← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

٩٠٢ - عَنْ أبِي ذَر ﵁ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : " قَالَ لِي جِبْرِيلُ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ، أوْ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ، قَالَ: وإنْ زَنَى وِإنْ سَرَقَ قَالَ: وإنْ ". ٩٠٣ - عن أبي طَلحَةَ ﵁ أنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتَاً فيهِ كَلْبٌ ولا صُورَة تَمَاثِيلَ ". ــ ٩٠٢ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " قال لي جبريل من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً " أي من مات مؤمناً موحداً لله تعالى " دخل الجنة، أو لم يدخل النار " أي كان مصيره إلى الجنة، ولا يخلد في النار " قال: وإن زنى وإن سرق " قال: وإن " أي قال جبريل: وإن زنى وإن سرق، وهو من باب حذف فعل الشرط والاكتفاء بأداة الشرط عنه. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن المؤمن الموحد مصيره إلى الجنة، فإن ارتكب كبيرة فعوقب عليها في الدنيا فهو كفارة له، وإن لم يعاقب عليها في الدنيا فهو إلى الله إن شاء عاقبه وأدخله الجنة، وإن شاء عفا عنه، ولا يخلد في النار خلافاً للخوارج. ثانياً: وجود الملائكة. والمطابقة: في قوله ﷺ : " قال لي جبريل ". ٩٠٣ - معنى الحديث: أن الملائكة وهم مخلوقات طاهرة شريفة، وعباد مكرمون أصفياء، سخرهم الله لخدمة البشر، فهم يدخلون البيوت لخدمة من فيها من الناس والعناية بهم، ولكنهم يمتنعون عن دخول بيت فيه

стр. 1367

٩٠٤ - وعنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إِلى فِرَاشِهِ فَأبَتْ فبَاتَ غَضْبَان عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حتى تُصْبِحَ ". ــ كلب غير مأذون فيه شرعاً، أو صورةٌ لِإنسان أو حيوان - لأنها محرمة، والملائكة تكره المحرمات (١). الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجود الملائكة لقوله ﷺ " لا تدخل الملائكة بيتاً " إلخ. ثانياًً: تحريم الصور الحيوانية، وتحريم اقتناء الكلاب عدا المأذون فيها شرعاً، مثل كلاب الصيد والماشية والحرث، لأن الملائكة إنما تمتنع من دخول البيت الذي فيه صورة أو كلب لأن الصورة محرمة، والكلب نجس قذر (٢) محرّم شرعاً إلا لحاجة مشروعة. والمطابقة: في قوله: " لا تدخل الملائكة بيتاً ". ٩٠٤ - معنى الحديث: أن المرأة إذا دعاها زوجها للمباشرة وتمنعت عليه، وبات ساخطاً عليها " لعنتها الملائكة حتى تصبح " أي تدعو عليها بالطرد من رحمة الله حتى الصباح، لأنها عصت زوجها ومنعته حقه الشرعي، وفي بعض روايات البخاري " لعنتها الملائكة حتى ترجع ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجود الملائكة لقوله ﷺ : " لعنتها الملائكة حتى تصبح ". ثانياًً: أنه يحرم عصيان المرأة لزوجها، سيما فيما يتعلق بالفراش والمعاشرة الزوجية، وكونه كبيرة، وإلّا لما ترتب

стр. 1368

٧٩١ - " بَابُ ما جَاءَ في صِفَةِ الْجَنَّةِ وأنهَا مَخلُوقَة " ٩٠٥ - عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ على صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، والَّذِينَ عَلَى إثْرِهِمْ كأشَدِّ كَوْكَبٍ إضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ على قَلْبِ رَجُل وَاحَدٍ، لا اخْتِلافَ بَيْنَهُمْ، ولا تَبَاغضَ، لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهم ــ عليه هذا الوعيد الشديد، وهو لعن الملائكة. ثالثاً: قال الصنعاني: في الحديث إخبار بأنه يجب على المرأة إجابة زوجها إذا دعاها للجماع، لأن قوله " إلى فراشه " كناية عن الجماع، ودليل الوجوب لعن الملائكة لها، على امتناعها، إذ لا يلعنون إلاّ عن أمر الله، ولا يكون إلاّ عقوبة، ولا عقوبة إلّا على ترك واجب. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والمطابقة: في قوله ﷺ : " لعنتها الملائكة ". ٧٩١ - " باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة " ٩٠٥ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ يصف لنا أهل الجنة جميعاً بالحسن والجمال، وأنهم يتفاوتون في ذلك حسب درجاتهم وأعمالهم، فأول طائفة تدخل الجنة كالقمر ليلة الرابعٍ عشر حين تكمل استدارته، ويتم نوره، فيكون أكثر إشراقاً، وأعظم حسناً وبهاءً، وفي رواية " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر " أما الطائفة الثانية فإنها تشبه في صورتها أقوى الكواكب نوراً وضياءً. أما صفاتهم النفسية والخلقية فهم كما وصفهم النبي ﷺ " على قلب رجل واحد " أي في غاية الاجتماع والاتفاق، حتى كأن قلوبهم جميعاً قلب واحد، كما في الرواية الأخرى حيث قال في وصفهم: " قلوبهم قلب رجل واحد " وهو من التشبيه الذي حذفت

стр. 1369

زَوْجَتَانِ، كلّ وَاحِدَةٍ مِنْهمَا يرَى مخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ من الْحسْنِ، تسَبِّحُونَ اللهَ بكْرَةً وَعشِيَّاً، لا يَسْقَمونَ، ولا يَمْتَخِطُونَ، ولا يَبْصقُونَ، آنيتُهُمْ الذَّهَب والفِضَّةُ، وأمْشَاطهُمُ الذَّهَبُ، وَقودُ مَجَامِرِهِمْ الألوّة، ورَشْحهُم الْمِسْك". ــ أداته، أي كقلب رجل واحد، كما أفاده الحافظ. " لا اختلاف بينهم ولا تباغض " أي إن نفوسهم صافية نقية خالية من العداوة والبغضاء، عامرة بالحب والمودة. " لكل امرىء منهم زوجتان " أي لكل واحد منهم زوجتان من نساء الدنيا بالإِضافة إلى عشرات الحور من نساء الجنة، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في وصف أدنى أهل الجنة منزلة: " وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا " أخرجه أحمد في "مسنده " (١). أما صفة هؤلاء النساء فقد قال ﷺ في وصفهن: " كل واحدة منهما " أي من الزوجتين المذكورتين من نساء الدنيا " يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن " فهي لصفاء جسدها ورقة بشرتها جسم شفاف يكشف عما بداخله، فيرى الناظر إليها مخ ساقها من وراء لحمها، كما يرى الماء الصافي داخل الكأس الزجاجي. " يسبحون الله بكرة وعشياً " أي في أول النهار وآخره، والمراد أنهم يسبحون في وقتهما، وإلّا فلا بكرة ثمة ولا عشية. أمّا هذا التسبيح فإنه ليس عن تكليف، وإنما يلهمون به كما يلهمون النفس. " لا يسقمون " أي لا يمرضون فيها " ولا يمتخطون ولا يبصقون " لأن الله طهر أهل الجنة من هذه الأقذار " آنيتهم الذهب والفضة " أي بعض أوانيهم فضية، وبعضها ذهبية كما أفاده القاري. " وأمشاطهم الذهب " أي من الذهب الخالص " وقود مجامرهم الألوّة " بفتح الهمزة وضمها وبضم اللام

стр. 1370

٩٠٦ - عَن أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ في الْجَنَّةِ لَشَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لا يَقْطَعُهَا ". ــ وتشديد الواو كما أفاده القسطلاني " يعني " أن بخورهم الذي تتقد به مجامرهم هو العود الهندي الذي هو من أطيب الطيب وأزكى البخور. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجود الجنة التي خلقها الله تعالى لتكون دار النعيم لأوليائه. ثانياًً: جمال أهل الجنة، وحسن وجوههم، حيث وصفهم النبي ﷺ بقوله: " أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر " ثم وصفهم بالطهارة والنقاء من جميع العيوب والنقائص الجسمية والنفسية. أما سلامتهم من الأقذار الجسمية، فإنهم كما في الحديث " لا يمتخطون ولا يبصقون، ولا يتغوطون " فالطعام يرشح عرقاً من أجسامهم تفوح منه رائحة ذكية كرائحة المسك، كما جاء في حديث زيد بن أرقم حيث قال ﷺ : " تكون حاجة أحدهم رشحاً يفيض من جلودهم كرشح المسك " أخرجه النسائي. أما سلامتهم نفسياً واجتماعياً فإن مجتمع أهل الجنة يقوم على الود الخالص، فلا عداوة بينهم ولا بغضاء، كما في حديث الباب. ثالثاً: أن أهل الجنة يتنعمون بكل مظاهر النعيم والترف، فيأكلون في آنية الذهب والفضة، ويمتشطون بالأمشاط الذهبية، ويتطيبون بالعود الفاخر، وينعمون بأجمل النساء وأعظمهم صفاءً ورقة وشفافية. يسبحون الله ويحمدونه، كما في الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً " أنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس " أخرجه مسلم. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله: " أول زمرة تدخل الجنة ". ٩٠٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إن في الجنة لشجرة " أي إن فيها شجرة كبيرة مترامية الأطراف " يسير الراكب " المسرع في سيره

