخل في النوع الثاني من الوصية ما يهبه الإِنسان بعد وفاته من المال لجهة من الجهات الخيرية كبناء مسجد، أو إنشاء مستشفى، أو غير ذلك من أعمال البر. ومن الملاحظ أن البخاري قد أدخل في كتابه هذا " كتاب الوصايا " جميع أنواع الوصايا، سواء كانت بالمعنى العام أو الخاص حيث نجد فيه كثيراً من المواعظ والزواجر والنصائح البليغة.
стр. 1270
٧٣٣ - " بَابُ الوَصَايَا وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكتوبَة عِنْدَه "
٨٣٣ - عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:
أنَّ النبي ﷺ قَالَ: " مَا حَقُّ امْرِىء مُسْلِم لَهُ شَيْء يُوصِي فِيهِ يَبِيْتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوصِيتُهُ مكْتوبَة عِنْدَهُ ".
ــ
٧٣٣ - " باب الوصايا وقول النبي ﷺ وصية الرجل مكتوبة عنده "
٨٣٣ - قوله ﷺ : " ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي فيه إلخ "
معنى الحديث: قال الشافعي: معناه: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلّا أن تكون وصيته مكتوبة عنده إذا كان له شيء يريد أن يوصي فيه، لأنه لا يدري متى تأتيه منيته، فتحول بينه وبين ما يريد من ذلك. وقوله " يبيت ليلتين " هذا القيد تأكيد لا تحديد، والمعنى لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان، وإن كان قليلاً إلا أن يبيّت وصيته مكتوبة عنده، ولا يكتفي بمجرد الحديث عنها، بل لا بد من كتابتها لضمانها وتوثيقها.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية الوصية لمن له ورثة يخشى ضياعهم، أو مال يريد أن يهب منه بعد وفاته لشخص. قال داود وغيره: الوصية واجبة. اهـ. والذي عليه أكثر أهل العلم أنها إذا كانت بمعنى هبة بعض المال بعد الوفاة لجهة معينة فهي مندوبة، أما إذا كانت لبيان حق متعلق بالذمة، كدين، أو وديعة فهي واجبة. ولا بد من كتابة الوصية مطلقاً لضبطها وضمانها وتوثيقها. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
стр. 1271
٨٣٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي أوفى ﵄:
" أنه سُئِل هلْ كَانَ النبي ﷺ أوْصَى؟ فَقَالَ: لا، فَقِيْلَ لَهُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ، أوْ أمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أوْصَى بِكِتَابِ اللهِ ".
ــ
٨٣٤ - قوله: " أنه سئل هل كان النبي ﷺ أوصى؟ فقال: لا " إلخ معنى الحديث: أن بعض الناس سأل ابن أبي أوفى هل أوصى رسول الله ﷺ في شيء من ماله بعد وفاته؟ فقال: لا، قال النووي: لعله أراد أنه لم يوص بثلث ماله، لأنه لم يترك بعده مالاً، وأما السلاح والبغلة ونحو ذلك فقد أخبر بأنها لا تورث، بل جميع ما يخلفه صدقة، وأما الوصايا بغير ذلك، فلم يرد ابن أبي أوفى نفيها: اهـ. وإنما قصد أنه ﷺ لم يترك مالاً موروثاً حتى يحتاج إلى الوصية " فقيل له: كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بالوصية " أي كيف شرعَ ﷺ للناس الوصية، وأمرهم بها، ولم يفعلها النبي ﷺ وهو إمامنا وقدوتنا، " قال: أوصى بكتاب الله " أي لم يوص بأي وصية مالية، لأنه لا يملك مالاً، ولكنه أوصى لأمته بكنز أعظم من كنوز الدنيا جميعاً وهو القرآن الكريم والسنة النبوية.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الوصية المالية إنما تندب لمن ترك (١) مالاً يحتاج إليه، ولذلك لم يوص النبي ﷺ أي وصية بهذا المعنى، لأنّه لم يترك بعده مالاً موروثاً، وإنما تنحصر وصيته في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وما أعظمها من وصية تتحقق بها سعادة الدنيا والآخرة. أخرج هذا الحديث: الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله " كيف كتب على الناس الوصية ".
стр. 1272
٧٣٤ - " بَابُ الْوَصيَّةِ بِالثلُثِ "
٨٣٥ - عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
لَوْ غَضَّ النَّاسُ إلى الرُّبُع، لأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِير أوْ كَبِيرٌ ".
ــ
٧٣٤ - " باب الوصِية بالثلث "
٨٣٥ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " لو ينقِّص الناس إلى الربع " يحتمل أن تكون " لو " للِتمني، والمعنى: أتمنى أن يُنقِّص الناس في وصاياهم عن الثلث فيكتفوا في الوصية بالربع فقط، ويحتمل أن تكون " لو " شرطية، وجوابها محذوف (١) تقديره لو غض الناس إلى الربع في الوصية لكان أولى وأفضل، " لأن رسول الله ﷺ قال " لسعد بن أبي وقاص لما أراد الوصية: " الثلث " أي الوصية تكون بالثلث ولا تزيد عنه، " والثلث كبير " أي والوصية بالثلث كثيرة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز الوصية بالثلث. قال ابن رشد: " وأما القدر فإن العلماء اتفقوا على أنه لا تجوز الوصية في أكثر من الثلث لمن ترك ورثة. واختلفوا فيمن لم يترك ورثة، وفي القدر المستحب منها هل هو الثلث، أو دونه؟ وإنما صار الجميع إلى أن الوصية لا تجوز في أكثر من الثلث لمن له من وارث لما ثبت عنه ﷺ : أنه ﷺ عاد سعد بن أبي وقاص، فقال له: يا رسول الله قد بلغ مني الوجع ما ترى، ولا يرثني إلا ابنة لي، فأتصدق بثلثي مالي؟ فقال رسول الله ﷺ :
стр. 1273
٧٣٥ - " بَابٌ لا وَصِيةَ لِوَارِثٍ "
٨٣٦ - عنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:
" كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ ما أحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأنثيينِ، وجَعَلَ لِلأبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وجَعَلَ لِلْمَرْأةِ الثمُنَ والربُعَ، وَلِلْزَوْجِ الشَّطر والربُعَ ".
ــ
" لا " فقال سعد. فالشطر، قال: " لا " ثم قال رسول الله ﷺ : " الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " وأما اختلافهم في جواز الوصية بأكثر من الثلث لمن لا وارث له (١) فإن مالكاً لا يجيز ذلك، وكذلك الأوزاعي، واختلف فيه قول أحمد، وأجاز ذلك أبو حنيفة وإسحاق، وهو قول ابن مسعود، وسبب الخلاف هل هذا الحكم خاص بالعلة التي علله بها الشارع؟ أم ليس بخاص؟ وهو أن لا يترك ورثته عالة يتكففون الناس كما قال ﵊، فمن جعل هذا الحكم خاصاً بما فيه هذه العلة وجب أن يرتفع الحكم بارتفاعها، ومن جعل الحكم عبادة -أي حكماً تعبدياً- وإن كان قد علل بعلة أو جعل جميع المسلمين بمنزلة الورثة، قال: لا تجوز الوصية إطلاقاً بأكثر من الثلث. ثانياً: أن الوصية بأقل من الثلث أفضل، وقد قال بهذا كثير من السلف كما أفاده ابن رشد.
