← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

هَا هُنَا بَيْتاً وأشَارَ إلى أكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ على مَا حَوْلَهَا، قَالَ: فعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِد مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إسْمَاعِيلُ يَأتِي بِالْحِجَارِةِ وإبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حتى إِذَا ارْتَفعَ الْبِنَاءُ، جَاءَ بِهَذا الْحَجَرِ، فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيهِ وَهُوَ يَبْنِي وإسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وهُمَا يَقُولانِ (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ". ــ " قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم أحد " فأخبرته عن الشيخ الذي جاءها في غيابه، وبأوصافه وما دار بينه وبينها " قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك " أي أن أبقيك في عصمتي " ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل يبري نبلاً " أي ينحت سهماً ويصلحه " فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد " أي فعانقه معانقة الوالد لولده. " ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر " أي أمرني أن أقوم بعمل في هذا المكان، ثم طلب من ولده إسماعيل أن يعينه، عليه ثم " قال: إن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتاً وأشار إلى أكمة مرتفعة " أي إلى ربوة مرتفعة قليلاً عن سطح الأرض ليبين له المكان الذي أمر ببناء الكعبة فيه، وهو فوق تلك الأكمة " قال: فعند ذلك رفعا القواعد " أي شرعا في البناء حتى رفعا الأسس التي يقوم عليها البيت " فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء " أي علا وأصبح لا تطوله يده " جاء بهذا الحجر " الموجود حالياً في المقام " فقام عليه، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " فيدعوان الله بقبول في بنائهما هذا، والرضا عنهما فيه، لأنه السميع لدعائهما، العليم ببنائهما. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن في هذه القصة

стр. 1402

٩٢٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: كَانَ النبي ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ والْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: "إِنَّ أباكُمَا كَانَ ــ العجيبة ما يدل على أن إبراهيم ﵇ خليل الله حقاً، وأن محبته لله قد تغلبت على كل مشاعره فأطاعه في كل شيء حتى في مفارقة ولده الوحيد لأنه يحبه فوق كل شيء، ويؤثره على كل موجود، فأي مقام في الخلة أعظم من هذا المقام الذي جعله يفادي بولده في سبيل مرضاة ربه، وهو ما عناه الله تعالى بقوله: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا). ثانياًً: أن إبراهيم دعا لمكة أن يسوق الله تعالى إليها وفود الحجاج والمعتمرين وأن تأتيها الأرزاق من كل حدب وصوب، حيث قال: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) فاستجاب الله دعوته، وشرع للناس حج بيته في الأديان الحنيفية كلها. ثالثاً: أصل مشروعية السعى بين الصفا والمروة وأن هاجر كانت أوّل من سعى بينهما. رابعاً: ظهور بئر زمزم وسبب ظهورها حيث أظهرها الله تعالى رحمة بهاجر وولدها إسماعيل حيث حفر جبريل الأرض بمؤخر قدميه فظهر الماء. خامساً: بداية عمران مكة، ومتى سكنتها جرهم، ونشأة إسماعيل في هذه القبيلة وتعلمه العربية منهم. سادساً: أن العرب ليسوا جميعاً من نسل إسماعيل لأن قبيلة جرهم العربية كانت قبل إسماعيل كما يدل عليه حديث الباب، ولهذا قال الحافظ: وهذا لا يوافق من قال: إن العرب كلها من ولد إسماعيل. سابعاً: أن المرأة الكثيرة الشكوى والتبرم من عيشها، والجاحدة لنعمة الله عليها، هي في الحقيقة امرأة سوء، ولذلك أمر إبراهيم إسماعيل بطلاق زوجته الأولى. ثامناً: خصوصية مكة المكرمة في الجمع بين اللحم والماء وحدهما. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون ما فعله إبراهيم أعلى مقامات الخلة. ٩٢٢ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان كثيراً ما يعوذ الحسن

стр. 1403

يَعَوِّذُ بِهَا إسْمَاعِيلَ وِإسْحَاقَ: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنً لامَّةٍ". ٧٩٩ - " بَابُ قَوْلِهِ تعَالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) " ٩٢٣ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: "نَحْنُ أحقُّ بالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إذ قَالَ: ــ والحسين ويحصنهما بهذه التعويذة المأثورة، وهي قوله: " أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامّة " أي ألجأ إلى الله تعالى وأستجير به، وأسأله أن يحصّن الحسن والحسين بكلماته الجامعة لكل خير، المانعة من كل شر، أن يصونهما " من كل شيطان وهامة " بالتشديد واحدة الهوام وهي ذوات السموم " ومن كل عين لامّة " أي ومن كل عين شريرة تلم بالإِنسان فتصيبه بمكروه، وقد أخبرنا ﷺ أن إبراهيم الخليل ﵇ كان يعوذ ولديه بهذه التعويذة النافعة. الحديث: أخرجه أيضاً الأربعة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية هذه التعويذة المباركة التي كان إبراهيم ﵇ يعوذ بها ولديه، وكان نبينا ﷺ يعوذ بها الحسن والحسين. ثانياًً: ثبوت وجود الأرواح الخفيّة، والعوالم غير المنظورة. ثالثاً: تأثير العين فيمن تصيبه لقوله ﷺ : " ومن كل عين لامّة " قال ابن القيم: ومن التعوذات النافعة الإِكثار من قراءة المعوذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسي. والمطابقة: في قوله: " إن أباكما -أي إبراهيم الخليل- كان يعوّذ بهما " ٧٩٩ - " باب قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) " ٩٢٣ - معنى الحديث: روي في سبب قول النبي ﷺ لهذا الحديث

стр. 1404

(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) ويَرْحَمُ اللهُ لُوطاً، لقد كَانَ يَأوِي إلى رُكْن شَدِيدٍ، ولوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ طُوْلَ ما لَبِثَ يُوسُفُ لأجَبْتُ الدَّاعِيَ ". ــ أنه لما نزل قوله تعالى: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) قال بعض الناس: شك إبراهيم ولم يشك نبينا، فقال رسول الله ﷺ : " نحن أحق بالشك من إبراهيم " أراد بذلك ﷺ المبالغة في نفي الشك عن إبراهيم، أي إذا كنا نحن لا نشك في قدرة الله على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بعدم الشك، وإنما سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى عياناً ومشاهدة ليطمئن قلبه كما قال: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) أي ليجمع إلى العلم النظري العلم الحسي، لأنه أبلغ في اليقين، ثم تذكر النبي ﷺ لوطاً عندما جاءه أضيافه فخاف عليهم من قومه فقال: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) فتعجب النبي ﷺ من قوله هذا وقال: " ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد " أي كيف يتمنى أن يجد معيناً وناصراً يحمي أضيافه من قومه، وقد كان يأوي إلى ركن شديد، وهو الله العزيز المقتدر ثم تحدث عن يوسف ﵇، فوصفه كما قال البغوي بالأناة والصبر حيث قال: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) فإنه أرادْ أن لا يخرج من السجن حتى تظهر براءته فقال ﷺ في مدحه والثناء عليه: " ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي " أي لأسرعت إلى الإِجابة، قال ذلك إعجاباً بصبر يوسف وقوة عزيمته. وهو من باب تواضع العظماء الذين لا يزيدهم تواضعهم إلاّ رفعة وعلواً وإلا فهو ﷺ المثل الأعلى في الصبر والثبات. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: نفي الشك عن إبراهيم ﵇، ودفع ما توهمه بعض الناس من أن إبراهيم قال: (رَبِّ

стр. 1405

٨٠٠ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) " ٩٢٤ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄: " أَنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أمرَهُمْ أنْ لا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا ولَا يَسْتَقُوا مِنْهَا، فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا واسْتَقَيْنَا، فأمَرَهُمْ أنْ يَطرَحُوا ذلكَ الْعَجِينَ وَيُهْرِيقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ ". ــ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) شكاً منه في قدرة الله. ثانياًً: صبر يوسف وأناته. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " نحن أحق بالشك من إبراهيم ". ٨٠٠ - "باب قول الله تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) " ٩٢٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ لما نزل الحجر، وهي منازل ثمود في غزوة تبوك، أمر أصحابه أن لا يشربوا من آبارها، فأخبروه أنهم عجنوا بمائها وسقوا دوابهم منها، فأمرهم النبي ﷺ بإلقاء ذلك العجين وإراقة ما تبقى من الماء. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن ديار ثمود كانت بالحجر في شمال الحجاز. ثانياً: قال النووي في الحديث النهي عن استعمال آبار الحجر، إلا بئر الناقة، ولو عجن منه عجيناً لم يأكله بل يعلفه الدواب. اهـ. والمطابقة: في قوله: " لما نزل الحجر " الحديث: أخرجه الشيخان. ***

