← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

٨١١ - " بَابُ قِصَّةِ إسْلامِ أبِي ذَرٍّ ﵁ " ٩٤٠ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ أبو ذَرٍّ ﵁: كُنْتُ رَجُلاً من غِفَارٍ، فَبَلَغَنَا أنَّ رَجُلاً قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيُّ، فَقُلْتُ لأخِي: انْطَلِقْ إِلى هَذَا الرَّجُلِ كَلِّمْهُ، وائْتِني بِخَبَرِهِ، فانْطَلَقَ فلَقِيَه، ثُمَّ رَجَعَ، فَقُلْتُ: مَا عِنْدَكَ؟ فَقَالَ: واللهِ لَقَدْ رَأيْتُ رَجُلاً يَأمُرُنَا بالْخَيْرِ، وَيَنْهَى عَن الشَّرِّ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تُشْفِنِي مِنَ الْخَبَرِ، فأخَذْتُ جرَاباً وعصى، ثم أقْبَلْتُ إلى مَكَّةَ، فَجَعَلْتُ لا أعْرِفُهُ، وأكْرَه أنْ أَسْأل عَنْهُ، وأشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وأكونُ في ــ في هذا الحديث منقبة عظيمة لقريش، وهي استحقاقهم للخلافة ما أقاموا الدين، واتبعوا سنة سيد المرسلين. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: في قوله: " إن هذا الأمر في قريش " فإنه منقبة عظيمة لهم. ٨١١ - " باب قصة إسلام أبي ذر " ٩٤٠ - معنى الحديث: يروي لنا ابن عباس ﵄ هذا الحديث عن أبي ذر الغفاري ﵁ وهو يتحدث عن قصة إسلامه، فيذكر لنا أنه لما ظهر النبي ﷺ انتشرت أخباره في قبائل العرب، حتى وصلت إلى قبيلة غفار التي ينتسب إليها أبو ذر، فلما سمع بخروجه ﷺ أرسل أخاه إلى مكة، ليأتيه بخبره، فلما رجع قال له: ما عندك؟ أي ما الذي عرفته من أخبار محمد وحقيقة دينه، فأقسم بالله أنه رأى رجلاً يأمر بكل خير وينهى عن كل شر، وفي رواية: " رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامٍ ما هو بالشعر " قال: " فقلت له: لم تشفني " أي لم تأتني بالجواب الكافي الشافي. قال: " ثم أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه " أي فجعلتُ نفسي كأني لم آت مكة للتعرف

стр. 1437

الْمَسْجِدِ، قَالَ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ، فَقَالَ: كأنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَانْطَلَقَ إلى الْمَنْزِلِ، قَالَ: فانْطَلَقْتُ مَعَهُ، لا يَسْألنِي عَنْ شَيْءٍ ولا أخْبِرُهُ، فَلَمَّا أصْبَحْتُ، غَدَوْتُ إلى الْمَسْجِدِ، لأسْألَ عَنْهُ، ولَيْسَ أحَدٌ يُخْبِرُنِي عَنْهُ بِشَيْءٍ، قَالَ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ، فقالَ: أمَا نَالَ لِلرَّجُلِ يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ بَعْدُ، قَالَ قُلْتُ: لا، قالَ: فانْطَلَقَ مَعِي، قَالَ فَقَالَ: ما أمْرُكَ؟ وما أقْدَمَكَ هَذِهِ الْبَلْدَةَ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ، إِنْ كَتَمْتَ عَلَيَّ أخبَرْتُكَ، قَالَ: فَإنِّي أَفعَلُ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: بَلَغَنَا أنَّهُ قَدْ خَرَجَ هَا هُنَا رَجُلٌ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَأرْسَلْتُ أخِي لِيُكَلِّمَهُ، فَرَجِعَ ولَمْ يُشْفِنِي مِنَ الْخَبَرِ، فأرَدْتُ أن ألْقَاهُ، فَقَالَ لهُ، أما إِنَّكَ قَدْ رَشَدْتَ، هَذَا وَجْهِي إِلَيْهِ فاتَّبِعْنِي، ادخُلْ حيثُ أدْخُلُ، فَإِنِّي إِنْ رَأيْتُ أحَداً أخَافُهُ عَلَيْكَ قُمْتُ ــ على النبي ﷺ " وأكره أن أسأل عنه " أي ولا أريد أن أسأل عنه أحداً خشية أن تعلم قريش " وأشرب من ماء زمزم " أي أكتفي في طعامي وشرابي بماء زمزم، لأني لا أجد غيره كما في رواية مسلم عن عبد الله بن الصامت، أنه قال: " ما كان في طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني " " قال: فمر بي علي " بن أبي طالب صدفة " فقال: كأن الرجل غريب " أي أظنك غريباً " قلت: نعم، فذهب بي إلى المنزل لا يسألني عن شيء " على عادة العرب لا يسألون الضيف عن أمره حتى يخبرهم بنفسه " فلما أصبحت، غدوت إلى المسجد، فمر بي عليٌ " مرة أخرى " فقال: أما نال للرجل يعرف منزله " أي أما آن لك أن تعرف مسكنك الذي تريد النزول فيه، يريد إرشاده إلى ما قدم إليه وقصده " قال: قلت: لا " أي لم أصل إلى شيء حتى الآن " فقال: ما أمرك؟ وما أقدمك هذه البلدة " أي فسأله عن أمره وقصته، فأخبره أبو ذر

стр. 1438

إلى الْحَائِطِ كَأنَّي أُصْلِحُ نَعْلِي، وَامْض أنْتَ، فَمَضَى وَمَضَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلْتُ مَعَهُ على النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: اعْرِضْ عَلَيَّ الإِسْلامَ، فَعَرَضَهُ فَأسْلَمْتُ مَكَانِي، فَقَالَ لِي: "يَا أبَا ذَر، اكْتُمْ هذَا الأمْرَ، وارْجِعْ إلى بَلَدِكَ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظهُورُنَا فأقبِلْ "، فَقُلْتُ. وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فجاءَ إِلى الْمَسْجِدِ وقُرَيْش فِيهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْش إِني أشْهَدُ أن لَا إِلَه لَّا اللهُ، وأشْهَدُ أن مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالُوا: قُومُوا إِلى هَذَا الصَّابِىءِ، فَقَامُوا، فَضُرِبْتُ لأمُوتَ، فأدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ فأكَبَّ علَيَّ، ثمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ تَقْتُلُونَ رَجُلاً مِنْ غِفَارٍ، ومَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ على غِفَارٍ، فأقْلَعُوا عَني، فَلَمَّا أن أصْبَحْتُ ــ ﵁ بقصته بعد أن وثق به، وهو معنى قوله: " قلت له: بلغنا أنه خرج ها هنا رجل يزعم أنه نبي " إلخ أي يدعى النبوة فأردت أن أتعرف على حقيقته " قال: أما إنك قد رشدت " بفتح الراء والشين أي اهتديت ووصلت إلى مقصودك " هذا وجهي إليه فاتبعني، ادخل حيث أدخل " أي إني متوجه إليه، فاتبعني وسر معي حيث سرت قال: " ودخلت معه على النبي ﷺ فقلت له: اعرض عليّ الإِسلام " أي بين لي أركانه وشرائعه " فعرضه فأسلمت مكاني " أي فأسلمت حالاً " فقال لي: يا أبا ذر أكتم هذا الأمر " يعني فأمره النبي ﷺ بإخفاء إسلامه خوفاً عليه من إيذاء قريش له، وحرصاً على سلامته منهم " فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم " أي لأرفعن صوتي بالشهادتين عالياً في وسطهم " فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأعلن إسلامه أمامهم " فقالوا: قوموا إلى هذا الصابىء " أي الخارج عن