والمطابقة: في قوله ﷺ " الثلث، والثلث كثير ".
٧٣٥ - " باب لا وصية لوارث "
٨٣٦ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " كان المال للولد ". أي كان مال الميت كله لولده لا يشاركه فيه زوجة ولا غيرها،
стр. 1274
ولا أب ولا أمّ لا وكانت الوصية للوالدين " أي وكانت الوصية في أوّل الإِسلام مشروعة للأبوين دون الأولاد، " فنسخ الله من ذلك ما أحب " أي فلما نزلت آية المواريث، نسخ الله ما شاء من الأحكام السابقة، فنسخت الوصية للورثة من الوالدين وغيرهم بقوله ﷺ : " لا وصية لوارث " ونُسِخَ أيضاً تخصيص الولد بالميراث دون البنت، وأشركها مع الولد بقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) فجعل لها سهماً، وللولد سهمين، " وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس " أي وفرض لكل واحد من الأبوين السدس عند وجود الولد من الصلب، أو ولد الولد، واحداً، أو متعدداً، فإن كان للميت بنت أو بنت ابن فإن للأم السدس أيضاً لا يزيد ميراثها عنه لوجود الفرع الوارث، وأما الأب فإنه في هذه الحالة يكون له السدس فرضاً وما تبقى عن أصحاب الفرائض تعصيباً، وقد لا يبقى له شيء، فلا يرث إلاّ سدس الفرض، " وجعل للمرأة الثمن " كما أي وفرض للزوجة عند وجود الفرع الوارث ذكراً أو أنثى الثمن كما قال تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) " والربع " أي وفرض للزوجة الربع عند عدم الفرع الوارث ذكراً كان أو أنثى فقال سبحانه: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ) " وللزوج الشطر "، أي وفرض للزوج النصف عند عدم الفرع الوارث ذكراً أو أنثى، فقال سبحانه: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ)، " والربع " عند وجوده فقال: (فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ).
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الميراث كله كان خاصاً بالولد لا يشاركه فيه غيره، ولا يرث معه سواه، فنسخ الله ذلك، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، فأشرك معه البنت في الميراث، فجعل لها سهماً وجعل له سهمين. وأشرك معه الزوجة والزوج أيضاً. ثانياً: أن الأم ترث السدس عند وجود الفرع الوارث ذكراً كان أو أنثى، سواء كان ولداً
стр. 1275
أو بنتاً وولد ولد أو بنت ولد، لقوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ)، وسواء كان واحداً أو أكثر. مثال ذلك: إذا كان للميت بنت، وبنت ابن، وأخت شقيقة، وأم، فللأم السدس لوجود الفرع الوارث وهو البنت، وللبنت النصف، ولبنت الابن السدس (١)، وللأخت الشقيقة الباقي. ويختلف ميراث الأم بحسب اختلاف الأحوال، فترث السدس في حالتين: الأولى عند وجود الفرع الوارث كما تقدم. الثانية عند وجود الأخوة اثنان فصاعداً، ذكوراً أو إناثاً أو مختلفين، وقد أجمع الأئمة الأربعة على أن الأخوين أو الأختين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، خلافاً لابن عباس ﵄، فإنه كان يرى أنه لا يحجبها إلى السدس إلا ثلاثة فأكثر لقوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) واتفق أهل العلم ما عدا ابن عباس ﵄ على أن للأم السدس عند وجود الإِخوة أو الأخوات اثنين فصاعدا أشقاء أو لأب وأم، أو مختلفين. مثال ذلك: إذا خلّف الميت أختين وأماً وعماً. فإن للأختين الثلثين، وللأم السدس فرضاً، وللعم الباقي تعصيباً. وترث الأم الثلث عند عدم الفرع الوارث والأب والإِخوة والزوجين، لقوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) مثال ذلك: إذا خلّف الميت أبوين فقط، فإن للأم الثلث فرضاً وللأب الباقي تعصيباً، لأن الله تعالى قد أضاف المال لهما، ثم جعل للأم الثلث فكان الباقي للأب تعصيباً (٢). وترث الأم ثلث الباقي بعد الفرض إذا كانت مع الأب وأحد الزوجين ولم يكن له إخوة، ولا فرع وارث. مثال ذلك: إذا خلّف الميت أباً وأماً وزوجة، فللزوجة الربع فرضاً، وللأم ثلث ما بقى بعد فرض الزوجة
стр. 1276
فرضاً، وللأب الباقي تعصيباً. ثالثاً: أن الأب يرث السدس إذا كان للميت ولد ذكر، أو ولد ولد واحداً كان أو أكثر، لقوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) ولقوله في حديث الباب: " وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس "، ويختلف ميراث الأب باختلاف الأحوال، فيرث السدس عند وجود الولد. ويكون عصبة فقط عند عدم الفرع الوارث ذكراً كان أو أنثى. مثال ذلك: إذا خلّف الميت أباً وزوجة فقط، فللزوجة الربع فرضاً، وللأب الباقي تعصيباً. ويرث الأب فرضاً وتعصيباً معاً: إذا اجتمع مع إناث الولد - أي إذا كان للميت بنت أو بنات أو بنت ولد أو بنات ولد. فيكون له السدس فرضاً والباقي تعصيباً، مثال ذلك: إذا خلّف الميت أباً وبنتاً فقط، فللبنت النصف فرضاً، وللأب السدس فرضاً والباقي تعصيباً لقوله ﷺ : " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر " متفق عليه، فالأب أولى رجل ذكر بعد الابن وابنه (١).
رابعاً: أن للزوج الربع عند وجود الفرع الوارث " وهو أولاد الميت ذكوراً وإناثاً وإن نزلوا (٢) وله النصف عند عدمه، وللزوجة الثمن عند وجود الفرع الوارث، والربع عند عدمه. خامساً: دل الحديث على أن لا وصية لوارث، قال ابن المنذر: " تبطل الوصية للوارث عند أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم إلى أنّها لا تجوز، ولو أجازها الورثة، وهو قول أهل الظاهر، واتفق مالك (٣) والثوري والكوفيون والشافعي على أن الورثة إذا أجازوا ذلك بعد وفاته لزمهم. والمطابقة: في قوله " كانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ما أحب " الحديث: أخرجه البخاري.
стр. 1277
٧٣٦ - " بَابُ الصَّدَقَةِ عِنْدَ المَوْتِ "
٨٣٧ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَجُل للنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ؟ قَالَ: " أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ، تَأمُلُ (١) الغِنَى وتَخشَى الْفَقْرَ، وَلَا تُمْهِلْ حتى إذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلَان كذَا، ولِفُلَان كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ ".
ــ
٧٣٦ - " باب الصدقة عند الموت "
أي هذا باب يذكر فيه جواز الصدقة، أي الوصية عند الموت وصحتها ونفاذها إذا كانت على الوجه الشرعي الصحيح.