стр. 1406

٨٠١ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ -إِلى قوله- وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) " ٩٢٥ - عَنْ أبي مُوسَى ﵁ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ : " كَمُلَ مِنَ الرِّجَالَ كَثِير، ولَمْ يَكْمَلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، ومَرْيم بنْتُ عِمْرَانَ، وِإنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ على النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ على سَائِرِ الطَّعَامِ ". ــ ٨٠١ - " باب قول الله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ -إِلى قوله- وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) " ٩٢٥ - معنى الحديث: أن الذين بلغوا مرتبة الكمال في الفضائل الدينية والأخلاقية من الرجال كثيرون، منهم من بلغ مرتبة الكمال العادي كالعلماء والصلحاء والأولياء، ومنهم من بلغ أسمى مراتب الكمال كالأنبياء، أما اللواتي كملن من النساء فهن قليلات جداً، وعلى رأسهن آسية امرأة فرعون، وهي آسية بنت مزاحم التي ضرب الله بها المثل في كمال الإِيمان، فقال: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ) وذلك لأنها آمنت بموسى حين تغلب على سحرة فرعون، فلما علم فرعون بإيمانها أوتد يديها (١) ورجليها بأربعة أوتاد، وألقاها في الشمس وأمر بصخرة عظيمة ألقيت عليها، فلما رأت الصخرة (قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) فأبصرت بيتها في الجنة من دُرَّةٍ بيضاء، وانتزع الله روحها فألقيت الصخرة عليها بعد وفاتها، ولم تجد ألماً. وأما الثانية: " فهي مريم بنت عمران التي ضرب الله بها المثل في حصانتها لنفسها، وكمال عبادتها ثم قال ﷺ : "وإن فضل عائشة

стр. 1407

على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " قال التوربشتي: الثريد أشهى الأطعمة عند العرب شبهت به عائشة لأنها أعطيت من حلاوة المنطق وعذوبة الحديث، والتحبّب إلى رسول الله ﷺ ما لم يُعْطَ غيرها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن عظماء الرجال والكاملين منهم كثيرون على مر العصور والأزمان، منهم الرسل والأنبياء، أما الكاملات من النساء وفضلياتهن فإنهن قليلات جداً، منهن آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران. ثانياًً: استدل بعضهم بهذا الحديث على نبوة آسية ومريم ﵉ لأن أكمل الناس الأنبياء ثم الأولياء فلو كانتا غير نبيتين للزم أن لا يكون في النساء ولية ولا صديقة. اهـ. إلاّ أن الحافظ ابن حجر أجاب عنه بأن فائدة ذكرهما بطريق الحصر اختصاصهما بكمال لم يشركهما فيه أحد من نساء زمانهما فهو دون مقام النبوة، قال: وذلك لما نقله العلماء من الإِجماع على عدم نبوة النساء لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ). ثالثاً: فضل آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وكونهما أفضل الفضليات وأكمل الكاملات في عصرهن أو في سائر العصور. رابعاً: قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأكفرهم، فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها. والمطابقة: في كون الحديث يدل على كمال آسية ومريم، وهو معنى الآية الكريمة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. ***

стр. 1408

٨٠٢ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) " ٩٢٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ النبي ﷺ قَالَ: " خُففَ على دَاوُدَ الْقُرآنَ فَكَانَ يَأمُرُ بِدَوَابِهِ فَتُسْرَجُ فَيَقْرَأ الْقُرآنَ قَبْلَ أن تُسْرَجَ دَوَابُّهُ، ولا يَاكلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَده ". ٨٠٣ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) " ٩٢٧ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: ــ ٨٠٢ - " باب قول الله تعالى: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) ٩٢٦ - معنى الحديث: قال ﷺ : "خفف على داود القرآن " وقرآن كل نبي الكتاب الذي أنزل عليه. معناه: أن داود ﵇ يُسِّر له قراءة الكتاب السماوي الذي أنزل عليه من ربه، وهو الزبور، فكان يأمر بوضع السرج على دابته ودواب أتباعه، فلا ينتهي خدمه وعماله من وضع السرج على ظهورها إلاّ وقد قرأ الزبور من أوّله إلى آخره، وأنّ الله علّمه صناعة الحديد، فكان لا يأكل إلاّ من كسب يده. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تخفيف الزبور على داود. ثانياًً: فضل الصناعة واستحبابها، وكونها من أعمال الأنبياء. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " خفف على داود القرآن ". ٨٠٣ - " باب قول الله تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) " ٩٢٧ - معنى الحديث: كانت امرأتان من بني إسرائيل قد خرجتا إلى

стр. 1409

أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " كَانَتْ امْرَأتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا: إنما ذَهَبَ بابْنِكِ، وقَالَتِ الأخْرَى: إنما ذَهَبَ باْبِنكِ، فَتَحَاكَمَا إلى دَاودَ فَقَضَى بِهِ للكُبْرَى، فَخَرَجَتَا على سُلَيْمَانَ ابْنِ دَاوُدَ فأخْبَرَتَاهُ فَقَالَ: ائْتُونِي بالسِّكِّيْنِ أشُقه بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصغْرَى: لا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللهُ هُوَ ابْنُهَا فقضَى بِهِ لِلصُّغْرَى ". ــ البرية وبصحبتهما ابناهما الصغيران، فعدا الذئب على أحد الطفلين وافترسه، وبقي الآخر، فادّعت كل واحدة منهما أن الطفل الموجود هو ابنها، وأن الذئب إنما افترس ابن الأخرى، فتحاكما إلى داود ﵇، فحكم به للكبرى منهما، لأنه كان في يدها بينة ولا بينة للصغرى، فخرجتا إلى سليمان بن داود وأخبرتاه بقضيتهما، فأراد أن يتوصل إلى معرفة أمه الحقيقية بما يتكشف له من مشاعرها وعواطفها، " فقال ائتوني بالسكين أشقه بينهما " فأمّا الكبرى فسكتت، وأما الصغرى فقد تحركت فيها مشاعر الأمومة وآثرت أن تسلمه للكبرى، وأن تضحي بنفسها إبقاءً على حياته، وهو معنى قوله: " فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها فقضى به للصغرى " لما رآه من عظيم جزعها الدال على وجود عاطفة الأمومة فيها، ولم يكترث بإقرارها لأنّه علم أنّها آثرت حياته، فظهر له من وجود الشفقة في الصغرى وعدمها في الكبرى الدليل القاطع على صدقها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: قال ابن الجوزي: إنما حكما بالاجتهاد (١) إذ لو كان بنص لما ساغ خلافه، وفي الحديث دليل على اجتهاد الأنبياء، وأنهم قد يخطئون في اجتهادهم، ولكنهم لا يقرهم الله

стр. 1410

على الخطأ، بل ينزل الوحي ببيانه كما في هذه القضية حيث قال : (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) والمراد بالخطأ مخالفة الواقع ونفس الأمر، لا مخالفة الدليل والبينة الظاهرة، إذ لو كان الخطأ الاجتهادي هو مخالفة الظاهر لما كان صاحبه معذوراً ومأجوراً، كما يدل عليه قوله ﷺ : إذا اجتهد الحاكم وأخطأ فله أجر واحد. فإنّ من خالف الدليل الظاهر، وحكم بخلاف البينة الثابتة أثم ولا شك، وقد حكم داود وسليمان بحكمين متناقضين، فلا بد أن يكون أحدهما خطأ وهو حكم داود ﵇، والثاني صواب، وهو حكم سليمان ﵇ كما قال تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ). ثانياً: مشروعية استعمال الحيل في الأحكام، فإن سليمان فعل ذلك، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما تحيلاً على إظهار الحق، ولم يعزم على ذلك في الباطن وإنما أراد استكشاف الأمر، فحصل على مقصوده، وظهر له من قرينة شفقة الصغرى وعدمها في الكبرى أنها الأم الحقيقية، ويحتمل أن تكون الكبرى اعترفت بالحق لمّا رأت الجد ودلالة القرائن على كذبها، فحكم عليها سليمان بإقرارها، والإِقرار سيّد الأدلة. ثالثاً: فضل سليمان ﵇ في العلم والفقه ومعرفة الأحكام الذي اقتضى ثناء الله عليه بقوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ). رابعاً: أن سليمان هو ابن داود ﵉ لقوله ﷺ : " فخرجتا على سليمان ابن داود " وهو مطابق للآية الكريمة التي ترجم لها البخاري حيث قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ) الآية. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " فخرجتا على سليمان بن داود ". ***

стр. 1411

٨٠٤ - " بَاب (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) " ٩٢٨ - عَنْ عَلي ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيْجَةُ ". ــ ٨٠٤ - " باب (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) " ٩٢٨ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " خير نسائها " أي أفضل نساء الأرض في عصرها، " وخير نسائها خديجة " أي خير نساء العرب خديجة ﵂. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استدل بهذا الحديث من يقول بنبوة مريم ﵍ لقوله ﷺ : " خير نسائها " قالوا: والمراد بقوله: " خير نسائها " أي خير نساء الأرض قاطبة في كل الأزمان والعصور هي مريم العذراء كما يؤكد ذلك ما جاء في الرواية الأخرى حيث قال: " خير نساء العالمين، مريم كقوله تعالى: (وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) قالوا: وهذا الاصطفاء والخيرية المطلقة، والأفضلية العامة على نساء العالمين تدل على نبوتها، وبه جزم الزجاج وجماعة من أهل العلم، واختاره القرطبي (١). ثانياً: فضل السيدة خديجة ﵂ لقوله ﷺ : " وخير نسائها خديجة " فذهب بعضهم على أنها أفضل نساء هذه الأمة، ورجحه القاضي أبو بكر ابن العربي. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ :

стр. 1412

٨٠٥ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) " ٩٢٩ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَ ﷺ يَقولُ: " أنا أَوْلَى النَّاسِ بابْنَ مَرْيَمَ، والأَنْبِيَاءُ أوْلَادُ عَلَّاتٍ، لَيْسَ بَيني وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ ". ــ " خير نسائها مريم " فإن الخيرية تدل على الاصطفاء المذكور في الآية التي ترجم بها البخاري، والله أعلم. ٨٠٥ - " باب قول الله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) " ٩٢٩ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " أنا أولى الناس بابن مريم " أي أنا أقربهم إلى عيسى ﵇ وأعظمهم له حباً، وأعلمهم بقدره ومنزلته، ولكن مع ذلك لا أقول عيسى بن الله كما قالت النصارى، وإنما أقول هو عبد الله ورسوله كما نطق بذلك في المهد فقال: " إني عبد الله " " والأنبياء أولاد علات " بفتح العين وتشديد اللام، قال العيني: وهم الإِخوة لأب من أمهات شتى. كما أن الإخوة من الأم فقط أولاد أخياف، والأخوة من الأبوين أولاد أعيان. ومعناه أن أصول الأديان السماوية التي جاء بها الأنبياء واحدة، وفروعها مختلفة متعددة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن نبينا محمداً ﷺ أعلم بقدر المسيح، وأشد له حباً من النصارى الذين يزعمون أنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ولكنه لا يقول فيه إلاّ كلمة الحق، وهي أنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم الخ. ثانياًً: أن الأديان السماوية متفقة

стр. 1413

٩٣٠ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رَأى عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ رَجُلاً يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أسَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَاللهِ الذِي لَا إلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللهِ وَكَذَّبْتُ عَيْني". ــ على أصول الإيمان، من الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والمحافظة على حقوق الإنسان وإن كانت مختلفة في أحكامها الفقهية. والمطابقة: في كون الحديث يتعلق بعيسى الذي انتبذت به أمه مكاناً شرقياً. ٩٣٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " رأى عيسى بن مريم رجلاً يسرق " أي شاهده بعينه وهو متلبس بالسرقة، " فقال له: سرقت " أي فأنكر عليه وقال له: لقد ارتكبت يا هذا جريمة السرقة، واقترفت كبيرة من الكبائر " قال: كلا والله الذي لا إلا هو " أي فأنكر الرجل، ونفى عن نفسه السرقة بشدة، وأكد ذلك بالقسم " فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني " أي صدقت من حلف بالله، وكذبت ما ظهر لي من كون ما أخذه هذا الرجل سرقة لاحتمال أنه أخذ شيئاً له فيه حق، أو أخذ مالاً أذن له فيه صاحبه. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث يتعلق بعيسى. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل المسيح ﵇ وشدة تعظيمه لله. ثانياًً: درء الحدود بالشبهات، لأن عيسى تراجع عن حكمه على الرجل بالسرقة لما ظهرت له بعض الشبهات والاحتمالات. ثالثاً: أن القاضي لا يحكم بعلمه، وإنما يحكم بالبينة أو اليمين، وهو مذهب الحنابلة، والراجح عند المالكية، وأجازه الشافعية في غير الحدود.

стр. 1414

٩٣١ - عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لَا تُطرونِي كما أطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أرنا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ". ــ ٩٣١ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ حرصاً منه على توحيد الله تعالى، وخوفاً على أمته من الشرك الذي وقعت فيه الأم السابقة، حذَّرها عن الغلو فيه، ومجاوزة الحد في مدحه بنسبة أوصاف الله تعالى وأفعاله الخاصة به إليه. كما غلت النصارى في المسيح بوصفه بالألوهية والبنوة لله تعالى، فوقعت في الشرك كما قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ). " فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله " أي فصفوني بالعبودية والرسالة كما وصفني الله تعالى بذلك، ولا تتجاوزوا بي حدود العبودية إلى مقام الألوهية أو الربوبية كما فعلت النصارى، فإن حق الأنبياء العبودية والرسالة، أما الألوهية فإنها حق الله وحده. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: التحذير من الغلو والإِسراف في المدح، ومجاوزة الحد، والمدح بالباطل، لأن ذلك قد يفضي إلى الشرك، وإنزال العبد منزلة الرب، ووصفه بصفاته، ولذلك قال ﷺ : " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ". ثانياًً: أن كفر النصارى إنما كان بسبب غلوهم في المسيح والقديسين والقديسات من بعده، وقولهم في عيسى إنه ابن الله، حتى أدى بهم ذلك إلى تحريف الكتب المقدسة، لكي يستدلوا بها على صحة مزاعمهم الباطلة، حتى إن بعضهم تجرأ فاستدل بآية من القرآن الكريم على فهمه السقيم، فقد روي أن عظيماً من النصارى ناظر علي بن الحسين بن واقد المروزي في مجلس الرشيد ذات يوم فقال له: إن في كتابكم ما يدل على

стр. 1415

٨٠٦ - " بَابُ نزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵉ " ٩٣٢ - عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كَيْفَ أنتمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وإمامُكم منكم ". ــ أن عيسى جزء من (١) الله، وتلا قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) زعم أن قوله تعالى: (وَرُوحٌ مِنْهُ) يدل على أن عيسى جزء من الله تعالى بناء على أن " من " للتبعيض فقرأ المروزي قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) وقال: إذن يلزم أن تكون جميع تلك الأشياء جزءاً من الله تعالى فانقطع النصراني، واقتنع بحجة المروزي وهداه الله للإسلام فأسلم، وحسن إسلامه وفرح الرشيد بذلك فرحاً عظيماً، وكافأ المروزي مكافأة عظيمة. ثانياً: أن في هذا الحديث علاقة متينة بقوله تعالى حكاية عن قول عيسى: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) فوصف نفسه بالعبودية والنبوة، وفي هذا حجة قاطعة على كذب النصارى في دعواهم أن عيسى ابن الله. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي في " الشمائل " والمطابقة: في قوله ﷺ : " كما أطرت النصارى ابن مريم ". ٨٠٦ - " باب نزول عيسى بن مريم ﵉ " ٩٣٢ - معنى الحديث: يحدثنا النبي ﷺ في هذا الحديث عن نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، حيث ينزل كما رواه مسلم عن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، واضعاً كفيه على أجنحة ملَكين، إذا طأطأ رأسه

стр. 1416

قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ" وهو معنى قوله ﷺ في حديث الباب: " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " أي كيف حالكم إذا نزل فيكم عيسى بن مريم في آخر الزمان، وأنتم تصلون، وإمامكم في الصلاة هو أميركم -المهدي- فيصلي عيسى خلف إمامكم، ويكون تابعاً لملتكم، حاكماً بشريعتكم، وفي حديث جابر: " فيقال لعيسى تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم " أخرجه أحمد، وفي رواية مسلم: " فيقال له -أي لعيسى- صل لنا! فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة لهذه الأمة " وقال الهروي: معنى قوله: " وإمامكم منكم " يعني أنه يحكم بالقرآن لا بالإِنجيل. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: ثبوت نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان كما قال ﷺ : " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم " وكما يدل عليه قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا)، وهي قراءة الجمهور، وقرأ ابن عباس، وقتادة، وابن محيصن وغيرهم (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ) بفتح العين واللام بمعنى العلامة، أي إن نزول عيسى من الأشراط القريبة للساعة، والعلامات الكبرى لها، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ليوشكن أن ينزل ابن مريم حكماً عدلاً فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية " أخرجه الشيخان فلا يقبل إلاّ الإِسلام وتظهر فيه الكنوز، وترتفع الشحناء (١) والبغضاء من النفوس، ويعم الأمن والسلام حتى يرعى الذئب مع الشاة فلا يضرها وتمتلىء الأرض سلماً، ويرتفع القتال منها، وتكثر الخيرات، حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم وكذا الرمانة. أما مكان نزوله ووقته، فقد اختلفت الروايات فيه، وهي بمجموعها تفيد بأنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، وهي موجودة اليوم، واضعاً كفيه على

стр. 1417

أجنحة ملكين. ثانياً: أن عيسى ﵇ يقتدي بإمام المسلمين وهو (١) المهدي ويصلّي خلفه في بيت المقدس صلاة الصبح، ويحكم بالقرآن وشريعة الإِسلام ويكون من أمة محمد ﵊. قال في " الإِشاعة ": يكون عيسى مقرّراً للشريعة النبوية لا رسولاً إلى هذه الأمّة، فهو من أمة محمد ﷺ وصحابي، لأنه اجتمع به ﷺ ليلة الإِسراء، وحينئذ فهو أفضل الصحابة أما مدة بقاء عيسى في الأرض، ووفاته، فقد جاء في حديث أبي هريرة أنه يمكث في الناس أربعين سنة، وفي رواية الطبراني: " يخرج الدجال فينزل عيسى بن مريم ﵇ فيقتله، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة إماماً عادلاً، وحكماً مقسطاً " وفي رواية عن أبي هريرة مرفوعاً: " وينزل الروحاء فيحج منها، أو يعتمر أو يجمعهما " والروحاء مكان بين المدينة ووادي الصفراء في طريق مكة، وأخرج البخاري في " تاريخه " والطبراني وابن عساكر عنه، قال: يدفن عيسى ابن مريم مع رسول الله ﷺ وصاحبيه فيكون قبره رابعاً. والله أعلم. مطابقة الحديت للترجمة: في قوله ﷺ : " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم " حيث دل ذلك على نزول عيسى، وهو ما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. تتمة وتكملة: استدل بهذا الحديث بعض أهل العلم على ثبوت ظهور المهدي، وأنه خليفة المسلمين عند نزول عيسى، حيث إن المراد بقوله: " وإمامكم منكم " كما في " فيض الباري " (٢): الإِمام المهدي، لما جاء في حديث ابن ماجة أنهم قالوا: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: هم يومئذ قليل وجُلُّهم ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم فصلى بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى بن مريم، فرجع ذلك الإِمام يمشي

