٧٧٧ - " بَابُ مَا يَقُولُ إذَا رَجَعَ مِنَ الْغزْوِ "
٨٧٩ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄:
أنَّ النبي ﷺ كَانَ إذَا قَفَلَ كَبَّرَ ثَلَاثاً قال: " آيِبُونَ إنْ شَاءَ اللهُ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، حَامِدُونَ، لِربَّنا سَاجِدُونَ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ ".
ــ
صحيح. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية استقبال القادمين من الجهاد والحج بالحفاوة والترحيب، فهو سنة من سنن سيد المرسلين، وفيه جواز رواية الصبي لأن السائب كان غلاماً. والمطابقة: في قوله: " ذهبنا نتلقى رسول الله ﷺ ".
٧٧٧ - " باب ما يقول إذا رجع من الغزو "
٨٧٩ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ " أن النبي ﷺ كان إذا قفل كبّر ثلاثاً " أي كان ﷺ إذا رجع من السفر قادماً من غزو أو جهاد كبّر ثلاث تكبيرات ثم قال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده " ومعنى هذا القول المبارك: أننا عدنا إلى بلدنا الحبيب، وقد عقدنا العزم على العودة إلى الله والتوبة الصادقة المقترنة بالأعمال الصالحة من الشكر لله، والمواظبة على عبادته، والتقرب إليه بالصلاة، وكثرة السجود. الحديث: أخرجه الشيخان بألفاظ مختلفة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب هذا القول عند الوصول
стр. 1332
٧٧٨ - " بَابُ الصَّلَاةِ إذَا قَدِمَ مِنْ سفَر "
٨٨٠ - عَنْ كَعْبٍ ﵁:
أنَّ النبِيَّ ﷺ " كَانَ إذَا قَدِمَ من سَفَرٍ ضُحَىً، دَخَلَ المَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يَجْلِسَ ".
ــ
إلى الوطن لما فيه من التعبير عن مقابلة نعمة السلامة بالشكر لله تعالى، والعزم على التوبة (١) والرجوع إليه. والمطابقة: في قوله: " كان إذا قفل كبّر ثلاثاً إلخ ".
٧٧٨ - " باب الصلاة إذا قدم من سفر "
٨٨٠ - معنى الحديث: يحدثنا كعب بن مالك ﵁ " أن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر " أي من أي سفر كان، جهاداً أو حجاً أو غيره، " ودخل المسجد " أي دخل مسجده الشريف، لأنه أشرف البقاع " فركع فيه ركعتين " تحية المسجد، شكراً لله على نعمة الوصول بالسلامة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب صلاة ركعتين للمسافر عند وصوله في أقرب مسجد لبيته، لما في ذلك كما قال العيني (٢) من معنى الحمد لله على السلامة، والتبرك. والمطابقة: في قوله: " كان إذا قدم من سفر ضحى دخل المسجد فصلّى ركعتين ".
...
стр. 1333
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب فَرْضُ الْخمُس "
٧٧٩ - " بَابُ فَرْضُ الْخمُس "
٨٨١ - عن علِي ﵁ قَالَ:
" كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبي من الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ أعْطَانِي شارِفاً مِنَ الْخُمُس، فلما أردْتُ أنْ أبتني بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، واعَدْتُ رَجُلاً صَوَّاغاً من بنِي قَيْنُقَاع أنْ يَرْتَحِلَ معي، فَنَأتِيَ بإذْخِرٍ أردْتُ أنْ أبِيعَهُ الصَّوَّاغِينَ وأستعِينَ بِهِ في وَلِيمَةِ عُرْسِي، فَبَيْنَا أنا أجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعاً من الأقْتَابِ والغَرائِرِ والْحِبَالِ وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ إلى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُل من الأنْصَارِ، رَجَعت حينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ، فإذَا
ــ
٧٧٩ - " باب الخمس "
٨٨١ - معنى الحديث: أن الإمام علي كرّم الله وجهه يحدثنا في حديثه هذا عن قصة غريبة وقعت له مع عمه حمزة بن عبد المطلب ﵁ فيقول: " كانت لي شارف " وهي المسنة من النوق كما أفاده العيني " من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي ﷺ وأعطاني شارفاً من الخمس " أي أنه ﵁ كان قد حَصَلَ على ناقتين كبيرتين من غنائم وخمس بدر " فلما أردت أن أبتني بفاطمة " أي أن أدخل بها " واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع " من اليهود " أن يرتحل معي فنأتي بإذخر " وهو نبت طيب الرائحة " أردت أن أبيعه الصواغين وأستعين به في وليمة عرسي " بضم العين،
стр. 1334
شَارِفَايَ قدْ أجِبَّتْ أسْنِمتُهمَا، وبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا، وأُخِذَ مِنْ أكْبَادِهمَا فَلَم أمْلِكْ عَيْنَّي حِينَ رَأيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظرَ مِنهُما، فقُلْتُ: مَنْ فَعَلَ هَذا؟ فَقَالُوا: فَعَلَ حمزةُ بنُ عبدِ المطَّلِبِ: وهو في هَذَا الْبيتِ في شَرْبٍ من الأنْصَارِ، فانْطَلقْتُ حتى أدْخُلَ على النَّبِيِّ ﷺ وعِنْدَهُ زيدُ بنُ حَارثَةَ، فَعَرَفَ النبي ﷺ في وَجْهِي الَّذِي لَقِيْتُ، فقالَ النبي ﷺ : مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ ما رَأيْتُ كاليْومِ قَطُّ، عدَا حَمْزَةُ على نَاقَتَيَّ فَجبَّ أسْنِمَتَهما، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُما، وهَا هُو ذَا في بَيْتٍ مَعه شَرْب، فدَعَا النبيُّ ﷺ بِرِدَائهِ، فارْتَدَى، ثم انْطَلَقَ يَمْشِي، واتبَّعْتُهُ أنا وَزَيْدُ ابنُ حَارثَةَ حتى جاءَ الْبَيْتَ الذي فِيهِ حمزةُ، فاسْتَأذَنَ فأذِنُوا لهم، فَإذَا هُمْ شَرْبٌ، فَطَفِقَ رَْسُولُ اللهِ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ فيما فَعَلَْ، فَإذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ مُحْمَرَّةً
ــ
أي أستعين بثمنه على شراء طعام العرس، " فبينا أنا أجمع لشارفي متاعاً من الأقتاب " جمع قتب وهو ما يوضع على ظهر البعير " والغرائر " أي الأكياس جمع غرارة بكسر الغين وهم ما يوضع فيه الشيء " رجعت حين جمعت ما جمعت، فإذا شارفاي قد أجِبَّتْ أسنمتهما " بضم الهمزة وكسر الجيم، وتشديد الباء، أي قطعت " وبقرت خواصرهما " أي شقت " فلم أملك عيني " أي فلم أستطع أن أمنع عيني عن البكاء " فقالوا: فعل حمزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار " بفتح الشين وسكون الراء أي جماعة يشربون الخمر " فقلت: يا رسول الله ما رأيت كاليوم قط أي ما رأيت أشد على نفسي منه " عدا حمزة على " أي اعتدى عليهما " فدعا النبي ﷺ بردائه فارتدى، ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن فأذنوا لهم، فإذا هم شرب،
стр. 1335
عَيْنَاهُ، فنظرَ حَمْزَةُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثم صَعَّدَ النَّظر، فَنَظر إلى رُكْبَتِهِ، ثم صَعَّدَ النَّظر فنَظر إلى سُرَّتِهِ، ثم صَعَّدَ النَّظر، فَنَظر إلى وَجْهِهِ، ثم قالَ حَمْزَةُ: هَلْ أنْتُمْ إلَّا عَبِيدٌ لِأبِي، فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَنَكَص رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرىَ، وخَرَجْنَا مَعَهُ.
ــ
فطفق رسول الله ﷺ يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة قد ثمل " أي فبدأ رسول الله ﷺ يلوم حمزة على ما فعله بناقتي علي، فإذا هو قد شرب وسكر " محمرة عيناه " أي حال كونه قد احمرت عيناه من السكر " فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ ثم صعّد النظر إلى ركبته، ثم صعد النظر فنظر إلى سرته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه " أي فجعل يصوب نظره أولاً إلى ركبة النبي ﷺ ثم إلى سرته ثم إلى وجهه " ثم قال حمزة: هل أنتم إلاّ عبيد لأبي " قال القسطلاني: يريد والله أعلم أن عبد الله وأبا طالب كانا كأنهما عبدان لعبد المطلب في الخضوع لحرمته، وأنه أقرب إليه منهما " فعرف رسول الله ﷺ أنه قد ثمل، فنكص " أي فعرف أنه في حالة سكر لا يعي ما يقوله: ولا يلام على ما يصدر منه، فعاد وتركه. مطابقة الحديث للترجمة: في قوله ﵁: " وكان النبي ﷺ أعطاني شارفاً من الخمس ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية فرض الخمس من الغنيمة، وأنه يجب أخذه منها، وصرفه في مصارفة كما قال تعالى: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) ويقسم الخمس على خمسة أسهم: (أ) سهم لله ورسوله: وينفق منه على الفقراء والسلاح والجهاد، ونحو ذلك من المصالح العامة (ب) سهم ذوي القربى: أي أقرباء النبي ﷺ من بني هاشم وبني المطلب الذين آزروه وناصروه، ويستوي فيهم الغني والفقير، والقريب والبعيد، والذكر والأنثى،
стр. 1336
٧٨٠ - " بَابُ مَا ذُكِرَ مِنْ دِرْعِ النَّبِيِّ ﷺ وعَصَاهُ وَسَيفهِ وقَدَحِهِ وخاتمِهِ وَمَا استَعْمَلَ الخلَفَاءُ بَعْدَهُ مِن ذَلِك، مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ قِسْمَتُهُ، وَمِنْ شَعْرِهِ وَنعْلِهِ وآنِيَتهِ، ممَّا يتَبرَّكُ بِهِ أصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ "
٨٨٢ - عَنْ أنَسٍ ﵁:
" أنَّ أبَا بَكْر ﵁ لما اسْتُخْلِفَ بَعَثَهُ إلى الْبَحْرَيْنِ، وَكَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ وخَتَمَهُ بِخَاَتمِ النبِيِّ ﷺ ، وكانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلَاَثةُ أسْطُرٍ: مُحَمَّدُ سَطْرٌ، وَرَسُولُ سَطْرٌ، واللهِ سَطْرٌ ".