٨٣٧ - معنى الحديث: أن أحد الصحابة سأل النبي ﷺ عن أفضل أوقات الصدقة، وأعظمها أجراً، وأكثرها مثوبة، فقال: " أن تصدّق وأنت صحيح حريص " أي في وقت صحتك، واستكمال قواك الجسمية، حيث يكون قلبك متعلقاً بالمال، حريصاً عليه، متطلعاً إلى تنميته وزيادته، فإذا سارعت إلى الصدقات، في وجوه الخير، وبادرت إلى قضاء ما عليك من الديون وأنت على هذه الحال، كان أفضل لك من أن تمسك مالك في حال صحتك وقوتك، " حتى إذا بلغت الحلقوم " أي حتى إذا دنت المنيّة ووصلت الروح إلى مجرى الطعام وأوشكت على الخروج " قلت: لفلان كذا ولفلان كذا " أي تبرعت من مالك بعد وفاتك لفلان وفلان، " وقد كان لفلان " أي وبينت الدين الذي عليك لفلان ليسدد من تركتك.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي. أولاً: جواز الوصية لأنه
стр. 1278
- ﷺ كما في حديث الباب: لما سئل أي الصدقة أفضل؟ قال: " أن تصدَّق وأنت صحيح حريص، تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا. ثانياًً: أن الوفاء بالدين والمبادرة إلى قضائه في حال الحياة أفضل من وصية الورثة بقضائه بعد الموت، لقوله ﷺ : " ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان " فإن المراد بقوله: " وقد كان لفلان " الإِقرار بالدين كما أفاده الحافظ ﵀. ثالثاً: أن الوصية - كما قال في " تيسير العلام " (١) مشروعة بالسنة وإجماع المسلمين في جميع الأعصار والأمصار، وهي من محاسن الإِسلام حيث جعل لصاحب المال جزءاً من ماله يعود عليه عند الموت، سواء كانت هذه الوصية تبرعاً أو كانت بياناً لدين على الميت، أما الأول: فدليله قوله ﷺ : " حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا " فإن المراد به الوصية، وأما الثاني فدليله قوله ﷺ : " وقد كان لفلان " فإن المراد به الدين كما أفاده الحافظ ﵀. والحاصل أن الوصية في جميع الأوقات مشروعة جائزة نافذة المفعول على شرط أن يكون الموصي كامل الأهلية بالعقل (٢) والبلوغ والحرية والاختيار غير سفيه ولا مغفل، فإن كان صغيراً أو مجنوناً، أو عبداً، أو مكرهاً، أو محجوراً عليه، فلا تصح وصيته ولا تنفذ، وأن يكون الموصى له غير وارث، وإلّا فلا تنفذ الوصية إلاّ برضا الورثة لقوله ﷺ : " لا وصية لوارث " رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، رابعاً: أن الصدقة في الحياة وفي حال الصحة أفضل من الوصية والتبرع بشيء من المال يعود إليه بعد الموت ثوابه وأجره. وهي من لطف الله بعباده ورحمته بهم، ولهذا جاء في بعض الأحاديث القدسية يقول الله تعالى:
стр. 1279
٧٣٧ - " بَاب هَلْ يَدخل الْوَلَد والنِّسَاءُ في الأقَارِبِ "
٨٣٨ - عَنْ أبي هرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَامَ رَسُول اللهِ ﷺ حِينَ أنزلَ الله " (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) فَقَالَ: " يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أو كَلِمَةً نَحْوَهَا، اشْتَروا أنفسَكُمْ لا أغْنِي عَنْكمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يا بَني عَبْدِ مَنَافٍ لا أغْنِي عَنْكمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يا صَفِيَّة عَمَّةَ رَسولِ اللهِ ﷺ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يا فَاطِمَة بِنْتَ محَمَّدٍ سَلِيني مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئَاً ".
ــ
" يا ابن آدم جعلت لك نصيباً من مالك حين أخذتُ بكظَمك لأطهرك (١) به وأزكيك " (٢). الحديث: أخرجه. البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود.
والمطابقة: في قوله " حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت لفلان كذا ".
٧٣٧ - " باب هل يدخل الولد والنساء في الأقارب "
أي إذا أوصى للأقارب ببعض ماله هل يدخل فيهم النساء والأولاد؟
٨٣٨ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ لما نزل عليه قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) وأمره الله تعالى بإنذار عشيرته وأقاربه، سمع الناس وقام فيهم خطيباً على الصفا، فعمم بخطابه أولاً قريشاً كلها وقال: " يا معشر قريش " أي يا جماعة قريش أو يا قبيلة قريش، " اشتروا أنفسكم " أي خلّصوا أنفسكم من عقاب الله بتوحيده، والدخول في دينه، "لا أغني
стр. 1280
عنكم من الله شيئاً" أي فإني لا أدفع عنكم من عذاب الله شيئاً إن لم تؤمنوا به وتوحدوه وتتركوا عبادة آلهتكم الباطلة " يا (١) بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي " أي اطلبي من مالي ما تريدين فإنني لا أبخل به عليك، أما في الآخرة " فإني لا أغني عنك من الله شيئاً " إن لم تؤمني بالله وتوحديه. الحديث: أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من أوصى للأقارب دخل فيهم الذكور والإِناث معاً، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، سواء كانوا من قبل أبيه أو من قبل أمه، وقال أحمد: تدخل الأنثى من قبل الأب خاصة، ولا تدخل الأم ولا ما تفرع منها كما أفاده العيني وأبو المظفر في " الافصاح "، وهو مذهب مالك في رواية، وحاصل مذهب أحمد في أظهر الروايتين عنه " أنه ينظر من كان يصله في حال حياته ينصرف إليه ذلك، وإلَّا فالوصية لقرابته من قبل أبيه، وهم أباؤه وأجداده وأولاده لصلبه وأولاد البنين، وإخوته وأخواته، وأعمامه وعماته، ولا تدخل الأم في ذلك بحال " وهكذا فإنّ الأنثى تدخل في الوصية للأقارب إذا كانت من قبل الأب، أما من كان من قبل الأم فإنه لا يدخل في الوصية عند أحمد مطلقاً، سواء كان ذكراً أو أنثى. أما الآباء والأولاد، فقد اختلف الفقهاء فيهم، فذهب أبو حنيفة إلى عدم دخولهم في الوصية للأقارب، وقال الشافعي وأحمد في أظهر روايتيه: يدخل الآباء والأجداد والأولاد، إلاّ أن أحمد اشترط في ذلك أن لا يكون له من يصله في حال حياته، وإلّا رجعت الوصية إليه خاصة. اهـ. كما أفاده أبو المظفر في " الإفصاح " والعيني في " شرح البخاري " (٢). ثانياً:
стр. 1281
٧٣٨ - " بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُتَوَفَّى فَجْأةً أنْ يَتَصَدَّقُوا عَنْهُ، وَقضَاءِ النُّذُورِ عَن الْمَيْتِ "
٨٣٩ - عنْ عَائِشَةَ ﵂:
أنَّ رَجُلاً قَالَ لِلْنَبِيِّ ﷺ إِنَّ أمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وأرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أفَأتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ تَصَدَّقْ عَنْهَا ".