стр. 1439

الْغَدَ، رَجَعْتُ فَقُلْتُ مِثْلَ ما قُلْتُ بالأمْس، فَقَالُوا: قُومُوا إلَى هَذا الصَّابِىءِ، فصُنِعَ بِي مِثْلَ مَا صُنِعَ بالأمْس، وأدْرَكَنِي الْعَبّاسُ فَأكَبَّ عَلَيَّ وَقَالَ مِثْل مَقَالَتِهِ بالأمْسِ، قالَ: فَكَانَ هَذَا أوَّلَ إِسْلامِ أبِي ذَرٍّ ﵀". ــ دينه، المفارق لملة آبائه وأجداده " فضربت لأموت " أي فضربوني ضرباً شديداً قاصدين بذلك قتلي والقضاء علي " فأدركني العباس " يعني فأنقذني منهم العباس ﵁ " فأكب عليَّ " أي ألقى بنفسه عليَّ ليحول بينهم وبيني، وحذرهم من قبيلتي، فقال: " ويلكم تقتلون رجلاً من غفار، ومتجركم وممركم على غفار " أي كيف تقتلون هذا الرجل وهو من غفار فتعرضون قوافلكم التجارية للخطر، حيث أن تجارتكم إنما تمر عليها " فأقلعوا عني " أي تركوه " فلما أصبحت الغد رجعت، فقلت مثل ما قلت بالأمس " الخ. أي فعاودت مقالتي هذه في صبيحة اليوم الثاني، وعاودت قريش ضربها لي، وأدركني العباس فأنقذني منهم، كما فعل في اليوم الأوّل " قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر " أي كانت هذه قصة دخوله في الإِسلام. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: قصة إسلام أبي ذر وهو الصحابي الجليل جندب بن جنادة بن السكن بن قيس، وقيل: جندب ابن جنادة بن سفيان بن عبيد، ينتهي نسبه إلى غفار، كان من السابقين إلى الإِسلام وكان طويلاً أسمر اللون نحيفاً أحبه رسول الله ﷺ كثيراً، وكان يبدأه بالحديث إذا حضر، ويتفقده إذا غاب، وهو من أزهد الصحابة ﵃ قال فيه رسول الله ﷺ : " أقربكم مني مجلساً يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئته يوم تركته فيها، وإنه والله ما منكم من أحد إلاّ وقد نشب فيها بشيء غيره " أخرجه أحمد في مسنده. ثانياًً: فضل ماء زمزم وما أودع الله فيها من

стр. 1440

٨١٢ - " بَابُ مَنْ أحَبَّ أن لا يُسَبَّ نسَبُهُ " ٩٤١ - عَن عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: اسْتَأذَنَ حَسَّانُ ﵁ النبي ﷺ في هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: " كَيفَ بِنَسَبِي "، قَالَ حَسَّانُ: لأسُلَّنَّّك مِنْهُمْ كمَا تُسَل الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِين. ــ الخصائص حيث جعلها الله رواءً وغذاء وشفاء، حتى أن أبا ذر ﵁ عاش عليها خمسة عشر يوماً كما في رواية مسلم حيث قال: فاختبأت بين الكعبة وبين أستارها خمس عشرة يوم وليلة مالي طعام ولا شراب إلاّ ماء زمزم. والمطابقة: في كون أبي ذر ﵁ تحدث في هذا الحديث عن قصة إسلامه، وهو ما ترجم له البخاري والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان. ٨١٢ - " باب من أحب أن لا يسب نسَبُه " ٩٤١ - معنى الحديث: أن حسان بن ثابت ﵁ شاعر رسول الله ﷺ الأول استأذن النبي ﷺ في هجاء كفار قريش، وذكر عيوبهم ومساوئهم، فقال النبي ﷺ كيف تسب أنسابهم ونسبي يلتقي بأنسابهم، فإذا عبتهم عبتني، وهو معنى قوله ﷺ : " كيف بنسبي " قال العيني: أي كيف تهجو قريشاً مع اجتماعي معهم في النسب، عند ذلك " قال حسان: لأسُلنَّك منهم كما تُسل الشعرة من العجين " وفي رواية: " والذي أكرمك لأسلنّك منهم " أي أهجوهم هجاءً يختص بهم، ولا يلحقك منه شيء، فتخرج من هذا الهجاء سليماً نقياً كما تخرج الشعرة من العجين. وقد فعل ﵁ فقال فيهم شعراً يجمع بين مدح النبي ﷺ وهجوهم، وهو قوله: وإنَّ سَنَامَ المَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... بَنُو بِنْتِ مَخْزُوْم وَوَالِده العَبْدُ

стр. 1441

٨١٣ - " بَابُ مَا جَاءَ في أسْمَاءِ رَسُولَ اللهَ ﷺ - " ٩٤٢ - عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِي خَمْسَةُ أسْمَاءٍ، أنا مُحَمَّدٌ، وأحْمَدُ، ــ أي أن مجد بني هاشم انحصر كله في أبناء فاطمة المخزومية وما تفرع من نسلها. وكانت فاطمة زوجة عبد المطلب، فولدت له ثلاثاً عبد الله وأبا طالب والزبير، والنبي ﷺ من نسل عبد الله، فهو من هذا النسل المبارك. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من الدين والمروءة أن يحرص الإِنسان على سمعة آبائه وأجداده، وأن يغار على نسبه ويحميه من أن يعيبه أحد، لأن النبي ﷺ قال لحسان لما استأذنه في هجاء المشركين: " كيف بنسبي ". ثانياًً: فضل حسان وقدرته الشعرية العجيبة على حسن التصرف في المديح والهجاء، حيث استطاع أن ينظم شعراً جمع فيه بين مدح النبي ﷺ وهجو غيره من بني هاشم مع أنه يشترك معهم في أصل واحد، وجد واحد. والمطابقة: في قوله ﷺ : " كيف بنسبي ". الحديث: أخرجه الشيخان. ٨١٣ - " باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ " ٩٤٢ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " لي خمسة أسماء " وليس معنى ذلك أن هذه الأسماء لم يسمَّ بها غيره، أو لم يسم بها أحد قبله، فقد سمّي بها في الجاهلية، قال الحافظ: وقد جمعت أسماء من تسمى بمحمد في جزء مفرد فبلغوا نحو العشرين، وأشهرهم محمد بن عدي بن ربيعة. قال عياض (١): وإنما سمّى بعض العرب أبناءهم محمداً قرب ميلاده لما سمعوا من الكهان والأحبار أن نبيّاً يبعث في ذلك الزمان يسمى محمداً، فرجوا أن يكونوا، فسمّوا أبناءهم بذلك، وليس معنى ذلك أيضاً: أن أسماءه تنحصر في خمسة أسماء فقط، فإن