ــ
للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو مذهب الشافعي وأحمد (ج) سهم اليتامى من أطفال المسلمين ويختص بفقرائهم. (د) سهم المساكين. (و) سهم ابن السبيل وهو المسافر. ثانياً: مساوىء الخمر ومضارها وما تؤدي إليه من العداوة والبغضاء. تكملة: اختلفوا في سهمه ﷺ فقال أبو حنيفة: يسقط بعد موته، وقال الشافعي: يصرف في مصالح المسلمين من إعداد السلاح، وإنشاء القناطر والمساجد كالفيء، وهو قول أحمد في رواية، وقال في رواية أخرى: يصرف إلى الذين نصبوا أنفسهم للقتال، وانفردوا (بالثغور). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
٧٨٠ - " باب ما ذكر من درع النبي ﷺ ، وعصاه وسيفة وقدحه وخاتمه وما استعملة الحلفاء بعده من شعره ونعله مما يتبرك أصحابه وغيرهم بعد وفاته "
٨٨٢ - معنى الحديث: أن أبا بكر لما أرسل أنساً إلى البحرين وكتب له كتاب الزكاة ختمه بخاتم النبي ﷺ الذي انتقل إليه، وقد كُتب عليه " محمد " في السطر الأول، ورسول في الثاني، والله في الثالث.
стр. 1337
٨٨٣ - حَدَّثَنَا عِيسى بْن طَهْمَانَ قَالَ:
" أخْرَجَ إليْنَا أنَسٌ نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَيْنِ لَهما قِبالانِ، فحدَّثَنِي ثَابِث البنَّانِي بَعْدُ عَنْ أنَسٍ أنَّهمَا نَعْلا النَّبِيِّ ﷺ ".
٨٨٤ - عَنْ أبِي بُرْدَةَ رَضِيَ الله "عَنْه قَالَ:
" أخْرَجَتْ إلَيْنَا عَائِشَةُ ﵁ كِسَاءً ملَبَّداً، وَقَالَتْ: في هَذَا نزِعَ روح النبي ﷺ ".
٨٨٥ - عَنْ أنَسٍ ﵁:
" أن قَدَح النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ " قَالَ عَاصِم: رَأيْتُ الْقَدَحَ وشَرِبْتُ فِيهِ.
ــ
الحديث: أخرجه الترمذي.
٨٨٣ - معنى الحديث: يحدثنا عيسى بن طهمان راوي الحديث فيقول " أخرج إلينا أنس نعلين جرداوين " بفتح الجيم وسكون الراء أي قديمين مجردين عن الشعر " لهما قبالان " أي زمامان يدخلهما من يلبسهما بين أصبعيه " قال ابن طهمان: فحدثني ثابت البناني بعد عن أنس أنهما نعلا النبي ﷺ قال القسطلاني: كأنه رأى النعلين مع أنس ولم يعلمه أنهما نعلاه ﷺ ، فحدثه بذلك ثابت عن أنس. الحديث: أخرجه البخاري.
٨٨٤ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ " أخرجت كساء ملبداً " أي مربعاً " وقالت: في هذا نزع روح النبي ﷺ " أي فاضت روحه. الحديث: أخرجه الخمسة غير النسائي.
٨٨٥ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ " أن قدح النبي ﷺ " الذي كان يشرب فيه " انكسر فاتخذ مكان الشعب " أي فوضع
стр. 1338
٨٨٦ - عَنْ عَلِيّ بْنِ حسين أنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يزيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَقْتَلَ حُسَيْنِ بْنِ عَلي رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ لَقِيَهُ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ إليَّ مِنْ حَاجَةٍ تَأمُرني بِهَا، فَقُلْتُ لَهُ: لَا، فَقَالَ لَهُ: فَهَلْ أنت مُعْطِيَّ سَيْف رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإنِّي أخَافُ أن يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، وأيْمُ اللهِ لئن أعْطَيْتَنِيْهِ لا يُخْلَصُ إليْهِمْ أبَداً حَتَّى تبلَغَ نَفْسِي.
ــ
النبي ﷺ في موضع الشق والكسر " سلسلة من فضة " ليربط بها الإناء " قال عاصم " الأحول " رأيت القدح " عند أنس ﵁. الحديث: أخرجه البخاري.
٨٨٦ - معنى الحديث: يحدثنا الراوي " أنهم " أي آل بيت النبي ﷺ ومعهم الحسين بن علي الملقب بزين العابدين ﵃ " حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية بعد مقتل الحسين " في شهر عاشوراء سنة إحدى وستين من الهجرة " لقيه المسور بن مخرمة " أي استقبله بما يليق به من حفاوة. ثم قال له: " هل أنت معطيَّ سيف رسول الله ﷺ " أي وددت أن تسلمني سيف النبي ﷺ لأحفظه لك عندي " وايم الله لئن أعطيتنيه " أي سلمته إلي " لا يخلص إليهم أبداً " أي أقسم بالله لئن سلمته لي لا يصدون إليه " حتى تبلغ (١) نفسي " أي حتى تفارقني روحي. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون هذه الأحاديث اشتملت على الأشياء المذكورة.
فقه أحاديث الباب: اشتملت هذه الأحاديث على ذكر الأشياء التي خلفها
стр. 1339
٧٨١ - " بَابُ ما كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ وغَيرَهُمُ مِنَ الْخمُس ونَحْوِهِ "
٨٨٧ - عن أنس ﵁ قَالَ:
" قَالَ النّبِيُّ ﷺ أنَّي أُعْطِي قُرَيْشاً أتألفُهُمْ لأنهُمْ حَدِيْثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ ".
ــ
النبي ﷺ وانتقل بعضها إلى خلفائه كالخاتم، أو إلى أصحابه كقدحه ونعليه، أو إلى زوجاته كالكساء المربع -عند عائشة- أو إلى آل بيته كسيفه الذي وهبه لعليّ ثم انتقل إلى عترته الطاهرة، والله أعلم.
٧٨١ - " باب ما كان الرسول ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس "
٨٨٧ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يختص قريشاً بإعطائهم من الغنيمة أكثر من غيرهم، إما بأن يعطيهم من الخمس، أو من خمس الخمس تأليفاً لقلوبهم، لأنهم حديثوا عهد بجاهلية، وأيضاً كان يزيدهم ترغيباً لنظرائهم من أشراف القوم في اعتناق هذا الدين.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن النبي ﷺ كان يختص المؤلفة قلوبهم بقدر زائد من الغنيمة، قال الحافظ: واختلف من أين كان يعطي المؤلفة، فقال مالك وجماعة: من الخمس، وقال الشافعي وجماعة: من خمس الخمس. اهـ. أما البخاري فقد استدل بالأحاديث التي أخرجها في هذا الباب على أن النبي ﷺ كان يعطيهم من الخمس ونحوه، كالخراج والفيء والجزية والزكاة، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي بألفاظ. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة كما فهم البخاري.
стр. 1340
٧٨٢ - " بَابُ مَنْ لَمْ يُخمِّس الأسْلَابَ "
٨٨٨ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ ﵁ قَالَ:
بَيْنَا أنَا وَاقِف في الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَظرتُ عَن يَمِيني وَشِمَالِي، فَإِذَا أنَا بِغُلَامَيْنِ من الأنْصَارِ حَدِيثَةٍ أسْنَانُهُمَا، تَمَنيتُ أنْ أكُونَ بَيْنَ أضْلَعَ مِنْهُمَا، فغَمَزَنِي أحَدُهُمَا فَقاَل: يا عَمِّ هَلْ تَعْرِفْ أبَا جَهْل؟ قُلْتُ. نَعَمْ مَا حَاجَتُكَ إلَيْهِ يا ابْنَ أخِي؟ قَالَ: أخْبِرْتُ أنهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأيْتُهُ لا يُفَارِقُ سَوادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأعْجَلُ مِنَّا، فَتَعَجَّبْتُ لِذلِكَ، فغَمَزَنِي الآخَرُ فَقَالَ لي مِثْلَهَا، فلَمْ أنشَب أنْ نَظرتُ إلى أبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ: ألا إِنَّ هذا صَاحِبُكمَا الذِي
ــ
٧٨٢ - " باب من لم يخمس الأسلاب "
" والأسلاب " جمع سلب وهو ما يوجد على المقتول من السلاح وعدة الحرب، وما يتزين به المحارب، أما ما كان معه من جواهر ونقود ونحوها إنما هو غنيمة.
