← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

٧٤٧ - " بَابُ ظِلِّ الْمَلاِئكَةِ عَلَى الشَّهِيدِ " ٨٥٠ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ: جِيءَ بأبي إلى النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ مُثِّلَ بِهِ، وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَهَبْتُ أكشِفُ عَنْ وَجْهِهِ فنَهَانِي قَوْمِي، فَسَمعَ صَوْتَ نَائِحَةٍ، فَقِيلَ: ابْنَةُ عَمْرو أوْ أخْتُ عَمْرو، فقَالَ: " لِمَ تَبْكِي؟ أوْ لا تَبْكِي، ما زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بأجْنِحَتِهَا "، قُلْتُ لِصَدَقَةَ: أفِيهِ " حَتَّي رُفِعَ؟ " قَالَ: رُبَّمَا قَالَهُ. ــ الذي تنال به الشهادة أو الأجر والغنيمة هو الجهاد لإعلاء كلمة الله. ثانياً: أن كل غرض من الأغراض الدنيوية تفسد على المسلم جهاده، لأن إخلاص النية شرط في صحة جميع الأعمال وقبولها. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب عن الترجمة. ٧٤٧ - " باب ظل الملائكة على الشهيد " ٨٥٠ - معنى الحديث: أن جابر بن عبد الله يحدثنا عن استشهاد والده فيقول لما استشهد والده عبد الله بن عمرو مَثّل به المشركون وقطعوا أنفه وأذنه، وبعض أطرافه، فأراد ولده أن يكشف الثوب عن وجهه فمنعه قومه عن ذلك لئلا يرى وجه أبيه على تلك الحالة فيشتد حزنه عليه، فسمع النبي ﷺ صوت امرأة تبكي عليه بصوت مرتفع، فقال: من هذه؟ قالوا: إنها أخته فاطمة بنت عمر، فقال النبي ﷺ : " ولم تبكي، أولا تبكي، ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها " أي لا تبكي أخته عليه، فإن من حقها أن تفرح وتستبشر وتسر بما لقيه أخوها من الحفاوة والكرامة، فإن الملائكة قد غشيته بعد استشهاده، وما زالت تظلله بأجنحتها حتى رفع. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يلقاه الشهيد من الكرامة وحسن

стр. 1297

٧٤٨ - "بَابُ تمَنِّي الْمُجَاهِدِ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا " ٨٥١ - عَنْ أنَس بْنَ مَالِكٍ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا أحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّة يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا ولَهُ ما عَلَى الأرض منْ شَيْءٍ إلَّا الشَّهِيدُ (١) يَتَمَنَّى أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لما يَرَى من الْكَرَامَةِ". ــ الاستقبال، حيث تظلله الملائكة منذ استشهاده، احتفاءً به، وترحيباً بمقدمه، وتكريماً له. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. ٧٤٨ - " باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا " ٨٥١ - معنى الحديث: أنه ليس هناك أحد يتمنى ويرغب أن يفارق الجنة بعد دخولها، ويعود إلى الدنيا مرة أخرى. ولو أعطي الأرض كلها بما فيها من كنوز ونفائس، وما عليها من قصور عالية وحدائق غناء، ثم استثنى من ذلك الشهيد، فإنه يحب العودة إلى الدنيا عشر مرات لكي يجاهد كل مرة في سبيل الله ويستشهد فيفوز بالشهادة عشر مرات بدل مرة واحدة، وذلك لما يرى من الكرامة التي يلاقيها الشهداء، الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. فقه الحديث: قال ابن بطال: هذ الحديث أجلُّ ما جاء في فضل الشهادة. اهـ. وحسبك في ذلك أن الشهداء يتمنون العودة إلى الدنيا ليستشهدوا عشر مرات كما في حديث الباب. وفي رواية أخرى "أن الله يقول للرجل منهم سل وتمن، فيقول: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك

стр. 1298

٧٤٩ - " بَابُ وُجُوبِ النَّفِيرِ وما يَجِبُ مِنَ الْجِهَادِ والنيةِ " ٨٥٢ - عن ابْنِ عَبَّاس ﵄: أن النبي ﷺ قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: " لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ولكِنْ جِهَاد ونِيَّة، وِإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا ". ــ عشر مرات". والمطابقة: ظاهرة. ٧٤٩ - " باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية " أي باب في بيان وجوب النفير، وهو الخروج إلى الجهاد لمن استنفره الإِمام. ٨٥٢ - معنى الحديث: أن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت واجبة قبل فتح مكة، لأنها كانت دار كفر، فلما فتحت نسخ وجوبها، وهو معنى قوله: " لا هجرة بعد الفتح " أي لم تعد الهجرة واجبة من مكة بعد فتحها " ولكن جهاد " أي ولكن الفريضة الباقية الدائمة إلى يوم القيامة هي الجهاد في سبيل الله " ونيّة " أي وبقيت أيضاً الهجرة بنية الفرار بالدين من الفتن، والخروج في طلب العلم كما أفاده الطيبي، ثم قال ﷺ : " وإذا استنفرتم فانفروا " قال النووي: يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة (إلى المدينة) يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإِمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله " وإذا استنفرتم فانفروا ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت واجبة قبل الفتح، لأن مكة كانت دار كفر وحرب، فلما فتحت انقطع وجوب الهجرة منها، كما قال ﷺ : " لا هجرة بعد الفتح " فإنه ليس المراد نفي وجوب الهجرة بجميع أنواعها. قال ابن العربي: الهجرة

стр. 1299

٧٥٠ - " بَابُ من اختارَ الغزْوَ على الصَّوْمِ " ٨٥٣ - عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ أبُو طَلْحَةَ ﵁ لا يَصومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أجْلِ الْغَزْوِ، فلمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ لَم أرَهُ مُفْطِراً إلَّا يَوْمَ فِطر أوْ أضْحَى". ــ من دار الحرب كانت (١) فرضاً في عهده ﷺ واستمرت بعده لمن خاف على نفسه، والتي انقطعت أصلاً هي القصد إلى النبي ﷺ حيث كان. ثانياً: أن الجهاد يتعين عند استنفار الإِمام. ٧٥٠ - " باب من اختار الغزو على الصوم " أي هذا باب من فضَّل الغزو على الصوم فترك صوم التطوع لئلا يضعف عن الغزو. ٨٥٣ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " كان أبو طلحة " وهو زيد بن سهل الأنصاري زوج أم أنس ﵁ " لا يصوم على عهد النبي ﷺ " أي لا يصوم صيام التطوع في زمن النبي ﷺ أو يقلل منه " من أجل الغزو " أي من أجل الاستعداد للغزو والتقوي عليه، عملاً بقوله ﷺ : " تقووا لعدوكم " يعني بالإِفطار. " فلما قُبض النبي ﷺ لم أره مفطراً إلاّ يوم فطر أو أضحى " أي فلما مات النبي ﷺ ، وانتشر الدين، وقوي الإِسلام ورأى أن الجهاد قد أصبح فرض كفاية لا فرض عين بدأ يأخذ بحظه من الصوم، ليجمع بين الحسنيين، ويأتي بالعبادتين، فحرص على الإكثار من الصيام، حتى أنني لم أعد أراه مفطراً إلا في العيدين اللذين حرم الله صومهما: عيد الفطر وعيد الأضحى، وكذلك أيام التشريق لورود النهي عن صيامها.

стр. 1300

٧٥١ - " بَابُ حَفْرِ الْخنْدَقِ " ٨٥٤ - عَنِ الْبَراء ﵁ قَالَ: رَأيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأحزَابِ يَنْقُلُ التُّراَبَ وقدْ وارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ وهوَ يَقُولُ: ــ فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل الجهاد على الصوم وأنه يستحب للمجاهد أن يترك الصوم وأن يفطر ليستعد للجهاد، ويقوي جسمه عليه، كما كان يفعل أبو طلحة وإن تأكد من قدرته على الجمع بينهما دون ضعف أو وهن أو إرهاق، فالصوم أفضل لقوله ﷺ : " من صام يوماً في سبيل الله بعّد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً " أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. ولا تعارض بين حديث الباب وهذا الحديث، بل يمكن الجمع بينهما بأن يحمل حديث الباب على من خشي على نفسه أن يضعف عن الجهاد بسبب الصوم، ويحمل الحديث الآخر على من لا يضعفه الصوم عن القتال، فيستحب له الجمع بينهما. ثانياًً: مشروعية كثرة الصيام وفضله، وحرص أصحاب النبي ﷺ عليه، كما دل عليه حديث الباب، حيث كان أبو طلحة بعد وفاة النبي ﷺ لا يرى مفطراً إلاّ في العيدين، وهو كناية عن كثرة الصيام. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله " كان أبو طلحة لا يصوم على عهد رسول الله ﷺ من أجل الغزو ". ٧٥١ - " باب حفر الخندق " ٨٥٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يشارك أصحابه في حفر الخندق، ويعمل معهم بيده الشريفة فيحمل التراب كما يحملون، وينقله كما ينقلون، حتى ستر التراب بياض بطنه، وكان ﷺ يشجعهم ويبعث الحماس