стр. 1442

وأنَا الْمَاحِي الذي يَمْحُو اللهُ بِيَ الْكُفْرَ، وأنَا الْحَاشِرُ الذي يُحْشَرُ النَّاس على قَدَمِي وأنَا الْعَاقِبُ". ــ له أسماء غيرها، وإنما المراد بقوله: " في خمسة أسماء " أن هذه الخمسة هي أسماؤه المشهورة في الأم الماضية المذكورة في الكتب السابقة وهي كما بينها ﷺ في قوله: " أنا محمد " وهو علم وصفة معاً كما قال ابن القيم: ومعناه أنه ﷺ الموصوف بالمحامد الكثيرة العظيمة، المحمود من الله مرة بعد أخرى، لأن محمداً لغة كما قال الزرقاني: هو الذي حُمِدَ مرّةً بعد أخرى، وعن علي بن زيد قال: كان أبو طالب يقول: وَشَقَّ لَهُ من اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُوْ العَرْشِ مَحْمُوْدٌ وَهذَا مُحَمَّدُ قال الزرقاني: وهذا البيت في قصيدة لحسان فأما أنه توارد مع أبي طالب، أو ضمنه شعره، وسمّي بهذا الاسم بإلهام من الله تعالى لجده عبد المطلب، أو رؤيا رآها فقصها على كاهنة قريش فعبرتها بمولود من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السموات والأرض، رواه أبو نُعيم وغيره، وأخرج ابن عبد البر في " الاستيعاب "، عن ابن عباس ﵄ قال: " لما ولد النبي ﷺ عَقَّ عنه عبد المطلب، وسماه محمداً، فقيل له يا أبا الحارث: ما حملك على أن سميته محمداً، ولم تسمه باسم آبائه، قال: أردت أن يَحْمده الله في السماء، ويحمده الناس في الأرض ". " وأحمد " وهذا هو الاسم الثاني من أسمائه الشريفة، وهو علم منقول من صفة أفضل التفضيل المنبئة عن الانتهاء إلى غاية ليس وراءها منتهى، فهو ﷺ -أحمد الحامدين لله تعالى، لما في " الصحيح " أنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله، هذا على أنّه بمعنى الفاعل، وقيل: (أحمد) بمعنى المفعول أي أنه ﷺ أحق الناس بالثناء والحمد. قال: " وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر "، يعني يزيله من الأرض "وأنا الحاشر

стр. 1443

٨١٤ - " بَابُ خاتمَ النَّبِيِّينَ ﷺ - " ٩٤٣ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مَثَلِي ومَثَلَ الأنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ ــ الذي يحشر الناس على قدمي" أي يحشر الناس أمامي، ويجتمعون إلي يوم القيامة، وقال الخطابي: القدم (١) ها هنا الدين، بمعنى أن زمن دينه آخر الأزمنة، وعليه تقوم الساعة " وأنا العاقب " يعني آخر الأنبياء، وخاتم المرسلين. الحديث: أخرجه الشيخان، و" الموطأ ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن هذه الخمسة هي أشهر أسمائه ﷺ ، وإن كان له أسماء غيرها. قال ابن القيم: وأسماؤه ﷺ كما سماه الله تعالى: أعلام دالة على أوصاف مدح، فلا تضادد فيها العملية الوصفية فمحمد صفة في حقه، وإن كان علماً محضاً في حق غيره. اهـ. وقد دل بعض هذه الأسماء على أن دين الإِسلام هو الدين الغالب المهيمن على جميع الأديان، الناسخ لشرائعها بشرائعه ولأحكامها بأحكامه، وأنه الدين الخالد الباقي إلى يوم القيامة، فالحديث هو مصداق قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) الخ. والمطابقة: في كون هذا الحديث يشتمل على أسماء النبي ﷺ . ٨١٤ - " باب خاتم النبيين " قال الحافظ أن المراد بالخاتم في أسمائه أنه خاتم النبيين، ولمح بما وقع في القرآن - يعني أشار إلى قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ).

стр. 1444

رَجُل بَنَى بَيْتاً فأحْسَنَهُ وَأجمَلَهُ إلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ من زَاوِية، فَجَعَلَ الناسُ يَطُوفُونَ بهِ، ويَعْجَبونَ لَهُ، ويقولُونَ: هَلَّا وُضعتْ هذِهِ اللَّبِنَّةُ، قَالَ: فَأنا اللبِنَةَ وأنا خَاتَم النَّبِيِّين". ــ ٩٤٣ - معنى الحديث: كما قال في " شرح صفوة البخاري " (١) أن النبي ﷺ شبه حال الأنبياء وتتابعهم لِإصلاح البشر واحداً بعد واحد، حتى تكوَّنَ مما جاءوا به مجموعة إرشادات وتعاليم نافعة، وما شعر به الناس قبل مبعثه من الحاجة إلى مكمل لهذه المجموعة، متمم لمقاصدها بحال بيت وضعت فيه لبنة على لبنة حتى أوشك على التمام وهو معنى قوله ﷺ : " إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وجمّله إلاّ موضع لبنة من زاوية " أي ولم يبق من ذلك البيت سوى لبنة واحدة بقي موضعها فارغاً " فجعل الناس يطوفون بالبيت " أي يدورون حول جدرانه " ويعجبون له " أي يستحسنونه، ويمدحونه، ويعجبهم بناؤه، وحسن منظره، " ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة " وهلّا هنا للتحضيض، والمعنى: ولكننا نحضك ونحثك على وضع هذه اللبنة التي لا يزال مكانها خالياً ليصبح هذا البناء في غاية الكمال والجمال، كما في رواية أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ فيقولون: " ألا وضعت هذه هنا لبنة فيتم بنيانك " أخرجه أحمد وفي رواية " أكمل موضع اللبنة " قال ﷺ : " فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين " أي فهو ﷺ بالنسبة إلى الأنبياء السابقين كاللبنة المتممة لذلك البناء، لأن به ﷺ كمال الشرائع (٢) السابقة، وليس معنى هذا أن الأديان السابقة كانت ناقصة وإنما المراد أنه وإن كانت كل شريعة كاملة بالنسبة إلى عصرها إلاّ أن الشريعة المحمدية هي الشريعة الأكمل والأتم ومعنى كونه ﷺ

стр. 1445

٨١٥ - بَابُ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ - " ــ " خاتم النبيين " أنها لا تحدث نبوة في أحد من البشر بعد ظهوره ﷺ وتحليه بها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن شريعة الإسلام هي أكمل الشرائع، لأن الله تعالى قد شرع فيها من الأحكام ما لم يكن موجوداً في الشرائع السابقة، ووضع فيها من التشريعات ما يتلاءم مع حاجة الناس ومصلحة البشر منذ بعثة النبي ﷺ إلى قيام الساعة، في حين أن الشرائع السابقة وإن كانت ملائمة لعصرها، إلاّ أنها غير ملائمة للبشرية في العصور الأخرى، بخلاف دين الإِسلام فإنه الدين المتكامل الذي اشتمل على جميع الأحكام في العبادات والمعاملات والجنايات والأحوال الشخصية والشؤون القضائية والسياسية والعسكرية، ولهذا أوجب الله على أهل الأديان السابقة جميعاً اعتناق هذا الدين، وأخذ عليهم الميثاق باتباع محمد ﷺ عند ظهوره، وبين ﷺ أنه لا دين إلاّ دينه، ولا شريعة إلاّ شريعته حيث قال ﷺ : " لو كان موسى حياً ما وسعه إلاّ اتباعي ". ثانياً: أن نبينا ﷺ هو خاتم النبيين، فلا يمكن أن يظهر نبي بعده ﷺ أو تحدث نبوة لأحد من البشر بعد (١) تحليه بها، ولا ينافي ذلك ظهور عيسى في آخر الزمان، لأنه كان نبياً قبل أن يظهر محمد ﷺ ، ثم إنه حين ينزل يتعبد بشريعة الإِسلام التي نسخت كل الشرائع. مطابقة الحديث للترجمة: في قوله ﷺ : " وأنا خاتم النبيين " الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. ٨١٥ - " باب صفة النبي ﷺ " أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على صفاته الجسمية والأخلاقية وغيرها.