стр. 1371

٩٥٧ - عَنِ الْبَرَاءِ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ: " إِنَّ لَهُ مُرْضِعَاً في الْجَنَّةِ ". ــ " في ظلها مائة عام لا يقطعها " أي يسير تحتها الراكب المجد مائة سنة فلا ينتهي منها، وفي الحديث عن عتبة السلمي مرفوعاً " شجرة طوبى تشبه الجوزة، لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تتكسر ترقوتها هرماً " أخرجه ابن حبان في صحيحه. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على عظمة الجنة، وضخامة أشجارها، حتى إن بعض أشجارها تمتد أغصانها وفروعها إلى مسافات بعيدة تزيد عن مسيرة مائة عام. ثانياً: أن أهل الجنة يتفيئون أشجارها تنعماً وتلذذاً، لا من أجل أن يستظلوا بها من حرارة الشمس، فإن الجنة لا حر فيها ولا برد، وذلك هو مصداق قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ) فالجنة كلها ظل لا شمس معه، ونور لا حرَّ فيه، كأنما هم يعيشون دائماً في وقت الإِسفار الذي يسبق طلوع الشمس (١). والمطابقة: في قوله: " إن الجنة لشجرة ". ٩٠٧ - معنى الحديث: يحدثنا البراء ﵁ " عن النبي ﷺ قال: لما مات ابراهيم " أي قال ﷺ يوم وفاة إبراهيم ابن رسول الله من مارية القبطية، ولد في ذي الحجة سنة ثمان، وتوفي يوم الثلاثاء، لعشر خلون

стр. 1372

٩٠٨ - عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أهلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ في الأفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أوِ الْمَغْرِبِ، ــ من ربيع الأول سنة عشر، وهو ابن ثمانية عشر شهراً (١) " إن له مرضعاً " بضم الميم وكسر الضاد " في الجنة " أي إن الله قد أعد له في الجنة من يقوم بإرضاعه حتى يتم رضاعته، كما قال ﷺ : " إن إبراهيم ابني وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين - تكملان إرضاعه في الجنة " أخرجه مسلم (٢). فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل إبراهيم ﵇، وأنه يحيى في الجنة حياة برزخية كالصديقين والشهداء، ويرزق كما يرزقون، ويتمثل رزقه في ذلك اللبن الذي يرضعه من مرضعته في الجنة، ثانياً: قال النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة، وتوقف فيه بعضهم لحديث عائشة أخرجه مسلم بلفظ " توفي صبي من الأنصار فقلت: طوبى له - " أي له الجنة " لم يعمل سوءاً، ولم يدركه، فقال النبي ﷺ : " أو غير ذلك يا عائشة. إن الله تعالى خلق للجنة أهلاً " الحديث، وأجيب عنه بأنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون الحديث يدل على وجود الجنة، وبعض ما فيها. ٩٠٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق " أي أنهم يشاهدون عن بعد أهل المنازل العالية في الجنة كما كانوا يشاهدون في الدنيا

стр. 1373

لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الأنْبِيَاءِ لا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: " بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ ". ٧٩٢ - "بابُ صِفَةِ أْبوَابِ الْجَنَّةِ " ٩٠٩ - عَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵄: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " في الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أبوَاب، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَيَّانَ، لا يَدْخُلُهُ إلَّا الصَّائِمُون ". ــ الكوكب البعيد في أفق السماء، " لتفاضل ما بينهم " أي لأن أهل الجنة يتفاضلون في مساكنهم ومنازلهم ودرجاتهم " قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم " الظاهر أنه سؤال واستفهام، والمعنى، هل تلك المنازل العالية هي منازل الأنبياء التي لا يصل إليها سواهم، " قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين "، أي أنها ليست خاصة بالأنبياء، ولكنها للصديقين من هذه الأمة المحمدية. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن أهل الجنة يتفاضلون في منازلهم ودرجاتهم ومساكنهم، وأن منهم من يبعد عن غيره بعد الكوكب الغابر في الأفق عن أهل الأرض. والمطابقة: في قوله: " إن أهل الجنة " (١). ٧٩٢ - " باب صفة أبواب الجنة " ٩٠٩ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " إن في الجنة ثمانية أبواب " كما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا

стр. 1374

٧٩٣ - " بَابُ صِفَةِ النَّارِ وأنهَا مَخلُوقَة " ٩١٥ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ ". ــ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) لأن الواو إنما تأتي بعد (سبعة) " فيها باب يسمّى الريان " بفتح الراء، وهو ضد العطشان، سمى بذلك لما في رواية الترمذي " من دخله لم يظمأ أبداً ". " لا يدخله إلاّ الصائمون " خاصة دون غيرهم. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن عدد أبواب الجنة ثمانية، وفيه تفسير وبيان لقوله تعالى: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) ثانياًً: أن الله خص الصائمين بباب يسمى الريان لا يظمؤون بعد دخولهم منه، لأنهم ظمئوا في الدنيا فأدخلهم الله منه تبشيراً لهم بانقطاع ظمئهم نهائياً. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " ثمانية أبواب ". ٧٩٣ - " باب صفة النار وأنها مخلوقة " ٩١٠ - معنى الحديث: كما أخبر النبي ﷺ أن الحمى طاقة حرارية منشأها من نار جهنم. فاللهب الحاصل في جسم المحموم -كما قال الزرقاني- قطعة من نار جهنم، قدر الله ظهورها ليعتبر العباد بذلك، فقوله ﷺ : " الحمى من فيح جهنم " كما قال الطيبي: إما أن تكون (من) ابتدائية، أي الحمى نشأت وحصلت من فيح جهنم، أو تبعيضية أي بعض منها، " فابردوها بالماء " بهزة وصل وضم الراء على المشهور (١)، وحكي كسر الراء (٢)، أي خففوا من حرارتها باستعمال الماء البارد شرباً وغسلاً للأطراف. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.

стр. 1375

٩١١ - عَنْ أبِي هرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ قَالَ: " نَاركُمْ جزْء من سَبْعِينَ جزْءَاً منْ نَارِ جَهَنَّمَ " قِيلَ: يَا رَسولَ اللهِ إنْ كَانَتْ لكَافِيَةً، قَالَ: " فضِّلَتْ عليهَا بِتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جزْءاً كُلُّهنَّ مِثْلُ حَرِّهَا ". ــ فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن معظم الحميات نارية ناشئة عن حرارة جهنم، مباشرة، أو عن حرارة الصيف التي هي نَفَس من أنفاسها. فالحمى نفس من أنفاس جهنم، يصيب المحموم، فتصيبه تلك الحرارة الشديدة التي تشتعل في قلبه وتنتشر في دمه وعروقه وسائر أعضاء بدنه. ثانياً: تخفيف الحمى بالماء البارد، وذلك بشربه وغسل الأطراف به (١) قال ابن القيم: خطاب النبي ﷺ في هذا الحديث خاص بأهل الحجاز ومن والاهم إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية الحادثة من شدة حرارة الشمس، وهذه ينفعها الماء البارد شرباً واغتسالاً، وذكر أن أصحاب هذه الحمى ينفعهم الماء كثيراً، وقد يغنيهم عن العلاجات الأخرى. ثالثاً: في الحديث وصف لنار جهنم وشدة حرارتها، وكونها مخلوقة الآن لأنّها لو لم تكن موجودة الآن كيف تكون الحمّى نفس من أنفاسها. والمطابقة: في قوله: " الحمى من فيح جهنم " حيث دل على أن جهنم موجودة الآن خلافاً للمعتزلة. ٩١١ - معنى الحديث: أن نسبة الطاقة الحرارية الموجودة في نار الدنيا كنسبة جزء إلى سبعين جزءاً من حرارة نار جهنم في الدار الآخرة، قال الحافظ: والمراد المبالغة في الكثرة لا العدد الخاص، فلما سمع ذلك بعض الصحابة قال: إن نار الدنيا كافية في الإحراق، مجزئة في الإِيلام، فهي محرقة

стр. 1376

للجماد، فضلاً عن الأجسام البشرية. " قال ﷺ : إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً " أي أن نار الآخرة تزيد قوة حرارتها عن حرارة نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً، " كلهن مثل حرها " أي كل جزء منها يعادل حرارة نار الدنيا كلها، ولهذا قال ابن عباس: لو جمع كل ما في الوجود من النار التي يوقدها الآدميون لكانت جزءاً من أجزاء نار جهنم. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن نار جهنم تزيد طاقتها الحرارية على نار الدنيا بتسعة وستين ضعفاً، وأن نسبة الحرارة الموجودة في نار الدنيا كنسبة واحد إلى سبعين من نار الآخرة. ثانياًً: أن نار الدنيا مخلوقة من نار الآخرة، إلا أنها خُفِّفت عنها مرات كثيرة جداً، وفي هذا يقول ابن عباس ﵄، وقد سئل عن نار (١) الدنيا. قال: من نار الآخرة، غير أنها أُطفأت بالماء سبعين مرة، ولولا ذلك ما انتفع بها أحد. أخرجه ابن عيينة. ثالثاً: أن النار مخلوقة الآن قال الزرقاني (٢): النار والجنة مخلوقتان الآن كما دلت عليه أحاديث كثيرة أصرحها قوله ﷺ : " لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلاّ دخلها ثم حفها بالمكاره، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: يا رب، لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، فلما خلق الله النار قال: يا جبريل إذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فحفها بالشهوات، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها فقال: أي رب في عزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلاّ دخلها " رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وصححه الحاكم عن أبي هريرة. والمطابقة:

стр. 1377

٧٩٤ - " بَابُ صِفَةِ إبْلِيس وَجُنُودِهِ " ٩١٢ - عَنْ أبي هُرَيْرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " يَأتِي الشيطَانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَق كذَا؟ من خلَقَ كَذَا؟ حتى يَقُولَ: من خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ ". ــ في قوله ﷺ : " ناركم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم ". الحديث: أخرجه الشيخان ومالك في " الموطأ ". ٧٩٤ - " باب صفة إبليس وجنوده " وصفه ابن عباس ﵄ في حديث له: بقبح الصورة، وبشاعة المنظر فقال عنه: " جسده جسد خنزير، ووجهه وجه قرد، وعيناه مشقوقتان طولاً، وأسنانه كلها عظم واحد .. إلى آخره ٩١٢ - معنى الحديث: أن الشيطان، وهو أعدى أعداء البشر على الإِطلاق لا همَّ ولا شغل له أبداً إلاّ العمل الدائب على إغواء الإِنسان وإضلاله حتى يهلك ويشقى، فيوسوس له شتى الوساوس، ويأتيه من كل جانب، وأهمها أن يأتيه من جهة العقيدة لأنها أساس دينه وإيمانه، وعليها تتوقف نجاته وسعادته في الدار الآخرة فيبعث في نفسه الشكوك حولها، ويثير فيه التساؤلات العديدة عن حدوث الأشياء، ومن أحدثها " فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ " يعني من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ من خلق الجبال؟ من خلق الإِنسان؟ فيجيبه نفسياً وعقلياً بقوله: " الله "، وجوابه هذا صحيح وحق وواقع وتوحيد وإيمان، ولكن الشيطان لا يقف عند هذا الحد من الأسئلة، بل يتجاوزها إلى أسئلة ضالّة مضّلة فينتقل من سؤال إلى سؤال " حتى يقول: من خلق ربك " وهنا تبدأ المحاولة الشيطانية لتشكيك الإِنسان في

стр. 1378

توحيده وإيمانه بصفات الله ، لأن الله تعالى لا خالق له، فهو الأول بلا ابتداء، والسابق لكل موجود، لم يسبقه عدم، حتى يكون مخلوقاً لغيره، تعالى الله علواً كبيراً " فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته " أي فإذا وصل معه الشيطان إلى هذا الحد من الأسئلة فليستعذ بالله منه، وليكف عن الاستجابة له، قال الحافظ: أي ولينته عن الاسترسال معه في ذلك، ويعلم أنه يريد إفساد دينه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: التحذير عن الاستجابة للوساوس الشيطانية، سيما ما يتعلق بعقيدة الإِنسان المتعلقة بالله وصفاته ووحدانيته، فإن هذا النوع من الوسوسة أخطر ما يكون عليه، لأن الشيطان عندما يسأله: " من خلق ربك " إنما يريد بذلك أن يوحي إليه نفسياً بأن الله مخلوق كسائر الكائنات، فإذا استجاب لذلك، والعياذ بالله، كفر بالله، وإذا تنبه لذلك واستعاذ بالله سلم من الشرك بالله، وهذا هو اليقين وصريح الإِيمان. ثانياًً: أن هذه الوساوس الشيطانية كثيرة، فمنها ما يتعلق بصفات الباري ﷻ ، أو صفات رسوله ﷺ ، ومنها ما يتعلق بالقرآن، ومنها ما يتعلق بالغيبيات كالبعث وعذاب القبر، والجنة والنار، والملائكة إلى غير ذلك من عقائد الإِيمان فيجب الاستعاذة منه عند محاولته التشكيك في هذه العقائد، قال الخطابي: إن الشيطان إذا وسوس بذلك فاستعاذ الشخص منه، وكف عن مطاولته اندفع، وإن الاسترسال معه ولو بقرع الحجة بالحجة غير مأمون، لأن الشيطان ليس لوسوسته انتهاء. ثالثاً: إثبات وجود الشياطين، وبقاؤهم إلى يوم القيامة، وهم كثيرون وإبليس هو أبوهم وأصلهم الأول. والمطابقة: في قوله ﷺ : " يأتي الشيطان أحدكم ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.

стр. 1379

٩١٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁: عَنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا استَجْنَحَ (١) اللَّيْلُ -أو كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ- فَكُفُّوا صبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَيّاَطِينَ تَنْتَشِر حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَتْ سَاعَةٌ من الْعِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ، وأغلق بَابَكَ، واذكُرْ اسْمَ اللهِ، وَأطْفِىءْ مِصْبَاحَكَ، واذكُرِ اسْمَ اللهِ، وَأوْكِ سقَاءَكَ، وَاذكُرِ اسْمَ اللهِ، وخَمِّرْ إِنَاءَكَ، واذْكُرِ اسْمَ اللهِ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئَاً ". ــ ٩١٣ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ يأمرنا أمر إرشاد وتوجيه أن نمنع أطفالنا عن الخروج من البيوت عند أول غروب الشمس وإقبال ظلمة الليل، لأن الشياطين والأرواح الخبيثة المؤذية تنتشر في أوّل الليل محاولة الشر والإِفساد والإِضرار بالناس، لا سيما الأطفال لضعفهم، فإذا مضت ساعة بعد الغروب سمح لهم بالخروج. ثم هو ﷺ يأمرنا أيضاً بإغلاق بيوتنا، وقفل أبوابها، لا سيما بالليل، لمنع اللصوص والمعتدين من دخولها، وإطفاء مصابيحنا عند النوم احتياطاً وحذراً من الحريق. ووضع جميع المشروبات التي نتناولها في أوان مغلقة محكمة خوفاً من أن يتسرب إليها بعض الحشرات والميكروبات، وتغطية الأطعمة حتى لا تتلوّث بسقوط الأقذار والجراثيم فيها. وأن نذكر اسم الله تعالى عند كل عمل من أعمالنا هذه أو غيرها نستعيذ به ونعتمد عليه في حمايتنا (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجود الشياطين، وكونها مخلوقات شريرة مؤذية للإِنسان وأطفاله. ثانياًً: أنه ينبغي حفظ الأطفال في المنازل، ومنعهم من الخروج منها بعد غروب الشمس مباشرة لمدة ساعة، لأن الشياطين تنتشر في ذلك الوقت فتؤذيهم جسمياً ونفسياً لضعفهم وسرعة

стр. 1380

٩١٤ - عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَجُلانِ يَسْتَبَّانِ، فأحَدُهُمَا احْمَرَّ وجْهُهُ، وانتفَخَتْ أوْداجُهُ، فَقَالَ النبِيُّ ﷺ : "إِنِّي لأعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالهَا ــ تأثرهم. ثالثاً: يرشدنا ﷺ إلى اتخاذ كل الوسائل المادية لحفظ النفس والمال والصحة، فمن ذلك إغلاق الأبواب وإطفاء المصابيح وتغطية الإِناء، وربط السقاء كما قال ﷺ : "وأوك سقاءك، واذكر اسم الله " صيانة للماء من التلوث في أي وعاء كان، وقال ﷺ : " وخمر إناءك " فأمر بتغطية وعاء الطعام لحفظه من الحشرات والميكروبات. رابعاً: مشروعية الجمع بين اتخاذ الأسباب والتحصن بذكر الله تعالى وأسمائه، والتوكل عليه، حيث قال: " وأغلق بابك، واذكر اسم الله " أي اجمع بين الوقاية المادية والوقاية الروحية لتشملك العناية الإلهية. والمطابقة: في قوله ﷺ : " فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر " أخرج هذا الحديث: الشيخان وأبو داود والنسائي. ٩١٤ - راوي الحديث: هو سليمان بن صرد - بضم الصاد وفتح الراء ابن الجون بن الجون بن أبي الجون بن منقذ الخزاعي، كان من خيار الصحابة، شهد وقعة صفين مع علي ﵁، وعمل كاتباً للحسن بن علي ﵄، وقتل سنة خمس وستين من الهجرة، وعمره ثلاث وسبعون سنة ﵁ وأرضاه. معنى الحديث: أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ تخاصما وتشاتما وسب كل منهما الآخر واشتد بأحدهما الغضب، وظهرت آثاره عليه، فاحمر وجهه من شدة فوران الدم وغليانه، وانتفخت عروق عنقه، ورأى النبي ﷺ ما وقع له من شدة الغضب فقال لأصحابه: لو قال كلمة واحدة لاستراح وهدأت