стр. 1301

لولا أنتَ ما اهْتَدَيْنَا ... ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا فَأنْزِلِ السَّكِيْنَةَ عَلَيْنَا ... وَثبَتِ الأقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا إنَّ الأُلَى قد بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أرَادُوا فِتْنَةً أبَيْنَا ــ في نفوسهم بما ينشده من الشعر الإِسلامي الذي يقوّي العزائم ويشحذ الهمم "فيقول ﷺ : " لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا " فيحمد الله ويثني عليه على ما أنعم به عليهم من الهداية والتوفيق إلى جميع الأعمال الصالحة التي لولا الله ما اهتدوا إليها، ثم يقول: " فأنزل السكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا " فيسأل الله أن يملأ قلوبهم طمأنينة وأمناً، وأن يثبت أقدامهم عند ملاقاة أعدائهم ثم يقول: " إن الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنةً أبينا " يعنى أن هؤلاء الذين يحاربوننا اليوم، ويريدون هزيمتنا وفتنتنا، والقضاء علينا لن يتمكنوا منا، لأننا نجاهد لِإعلاء كلمة الله، والله معنا. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من الخطط الحربية الناجحة في هذه الغزوة حفر الخندق (١)، قال ابن إسحاق: وكان الذي أشار على رسول الله ﷺ بالخندق هو سلمان، وكانت أول مشهد شهده مع رسول الله ﷺ بعد تحرره، فقال: يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حصرنا خندقنا علينا، ويشكل الخندق نصف دائرة، طرفها الغربي غربي مسجد المصلى، والشرقي عند مبتدأ حرة واقم في الشمال الشرقي، قال المطري من علماء القرن الثامن الهجري بالمدينة: وقد عفا أثر الخندق اليوم، ولم يبق منه شيء يعرف

стр. 1302

٧٥٢ - " بَابُ فضلِ الصَّوْمِ في سَبِيلِ اللهِ " ٨٥٥ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ صَامَ يَوْمَاً في سبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً ". ــ إلا ناحيته، لأن وادي بطحان استولى على موضع الخندق، وصار موضعه في الخندق. ثانياً: مشروعية اتخاذ أنجح الوسائل الدفاعية لمكافحة العدو كما فعل النبي ﷺ في هذه الغزوة. ثالثاً: استحباب إنشاد الشعر الحماسي الذي يقوِّي النفوس والعزائم، ويشجع العاملين على مواصلة أعمالهم، كما فعل ﷺ عند حفر الخندق. علماً بأن هذا الشعر الذي أنشده النبي ﷺ ليس من نظمه هو، ولكنه من شعر عبد الله بن رواحة، وإنما تمثل به النبي ﷺ ولمِ ينطق به موزوناً، لأن الله أبعده عن مجرد النطق بالشعر الموزون، تصديقاً لقوله : (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ). مطابقة الحديث للترجمة: في كونه ﷺ أمر بحفر الخندق وشارك فيه. الحديث: أخرجه الشيخان. ٧٥٢ - " باب فضل الصوم في سبيل الله " ٨٥٥ - معنى الحديث: أن من صام يوماً واحداً أثناء جهاده لِإعلاء كلمة الله، ونصرة دينه، فإن الله يباعد بينه وبين نار جهنم مدة سبعين عاماً، وإذا باعد الله بينه وبين النار كل هذه المسافة، فإن معناها أنه قد حَرمَ جسده على النار وأدخله الجنة مع السابقين الأبرار. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل الصيام أثناء الجهاد ومقاتلة الأعداء، وأنه سبب في النجاة من النار. ثانياً: جواز الصيام في السفر خلافاً لمن حرم ذلك. والمطابقة: في كون الحديث يدل على فضل

стр. 1303

٧٥٣ - " بَابُ فضلِ مَنْ جَهَّزَ غَازِيَاً أوْ خلفَهُ بِخيْرٍ " ٨٥٦ - عن زَيْدِ بْن خَالِدٍْ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ جَهَّزَ غَازِيَاً فِي سَبِيْلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، ومَنْ خَلَفَ غَازِيَاً في سَبِيلِ اللهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا ". ــ الصيام في سبيل الله وهو ما ترجم له البخاري والله أعلم. ٧٥٣ - " باب من جهز غازياً " ٨٥٦ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " من جهز غازياً " أي هيأ له أسباب سفره وأعد له وسائل قتاله، من مال وطعام وسلاح وعتاد حربي قدر استطاعته "فقد غزا" أي فقد فاز بأجر المجاهد، وثبت له ثوابه ثم قال ﷺ : "ومن خلف غازياً في سبيل الله " أي ناب عنه في الإِنفاق على أسرته، وقضاء مصالحهم والقيام بخدمتهم " فقد غزا " أي فقد حقق لنفسه بهذا العمل أجر الجهاد في سبيل الله، لأنه لولا قيامه بأمر عياله لما تمكن من الغزو. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن كل من شارك في مساعدة الغزاة، ومد يد المعونة للمجاهدين بإمدادهم بالمال، وتجهيزهم بالسلاح، أو بكفالة أهلهم وأولادهم، فإن الله يمنحه مثل أجر المجاهد كما في هذا الحديث، وكما جاء في حديث زيد بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " من جهز غازياً في سبيل الله فله مثل أجره " أخرجه الطبراني في " الأوسط ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة.

стр. 1304

٧٥٤ - " بَابُ التَّحَنُّطِ عِنْدَ القِتَالِ " ٨٥٧ - عن أنسٍ ﵁: " أنَّهُ أتَى يَوْمَ الْيَمَامَةِ إلى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيه وَهُوَ يَتَحَنَّطُ، فقالَ: يَا عَمِّ ما يَحْبِسُكَ أنْ لا تَجِيءَ؟ فَقَالَ: الآنَ يا ابْنَ أخِي، وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ، ثم جَاءَ فَجَلَسَ فَذَكَرَ في الْحَدِيثِ انْكِشَافاً مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ: هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا حتى نُضَارِبِ الْقَوْمَ، مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِئْسَ مَا عودْتُمْ أقْرَانَكُمْ ". ــ ثم هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على مشروعية استعمال الحنوط استعداداً للموت. ٧٥٤ - " باب التحنط عند القتال " ٨٥٧ - معنى الحديث: أن أنس بن مالك ﵁ جاء يوم اليمامة إلى ثابت بن قيس خطب رسول الله ﷺ وهو يضع الحنوط على جسده تأهباً للاستشهاد في سبيل الله، وكان قد كشف عن فخذيه بسبب اشتغاله بتحنيط جسمه " فقال: يا عم ما يحبسك أن لا تجيء " أي ما الذي أخرك عن خوض المعركة حتى الآن؟ " فقال: الآن يا ابن أخي " ولم يكن " ثابت " عمه، ولكن العرب تتوسع في هذه الكلمات تلطفاً وتودداً، وتعبيراً عن إنزاله منزلة الابن أو ابن الأخ - أي الآن أخوض المعركة " فذكر في الحديت انكشافاً " أي فذكر الراوي أنها وقعت في الجيش هزيمة وتقهقرٌ " فقال: هكذا عن وجوهنا " أي فلما رأى ثابت ما وقع في الناس من هزيمة بلغ به الحماس مبلغاً عظيماً، وكبُر عليه ما رأى، فقال للناس: ابتعدوا عن وجهي وافسحوا لي الطريق لكي أقاتل هؤلاء، " ما هكذا كنا نفعل " أي ما كنا نتقهقر هكذا في حياة النبي ﷺ " بئسما عودتم أقرانكم " أي بئس

стр. 1305

٧٥٥ - " بَابُ مَنِ احْتَبَسَ فرساً في سَبِيلِ اللهِ " ٨٥٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : " مَنْ احْتَبَسَ فَرَساً في سَبِيلِ اللهِ إيمَاناً بالله، وتصديقاً بِوَعْدِهِ، فَإنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ في مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ". ــ هذا التقهقر الذي يجعل أعداءكم يطمعون فيكم ويستهينون بكم. فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية التحنط عند القتال تعبيراً عن الاستعداد للشهادة واستحباب تشجيع المحاربين. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله " وهو يتحنط ". ٧٥٥ - " باب من احتبس فرساً في سبيل الله " أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على فضل من أوقف فرساً للجهاد. ٨٥٨ - معنى الحديث: أن من أوقف فرساً للجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته لكي يحارب عليه الغزاة، ابتغاءً لوجه الله تعالى، وتصديقاً بوعده الذي وعد به، حيث قال: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) فإن الله يثيبه عن كل ما يأكله أو يشربه أو يخرجه من بول أو روث حتى يضعه له في كفة حسناته يوم القيامة. وعن تميم الداري أن النبي ﷺ قال: " من ارتبط فرساً في سبيل الله، ثم عالج علفه كان له بكل حبة حسنة " أخرجه ابن ماجة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: الترغيب في اقتناء الخيل وتوقيفها في سبيل الله ليجاهد عليها الغزاة، فإن العبد إذا فعل ذلك يثاب حتى على أرواثها وأبوالها، فقد جاء في الحديث: " المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها " رواه أحمد وأبو داود. ثانياًً: قال ابن عبد البر: هذه الأحاديث فيها تفضيل الخيل على سائر الدواب، لأنه لم يرو عنه ﷺ في غيرها مثل هذا. ثالثاً: في الحديث كما قال ابن عبد البر الحث على