стр. 1446

٩٤٤ - عَن أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ النبِيُّ ﷺ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ، لَيْس بالطَّوِيلِ، ولا بالقَصِيرِ، أزهَرَ اللَّونِ، لَيس بأبيَضَ أمْهَقَ ولا آدَمَ، لَيْس بِجَعْدٍ قَطِطِ، ولا سَبْطٍ رَجِلٍ، أُنْزِلَ عَلَيْهِ وهُوَ ابْنُ أرْبَعِينَ، فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، وبالمَدِينَةِ عَشْر سِنينَ، وقُبِضَ وليس في رَأسِهِ ولِحْيَتهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ". ــ ٩٤٤ - معنى الحديث: أن أنساً ﵁ يحدثنا عن بعض صفات نبينا ﷺ الجسمية، فيقول: " كان النبي ﷺ ربعة من القوم " بسكون الباء وقد تفتح أي مربوع القامة، متوسط الطول بين الطويل المفرط في الطول، والقصير الشديد القِصر، أما لون بشرته فقد كان " أزهر اللون " أي أبيض مشرباً بحمرة " ليس بأبيض أمهق " أي لم يكن خالص البياض كلون الجير " ولا آدم. " أي ولا أسمر اللون. أما شعره فإنه كان " ليس بجعد قطط " بفتح الطاء أي ليس شعره خشناً شديد الخشونة كشعر الحبشة " ولا سَبط " بفتح السين وكسر الباء أي ولا ناعم الشعر شديد النعومة " رَجلٌ " قال الحافظ: رجل بكسر الجيم، ومنهم من يسكنها، وهو مرفوع على الاستئناف، أي هو رَجل يعني منسرح الشعر، والمعنى، أن شعره ﷺ لم يكن ناعماً شديد النعومة كشعور الأعاجم ولا خشناً شديد الخشونة كشعر الأحباش، وإنما هو مسترسل فيه بعض التكسر، ثم قال: " أنزل عليه، وهو ابن أربعين، فلبث بمكة عشر سنين "، والصحيح أنه مكث بمكة ثلاثة عشر عاماً. " وبالمدينه عشر سنين وقبض، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء " وفي رواية عن أنس ﵁ " ولم يبلغ ما في لحيته من الشيب عشرين شعرة " أخرجه ابن سعد بإسناد صحيح. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي و" الموطأ ".

стр. 1447

٩٤٥ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بُعِثْتُ من خَيْرِ قُرُونِ بَني آدَمَ قرْناً فقرْناً، حتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الذي كُنْتُ فِيهِ". ٩٤٦ - عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسدُلُ شَعْرَهُ، وكَانَ المُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُؤسَهُمْ، وَكَانَ أهْلُ الكِتَابِ يَسْدُلُونَ رُؤسَهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أهلِ، الكِتَابِ فيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيءٍ، ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأسَهُ ". ــ ٩٤٥ - معنى الحديث: أن الله اختار نبيه ﷺ من خير طبقات البشر طبقة بعد طبقة، فكان ﷺ ينتقل من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة، حتى ظهر أخيراً من البيت الهاشمي أشرف بيوتات العرب، وأعرقها نسباً، وأعلاها منزلة في جزيرة العرب كلها. الحديث: أخرجه البخاري. ٩٤٦ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة كان في أوّل هجرته " يسدل شعره " بفتح الياء وسكون السين وكسر الدال وضمها أى يرخي شعر ناصيته ويرسله على جبهته، ويتركه مجتمعاً دون أن يفرقه: وكان المشركون " يفرقون رؤوسهم " بضم الراء وكسرها أي يلقون شعر رأسهم إلى جانبيه ولا يتركون منه شيئاً على جبهتهم كما أفاده العيني. " فكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم " أي يرسلون شعر رؤوسهم على جبهتهم " وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء " هذا تعليل وبيان للسبب الذي من أجله سدل رسول الله ﷺ شعره عند أول هجرته إلى المدينة، أي إنما سدَل رسول الله شعره في ذلك الوقت موافقة لأهل الكتاب، لأنه ﷺ كان

стр. 1448

٩٤٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: لَمْ يَكنْ رَسول اللهِ ﷺ فَاحِشَاً ولا مُتَفَحِّشَاً، وَكَانَ يَقولُ: " إِنَّ مِنْ خِيَارِكمْ أحسَنَكمْ أخْلاقاً ". ــ يحب موافقتهم في الأعمال التي لم يؤمر بضدها، وهو معنى قوله: " وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء " قال الحافظ: أي فيما لم يخالف شرعَهُ، لأن أهل الكتاب في زمانه كانوا متمسكين ببقايا من شرائع الرسل، فكانت موافقتهم أحب إليه من موافقة عباد الأوثان قال: " ثم فرّق رسول الله ﷺ " أي ثم لما أسلمت قريش وغيرها من قبائل العرب، أحب النبي ﷺ مخالفة أهل الكتاب - كما قال الحافظ. فألقى شعر رأسه على جانبيه ورفعه عن جبهته. الحديث: أخرجه الستة. ٩٤٧ - معنى الحديث: أن ابن عمرو ﵄ يصف لنا أدب رسول الله ﷺ في حديثه، وكيف كان مهذباً في كلامه مع الناس فيقول: " لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً " أي لا يصدر منه الكلام القبيح طبعاً ولا تطبعاً ومجاراة لغيره، فلا يستفزه السفهاء فيجاريهم في سفههم، لأنه أملك الناس لغرائزه وانفعالاته النفسية، فإذا تجرأ عليه سفيه بالشتيمة لا يرد عليه بمثلها امتثالاً لأمر ربه الذي أدّبه بقوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) قال: " وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً " أي من أهل المؤمنين إيماناً أكثرهم تمسكاً بفضائل الأخلاق ومحاسن الشيم، قال الحافظ. وأفضل مكارم الأخلاق بشاشة الوجه، وكف الأذى، وبذل الندى، فهذه هي أمهات الفضائل. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.

стр. 1449

٩٤٨ - عن أنس ﵁ قَالَ: " مَا مَسِسْتُ حَرِيراً ولا دِيبَاجاً ألْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبِيِّ ﷺ ولا شَمِمْتُ رِيحاً أو عَرْفاً قَطُّ أطْيَبَ مِنْ رِيحِ أو عَرْفِ النَّبِيِّ ﷺ ". ٩٤٩ - وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: " مَا عَابَ النبي ﷺ طَعَاماً قَطُّ، إِنْ اشْتَهَاهُ أكَلَهُ، وِإلَّا تَرَكَهُ ". ــ ٩٤٨ - معنى الحديث: أن أنساً ﵁ يصف لنا نعومة بشرته ﷺ وطيب رائحته ﷺ فيقول: " ما مسست حريراً ولا ديباجاً " بكسر السين الأولى، ويجوز فتحها " ألين من كف النبي ﷺ " أي ما لمست من الأشياء الناعمة حريراً أو ديباجاً، أو غيرها مما يضرب به المثل في الرقة والنعومة شيئاً أرق ولا أنعم من كف النبي ﷺ ونعومة بشرتها. ولا يتعارض ذلك مع حديث هند ابن أبي هالة أنه ﷺ كان شثن الكفين والقدمين، أي غليظهما في خشونة الذي أخرجه الترمذي فإن المراد بحديث الباب، كما قال الحافظ: اللين، في الجلد، وبحديث الترمذي الغلظ في العظام، ثم قال: " ولا شممت ريحاً أو عرفاً " بفتح العين (١) ومعناه ريحاً أيضاً " أطيب من ريح أو عرف النبي ﷺ " أي ولا شممت رائحة زكية أجمل من رائحته ﷺ وفي رواية عن أنس: ما شممت عنبراً قط ولا مسكاً ولا شيئاً أطيب من ريح رسول الله ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان. ٩٤٩ - معنى الحديث: أن أبا هريرة ﵁ يصف لنا كيف كان رسول الله ﷺ يقدر نعمة الله تعالى فيقول: " ما عاب النبي ﷺ طعاماً قط " أي أنه ﷺ لم يذم طول حياته أي طعام من الأطعمة المباحة، سواء كان من الأطعمة الفاخرة أو الأطعمة البسيطة، وسواء أحبته نفسه أو لا، لأن الطعام