٨٨٨ - معنى الحديث: أن عبد الرحمن بن عوف بينما كان واقفاً في الصف يوم بدر رأى غلامين صغيرين يقاتلان قتال الأبطال، ويصارعان صراع الفرسان، حتى أنه تمنى أن يكون مثل أعظمهما فروسية ونضالاً، قال ﵁: " فغمزني أحدهما " أي همزني بيده " فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم ما حاجتك إليه " أي ماذا تريد منه " قال: أخبرت أنه يسب النبي ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده، الخ " أي لا يفارق شخصي شخصه حتى يقتك أسرعنا منية، قال " فغمزني الآخر، فقال مثلها " أي مثل مقالة صاحبه "فلم أنشب أن نظرت إلى
стр. 1341
سَألتُمَانِي فابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، فَضَربَاهُ حتَّى قَتَلاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأخْبَراهُ، فَقَالَ: " أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ " قَال كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ: " هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ " قَالا: لا، فَنَظر في السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: " كِلاكُمَا قَتَلَهُ، فَأَعطى سَلَبَهُ لِمُعَاذِ بنِ عَمْرو بْنِ الجَمُوحِ وَكَانَا مُعَاذَ ابْنَ عَفْرَاء ومُعَاذَ بْنَ عَمْرو بْنِ الجَمُوحِ.
ــ
أبي جهل يجول في الناس" أي فلم ألبث إلاّ قليلاً حتى رأيت أبا جهل يجول ويصول، وينتقل من مكان لآخر " فقلت: ألا إن هذا صاحبكما " أي فدللتهما عليه " فابتدراه بسيفيهما " أي فأسرعا إليه، فقتلاه بسيفيهما " ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فقال: أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما: أنا قتلته، قال: هل مسحتهما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: كلاكما قتله " أي شارك في قتله، وذلك لوجود الدم على السيفين معاً " فأعطى سلبه " أي ثيابه وسلاحه " لمعاذ بن عمرو بن الجموح " لأنه هو الذي أثخنه وأعمق سيفه فيه " وكانا معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح " أي وكان هذان الفارسان اللذان قتلاه هما هذان الفتيان. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " فأعطى سلبه لمعاذ بن عمرو ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن السلب لا يخمّس دائماً، بل يعطى للقاتل، وقد اختلف في ذلك الفقهاء، فذهب الشافعي وأحمد وطائفة من أهل الحديث: إلى أنه لا يخمّس، واحتجوا بحديث الباب، لأن النبي ﷺ أعطى معاذ بن عمرو سلب أبي جهل، ولم يخمسه، وقضى في السلب للقاتل كما في رواية أبي داود. وقال مالك في رواية: يخمس، وفي رواية: الإِمام مخير فيه. ثانياًً: إثبات الحقوق المالية بالقرائن، لأن النبي ﷺ استدل بالدم الذي على السيف على من قتل أبا جهل، وحكم له بالسلب والله أعلم.
стр. 1342
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتابُ الجِزْيَة والمُوَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ "
٧٨٣ - " بَابُ مَا جَاء في أخذِ الجِزْية مِن الْيَهُودِ والنَّصَارَى والمَجوسِ "
٨٨٩ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁:
أنَّهُ كَتَبَ إلى عَامِلِهِ بالأهْوَازِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: فرِّقُوا بَيْنَ كلِّ ذِي مَحْرَم مِنَ الْمَجُوسِ، ولم يَكُنْ عُمَرُ ﵁ أخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوس حتى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁: " أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أخذَهَا مِنْ مَجُوس هَجَرَ ".
ــ
٧٨٢ - "
كتاب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب وما جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس "
والجزية: هي ما يؤخذ سنوياً ممن كان تحت حكم المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم.
٨٨٩ - معنى الحديث: أن الفاروق ﵁ كتب لعامله على الأهواز جزء بن معاوية " بفتح الجيم وسكون الزاي " كتاباً قال فيه: " فرقوا بين كل ذي مَحْرَم من المجوس " أي فرقوا بين كل مجوسي وزوجته التي تزوج بها وهي محرم له إذا ظهر لكم ذلك عنهما " ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر " أي وكان عمر ﵁ قد توقف في أوّل الأمر عن أخذ الجزية من المجوس، لأنه ظن أنها خاصة بأهل الكتاب، حتى حدثه عبد الرحمن
стр. 1343
٧٨٤ - " بَاب إذا غَدَرَ المُشْرِكونَ بالمُسلِمِينَ هَلْ يُعْفَى عَنْهُمْ "
٨٩٠ - عن أبِي هُرَيرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " اجْمعُوا إلي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ، فَجُمِعُوا له، فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ؟ فَهَلْ أنتُم صَادِقيَّ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ: مَنْ أبُوكُمْ؟ قَالُوا: فُلَان، فَقَالَ: كَذَبْتُمْ، بل أبُوكمْ فُلَانٌ، قالوا: صَدَقْتَ، قَالَ: فَهَلْ أنْتُمْ صَادِقِيَّ فِي شَيْءٍ إنْ سَألتُ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ يا أبَا القَاسِمْ وإنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كما عَرَفْتَهُ في أبِينَا،
ــ
ابن عوف، وشهد عنده أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي ..
فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية أخذ الجزية من أهل الذمة عامة، سواء كانوا يهوداً أو نصارى، أو مجوساً وهم عبدة النار، لشهادة عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر، وقد اختلف في ذلك أهل العلم، فذهب أبو حنيفة إلى أنها تؤخذ من كل كافرٍ إلاّ مشركي العرب، وقال مالك: تؤخذ من كل كافر مطلقاً، وقال أحمد والشافعي: تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس، وهو ما يدل عليه حديث الباب. وأقل الجزية عند الجمهور في كل عام دينار، والله أعلم. والمطابقة: في قوله: " حتى شهد عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر " والله أعلم.
٧٨٤ - " باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم "
٨٩٠ - معنى الحديث: أنه ﷺ لما فتح خيبر في السنة السابعة من الهجرة، وأهدت إليه ﷺ امرأة يهودية شاة مشوية مسمومة، فأخذ الذراع
стр. 1344
فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ أهْلُ النَّارِ؟ قَالُوا: نَكُون فِيهَا يَسِيراً، ثم تَخْلُفُونَا فيها، فَقَالَ النبي ﷺ : اخْسَؤوا فِيهَا، وَاللهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أبداً، ثمَّ قَالَ: هَلْ أنتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْء إِنْ سَألتُكُمْ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ يا أبَا الْقاسِمْ، قَالَ: هَلْ جَعَلْتُمْ في هَذِهِ الشَّاةِ سُمَّاً؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ على ذَلِكَ؟ قَالُوا: أردنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبَاً نَسْتَرِيحُ، وإن كُنْتَ نَبِيَّاً لَمْ يَضُرَّكَ ".
ــ
منها وأكله، وحذر أصحابه منها، فقال لهم: ارفعوا أيديكم، وكان اسم هذه المرأة زينب بنت الحارث، فجمع النبي ﷺ من كان هناك من اليهود، ووجه إليهم أولاً أسئلة أخرى ليكشف عن كذبهم، ثم سألهم عن أهل النار فزعموا أنهم يدخلونها فترة من الزمان، ثم يخلفهم فيها المسلمون من بعدهم، فكذبهم النبي ﷺ قائلاً: " اخسئوا، والله لا نخلفكم فيها أبداً " وتقول العرب: خَسَأتُ الكلبَ يعني زجرته مستهيناً به، والمعنى كفوا عن هذه الدعوى الكاذبة الباطلة، فأنتم أولى بالذل والهوان، وعذاب النار وبئس القرار، ولن نخلفكم أبداً لأنكم مخلّدون فيها أبداً، أما عصاتنا، فإن بقاءهم في النار مؤقت محدود، ولا يخلدون فيها، ثم ختم حديثه ﷺ بسؤالهم عن الشاة، وهل وضعوا له السم فيها، فأقروا بالحقيقة، واعترفوا بأنهم وضعوا له السم فيها، " قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذباً نستريح " أي أردنا أن نتأكد من نبوتك، فإن كنت كاذباً تموت بذلك السم فنستريح منك، وإن كنت صادقاً لا يضرك ذلك السم، ولا يؤذيك، الحديث: أخرجه أيضاً النسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن المعاهد إذا نقض العهد فإن الإِمام مخير فيه إن شاء قتله وإن شاء لم يقتله، لأن النبي ﷺ -
стр. 1345
٧٨٥ - " بَابُ إثْمِ مَنْ عَاهَدَ ثُمَّ غَدَرَ "
٨٩١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
كَيْفَ بِكُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَاراً ولا دِرْهَماً، فقَيلَ لَهُ: وَكَيْفَ
ــ
لم يأمر بقتل اليهودية من أول الأمر حين اكتشف أنّها وضعت له السم ونقضت العهد، وهو مذهب الشافعي في أحد قوليه (١)، وقال ابن قدامة (٢): ومن حكمنا بنقض عهده منهم خير الإِمام بين أربعة أشياء، القتل والاسترقاق، والفداء، والمنّ كالأسير الحربي، لأنه كافر قدرنا عليه في دارنا بغير عهد ولا عقد ولا شبهة ذلك، فأشبه اللص الحربي. اهـ. وقال مالك في رواية ابن وهب وابن نافع وهو المشهور عنه: أنهم يقتلون ويسبون كما فعل رسول الله ببني أبي الحقيق، وهو مذهب أبي حنيفة. ثانياًً: استدل مالك بهذا الحديث على أن القتل بالسم (٣) كالقتل بالسلاح يوجب القصاص لأنه لما مات بشر ابن البراء من هذه الشاة المسمومة سلم اليهودية لأوليائه فقتلوها قصاصاً، وقال الكوفيون: لا قصاص فيه، ولكن فيه الدية. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: في كونه ﷺ لم يأمر بقتل اليهودية (٤) لأنها نقضت العهد.