стр. 1306

٧٥٦ - " بَابُ ما يُذْكَرُ من شُؤْمِ الفَرسِ " ٨٥٩ - عن عبد اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ: "إنَّمَا الشُّؤْمُ في ثَلَاثَةٍ: في الفَرَسِ والمَرْأةِ والدَّارِ ". ــ اقتناء كل ما يساعد على الجهاد والعناية بكل ما فيه قوة الأمة وهيبتها. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. ٧٥٦ - "باب ما يذكر من شؤم الفرس " ٨٥٩ - معنى الحديث: تعددت الآراء حول هذا الحديث وحول معناه حتى أن بعضهم أنكره على هذه الصيغة فقد جاء في رواية مكحول عن عائشة أنه قيل لها إن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " الشؤم في ثلاثة " فقالت: لم يحفظ، إنه دخل وهو ﷺ يقول: " قاتل الله اليهود يقولون: الشؤم في ثلاثة. فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوّله، إلَّا أن حديث عائشة هذا منقطع، لأن مكحولاً لم يسمع من عائشة، وعن أبي حسان أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: " الطيرة في الفرس والمرأة والدار " فغضبت غضباً شديداً وقالت: ما قاله، وإنما قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك. اهـ. كما أفاده الحافظ. وإنما أنكر بعض الصحابة هذا الحديث وعلى رأسهم عائشة لأنه يدل بظاهره على وجود الشؤم في هذه الثلاثة، -أي وجود النحس والشر فيها- وذلك يتعارض مع ما أنكره الإِسلام من التطير والتشاؤم، ونفي وجوده في أي شيء من الأشياء حيث قال ﷺ : " لا عدوى ولا طيرة " فكيف ينفي التشاؤم في بعض الأحاديث ويثبته في أحاديث أخرى، لذلك فقد وقف علماء الإِسلام من حديث الباب ثلاثة مواقف، فمنهم من خطأ

стр. 1307

أبا هريرة، وقال: إنه لم يحفظ الحديث بلفظه الصادر من النبي ﷺ كما قالت عائشة ﵂، ومنهم من قبل هذا الحديث على ظاهره وقال بوجود النحس في هذه الأمور الثلاثة، ومنهم ابن قتيبة، ومنهم من تأوله بأن المراد بالشؤم عدم ملاءمة الشيء وموافقته، أو سوء طبعه، فشؤم الدار ضيقها، لأنها إذا كانت ضيقة لا تلائم الإِنسان، ولا تريحه في حياته، وشؤم المرأة عدم الوفاق بينها وبين زوجها وعدم التفاهم، وتمردها عليه، وخروجها عن طاعته، وشؤم الفرس سوء طباعها (١). فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن لهذه الأشياء الثلاثة، المرأة، والدار، والفرس، أهمية عظمى، وأثر كبير في حياة الإِنسان، فإن كانت المرأة ملائمة لزوجها خلقياً، متفاهمة معه نفسياً، مخلصة له، مطيعة وفية، وكانت الدار صحية واسعة، مناسبة له ولأسرته، وكانت الفرس أو السيارة التي يركبها قوية مريحة، ارتاح الإِنسان في حياته، وشعر بالسعادة وأحس بالاطمئنان والاستقرار النفسي، أما إذا كانت الزوجة غير صالحة، أو الدار غير مناسبة، أو الفرسِ أو السيارة غير مريحة، فإن الإِنسان يشعر بالتعاسة والقلق، ويتعب جسمياً ونفسياً معاً، وهذا هو المقصود بالحديث، حيث إنه عبارة عن التعب النفسي الذي يعانيه الإنسان بسبب عدم ملاءمة هذه الأشياء وصلاحيتها (١). ثانياًً: أنه ينبغي للمرء إذا أراد أن يتزوج امرأة أو يسكن داراً أو يقتني فرساً، أو سيارة أن يتحرى كل التحري في اختيارها، وأن يتحقق من صلاحيتها وملاءمتها له، ليتمكن من الاستفادة من الاستمتاع بها، لا سيما المرأة الصالحة، فإن لها دوراً كبيراً في نجاح زوجها وصلاحه

стр. 1308

٧٥٧ - " بَابُ ناقةِ النَّبِيِّ ﷺ - " ٨٦٠ - عَنْ أنَس ﵁ قالَ: " كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَة تُسَمَّى العَضْبَاءَ، لَا تُسْبَقُ، فجاءَ أعْرَابِي علَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلىَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ ﷺ فَقَالَ ﷺ : " حَقٌّ عَلَى اللهِ أنْ لا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنيا إلَّا وَضَعَهُ ". ــ في الدنيا والآخرة، أما ما روي أو ما نسب إلى مالك رحمه الله تعالى من وجود النحس في هذه الأشياء أو في بعضها استناداً إلى ما رواه ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن هذا الحديث فقال: كم من دار سكنها ناس فهلكوا، فإن قوله هذا ليس نصاً على وجود النحس فيها، لاحتمال أنه أراد أن موت الناس في ديارهم ظاهرة عامة، فقلما يوجد بيت لم يمت فيه جماعة من الناس فكأنه يقول للسائل: لماذا تتشاءم من دار معينة ما دام أكثر البيوت قد مات فيها أناس من البشر، وهو الأقرب والأنسب بمالك ﵀. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله ﷺ : " إنما الشؤم في ثلاثة في الفرس ". ٧٥٧ - " باب ناقة النبي ﷺ " ٨٦٠ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كانت له ناقة سريعة لا يسبقها غيرها. وكانت تسمى العضباء (بفتح العين وسكون الضاد) والعضباء في الأصل المقطوعة الأذن، قال في " المصباح " (١): وكانت ناقة النبي ﷺ تلقب العضباء لنجابتها لا لشق أذنها .. قال الراوي " فجاء أعرابي على قعود " أي على جمل صغير بدأ يُركب، وأقله سنتان "فسبقها فشق ذلك على

стр. 1309

٧٥٨ - "بَابُ مُدَاوَاةِ النساءِ الْجَرْحَى في الغزْوِ " ٨٦١ - عَنِ الرُّبَيِّع بنْتِ مُعوِّذٍ ﵂ قَالَتْ: " كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَسْقِي وَنُدَاوِي الْجَرْحَى، ونَرُدُّ القَتْلَى إلى الْمَدِينَةِ ". ــ المسلمين" أي صعب ذلك عليهم، وعز على نفوسهم وأحزنهم " حتى عرفه " أي حتى عرف النبي ﷺ ما أصابهم من حزن شديد ظهرت آثاره على وجوههم " فقال: حق على الله أن لا يرتفع لشيء من الدنيا إلا وضعه الله " أي أن هذه هي سنة الله في خلقه، ما بعد الصعود إلاّ الهبوط، وما بعد الطلوع إلّا النزول. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن النبي ﷺ كانت له دواب مختلفة، فكانت له ناقة تسمى العضباء، كما كان له فرس يدعى اللحيف وفرس أخرى يقال له: مندوب، وحمار يدعى " عُفير " بضم العين. ثانياً: أن دوام الحال من المحال، فما بعد الصعود إلاّ الهبوط، وما بعد الارتفاع إلا الانخفاض، وما بعد الطلوع إلا النزول، هذه هي سنة الله في خلقه، وقد قال الشاعر: ما طَارَ طَيْرٌ وَارْتَفَعْ ... إلاّ كَمَا طَارَ وَقَعْ والمطابقة: في قوله: " كان للنبي ﷺ ناقة تسمى العضباء ". ٧٥٨ - " باب مداواة النساء الجرحى في الغزو " ٨٦١ - راوية الحديث: هي الربيع بنت معوذ النجارية الأنصارية، كانت من المبايعات تحت الشجرة، قالت ﵂: جاء النبي ﷺ فدخل علي غداة بُني بي، أي صبيحة عرسها، فجلس على فراشي فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر. قالت إحداهن:

стр. 1310

٧٥٩ - " بَاب مَنِ اسْتَعَانَ بالضُّعَفَاءِ والصَّالِحِينَ في الْحَرْبِ " ٨٦٢ - عن سَعْدِ بْنِ أبي وَقاص ﵁ قَالَ: قَالَ رَسول اللهِ ﷺ : " هَلْ تنْصَرونَ وتُرزَقونَ إلَّا بِضعَفَائِكمْ ". ــ وفينا نبي يعلم ما غد، فقال: " دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين " أخرجه البخاري والترمذي. روت عن النبي ﷺ . عدة أحاديث ﵂. معنى الحديث: أنها ﵂ كانت هي وبعض الصحابيات الجليلات يخرجن مع رسول الله ﷺ في غزواته فيقمن بحمل الماء ونقله إلى المجاهدين وسقيهم، كما كانت أم سليط تزفر القرب يوم أحد (بضم التاء وسكون الزاي) أي تملأ القرب بالماء، وتحملها، وتسقي المجاهدين يوم أحد، وكان هؤلاء النسوة يقمن بمداواة الجرحى وتمريضهن، فيقدمن لهم كل ما يستطعنه من خدمات طبية، كما كن يقمن بنقل القتلى إلى المدينة. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية مشاركة المرأة للرجال في الخروج إلى الغزو لكي تقوم بما تستطيعه من سقي المجاهدين، وتقديم الخدمات الطبية لهم، ونقل الموتى إلى بلادهم، أما مشاركة المرأة في الجهاد المسلح وقتال العدو فقد جاء في الحديث عن عائشة ﵂ أنها استأذنت النبي ﷺ في الجهاد فقال: " جهادكن الحج ". ثانياً: قال الحافظ: وفيه جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي للضرورة. والمطابقة: في قولها: " ونداوي الجرحى ". ٧٥٩ - " باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب " ٨٦٢ - معنى الحديث: أن الله يرزق المسلمين بدعاء ضعفائهم، كما يحقق لهم به النصر في الحرب، والتغلب على العدو، وكسب المعركة، قال