стр. 1418

٨٠٧ - " بَاب مَا ذكِرَ عنْ بَنِي إسْرَائِيلَ " ٩٣٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵁: أن النبي ﷺ قَالَ: بَلِّغوا عَنِّي ولَوْ آيةً، وحَدِّثوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ولَا حَرَجَ، ومَنْ كَذَبَ عَلَيَّ متَعَمِّداً، فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَة مِنَ النَّارِ ". ــ القهقرى ليتقدم عيسى يصلي بالناس" قال: فهذا صريح في أن مصداق ما في الأحاديث هو الإمام المهدي. ٨٠٧ - " باب ما ذكر عن بني إسرائيل " ٩٣٣ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " بلغوا عنّي ولو آية " وهذا أمر صريح لكل من وصل إلى مسامعه شيء من حديث رسول الله أن يبلغه، وينقله لغيره، سواء كان قليلاً أو كثيراً، ولو آية واحدة من القرآن، لأن تلك الآية مع قلة ألفاظها قد تحمل من المعاني والأحكام ما يستفيد منه العلماء الشيء الكثير. وإنما قال: " ولو آية " ولم يقل ولو حديثاً، لأنه إذا كانت الآية القرآنية التي تكفّل الله بحفظها واجبة التبليغ، فتبليغ الحديث من باب أولى كما نقله العيني عن البيضاوى (١) ثم قال ﷺ : " وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " وإنما قال ﷺ ذلك، لأنه ﷺ لما هاجر إِلى المدينة نهى أصحابه في أوّل الأمر أن ينظروا في كتبهم أو يتحدثوا بأحاديثهم خشية أن يكون في بعض هذه الأحاديث من الأخبار الكاذبة التي قد يضل بها قارئها، ويفتتن بها سامعها، وهم لا زالوا حديثي عهد بهذا الدين، فمنعهم عن ذلك وقاية لهم، وحرصاً على سلامة عقيدتهم، فلما تمكن الإِسلام من النفوس، ورسخت العقائد، وأصبح لديهم من العلم الإسلامي ما يميزون به الصحيح منها، أذن لهم في سماعها والتحدث

стр. 1419

بها فقال: " وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " وهو أمر ترخيص لهم بسماع الأحاديث الإِسرائيلية وروايتها، وليس هو أمر وجوب، لأن الأمر إذا جاء بعد النهي اقتضى الإِباحة، ولهذا قال: " ولا حرج " قال الحافظ: أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار. قال (١): وقيل: لا حرج في أن لا تتحدثوا عنهم، لأن قوله أولاً حدثوا صيغة أمر تقتضي الوجوب، فأشار إلى عدم الوجوب، وأن الأمر فيه للإِباحة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب تبليغ كلِّ ما تَحَمَّله العالم من كلام رسول الله ﷺ على قدر ما عنده، كثيراً كان أو قليلاً، ولو آية واحدة، أو حديثاً واحداً، لقوله ﷺ : " بلغوا عني ولو آية ". ثانياً: أنه لا مانع من رواية الأخبار، وأخذها عن بني إسرائيل من اليهود والنصارى، للموعظة والاعتبار. فيما لم نتأكد من أنه كذب وباطل لمخالفته للقرآن أو الحديث، أما الإِسرائيليات التي نقطع بكذبها فإنه لا يجوز لنا روايتها إلاّ لتكذيبها وبيان بطلانها، قال الشافعي: من المعلوم أن النبي ﷺ لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه وهو نظير قوله: " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ". والحاصل أن الأخبار الإِسرائيلية ثلاثة أنواع: الأول: ما وافق القرآن والسنة موافقة صريحة، فهذا مما ينبغي روايته وتبليغه لأنه حق وصدق لا شك فيه. الثاني: ما لم يرد في ذلك في الكتاب أو السنة ولا يعارضهما، فهذا يحتمل الصدق والكذب كسائر الأخبار العادية، ويجوز روايته للموعظة والاعتبار، شريطة أن لا يؤخذ على أنه قضية مسلمة، أو يستدل به على حكم شرعي، أو يقدَّم على حقيقة من الحقائق العلمية الثابتة. الثالث: ما عارض الكتاب أو السنة، فهو كذب محض، لا تجوز روايته إلاّ لتفنيده وتكذيبه، وذلك لما فيه من تكذيب لله ورسوله. مطابقة

стр. 1420

٩٣٤ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أن النبي ﷺ قَالَ: " إِنَّ الْيَهُودَ والنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ ". ــ الحديث للترجمة: في قوله ﷺ : " وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي. ٩٣٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إن اليهود والنصارى لا يصبغون " شعر رؤوسهم ولحاهم، يل يتركون الشيب فيها على حاله، " فخالفوهم " بصبغ شعوركم، وخضب اللحية والرأس. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن قوله ﷺ فخالفوهم كما قال الحافظ يقتضي مشروعية الصبغ، والمراد به صبغ اللحية والرأس، ولا يعارضه ما ورد من النهي عن إزالة الشيب، لأن الصبغ لا يقتضي الإِزالة، واختلفوا في حكم خضاب الشعر، فذهب مالك إلى أنه جائز، وليس مستحباً، حيث قال في " الموطأ " وترك الصبغ كله واسع، وليس على الناس فيه ضيق، وذهب آخرون إلى سنيته لحديث الباب، لأنه ﷺ أمر بمخالفة اليهود والنصارى، وذلك بصبغ الشعر الذي لا يصبغونه، وأقل مقتضيات الأمر السنية. والاستحباب، وقد تعددت الأحاديث في الأمر بالخضاب وتغيير الشيب، ففي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود " أخرجه أحمد والنسائي والترمذي. وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: " غيروا الشيب ولا تقربوا السواد " أخرجه أحمد وجاء في مسلم بلفظ " واجتنبوا " بدل " ولا تقربوا " فهذه الأحاديث تؤكد أن خضاب الشعر سنة، أضف إلى ذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة من أن النبي ﷺ خضب شعره كما في حديث ابن عمر ﵄ أنّه رأى النبي ﷺ يصبغ بالصفرة،

стр. 1421

قال ابن القيم: فإن قيل: قد ثبت في الصحيح عن أنس ﵁ أنه قال: لم يخضب النبي ﷺ ، قيل: أجاب أحمد بن حنبل عن هذا وقال: قد شهد غير أنس ﵁ على النبي ﷺ أنه خضب، وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد. اهـ. ثانياًً: أن الأمر بخضاب الشعر في حديث الباب عام في جميع الألوان لأنه ﷺ أمر بمخالفة اليهود والنصارى، بتغيير الشيب وخضاب الشعر مطلقاً دون تقييد بلون مخصوص أو استثناء لون معين، لكن جاء في حديث جابر: أن النبي ﷺ قال: " غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد " أخرجه مسلم، ولهذا ذهب قوم إلى تحريم الخضاب بالسواد، واختاره النووي، وذهب أحمد والشافعي في المشهور عنهما إلى أنه يكره الصبغ بالسواد، وأجازه مالك وغيره من أهل العلم، إلاّ أنه يرى أن الخضاب بالسواد خلاف الأولى كما في " الموطأ " قال يحيى، سمعت مالكاً يقول في صبغ الشعر بالسواد: لم أجمع في ذلك شيئاً معلوماً، وغير ذلك من الصبغ أحب إليَّ، بمعنى أن الصبغ بالسواد خلاف الأولى فقط، وليس بمحرم، ولها قال في " المحلى ": يكره عند مالك صبغ الشعر بالسواد من غير تحريم. اهـ. وفي السواد عن أحمد كالشافعية روايتان، المشهورة يكره، وقيل: يحرم (١) وقد أجاز الخضاب بالسواد جماعة من أهل العلم وكثير من السلف من الصحابة والتابعين. قال ابن القيم في " زاد المعاد ": صح عن الحسن والحسين ﵄ أنهما كانا يخضبان بالسواد، ذكر ذلك ابن جرير عنهما في كتاب " تهذيب الآثار " وذكره عن عثمان بن عفان، وعبد الله ابن جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله وعمرو بن العاص، ﵃ أجمعين، وحكاه عن جماعة من التابعين، منهم عمرو بن عثمان، وعلي بن عبد الله بن عباس، ﵃ أجمعين، وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دينار، وأبي يوسف ﵃

стр. 1422

٨٠٨ - " حَدِيثُ أبْرَصَ وأقْرعَ وأعمَى في بنِي إِسْرَائِيلَ " ٩٣٥ - عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ ثَلَاَثةً فِي بني إسْرَائِيلَ أبرَصَ وأقْرَعَ وَأعْمَى، بَدَا للهِ أنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فبعث إلَيْهِمْ مَلَكاً، فأتَى الأبرَصَ فَقالَ: ــ أجمعين. اهـ. وذهب مالك إلى أن الخضاب بغير السواد أولى وأفضل فقد روى أشهب عن مالك أنه قال: ما علمت أن فيه النهي، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي " (١) أي إنما قال مالك: وغير ذلك من الصبغ أحب إلي، لأن الصبغ بالسواد لم يستعمله النبي ﷺ فغيره أولى. كما أفاده الباجي. ثالثاً: قال شيخ الإِسلام (٢) ابن تيمية: أمر ﷺ بمخالفتهم، وذلك يقتضي أن مخالفتهم أمرٌ مقصود للشارع، لأنه إذا كان الأمر " في الحديث " بجنس المخالفة حصل القصد، وإن كان الأمر بها في تغيير الشيء فهو لأجل ما فيه من المخالفة. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم " حيث ذكر اليهود والنصارى، وهم من بني إسرائيل. ٨٠٨ - " حديث أبرص وأقرع وأعمى في بني إسرائيل " ٩٣٥ - معنى الحديث: أن ثلاثة من بني إسرائيل، وقعت لهم قصة عجيبة قصَّها علينا النبي ﷺ ، وهو الصادق المصدوق، لما فيها من الموعظة والاعتبار التي نستفيد منها في حياتنا، كان كل واحد من هؤلاء الثلاثة مصاباً بعاهة في جسده، فأراد الله أن يمن عليهم بالسلامة من عاهاتهم، وبالغنى بعد فقرهم ابتلاءً لهم، ليجازي من شكر النعمة بزيادتها، ومن كفرها بزوالها، فأما