ــ
أن قرابة النسب من الأنبياء والصالحين لا تنفع الكافر في النجاة من دخول النار. مطابقة الحديث ترجمة أن الحديث بمنزلة الجواب عنها.
٧٣٨ - " باب ما يستحب لمن يتوفّى فجأة أن يتصدقوا عنه وفاء النذور عن الميت "
٨٣٩ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أن رجلاً " قال بعضهم: " هو سعد " بن أبي وقاص ﵁ " قال للنبي ﷺ إن أمي أفتلتت نفسها " بالرفع على أنه نائب فاعل، وبالنصب على أنّه مفعول ثاني، أي بادرتها المنية وماتت فجأة " وأراها لو تكلمت تصدقت " بضم الهمزة أي وأظنها لو تمكنت من الكلام لتصدقت في حياتها، كما جاء في رواية أخرى في الجنائز، قال فيها: " إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت " " فأتصدق عنها؟ قال: نعم تصدق عنها " فأمره النبي ﷺ أن يتصدق عن أمه بعد وفاتها. الحديث: أخرجه الخمسة (١). والمطابقة: في قوله " نعم تصدق عنها ".
стр. 1282
٨٤٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
أنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أمِّي مَاتَتْ وَعَلْيْهَا نَذْرٌ، فَقَالَ: " اقْضِهِ عَنْهَا ".
ــ
٨٤٠ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: " أنّ سعد بن أبي وقاص استفتى رسول الله ﷺ " أي سأل رسول الله ﷺ عن حكم قضاء النذر عن أمه بعد وفاتها " فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر " لم توفه، لوجود بعض الأعذار الشرعية أو لأنها ماتت فجأة، كما يدل عليه الحديث السابق - أما النذر فقد جاء في بعض الآثار أنّه كان عتقاً، وفي بعضها كان صوماً، وفي بعضها صدقة. " فقال: اقضه عنها " أي فأمره النبي ﷺ بقضاء النذر عنها بعد وفاتها. الحديث: أخرجه أيضاً مالك والنسائي بألفاظ مختلفة. والمطابقة: في قوله ﷺ : " اقضه عنها ".
فقه الحديثين: دل الحديثان على ما يأتي: أولاً: أنه يستحب لقريب الميت أن يتصدق عنه، قال الترمذي: وبه يقول أهل العلم (١)، يقولون: ليس شيء يصل إلى الميت إلاّ الصدقة والدعاء. اهـ. أي إن وصول نفعهما إلى الميت مجمع عليه، واختلفوا في العبادات البدنية، كالصوم، والصلاة، وقراءة القرآن، فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها، والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها. اهـ. كما أفاده القاري في " شرح الفقه الأكبر " ونقله عنه في " تحفة الأحوذي " (٢). ثانياً: أن موت الفجأة ليس بمكروه، لأن النبي ﷺ لم تظهر منه كراهة حين أخبره الرجل أن أمه افتلتت نفسها وإن كان مستعاذاً منها، لما يفوت بها من خير الوصية، والاستعداد
стр. 1283
٧٣٩ - " بَابُ الْوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ "
٨٤١ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
أصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أرْضَاً، فَأتَى النبي ﷺ فَقَالَْ: أصَبتُ أرْضاً لم أصبْ مَالاً قَطُّ أنفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأمُرَنِي بِهِ؟ قَالَ: " إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أنّهُ لا يباعُ أصْلُهَا، ولا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ، في الفُقَرَاءِ والْقُرْبَى والرِّقَابِ وفي سَبِيلِ اللهِ والضَّيفِ وابْن
ــ
للمعاد بالتوبة، وغيرها من الأعمال الصالحة، كما أفاده القسطلاني (١). ثالثاً: دل الحديث الثاني على استحباب قضاء النذر عن الميت من صوم أو صدقة أو نحو ذلك وأنه ينفعه ذلك ويبرىء ذمته من ذلك النذر ويسقطه عنه وهو قول الجمهور، وقال الظاهرية يجب قضاء النذر عن الميت تعلقاً بظاهر (٢) الأمر سواء كان مالياً أو غيره. اهـ. والله أعلم.
٧٣٩ - " باب الوقف كيف يكتب "
أراد البخاري بهذه الترجمة بيان مشروعية كتابة الوقف لضبطه وتوثيقه.
٨٤١ - معنى الحديث: أن عمر ﵁ اشترى قطعة أرض من خيبر كما في رواية النسائي: أنه كان لعمر مائة رأس، فاشترى بها مائة سهم من خيبر فجاء إلى النبي ﷺ راغباً في أن يتصدق بها في سبيل الله، لأنها أغلى أمواله وأحبها إلى نفسه، وسأله أن يأمره ﷺ بما يفعل فيها، فعرض عليه النبي ﷺ أن يوقفها على الفقراء والأقارب، وعتق الرقاب وتجهيز الغزاة وإعانة المسافرين حيث " قال: إن شئت حبست أصلها " أي أوقفت الأرض وأصول الشجر الموجودة فيها " لا يباع ولا يوهب ولا يورث " أي فلا يتصرف
стр. 1284
السبيلِ، لا جُنَاحَ على مَنْ وَلِيَهَا أنْ يَأكلَ منها بالْمَعْرُوفِ، أو يُطْعِمَ صَدِيقاً غَيْرَ مُتَمَوِّل فِيهِ.
ــ
أحد في أصلها ببيع ولا هبة ولا ميراث " في الفقراء والرقاب الخ " وتصدقت بها على الفقراء وغيرهم فيكون أصلها موقوفاً غير قابل للتصرف فيه، ويكون الريع والدخل السنوي صدقة، تصرف في الجهات المذكورة " ولا جناح على من وليها " أي ولا حرج على من تولى النظارة عليها " أن يأكل منها بالمعروف " أي أن يأخذ منها بقدر أجرة عمله " أو يطعم صديقاً " من ثمرها " غير متمول فيه " أي غير متملك لها. الحديث: أخرجه الخمسة إلا ابن ماجة بألفاظ.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الوقف والترغيب فيه، وكونه من أفضل الصدقات، ولذلك أشار به النبي ﷺ على عمر، فقال له ﷺ : " إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها " الخ وذلك لأن الوقف يدخل في الصدقة الجارية التي يستمر بها عمل العبد، ويتجدد ثوابه بعد وفاته، لأن العلماء قد فسروا الصدقة الجارية بالوقف، وكان أول وقف في الإِسلام كما أخرجه ابن أبي شيبة وأشار الشافعي إلى أنه من خصائص الإسلام، ولا يعرف في الجاهلية، وهو لغة الحبس، وشرعاً: حبس مال يمكن الانتفاع به على مصرف مباح مع بقاء عينة، وقطع التصرف في رقبته كما أفاده الصنعاني. وقال بعضهم: هو حبس الأصل وتسبيل الثمرة، أي وصرف منافعه فِي الأقارب ويسمّى بالوقف الأهلي (١)، أو في جهة من جهات الخير ويسمّى بالوقف الخِيري. ثانياًً: مشروعية كتابة الوقف في كتاب يكتب فيه هذه الشروط المذكورة، وغيرها من الشروط المشروعة، والجهة الموقف عليها، كما فعل عمر ﵁. ثالثاً: مشروعية تعيين ناظر للوقف بأجر
стр. 1285
٧٤٠ - " بَابُ قَولِ اللهِ تعَالَى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) إلى قوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) "
ــ
معين، ونسبة محددة يتقاضاها من غلته، لقوله في حديث الباب: " ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف " ولقوله ﷺ كما في حديث أبي هريرة: " ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: " كما قال العيني في قوله. " إن شئت حبست أصلها " الخ.