стр. 1311

في " هداية الباري " تأويل ذلك أن الضعفاء هم أشد إخلاصاً، وأكثر خشوعاً، لخلو قلوبهم من التعلق بزخارف الدنيا، وصفاء ضمائرهم من القواطع عن الله جل شأنه، فبذلك زكت أعمالهم، واستجيب دعاؤهم، لكرامتهم على ربهم، وفي الحديث الصحيح: " ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعِّف لو أقسم على الله لأبرّه ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية الاستعانة بدعاء الضعفاء على النصر على الأعداء، إذا كانوا صالحين، وهو ما ترجم له البخاري، لأن النصر إنما هو من عند الله، فلا ينبغي الاعتماد فيه على مجرد القوة العسكرية، أو البطولة والشجاعة، وإنما ينبغي الاعتماد على الله، والإكثار من التضرع والاجتهاد في الدعاء، والتماس دعاء الضعفاء والصالحين، لما له من عظيم الأثر في مثل هذه المواقف، فقد جاء في رواية البخاري عن سبب هذا الحديث، أن سعد بن أبي وقاص رأى أن له فضلاً على من دونه، فقال النبي ﷺ : " هل تنصرون وترزقون إلاّ بضعفائكم "، وفي رواية أنه قال: يا رسول الله أرأيت رجلاً يكون حامية القوم، ويدفع عن أصحابه أيكون نصيبه كنصيب غيره؟ فقال ﷺ : " ثكلتك أمك، وهل ترزقون وتنصرون إلاّ بضعفائكم " فلما رأى سعد أنه هو وأمثاله من الفرسان هم الذين كسبوا المعركة قال له النبي ﷺ لا تظن أن المسلمين لم ينتصروا إلا بسواعد أبطالهم، وقوة فرسانهم، بل إنما انتصروا بدعاء ضعفائهم، وفي رواية أخرى " إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائهم، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم ". الحديث: أخرجه البخاري والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة. ***

стр. 1312

٧٦٠ - " بَابُ التَّحرِيضِ على الرَّميْ " ٨٦٣ - عن أبي أسَيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ وَصَفُّوا لَنَا: " إِذَا أكثَبُوكُمْ فَعَلَيْكُمْ بالنَّبْلِ ". ــ ٧٦٠ - " باب التحريض على الرمي " ٨٦٣ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ قال في غزوة بدر لأصحابه حين قام بترتيبهم، وتنظيم صفوفهم " إذا أكثبوكم " أي إذا دنوا منكم " فعليكم بالنبل " أي فارموهم بالسهام. والمعنى: إذا قاربوم بحيث تنالهم السهام، فعليكم أن ترموهم بها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: التحريض على الرمي والحثّ عليه بأي وسيلة من وسائله، سواء كان ذلك بالسهام كما في العصور السالفة، أو بالرصاص والقذائف النارية والقنابل اليدوية كما في العصر الحديث، لأن الرمي أحد عناصر القوة التي أمرنا الله تعالى بها في قوله : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) ويفسر في كل عصر بحسب ذلك العصر، وما جد فيه من آلات حربية، وهو ما ترجم له البخاري. ثانياً: المحافظة على الذخيرة الحربية (١)، واستعمال السلاح المناسب في الوقت المناسب، فإنه إنما أمرهم بالرمي عند القرب فقط أنهم إذا رموهم على بعد قد لا تصيبهم السهام، فتضيع دون فائدة، فاستبقاؤها أولى، وليس المراد بالقرب التلاحم الذي لا ينفع فيه إلاّ السلاح الأبيض، وهو السيوف. والمطابقة: في قوله: " إذا أكثبوم فعليكم بالنبل ". الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود.

стр. 1313

٧٦١ - " بَابُ مَا قِيلَ في قِتالَ الرُّومَ " ٨٦٤ - عَنْ أمِّ حَرَام ﵂: أنهَا سَمِعَتْ النبي ﷺ يَقولُ: " أوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قدْ أوْجَبُوا " قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أنا فِيهِم؟ قَالَ: " أنتِ فيهِمْ " قَالَتْ: ثُمَّ، قَالَ النبي ﷺ : "أوَّلُ جَيْش مِنْ أمَّتِي يَغْزُون مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ " فَقُلْتُ: أنَا فيهمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " لا ". ــ ٧٦١ - " باب ما قيل في قتال الروم " أي هذا باب يذكر فيه ما جاء من الأحاديث في غزو الروم في عقر دارهم، ومحاربتهم على أبواب عاصمتهم القسطنطينية. ٨٦٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ بشر أصحابه في هذا الحديث بغزو الامبراطورية الرومانية مرتين، وفي معركتين: الأولى: معركة بحرية أخبر عنها ﷺ بقوله: " أوّل جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا " أي أوّل معركة بحرية يغزو فيها المسلمون دولة الروم يكونون قد فازوا فيها بالشهادة، واستحقوا الجنة. وهذه المعركة هي غزوة قبرس التي غزى فيها عثمان بن عفان في السنة الرابعة والعشرين من الهجرة جزيرة قبرس في البحر الأبيض المتوسط. " قالت " أي أم حرام ﵂: " قلت: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم " فبشر النبي ﷺ أمّ حرام بالاشتراك في هذه الغزوة البحرية، وقد تحققت هذه البشري فاشتركت أم حرام في هذه المعركة، فلما رجعت وقعت من دابتها، فاندقت عنقها، وماتت شهيدة في سبيل الله. أما المعركة الثانية فهي معركة القسطنطينية، وهي أول غزوة غزا فيها المسلمون هذه المدينة، وفي هذا يقول ﷺ : " أوّل جيش يغزو مدينة قيصر " أي يغزو

стр. 1314

٧٦٢ - " بَابُ قتالِ الْيَهُودِ " ٨٦٥ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى تُقَاتِلُوا الْيَهُودَ، حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ وَرَاءَهُ الْيَهُودِيُّ: يا مُسْلِمْ هَذَا يَهودِي ورائي فاقْتُلْهُ ". ــ القسطنطينية التي هي أكبر مدن الروم، وعاصمة ملكهم لأول مرة، وذلك في خلافة الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، واشترك في هذه الغزوة بعض أصحاب رسول الله ﷺ الذين شهد لهم النبي ﷺ بالمغفرة في قوله " مغفور لهم " قالت أم حرام " فقلت أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا " لأنها ماتت في غزوة قبرس. الحديث: أخرجه البخاري. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: إخبار النبي ﷺ عن غزو المسلمين للروم في معركة بحرية تدور رحاها في البحر الأبيض المتوسط (١) وهى غزوة قبرس، وتبشيره لمن قتل فيها بالشهادة والجنة، ومنهم أم حرام ﵂. ثانياًً: تبشيره ﷺ للمسلمين بأول غزوة يقومون بها لمدينة القسطنطينية وقتالهم للروم في عقر دارهم، وعاصمة امبراطوريتهم، وقد تحقق ذلك في عهد يزيد بن معاوية، حيث غزا المسلمون عاصمة الروم بجيش يضم جماعة من أعلام الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبو أيّوب الأنصاري وتوفي أبو أيوب في القسطنطنية ودفن عند سورها ﵃ أجمعين. والمطابقة: في قوله: " أول جيش من أمتي يغزو مدينة قيصر مغفور لهم ". ٧٦٢ - " باب قتال اليهود " ٨٦٥ - معنى الحديث: أخبر النبي ﷺ في هذا الحديث عن محاربة

стр. 1315

٧٦٣ - " بَابُ مَنْ أرَادَ غَزْوَةً فوَرَّى بِغيْرِهَا " ٨٦٦ - عن كَعْبِ بْنِ مالِكٍ ﵁ قَال: " كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا. إلَّا ورَّى بِغَيْرِهَا، حتى كَانَتْ غزْوَةُ تَبُوكٍ، فغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ في حَر شَديدٍ، واسْتَقْبَلَ ــ المسلمين لليهود في آخر الزمان، وانتصارهم عليهم قبل قيام الساعة، فيهزمون حتى يختبىء أحدهم ويختفي وراء الحجر، فيقول الحجر: " يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله " ويحتمل أن يكون ذلك حقيقة أو مجازاً، فيكون كناية عن انكشاف اليهودي وظهوره، وهزيمته قال القسطلاني قوله: " حتى تقاتلوا اليهود " أي الذين يكونون مع الدجال عند نزول عيسى ﵇. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: محاربة المسلمين لليهود في آخر الزمان، وانتصارهم عليهم، وتلك حقيقة ثابتة لا بد من وقوعها ما دام قد أخبر عنها الصادق المصدوق ﷺ وهو ما ترجم له البخاري. ثانياً: أن هؤلاء اليهود يقضى عليهم في هذه الحرب، ولا تقوم لهم بعدها قائمة بدليل قوله: " حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله ". والمطابقة: في قوله: " لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود ". الحديث: أخرجه الشيخان. ٧٦٣ - " باب من أراد غزوة فورَّى بغيرها " ٨٦٦ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان في أكثر غزواته وأغلبها إذا أراد غزو جهة أخفاها، وأظهر أنه يريد غزو جهة أخرى، ليباغت العدو، إلّا في غزوة تبوك، فإنه قد أعلنها للناس وبين لهم الجهة التي يريدها، لأن النبي ﷺ قد خرج إليها في حرّ شديد، وواجه فيها سفراً طويلاً، واستقبل عدواً كثير العدد والعدة كما قال الراوي "فغزاها رسول الله ﷺ في حرّ