стр. 1450

٩٥٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: " أنَّ النبي ﷺ كانَ يحَدِّث حَدِيثاً لَوْ عَدَّة الْعَادُّ لأحْصَاهُ ". ٩٥١ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: " إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَكنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكمْ ". ــ نعمة من نعم الله يجب تقديرها، وشكر الله تعالى عليها " إن اشتهاه أكله وإلّا تركه " دون أن يعيب فيه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. ٩٥٠ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ : كان إذا تكلم تكلم كلاماً واضحاً. بيناً مفصلاً لفظاً لفظاً، وكلمة كلمة، بحيث لو أراد المستمع إليه أن يعد كلماته كلمة كلمة لفعل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي بألفاظ. ٩٥١ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يتأنى ويتمهل في كلامه، فلا يسرع في النطق بالكلمات ليتمكن السامع من فهمه واستيعابه لأن الإسراع في الحديث يؤدي إلى خفاء معانيه، وهو معنى قول عائشة ﵂: " لم يكن يسرد كسردكم "، قال العيني: أي لم يكن ﷺ يتابع الحديث استعجالاً، لئلا يلتبس على المستمع. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. فقه أحاديث الباب: دلت هذه الأحاديث على ما يأتي: أولاً: أنها بينت لنا صفات النبي ﷺ البدنية والخلقية فمن هذه الصفات ما يتعلق بجسمه وصورته الظاهرة، من لون وبشرة وشعر وقامة إلى غير ذلك، وكلها قد بلغت غاية الكمال والجمال باتفاق المؤرخين والمحدثين. فقد كان ﷺ مربوع القامة أبيض اللون، مشرباً بحمرة، ليس بالأشقر الخالص البياض كلون الجير، ولا بأسمر اللون، ورد في بعض الروايات وصفه بالسمرة وجمع الخطابي بين حديثي السمرة والبياض بأن السمرة فيما برز للشمس من جسمه الشريف والبياض فيما تواريه الثياب، ويؤيده ما جاء في رواية ابن أبي هالة ﵁ أنه قال: "كان

стр. 1451

أنور التجرد" وقال ابن حجر الهيتمي: الأولى حمل السمرة على الحمرة التي تخالط البياض، والعرب تطلق على من كان كذلك أنه أسمر لأن الحمرة إذا اشتدت حكت السمرة وشابهتها، أي أنه ﷺ " كان أبيض مشرباً بحمرة حتى أنه لشدة حمرته يخيّل للناظر إليه أنّه أسمر اللون " والله أعلم. أما بقية صفاته الجسمية: فقد كان شعره ﷺ أسود مسترسلاً ليس بشديد النعومة كشعور الأعاجم، ولا بالشديد الخشونة كشعور الأحباش، وإنما كان مسترسلاً فيه بعض التثني والتكسر، وتلك هي سمات الشَّعرِ العربي. وكان ناعم البشرة ذكي الرائحة كما قال أنس ﵁ في وصفه: ما شممت عنبراً قط ولا مسكاً ولا شيئاً أطيب من ريح رسول الله ﷺ وليست هذه الرائحة الشذية صادرة عن الطيب الذي يتطيب به، وإنما هي رائحته الذاتية المنبعثة من جسده الشريف ﷺ كما أفاده الشهاب الخفاجي. أما بقية صفاته التي لم تذكر في أحاديث الباب، أو في الأحاديث التي سقناها فهي أنه ﷺ كان مشرق الصورة، مستدير الوجه في إشراقة البدر واستدارة القمر، وكان كما في حديث كعب: " إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر " وكان كما وصفه ابن أبي هالة: " يتلألأ تلألؤ القمر ليلة البدر، وكان ﷺ واسع العينين شديد سواد الحدقة، أهدب الأجفان " أي كثير شعر الأجفان " أبلج الوجه " أي مشرق الوجه بالأنوار البهيّة " أزج الحاجبين (١)، كث اللحية. واسع الفم من غير إفراط " والعرب تتمدح بذلك، لدلالته على الفصاحة " يبلغ شعر رأسه شحمة أذنيه، ويتجاوزها إلى منكبيه " قال البراء بن عازب: " ما رأيت من ذي لمّة في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ " وكان ﷺ واسع الصدر عريض الظهر، غليظ الكتفين، بين كتفيه خاتم النبوة وهو غدة حمراء مثل بيضة النعامة، كما كان ﷺ رحب الكفين، واسع القدمين ". " وكان ﷺ إذا افترّ ضاحكاً افترّ عن مثل سنا البرق، وعن مثل حب الغمام (٢)، وإذا تكلم رئي كالنور يخرج من ثناياه " أما صفاته الخلقية

стр. 1452

فقد جمع الله فيه كل مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، إذ كان ﷺ المثل الأعلى في سلوكه الخلقي قولاً وفعلاً، فلا يصدر منه القول القبيح طبيعة ولا تطبعاً لأنّه ﷺ حليم النفس، يحافظ على مشاعر غيره، حتى لو أساء إليه فلا يواجه إنساناً بما يكره وكان ﷺ مهذباً في معاملته للناس، متواضعاً لين الجانب، رقيق المشاعر، مرهف الإِحساس، يحسن إلى الناس، ويتودد إليهم، ويعود مرضاهم، ويشيع جنائزهم، يعطي ولا يبخل بالعطاء، ولا يرد سائلاً، أما أدبه في الحديث: فقد كان بليغ المنطق، فصيح الكلام واضح البيان، إذا نطق تأنى في نطقه وأتى بكلامه بيناً مفصلاً جملة جملة، وكلمة كلمة، وحرفاً حرفاً يفهمه السامع ويعيه وهذا من فصاحته وحرصه على إفهام الخاطب وقد نزه الله منطقه ﷺ عن التمتمة (١) والفأفأة (٢) والتنطع (٣) والتمطق (٤) والتفيهق (٥) وجعله جارياً على السليقة العربية الأصيلة (٦) - لا تصنع فيه ولا تكلف. أما نسبه فهو من أشرف الأنساب، وأكرم بيوتات العرب، صانه الله من سفاح الجاهلية، ونقله من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة جيلاً بعد جيل، فاصطفي من ولد إسماعيل كنانة، ومن كنانة قريش، ومن قريش بني هاشم فهو ﷺ خيار من خيار من خيار. ثانياًً: أن في هذه الأحاديث من الأحكام جواز فرق شعر الرأس وسدله إلاّ أن الفرق أفضل، لأنه آخر الأمرين من فعله ﷺ فهو سنة مستحبة لما في رواية ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس ﵄ قال: سدل رسول الله ﷺ ناصيته ما شاء الله، ثم فرق بعد ذلك، فكان الفرق