٧٨٥ - " باب إثم من عاهد ثم غدر "
٨٩١ - معنى الحديث: أن أبا هريرة يحذر المسلمين من نقض عهد الذمة وينذر من سوء عاقبته فيقول: "كيف بكم إذا لم تجتبوا ديناراً ولا
стр. 1346
تَرَى ذَلِكَ كَائِنَاً يَا أبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: إيْ وَالَّذِي نَفْسُ أو هُرَيْرةَ بِيَدِهِ عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، قَالُوا: عَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: تُنْتَهَكَ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ ، فَيَشُدُّ اللهُ قُلُوبَ أهْل والذِّمَّةِ، فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أيدِيهِمْ ".
ــ
درهماً" أي كيف تكون حالكم إذا انقطعت عنكم الأموال من جزية أو خراج. " فقيل له: وكيف ترى ذلك كائناً؟ " أي فقالوا متعجبين: وكيف تظن أن ذلك يمكن أن يكون، وأنت ترى أموال الخراج والجزية تتدفق على المسلمين من كل جانب، " قال: إي " بكسر الهمزة أي نعم يحدث هذا " والذي نفس أبي هريرة بيده عن قول الصادق المصدوق "، أي وأقسم بالله الذي روحي بيده أنني لم أقل ذلك من عندي وإنما أرويه عن رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق فإنني سمعته منه، " قالوا: عم ذلك؟ " أي فما سبب انقطاع الجبايات المالية عن المسلمين، " قال: تنتهك ذمة الله وذمة رسوله " أي سببه أن المسلمين ينقضون عهد الله وعهد رسوله الذي يتعلق بحقوق أهل الذمة، ويعاملونهم بالظلم والعدوان، فيعاقبهم الله في الدنيا قبل الآخرة " فيشد الله قلوب أهل الذمة فيمنعون ما في أيديهم من الأموال " أي فيقوّي الله قلوب أهل الذمة على المسلمين، ويمنعون عنهم الأموال.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن لأهل الذمة حقوقاً يجب على إمام المسلمين رعايتها والمحافظة عليها وأن لهم عهداً وذمة يجب الوفاء بها، وهو ما يسمى عند الفقهاء "عقد الذمة " ومعناه أن يقر الحاكم أو نائبه بعض أهل الكتاب أو غيرهم على كفرهم بشرطين: الشرط الأول: أن يلتزموا بأحكام الإِسلام في الجملة، الشرط الثاني: أن يدفعوا
стр. 1347
٧٨٦ - " بَابُ إِثْمِ الْغادِرِ لِلبَرِّ والْفَاجِرِ "
٨٩٢ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولٌ: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ
ــ
الجزية، ويسري هذا العقد على الشخص الذي عقده ما دام حياً، وعلى ذريته من بعده، ما لم يوجد ما ينقضه، ويترتب عليه تحريم قتالهم، والمحافظة على أموالهم، وصيانة أعراضهم، وكفالة حرياتهم، والكف عن أذاهم، لما روى عن علي ﵁ أنّه قال: " إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا ". أما الأحكام التي يجب عليهم الالتزام بها فهي أحكام المعاملات المالية، فلا يجوز أن يتصرفوا في هذه المعاملات بما يخالف أحكام الإِسلام، كعقد الربا مثلاً، كما أنهم تقام عليهم الحدود، إذا فعلوا ما يوجب ذلك، وقد رجم النبي ﷺ يهوديين زنيا بعد إحصانهما، أما ما يتصل بالشعائر الدينية من عقائد وعبادات أو ما يتصل بالزواج والطلاق فلهم الحرية في ذلك.
وقد دل الحديث على أن المسلمين إذا انتهكوا عقد الذمة هذا عاقبهم الله في الدنيا قبل الآخرة، ونزع هيبتهم من قلوب أهل الذمة، فاستهانوا بهم. ثانياًً: أن المسلمين يجب عليهم الوفاء بالعهد، وأن الغدر ونقض العهود كبيرة من الكبائر، وسبب في ضعف المسلمين، وزوال هيبتهم وقلة مواردهم المالية، وتدهور اقتصادهم. الحديث: أخرجه البخاري والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة.
٧٨٦ - " باب إثم الغادر للبر والفاجر "
أي هذا باب يذكر فيه عقوبة الله للغادر، سواء غدر بطائع أو عاص.
٨٩٢ - معنى الحديث: أن الله يعاقب الغادر يوم القيامة بفضيحته، وهتك ستره، فينصب لكل غادر لواءً يكشف به عن غدره وخيانته إمعاناً
стр. 1348
لِغَدْرَتِهِ " (١).
ــ
في التشهير به أمام الملأ إلحاقاً للخزي والعار به. وذلك أشد العقوبة وأنكاها لما فيه من إهانته وإذلاله وإهدار كرامته مقابل استخفافه بعهود الناس وغدره بهم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الغدر كبيرة من الكبائر، وإلا لما ترتب عليه هذا الوعيد الشديد من فضح الغادر، والتشهير به يوم القيامة أمام الخلائق، وإهدار كرامته، وذلك أشد العقوبة وأنكاها. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة. الحديث: أخرجه الشيخان.
...
стр. 1349
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب بدء الخلق "
والمراد من هذا الكتاب بيان أمرين: الأول: كما قال القاري ذكر الأحاديث الصحيحة التي تتعلق بظهور الخليقة، ومبدأ وجود الكائنات، الأول فالأول.
الثاني: ذكر أحوال الخليقة من المبدأ إلى المحشر، وما ورد من الأخبار عن عجائب المخلوقات من العرش والسموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والرياح والملائكة وصفة الجنة والنار، والعوالم غير المنظورة من الجن والشياطين والملائكة، أما الأخبار الواردة عن بدء الخليقة فإن فيها الكثير من الإسرائيليات المروية عن وهب بن منبه وكعب الأحبار والسدي وغيرهم، وأغلبها لا يعتد به، ولا تقوم به حجة، فما يوجد منها في " صحيح البخاري " فإن كان من الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ فهو من الحقائق الثابتة والأخبار المقبولة، أما ما نقله من الأخبار عن الصحابة والتابعين ولم يرفعه إلى النبي ﷺ فإنه موضع بحث ونظر، لأن الصحابة والتابعين قد أخذوا عن حسن نية الكثير من الأخبار الإسرائيلية، وتحدثوا بها، وحكم الإِسلام بالنسبة إلى الإسرائيليات أنّها تعرض على الكتاب والسنة، فما وافقهما فهو حق لا شك فيه، وما خالفهما فباطل لا شك فيه، وما سكت عنه الكتاب والسنة فهو خبر عادي يحتمل الصدق والكذب، وهو المقصود بقوله ﷺ : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم " والحاصل أن جميع الأخبار المتعلقة بالموجودات وسنن الكائنات ينظر فيها، فإن كانت قرآناً أو سنة صحيحة فعلى الرأس والعين، وإن كانت خلاف ذلك، فإنها تخضع للبحث العلمي والنقد الصحيح، والله أعلم.
стр. 1350
٧٨٧ - " بَابُ ما جَاءَ في قَوْلِ اللهِ تعَالَى:
(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) "
٨٩٣ - عن عمران بن حُصَيْن ﵁ قَالَ:
"دَخَلْتُ على النَّبِيِّ ﷺ وَعَقَلْتُ نَاقَتِي بالبَاب، فَأتَاهُ نَاسٌ من بني تَمِيم فَقَالَ: اقبَلُوا البُشرى يا بني تَمِيم، قَالُوا: قد بَشِّرتَنَا فأعْطِنَا مَرَّتَيْنِ، ثم دَخَلَ عَلَيْهِ نَاس مِن أهلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اقْبَلُوا البُشرْى يا أهلَ
ــ
٧٨٧ - " باب ما جاء في قول الله تعالى:
(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) "
أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يتعلق بتفسير قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) معناه أنه تعالى هو الذي بدأ خلق هذه الكائنات أول مرة على غير مثال سابق، وهو الذي يعيدها مرة أخرى عند بعثها، والإِعادة أهون من البداية، وإن كان الله تعالى يستوي أمام قدرته كل شيء.
٨٩٣ - معنى الحديث: أن عمران بن حصين يقول: " دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي " أي ربطت ناقتي، ثم دخلت على النبي ﷺ قالوا والواو المطلق الجمع، لا تفيد ترتيباً ولا تعقيباً " فأتاه ناس من بني تميم، فقال: اقبلوا البشري يا بني تميم " بما أتحدث به إليكم " قالوا: قد بشرتنا فأعطنا مرتين " أي فقال الأقرع بن حابس: قد بشرتنا أن تعطينا فأعطنا، قال ذلك مرتين، لأن جُلَّ اهتمامهم كان بالدنيا، فلم يفهموا من البشرى إلّا العطاء المادي فقط، بينما كان النبي ﷺ يقصد بالبشرى أن يخبرهم عن وجود الله تعالى قبل كل موجود، وخلقه لكل موجود، وسماه بشرى لأنه يتعلق بتوحيد الربوبية الذي هو أصل من أصول العقيدة الإِسلامية التي يترتب عليها الفوز بالجنة والنجاة من النار. قال: "ثم دخل عليه ناس من أهل
стр. 1351
اليَمَنِ إذ لَمْ يَقْبَلْهَا بنو تَمِيم، قالوا: قَدْ قبِلْنَا يا رَسُولَ اللهِ، قَالُوا: جِئْنَا نَسْألُكَ عن هذا الأمْرَ قال: " كَانَ اللهُ ولَمْ يَكُنْ شيءٌ غَيْرُهُ، وكان عرشُهُ على المَاءِ، وَكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيءٍ، وخلقَ السَّمَواتِ والأرْضَ، فَنَادَى مُنادٍ: ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يا ابْنَ الْحُصَيْنِ، فانْطَلَقْتُ فإذا هِيَ يَقطعُ دونَهَا السَّرَابُ، فواللهِ لَوَدِدتُ أنِّي تَرَكْتُهَا ".