٧٤٠ - " باب قول الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ... ) "
معنى هذه الآية: أن الله جلّت حكمته، شرع لعباده الوصية في الحضر، وأكدها في هذه الآية في السفر حفظاً لحقوق الناس، فقال: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " الخ أي أن الله أمر المسافر إذا أحس بدنو أجله أن يوصي ويشهد على وصيته عدلين من المسلمين إن وجدا، وإلّا أشهد اثنين كافرين ويدفع لهما ما معه من مال ليوصلاه إلى ورثته قال تعالى: " فيقسمان بالله إن ارتبتم " أي فإن شك الورثة في الرجلين فإنهما يوقفان، ويستحلفان بعد العصر أنّهما ما كذبا، ولا خانا قائلين " لا نكتم شهادة الله إنا إذن لمن الآثمين " فإذا ظهرت بعد ذلك خيانتهما، كما قال تعالى: " (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) " أي فإن ظهر كذبهما في يمينهما وشهادتهما، ردت اليمين إلى ورثته، فيقوم رجلان من أوليائه وورثته فيقسمان
стр. 1286
٨٤٢ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
" خَرَجَ رَجُل مِنْ بَنِي سَهْم مَعَ تَمِيم الدَّارِي وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فماتَ السَّهْمِي بأرْضٍ لَيْسَ بها مُسْلِم، فَلَمَّا قَدِمَا بتَرِكَتِهِ فَقَدوا جَاماً مِنْ فِضَّةٍ مخَوَّصاً مِنْ ذَهَبٍ، فأحْلَفَهمَا رَسولُ اللهِ ﷺ ، ثمَّ وجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيم وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلانِ مِنْ أوْلِيَاءِ السَهْميِّ فحلَفَا لَشَهَادَتنَا أحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وِإنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) ".
ــ
بالله إنه قد كان معه كذا وكذا، وأن شهادتهما ويمينهما على ذلك أحق وأصدق من شهادة الذين حضروا الوصية التي شرعها الإِسلام في قوله: " ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها " أي إنما أمركم الله بما أمرم به، لاتخاذ أقوى الوسائل التي تدفع الشهود إلى الصدق في شهادتهم خوفاً من الفضيحة، وتهمة الخيانة.
٨٤٢ - معنى الحديث: أن " بزيل السهمي " بضم الباء وفتح الزاي وفي رواية " بديل " بضم الباء وفتح الدال سافر مع تميم الداري وعدي بن بَدَّاءٍ، فمات غريباً بأرض ليس فيها أحد من المسلمين، فلما حضرته الوفاة، أوصى بمتاعه وماله لأهله وأشهد على ذلك هذين الرجلين، ودفع إليهما ما كان معه من مال ومتاع، ليوصلاه إلى ورثته، فلما قدما بتركته على أهله وورثته وتفقدوها، وجدوا أن هناك كأساً فضياً مزخرفاً بالذهب، مثبتاً في وصية الميت بخط يده غير موجود في التركة، فطالبوهما به، فأنكرا، فاحتكموا إلى رسول الله ﷺ ، وكان عدي وتميم قد أسلما، فاستحلفهما رسول الله ﷺ أنهما لم يجدا الكأس المذكورة في تركته، فحلفا، ثم وجد الكأس بمكة
стр. 1287
عند بعض الناس، فلما سئلوا عنه أجابوا بأنهم اشتروه من تميم وعدي، وظهرت خيانتهما، وهو معنى قوله في الحديث: " ثم وجد الجام بمكة، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي " عند ذلك قام رجلان من أقارب الميت، فشهدا وأقسما على أن هذه الكأس هي كأس الميت المفقودة، وأن شهادتهما ويمينهما أصدق من شهادة الرجلين ويمينهما، فنزلت الآية المذكورة. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: سبب نزول الآية الكريمة، وهو ما تضمنته هذه القصة المذكورة في الحديث، وهذا ما ترجم له البخاري. ثانياًً: تأكيد الوصية والإِشهاد عليها في السفر. ثالثاً: تكليف الشاهدين باليمين عند ارتياب الورثة فيقسمان بالله قائلين " نقسم بالله على كذا، وعلى أننا لم نكتم شهادة الله إنا إذن لمن الآثمين. رابعاً: أنه إذا ظهر ما يدل على خيانتهما، ردت اليمين إلى أقرب الورثة، " فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وما اعتدينا، إنا إذن لمن الظالمين. خامساً: قال الحافظ: استدل بهذا الحديث على جواز شهادة الكفار بناءً على أن المراد بالغير الكفار، وبذلك قال أبو حنيفة ومن تبعه، وخص جماعة القبول بأهل الكتاب وبالوصية، منهم ابن عباس والأوزاعي والثوري وأبو عبيد وأحمد وهؤلاء أخذوا بظاهر الآية، وحديث الباب والله أعلم. والمطابقة: في كون القصة المذكورة سبباً في نزول هذه الآية.
***
стр. 1288
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الجهاد والسير "
للجهاد معنيان (أ) جهاد أصغر وهو مكافحة النفس والشيطان (ب) وجهاد أكبر وهو مقاتلة الكفار إعلاءً لكلمة الله تعالى، ونشراً لدينه وهل الجهاد أفضل أو طلب العلم أفضل مسألة اختلف فيها العلماء؟ قال في " فيض الباري ": واعلم أن شغل العلم أفضل الأشغال عند أبي حنيفة ومالك، وعند أحمد الجهاد أفضل، كذا في " منهاج السنة " لابن تيمية، وفي كتاب السفاريني: عند أحمد رواية نحو أبي حنيفة ومالك، وهذا كله إذا لم يكن الجهاد فرض الوقت، لأن الكلام في باب الفضائل دون الفرائض ". اهـ.
وأما السير: فإن المراد بها هنا أبواب الجهاد أيضاً لأنها متلقاة من سيرة النبي ﷺ كما أفاده القسطلاني. هذا وقد شرع الجهاد، في السنة الثانية من الهجرة، حيث نزل قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). وحكمه في الأصل فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، حيث قال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) فإن الآية تدل على أن الجهاد ليس فرضاً عينياً واجباً على كل فرد من المسلمين، إنما هو فرض كفائي، يجب أن يقوم به طائفة من المسلمين، فإذا قامت به سقط وجوبه عن بقيتهم، ومما يؤكد ذلك ما رواه الكلبي عن ابن عباس ﵄ أن الله تعالى لما شدد على المتخلفين (١) قالوا: لا يتخلف منا أحد عن جيش أو سرية أبداً، ففعلوا ذلك، وبقي رسول الله ﷺ وحده، فنزل قوله تعالى: (وَمَا كَانَ
стр. 1289
٧٤١ - " بَابُ فضلِ الْجِهَادِ والسيرِ "
٨٤٣ - عَنْ أبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ:
جَاءَ رَجُل إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي على عَمَل يَعْدِلُ الْجِهَادَ، قَالَ: " لا أجِدُهُ: قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ ولا تَفْتُرَ (١)، وتَصُومَ ولا تفْطِرَ، قَالَ: ومَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ ".