стр. 1381

ذَهَبَ عنه ما يَجِدُ، لو قَالَ: أعُوذُ باللهِ مِنَ الشيطانِ، ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النبي ﷺ قَالَ: تَعَوَّذْ باللهِ مِنَ الشيطَانِ، فَقَالَ: وَهَلْ بِي جُنُونٌ! ــ نفسه وهي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن الغضب نزعة شيطانية (١) تخرج الإِنسان عن حالته العادية، ويأتي ببعض الأعمال الجنونية، كتقطيع ثوبه، وكسر آنيته، وشتم من أغضبه. أو ضربه أو قتله فإذا استعاذ العبد بالله واعتصم به، حماه من الشيطان، ومنعه من التسلط عليه " قال النبي ﷺ : إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان " " فقالوا له: إن النبي ﷺ قال: " تعوذ بالله من الشيطان، فقال: وهل بي جنون " قال النووي: هذا كلام من لم يفقه في دين الله، ولم يتهذب بأنوار الشريعة المكرمة، وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالمجانين، ولم يعلم أن الغضب من نزعات الشيطان، والاستعاذة تذهب الغضب وهي أقوى سلاح على دفع كيده. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن أقوى علاج لتسكين الغضب والقضاء عليه الاستعاذة بالله من الشيطان بنية صادقة، وعزيمة قوية، ويقين وإخلاص، لأن الغضب نزعة شيطانية شريرة، والاستعاذة أقوى سلاح لمحاربة الشيطان فإذا لٍم يستعمل هذا السلاح سخّره في كل ما يغضب الله من أعمال إجرامية إشباعا لغريزة التشفي والانتقام، ولهذا جاء في الحديث عن أبي الدرداء ﵁ قال: قلت يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: لا تغضب ولك الجنة، رواه الطبراني في الكبير والأوسط لأنه يولّد الحقد (٢) والحسد، وإضمار السوء، وهجر المسلم

стр. 1382

٧٩٥ - " بَاب إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرابِ أحَدِكُمْ فَلْيَغمِسْهُ، فَإِنَّ في إحْدى جَنَاحَيْهِ دَاءً وفي الأخرَى شِفَاءً " ٩١٥ - عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : " إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَابِ أحدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثمَّ لِيَنْزِعْه، فَإِنَّ في إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً، وفي الأخرى شِفَاءً ". ــ لأخيه المسلم، ومنع الحقوق، وتظهر آثار الغضب على سلوك الإِنسان وتصرفاته الشخصية من ضرب وقتل ونحوه، فإن فاته ذلك، رجع إلى نفسه فمزّق ثيابه، ولطم خده، وربما سقط صريعاً، وربما أغمي عليه. وقد حكي أن بعض الملوك كتب في صحيفة: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء، ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، ثم دفعها إلى وزيره وقال له: إذا غضبت فادفعها إليّ، فجعل الوزير كلما غضب الملك دفعها إليه، فنظر فيها فيسكن غضبه (١). ثانياً: وجود الشيطان وتسلطه على الإِنسان بإثارة غرائزه، ولذلك أمر النبي ﷺ بالاستعاذة منه. والمطابقة: في قوله ﷺ : " لو قال أعوذ بالله من الشيطان ". ٧٩٥ - " باب إذا وقع الذباب (٢) في شراب أحدكم فليغمسه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء " ٩١٥ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه " أي يأمرنا النبي ﷺ في هذا الحديث - إذا وقعت الذبابة في مائع من المائعات أن ندخلها كلها في الإِناء، ثم نخرجها منه "فإن

стр. 1383

في إحدى جناحيه داء" أي لأن إحدى الجناحين يحمل جرثومة المرض، والثاني يحمل الدواء الذي يقضي عليها وهو معنى قوله: " وفي الأخرى شفاء " ومن طبيعة الذبابة أنها إذا سقطت في مائع وقعت على الجناح الذي يكمن فيه الداء، وأفرزته فيه، فإذا غمس الجناح الآخر خرج منه الدواء الذي يقضي على ذلك الداء، لأن الذباب كما في حديث ابن حبان: " يقدم السم ويؤخر الشفاء ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على أمرين، أمر فقهي وهو أن الذباب إذا مات في ماء أو مائع لا ينجسه (١)، وهو قول الجمهور، ثم عدّى هذا الحكم إلى كل ما لا دم له كالنحلة والزنبور، وأمر طبي وهو غمس الذباب كله، وإدخاله في الإناء ليخرج الشفاء الموجود في جناحه الآخر، فيقضي ذلك الترياق الشافي على ذلك السم الذي وقع في الإناء، قال في " هداية الباري " (٢) وهذا طب لا يهتدي إليه الأطباء وأئمتهم، فالطيب العالم الموفق يخضع لهذا العلاج، ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوى البشرية. والمطابقة: في كون الترجمة هي لفظ الحديث نفسه. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود وابن ماجة في الطب. ...

стр. 1384

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتابُ أحَادِيث الأنبِيَاءِ " ٧٩٦ - " بَابُ خلْقِ آدَمَ ﷺ وذرِّيَّتهِ " ٩١٦ - عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " خَلَقَ اللهُ آدَمَ وَطُولُهُ ستُّونَ ذِرَاعاً، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولئِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيتكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتكَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ على صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ ". ــ كتاب أحاديث الأنبياء (١) ٧٩٦ - " باب خلق آدم " ٩١٦ - معنى الحديث: أن الله تعالى خلق الإِنسان الأوّل وهو آدم أبو البشر طويل القامة، بحيث يبلغ طوله ستين ذراعاً، وكان خلقه يوم الجمعة كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة. وبعد أن تم خلقه وتكوينه، ونفخ فيه الروح، ودبت فيه الحياة، وأصبح بشراً سوياً، أمره الله أن يذهب إلى الملائكة فيحييهم بالسلام، ويستمع إلى إجابتهم عليه، فتكون تلك التحية المتبادلة بينه وبينهم هي التحية المشروعة له ولذريته من بعده، وهو معنى قوله: " فاستمع ما يحيونك تحيتك وتحية ذريتك " أي فإنها تحيتك وتحية المؤمنين من ذريتك، "فقال السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه

стр. 1385

٩١٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعود ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمَاً، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ من دَمِهَا، لأنَّهُ أوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ ". ــ ورحمة الله" فأصبح ذلك هو الصيغة المشروعة في الرد على السلام. " فكل من يدخل الجنة على صورة آدم " أي على صورته في الحسن والجمال وطول القامة .. " فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن " فلم تزل تقصر قامة بني آدم حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان خلق آدم ﵇، وطول قامته، وأنها كانت ستين ذراعاً، وأن المؤمنين حين يدخلون الجنة يكونون على صورة أبيهم آدم وطول قامته. ثانياً: أن الأجيال السابقة كانوا طوال القامة، وأن قامتهم أخذت تقصر شيئاً فشيئاً، حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن. قال في " هداية الباري ": ولا يشكل عليه ما يوجد الآن من آثار الأمم الخالية كديار ثمود في الجبال، فإنها تدل على عدم إفراط طولهم لأن تلك البيوت الجبلية اتخذوها مأمناً مما يحيق بهم، لا مساكن للتمتع حتى يشيدوها، ويرفعوا سقوفها كما يرشد إليه قوله تعالى: (وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ). المطابقة: في قوله: " خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً " الحديث: أخرجه الشيخان. ٩١٧ - معنى الحديث: أنه لا ترتكب جريمة قتل في هذه الأرض فتقتل نفس بشرية بغير حق إلاّ كان على القاتل الأول وهو قابيل بن آدم وولده البكر نصيب من وزرها، لأنه أوّل من سن القتل، وتجرأ عليه ظلماً وعدواناً، كما قال الله تعالى: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) أي فطاوعته نفسه أن يقتل أخاه " هابيل " فخسر الدنيا والآخرة

стр. 1386

٧٩٧ - " بَابُ قِصَّةِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ " ٩١٨ - عَنْ زَيْنَبَ بنْتِ جَحْش ﵂: أنَّ النبي ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعَاً يَقُولُ: " لا إلهَ إلَّا اللهُ، وَيْل لِلْعَربِ مِنْ شَر قَدْ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأجُوجَ ومَأجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ -وَحَلَّقَ بأُصْبُعِهِ الإبهَامَ والتي تَلِيهَا- قالَتْ زَيْنَبُ بنْتُ جَحْشٍ: أنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: " نَعَمْ إذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ". ــ وكان عليه دم أخيه، ونصيب من دم كل نفس تقتل إلى يوم القيامة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن قابيل هو أوّل أولاد آدم ﵇، وأول ذريته وهو ما ترجم له البخاري كما يدل عليه قولى ﷺ : " إلاّ كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ". ثانياًً: أن أوّل جريمة قتل وقعت على هذه الأرض هي جريمة قابيل حين قتل أخاه هابيل، فكان أوّل من سن القتل، ولهذا ما من جريمة قتل تحدث إلاّ وعليه كفل من دمها، والمطابقة: في قوله: " إلّا كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها ". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. ٧٩٧ - " باب قصة يأجوج ومأجوج " وهما جنسان متوحشان من البشر يتكونان من قبائل كثيرة تبلغ اثنتين وعشرين قبيلة كما أفاده محيي السنة، ٩١٨ - معنى الحديث: تحدثنا زينت بنت جحش ﵂ " أن النبي ﷺ دخل عليها فزعاً يقول: لا إله إلاّ الله " أي دخل عليها خائفاً مضطرباً، يلهج لسانه بكلمة التوحيد -كما هي عادته- ﷺ عند الخوف من شيء ما، إيذاناً بتوقع أمر مكروه يحدث في هذا العالم لا نجاة