стр. 1453

٨١٦ - " بَابُ علامات النبوة " ٩٥٢ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ يَقُولُ: " هَلَاكُ أُمَّتِي علي يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْش " فَقَالَ مَرْوَانُ: غِلْمةٌ!! فَقَالَ أبو هُرَيْرَةَ: " إِنْ شِئْتَ أنْ أسَمِّيَهُمْ بَنِي فُلانٍ وبَنِي فُلانٍ ". ــ آخر الأمرين حين أسلم غالب الوثنيين وغلبت الشقوة على اليهود، ولم ينفع فيهم الاستئلاف فخالفهم، وأمر بمخالفتهم في أمور كثيرة " قال الزرقاني (١): " والصحيح جواز الفرق والسدل، لكن الفرق أفضل لأنه الذي رجع إليه ﷺ لكن لا وجوب (٢) لأن من الصحابة من سدل بعده، فلو كان الفرق واجباً ما سدلوا قال مالك: فرق الرأس أحب إلي. والمطابقة: في كون هذه الأحاديث مبينة لصفات النبي ﷺ . ٨١٦ - " باب علامات النبوة " العلامات جمع علامة، والعلامة والمعجزة كلاهما أمر خارق للعادة، يدل على ثبوت النبوة، وصدق الرسالة، إلاّ أن المعجزة لا تأتي إلاّ في مقام التحدي، أما العلامة فلا يشترط فيها ذلك بل هي أعم، ولما كانت الخوارق المذكورة في هذا الباب ليست كلها للتحدي عبر عنها بالعلامات حتى تشملها جميعاً لعمومها. ٩٥٢ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ يحدثنا عن فتية من شباب قريش يتولون أمر هذه الأمة، ويصلون إلى الملك والسلطان عنوة واقتداراً، فيظلمون ويتجبرون، ويحاربون أصحاب رسول الله ﷺ ويسفكون دماءهم، ويهلكون

стр. 1454

الكثير منهم في حروبهم الدامية وقد روى أبو هريرة ﵁ هذا الحديث على مسمعٍ من مروان بن الحكم " فقال مروان " وكأنه لم يفهم ما عناه النبي ﷺ بحديثه هذا " غلمة " قال الكرماني: فعجب مروان من وقوع ذلك من غلمةٍ " فقال أبو هريرة إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان " أي إن أردت أن أذكر لك أسماءهم الصريحة وأسماء آبائهم، فعلت. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: إخباره ﷺ عن هلاك كثير من الصحابة وآل بيته الأطهار في المعارك الدامية التي قام بها ضدهم الملوك الجبابرة من شباب قريش وعلى رأسهم يزيد بن معاوية الذي وقعت في عصره وقعة الحرّة واستباحة المدينة. ثانياًً: أن إخباره ﷺ عن هذه المآسي الدامية من علامات نبوته كما ترجم له البخاري، فقد أوحى تعالى بها إليه قبل وقوعها يقظة أو مناماً، وقد قتل في وقعة الحرة أكثر من سبعمائة (١) من وجوه قريش كما قتل من عامة الناس رجال ونساء أكثر من عشرة آلاف، وسبوا الذرية، واستباحوا الفروج، وأمروا بقتل كل من لم يبايع يزيداً، ودخلت طائفة بيت أبي سعيد الخدري فأخذوا ما فيه من المتاع، ولم يتعرضوا لعلي بن الحسين، لأن يزيد أوصاهم به، وفي " الموطأ " لتتركن المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخل الكلب أو الذئب فيقذي على بعض سوارى المسجد - أي يبول عليها، قال القاضي عياض، هذا قد جرى فإنها تركت أحسن ما كانت من حيث الدين والدنيا، وذكر الأخباريون أنه رحل عنها أكثر أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي، وخلت مدة، ثم تراجعوا (٢) قال السمهودي: فالظاهر أن ما ذكره القاضي عياض هو الترك الأوّل وسببه كائنة (٣) الحرة، كما في حديث أبي هريرة. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: "هلاك أمتي على يدي غلمة

стр. 1455

٩٥٣ - عن خَبَّابِ بْنَ الأرَت من حديثٍ طَوِيل: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِيهِ: " وَاللهِ ليتمَّنَّ هذَا الأمْرَ حتى يَسِيرَ الرَّاكِب من صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إِلَّا اللهَ ، أو الذِّئْبَ على غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ". ٩٥٤ - عَنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: أَخرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْم الْحَسنَ فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: ــ من قريش " فإن إخباره بذلك من علامات نبوته. ٩٥٣ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " والله ليتمن الله هذا الأمر " المقصود بهذا الأمر الإِسلام حيث يمكنه الله في الأرض " حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاّ الله والذئب " أي والله ليكملن الله سلطان هذا الدين بنصره وإظهاره على الدين كله، وتقوية شوكته وبسط نفوذه فتطبق أحكامه، فينتشر الأمن والأمان في الأرض ببركة تطبيق الشريعة، حتى يسير الراكب هذه المسافة البعيدة الموحشة آمناً مطمئناً لا يخشى لصاً، ولا يخاف قاطع طريق. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: هذه البشارة العظيمة باستتباب الأمن والأمان، كنتيجة حتمية لظهور الإِسلام، والحكم بما أنزله الله، ْوقد تحقق ذلك في آخر عهد الرسول ﷺ وصاحبيه، ثم في بعض الدول الإسلامية التي نفّذت فيها حدود الله. ثانياً: أن هذه البشارة من علامات نبوته ﷺ . والمطابقة: في قوله: " ليتمن الله هذا الأمر ". ٩٥٤ - معنى الحديث: يقول أبو بكرة ﵁ " أخرج النبي ﷺ ذات يوم الحسن " أي أخرجه معه إلى المسجد وهو غلام صغير "فصعد

стр. 1456

" ابْنِي هَذَا سَيّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أنْ يُصْلِحَ بِهِ بيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ". ٩٥٥ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : " هَلْ لَكُمْ مِنْ أنْمَاطٍ " قُلْتُ: وأنَّى يَكُونُ لَنَا الأنْمَاطُ؟ قَالَ: " أمَا إِنَّهُ سَيَكُونُ لَكُمْ الأنْمَاطُ " فأنَا أقُولُ لَهَا يَعْنِي ــ به على المنبر" أي على منبر مسجده الشريف " فقال: ابني هذا سيد " أي كريم الأصل، شريف النسب، ينتمى إلى أشرف بيت وجد على وجه الأرض. قال ابن تيمية: وأفضل أهل بيته عليٌ وفاطمة والحسن والحسين الذي أدار ﷺ عليهم الكساء، وخصهم بالدعاء (١) " ولعل الله أن يصلح به بين فئتين " أي طائفتين متخاصمتين " من المسلمين " فيجمع الله به بين الطائفتين خاصة، ويلتئم بذلك شمل المسلمين عامة. فقه الحديث: لا شك أن في هذا الحديث الشريف علامة من علامات نبوته ﷺ حيث أخبر فيه ﷺ على ما يقوم به هذا السيد الكريم، الحسن بن علي ﵄ من جمع كلمة المسلمين، والإِصلاح بينهم، ورفع النزاع بين الطائفتين بتنازله عن الخلافة لمعاوية، مما أدى إلى التئام الشمل، وحقن الدماء. والمطابقة: كما قال العيني من حيث إنه أخبر بأن الحسن ﵁ يصلح الله به بين الفئتين من المسلمين، وقد وقع مثل ما أخبر، فإنه ترك الخلافة لمعاوية، وارتفع النزاع بين الطائفتين. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجه. ٩٥٥ - معنى الحديث: يحدثنا جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال لهم يوماً: " هل لكم من أنماط " (٢) أي هل يوجد لديكم في منزلكم هذا الذي