ــ
اليمن" وهم الأشعريون " فقال: اقبلوا البشرى "، أي اقبلوا مني هذا الخبر " قالوا: قبلنا يا رسول الله " أي قبلنا منك ذلك، فهات ما عندك " فإنما جئناك نسألك عن هذا الأمر " وفي رواية أخرى في البخاري " فقالوا: قد قبلنا يا رسول الله، قالوا: جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أوّل هذا الأمر " فما هو أول هذا الأمر الذي سألوا عنه. قال ابن تيميّة: إما أن يكون الأمر المشار إليه هذا العالم، أو جنس المخلوقات، وسواء كان السؤال عن الأوّل أو الثاني، فإن الذي يظهر لنا من مجموع الروايات أن رسول الله قد أجابهم عن بدء الخليقة عامة، لما جاء في رواية أخرى عن عمران بن حصين نفسه قال فيها: " فأخذ النبي ﷺ يحدّث عن بدء الخلق والعرش " أخرجه البخاري، فهذا نص صريح على أن النبي ﷺ قد أجابهم عن بدء الخليقة.
فإن كانوا قد سألوا عن بدء هذا العالم، فيكون النبي ﷺ إنما أجابهم عنه ببدء الخليقة، لأنه أعم وأشمل، وهو متضمن لجواب سؤالهم وزيادة، وإن كانوا قد سألوا عن بدء الخليقة. فالجواب والسؤال متطابقان. " قال: كان الله، ولم يكن شيء " وفي رواية: " ولا شيء قبله " وروي: " معه " لكن رواية الباب أصرح في العدم، وفيها دلالة على أنه لم يكن شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما، لأن كل ذلك غير الله تعالى، وكلمة " كان " في قوله ﷺ " كان الله " إلخ أزلية كما أفاده الحافظ، ومعناها أن الله تفرد بالوجود
стр. 1352
الأزلي دون غيره، فهو الأوّل بلا ابتداء، المنفرد بالأوليّة، وكل ما سواه حادث مخلوق له، بما في ذلك العرش. قال ﷺ : "وكان عرشه على الماء " والمراد بكان هنا الحدوث بعد العدم، كما أفاده الحافظ، ومعناه، كما قال الحافظ: أنه خلق الماء سابقاً، ثم خلق العرش على الماء، قال ابن تيميّة: فالعرش (١) مخلوق أيضاً فإنه تعالى يقول: (وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) أي وهو خالق كل شىء: العرش وغيره، ورب كل شيء العرش وغيره، وفي حديث أبي رزين " العقيلي " أخبر النبي ﷺ بخلق العرش ". اهـ. وفي رواية أخرى للبخاري عن عمران بن حصين قال فيها: " فجاء أهل اليمن فقال: يا أهل اليمن، اقبلوا البشري إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قبلنا " فأخذ النبي ﷺ يحدث عن بدء الخلق والعرش " أي يحدث عن بدء الخليقة، ومنها العرش، فهو من ضمن المخلوقات. قال القسطلاني وأشار بقوله ﷺ : " وكان عرشه على الماء " إلى أن الماء والعرش - كانا مبدأ العالم لكونهما خلقا قبل كل شيء " وكتب في الذكر كل شيء " أي كتب في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة. " وخلق السموات والأرض " قال ابن تيميّة: وبعض الرواة ذكر فيه خلق السموات والأرض بثم، وبعضهم ذكرها بالفاء، فأما الجمل الثلاث المتقدمة، فالرواة متفقون على ذكرها بلفظ الواو، قال ابن تيمية: " وسواء كان قوله: وخلق السموات والأرض " أو " ثم خلق السموات والأرض " فعلى التقديرين أخبر بخلق ذلك، وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن. وإن كان قد خلق من مادة. فإن كان لفظ الرسول ﷺ " ثم خلق " فقد دل على أنه خلق السموات والأرض بعد ما تقدم ذكره وهذا اللفظ أولى بلفظ رسول الله ﷺ ، لما فيه من تمام البيان، وحصول المقصود الذي يدل على الترتيب الزمني في خلق هذه الكائنات. اهـ. خلاصة معنى
стр. 1353
الحديث: أن الله كان قبل كل شيء ولم يكن أي شيء غيره موجوداً، ثم خلق الماء أولاً والعرش ثانياً، أو خلق العرش في الجهة العليا والماء في السفلى، ثم خلق القلم واللوح المحفوظ، ثم خلق السموات والأرض، هذا هو الترتيب الزمني لخلق هذه الكائنات العلوية والسفلية. " فنادى منادٍ ذهبت ناقتك " أي هربت " فانطلقت " أي فذهبت خلفها " فإذا هي يقطع دونها السراب " أي فإذا هي قد ابتعدت كثيراً حتى حال دونها السراب " فوالله لوددت أني تركتها " أي تمنيت أني تركتها تذهب وبقيت في مجلس النبي ﷺ . الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الله هو الأول بلا ابتداء كما قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) وكما قال ﷺ : " اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء " وهو معنى قوله ﷺ في حديث الباب: " كان الله ولم يكن شيء غيره " والإِيمان بهذه الصفة أمر تقتضيه الفطرة السليمة ويدل عليه المنطق الصحيح، لأن خالق الكائنات لا بد أن يكون موجوداً قبلها، وإلّا لما خلقها. فهو سبحانه أزلي أبدي لم يسبقه عدم، ولا يلحقه فناء، لأنه واجب الوجود. ثانياًً: بيان حدوث العالم وبدء الخليقة، وأن لهذا الوجود خالقاً هو الله تعالى، لا كما يقول الطبيعيون إنه وجد هذا العالم بمحض الصدفة، مما يرفضه العقل والتفكير السليم، لأن كل حادث لا بد له من محدث، وكل مصنوع لا بد له من صانع، وهذا يقتضى أن الكائنات كلها مخلوقة، والله هو خالقها ومبدعها، وأوّل هذه المخلوقات الماء في الجهة السفلى، والعرش في الجهة العليا. ثالثاً: أن القلم أوّل المخلوقات المعنوية لقوله ﷺ : " وكتب في الذكر كل شيء ". رابعاً: أن وجود اللوح المحفوظ من الحقائق الإِيمانية الثابتة التي يجب الإِيمان بها. خامساً أن الكلام في حدوث العالم وعجائب المخلوقات من صميم الدين
стр. 1354
٨٩٤ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَال النبي ﷺ : " قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَشْتِمُنِي ابْنُ آدَمَ، ومَا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَشْتِمَنِي، ويُكَذِّبَنِي، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، أمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ: إِنَّ لِيَ وَلداً، وَأمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأني ".
ــ
لما فيه من الدلالة على وجود الله وتوحيده في ربوبيته. والمطابقة: في كون الحديث يدل على بدء الخلق.
٨٩٤ - معنى الحديث: أن الله تعالى يقول في الحديث القدسي يتجرأ عليَّ هذا الإنسان بما لا أستحقه منه، وقد خلقته ورزقته، وأنعمت عليه بشتى النعم، فلم يقابل ذلك بالإيمان بالله وتوحيده، وتقديسه وتنزيهه عما لا يليق به، وإنما قابل هذه النعم العظيمة بالشرك والكفر والنكران، فبعض هؤلاء البشر شتمني، والبعض منهم كذبني. فأما الذين شتموا الله فقد نسب إليه اليهود والنصارى وبعض المشركين الولد، وهو لا يليق به حيث إنه يقتضي المجانسة والمشابهة، وهو الواحد الأحد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأما الذين كذبوا بالله فقد أنكروا البعث، واستبعدوه مع علمهم بأن الله هو الذي خلقهم على غير مثال سابق، فكيف يخلقهم ابتداءً، ثم يعجز عن إعادتهم مرة أخرى، مع أن الإعادة أسهل كما قال تعالى: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ).
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن نسبة الولد إلى الله تعالى شتيمة وإنكار لوحدانيته، وتشبيه له بغيره، وهو شرك به، لأن الولد يشبه أباه، وهو واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، فكيف يكون له ولد يشبهه. ثانياً: أن إنكار البعث تكذيب لله ولوعده. ثالثاً: أنّ الله هو الذي بدأ الخلق، وهو الذي يعيده، وفي ذلك إثبات لحدوث العالم وإعادة
стр. 1355
٧٨٨ - " بَاب مَا جَاءَ في سَبْعِ أرَضِينَ، وَقَوْلِ اللهِ تعَالَى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) "
٨٩٥ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: " مَنْ أخَذَ شَيْئاً مِنَ الأرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ به يَوْمَ القِيَامَةِ إلى سَبْعِ أرضِينَ ".
ــ
الإِنسان بعد موته، وأن الله هو الذي يعيده يوم القيامة لمجازاته على أعماله.
الحديث: أخرجه البخاري والنسائي. والمطابقة: في قوله: " وأما تكذيبه فقوله ليس يعيدني كما بدأني ".
٧٨٨ - " باب ما جاء في سبع أرضين، وقول الله: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) "
٨٩٥ - معنى الحديث: أن من أخذ شيئاً من أرض غيره اختلاساً أو اغتصاباً، فإنه يخسف به يوم القيامة فتنشق الأرض، ويطوق بها إلى سبع أرضين لما جاء في الرواية الأخرى: " من أخذ شبراً من الأرض ظلماً فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن هذه الأرض التي نعيش عليها تتكون من سبع أرضين، وذلك يتفق مع قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)، قال الآلوسي (١): والمثلية تصدق بالاشتراك في بعض الصفات، فقال الجمهور: المثلية في كونها سبعاً، وكونها طباقاً بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض كما بين كل سماء وسماء، وقال الضحاك: المثلية في كونها سبعاً بعضها فوق بعض، لا في وجود مسافة بين أرض وأرض، بمعنى أن كل أرض تلي الأخرى مباشرة، وهو ما يسمى في
стр. 1356
٧٨٩ - " بَابُ صِفَةِ الشَّمْسِ والْقَمَرِ بُحُسْبَانٍ "
٨٩٦ - عنْ أبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ:
قَالَ لِي النبي ﷺ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: " تَدْرِي أينَ تَذْهَبُ؟ " قُلْثُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: " فَإِنَّها تَذْهَبُ حتى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ فَتَسْتَأذِنَ فَيُؤْذَنَ لها، وَيُوشِكُ أن تَسْجد فلا يُقْبَلَ مِنْهَا، وَتَسْتَأذِنَ فلا يُؤذَنَ لَهَا، يُقَالَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئَت، فَتَطْلِعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) ".