стр. 1423

أيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْن حَسَن، وَجِلْدٌ حَسَن، قَدْ قَذَرَني النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ، فَأعْطِيَ لَوْناً حَسَناً، وجِلْداً حَسَناً، فقالَ: أيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ، فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشراءَ، فَقَالَ: يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا، وأتى الأقْرَعَ، فَقَالَ: أي شَىءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ، فَقَالَ: ــ الأوّل فهو رجل أبرص بعث الله إليه الملك في صورة إنسان: فقال له: " أي شيء أحب إليك؟ " وسأله عن أمنيته المفضلة " قال: لون حسن وجلد حسن " أي تمنى أن يعود إلى جسمه لونه الصافي الجميل وبشرته النقية السليمة " قد قذرني الناس " قال الحافظ: قذرني بفتح القاف والذال أي اشمئزوا مني " قال: فمسحه فذهب عنه " أي فمسحه الملك بيده فزال عنه داء البرص، وأصبح نقي اللون والبشرة، فسأله عن أحب المال إليه، فقال: الإبل، " فأعطي ناقة عشراء " بضم العين وفتح الشين وهي الحامل التي أَتى عليها في حملها عشرة أشهر. " وأما الثاني " فهو رجل أقرع، أتاه الملك في صورة إنسان من البشر فسأله كما سأل صاحبه الأول عن أمنيته في الحياة، فقال إنه يتمنى أن يعود إليه شعر رأسه، لأن الناس اشمأزوا منه، ومن منظر رأسه البشع، وصورته القبيحة، وهو معنى قوله: " وأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا " أي القرع " قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب وأعطي شعراً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر فأعطي بقرة حاملاً، وقال: يبارك لك فيها " بضم أوله على البناء للمجهول، وفي رواية بارك الله لك فيها. " وأما الرجل الثالث " فهو رجل أعمى، أتاه الملك على صورة البشر، فسأله عن أمنيته في الحياة، فقال: أن يعود إلي بصري، فإنه لا شيء أحب إلي من أن أبصر النور وأرى الأشياء حولي، فأعاد إليه الملك بإذن الله بصره، وسأله عن أحب المال عنده فقال: الغنم، فأعطاه ما يحب،

стр. 1424

شَعْر حَسَن، ويَذْهَبُ عني هَذَا، قدْ قَذَرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ، وأعْطِيَ شَعْراً حَسَنَاً، قَالَ: فأيُّ المَالِ أحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: البَقَرُ، قَالَ: فأعْطَاهُ بَقَرةً حَامِلاً، وَقَالَ يُبَارَكْ لَكَ فِيهَا، وأتى الأعْمَى، فَقَال: أيُّ شَيْءٍ أحبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: يَرُدُّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فأبْصِرُ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأيُّ المَالِ أحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الغَنَمُ، فأعْطَاهُ شَاةً وَالداً، فأنتجَ هَذَانِ، وَوَلَّدَ هَذَا، فكان لهَذَا وَادٍ مِنْ إبلٍ، وَلِهَذا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ الْغَنَمِ، ثم إنَّهُ أتَى الأبرَصَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلْ مِسْكِين تَقَطَّعَتْ بي الْحِبالُ في سَفَرِي فلا بَلاغَ اليَوْمَ إلَّا باللهِ ثم بِكَ، أسْالكَ بالَّذِي أعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَن، والْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيراً أتبَلَّغُ عَلَيْهِ في سَفَرِي، فَقَالَ لهُ، ــ وهو معنى قوله ﷺ : " وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس، قال: فمسحه فرد الله إليه بصره، قال فأي المال أحب إليك، قال: الغنم، فأعطاه شاة والداً " قال الحافظ: أي ذات ولد، ويقال حامل. وقد بارك الله تعالى لهؤلاء الثلاثة فيما أعطاهم، " فأنتج هذان " أي صاحب الإِبل والبقر " وولّد هذا " أي صاحب الغنم، وهو بتشديد اللام. ثم إن الله تعالى قدر على هؤلاء أن يختبرهم وإن كان عالماً بحقيقة حالهم، لا يخفي عليه شكرهم وكفرهم ولكن إنما ابتلاهم بذلك. ليظهر لخلقه أحوالهم ويجازيهم بحسب أعمالهم، فيكونوا عبرة لغيرهم وهو معنى قوله: " ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، تقطعت بي الحبال " أي ابتلاني الله بهذا الداء العضال ويئست من الشفاء ولم يبق لي أمل في العافية حيث تقطعت بي حبال الآمال، وسدت أمامي أبواب المعيشة وأسباب

стр. 1425

إنَّ الْحُقُوقَ كَثيرة، فَقَالَ لَهُ: كَأنِّي أعْرِفُكَ، ألَمْ تَكُنْ أبْرَصَ، يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيراً فَأعْطَاكَ اللهُ؟ فَقَالَ: لقدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً، فَصَيَّرَكَ اللهُ إلى مَا كُنْتَ، وأتى الأقْرَعَ في صورَتِهِ وهَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَه مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَصَيَّرَكَ اللهُ إلى ما كُنْتَ، وأتى الأعْمَى في صورَتِهِ فَقَالَ: رَجل مِسْكِينٌ وابْنُ سَبِيل، وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الْحِبَالُ في سَفَرِي، فلا بَلَاغَ الْيَوْمَ إلَّا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ، أسْألكَ بالذي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شاةً أتبَلَّغ بِهَا في سَفَرِي، فَقَال: قَدْ كنْت أعمَى، فَرَدَّ اللهُ بَصَرِي، وفَقِيراً فقد أغْنَانِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، فَوَاللهِ لا أجْهِدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْء أخَذْتَه لله، فَقَالَ: أمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتلِيْتمْ، فَقَد رَضِيَ الله عَنْكَ، وَسَخِطَ على صَاحِبَيْكَ ". ــ الرزق، وأصبحت فقيراً بائساً مسكيناً " فلا بلاغ اليوم إلاّ بالله ثم بك " أي فلا أحد يوصلني إلى تفرج كربتي إلاّ الله، ثم أنت " أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن، والمال بعيراً أتبلغ به " أي يوصلني إلى بلدي " فقال له: إن الحقوق كثيرة " أي إن النفقات التي تلزمني كثيرة، وهي أولى منك، " فقال له: إني أعرفك: ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله " أي فأعطاك الله الصحة والمال. " فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر " وفي رواية كابراً عن كابر، أي ورثت هذا الغنى والعز والشرف أباً عن جد " فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت " أي إلى ما كنت عليه من داء البرص والفقر " وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قاله لهذا " أي للأبرص، " فرد عليه مثل ما رد عليه هذا " أي الأبرص " فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت " عليه من الفقر وسوء الحال، والقرع وسوء

стр. 1426

المنظر. " وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين إلخ " يعني فقال له الملك. مثل ما قال لصاحبه، ولكن الأعمى لم يكن مثل صاحبيه كافراً النعمة، " فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء " أي لا أشق عليك برد شيء تطلبه مني " فقال له: أمسك مال فإنما ابتليتم " أي امتحنتم " فقد رضي عنك " لأنك شكرت نعمة الله وأديت حقها عليك " وسخط على صاحبيك " لأنهما كفرا بنعمة الله. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: التحذير من كفران النعم، لأنه يؤدي إلى زوالها، والترغيب في شكرها، لأنه يؤدي إلى دوامها وزيادتها، فالحديث مصداق قوله تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ). ثانياً: أن شكر النعمة واجب، وكفرها معصية، ولولا ذلك لما غضب على الأبرص والأقرع وعاقبهما في الدنيا قبل الآخرة. ثالثاً: أنه لا مانع من تذكير الإِنسان بحالته السيئة التي كان عليها إذا كان ذلك لنصحه ودعوته لشكر الله تعالى، أما إذا كان ذلك لتعييره بماضيه أو التشهير به فإنه لا لا يجوز شرعاً. رابعاً: الحث على الصدقة، والرفق بالضعفاء، ومد يد المعونة لهم. خامساً: أن على الإِنسان أن يذكر إذا صار في نعمة ما كان عليه سابقاً من فقر أو مرض أو عاهة، لأن ذلك يدفعه لمزيد الشكر والامتنان. سادساً: الزجر عن البخل، والتحذير من عواقبه السيئة، لأنه رأس كل رذيلة. سابعاً: أن هذه قصة من قصص بني إسرائيل العجيبة التي فيها الكثير من المواعظ والعبر، ولهذا حدثنا بها رسول الله ﷺ لكي ننتفع بها في حياتنا وسلوكنا. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " إن ثلاثة من بني إسرائيل ". ***