стр. 1457

امرأتَهُ: أخِّرِي عَنَّا أنمَاطَكِ، فَتَقُولُ: ألَمْ يَقُلْ النَّبِي ﷺ : " إِنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمْ الأنْمَاطُ " فَأدَعُهَا. ٩٥٦ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رَأيْتُ النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ في صَعِيدٍ، فَقَامَ ــ سكنتموه بعد زواجكم شيء من الأنماط أي البسط الفخمة، وهل أثثتموه بالفرش الفاخرة وهو ﷺ يعلم أنه لا يوجد لديه شيء من ذلك، وإنما أراد بسؤاله هذّا أن يمهد لما سيخبرهم به من الأمور التي تقع في المستقبل قال ﵁: " قلت: وأنى يكون لنا الأنماط؟ " أي من أين يكون لنا الأنماط وهي بعيدة عنا كل البعد؟ فكيف نقتنيها ونحن لا نملك من النقود ما نشتري به الطعام فضلاً عن أن نشتريها " قال ": الصادق المصدوق: " أما إنه سيكون لكم الأنماط " أي لا تستبعد ما سألتك عنه، فعن قريب من الزمن تمتلكون الفرش الفاخرة، وتزينون بها قصوركم، حيث تكثر الفتوحات والغنائم، قال جابر: " فأنا أقول لها: أميطي عني أنماطك " أي أبعديها عني " فتقول: ألم يقل النبي ﷺ : إنها ستكون لكم الأنماط " فأدعها لأنها من النعم واللذات المباحة التي أخبرنا عنها ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. فقه الحديث: في الحديث علامة من علامات النبوة حيث أخبر ﷺ عن اقتناء أصحابه لهذه البسط الغالية في المستقبل. والمطابقة: في قوله: " أما إنه ستكون لكم الأنماط ". ٩٥٦ - معنى الحديث: يحدثنا النبي ﷺ في هذا الحديث عن رؤيا رآها في منامه تتعلق بالصاحبين أبي بكر وعمر ﵄، ورؤياه ﷺ كلها حق، يقول ﷺ في حديثه عن هذه الرؤيا: " رأيت الناس " في منامي

стр. 1458

أبو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوباً أو ذَنُوبَيْنِ، وَفِى بَعْض نَزْعِهِ ضَعْفٌ، واللهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثم أخَذَهَا عُمَرُ، فاسْتَحَالَتْ بِيَدِهِ غَرْباً، فلم أر عَبْقَرِيَّاً في النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ، حتى ضَرَبَ النَّاسُ بعَطنِ". ــ " مجتمعين في صعيد واحد " أي في أرض واسعة " فقام أبو بكر فنزع ذنوباً أو ذنوبين " أي فلما اجتمعوا واحتاجوا إلى الماء، قام أبو بكر ليخرجه لهم، فأخرج دلواً أو دلوين، وفي رواية: " رأيتني على قليب " أي على بئر، فنزعت منها ما شاء الله إذ جاء أبو بكر وعمر، فأخذ أبو بكر الدلو ليريحني، فنزع ذنوباً أو ذنوبين، الخ الحديث " وفي نزعه ضعف " يعني فكان الماء الذي أخرجه الصديق قليلاً، وهو إشارة إلى قصر مدته وعدم تفرغه لفتح الأمصار بسبب اشتغاله بقتال أهل الردة " يغفر الله له " وليس معناه أن الصديق ارتكب ذنباً، ولكنها كلمة شائعة في استعمالات العرب يرون (١) في بعض الكلام لزومها، ولا يرون ملزومها، ويأتون بها إجلالاً للمخاطب، وإكراماً لحرمته، كقولك: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، ومنه قوله تعالى لنبيه ﷺ : (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) قال: " ثم أخذها عمر فاستحالت بيده غرباً " أي ثم أخذ عمر ذلك الدلو فانقلبت في يده دلواً عظيمة وفي هذا إشارة إلى طول مدة خلافته، وكثرة فتوحاته، لأن الذنوب التي استحالت غرباً هي كناية عن خلافته كما أفاده العيني " فلم أر عبقرياً في الناس يفري فريه " قال العيني: العبقري الحاذق (٢) في عمله، وهذا عبقري في قومه أي سيدهم والمعنى: فلم أر في الناس سيداً عظيماً، ورجلاً قوياً وإنساناً حاذقاً يعمل عمله " حتى ضرب الناس بعطن " بفتح العين والطاء وهو مبرك الإِبل حول الماء، أي ما زال يخرج للناس الماء حتى

стр. 1459

نصب الناس خيامهم، وأقاموا إبلهم حول الماء، قال ابن الانباري (١): وقد ضرب النبي ﷺ ذلك مثلاً (٢) لاتساع الناس زمن الفاروق، وما فتح عليهم من الأمصار والغنائم. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل الصديق ﵁، وقيامه بالخلافة على الوجه الأكمل، لقوله ﷺ فقام أبو بكر فنزع، ويؤكد ذلك ما جاء في الرواية الأخرى حيث قال: " فأخذ أبو بكر الدلو ليريحني " فإن ذلك يدل على أن سياسته الرشيدة كانت مرضية مريحة، وكذلك قوله ﷺ : " فنزع ذنوباً " فإنه يدل على أنه ﵁ قام بخدمة هذه الأمة، وهيأ لها كل مقومات الحياة التي تتعلق بالدين والدنيا معاً، لأن الماء هو العنصر الأساسي للحياة. ثانياً: أن مدة خلافة الصديق ﵁ قصيرة، كما يشير إليه قوله ﷺ : " فنزع ذنوباً أو ذنوبين " وأن مدة الفاروق طويلة بعض الشيء، كما يشير إليه قوله ﷺ : " فاستحالت بيده غرباً ". ثالثاً: عبقرية الفاروق ﵁ وتفوقه على غيره، وقدرته على الأعمال العظيمة التي يعجز عنها سواه، كما قال ﷺ : " فلم أر عبقرياً يفري فريه ". رابعاً: أن إخباره ﷺ عن حال الخليفتين من بعده علامة من علامات نبوته وهو ما ترجم له البخاري. والمطابقة: في إخباره ﷺ عن هذه الغيبيات التي وقعت بعده. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. ...

стр. 1460

٨١٧ - " بَابُ سؤَالِ الْمُشركِينَ أن يُرِيَهُمُ النبي ﷺ آيَةً فأرَاهُمْ انشِقَاقَ الْقَمَرِ " ٩٥٧ - عن عبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شِقَّتَيْنِ فَقَالَ النبي ﷺ : " اشْهَدُوا ". ــ ٨١٧ - " باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر " ٩٥٧ - معنى الحديث: أن القمر انشق في زمنه ﷺ ، فكان نصفين، نصفاً من وراء حراء، ونصفاً أمامه، ليكون معجزة له ﷺ على صدق نبوته، لأن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ كما في حديث أنس أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر، أخرجه البخاري، فلما وقع ذلك " قال النبي ﷺ : اشهدوا " أي انظروا ماذا حدث، لأنها معجزة عظيمة (١) لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من أعظم المعجزات المادية الكونية التي وقعت للنبي ﷺ هي معجزة انشقاق القمر التي حدثت للنبي ﷺ بمكة قبل الهجرة، والتي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) وسببها أن كفار قريش سألوا النبي ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر كما قال البخاري فلما حدث ذلك قالوا: هذا سحر ابن أبي كبشة، فانظروا ما يأتيكم السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق وإلّا فهو سحر،

стр. 1461

٨١٨ - " بَاب " ٩٥٨ - عن عُرْوَةَ الْبَارِقي ﵁: " أنَّ النبي ﷺ أعْطَاهُ دِيناراً يَشْتَرِي بِهِ شَاةً، فاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَين، فباعَ إِحْدَاهُمَا بدِينَار، وجاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ في بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى الترابَ لَرَبِحَ فِيهِ ". ــ فقدم السفار، فسألوهم، فقالوا: رأيناه قد انشق. أخرجه البيهقي. والمطابقة: في قوله: " انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ " لأن هذا من علامات النبوة. ٨١٨ - " باب " (١) ٩٥٨ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ رأى جلباً من الغنم كما في الرواية الأخرى، فأعطى عروة البارقي ديناراً وقال: " ائت لنا الجلب، فاشتر لنا شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة " يعني فكسب النبي ﷺ ديناراً " فدعا له بالبركة بيعه " فقال: " اللهم بارك له في صفقة يمينه "، كما في رواية أخرى " فكان لو اشترى التراب لربح فيه " ببركة دعاء النبي ﷺ له. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: معجزة النبي ﷺ الظاهرة التي تتجلى في استجابة دعائه ﷺ لهذا الصحابي الجليل الذي أصبح محظوظاً في التجارة بفضل هذا الدعاء النبوي المبارك، حتى أنه قال: " لقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفاً قبل أن أصل إلى أهلي. ثانياًً: جواز بيع الفضولي، لأن عروة كان وكيلاً في الشراء لا في البيع. وهو مذهب أبي حنيفة