ــ
عصرنا الحديث بطبقات الأرض. قال في " فيض الباري ": وقد ثبت اليوم عند ماهري علم الطبقات أن لها طبقات. ثانياًً: التحذير الشديد من السطو على أرض الغير وأخذ شيء منها ظلماً، والوعيد الشديد لمن فعل ذلك بالخسف به يوم القيامة. والمطابقة: في قوله: " إلى سبع أرضين ". الحديث: أخرجه البخاري.
٧٨٩ - "باب صفة الشمس والقمر بحسبان "
أي هذا باب في تفسير قوله تعالى: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) وبيان كيفية ذلك.
٨٩٦ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ قال يوماً لأبي ذر عندما غربت الشمس: أتدري أين تذهب هذه الشمس بعد اختفائها عنا عند الغروب؟ فقال أبو ذر: الله ورسوله أعلم. وإنما وجه إليه هذا السؤال مع علمه بأنه لا يستطيع الإِجابة عليه ليستثير في نفسه الاهتمام بجوابه، لأن المعرفة إذا جاءت بعد الحوار والمناقشة كانت أوقع في النفس "قال: فإنها تذهب
стр. 1357
حتى تسجد تحت العرش" أي تسجد لربها حقيقة لا مجازاً، وهي أينما سجدت سجدت تحت العرش " تستأذن فيؤذن " أي تستأذن ربها في الطلوع من المشرق ومعاودة سيرها مرة أخرى، فيؤذن لها في ذلك " ويوشك أن تسجد " أي وسيأتي قريباً الوقت الذي تسجد وتستأذن فيه في الطلوع من المشرق " فلا يقبل منها " سجودها، ولا يؤذن لها في الطلوع من المشرق " فتطلع من مغربها " وذلك من علامات الساعة " فذلك قوله تعالى ": أي فذلك هو معنى قوله تعالى: " (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) " أي تتحرك وتسير في طريقها المحدد لها، ولا تزال تجري في مسيرتها هذه حتى ينتهي العالم، " (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) " أي أنها إنما تتحرك حركتها هذه بنظام دقيق محكم، يدل على وجود الله تعالى وتقديره وتدبيره لهذا العالم تدبيراً يليق بعلمه وعزته وحكمته. لا كما يزعم الملحدون أن حركة الكون كلها إنما هي بمحض الصدفة، لأن الصدفة عمياء لا يمكن أن تقوم بتدبير هذه الحركة المنظمة (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ).
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: قال القسطلاني: وظاهر هذا الحديث أن -الشمس- تجري في كل يوم وليلة بنفسها كقوله تعالى في الآية الأخرى: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) قال " في ظلال القرآن ": وكان من المظنون أنها -أي الشمس- ثابتة في موضعها الذي تدور فيه حول نفسها، ولكن عرف أخيراً أنها ليست مستقرة في مكانها، إنما هي تجري فعلاً في اتجاه واحد في الفضاء الكوني الهائل بسرعة حسبها الفلكيون باثني عشر ميلاً في الثانية. اهـ. ثانياًً: ثبوت سجودها تحت العرش عند طلوعها، ويتعين الإِيمان به عن يقين ما دام قد أخبر عنه الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه. مطابقة الحديث للترجمة: في كونه يدل على معنى الآية الكريمة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.
стр. 1358
٧٩٠ - " بَابُ ذِكْرِ الْمَلاِئكَةِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ "
٨٩٧ - عن عبد الله ﵁ قَالَ:
حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وهو الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قال: " إِنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطنِ أمِّهِ أربَعِينَ يَوْماً، ثم يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثم يَبْعَثُ اللهُ مَلَكاً، فَيُؤْمَرُ بأربع كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ
ــ
٧٩٠ - " باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم "
٨٩٧ - معنى الحديث: يقول عبد الله بن مسعود ﵁: أخبرنا رسول الله وهو الصادق فيما يخبر به المصدوق في كل ما يوحى إليه من عند ربه: أن الجنين في بطن أمه يمرُّ في تكوينه بأربعة أدوار، فيكون في الدور الأوّل لمدة أربعين يوماً نطفة، أي حيواناً منوياً يجتمع ببويضة الأنثى فيلقحها، وتحمل المرأة بإذن الله تعالى، ثم يتحول في الدور الثاني لمدة أربعين يوماً إلى علقة، أي نقطة دموية جامدة تعلق بالرحم، ثم يتحول في الدور الثالث لمدة أربعين يوماً مضغة، أي قطعة لحم صغيرة بقدر ما يمضغ الإنسان في الفم، ثم في الدور الرابع يبدأ تشكيله وتصويره، ويكون قد أكمل أربعة أشهر، فيرسل الله إليه الملك الموكل بالأرحام وكتابة الأقدار ويأمره بكتابة أقداره الأربعة فيكتب أعماله التي يفعلها طيلة حياته خيراً أو شراً، ورزقه مادياً، كالمال والطعام والشراب واللباس والسكن والصحة، أو معنوياً كالعلم والذكاء والمهارة وغيرها ويكتب أجله، وعمره، ومدة حياته ومتى تنتهي، وفي أي مكان تنقضي. ويكتب خاتمته ومصيره الذي ينتهي إليه إن كان من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة، من أهل الجنة أو النار، فكم من رجل يعمل طول حياته - في نظر الناس بعمل أهل الجنة حتى يكون منها في غاية القرب، فإذا دنا أجله ختم له بالشقاوة لأنه سبق عليه الكتاب في بطن أمه.
стр. 1359
لَه: اكْتبْ عَمَلَه، ورِزْقَه، وأجَلَه، وشَقِي أو سَعِيدٌ، ثمَّ ينْفَخ فِيهِ الرُّوحَ، فَإنّ الرَّجلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَل حَتَّى مَا يَكون بَيْنَه وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِق عَلَيْهِ كِتَابه فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ، ويَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكونَ بَيْنَه وَبَيْنَ النَّارِ إلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِق عَلَيْهِ الكِتَاب فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ".
ــ
فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، والعكس بالعكس، وهو معنى قوله ﷺ : " فإن الرجل منكم ليعمل " أي يعمل بعمل أهل الجنة " حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلاّ ذراع " وهو كناية عن غاية القرب " فيسبق عليه كتابه " أي فيكون قد كتب عليه سابقاً في بطن أمه أنه شقي، فيختم له بالشقاوة " فيعمل بعمل أهل النار " فيدخلها كما سبق به القدر " ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلاّ ذراع " أي وقد يعمل الرجل بعمل أهل النار حتى يقترب منها غاية القرب " فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل الجنة " فيدخلها (١). والمطابقة: في قوله: " ثم يبعث الله ملكاً ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان مراحل تكوين الجنين في بطن أمه، حيث يمرّ بأربعة مراحل. الأولى: مرحلة التلقيح المنوي وهو المشار إليه بقوله: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً " أي يجمع الله هذا الحيوان التناسلي المنوي بالبويضة فيحصل التلقيح والحمل، وقد ثبت علمياً أن النقطة الواحدة من ماء الرجل تحمل ألوف الحيوانات المنوية، وحيوان واحد منها هو الذي يلقح البويضة، وتوجد فيه كل خصائص الأب
стр. 1360
وصفاته الجسمية، كالطول والقصر ونحوها، وصفاته العصبية والعقلية والنفسية من ميول واتجاهات وانحرافات واستعدادات. الثانية: مرحلة العلقة: وهي التيِ تتحول فيها الخلية إلى نقطة دموية جامدة عالقة بالرحم، ومدتها أربعون يوماً أيضاً. الثالثة: مرحلة المضغة، التي يصبح فيها الجنين قطعة لحم صغيرة، ومدتها أربعون يوماً. الرابعة: مرحلة التكوين العضوي حيث تتحول قطعة اللحم الصغيرة بعد أن يكون الجنين قد أتم أربعة أشهر إلى جسم بشري مكون من هيكل عظمي، ولحم ودم، وقلب وأمعاء، ورأس وحواس وأعضاء، وبذلك يكمل تصويره وتشكيله، وتتكامل أعضاؤه وحواسه الجسمية. ثانياً: كتابة أقدار كل إنسان وهو ما زال جنيناً في بطن أمّه بعد استكمال تشكيله وتصويره، وتكامل أعضائه وحواسه، حيث دل الحديث على كتابة عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ولذلك فإن خاتمة الإِنسان مرتبطة " قدراً " بما كتب عليه في بطن أمه، فالسعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه، ولا شك أن هذه المقادير تكتب مرتين، مرة في اللوح المحفوظ قبل خلق الخلائق لما في حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة " أخرجه مسلم، والمرة الثانية في بطن أمه قال ابن رجب: وقد روي عن ابن مسعود أن الملك إذا سأل عن النطفة أمر أن يذهب إلى الكتاب السابق، ويقال له: إنك تجد فيه قصة هذه النطفة. ثالثاً: وجوب الإيمان بالقدر، سواء تعلق بالأعمال أو بالأرزاق والآجال لأن الرسول ﷺ أخبرنا في هذا الحديث أن كل إنسان يكتب عليه قدره في بطن أمه، والقدر نوعان: (أ) قدر حتمي ليس للعبد فيه كسب واختيار، وهو ما يتعلق بالأرزاق والآجال، والصحة والمرض، ونحوها، وكذلك الاستعدادات الفطرية، والمواهب والقدرات البشرية، من ذكاء وفطنة ونحوها، فإنها كلها حتمية لا حيلة فيها للإنسان ولا اختيار له فيها، ولا يقع تحت مسؤوليته، وقدر للإِنسان فيه كسب
стр. 1361