стр. 1427

٩٣٦ - عن أبي سَعِيدٍ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " كَانَ فِي بني إسْرَائِيلَ رَجُل قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَاناً، ثُمَّ خَرَجَ يَسْألُ، فَأتَى رَاهِباً، فسألَهُ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لا، فَقَتَلَهُ، فَجَعَل يَسْأل، فَقَالَ لَهُ رَجُل: ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا، فأدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَنَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلَاِئكَةُ الْعَذَابِ، فأوْحَى اللهُ إلى هَذِهِ أنْ تَقَرَّبِي وأوْحَى إلى هَذِهِ أنْ تَبَاعَدِي، وقالَ: قِيسُوا ما بَيْنَهُمَا، فَوُجِدَ إلى هَذِهِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ ". ــ ٩٣٦ - معنى الحديث: أن رجلاً من بني إسرائيل قتل تسعة وتسعين نفساً ظلماً وعدواناً فسأل عن أعلم أهل الأرض كما في رواية مسلم ليستفتيه في قضيته، فدُل على راهب - أي على عابد من عُبّاد النصارى، فجاء إليه واستفتاه، هل تقبل توبته إذا تاب؟ فقال له: لا توبة لك بعد أن قتلت تسعة وتسعين نفساً، فقتل ذلك الراهب، وأكمل به المائة، ثم صار يسأل عن عالم آخر، فدلوه على رجل من أهل العلمٍ غير الأول، حتى وجده، فقال له ذلك الرجل (١) ائت قرية كذا فإنّ بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فذهب من عنده حتى إذا انتصف الطريق أدركه الموت، فمال بصدره بجهد ومشقة إلى جهة القرية الصالحة، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأوحى الله إلى القرية الصالحة، وهي قرية " نصرة " أن تقترب منه، وأوحى إلى القرية التي خرج منها أن تبتعد، وأمرهم أن يقيسوا المسافة بين القريتين فوجدوه أقرب إلى

стр. 1428

٩٣٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : " اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَاراً لَهْ، فوجَدَ الرَّجُلُ الذي اشْتَرَى الْعَقَارَ في عَقَارِهِ جرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الذي اشْتَرى ــ القرية الصالحة بشبر، فغفر له. والمطابقة: في قوله: " كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنساناً ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن التوبة تكفّر الكبائر كلها مهما بلغت، بما في ذلك القتل، لأن الله تعالى قبل توبة هذا الرجل الذي قتل مائة نفس، ولا يقال: إن القتل من حقوق الآدميين التي لا تقبل فيها التوبة إلا باستحلال أصحاب الحقوق ومسامحتهم وإرضائهم، لأن الله إذا قبل توبة العبد أرضي عنه خصمه كما أفاده القسطلاني (١). ثانياً: قال الحافظ: في هذا الحديث فضل العالم على العابد، لأن الذي أفتاه أولاً بأن لا توبة له غلبت عليه العبادة فاستعظم وقوع ما وقع من ذلك القاتل من جرأته على قتل هذا العدد الكثير، وأما الثاني: فغلب عليه العلم فأفتاه بالصواب (٢). اهـ. وهذا يدل على قيمة العلم، وأن العالم مقدم على العابد. ثالثاً: أنه ينبغي لمن تاب من ذنب ولا سيما إذا كان من الكبائر أن يعقبه بالإكثار من العبادات والأعمال الصالحة، ومعاشرة الصالحين، ولهذا أفتاه هذا العالم الواعي أن يذهب إلى تلك القرية الصالحة، ليعايش الصالحين من أهلها، فيقتدي بهم في عبادتهم، فإنّ الحسنة تكفر السيئة، فإذا أضيفت الحسنات إلى التوبة الصادقة كانت خيراً على خير، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة. ٩٣٧ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "اشترى رجل من رجل

стр. 1429

الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إنما اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأرْضَ، ولم أبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، وقَالَ الَّذِي لَه الأرْضَ: إنَّمَا بِعْتُكَ الأرْضَ وما فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إلى رَجُل، فَقَالَ الَّذِي تحاكَمَا إلَيْهِ: ألَكُمَا وَلَدٌ؟ قَالَ أحَدُهُمَا: لِيَ غُلامٌ، وَقَالَ الآخَرُ: لِيَ جَارِيَةٌ، قَالَ: أنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ وأنفِقُوا على أنفُسِهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا". ــ عقاراً" أي أرضاً أو داراً " فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب " أي فوجد المشترى جرة في داخلها نقود وحلي وسبائك ذهبية " فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض " أي فذهب المشتري إلى البائع، ودفع الجرة إليه قائلاً خذ ذهبك. فإنني لا حق لي فيه، لأنني إنما اشتريت الأرض فقط، ولم أشتر منك هذا الذهب الذي وجدته فيها، فهو حقك " وقال الذي باع الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها " فكلُّ ما وجدته فيها من ذهب أو غيره فهو ملكك، ورزق ساقه الله إليك " فتحاكما إلى رجل " وهل هذا الرجل هو الحاكم الشرعي نفسه، أو رجل آخر، في هذا خلاف بين العلماء " فقال " لهما: " ألكما ولد، قال أحدهما: " وهو المشتري " لي غلام، وقال الآخر " وهو البائع " لي جارية، قال: أنكحوا الغلام الجارية " أي زوجوا ولد المشتري على بنت البائع " وأنفقوا على أنفسهما منه " أي وأنفقوا عليهما من هذا الكنز " وتصدقا منه " أي وتصدقا ببعضه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: صلاح هذين الرجلين وورعهما وعفتهما وزهدهما في هذا الكنز النفيس الذي يتمثل في تدافعهما له، ومحاولة كل منهما التخلص منه، فهما نوع نادر من البشر. ثانياًً: قال الحافظ في قوله ﷺ : " فتحاكما إلى رجل " ظاهره أنهما حكَّماه أي حكما رجلاً غير الحاكم الشرعي المنصوب من قبل ولي الأمر وعلى ذلك، فإن هذا الحديث يصلح

стр. 1430

حجة على أنه يجوز للمتداعيين أن يحكّما غير الحاكم الشرعي، وبهذا قال مالك والشافعي بشرط أن يكون أهلاً للحكم، وأن يحكم بينهما بالحق، سواء وافق رأي القاضي أم لا، واستثنى الشافعي الحدود، واشترط أبو حنيفة أن لا يخالف قاضي البلد، إلاّ أن الروايات الأخرى دلت على أنّهما حكَّما الحاكم الشرعي الذي هو داود ﵇، أو قاضياً من قضاة ذي القرنين، وعلى هذا فليس في الحديث حجة على تحكيم غير الحاكم. ويرى القرطبي ﵀ أن ما أجراه هذا الرجل بينهما ليس حكماً عليهما، وإنما هو إصلاح بينهما. قال الحافظ: وجزم القرطبي بأنه لم يصدر منه حكم على أحدٍ منهما، وإنما أصلح بينهما لما ظهر له أن حكم المال المذكور حكم المال الضائع، فرأى أنهما أحق بذلك من غيرهما. الحديث: أخرجه الشيخان والمطابقة: في قوله: في كون هذه القصة من أخبار بني إسرائيل. ***

стр. 1431

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " بَابُ الْمَنَاقِبِ " ٨٠٩ - " بَابُ قَوْلِ الله تعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ... ) " ٩٣٨ - عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، خِيَارُهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإِسْلامِ إِذا فَقُهُوا، وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاس في هَذَا ــ " باب المناقب " ومعظم النسخ في البخاري بلفظ " باب المناقب " "والمناقب " جمع منقبة، بمعنى الشرف والفضيلة، وفي " القاموس ": المنقبة المفخرة، والمناقب المكارم، واحدها منقبة، كأنها تنقب الصخر لقوتها، وتثقب قلب الحسود لشدة وقعها عليه. ٨٠٩ - " باب قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ... ) " ٩٣٨ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ شبّه الناس في أنسابهم وأصولهم بالمعادن المختلفة المتفاوتة في قيمتها وجوهرها. قال الحافظ: وجه التشبيه أن المعدن لما كان إذا استخرج ظهر ما اختفى منه. ولا تتغير صفته، فكذلك صفة الشرف لا تتغير في ذاتها، بل من كان شريفاً في الجاهلية فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس، فإن أسلم استمر شرفه، وكان أشرف ممن أسلم من المشروفين في الجاهلية. وهو قوله: " خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا " أي فمن جمع بين النسب والحسب والإِسلام والفقه في الدين فهو أعلى المراتب،

стр. 1432

الشَّأنِ أشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً، وتَجِدُونَ شَرَّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ، الذي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ، ويَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ". ــ وأفضلها في نظر الإِسلام. ثم قال ﷺ : " وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية " ومعناه أن أصلح الناس وأكفأهم لولاية الأمور من إمارة أو قضاء أو شرطة أو حسبة، أو غيرها أزهدهم فيها، وأشدهم كراهية لها، لأن شدة كراهيته للولاية تدل على شدة ورعه، وقوة شعوره بالمسؤولية " وتجدون شر الناس ذا الوجهين " أي أبغضهم إلى الله تعالى وأكثرهم ضرراً للمسلمين، وخطراً عليهم " المنافق " سواء كان منافقاً في العقيدة يظهر الإسلام ويبطن الكفر، أو منافقاً في سلوكه وأعماله يظهر المودة ويبطن الحقد والعداوة، كما قال تعالى في وصف هؤلاء المنافقين: (وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ). فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل النسب إذا اقترن بالدين والصلاح والعلم في دين الله والفقه في شريعته، وهذا هو أعلى المقامات وأسماها بعد مقام النبوة والصحبة، فإن الناس في نظر الإِسلام تختلف مراتبهم ومقاماتهم (١) على حسب الترتيب الآتي. المرتبة الأولى: من جمع بين النسب والدين والصلاح والفقه في الشريعة، وهذا هو أعلى المقامات. المرتبة الثانية: من جمع بين الدين والصلاح والفقه وكان خامل النسب. المرتبة الثالثة: من جمع بين النسب والدين والصلاح ولم يكن فقيهاً. المرتبة الرابعة: من جمع بين الدين والصلاح، ولم يكن شريفاً ولا فقيهاً. المرتبة الخامسة: من جمع بين الإِسلام والنسب ولم يكن صالحاً ولا فقيهاً. المرتبة السادسة: من كان مسلماً فقط، ولا توجد فيه أي مزية من المزايا وهذا هو أدنى الدرجات. ثانياً: اعتبار الكفاءة