ــ
الْمُؤْمِنُونَ) الآية، ولكن هناك ظروف خاصة يتعين فيها الجهاد على كل مسلم، وذلك إذا هاجم العدو البلد الذي يقيم به المسلمون فإنّه يجب عليهم جميعاً أن يخرجوا لقتاله، وكذلك إذا استنفر الحاكم أحداً من المكلفين لقوله ﷺ : " وإذا (٢) استنفرتم فانفروا ".
٧٤١ - " باب فضل الجهاد والسير "
٨٤٣ - معنى الحديث: أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ سأل النبي ﷺ أن يدله على عمل يساوي الجهاد في منزلته وقدره، وعظم أجره ومثوبته، فقال له النبي ﷺ : لا أجد عملاً يماثل الجهاد أو يساويه، لأن رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا كما في الحديث الصحيح " والروحة يروحها أحدكم في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها. وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها " ثم قال ﷺ : هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك وتعتكف فيه للعبادة دائماً، فتقوم في الصلاة دون انقطاع، وتواصل الصوم دون إفطار، إذا كان هذا ممكناً فإنه هذا وحده هو الذي
стр. 1290
٧٤٢ - "بَابُ أفضلَِ النَّاسِ مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبِيلِ اللهِ "
٨٤٤ - عَنْ أبي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ:
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أيُّ النَّاسِ أفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ " قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " مُؤْمِن في شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ ".
ــ
يعدل الجهاد، عند ذلك قال الرجل: " ومن يستطيع ذلك " يعني ومن يستطيع مواصلة الصلاة والصيام دائماً وأبداً لا شك أن ذلك أمر فوق مقدور البشر. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى وهو ما ترجم له البخاري. ثانياًً: أن الأعمال قسمان: مقاصد كالحج والصلاة، ووسائل، وأفضلها إطلاقاً الجهاد، لأنه وسيلة إلى إعلاء الدين. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة.
٧٤٢ - " باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله "
٨٤٤ - معنى الحديث: أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ سأل النبي ﷺ أي الناس أفضل إيماناً، وأعلى درجة، وأعظم مثوبة وأجراً عند الله تعالى، فأجابه ﷺ : أن أفضل المؤمنين رجل مؤمن قام بما يجب عليه نحو دينه وأدى حقّ الله عليه، ثم جاهد بنفسه وماله لِإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، فقال بعض الصحابة: ثم من؟ أي من يليه في الأفضلية، فأجاب ﷺ : بأنه يليه في الأفضلية رجل مؤمن رأى فساد المجتمع وانتشار المنكرات فيه، وشعر بأنه لا يستطيع أداء شعائر دينه، وخاف الفتنة، فاعتزل الناس، فعاش في شعب من الشعاب " وهو ما انفرج بين الجبلين " والمراد أنه ابتعد عن الناس ليسلم من شرهم وفتنتهم حيث يتقي الله ويتمكن من طاعته وعبادته،
стр. 1291
٨٤٥ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَثَلُ الْمُجَاهِدِ في سَبيلِ اللهِ -واللهُ أعلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ في سَبِيلِهِ- كَمَثَل الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ في سَبِيلهِ بأنْ يَتَوَفَّاهُ أنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أو يَرْجِعَهُ (١) سَالِماً مَعَ أجرٍ أوْ غَنِيْمَةٍ ".
ــ
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلاّ أن يهرب بدينه من شاهق إلى شاهق " أخرجه البيهقي. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
٨٤٥ - معنى الحديث: أن المجاهد في سبيل الله لِإعلاء كلمة الله ونصرة دينه يساوي ويماثل القائم الدائم القيام، والصائم الدائم الصيام الذي لا يفتر ولا ينقطع عن صلاته وصيامه طول حياته، كما في رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة، أخرجه مسلم. وإنما كان المجاهد كذلك لأنه لا تفوته ساعة دون أجر كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) وقوله ﷺ : " والله أعلم بمن يجاهد في سبيله " جملة اعتراضية معناها: ولا يعلم بالمجاهد الحقيقي إلاّ الله تعالى، لأنه وحده هو المطلع على نيته، " وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالماً مع أجر وغنيمة " أي ضمن له إحدى الحسنيين، الشهادة والجنة، أو العودة بالسلامة والأجر والغنيمة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
стр. 1292
٧٤٣ - " بَابُ الغدوَةِ (١) والرَّوْحَةِ في سَبيلِ اللهِ "
٨٤٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لقَابُ قَوْسٍ في الْجَنَّةِ خَيْر مما تَطْلُعُ عليه الشَّمْسُ وتَغْرُبُ " وقالَ: " لَغَدْوَةٌ أوْ رَوْحَةٌ في سبيلِ اللهِ خَيْرٌ مما تَطْلَعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ ".
ــ
والمطابقة: في قوله " يدخله الجنة " الخ
فقه الحديثين: دل الحديثان على ما يأتي: أولاً: أن أفضل المؤمنين من أضاف إلى إيمانه الجهاد في سبيل الله. ثانياً: أن المجاهد لِإعلاء كلمة الله يساوي العابد الدائم العبادة طول حياته، الذي لا يفتر عن الصيام والقيام في فضله، ويزيد عليه بأن الله ضمن له الجنة أو العودة بأجر وغنيمة. ثالثاً: فضل العزلة عند تفاقم الفتن والخوف على الدين منها.
٧٤٣ - " باب الغدوة والروحة في سبيل الله "
٨٤٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب " أي لو خير المجاهد بين الفوز بجزءٍ يسير من الجنة لا تزيد مساحته على طول قوس واحد، أو امتلاك هذه الدنيا وما تصل إليه أشعة الشمس من رحابها وكائناتها العلوية والسفلية لاختار هذا الجزء اليسير من الجنة، وفضله على الدنيا بأسرها، ثم قال ﷺ : " ولغدوة أو روحة في سبيل الله خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب " أي مشاركة يسيرة في الجهاد أوّل النهار أو آخره يزيد ما يفوز به صاحبها من النعيم الأخروي على ما يفوز به من يمتلك الدنيا كلها بما فيها من كنوز ونفائس وذخائر،
стр. 1293
٧٤٤ - " بَاب من يُجْرَحُ في سَبِيلِ اللهِ "
٨٤٧ - عَنْ أبي هرَيرةَ ﵁:
أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " والَّذِي نَفْسِي بِيَده لا يكْلَمُ أَحَدٌ في سَبِيلِ اللهِ -وَالله أَعْلَم بِمَنْ يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ- إلَّا جَاء يَوْمَ الْقِيَامَةِ والَّلْون لَوْن الدَّمَ والرِّيْحُ رِيْحُ الْمِسْكِ " (١).