стр. 1387

منه إلا بالالتجاء إلى الله، والاستجارة بسلطانه. " فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعيه الإِبهام والتي تليها " أي فتح اليوم من سد يأجوج ومأجوج الذي بناه ذو القرنين ليكون مانعاً لهما من غزو الشعوب المجاورة ثغرة صغيرة مثل الحلقة التي تُرى عند إيصال طرف السبابة بأصل الإِبهام، قال القسطلاني: والمراد بالتمثيل التقريب لا حقيقة التحديد، قالت زينب: " فقلت: أنهلك وفينا الصالحون " أي كيف يسلّط الله علينا هذه الشعوب المتوحشة فتهلكنا وتقضى علينا وفينا المؤمنون الصالحون، وكأنها أخذت ذلك من قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) " فقال ﷺ : نعم إذا كثر الخبث " أي نعم يهلك العامة بفساد الخاصة، ولو كان فيهم الصالحون إذا انتشرت الفواحش، وفشت المنكرات، ولم ينكرها أحد، كما قال تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً). فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجود يأجوج ومأجوج، واختراقهم للسد في آخر الزمان قرب الساعة. كما تحدَّث عنهم القرآن في سورة الكهف، وذكر أنهم شعوب مخربة حمى الله البشريّة من شرهم بذلك السد، وكما ورد ذكرهم في بعض الأحاديث الصحيحة كحديث الباب، وحديث النواس بن سمعان حيث قال فيه: " فبينما هو كذلك إذا أوحى الله تعالى إلى عيسى أني قد أخرجت عباداً لا يدان لأحد بقتالهم -أي لا يقدر أحد على حربهم- فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها. ثم قال: ويحصر نبي الله عيسى حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار، فيرغب نبي الله، فيرسل الله عليهم النغف -أي الدود- فيصبحون فرسى -أي قتلى- كموت نفس واحدة " أخرجه مسلم. وأرجح ما وصل إليه الباحثون في شأنهم أن يأجوج هم التتر ومأجوج هم المغول أي أنهما من هذين الشعبين وأصلهما من أب واحد يسمى " ترك "

стр. 1388

وقد كانوا يسكنون الجزء الشمالي من آسيا، وتمتد بلادهم ما بين التيبت والصين إلى المتجمد الشمالي شمالاً، وتركستان الشرقية غرباً، ويذكر المؤرخون أن هذه الأمم المتوحشة كانت تغير على الأمم المجاورة لها كثيراً حتى وصل غزوهم الوحشي في العهد القديم إلى أوربة، وكثيراً ما أغاروا على بلاد الصين وآسيا الغربية التي كانت مقر الأنبياء، وقد تحدث القرآن عنهم كما تحدث أيضاً عن " سد يأجوج ومأجوج " وجاء ذكره في حديث الباب كما جاء ذكرهم أيضاً. وقد تسربت بعض هذه الشعوب المتوحشة إلى الشرق الأوسط وتحقق ذلك بغزو التتار للمسلمين والعرب، وتخريبهم لبلادهم، وقضائهم على الدولة العباسية، واستيلائهم على بغداد وقد ذكر النبي ﷺ اقتحامهم لهذا السد في قوله ﷺ : " فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعه الإِبهام والتي تليها ". أما هذا السد ومكانه، وأين هو؟ فليس في ذلك نص صريح عليه، وقد دلت الكشوفات العلمية على وجود سدين عظيمين " أوّلهما " شرقي البحر الأسود بالقرب من (١) مدينة باب الأبواب، وقد اكتشف في القرن الحالي. والثاني وراء نهر جيحون في عمالة بلخ واسمه باب الحديد بمقربة من مدينة ترمذ، والذي تدل عليه الدلائل التاريخية والكشوفات العلمية أن سد يأجوج ومأجوج هو هذا السد الأخير الذي وراء نهر جيحون والمسمى بسد باب الحديد، لأنه هو الذي اخترقه التتار والمغول أثناء زحفهم على البلاد الاسلامية، وهو الذي اجتازه هولاكو بجيوشه الغازية لغزو الخلافة العباسية في عهد الخليفة المستعصم بالله، حيث استولى على بغداد في أواسط القرن السابِع الهجري، ووقعت فريسة للسلب والنهب سبعة أيام سالت فيها الدماء أنهاراً، وطرحوا كتب العلم في نهر دجلة وجعلوها جسراً يمرون عليه. وقد مر بهذا السد المسمى " بسد باب الحديد " والذي يترجح أنه سد يأجوج

стр. 1389

٧٩٨ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالى (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) " ٩١٩ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أكْرَمُ النَّاس؟ قَالَ: " أتْقَاهُمْ "، فَقَالُوا: لَيْسَ عن هذَا نَسْألكَ؟ قَال: "فَيوسفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ نَبِيِّ ــ ومأجوج العالم الألماني " سيلد بليجر " في القرن الخامس (١) عشر الميلادي وسجله في كتابه، كما ذكره المؤرخ الإِسباني " كلافيجو " في رحلته التي قام بها عام ١٤٠٣ م وذكر أنه بين سمرقند والهند. ثانياًً: أن الأمة إذا نشأ فيها الفساد هلكت ولو كان فيها الصالحون، وكذلك إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، أو جهروا بالمنكرات، فقد روى مالك في " الموطأ " عن إسماعيل ابن أبي حكيم أنّه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: كان يقال إن الله ﵎ لا يعذّب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهاراً استحقوا العقوبة كلُّهم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج ". ٧٩٨ - " باب قول الله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) " ٩١٩ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ سئل " من أكرم الناس " أي من أفضل الناس وأعلاهم منزلةً عند الله تعالى " قال: أتقاهم " أي أكثرهم طاعة لله، وامتثالاً لأمره، وعملاً بشريعته " فقالوا: ليس عن هذا نسألك " أي لسنا نسألك عن أفضل الناس من جهة الأعمال الصالحة " قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله " أي إن كنتم تريدون أن تتعرفوا على أفضل الناس عامة من جهة النسب الصالح فهو يوسف ﵇

стр. 1390

اللهِ بْنِ خَلِيل اللهِ" قَالُوا: لَيْس عَن هَذَا نَسْألكَ، قَال: " فعن مَعَادِنِ العَرَبِ تَسألونَ؟ خِيَارُهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإِسْلامِ إذَا فَقُهُوا ". ْ٩٢٠ - عن أبي هُرَيَرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَّا ثَلاثَ ــ لأنه جمع بين نبوة نفسه ونبوة أبيه يعقوب ﵇ ونبوة جده الأول إسحاق ﵇، وخلة جده الثاني إبراهيم ﵇، فهو نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله إبراهيم ﵇. الذي وصفه الله تعالى بقوله: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) لشدة محبته لله تعالى، وإفراده بها دون سواه " قالوا: ليس عن هذا شألك " أي لا نسألك عن أشرف الناس نسباً " قال: فعن معادن العرب تسألون " أي فهل تسألون عن أشرف العرب نسباً وأفضلهم حسباً إن كنتم تريدون ذلك فالعرب " خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " أي أشرفهم قبل الإِسلام نسباً وحسباً هو أشرفهم بعد الإِسلام إذا جمع إلى شرف النسب شرف الإِسلام والتفقه في الدين. فقه الحديث: دل هذا الحديث على وصف إبراهيم ﵇ بالخلة، وهي إفراد الله تعالى دون غيره بالمحبة الخالصة، كما قال : (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا). والمطابقة: في قوله ﷺ : " ابن خليل الله ". الحديث: أخرجه الشيخان. ٩٢٠ - معنى الحديث: أن خليل الله إبراهيم ﵇ كان المثل الأعلى في الصدق، لم يكذب طول حياته سوى ثلاث كذبات كلها جائزة مشروعة، لأنها ليست كذباً في الحقيقة، وإنما سماها بذلك لمخالفتها الواقع في الظاهر، فهي ثلاثة أقوال صحيحة تخالف الواقع ظاهراً، وتوافقه حقيقة وهو

стр. 1391

كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْون مِنْهُنَّ في ذَاتِ اللهِ ، قَوْلُهُ: (إِنِّي سَقِيمٌ) وقَوْلُهُ: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) وقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْم وَسَارَةُ، ــ معنى قوله: " لم يكذب إبراهيم ﵊ إلاّ ثلاث كذبات " قال أبو البقاء: الجيد أن يقال بفتح الذال في الجمع لأنه جمع كذبة بسكون الذال تقول كذب كذبة، كما تقول ركع ركعة، قال: وأما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة فلكونه قال قولاً يعتقده السامع كذباً، لكنه إذا حقق لم يكن كذباً لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين. اهـ: ثم قال ﷺ : " ثنتان منهن في ذات الله " أي ثنتان من الثلاث كانتا لأجل الله تعالى وحده دون أن يكون فيهما أي حظ لنفسه وهما قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) لأنه قال ذلك ليتخلص من الخروج معهم إلى معبدهم، ومشاركتهم في عبادتهم الباطلة، وقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) لأنه قاله ليستدل به على ضعف آلهتهم، فهاتان الكذبتان في ذات الله تعالى، بخلاف الثالثة، فإنها كانت للتخلص من ذلك الجبار، ثم ذكر النبي ﷺ هذه الكذبات الثلاث: الأولى: " قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) " وسماها " كذبة " لأنّه قول يخالف الواقع في ظاهره، حيث إنه لم يكن مريض الجسم، ولكنه أراد أنه سقيم القلب، فهو باعتبار هذا المعنى الذي قصده إبراهيم ليس كذباً، وإنما هو عين الصدق. والثانية: " قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) " وقد سماه " كذبة " باعتبار الظاهر الذي فهموه من أن الصنم الأكبر غضب من عبادتهم للأصنام الأخرى فكسرها في حين أنه أراد - كما قال بعضهم: إن هذا الصنم الكبير هو السبب الذي دفعني إلى تحطيم الأصنام الأخرى لأني لما رأيتها مصطفة حوله تعظيماً وتقديساً له حطمتها كلها إمعاناً في إذلاله، واستدلالاً على ضعفه ومهانته، وعجزه عن الدفاع عنها، ولو كان رباً قادراً عزيزاً لدافع عنها وحماها، "وقال بينا