стр. 1316

سَفَراً بَعِيداً ومَفَازاً، واسْتَقبَلَ غَزْوَ عَدُوٍّ كَثِيرٍ فجلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهُمْ لِيَتأهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، وأخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الذي يُرِيدُ". ٧٦٤ - " بَابُ التَّودِيعَ " ٨٦٧ - عَنْ أبِي هريْرَةَ ﵁ أنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ في بعثٍ وَقَالَ لَنَا: "إِنْ لَقِيتُمْ فُلَاناً وَفُلاناً لِرَجُليْنِ مِنْ قريش سَمَّاهُمَا فَحَرِّقُوهُمَا بالنَّارِ " قَالَ: ثُمَّ أتيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أردْنَا ــ شديد، واستقبل سفراً ومفازاً" قال في " المصباح ": المفاز الموضع المهلك، مأخوذ من فوّز بالتشديد إذا مات، لأنّها مظنة الموت، " واستقبل غزو عدد كثير، فجلَّى للمسلمين أمرهم " أي فأعلن لهم عن هذه الغزوة " ليتأهبوا أهبة عدوهم " أي يستعدوا له. فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب التورية في الحرب، وإخفاء الجهة المقصودة تعمية على العَدُوّ سيما في الحروب الخاطفة للتمكن منه والله أعلم. الحديث: أخرجه الستة إلا ابن ماجه بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " قلما كان رسول الله ﷺ يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها ". ٧٦٤ - " باب التوديع " ٨٦٧ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: " بعثنا رسول الله ﷺ في بعث " أي في جيش لقتال العدو، وكان أمير هذا الجيش حمزة بن عمرو الأسلمي كما رواه أبو داود " وقال لنا: إذا لقيتم فلاناً وفلاناً لرجلين من قريش " وهما هبار بن الأسود ورفيقه " فحرقوهما بالنار " جزاء لهما على تعديهما على زينب بنت رسول الله ﷺ ، ومحاولتهما قتلها، وذلك أن النبي ﷺ لما أطلق زوجها أبا العاص بن الربيع من الأسر، وجهزها وأرسلها

стр. 1317

ْالْخُروجَ، فَقَالَ: " إنِّي كُنْت أمَرْتُكمْ أن تحَرِّقُوا فُلاناً وفُلاناً بالنَّارِ، وإنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِهَا إِلا اللهُ، فإنْ أخَذْتمُوهمَا فَاقْتلُوهُمَا ". ٧٦٥ - " بَاب يُقَاتلُ مِنْ وَرَاءِ الإمَامِ " ٨٦٨ - عَنْ أبي هريْرَةَ ﵁: أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقول: "مَنْ أطَاعَنِي فَقَدْ أطَاعَ اللهَ، ومَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِع الأمِيرَ فَقَدْ أطَاعَنِي، ومَنْ يَعْصِ الأمِيرَ ــ إليه، تبعها هبار بن الأسود ورفيقه، فنخسا بعيرها فأسقطت ومرضت، " ثم أتينا نودعه " قبل سفرنا " فقال: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذّب بها إلاّ الله، فإن أخذتموهما فاقتلوهما " أي أنه ﷺ ندم، ورجع عن رأيه، ونهاهم عن قتلهما حرقاً، لأن الحرق لله وحده. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يسن التوديع عند السفر فيستحب للمسافر أن يودع أكابر أهل بلده،. وأقاربه وأصحابه. ثانياًً: النهي عن القتل حرقاً في الحدود، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وعطاء وغيرهم (١)، وذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن من حرق يحرّق. الحديث: أخرجه أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " أتيناه نودعه ". ٧٦٥ - " باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به " ٨٦٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "من أطاعني فقد أطاع الله " أي من نفذ أحكامي أمراً أو نهياً، فقد فاز بطاعة الله ورضوانه وجنته، " ومن عصاني فقد عصا الله " كما قال تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

стр. 1318

فَقَدْ عَصَانِي، وإنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أمَرَ بِتَقْوَى اللهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أجْراً، وإنْ قَالَ بِغَيرِهِ فإنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ". ٧٦٦ - "بَابُ البَيْعَةِ في الْحَرْبِ على أنْ لا يَفرُّوا، وَقَالَ بَعضهُمْ: عَلَى الْمَوْتِ " ٨٦٩ - عنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ ﵄ قَالَ: ــ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) " ومن يطع الأمير فقد أطاعني " أي ومن يطع ولي الأمر أياً كان أميراً أو قاضياً أو مدير شرطة فقد أطاع النبي ﷺ ، " ومن يعص الأمير فقد عصاني " قال القرطبي: وهو عام في كل أمير عدل للمسلمين " وإنما الإِمام جنة " بضم الجيم، وتشديد النون، أي وقاية للمسلمين وحماية لهم، من الأعداء ينفذ فيهم أحكام الشريعة، التي تحقق الأمن والاستقرار، " يقاتل من ورائه " أي يجب على المسلمين أن يقاتلوا معه الكفار والبغاة " فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجراً، وإن قال بغيره فإن عليه منه " أي أنه لا يجوز الخروج عليه ولو عصى فإن ذلك بينه وبين ربه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب طاعة ولي الأمر ولو فاسقاً لأن فسقه يعود عليه، ما لم يأمر بمعصية فلا طاعة له. ثانياً: وجوب القتال من ورائه. والمطابقة: في قوله: " إنما الإِمام جنة يقاتل من ورائه ". ٧٦٦ - " باب البيعة في الحرب على أن لا يفروا، وقال بعضهم: على الموت " قال العيني: والمراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس

стр. 1319

رَجَعْنَا مِن العَامِ المُقْبِلِ، فما اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ على الشَّجَرَةِ التي بايَعْنَا تَحْتَهَا كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللهِ، فَقِيلَ لَهُ: على أيِّ شيءٍ بَايَعَهمْ، عَلَى المَوْتِ؟ قَالَ: لا، بَلْ بَايَعَهُمْ على الصَّبرِ". ــ المراد به أن يقع الموت ولا بد. اهـ. وعلى هذا فالصيغتان بمعنى واحد. ٨٦٨ - معنى الحديث: أن عبد الله بن عمر ﵄ يقول: " رجعنا من العام المقبل " أي رجعنا إلى مكة معتمرين عمرة القضاء في العام الذي يلي عام الحديبية، وذلك في السنة السابعة من الهجرة " فما اجتمع منا اثنان على الشجرة " أي فإذا شجرة الرضوان قد اختفت آثارها، ولم يبق منها شيء، واختلفنا في تحديد موضعها، فلم يتفق منا اثنان على تحديد مكانها، " وكانت رحمة من الله " أي وكانت موضع رحمة لنا ورضوان من الله تعالى حيث قال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) " فقيل له: على أي شيء بايعهم " يعني بأي صيغة بايعهم رسول الله ﷺ " على الموت؟ " بحذف همزة الاستفهام تقديره أعلى الموت - يعني هل بايعهم على الموت، " قال: لا على الصبر " يعني بايعهم على الصبر على الأعداء، والثبات في الحرب، والاستمرار فيها، وأن لا يفروا من المعركة. الحديث: أخرجه البخاري. فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية المعاهدة في الحرب، سيما في المعارك الخطيرة والمبايعة على الصبر، وعدم الفرار، وهو ما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قوله: " بايعهم على الصبر ". ***

стр. 1320

٧٦٧ - " بَابُ كَرَاهِيَّةِ السَّفَرِ بالمصَاحِفِ إلى أرْضِ الْعَدُوِّ " ٨٧٠ - عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: " أن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أنْ يُسَافَرَ بالقُرْآنِ إلى أرْض العَدُوِّ ". ٧٦٨ - " بَابُ يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإِقامة " ٨٧١ - عَنْ أبي موسى ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إذا مَرِضَ العَبْد أو سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ ــ ٧٦٧ - " باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو " ٨٧٠ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ نهى المسلمين عن السفر بالمصاحف إلى أرض المشركين خوفاً من أن يتمكنوا من الحصول عليها، فيعبثوا بها، ويهينوها. قال مالك: إنما ذلك مخافة أن يناله العدو، أي خوفاً من أن يتمكن الكفار من القرآن متمثلاً في المصاحف فيعبثوا به، وهو معنى قوله: " نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو " قال الباجي (١): يريد والله أعلم بالقرآن المصحف، لما كان القرآن مكتوباً فيه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على النهي عن السفر بالمصحف الشريف إلى أرض العدو، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز ذلك في العسكر الصغير الذي يخاف عليه، أما الكبير فقد أجاز السفر إليه بالمصحف أبو حنيفة، ومنعه مالك مطلقاً كما أفاده الباجي، وأدار الشافعية الكراهية مع الخوف وجوداً وعدماً. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في كونه ﷺ نهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو. ٧٦٨ - " باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإِقامة " ٨٧١ - معنى الحديث: أن المؤمن الصالح إذا مرض أو سافر سفر