واختيار: وهو ما يتعلق بالأعمال من طاعة ومعصية، وكفر وإيمان، فهذه الأعمال التي قدرها الله على الإِنسان، وعلم بوقوعها منه ليست حتمية عليه، ولا هو مجبور عليها، وإنما يفعلها بمحض إرادته واختياره، ولذلك كان مسؤولاً عنها، مثاباً على الخير، معاقباً على الشر. قال الخطابي: " قد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه العبد على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمون، وإنما معنى القدر الإِخبار عن تقدم علم الله تعالى بما يكون من اكتسابات العبد. اهـ. وقد أمر الله الخلق بالإِيمان والطاعة، ونهاهم عن الكفر والمعصية، وفي هذا حجة الله البالغة على عباده، لأنهم إنما كلفوا بالأمر والنهي، أما القضاء والقدر فإنما أمروا بالإِيمان به دون الاحتجاج به في ارتكاب المعاصي ". وقد سئل فضيلة الأستاذ الشعراوي (١): عن القدر الذي هو علم الله بالأشياء قبل وقوعها هل هو صفة جبر فأجاب: بأن العلم ليس صفة جبر، إنما هي صفة انكشاف فقط يكشف الأشياء على ما هي عليه، وضرب لذلك مثلاً بسيطاً فقال: أنت جئت تزورني وعندي خادم، فأرسلته ليحضر كازوزة من البقال فتأخر فقلت لك: هل تعرف لماذا أبطأ، هناك ولد آخر على ناصية الشارع مستولٍ على هذا الولد حينما يراه خارجاً لشراء حاجة يلعب معه، ويأخذ نقوده، والنقود ضاعت من الولد وهو خائف أن يأتي، فلما جاء الخادم سألناه ما الحكاية، فقال: كما قلت أنا، فهل ترى عندما قلت إنه سيحصل منه كذا وكذا أرسلت معه قوة لترغمه على فعل ما قلته لك. فكيف قلت أنا هذا الكلام؟ قلته: لأنني أعرف سوابقه، ومعرفتي لسوابقه للعلم فقط، كذلك ولله المثل الأعلى علم الله تعالى أزلاً ما يكون من عبده المختار، فقال: سيكون من عبدي كذا وكذا، فهو كتب لا ليلزم، ولكنه كتب لأنه عالم بما يكون من العبد، والفرق
стр. 1362
٨٩٨ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ النَّبِي ﷺ : " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كانَ على كُلِّ بَابٍ من أبوَابِ الْمَسْجِدِ المَلَاِئكَةُ يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وجاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ".
ــ
بين الصورتين أن العلم في البشر قد يتخلف فيه شيء لكن الحق لا خطأ عنده في علمه، فالحق كتب قديماً، لأنه علم ما يكون من عبده باختياره، فهو لا يكتب ليلزم، لأن العلم صفة انكشاف وليس صفة تأثير كالقدرة. اهـ.
رابعاً نفخ الروح في الجنين بعد استكمال تكوينه، وقد اختلفت الأحاديث هل نفخ الروح أولاً أو كتابة المقادير أولاً؟ فدلت رواية البيهقي على أن نفخ الروح أولاً، حيث جاء فيها ثم يبعث الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر بأربع كلمات إلخ، ودلت رواية البخاري هذه على أن كتابة المقادير أولاً. خامساً: إثبات وجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم. وهم مخلوقات لطيفة نورانية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
٨٩٨ - معنى الحديث: أن الملائكة يقفون يوم الجمعة على جميع أبواب المسجد، على كل باب طائفة لكتابة الوافدين إلى صلاة الجمعة، وتسجيل أسمائهم الأول فالأول، مع كتابة الوقت الذي حضروا فيه، ولا يزالون وقوفاً على الأبواب حتى يصعد الإِمام إلى المنبر، فإذا جلس الجلسة الأولى طووا تلك الصحف، وأوقفوا التسجيل، ودخلوا المسجد ليستمعوا إلى الخطبة. الحديث: أخرجه الستة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجود الملائكة كما تقدم بيانه في الحديث السابق، وهم عالم غير منظور من عالم الغيب لا يظهرون
стр. 1363
٨٩٩ - عَنْ أبِي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ: " مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبيل اللهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ: أيْ فُلُ هَلُمَّ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: ذَاكَ الَّذِي لا تَوى عَلَيْهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أرْجُو أن تَكُونَ مِنْهُمْ ".
ــ
إلا لمن اصطفاه الله للنبوة، أو لمن شاء من عباده، كما ظهر جبريل لمريم ﵍، وقد كلف الله الملائكة بمهام مختلفة، فمنهم السفراء بين الله ورسله كجبريل ﵇، ومنهم الحفظة، ومنهم كتبة الأعمال، كهؤلاء الملائكة الذين يكتبون الوافدين لصلاة الجمعة. ثانياً: أن الناس يتفاضلون في المثوبة يوم الجمعة بحسب تبكيرهم إلى الصلاة، فكلما بكّر العبد إلى صلاة الجمعة كان ثوابه أكثر، كما يدل عليه قوله: " يكتبون الأول فالأول " أي يكتبون في هذه الصحف درجات السابقين الأول فالأول، ويسجلون أوقات حضورهم. والمطابقة: في قوله: " كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة ".
٨٩٩ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " من أنفق زوجين في سبيل الله " أي من تصدق بشيئين من صنف واحد درهمين أو دينارين أو ثوبين ابتغاء مرضاة الله سواء كان ذلك صدقة على فقير، أو معونة لمحتاج، أو علاجاً لمريض، أو تجهيزاً لمجاهد في سبيل الله، أو معونة لأهله " دعته خزنة الجنة: أي فُلُ " أي نادته خزنة الجنة من الملائكة " يا فلان " باسمه الذي يعرف به في الدنيا " هلم " أي تعال إلى الجنة ونعيمها، فإنها مفتحة الأبواب لك، " فقال أبو بكر: ذاك الذي لا ثوى عليه " أي ذلك الذي تفتح له أبواب الجنة وتستقبله ملائكتها هو السعيد حقاً الذي نجا من الهلاك وأمن من الخسران. " فقال النبي ﷺ : إني لأرجو أن تكون منهم " ورجاؤه
стр. 1364
٩٠٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّ النبي ﷺ قَالَ لَهَا: " يَا عَائِشَةُ هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرأ عَلَيْكِ السَّلَامَ، فَقَالَتْ وَعَلَيْهِ السلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، تَرَى مَا لا أرَى، تُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ ".
ــ
ﷺ محقق إن شاء الله.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجود الملائكة، ومنهم خزنة الجنة هؤلاء، وعلى رأسهم رضوان. كما أن منهم خزنة جهنم وعلى رأسهم " مالك ". ثانياً: فضل الإِنفاق في سبيل الله، وبذل المال في وجوه البر، وأنه سبب في دخول الجنة واستقبال الملائكة على أبواب الجنة (١).
الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " دعته خزنة الجنة ".
٩٠٠ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أن النبي ﷺ قال لها: يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام " وفي رواية " يقرئك السلام " أي يهديك السلام، ويحييك بتحية الإِسلام " فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته " فردّت التحية بأحسن منها، ثم قالت " ترى ما لا أرى، تريد النبي ﷺ " أي إنك يا رسول الله ترى جبريل الذي لا أراه فهنيئاً لك بالوحي والنبوة، ورؤية الملائكة الكرام البررة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: إثبات وجود الملائكة وأنهم أصناف متعددة مكلفون بأعمال مختلفة فمنهم خزنة الجنة، ومنهم خزنة النار، ومنهم الحفظة، ومنهم جبريل الأمين سفير الله إلى أنبيائه. ثانياً: فضل عائشة ﵂ ومكانتها، وعلو منزلتها حتى إن جبريل أمين الله على
стр. 1365
٩٠١ - عَن سَعِيدٍ بن جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ: " أَلا تَزُورُنا أكثرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟ " قَالَ: فَنَزَلَتْ (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا) الآية.
ــ
وحيه وسفيره إلى أنبيائه يهديها السلام، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والمطابقة: في قوله: " هذا جبريل يقرأ عليك السلام ".
٩٠١ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " قال رسول الله ﷺ لجبريل: ألا تزورنا أكثر مما تزورنا " قال العيني: كلمة ألا هنا للعرض والحض ويجوز أن تكون للتمني. قلت: ويحتمل أن تكون لجميع المعاني والمعنى أننا نعرض عليك الإكثار من زيارتنا ونحضك عليها ونتمنى لو أجبتنا إلى ذلك، لنستأنس بك، " فنزلت " الآية الكريمة " (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) " فإذا أمرنا بالنزول نزلنا " (لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) " أي وما كان الله لينسى رسوله وحبيبه محمداً ﷺ وإن تأخر عنه الوحي، فإن للوحي أوقات محددة، يرسله إن شاء، ويوقفه إن شاء.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجود الملائكة، وعلى رأسهم جبريل ملك الوحي. ثانياً: أن للوحي أوقات محددة ولا ينزل إلّا بأمر الله تعالى. ثالثاً: أن النبي ﷺ كان ينقطع عنه الوحي أحياناً فيشتاق إلى جبريل، فإذا حضر إليه عرض عليه أن يكثر من زيارته، فيعتذر له جبريل بأنه عبد مأمور لا ينزل إلاّ بأمر إلهي. والمطابقة: في قوله: " قال رسول الله ﷺ لجبريل " الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي والنسائي.