ــ
أو يزيد ثواب هذه المشاركة اليسيرة على ثواب من امتلك الدنيا بأسرها وأنفقها في سبيل الله. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على عظيم فضل الجهاد، والترغيب في المساهمة فيه بأي مشاركة ولو قليلة، لأن المشاركة اليسيرة تعدل الدنيا بأسرها، والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
٧٤٤ - " باب من يجرح في سبيل الله "
٨٤٧ - معنى الحديث: أقسم النبي ﷺ بربه وخالقه المالك لروحه المتصرف فيها كيف يشاء على أنه ما من أحد يجرح وهو يقاتل حقيقة لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، لا لقومية ولا عصبية " إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك " أي أن دمه الزكي وان كان يشارك الدماء في لونها إلا أنه تفوح منه رائحة المسك. قال القسطلاني: والظاهر أن الذي يجيء يوم القيامة وجرحه يتصبب من فارق الدنيا وجرحه كذلك، وقوله: " والله أعلم بمن يكلم في سبيله " جملة معترضة بين المستثنى منه والمستثنى، قال القسطلاني: ومعناه والله أعلم تعظيم شأن من يكلم في سبيل الله ويجوز أن يكون تتميماً وتنبيهاً على الإِخلاص في الغزو، وأن الثواب المذكور لمن
стр. 1294
٧٤٥ - " بَاب مَنْ أتاه سَهْم غَرْبٌ فَقَتَلَه "
٨٤٨ - عنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ الله "عَنْه:
أنَّ أُمَّ حَارِثَةَ بْنَ سُرَاقَةَ أتَتِ النبي ﷺ فَقَالَتْ: يا نَبِيَّ اللهِ، ألا تحَدِّثُنِي عن حَارِثَةَ، وكانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أصَابَة سَهْمٌ غَرْبٌ، فإن كَانَ في الْجَنَّةِ صَبَرْت، وِإنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْت عَلَيْهِ في الْبُكَاء، قَالَ: " يَا أُمَّ حَارِثَةَ إنها جِنَانٌ في الْجَنَّةِ وإنْ ابْنَكِ أصَابَ الْفِرْدَوْسَ الَأعْلَى ".
ــ
أخلص فيه وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل الشهداء والإِعلان عنهم يوم القيامة، حيث يبعث الشهيد يسيل جرحه دماً، ويفوح طيباً كأنما قتل في تلك اللحظة، والحكمة في ذلك كما قال القسطلاني: أن يكون معه شاهد على بذل نفسه في طاعة الله. ثانياًً: ترغيب المجاهدين في إخلاص النية وتجريد القصد لله كما يدل عليه قوله: " والله أعلم بمن يكلم في سبيله ". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي بألفاظ. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.
٧٤٥ - " باب من أتاه سهم غرب فقتله "
أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على شهادة من أصابه سهم طائش لا يعرف راميه.
٨٤٨ - معنى الحديث: أن حارثة بن سراقة كان قد استشهد يوم بدر بسهم طائش لا يعرف مصدره، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ تسأله عن مصيره، لأنه قتل برمية غير مقصودة، لهذا قالت: " فإن كان في الجنة صبرت عليه " أي صبرت على فقده، واحتسبته عند الله، مستبشرة بقتله في سبيل
стр. 1295
٧٤٦ - " بَابُ مَنْ قَاتلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا "
٨٤٩ - عن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ:
جَاءَ رَجُلٌ إلى النبي ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمَ، والرَّجُلُ يُقَاتِلُ للذِّكْرِ، والرَّجُلُ يُقَاتِل لِيُرى مَكَانُهُ، فمنْ في سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: " مَنْ قَاتَلَ لَتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي الْعُلْيَا فَهُوَ في سَبِيلِ اللهِ ".
ــ
الله، وفوزه بالشهادة " وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء " لأني خسرته، وخسر حياته دون فائدة، " قال: يا أم حارثة إنّها جنان " متعددة " وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى " وهي أفضل الجنان وأعلاها.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن كل من خرج في سبيل الله فقتل فهو شهيد، ولو برمية طائشة من سهم، أو رصاصة.
ثانياًً: أن منازل الشهداء في الفردوس الأعلى. الحديث: أخرجه البخاري والترمذي. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.
٧٤٦ - " باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا "
٨٤٩ - معنى الحديث: أن رجلاً من الصحابة يسمى لاحق بن ضميرة الباهلي قال للنبي ﷺ : إن المقاتلين تختلف نواياهم ومقاصدهم، فمنهم من يقاتل طمعاً في الغنيمة، ومنهم من يقاتل ليتحدث الناس عنه بالبطولة والفروسية، ومنهم من يقاتل لينال مكانة مرموقة، ومنزلة عالية في المجتمع، فمن هو المجاهد في سبيل الله الذي إذا مات مات شهيداً، وإن سلم عاد إلى أهله بأجر وغنيمة؟ فقال ﷺ : " المجاهد الحقيقي الذي يحقق لنفسه كل هذه المزايا هو من قاتل لِإعلاء كلمة الله ونصرة دينه دون أي دافع من الدوافع النفسية الأخرى.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الجهاد الحقيقي
стр. 1296
٧٤٧ - " بَابُ ظِلِّ الْمَلاِئكَةِ عَلَى الشَّهِيدِ "
٨٥٠ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ:
جِيءَ بأبي إلى النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ مُثِّلَ بِهِ، وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَهَبْتُ أكشِفُ عَنْ وَجْهِهِ فنَهَانِي قَوْمِي، فَسَمعَ صَوْتَ نَائِحَةٍ، فَقِيلَ: ابْنَةُ عَمْرو أوْ أخْتُ عَمْرو، فقَالَ: " لِمَ تَبْكِي؟ أوْ لا تَبْكِي، ما زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بأجْنِحَتِهَا "، قُلْتُ لِصَدَقَةَ: أفِيهِ " حَتَّي رُفِعَ؟ " قَالَ: رُبَّمَا قَالَهُ.
ــ
الذي تنال به الشهادة أو الأجر والغنيمة هو الجهاد لإعلاء كلمة الله. ثانياً: أن كل غرض من الأغراض الدنيوية تفسد على المسلم جهاده، لأن إخلاص النية شرط في صحة جميع الأعمال وقبولها. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب عن الترجمة.
٧٤٧ - " باب ظل الملائكة على الشهيد "
٨٥٠ - معنى الحديث: أن جابر بن عبد الله يحدثنا عن استشهاد والده فيقول لما استشهد والده عبد الله بن عمرو مَثّل به المشركون وقطعوا أنفه وأذنه، وبعض أطرافه، فأراد ولده أن يكشف الثوب عن وجهه فمنعه قومه عن ذلك لئلا يرى وجه أبيه على تلك الحالة فيشتد حزنه عليه، فسمع النبي ﷺ صوت امرأة تبكي عليه بصوت مرتفع، فقال: من هذه؟ قالوا: إنها أخته فاطمة بنت عمر، فقال النبي ﷺ : " ولم تبكي، أولا تبكي، ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها " أي لا تبكي أخته عليه، فإن من حقها أن تفرح وتستبشر وتسر بما لقيه أخوها من الحفاوة والكرامة، فإن الملائكة قد غشيته بعد استشهاده، وما زالت تظلله بأجنحتها حتى رفع.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يلقاه الشهيد من الكرامة وحسن
стр. 1297
٧٤٨ - "بَابُ تمَنِّي الْمُجَاهِدِ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا "
٨٥١ - عَنْ أنَس بْنَ مَالِكٍ:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا أحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّة يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا ولَهُ ما عَلَى الأرض منْ شَيْءٍ إلَّا الشَّهِيدُ (١) يَتَمَنَّى أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لما يَرَى من الْكَرَامَةِ".