стр. 1321

يَعْمَلُ مُقِيماً صَحِيحاً". ٧٦٩ - " بَابُ الْجِهَادِ بِإذْنَ الأبَوَيْنَ " ــ طاعة فمنعه سفره ومرضه عن عبادات وطاعات وأعمال صالحة، كان معتاداً لها، محافظاً عليها أثناء صحته وإقامته، فإن الله يكتب له أثناء مرضه وسفره من الأجر والمثوبة ما يوازي ثواب تلك الأعمال التي كان يفعلها عندما كان مقيماً صحيحاً وهو مصداق قوله تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ). الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود. والمطابقة: في قوله: " كتب له مثل ما كان يعمل إلخ ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن المسافر والمريض يكتب لهما ما كانا يعملانه من الطاعات حال إقامتهما وصحتهما، ويوضع في كفة حسناتهما، قال في " هداية الباري " (١) هذا في حق من دأب على عمل صالح، فعرض عليه من الملّمات الجسمانية ما أخرجه عن الاعتدال، وأدخله في دائرة الاعتلال، أو سافر في غير معصية، وعَضَلَهُ سفره عن ذلك العمل، ونيته لولا العارض لثابر عليه. قال ابن المنير (٢): وتدخل في ذلك الفرائض التي شأنها أن يعمل بها وهو صحيح إذا عجز عن جملتها أو بعضها بالمرض كتب له أجر ما عجز عنه حتى صلاة الجالس في الفرض لمرضه يكتب له عنها أجر صلاة القائم. ٧٦٩ - " باب الجهاد بإذن الأبوين " أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذن الأبوين.

стр. 1322

٨٧٢ - عن عبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُل إلى النبِيِّ ﷺ فاسْتَأذَنَهُ في الْجِهَادِ فَقَالَ: "أحَيٌّ وَالِدَاك؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ". ــ ٨٧٢ - معنى الحديث: أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ وهو جاهمة ابن العباس بن مرداس جاء إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، فسأله النبي ﷺ عن أبويه هل هما لا يزالان على قيد الحياة، قال: نعم " قال ففيهما فجاهد " الفاء الأولى واقعة في جواب شرط محذوف، والثانية جزائية لتضمن الكلام معنى الشرط، أي إذا كان الأمر كما قلت فاختص المجاهدة في خدمتهما، وفي رواية عنه أنه قال أتيت النبي ﷺ أستشيره في الجهاد، فقال: " ألك والدة؟ " قلت: نعم، قال: " اذهب فأكرمها " فإن الجنة تحت رجلها " أخرجه أحمد والنسائي: قال الصنعاني: سمّى إتعاب النفس في القيام بمصالح الأبوين وبذل المال في قضاء حوائجهما جهاداً من باب المشاكلة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه لا يجوز الجهاد إلّا بإذن الأبوين، لقوله ﷺ : " ففيهما فجاهد " حيث أمره بببرهما وجهاد النفس في القيام بخدمتهما وإرضائهما وطاعتهما، وأصرح منه في وجوب استئذانهما حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال له: " ارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلّا فبرهما " أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان. قال الصنعاني (١): وذهب الجماهير من العلماء إلى أنّه يحرم الجهاد على الولد إذا منعه الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين، لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد، فإنه يقدم على طاعة الوالدين. ثانياً:

стр. 1323

٧٧٠ - " بَابُ قتْلِ النِّسَاءِ في الْحَربِ " ٨٧٣ - عن عبْد اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: " أن امْرَأةً وُجِدَتْ في بَعْض مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ مَقتُولَةً، فنَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عنْ قَتْل النِّسَاء والصبيَانِ ". ــ قال الحافظ: استدل بهذا الحديث (١) على تحريم السفر بغير إذن الوالدين، لأن الجهاد إذا منع مع فضيلته، فالسفر المباح أولى، نعم إن كان السفر لتعلم فرض عين حيث يتعين السفر طريقاً إليه فلا منع، وإن كان فرض كفاية ففيه خلاف. ثالثاً: قال الحافظ وفي الحديث فضل بر الوالدين، وتعظيم حقهما، وكثرة الثواب على برهما. اهـ. وقد صرح في حديث آخر بأن بر الوالدين أفضل من الجهاد كما جاء في رواية عن ابن عمر ﵄ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن أفضل الأعمال فقال: " الصلاة " قال: ثم مه: قال: " الجهاد " قال: فإن لي والدين، فقال: " برك بوالديك خير " أخرجه ابن حبان. فقد دل هذا الحديث على أن بر الوالدين أفضل اللهم إذا كان الجهاد فرض عين، فإنه يقدم عليه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة ". ٧٧٠ - " باب قتل النساء في الحرب " ٨٧٣ - معنى الحديث: أن امرأة من المشركين وجدت مقتولة في غزوة الفتح، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ أنكر عليهم هذا الفعل، ونهاهم عن قتل النساء والصبيان، ومنع المسلمين أن يقتلوا امرأة أو صبياً عامدين متعمدين ذلك إلاّ في حالات استثنائية، كأن تقاتل المرأة أو الصبي المراهق مثلاً. الحديث: أخرجه الشيخان.

стр. 1324

٧٧١ - " بَابُ حَرْقَ الدُّورِ والنَّخِيلَ " ٨٧٤ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " حَرَّقَ النبي ﷺ نَخْلَ بني النَّضِيرِ ". ــ فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب، وهو أمر مجمع عليه فيما إذا لم يقاتلوا أو يختلطوا بالرجال. أما إذا قاتلت المرأة أو الصبي، أو اختلطوا بالرجال، فيجوز قتلهم عند الجمهور لما جاء في حديث ابن عمر أنه ﷺ لما دخل مكة أتي بامرأة مقتولة فقال: " ما كانت هذه تقاتل " أخرجه الطبراني، قال الصنعاني: قوله: " ما كانت هذه تقاتل " يدل على أنها إذا قاتلت قتلت، وإليه ذهب الشافعي (١) وأبو حنيفة أيضاً. اهـ. وأما جواز قتل المرأة إذا اختلطت بالرجال المقاتلين فيدل عليه حديث البخاري عن الصعب بن جثامة أن النبي ﷺ سئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم قال: " هم منهم " أخرجه الستة، فدل ذلك على جواز قتل النساء والصبيان إذا لم يمكن الوصول إلى الرجال إلا بقتلهم وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز قتلهم حتى لو تترس أهل الحرب بهم. والمطابقة: في قول ابن عمر: " نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء " وهو ما ترجم له البخاري. ٧٧١ - " باب حرق الدور والنخيل " أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على جواز إحراق دور المشركين وأشجارهم ونخيلهم إذا كان لا يمكن استسلامهم والظفر بهم إلّا بذلك. ٨٧٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان قد تعاهد مع قبيلة بني

стр. 1325

٧٧٢ - "بَاب الْحَرْبُ خدعَة " ٨٧٥ - عَنْ أبي هرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "هَلَكَ كِسْرَى، ثم لَا يَكُون كِسْرَى بَعْدَهُ، ــ النضير من اليهود فنقضوا العهد الذي بينه وبينهم، وحاولوا قتله غيلة، فأخبره الله بذلك، فغزا ديارهم في جنوب المدينة سنة أربع من الهجرة، وطلب منهم الاستسلام فرفضوا فشدد الحصار عليهم، وخرب ديارهم، وحرق نخيلهم وأشجارهم بعد أن حاصرهم خمسة عشر يوماً، فنزلوا على حكمه، واستسلموا، فأجلاهم عن المدينة. والمطابقة: في قوله: " حرق النبي ﷺ نخل بني النضير ". فقه الحديث: قال القسطلاني: استدل الجمهور بذلك على جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو إذا تعين طريقاً في نكاية العدو، وخالف بعضهم فقال: لا يجوز قطع الثمر، وحمل ما ورد من ذلك إِما على غير المثمر، وإما على أن الشجر الذي قطع في قصة بني النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الليث والأوزاعي وأبي ثور. اهـ. واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئاً من ذلك، وأجاز ذلك الكوفيون ومالك والشافعي وأحمد (١) وإسحاق والثوري وابن القاسم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. ٧٧٢ - " باب الحرب خدعة " روى بسكون الدال وضم الخاء وفتحها وكسرها، خُدْعة خَدْعة خِدْعة، وبضم الخاء وفتح الدال خُدَعة، قال القزاز: وفتح الخاء وسكون الدال لغة النبي ﷺ وهي أصح.