стр. 1433

٨١٠ - " بَابُ مَنَاقِبِ قُريش " ٩٣٩ - عن مُعَاوِيَةَ ﵁: وقد بَلَغَهُ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنَ الْعَاصِ ﵄ يُحَدِّثُ ــ في النسب بالنسبة إلى الزواج. لقوله ﷺ : " تجدون الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " قال في " زهر الأدب في مفاخر العرب ": الكفاءة عندنا معاشر الحنابلة معتبرة، وكذا عند الشافعية، وفي إحدى الروايتين عن مالك، ثم قال: ومن الجهل أن يعتقد أحد عدم التفاضل، والتفاضل واقع في أنواع الموجودات، فضل الله السماء السابعة على سائر الموجودات، ومكة على باقي البلاد، وجبريل وميكائيل وإسرافيل على غيرهم من الملائكة. وروى الدارقطني عن عمر ﵁ أنه قال: " لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلاّ من الأكفاء " وفي حديث رواه ابن ماجه والدارقطني عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " تخيروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم " ثم قال: وقوله: " ليس لعربي فضل على عجمي " " والمؤمنون تتكافأ دماؤهم " إنما المعنى في هذا كما قال ابن قتيبة أن الناس من المؤمنين كلهم سواء في الأحكام والمنزلة والكفاءة إنما هي في الدين والخلق. ثالثاً: أن أصلح الناس للولاية أزهدهم فيها، لما يدل عليه ذلك من شدة أمانته وتقديره للمسؤولية. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله ﷺ : " تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية (١) خيارهم في الإسلام. ٨١٠ - " باب مناقب قريش " أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما جاء في فضل قريش ومفاخرهم. وقريش: هي القبيلة العربية الأصيلة المشهورة، التي أنجبت سيد المرسلين وخاتم

стр. 1434

أنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ، فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ فَقَامَ فَأثْنَى على اللهِ بما هُوَ أهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أمَا بَعْدُ: فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أن رِجَالاً مِنْكُمْ يَتَحَدَّثُونَ أحَادِيثَ لَيْسَتْ في كِتَابِ اللهِ، ولا تُؤْثر عَنْ رَْسُولِ اللهِ، فَأولَئِكَ جُهَّالُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ والأمَانِيَّ التي تُضِل أهْلَهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ هَذَا الأمْرَ في قُرَيْش لا يُعَادِيْهِمْ أحَدٌ إلَّا أكبَّهُ اللهُ علَى وَجْهِهِ مَا أقَامُوا الدِّيْنَ". ــ النبيين، والتحقيق أنها تبدأ من فهر بن مالك بن النضر، فمنه كما قال ابن قتيبة تفرقت قبائل قريش، وتفرعت فروعها وهذا هو الأظهر لأن فهر هو الجد المباشر لقريش الذي تفرعت عنه قبائلها كما قال ابن سعد في " الطبقات " " وما كان فوق فهر فليس بقرشي بل هو كناني. ويقول الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في " مختصر سيرة الرسول (١) ﷺ ": وفهر هذا: هو أبو قريش كلها، فكل من كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس قرشياً، ثم " قال ": وقد قيل: إن النضر بن كنانة هو قريش، والصحيح أنه فهر بن مالك. ٩٣٩ - معنى الحديث: أن معاوية ﵁ سمع عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يحدث الناس عن ظهور ملك قحطاني تدين له العرب، ويخضع له المسلمون، ويلتفون حوله، فأنكر ذلك الخبر أشد الإنكار، وقال: " فإنه بلغنى أن رجالاً منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله " أي أن هذه الأخبار التي يتحدث بها عبد الله بن عمرو. عن ظهور ملك قحطاني ليست صحيحة، لأنّها لا تستند إلى كتاب الله، ولا يرويها عن النبي ﷺ وإنما هي مجرد خبر إسرائيلي

стр. 1435

- سمعه من اليهود، أو قرأه في التوراة. " فإياكم والأماني التي تضل صاحبها " أي فاحذروا أن تستمعوا إلى هذه الأخبار الكاذبة التي لا أساس لها من الصحة. ولكن ما تحدث به عبد الله ليس مجرد خبر إسرائيلي، وإنما هو خبر صحيح يستند إلى حديث رسول الله ﷺ فقد روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنّه قال: " لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه " أخرجه الشيخان. قال الحافظ: هو كناية عن المُلْكِ شبهه بالراعي. قال أرطاة بن المنذر أحد التابعين من أهل الشام: إن القحطاني يخرج بعد المهدي ويسير على سيرته، ثم قال معاوية: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن هذا الأمر " أي إن الخلافة " في قريش " فهم أحق الناس بها، " لا يعاديهم أحد إلاّ أكبه الله " أي لا ينازعهم فيها أحدٌ إلاّ ألقاه الله على وجهه في النار، " ما أقاموا الدين " أي مدة إقامتهم للدين، وتمسكهم بسنة سيد المرسلين. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الخلافة حق شرعي لقريش مدة إقامتهم لدين الله، فإذا انحرفوا عن العدل والصواب، وحادوا عن منهج السنة والكتاب، زالت الخلافة من أيديهم، وانتقلت إلى غيرهم فلا وجه لإنكار معاوية لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، لأنه لا يتعارض مع قوله ﷺ : " وإن هذا الأمر في قريش " لأنه مشروط بإقامة الدين. قال الحافظ: وقد وجد ذلك، فإن الخلافة لم تزل في قريش والناس في طاعتهم إلى أن استخفوا بأمر الدين، فضعف أمرهم إلى أن لم يبق لهم من الخلافة سوى اسمها المجرد في بعض الأقطار، وفي تاريخ بني العباس أقوى شاهد على ذلك حتى قال بعض خلفائهم: أليْسَ مِنَ العَجَائِبِ أن مِثْلِي ... يَرى مَا قَلّ مُمْتَنِعاً عَلَيْهِ وتُؤخَذُ بِاسْمِهِ الدُّنْيا جَمِيعاً ... وَمَا مِنْ ذاكَ شيء في يَدَيْهِ وغزاهم التتار فقضوا على الخلافة في بغداد. وفتكوا بالبلاد والعباد. ثانياًً: أن

стр. 1436

٨١١ - " بَابُ قِصَّةِ إسْلامِ أبِي ذَرٍّ ﵁ " ٩٤٠ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ أبو ذَرٍّ ﵁: كُنْتُ رَجُلاً من غِفَارٍ، فَبَلَغَنَا أنَّ رَجُلاً قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيُّ، فَقُلْتُ لأخِي: انْطَلِقْ إِلى هَذَا الرَّجُلِ كَلِّمْهُ، وائْتِني بِخَبَرِهِ، فانْطَلَقَ فلَقِيَه، ثُمَّ رَجَعَ، فَقُلْتُ: مَا عِنْدَكَ؟ فَقَالَ: واللهِ لَقَدْ رَأيْتُ رَجُلاً يَأمُرُنَا بالْخَيْرِ، وَيَنْهَى عَن الشَّرِّ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تُشْفِنِي مِنَ الْخَبَرِ، فأخَذْتُ جرَاباً وعصى، ثم أقْبَلْتُ إلى مَكَّةَ، فَجَعَلْتُ لا أعْرِفُهُ، وأكْرَه أنْ أَسْأل عَنْهُ، وأشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وأكونُ في ــ في هذا الحديث منقبة عظيمة لقريش، وهي استحقاقهم للخلافة ما أقاموا الدين، واتبعوا سنة سيد المرسلين. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: في قوله: " إن هذا الأمر في قريش " فإنه منقبة عظيمة لهم. ٨١١ - " باب قصة إسلام أبي ذر " ٩٤٠ - معنى الحديث: يروي لنا ابن عباس ﵄ هذا الحديث عن أبي ذر الغفاري ﵁ وهو يتحدث عن قصة إسلامه، فيذكر لنا أنه لما ظهر النبي ﷺ انتشرت أخباره في قبائل العرب، حتى وصلت إلى قبيلة غفار التي ينتسب إليها أبو ذر، فلما سمع بخروجه ﷺ أرسل أخاه إلى مكة، ليأتيه بخبره، فلما رجع قال له: ما عندك؟ أي ما الذي عرفته من أخبار محمد وحقيقة دينه، فأقسم بالله أنه رأى رجلاً يأمر بكل خير وينهى عن كل شر، وفي رواية: " رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامٍ ما هو بالشعر " قال: " فقلت له: لم تشفني " أي لم تأتني بالجواب الكافي الشافي. قال: " ثم أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه " أي فجعلتُ نفسي كأني لم آت مكة للتعرف