ــ
الاستقبال، حيث تظلله الملائكة منذ استشهاده، احتفاءً به، وترحيباً بمقدمه، وتكريماً له. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
٧٤٨ - " باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا "
٨٥١ - معنى الحديث: أنه ليس هناك أحد يتمنى ويرغب أن يفارق الجنة بعد دخولها، ويعود إلى الدنيا مرة أخرى. ولو أعطي الأرض كلها بما فيها من كنوز ونفائس، وما عليها من قصور عالية وحدائق غناء، ثم استثنى من ذلك الشهيد، فإنه يحب العودة إلى الدنيا عشر مرات لكي يجاهد كل مرة في سبيل الله ويستشهد فيفوز بالشهادة عشر مرات بدل مرة واحدة، وذلك لما يرى من الكرامة التي يلاقيها الشهداء، الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
فقه الحديث: قال ابن بطال: هذ الحديث أجلُّ ما جاء في فضل الشهادة. اهـ. وحسبك في ذلك أن الشهداء يتمنون العودة إلى الدنيا ليستشهدوا عشر مرات كما في حديث الباب. وفي رواية أخرى "أن الله يقول للرجل منهم سل وتمن، فيقول: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك
стр. 1298
٧٤٩ - " بَابُ وُجُوبِ النَّفِيرِ وما يَجِبُ مِنَ الْجِهَادِ والنيةِ "
٨٥٢ - عن ابْنِ عَبَّاس ﵄:
أن النبي ﷺ قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: " لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ولكِنْ جِهَاد ونِيَّة، وِإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا ".
ــ
عشر مرات". والمطابقة: ظاهرة.
٧٤٩ - " باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية "
أي باب في بيان وجوب النفير، وهو الخروج إلى الجهاد لمن استنفره الإِمام.
٨٥٢ - معنى الحديث: أن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت واجبة قبل فتح مكة، لأنها كانت دار كفر، فلما فتحت نسخ وجوبها، وهو معنى قوله: " لا هجرة بعد الفتح " أي لم تعد الهجرة واجبة من مكة بعد فتحها " ولكن جهاد " أي ولكن الفريضة الباقية الدائمة إلى يوم القيامة هي الجهاد في سبيل الله " ونيّة " أي وبقيت أيضاً الهجرة بنية الفرار بالدين من الفتن، والخروج في طلب العلم كما أفاده الطيبي، ثم قال ﷺ : " وإذا استنفرتم فانفروا " قال النووي: يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة (إلى المدينة) يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإِمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه. الحديث: أخرجه الستة.
والمطابقة: في قوله " وإذا استنفرتم فانفروا ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت واجبة قبل الفتح، لأن مكة كانت دار كفر وحرب، فلما فتحت انقطع وجوب الهجرة منها، كما قال ﷺ : " لا هجرة بعد الفتح " فإنه ليس المراد نفي وجوب الهجرة بجميع أنواعها. قال ابن العربي: الهجرة
стр. 1299
٧٥٠ - " بَابُ من اختارَ الغزْوَ على الصَّوْمِ "
٨٥٣ - عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:
"كَانَ أبُو طَلْحَةَ ﵁ لا يَصومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أجْلِ الْغَزْوِ، فلمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ لَم أرَهُ مُفْطِراً إلَّا يَوْمَ فِطر أوْ أضْحَى".
ــ
من دار الحرب كانت (١) فرضاً في عهده ﷺ واستمرت بعده لمن خاف على نفسه، والتي انقطعت أصلاً هي القصد إلى النبي ﷺ حيث كان. ثانياً: أن الجهاد يتعين عند استنفار الإِمام.
٧٥٠ - " باب من اختار الغزو على الصوم "
أي هذا باب من فضَّل الغزو على الصوم فترك صوم التطوع لئلا يضعف عن الغزو.
٨٥٣ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " كان أبو طلحة " وهو زيد بن سهل الأنصاري زوج أم أنس ﵁ " لا يصوم على عهد النبي ﷺ " أي لا يصوم صيام التطوع في زمن النبي ﷺ أو يقلل منه " من أجل الغزو " أي من أجل الاستعداد للغزو والتقوي عليه، عملاً بقوله ﷺ : " تقووا لعدوكم " يعني بالإِفطار. " فلما قُبض النبي ﷺ لم أره مفطراً إلاّ يوم فطر أو أضحى " أي فلما مات النبي ﷺ ، وانتشر الدين، وقوي الإِسلام ورأى أن الجهاد قد أصبح فرض كفاية لا فرض عين بدأ يأخذ بحظه من الصوم، ليجمع بين الحسنيين، ويأتي بالعبادتين، فحرص على الإكثار من الصيام، حتى أنني لم أعد أراه مفطراً إلا في العيدين اللذين حرم الله صومهما: عيد الفطر وعيد الأضحى، وكذلك أيام التشريق لورود النهي عن صيامها.
стр. 1300
٧٥١ - " بَابُ حَفْرِ الْخنْدَقِ "
٨٥٤ - عَنِ الْبَراء ﵁ قَالَ:
رَأيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأحزَابِ يَنْقُلُ التُّراَبَ وقدْ وارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ وهوَ يَقُولُ:
ــ
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل الجهاد على الصوم وأنه يستحب للمجاهد أن يترك الصوم وأن يفطر ليستعد للجهاد، ويقوي جسمه عليه، كما كان يفعل أبو طلحة وإن تأكد من قدرته على الجمع بينهما دون ضعف أو وهن أو إرهاق، فالصوم أفضل لقوله ﷺ : " من صام يوماً في سبيل الله بعّد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً " أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. ولا تعارض بين حديث الباب وهذا الحديث، بل يمكن الجمع بينهما بأن يحمل حديث الباب على من خشي على نفسه أن يضعف عن الجهاد بسبب الصوم، ويحمل الحديث الآخر على من لا يضعفه الصوم عن القتال، فيستحب له الجمع بينهما. ثانياًً: مشروعية كثرة الصيام وفضله، وحرص أصحاب النبي ﷺ عليه، كما دل عليه حديث الباب، حيث كان أبو طلحة بعد وفاة النبي ﷺ لا يرى مفطراً إلاّ في العيدين، وهو كناية عن كثرة الصيام. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله " كان أبو طلحة لا يصوم على عهد رسول الله ﷺ من أجل الغزو ".
٧٥١ - " باب حفر الخندق "
٨٥٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يشارك أصحابه في حفر الخندق، ويعمل معهم بيده الشريفة فيحمل التراب كما يحملون، وينقله كما ينقلون، حتى ستر التراب بياض بطنه، وكان ﷺ يشجعهم ويبعث الحماس