стр. 1326

وَقَيْصَر لَيَهْلَكَن، ثُم لا يَكُونُ قَيْصَر بَعْدَهُ، وَلتقْسَمَن كُنُوزُهُمَا في سَبِيل اللهِ" وسَمَّى الحَرْبَ خُدْعَةً. ــ ٨٧٥ - "معنى الحديث: أن النبي ﷺ بشر أصحابه باتساع نطاق الفتح الإسلامي شرقاً وغرباً حتى يفضى على دولتي الفرس والروم، فقال ﷺ : " هلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعده " فعبر عنه بصيغة الماضي للدلالة على أن هلاكه في حكم الشيء الذي وقع وانتهى، وذلك لقرب وقوعه حيث هلك آخر ملوكهم في عهد الفاروق ﵁، أما القضاء على الامبراطورية الرومانية فأخبر عنه ﷺ بقوله: " وقيصر ليهلكن " فعبر عنه بصيغة المضارع، لأن القضاء على الامبراطورية الرومانية في المشرق قد تم على مراحل، حيث أخذت تتقلص ولم يقض عليها نهائياً إِلا على يد السلطان المظفر محمد الفاتح عندما فتح القسططينية سنة ٨٥٧ هـ " وسمى الحرب " في غزوة الخندق " خدعة " ومعناه أن النصر فيها لا يعتمد على العدد والعدة بقدر ما يعتمد بعد الله على حسن التدبير والحيل الحربية. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: البشارة بزوال الدولة الفارسية في أقرب وقت، كما يدل عليه التعبير بصيغة الماضي في قوله ﷺ : " هلك كسرى ". ثانياً: بشارته ﷺ بزوال الامبراطورية الرومانية من المشرق بعد مدة من الزمن كما يدل عليه التعبير بصيغة المضارع في قوله ﷺ : " وقيصر ليهلكن " وهذا ما وقع بالفعل؛ لأنّ الدولة الرومانية أخذت تتقلص على يد الفاتحين شيئاً فشيئاً، فجلت عن بلاد الشام في عهد الفاروق ﵁، وتوالت الفتوحات حتى فتحت عمورية في عهد الخليفة العباسي المعتصم، ثم تمَّ القضاء عليها في الشرق نهائياً بفتح القسطنطينية على يد الخليفة المظفر محمد الفاتح. حيث غزاها بجيش يبلغ مائتين وخمسين ألفاً، وحاصرها بحراً

стр. 1327

٧٧٣ - " بَابُ فكاك الأسير " ٨٧٦ - عَنْ أبي مُوسى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فُكوا الْعَانِيَ -يعني الأسير- وأطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعوُدُوا الْمَرِيضَ ". ــ بمائة وثمانين ألفاً، غير أنه لم تتمكن السفن العثمانية من الوصول إلى القسطنطينية بسبب السلاسل الحديدية التي حالت بينهم وبينها من جهة البحر، فلما رأى السلطان ذلك أمر بوضع ألواح خشبية على البر، وصب عليها الزيت، ونقل عليها السفن البحرية التي تبلغ نحو سبعين سفينة إلى الجانب الآخر من البحر على طريق برّي يبلغ ستة أميال، وتم ذلك في ليلة واحدة، فلم يطلع الصباح حتى رآها الروم قائمة على البحر تحاصر عاصمتهم، فأيقنوا بالهزيمة، واقتحم السلطان المدينة بمائة وخمسين ألفاً مكبرين مهللين، ودخلوا القسطنطينية في ٢٠ جمادى الأولى سنة ٨٥٧ هـ. واقتحم المسلمون كنيسة القديسة صوفيا حيث كان يصلي البطريق، فخرج منها، وقاتل حتى قتل، وأحال المسلمون تلك الكنيسة إلى مسجد إسلامي. ثالثاً: أن الحرب تدبير واحتيال، وكثيراً ما كان ﷺ يعتمد في حربه على الخطط العسكرية والحيل الحربية. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. ٧٧٣ - " باب فكاك الأسير " ٨٧٦ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ أمر بفك الأسير وتخليصه من يد المشركين، وفدائه بالمال، كما أمر أيضاً بإطعام الطعام لكل من يحتاج إليه من إنسان أو حيوان، وبعيادة المريض وزيارته أثناء مرضه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية فكاك

стр. 1328

٧٧٤ - "بَابُ فِدَاءِ الْمُشْرِكين " ٨٧٧ - عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أنَّ رِجَالاً من الأنْصَارِ استَأذَنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إئْذَنْ فَلْنَتْرُكْ لابنِ أُخْتِنَا عَبَاسٍ فِدَاءَهُ، فَقَالَ: " لا تَدَعُونَ مِنْهَا دِرْهماً ". ــ الأسير ومفاداته من يد العدو بالمال، وهو فرض كفاية عند الجمهور، قال إسحاق ومالك في رواية: فكاكه من بيت المال، وقال أحمد: يفادى بالرؤوس، أما بالمال فلا أعرفه. ثانياًً: مشروعية إطعام الجائع وهو فرض كفاية وعيادة المريض وقد تقدم. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود. والمطابقة: في قوله: " فكوا العاني " أي الأسير. ٧٧٤ - " باب فداء المشركين " أي هذا باب يذكر فيه مشروعية فداء المشركين بمال يؤخذ منهم. ٨٧٧ - معنى الحديث: أن العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ورضي عنه وقع أسيراً في أيدي المسلمين يوم بدر، فعرض بعض الأنصار على رسول الله ﷺ أن يمنَّ عليه بإطلاق سراحه، وفك أسره دون أي فداء مالي لما بينه وبينهم من قرابة، لأنهم أخوال أبيه، وهو معنى قولهم: " ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه " قال القسطلاني: وقالوا: ابن أختنا ليكون له المنة عليهم بخلاف ما لو قالوا: ائذن لنا فلنترك لعمك. " فقال: لا تدعون منها درهماً " أي لا بد أن تأخذوا منه الفداء كاملاً دون أن يتبقى منه درهم واحد. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية فداء الأسير

стр. 1329

٧٧٥ - " بَابُ الحْربِيّ إذَا دَخلَ دَارَ الإسْلامِ بِغيْرِ أمَانٍ " ٨٧٨ - عن سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعْ ﵁ قَالَ: أتى النبي ﷺ عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَهُوَ في سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثم انْفَتَلَ، فَقَالَ النبي ﷺ : " اطْلُبُوهُ واقتُلُوهُ " فقَتَلَهُ، فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ. ــ المشرك، وهو أخذ المال من الأسير المشرك مقابل إطلاق سراحه، أو إطلاق أسير مسلم بدلاً عنه، قال في " الإفصاح ": اتفقوا على أن الإِمام مخير في الأسارى بين القتل والاسترقاق، واختلفوا هل هو مخير فيهم بين الفداء، والمن، وعقد الذمة، فقال مالك والشافعي وأحمد: هو مخير فيهم أيضاً بين الفداء بالمال وبالأسارى وبين المن عليهم، وقال أبو حنيفة: لا يمن ولا يفادي، وأما عقد الذمة فقال مالك وأبو حنيفة: هو مخير في عقد الذمة عليهم، وقال الشافعي وأحمد: ليس له ذلك لأنهم قد ملكوا. ثانياً: أنه لا محاباة في الأحكام الشرعية، ولذلك ساوى النبي ﷺ بين عمه العباس وغيره في أخذ الفداء. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة. ٧٧٥ - " باب الحربي إذا دخل دار الإِسلام بغير أمان " ٨٧٨ - معنى الحديث: أن المشركين أرسلوا إلى النبي ﷺ جاسوساً في غزوة حنين، جاء يركض على جمل أحمر أناخه ثم انتزع حبلاً من جعبته فقيد به الجمل، ثم تقدم وجلس مع أصحاب رسول الله ﷺ وتحدث إليهم، وأكل معهم ليطمئنوا إليه ويتعرف على أحوالهم، قال الراوى: " ثم انفتل " أي ثم انصرف على هيئة مريبة تبعث على الشك حيث خرج يشتد أي يسرع في سيره، فأتى جمله فأطلق قيده، ثم قعد عليه، فاشتد به، أي أسرع في سيره، فشخصت إليه الأبصار وتنبه له الرسول ﷺ وتأكد من جاسوسيته،

стр. 1330

٧٧٦ - " بَابُ استقْبَالَ الْغزَاةِ " ٨٧٨ م - عَن السَّائِبِ بْنِ يَزيدَ قَالَ: " ذَهَبْنَا نَتَلَقَّى رَسُولَ اللهِ ﷺ مَعَ الصبيَانِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ ". ــ " فقال النبي ﷺ : اطلبوه فأقتلوه " أي فأمر النبي ﷺ بإلقاء القبض عليه وقتله " فقتله فنفله سلبه " أي فقتله سلمة بن الأكوع فأعطاه النبي ﷺ سلبه، أي أعطاه ما وجده عليه من ثياب وسلاح ونحوها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استدل به مالك على مشروعية قتل الحربي إذا دخل دون أمان، وقال أبو حنيفة يكون فيئاً للمسلمين، وهو قول أحمد أيضاً وقال الشافعي: إذا ادعى أنه رسول قُبِلَ منه. ثانياً: قال النووي: فيه قتل الجاسوس الحربي الكافر، وهو محل اتفاق، وأما المعاهد والذمي، فقال مالك والأوزاعي ينقض عهده بذلك، وعند الشافعية خلاف. والمطابقة: في قوله ﷺ : " اطلبوه فاقتلوه ". ٧٧٦ - " باب استقبال الغزاة " ٨٧٨ م - معنى الحديث: يقول السائب بن يزيد ﵁ " ذهبنا نتلقى رسول الله ﷺ مع الصبيان " أي خرجت وأنا غلام صغير مع غلمان المدينة نستقبل رسول الله ﷺ " إلى ثنية الوداع " الواقعة في شمال المدينة بجوار جبل سلع، وعند مفرق طريق العيون وسلطانة، كما جاء في رواية الترمذي حيث قال: " لما قدم (١) رسول الله ﷺ من تبوك خرج الناس يتلقونه إلى ثنية الوداع، فخرجت مع الناس، وأنا غلام " قال الترمذي حسن