стр. 1392

إِذْ أتَى على جَبَّار مِنَ الْجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلاً معهُ امْرَأةٌ من أحْسَنِ النَّاسِ، فأرْسَلَ إلَيْهِ، فَسَألهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أخْتِي، فَأتَى سَارَةَ، فَقَالَ: يا سَارَةُ لَيْسَ على وجْهِ الأرْضِ مُؤمِن غَيْرِي وَغيْرُكِ، وِإن هَذا سَألنِي فأخْبَرْته أنَّكِ أُخْتِي فلا تُكَذبِيني، فأرْسَل إليهَا، فلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَ لي ولَا أضرٌّكِ، فَدَعَتِ اللهَ فأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأخِذَ مِثْلَهَا، أو أشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِى اللهَ لي ولا أضُرُّكِ، فدَعَتِ اللهَ فأطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ: إنَّكُمْ لَمْ تَأتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أرتيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ، فَأخْدَمَهَا هَاجَرَ، ــ هو ذات يوم وسارة إذا أتي على جبار " أي قال ﷺ في بيان الكذبة الثالثة لما قدم إبراهيم أرض مصر التي كان يحكمها جبار من الجبابرة، وبصحبته زوجته سارة " فقيل له " أي للجبار " إن ها هنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس " صورة " فأرسل إليه، فسأله عنها قال: من هذه قال: أختي " وسماه كذبةً باعتبار الظاهر حيث فهم منه الجبار أنّها أخته نسباً في حين أنه أراد أنها أخته في الدين، فجوابه صدق مطابق للواقع بهذا المعنى، " فلما دخلت عليه " أي على جبار مصر " ذهب يتناولها بيده فأخذ " وفي رواية مسلم: " فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة " وفي رواية: " فقامت تتوضأ وتصلى فَغُطَّ (بضم الغين) حتى ركض برجله، أي اختنق، حتى صار كأنه مصروع " فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق " وزالت عنه الحالة التي كان عليها، ولكنه لم يعتبر بما حدث له، بل طمع فيها مرة أخرى كما قال: " ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها " أي فأصيب بمثل ما أصيب في المرة الأولى " فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق " ورجع إلى حالته العادية، فكف نفسه عنها،

стр. 1393

فَأتَتْهُ وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي، فَأوْمَأ بِيَد مَهْيَمُ، قَالَتْ: رَدَّ اللهُ كَيْدَ الْكَافِرِ أو الفَاجِرِ في نَحْرِهِ، وأخْدَمَ هَاجَرَ، قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: تِلْكَ أمُّكُم يا بني مَاءِ السَّمَاءِ". ــ ويئس منها " فدعا بعض حجبته، فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان، وإنما أتيتموني بشيطان " وفي رواية ما أرسلتم إلي إلاّ شيطاناً، ارجعوها إلى إبراهيم، قال الحافظ: وهذا يناسب ما وقع له من الصرع، " فأخدمها هاجر " أي فوهب لها هاجر - بفتح الجيم لتخدمها، وهو اسم سرياني " فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده " مهيم " بفتح الميم وسكون الهاء أي ما حالك وما شأنك " قالت: رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره " وهو مَثَل تقوله العرب لمن أراد أمراً باطلاً فلم يصل إليه: أي خيَّب أمله وحال بينه وبين مقصوده " وأخدم هاجر " قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء " أي فتلك المرأة التي هي هاجر هي أمكم أيها العرب، لأنها أم إسماعيل، وهو جد العدنانيين من العرب ويقال: إن أباها كان من ملوك القبط، وإنما نسب العرب إلى ماء السماء نسبة إلى الفلوات التي بها مواقع القطر، وقيل أراد بماء السماء زمزم قال ابن حبان في صحيحه: " كل من كان من ولد إسماعيل يقال له: ماء السماء، لأن إسماعيل ولد هاجر وقد ربي بماء زمزم وهي من ماء السماء. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل إبراهيم ﵇، وذكر بعض أخباره، وأن تصرفاته وأعماله وأقواله كانت لله وفي الله كما يدل عليه قوله ﷺ : " ثنتان منهن في ذات الله " ثانياًً: أن إبراهيم لم يكذب في حياته سوى هذه الثلاث، وهي ليست كذباً في الحقيقة، وإنما هي " تورية "، ومعناها أن يأتي المتكلم بكلمة لها معنى قريب يتبادر إلى ذهن

стр. 1394

٩٢١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "أوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطق مِنْ قِبَلِ أمِّ إسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقاً لِتُعْفِّيَ أثرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وبابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ، وهيَ ترضِعُهُ حَتَّى وَضَعْهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ في أعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاء، فوضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَاباً فِيهِ تَمْرٌ، وسِقَاءٌ فِيهِ مَاء، ثُمَّ قَفَّى (١) إبْراهِيمُ مُنْطَلِقَاً، فَتَبِعَتْهُ أمُّ ــ السامع، ومعنى بعيد لا يخطر بباله، فيقصد المعنى البعيد ليخفي عن المخاطب أمراً تقضي الحاجة أو الضرورة إلى إخفائه، وهو ما أراده إبراهيم ﵇، كما وضحناه أثناء شرحنا للحديث. وليس هناك كذاب حقيقي، فالأنبياء لا يكذبون، لأنهم معصومون، وأطلق عليه الكذب تجوزاً لكونه على صورته، وإلّا فهو من باب المعاريض وهي فسحة ووقاية من الكذب كما في الخبر " إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ". الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون هذه الأشياء المذكورة في هذا الحديث تدل على خُلَّة إبراهيم وكمال محبته. ٩٢١ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " أوّل ما اتخذ النساء المنطق " بكسر الميم وفتح الطاء، وهو قطعة من قماش تشد بها المرأة وسطها، وتجر أسفله على الأرض " من قبل أم إسماعيل " أي من جهة هاجر أم إسماعيل، وبسببها، فهي أوّل امرأة فعلت ذلك، وسببه أن سارة كانت قد وهبت هاجر لإبراهيم ﵇، فلما ولدت إسماعيل غارت منها، فشدت المنطق، وصارت تجر أسفله على الأرض، لتخفي آثار أقدامها، ثم أمره الله تعالى أن يذهب بها إلى مكة ففعل، ولم يكن هناك بيت ولا بناء ولا زرع ولا ماء، فوضعها تحت شجرة هناك فوق مكان زمزم، وكان إسماعيل رضيعاً، ومكة

стр. 1395

إسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يا إِبْرَاهِيمُ أينَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الذي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ ولا شَيْءٌ، فَقَالَتْ لَهُ: ذَلِكَ مِرَاراً، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ آللهُ الَّذِي أمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إبْراهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الْثَّنِيَّةِ حَيْث لَا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دعَا بَهُؤلاءِ الكَلَمَاتِ، ورَفَعَ يَدَيه فَقَالَ (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ -حَتَّى بَلَغَ- يَشْكُرُونَ) وجَعَلَتْ أمُّ إسْمَاعِيلَ ترضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءَ، حَتَّى إذَا نَفِذَ ما في السِّقَاءِ عَطِشَتْ، وَعَطِشَ ابْنُهَا، وجَعَلَتْ تَنْظر إليْهِ يَتَلَوَّى، أوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ، فانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، ــ صحراء قاحلة، وترك لها جراب تمر وسقاء ماء، وعاد راجعاً إلى الشام فقالت له: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي المقفر؟ وأعادت السؤال مراراً، ثم قالت: هل أمرك الله بذلك؟ قال: نعم، قالت: ما دام قد أمرك بذلك، فلن يضيّعنا، وحسبي الله حافظاً ورازقاً، ثم عادت، وسار إبراهيم متضرعاً إلى الله تعالى أن يحفظ ولده، وأن يرزقه وذريته وأن يحوّل هذه الصحراء إلى مدينة عامرة، يأتيها الناس من كل فج عميق " فقال: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ " أي لا نبات فيه " عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ " أي إنما فعلت ذلك ليصبح هذا البيت قبلة للناس في صلاتهم " (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) " أي فاجعل جماعات من الناس تأتيهم " (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) " قال في التفسير المنير: إنما طلب تيسير المنافع لأولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الصلاة، وأداء الواجبات. اهـ. وقال الزمخشري: فأجاب الله دعوة خليله، فجعله حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل

стр. 1396

فَوَجَدَتِ الصَّفَا أقْرَبَ جَبَل في الأرْضِ يلِيهَا، فَقَامت عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِي تَنْظرُ هَلْ تَرَى أحداً، فَلَمْ تَرَ أحداً، فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثمَّ سَعَتْ سَعْي الإنْسَان الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِيَ، ثُمَّ أتت المَرْوَةَ، فَقَامت عَلَيْهَا وَنَظرَتْ هلْ تَرَى أحَداً، فَلَمْ تَرَ أحَداً، ففعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النبي ﷺ : " فلذَلِك سَعْيُ النَّاس بَيْنَهُمَا (١)، فلمَّا أشْرَفَتْ على الْمَرْوَةِ سَمِعتْ صَوْتاً، فَقَالَتْ: صَهٍ (٢) تُرِيدُ نَفْسَهَا، ثم تَسَمَّعَت (٣) فَسَمِعَتْ أيضاً، فَقَالَتْ: قدْ أسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ، فَإِذَا هِى بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعِقْبِهِ -أو قَالَ بِجَنَاحِهِ- حتى ظَهَرَ ــ شيء رزقاً من لدنه، ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل قرية وعلى أخصب البلاد وأكثرها نماءً، قال ابن عباس: " وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: يتلبط " أي يحرك لسانه، ويكاد يموت من شدة العطش، فلم تطاوعها نفسها أن تراه على تلك الحالة، وذهبت تبحث عن الماء " فأنطلقت كراهية أن تنظر إليه " وهو على وشك أن يموت من العطش " ثم سعت سعي الإِنسان المجهود " تبحث عن الماء بين الصفا والمروة سبع مرات، فشرع الله للناس السعي في الحج من أجل ذلك، كما قال ابن عباس ﵄، " فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه " بالبناء على الكسر اسم فعل أمر بمعنى اسكتي " تريد نفسها " أي طلبت من نفسها السكوت لكي تتعرف عن مصدر

стр. 1397

الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيدِهَا هَكَذَا، وجَعَلَتْ تَغْرِفُ من الْمَاءِ في سِقَائِهَا، وهو يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاس: قَالَ النبي ﷺ : " يَرْحَمُ اللهُ أمَّ إِسْمَاعِيلَ لوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ -أو قَالَ: لَوْ لَمْ تَغرِفْ مِنَ الْمَاءِ- لَكَانَت زَمْزُمُ عَيْنَاً مَعِيناً، قَالَ: فَشَرِبَتْ وأرضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَال لَهَا الْمَلَكُ: لا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتُ اللهِ يَبْنِي هَذَا الْغُلامُ وأبوهُ، وِإنَّ الله لا يُضِيعُ أهْلَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعَاً مِنَ الأرْضِ كالرَّابِيَةِ تَأتِيهِ السُّيولُ، فَتَأخُذُ عن يَمِينهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ حتى مَرَّتْ بِهِمْ ــ الصوت، ومن أين أَتى " ثم تسمّعت فسمعت أيضاً " الصوت مرة أخرى " فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث " يعني قد سمعت صوتك، فإن كان عندك ما يغيثني فأغثني، " فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه، وتقول بيدها هكذا " أي فصارت تحيطه بالتراب وتجعله حوضاً " لو تركت زمزم " ولم تحِّوضها " لصارت عيناً معيناً " أي عيناً جاريةً على وجه الأرض " فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة " أي لا تخافوا الضياع والهلاك لأنكم تحت رعاية الله تعالى " وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية " أي مرتفعاً قليلاً، ثم ذكر بقية الحديث أنه مرَّ بذلك المكان أو بالقرب منه جماعة مسافرون من جرهم مروا بأعلى مكة، فرأوا طيراً حائماً على الماء، فعرفوا أن بهذا الوادي ماء، وكان عهدهم به أنّه واد مقفر، فأرسلوا رسولاً من قبلهم، أو رسولين ليكشف لهم عن الحقيقة، فرجع إليهم رسلهم يخبرونهم عن وجود ماء في تلك البقعة، فأقبلوا على أم إسماعيل، واستأذنوا منها بالنزول في جوارها، فأذنت لهم بذلك، على أن لا يكون لهم حق التملك في ذلك الماء، وإنما لهم أن يشربوا منه فقط، وسكنت جرهم مكة منذ ذلك العهد، واستأنست بسكناهم معها، وشب الغلام في هذه

стр. 1398

رُفْقَة مَنْ جُرْهُمَ، أوْ أهل بَيْتٍ مِنْ جُرْهُم مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيق كَدَاءَ، فَنَزَلُوا في أسْفَلِ مكةَ، فرأوْا طَائِرَاً عَائِفاً (١)، فَقالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ على مَاءٍ، لعَهَدُنَا بهَذَا الْوَادِي ومَا فِيهِ مَاءٌ، فأرْسَلُوا جَرِيَّاً (٢) أوْجَرِيينِ، فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا فأخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ، فأقْبَلُوا وأمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ المَاءِ، فَقَالُوا: أتُأذَنِينَ لَنَا أنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ وَلَكِنْ لا حَقَّ لَكُمْ في الْمَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاس: قَالَ النبي ﷺ : فألْفَى ذَلِكَ أمَّ إسْمَاعِيلَ وهيَ تُحِبُّ الأنْسَ، فَنَزِلُوا وأرْسَلُوا إلى أهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حتى إِذَا كَانَ بِهَا أهْلُ أبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وشَبَّ الْغُلامُ، وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وأنفَسَهُمْ وأعجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أمُّ إِسْمَاعِيلَ، فجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ، يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فلم يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأل امْرَأتَهُ عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَألهَا عن عَيْشِهِمْ وهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نحنُ بِشَر، نَحْنُ في ضِيق وشِدَّةٍ، فشكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فإذَا جَاءَ زَوْجُكِ فاقْرَئِي ﵇، وقولي لَهُ يُغَير عَتَبَةَ بَابِهِ، فلما جاءَ اسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنسَ شَيْئاً، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أحَدٍ؟ ــ القبيلة، وتعلم منهم اللغة العربية، ثم لما بلغ الرشد زوجوه امرأة منهم اسمها عمارة بنت سعد، قال الراوي: " وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته " أي يتفقد حال أهله وولده " فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا " أي يطلب لنا الرزق " ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم " أي حالتهم "فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة،

стр. 1399

قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فسألَنَا عَنْكَ فأخْبَرْتُهُ، وسألَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فأخْبَرْتُهُ أنَّا في جَهْدٍ وشِدَّةٍ، قَالَ: فَهَلْ أوْصَاكِ بِشَيءٍ، قَالَتْ: نَعَمْ، أمَرَنِي أن أقْرأ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: غَيِّر عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكَ أبِي، وقد أمَرَنِي أنْ أفَارِقَكِ، الْحَقِي بأهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا، وتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فلَبِثَ عَنْهُمْ إبراهِيمُ ما شَاءَ الله، ثم أَتَاهُمْ بعدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَل على امْرأتهِ فسألَهَا عَنْهُ قَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أنتُمْ؟ وسألها عن عَيْشِهِمْ وهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسِعَةٍ، وَأثْنَتْ عَلى اللهِ، فَقَالَ: ما طَعَامُكُمْ؟ قَالَتْ: اللَّحْمُ، قَالَ: فَما شَرَابُكُمْ، قَالَتْ: الْمَاءُ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ في اللَّحْمِ والْماءِ، قَال النبي ﷺ : ولم ــ فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، وقولي له: يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئاً فقال: هل جاءكم من أحد؟ " أي فلما جاء إسماعيل وكان قد أحس في نفسه أنه جاءها أحدٌ، فسألها قائلاً: هل جاءكم من أحدٍ؟ " قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا " أي صفته كذا، وأخبرته بكل ما دار بين أبيه وبينها، وبقوله غيّر عتبة بابك، " قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك " أي أن أطلقك " الحقي بأهلك " أي أنت طالق فاذهبي إلى أهلك، وهو من كنايات الطلاق " وتزوج منهم امرأة أخرى " وهي رعلة بنت مضامن بن عمرو الجرهمية " فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله " يعني مدة من الزمن " ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته، فسألها عنه، قالت: خرج يبتغي لنا " أي يسعى في طلب الرزق " قال: كيف أنتم، وسألها عن عيشهم وهيئتهم " أي سألها عن معيشتهم وأحوالهم " فقالت: نحن بخير وسعة " أي نحن في نعمة من الله وسعة في الرزق " وأثنت على الله " أي حمدت ربها

стр. 1400

يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، ولو كان لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ، قَالَ: فهما لا يَخْلُو عَلَيْهِما أحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ، فاقْرَئي ﵇، ومُرِيه يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فلما جَاءَ إسْمَاعِيلُ قال: هَلْ أتَاكُمْ مِنْ أحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أتانا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وأثْنَتْ عَلَيْهِ، فسألَنِي عَنْكَ، فأخْبَرْتُهُ، فسَألنِي كَيْفَ عَيشُنَا فأخْبَرْتُهُ أنَّا بِخَيْرٍ، قال: فأوصَاكِ بِشَيءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، هو يَقْرأ عَلَيْكَ السَّلامَ، وَيَأمُرُكَ أن تُثْبِتَ عتبةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكَ أبِي وأنتِ العَتَبَةُ، أمَرَنِي أنْ أمْسِكَكِ، ثم لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللهُ، ثم جاء بَعْد ذَلِكَ، وإسْماعِيلُ يَبْرِي نَبْلاً له تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيباً من زَمْزَمَ، فلمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كما يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ، وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إنَّ اللهَ أمَرَنِي بأمْرٍ، قَالَ: فاصْنَعْ مَا أمَرَ رَبُّكَ، قَالَ: وتُعِينُنِي عَلَيْهِ، قَالَ: وَأعِينُكَ قَال: فَإنَّ الله أمَرَنِي أن أبْنِي ــ وشكرته، لأنها كانت راضية بما قسم لها شأن المرأة الصالحة " فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء " أي فسألها عن طعامهم وشرابهم الذي يعيشون عليه، فذكرت أنّ طعامهم اللحم، وشرابهم الماء. " قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء " فدعا لهم بالبركة في اللحم والماء، فكانوا يقتصرون عليهما دون أن يتضرروا منهما، وأصبح ذلك خاصاً بمكة دون غيرها من البلاد، فإنه لا يقتصر أهل بلد عليهما إلاّ تضرر منهما كما قال: " فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلاّ لم يوافقاه " ومعناه كما في حديث أبي جهم " ليس أحد يخلو (١) على اللحم والماء بغير مكة إلاّ اشتكى بطنه،