***
стр. 1366
٩٠٢ - عَنْ أبِي ذَر ﵁ قَالَ:
قَالَ النبي ﷺ : " قَالَ لِي جِبْرِيلُ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ، أوْ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ، قَالَ: وإنْ زَنَى وِإنْ سَرَقَ قَالَ: وإنْ ".
٩٠٣ - عن أبي طَلحَةَ ﵁ أنَّهُ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتَاً فيهِ كَلْبٌ ولا صُورَة تَمَاثِيلَ ".
ــ
٩٠٢ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " قال لي جبريل من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً " أي من مات مؤمناً موحداً لله تعالى " دخل الجنة، أو لم يدخل النار " أي كان مصيره إلى الجنة، ولا يخلد في النار " قال: وإن زنى وإن سرق " قال: وإن " أي قال جبريل: وإن زنى وإن سرق، وهو من باب حذف فعل الشرط والاكتفاء بأداة الشرط عنه.
الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن المؤمن الموحد مصيره إلى الجنة، فإن ارتكب كبيرة فعوقب عليها في الدنيا فهو كفارة له، وإن لم يعاقب عليها في الدنيا فهو إلى الله إن شاء عاقبه وأدخله الجنة، وإن شاء عفا عنه، ولا يخلد في النار خلافاً للخوارج. ثانياً: وجود الملائكة.
والمطابقة: في قوله ﷺ : " قال لي جبريل ".
٩٠٣ - معنى الحديث: أن الملائكة وهم مخلوقات طاهرة شريفة، وعباد مكرمون أصفياء، سخرهم الله لخدمة البشر، فهم يدخلون البيوت لخدمة من فيها من الناس والعناية بهم، ولكنهم يمتنعون عن دخول بيت فيه
стр. 1367
٩٠٤ - وعنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إِلى فِرَاشِهِ فَأبَتْ فبَاتَ غَضْبَان عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حتى تُصْبِحَ ".
ــ
كلب غير مأذون فيه شرعاً، أو صورةٌ لِإنسان أو حيوان - لأنها محرمة، والملائكة تكره المحرمات (١). الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجود الملائكة لقوله ﷺ " لا تدخل الملائكة بيتاً " إلخ. ثانياًً: تحريم الصور الحيوانية، وتحريم اقتناء الكلاب عدا المأذون فيها شرعاً، مثل كلاب الصيد والماشية والحرث، لأن الملائكة إنما تمتنع من دخول البيت الذي فيه صورة أو كلب لأن الصورة محرمة، والكلب نجس قذر (٢) محرّم شرعاً إلا لحاجة مشروعة. والمطابقة: في قوله: " لا تدخل الملائكة بيتاً ".
٩٠٤ - معنى الحديث: أن المرأة إذا دعاها زوجها للمباشرة وتمنعت عليه، وبات ساخطاً عليها " لعنتها الملائكة حتى تصبح " أي تدعو عليها بالطرد من رحمة الله حتى الصباح، لأنها عصت زوجها ومنعته حقه الشرعي، وفي بعض روايات البخاري " لعنتها الملائكة حتى ترجع ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجود الملائكة لقوله ﷺ : " لعنتها الملائكة حتى تصبح ". ثانياًً: أنه يحرم عصيان المرأة لزوجها، سيما فيما يتعلق بالفراش والمعاشرة الزوجية، وكونه كبيرة، وإلّا لما ترتب
стр. 1368
٧٩١ - " بَابُ ما جَاءَ في صِفَةِ الْجَنَّةِ وأنهَا مَخلُوقَة "
٩٠٥ - عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ على صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، والَّذِينَ عَلَى إثْرِهِمْ كأشَدِّ كَوْكَبٍ إضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ على قَلْبِ رَجُل وَاحَدٍ، لا اخْتِلافَ بَيْنَهُمْ، ولا تَبَاغضَ، لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهم
ــ
عليه هذا الوعيد الشديد، وهو لعن الملائكة. ثالثاً: قال الصنعاني: في الحديث إخبار بأنه يجب على المرأة إجابة زوجها إذا دعاها للجماع، لأن قوله " إلى فراشه " كناية عن الجماع، ودليل الوجوب لعن الملائكة لها، على امتناعها، إذ لا يلعنون إلاّ عن أمر الله، ولا يكون إلاّ عقوبة، ولا عقوبة إلّا على ترك واجب. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والمطابقة: في قوله ﷺ : " لعنتها الملائكة ".
٧٩١ - " باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة "
٩٠٥ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ يصف لنا أهل الجنة جميعاً بالحسن والجمال، وأنهم يتفاوتون في ذلك حسب درجاتهم وأعمالهم، فأول طائفة تدخل الجنة كالقمر ليلة الرابعٍ عشر حين تكمل استدارته، ويتم نوره، فيكون أكثر إشراقاً، وأعظم حسناً وبهاءً، وفي رواية " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر " أما الطائفة الثانية فإنها تشبه في صورتها أقوى الكواكب نوراً وضياءً. أما صفاتهم النفسية والخلقية فهم كما وصفهم النبي ﷺ " على قلب رجل واحد " أي في غاية الاجتماع والاتفاق، حتى كأن قلوبهم جميعاً قلب واحد، كما في الرواية الأخرى حيث قال في وصفهم: " قلوبهم قلب رجل واحد " وهو من التشبيه الذي حذفت
стр. 1369
زَوْجَتَانِ، كلّ وَاحِدَةٍ مِنْهمَا يرَى مخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ من الْحسْنِ، تسَبِّحُونَ اللهَ بكْرَةً وَعشِيَّاً، لا يَسْقَمونَ، ولا يَمْتَخِطُونَ، ولا يَبْصقُونَ، آنيتُهُمْ الذَّهَب والفِضَّةُ، وأمْشَاطهُمُ الذَّهَبُ، وَقودُ مَجَامِرِهِمْ الألوّة، ورَشْحهُم الْمِسْك".
ــ
أداته، أي كقلب رجل واحد، كما أفاده الحافظ. " لا اختلاف بينهم ولا تباغض " أي إن نفوسهم صافية نقية خالية من العداوة والبغضاء، عامرة بالحب والمودة. " لكل امرىء منهم زوجتان " أي لكل واحد منهم زوجتان من نساء الدنيا بالإِضافة إلى عشرات الحور من نساء الجنة، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في وصف أدنى أهل الجنة منزلة: " وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا " أخرجه أحمد في "مسنده " (١). أما صفة هؤلاء النساء فقد قال ﷺ في وصفهن: " كل واحدة منهما " أي من الزوجتين المذكورتين من نساء الدنيا " يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن " فهي لصفاء جسدها ورقة بشرتها جسم شفاف يكشف عما بداخله، فيرى الناظر إليها مخ ساقها من وراء لحمها، كما يرى الماء الصافي داخل الكأس الزجاجي. " يسبحون الله بكرة وعشياً " أي في أول النهار وآخره، والمراد أنهم يسبحون في وقتهما، وإلّا فلا بكرة ثمة ولا عشية. أمّا هذا التسبيح فإنه ليس عن تكليف، وإنما يلهمون به كما يلهمون النفس. " لا يسقمون " أي لا يمرضون فيها " ولا يمتخطون ولا يبصقون " لأن الله طهر أهل الجنة من هذه الأقذار " آنيتهم الذهب والفضة " أي بعض أوانيهم فضية، وبعضها ذهبية كما أفاده القاري. " وأمشاطهم الذهب " أي من الذهب الخالص " وقود مجامرهم الألوّة " بفتح الهمزة وضمها وبضم اللام
стр. 1370
٩٠٦ - عَن أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ في الْجَنَّةِ لَشَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لا يَقْطَعُهَا ".
ــ
وتشديد الواو كما أفاده القسطلاني " يعني " أن بخورهم الذي تتقد به مجامرهم هو العود الهندي الذي هو من أطيب الطيب وأزكى البخور.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجود الجنة التي خلقها الله تعالى لتكون دار النعيم لأوليائه. ثانياًً: جمال أهل الجنة، وحسن وجوههم، حيث وصفهم النبي ﷺ بقوله: " أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر " ثم وصفهم بالطهارة والنقاء من جميع العيوب والنقائص الجسمية والنفسية. أما سلامتهم من الأقذار الجسمية، فإنهم كما في الحديث " لا يمتخطون ولا يبصقون، ولا يتغوطون " فالطعام يرشح عرقاً من أجسامهم تفوح منه رائحة ذكية كرائحة المسك، كما جاء في حديث زيد بن أرقم حيث قال ﷺ : " تكون حاجة أحدهم رشحاً يفيض من جلودهم كرشح المسك " أخرجه النسائي. أما سلامتهم نفسياً واجتماعياً فإن مجتمع أهل الجنة يقوم على الود الخالص، فلا عداوة بينهم ولا بغضاء، كما في حديث الباب. ثالثاً: أن أهل الجنة يتنعمون بكل مظاهر النعيم والترف، فيأكلون في آنية الذهب والفضة، ويمتشطون بالأمشاط الذهبية، ويتطيبون بالعود الفاخر، وينعمون بأجمل النساء وأعظمهم صفاءً ورقة وشفافية. يسبحون الله ويحمدونه، كما في الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً " أنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس " أخرجه مسلم. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله: " أول زمرة تدخل الجنة ".
٩٠٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إن في الجنة لشجرة " أي إن فيها شجرة كبيرة مترامية الأطراف " يسير الراكب " المسرع في سيره