стр. 1331

٧٧٧ - " بَابُ مَا يَقُولُ إذَا رَجَعَ مِنَ الْغزْوِ " ٨٧٩ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ النبي ﷺ كَانَ إذَا قَفَلَ كَبَّرَ ثَلَاثاً قال: " آيِبُونَ إنْ شَاءَ اللهُ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، حَامِدُونَ، لِربَّنا سَاجِدُونَ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ ". ــ صحيح. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية استقبال القادمين من الجهاد والحج بالحفاوة والترحيب، فهو سنة من سنن سيد المرسلين، وفيه جواز رواية الصبي لأن السائب كان غلاماً. والمطابقة: في قوله: " ذهبنا نتلقى رسول الله ﷺ ". ٧٧٧ - " باب ما يقول إذا رجع من الغزو " ٨٧٩ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ " أن النبي ﷺ كان إذا قفل كبّر ثلاثاً " أي كان ﷺ إذا رجع من السفر قادماً من غزو أو جهاد كبّر ثلاث تكبيرات ثم قال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده " ومعنى هذا القول المبارك: أننا عدنا إلى بلدنا الحبيب، وقد عقدنا العزم على العودة إلى الله والتوبة الصادقة المقترنة بالأعمال الصالحة من الشكر لله، والمواظبة على عبادته، والتقرب إليه بالصلاة، وكثرة السجود. الحديث: أخرجه الشيخان بألفاظ مختلفة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب هذا القول عند الوصول

стр. 1332

٧٧٨ - " بَابُ الصَّلَاةِ إذَا قَدِمَ مِنْ سفَر " ٨٨٠ - عَنْ كَعْبٍ ﵁: أنَّ النبِيَّ ﷺ " كَانَ إذَا قَدِمَ من سَفَرٍ ضُحَىً، دَخَلَ المَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يَجْلِسَ ". ــ إلى الوطن لما فيه من التعبير عن مقابلة نعمة السلامة بالشكر لله تعالى، والعزم على التوبة (١) والرجوع إليه. والمطابقة: في قوله: " كان إذا قفل كبّر ثلاثاً إلخ ". ٧٧٨ - " باب الصلاة إذا قدم من سفر " ٨٨٠ - معنى الحديث: يحدثنا كعب بن مالك ﵁ " أن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر " أي من أي سفر كان، جهاداً أو حجاً أو غيره، " ودخل المسجد " أي دخل مسجده الشريف، لأنه أشرف البقاع " فركع فيه ركعتين " تحية المسجد، شكراً لله على نعمة الوصول بالسلامة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب صلاة ركعتين للمسافر عند وصوله في أقرب مسجد لبيته، لما في ذلك كما قال العيني (٢) من معنى الحمد لله على السلامة، والتبرك. والمطابقة: في قوله: " كان إذا قدم من سفر ضحى دخل المسجد فصلّى ركعتين ". ...

стр. 1333

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتاب فَرْضُ الْخمُس " ٧٧٩ - " بَابُ فَرْضُ الْخمُس " ٨٨١ - عن علِي ﵁ قَالَ: " كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبي من الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ أعْطَانِي شارِفاً مِنَ الْخُمُس، فلما أردْتُ أنْ أبتني بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، واعَدْتُ رَجُلاً صَوَّاغاً من بنِي قَيْنُقَاع أنْ يَرْتَحِلَ معي، فَنَأتِيَ بإذْخِرٍ أردْتُ أنْ أبِيعَهُ الصَّوَّاغِينَ وأستعِينَ بِهِ في وَلِيمَةِ عُرْسِي، فَبَيْنَا أنا أجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعاً من الأقْتَابِ والغَرائِرِ والْحِبَالِ وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ إلى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُل من الأنْصَارِ، رَجَعت حينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ، فإذَا ــ ٧٧٩ - " باب الخمس " ٨٨١ - معنى الحديث: أن الإمام علي كرّم الله وجهه يحدثنا في حديثه هذا عن قصة غريبة وقعت له مع عمه حمزة بن عبد المطلب ﵁ فيقول: " كانت لي شارف " وهي المسنة من النوق كما أفاده العيني " من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي ﷺ وأعطاني شارفاً من الخمس " أي أنه ﵁ كان قد حَصَلَ على ناقتين كبيرتين من غنائم وخمس بدر " فلما أردت أن أبتني بفاطمة " أي أن أدخل بها " واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع " من اليهود " أن يرتحل معي فنأتي بإذخر " وهو نبت طيب الرائحة " أردت أن أبيعه الصواغين وأستعين به في وليمة عرسي " بضم العين،

стр. 1334

شَارِفَايَ قدْ أجِبَّتْ أسْنِمتُهمَا، وبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا، وأُخِذَ مِنْ أكْبَادِهمَا فَلَم أمْلِكْ عَيْنَّي حِينَ رَأيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظرَ مِنهُما، فقُلْتُ: مَنْ فَعَلَ هَذا؟ فَقَالُوا: فَعَلَ حمزةُ بنُ عبدِ المطَّلِبِ: وهو في هَذَا الْبيتِ في شَرْبٍ من الأنْصَارِ، فانْطَلقْتُ حتى أدْخُلَ على النَّبِيِّ ﷺ وعِنْدَهُ زيدُ بنُ حَارثَةَ، فَعَرَفَ النبي ﷺ في وَجْهِي الَّذِي لَقِيْتُ، فقالَ النبي ﷺ : مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ ما رَأيْتُ كاليْومِ قَطُّ، عدَا حَمْزَةُ على نَاقَتَيَّ فَجبَّ أسْنِمَتَهما، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُما، وهَا هُو ذَا في بَيْتٍ مَعه شَرْب، فدَعَا النبيُّ ﷺ بِرِدَائهِ، فارْتَدَى، ثم انْطَلَقَ يَمْشِي، واتبَّعْتُهُ أنا وَزَيْدُ ابنُ حَارثَةَ حتى جاءَ الْبَيْتَ الذي فِيهِ حمزةُ، فاسْتَأذَنَ فأذِنُوا لهم، فَإذَا هُمْ شَرْبٌ، فَطَفِقَ رَْسُولُ اللهِ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ فيما فَعَلَْ، فَإذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ مُحْمَرَّةً ــ أي أستعين بثمنه على شراء طعام العرس، " فبينا أنا أجمع لشارفي متاعاً من الأقتاب " جمع قتب وهو ما يوضع على ظهر البعير " والغرائر " أي الأكياس جمع غرارة بكسر الغين وهم ما يوضع فيه الشيء " رجعت حين جمعت ما جمعت، فإذا شارفاي قد أجِبَّتْ أسنمتهما " بضم الهمزة وكسر الجيم، وتشديد الباء، أي قطعت " وبقرت خواصرهما " أي شقت " فلم أملك عيني " أي فلم أستطع أن أمنع عيني عن البكاء " فقالوا: فعل حمزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار " بفتح الشين وسكون الراء أي جماعة يشربون الخمر " فقلت: يا رسول الله ما رأيت كاليوم قط أي ما رأيت أشد على نفسي منه " عدا حمزة على " أي اعتدى عليهما " فدعا النبي ﷺ بردائه فارتدى، ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن فأذنوا لهم، فإذا هم شرب،

стр. 1335

عَيْنَاهُ، فنظرَ حَمْزَةُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثم صَعَّدَ النَّظر، فَنَظر إلى رُكْبَتِهِ، ثم صَعَّدَ النَّظر فنَظر إلى سُرَّتِهِ، ثم صَعَّدَ النَّظر، فَنَظر إلى وَجْهِهِ، ثم قالَ حَمْزَةُ: هَلْ أنْتُمْ إلَّا عَبِيدٌ لِأبِي، فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَنَكَص رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرىَ، وخَرَجْنَا مَعَهُ. ــ فطفق رسول الله ﷺ يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة قد ثمل " أي فبدأ رسول الله ﷺ يلوم حمزة على ما فعله بناقتي علي، فإذا هو قد شرب وسكر " محمرة عيناه " أي حال كونه قد احمرت عيناه من السكر " فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ ثم صعّد النظر إلى ركبته، ثم صعد النظر فنظر إلى سرته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه " أي فجعل يصوب نظره أولاً إلى ركبة النبي ﷺ ثم إلى سرته ثم إلى وجهه " ثم قال حمزة: هل أنتم إلاّ عبيد لأبي " قال القسطلاني: يريد والله أعلم أن عبد الله وأبا طالب كانا كأنهما عبدان لعبد المطلب في الخضوع لحرمته، وأنه أقرب إليه منهما " فعرف رسول الله ﷺ أنه قد ثمل، فنكص " أي فعرف أنه في حالة سكر لا يعي ما يقوله: ولا يلام على ما يصدر منه، فعاد وتركه. مطابقة الحديث للترجمة: في قوله ﵁: " وكان النبي ﷺ أعطاني شارفاً من الخمس ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية فرض الخمس من الغنيمة، وأنه يجب أخذه منها، وصرفه في مصارفة كما قال تعالى: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) ويقسم الخمس على خمسة أسهم: (أ) سهم لله ورسوله: وينفق منه على الفقراء والسلاح والجهاد، ونحو ذلك من المصالح العامة (ب) سهم ذوي القربى: أي أقرباء النبي ﷺ من بني هاشم وبني المطلب الذين آزروه وناصروه، ويستوي فيهم الغني والفقير، والقريب والبعيد، والذكر والأنثى،
следующие страницы →