стр. 1401

هَا هُنَا بَيْتاً وأشَارَ إلى أكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ على مَا حَوْلَهَا، قَالَ: فعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِد مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إسْمَاعِيلُ يَأتِي بِالْحِجَارِةِ وإبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حتى إِذَا ارْتَفعَ الْبِنَاءُ، جَاءَ بِهَذا الْحَجَرِ، فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيهِ وَهُوَ يَبْنِي وإسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وهُمَا يَقُولانِ (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ". ــ " قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم أحد " فأخبرته عن الشيخ الذي جاءها في غيابه، وبأوصافه وما دار بينه وبينها " قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك " أي أن أبقيك في عصمتي " ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل يبري نبلاً " أي ينحت سهماً ويصلحه " فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد " أي فعانقه معانقة الوالد لولده. " ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر " أي أمرني أن أقوم بعمل في هذا المكان، ثم طلب من ولده إسماعيل أن يعينه، عليه ثم " قال: إن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتاً وأشار إلى أكمة مرتفعة " أي إلى ربوة مرتفعة قليلاً عن سطح الأرض ليبين له المكان الذي أمر ببناء الكعبة فيه، وهو فوق تلك الأكمة " قال: فعند ذلك رفعا القواعد " أي شرعا في البناء حتى رفعا الأسس التي يقوم عليها البيت " فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء " أي علا وأصبح لا تطوله يده " جاء بهذا الحجر " الموجود حالياً في المقام " فقام عليه، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " فيدعوان الله بقبول في بنائهما هذا، والرضا عنهما فيه، لأنه السميع لدعائهما، العليم ببنائهما. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن في هذه القصة

стр. 1402

٩٢٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: كَانَ النبي ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ والْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: "إِنَّ أباكُمَا كَانَ ــ العجيبة ما يدل على أن إبراهيم ﵇ خليل الله حقاً، وأن محبته لله قد تغلبت على كل مشاعره فأطاعه في كل شيء حتى في مفارقة ولده الوحيد لأنه يحبه فوق كل شيء، ويؤثره على كل موجود، فأي مقام في الخلة أعظم من هذا المقام الذي جعله يفادي بولده في سبيل مرضاة ربه، وهو ما عناه الله تعالى بقوله: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا). ثانياًً: أن إبراهيم دعا لمكة أن يسوق الله تعالى إليها وفود الحجاج والمعتمرين وأن تأتيها الأرزاق من كل حدب وصوب، حيث قال: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) فاستجاب الله دعوته، وشرع للناس حج بيته في الأديان الحنيفية كلها. ثالثاً: أصل مشروعية السعى بين الصفا والمروة وأن هاجر كانت أوّل من سعى بينهما. رابعاً: ظهور بئر زمزم وسبب ظهورها حيث أظهرها الله تعالى رحمة بهاجر وولدها إسماعيل حيث حفر جبريل الأرض بمؤخر قدميه فظهر الماء. خامساً: بداية عمران مكة، ومتى سكنتها جرهم، ونشأة إسماعيل في هذه القبيلة وتعلمه العربية منهم. سادساً: أن العرب ليسوا جميعاً من نسل إسماعيل لأن قبيلة جرهم العربية كانت قبل إسماعيل كما يدل عليه حديث الباب، ولهذا قال الحافظ: وهذا لا يوافق من قال: إن العرب كلها من ولد إسماعيل. سابعاً: أن المرأة الكثيرة الشكوى والتبرم من عيشها، والجاحدة لنعمة الله عليها، هي في الحقيقة امرأة سوء، ولذلك أمر إبراهيم إسماعيل بطلاق زوجته الأولى. ثامناً: خصوصية مكة المكرمة في الجمع بين اللحم والماء وحدهما. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون ما فعله إبراهيم أعلى مقامات الخلة. ٩٢٢ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان كثيراً ما يعوذ الحسن

стр. 1403

يَعَوِّذُ بِهَا إسْمَاعِيلَ وِإسْحَاقَ: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنً لامَّةٍ". ٧٩٩ - " بَابُ قَوْلِهِ تعَالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) " ٩٢٣ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: "نَحْنُ أحقُّ بالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إذ قَالَ: ــ والحسين ويحصنهما بهذه التعويذة المأثورة، وهي قوله: " أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامّة " أي ألجأ إلى الله تعالى وأستجير به، وأسأله أن يحصّن الحسن والحسين بكلماته الجامعة لكل خير، المانعة من كل شر، أن يصونهما " من كل شيطان وهامة " بالتشديد واحدة الهوام وهي ذوات السموم " ومن كل عين لامّة " أي ومن كل عين شريرة تلم بالإِنسان فتصيبه بمكروه، وقد أخبرنا ﷺ أن إبراهيم الخليل ﵇ كان يعوذ ولديه بهذه التعويذة النافعة. الحديث: أخرجه أيضاً الأربعة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية هذه التعويذة المباركة التي كان إبراهيم ﵇ يعوذ بها ولديه، وكان نبينا ﷺ يعوذ بها الحسن والحسين. ثانياًً: ثبوت وجود الأرواح الخفيّة، والعوالم غير المنظورة. ثالثاً: تأثير العين فيمن تصيبه لقوله ﷺ : " ومن كل عين لامّة " قال ابن القيم: ومن التعوذات النافعة الإِكثار من قراءة المعوذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسي. والمطابقة: في قوله: " إن أباكما -أي إبراهيم الخليل- كان يعوّذ بهما " ٧٩٩ - " باب قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) " ٩٢٣ - معنى الحديث: روي في سبب قول النبي ﷺ لهذا الحديث

стр. 1404

(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) ويَرْحَمُ اللهُ لُوطاً، لقد كَانَ يَأوِي إلى رُكْن شَدِيدٍ، ولوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ طُوْلَ ما لَبِثَ يُوسُفُ لأجَبْتُ الدَّاعِيَ ". ــ أنه لما نزل قوله تعالى: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) قال بعض الناس: شك إبراهيم ولم يشك نبينا، فقال رسول الله ﷺ : " نحن أحق بالشك من إبراهيم " أراد بذلك ﷺ المبالغة في نفي الشك عن إبراهيم، أي إذا كنا نحن لا نشك في قدرة الله على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بعدم الشك، وإنما سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى عياناً ومشاهدة ليطمئن قلبه كما قال: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) أي ليجمع إلى العلم النظري العلم الحسي، لأنه أبلغ في اليقين، ثم تذكر النبي ﷺ لوطاً عندما جاءه أضيافه فخاف عليهم من قومه فقال: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) فتعجب النبي ﷺ من قوله هذا وقال: " ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد " أي كيف يتمنى أن يجد معيناً وناصراً يحمي أضيافه من قومه، وقد كان يأوي إلى ركن شديد، وهو الله العزيز المقتدر ثم تحدث عن يوسف ﵇، فوصفه كما قال البغوي بالأناة والصبر حيث قال: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) فإنه أرادْ أن لا يخرج من السجن حتى تظهر براءته فقال ﷺ في مدحه والثناء عليه: " ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي " أي لأسرعت إلى الإِجابة، قال ذلك إعجاباً بصبر يوسف وقوة عزيمته. وهو من باب تواضع العظماء الذين لا يزيدهم تواضعهم إلاّ رفعة وعلواً وإلا فهو ﷺ المثل الأعلى في الصبر والثبات. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: نفي الشك عن إبراهيم ﵇، ودفع ما توهمه بعض الناس من أن إبراهيم قال: (رَبِّ

стр. 1405

٨٠٠ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) " ٩٢٤ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄: " أَنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أمرَهُمْ أنْ لا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا ولَا يَسْتَقُوا مِنْهَا، فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا واسْتَقَيْنَا، فأمَرَهُمْ أنْ يَطرَحُوا ذلكَ الْعَجِينَ وَيُهْرِيقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ ". ــ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) شكاً منه في قدرة الله. ثانياًً: صبر يوسف وأناته. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " نحن أحق بالشك من إبراهيم ". ٨٠٠ - "باب قول الله تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) " ٩٢٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ لما نزل الحجر، وهي منازل ثمود في غزوة تبوك، أمر أصحابه أن لا يشربوا من آبارها، فأخبروه أنهم عجنوا بمائها وسقوا دوابهم منها، فأمرهم النبي ﷺ بإلقاء ذلك العجين وإراقة ما تبقى من الماء. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن ديار ثمود كانت بالحجر في شمال الحجاز. ثانياً: قال النووي في الحديث النهي عن استعمال آبار الحجر، إلا بئر الناقة، ولو عجن منه عجيناً لم يأكله بل يعلفه الدواب. اهـ. والمطابقة: في قوله: " لما نزل الحجر " الحديث: أخرجه الشيخان. ***
следующие страницы →