стр. 1437

الْمَسْجِدِ، قَالَ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ، فَقَالَ: كأنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَانْطَلَقَ إلى الْمَنْزِلِ، قَالَ: فانْطَلَقْتُ مَعَهُ، لا يَسْألنِي عَنْ شَيْءٍ ولا أخْبِرُهُ، فَلَمَّا أصْبَحْتُ، غَدَوْتُ إلى الْمَسْجِدِ، لأسْألَ عَنْهُ، ولَيْسَ أحَدٌ يُخْبِرُنِي عَنْهُ بِشَيْءٍ، قَالَ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ، فقالَ: أمَا نَالَ لِلرَّجُلِ يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ بَعْدُ، قَالَ قُلْتُ: لا، قالَ: فانْطَلَقَ مَعِي، قَالَ فَقَالَ: ما أمْرُكَ؟ وما أقْدَمَكَ هَذِهِ الْبَلْدَةَ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ، إِنْ كَتَمْتَ عَلَيَّ أخبَرْتُكَ، قَالَ: فَإنِّي أَفعَلُ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: بَلَغَنَا أنَّهُ قَدْ خَرَجَ هَا هُنَا رَجُلٌ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَأرْسَلْتُ أخِي لِيُكَلِّمَهُ، فَرَجِعَ ولَمْ يُشْفِنِي مِنَ الْخَبَرِ، فأرَدْتُ أن ألْقَاهُ، فَقَالَ لهُ، أما إِنَّكَ قَدْ رَشَدْتَ، هَذَا وَجْهِي إِلَيْهِ فاتَّبِعْنِي، ادخُلْ حيثُ أدْخُلُ، فَإِنِّي إِنْ رَأيْتُ أحَداً أخَافُهُ عَلَيْكَ قُمْتُ ــ على النبي ﷺ " وأكره أن أسأل عنه " أي ولا أريد أن أسأل عنه أحداً خشية أن تعلم قريش " وأشرب من ماء زمزم " أي أكتفي في طعامي وشرابي بماء زمزم، لأني لا أجد غيره كما في رواية مسلم عن عبد الله بن الصامت، أنه قال: " ما كان في طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني " " قال: فمر بي علي " بن أبي طالب صدفة " فقال: كأن الرجل غريب " أي أظنك غريباً " قلت: نعم، فذهب بي إلى المنزل لا يسألني عن شيء " على عادة العرب لا يسألون الضيف عن أمره حتى يخبرهم بنفسه " فلما أصبحت، غدوت إلى المسجد، فمر بي عليٌ " مرة أخرى " فقال: أما نال للرجل يعرف منزله " أي أما آن لك أن تعرف مسكنك الذي تريد النزول فيه، يريد إرشاده إلى ما قدم إليه وقصده " قال: قلت: لا " أي لم أصل إلى شيء حتى الآن " فقال: ما أمرك؟ وما أقدمك هذه البلدة " أي فسأله عن أمره وقصته، فأخبره أبو ذر

стр. 1438

إلى الْحَائِطِ كَأنَّي أُصْلِحُ نَعْلِي، وَامْض أنْتَ، فَمَضَى وَمَضَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلْتُ مَعَهُ على النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: اعْرِضْ عَلَيَّ الإِسْلامَ، فَعَرَضَهُ فَأسْلَمْتُ مَكَانِي، فَقَالَ لِي: "يَا أبَا ذَر، اكْتُمْ هذَا الأمْرَ، وارْجِعْ إلى بَلَدِكَ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظهُورُنَا فأقبِلْ "، فَقُلْتُ. وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فجاءَ إِلى الْمَسْجِدِ وقُرَيْش فِيهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْش إِني أشْهَدُ أن لَا إِلَه لَّا اللهُ، وأشْهَدُ أن مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالُوا: قُومُوا إِلى هَذَا الصَّابِىءِ، فَقَامُوا، فَضُرِبْتُ لأمُوتَ، فأدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ فأكَبَّ علَيَّ، ثمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ تَقْتُلُونَ رَجُلاً مِنْ غِفَارٍ، ومَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ على غِفَارٍ، فأقْلَعُوا عَني، فَلَمَّا أن أصْبَحْتُ ــ ﵁ بقصته بعد أن وثق به، وهو معنى قوله: " قلت له: بلغنا أنه خرج ها هنا رجل يزعم أنه نبي " إلخ أي يدعى النبوة فأردت أن أتعرف على حقيقته " قال: أما إنك قد رشدت " بفتح الراء والشين أي اهتديت ووصلت إلى مقصودك " هذا وجهي إليه فاتبعني، ادخل حيث أدخل " أي إني متوجه إليه، فاتبعني وسر معي حيث سرت قال: " ودخلت معه على النبي ﷺ فقلت له: اعرض عليّ الإِسلام " أي بين لي أركانه وشرائعه " فعرضه فأسلمت مكاني " أي فأسلمت حالاً " فقال لي: يا أبا ذر أكتم هذا الأمر " يعني فأمره النبي ﷺ بإخفاء إسلامه خوفاً عليه من إيذاء قريش له، وحرصاً على سلامته منهم " فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم " أي لأرفعن صوتي بالشهادتين عالياً في وسطهم " فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأعلن إسلامه أمامهم " فقالوا: قوموا إلى هذا الصابىء " أي الخارج عن

стр. 1439

الْغَدَ، رَجَعْتُ فَقُلْتُ مِثْلَ ما قُلْتُ بالأمْس، فَقَالُوا: قُومُوا إلَى هَذا الصَّابِىءِ، فصُنِعَ بِي مِثْلَ مَا صُنِعَ بالأمْس، وأدْرَكَنِي الْعَبّاسُ فَأكَبَّ عَلَيَّ وَقَالَ مِثْل مَقَالَتِهِ بالأمْسِ، قالَ: فَكَانَ هَذَا أوَّلَ إِسْلامِ أبِي ذَرٍّ ﵀". ــ دينه، المفارق لملة آبائه وأجداده " فضربت لأموت " أي فضربوني ضرباً شديداً قاصدين بذلك قتلي والقضاء علي " فأدركني العباس " يعني فأنقذني منهم العباس ﵁ " فأكب عليَّ " أي ألقى بنفسه عليَّ ليحول بينهم وبيني، وحذرهم من قبيلتي، فقال: " ويلكم تقتلون رجلاً من غفار، ومتجركم وممركم على غفار " أي كيف تقتلون هذا الرجل وهو من غفار فتعرضون قوافلكم التجارية للخطر، حيث أن تجارتكم إنما تمر عليها " فأقلعوا عني " أي تركوه " فلما أصبحت الغد رجعت، فقلت مثل ما قلت بالأمس " الخ. أي فعاودت مقالتي هذه في صبيحة اليوم الثاني، وعاودت قريش ضربها لي، وأدركني العباس فأنقذني منهم، كما فعل في اليوم الأوّل " قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر " أي كانت هذه قصة دخوله في الإِسلام. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: قصة إسلام أبي ذر وهو الصحابي الجليل جندب بن جنادة بن السكن بن قيس، وقيل: جندب ابن جنادة بن سفيان بن عبيد، ينتهي نسبه إلى غفار، كان من السابقين إلى الإِسلام وكان طويلاً أسمر اللون نحيفاً أحبه رسول الله ﷺ كثيراً، وكان يبدأه بالحديث إذا حضر، ويتفقده إذا غاب، وهو من أزهد الصحابة ﵃ قال فيه رسول الله ﷺ : " أقربكم مني مجلساً يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئته يوم تركته فيها، وإنه والله ما منكم من أحد إلاّ وقد نشب فيها بشيء غيره " أخرجه أحمد في مسنده. ثانياًً: فضل ماء زمزم وما أودع الله فيها من

стр. 1440

٨١٢ - " بَابُ مَنْ أحَبَّ أن لا يُسَبَّ نسَبُهُ " ٩٤١ - عَن عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: اسْتَأذَنَ حَسَّانُ ﵁ النبي ﷺ في هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: " كَيفَ بِنَسَبِي "، قَالَ حَسَّانُ: لأسُلَّنَّّك مِنْهُمْ كمَا تُسَل الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِين. ــ الخصائص حيث جعلها الله رواءً وغذاء وشفاء، حتى أن أبا ذر ﵁ عاش عليها خمسة عشر يوماً كما في رواية مسلم حيث قال: فاختبأت بين الكعبة وبين أستارها خمس عشرة يوم وليلة مالي طعام ولا شراب إلاّ ماء زمزم. والمطابقة: في كون أبي ذر ﵁ تحدث في هذا الحديث عن قصة إسلامه، وهو ما ترجم له البخاري والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان. ٨١٢ - " باب من أحب أن لا يسب نسَبُه " ٩٤١ - معنى الحديث: أن حسان بن ثابت ﵁ شاعر رسول الله ﷺ الأول استأذن النبي ﷺ في هجاء كفار قريش، وذكر عيوبهم ومساوئهم، فقال النبي ﷺ كيف تسب أنسابهم ونسبي يلتقي بأنسابهم، فإذا عبتهم عبتني، وهو معنى قوله ﷺ : " كيف بنسبي " قال العيني: أي كيف تهجو قريشاً مع اجتماعي معهم في النسب، عند ذلك " قال حسان: لأسُلنَّك منهم كما تُسل الشعرة من العجين " وفي رواية: " والذي أكرمك لأسلنّك منهم " أي أهجوهم هجاءً يختص بهم، ولا يلحقك منه شيء، فتخرج من هذا الهجاء سليماً نقياً كما تخرج الشعرة من العجين. وقد فعل ﵁ فقال فيهم شعراً يجمع بين مدح النبي ﷺ وهجوهم، وهو قوله: وإنَّ سَنَامَ المَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... بَنُو بِنْتِ مَخْزُوْم وَوَالِده العَبْدُ
следующие страницы →