стр. 1462

٨١٩ - " بَاب في فضائِلِ أصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ - " ــ ومالك وإسحاق والشافعي في قول. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قوله: " فكان لو اشترى التراب لربح فيه ". ٨١٩ - " باب في فضائل أصحاب النبي ﷺ " والفضائل كما قال العيني (١) هي الخصال الحميدة، والخلال الرضية التي ينال بها صاحبها شرفاً ورفعة، وعلو منزلة عند الله، أو عند الخلق، والعبرة في نظر الشرع بالأولى، فإذا قيل في لسان الشرع: هذا رجل فاضل، فمعناه أنّ له منزلة عند الله تعالى، وكل ما ذكره البخاري في هذا الباب من هذا النوع. والصحابي: كما عرفه البخاري: من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين وقول البخاري: (من المسلمين) هذا قيد يخرج به من صحب النبي ﷺ أو رآه من غير المسلمين ولو أسلم على المعتمد بعد موته. وزاد بعض أهل العلم قيداً آخر، وهو " ومات على ذلك " ليخرج المرتدون، فإنهم ليسوا أصحابه، والله أعلم. وفضائل الصحابة على نوعين: (أ) فضائل عامة تشملهم جميعاً، مثل امتيازهم بعد الأنبياء بالفضل على سائر الخلق كما قال ﷺ : " لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدَّ أحدكم ولا نصيفه " (ب) وفضائل خاصة ينفرد فيها بعضهم بصفة من الصفات الكريمة من فقه أو أمانة أو زهد أو كثرة رواية، كما لقب أبو عبيدة بأمين الأمة، أما ترتيب الصحابة ﵃ في الفضل، فقد قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن فضل الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور. قال ابن تيميّة: وأهل السنة يقرّون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من أن خير هذه الأمّة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلّثون بعثمان، ويربعون بعلي

стр. 1463

٩٥٩ - عن عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعود ﵁: أنَّ النبي ﷺ قَالَ: " خَيْرُ النَّاس قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهُمْ، ثم يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أحَدِهم يَمِينَهُ، وَيَمِينَهُ شَهَادَتَهُ ". ــ ﵃ كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة مع أن بعض أهل السنة قد اختلفوا في عثمان وعلي (١) ﵄ ". اهـ. فروي عن أبي حنيفة تقديم علي على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه على خلافه، وقال مالك في " المدونة ": لا يفضل (٢) أحدهما على الآخر، والذي عليه جمهور أهل السنة تقديم عثمان على علي ﵄، وفي سنن أبي داود عن ابن عمر قال: كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وفي رواية - للطبراني: " يسمع ذلك النبي ﷺ فلا ينكره " قال في " الطحاوية ": وحبهم دين، إيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. اهـ. ٩٥٩ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " خير الناس قرني " أي أن جيل النبي ﷺ وأهل زمانه من الصحابة الأبرار هم أفضل الأجيال، وخير الناس على الإِطلاق بعد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ثم يليهم في الفضل الذين أدركوا أصحاب رسول الله ﷺ من المسلمين، ثم يليهم في الفضل أتباع التابعين. قال ﷺ : " ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته " أي يحرصون على الشهادة ويروجونها بالأيمان الكاذبة فتارة يحلفون (٣)

стр. 1464

قبل أداء الشهادة، وتارة يشهدون ثم يحلفون لعدم مبالاتهم بالدين، الحديث أخرجه البخاري ومسلم. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: قال الحافظ: استدل بهذا الحديث على تعديل أهل القرون: الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهذا محمول على الغالب والأكثرية، فقد وجد فيمن بعد الصحابة من القرنين من وجدت فيه الصفات المذمومة، لكن بقلة. وقال القسطلاني: هذا صريح في أن الصحابة أفضل من التابعين، وأن التابعين أفضل من تابعي التابعين، وهذا مذهب الجمهور، وذهب ابن عبد البر إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان من جملة الصحابة، وقد روى أبو أمامة أنه ﷺ قال: " طوبى لمن رآني وآمن بي مرة، وطوبى سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي " قال القسطلاني: والحق ما عليه الجمهور، لأن الصحبة لا يعدلها شيء. ثانياً: استدل به بعض أهل العلم على أن من الصفات الذميمة المبادرة إلى الشهادة وترويجها بالأيمان دون حاجة أو ضرورة وفي رواية أخرى للبخاري قال فيها " ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون " قال النووي: وهذا مخالف في الظاهر للحديث الآخر، " خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل أن يسأل " والجمع بينهما إما بأن يحمل الذم على من بادر بالشهادة في حق من هو عالم بها قبل أن - يسألها صاحبها، ويكون المدح في قوله ﷺ : " خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل أن يسأل " لمن كانت عنده شهادة لأحد لا يعلم بها، فيخبره ليستشهد به عند القاضي، وهو قول الجمهور، أو يحمل الذم على الشهادة الباطلة التي هي شهادة الزور، أما المبادرة إلى الشهادة الصحيحة من أجل إظهار الحق، وإعانة المظلوم، ودفع الظلم عنه، فإنها عمل صالح يؤجر ويثاب عليه صاحبه، والأحاديث يفسّر بعضها بعضاً، ولهذا قال الصنعاني في حديث عمران ابن حصين الذي جاء فيه: " ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون " إما أنه محمول على شهادة الزور حكاه

стр. 1465

الترمذي عن بعض أهل العلم، أو المراد إتيانهم بالشهادة بلفظ الحلف نحو أشهد بالله ما كان إلاّ كذا، وهذا جواب الطحاوي. أو المراد به الشهادة بما سيكون من الأمور المستقبلة، فيشهد على قوم بأنهم من أهل الجنة من غير دليل، حكاه الخطابي، قال الصنعاني: والأول أحسنها. والمطابقة: في قوله: " خير القرون قرني ". ***

стр. 1466

" مَنَاقِبُ الْمُهَاجِرِينَ " ٨٢٠ - " بَابُ فضلِ أبِي بَكْرٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ - " ٩٦٠ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " كُنَّا نُخَير بَيْنَ النَّاس في زَمَانَ رَسُولَ اللهَ ﷺ ، فَنُخَير أبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ، ﵃ ". ــ ٨٢٠ - " باب فضل أبي بكر بعد النبي ﷺ " ٩٦٠ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ " أي كنا نفضل بعض الصحابة على بعض في زمن النبي ﷺ ، فنقول: فلان خيرٌ من فلان " فنخيِّرُ أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان " أي فنقول: أفضل الناس بعد النبي ﷺ أبو بكر، ويليه عمر، ويليه عثمان، وفي رواية: فيسمع رسول الله ﷺ ولا ينكره. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل أبي بكر الصديق على جميع الخلفاء، وعلى جميع الصحابة، بل على البشر جميعاً بعد الأنبياء، وهذا هو مذهب أهل السنة لقول ابن عمر: " فنخيّر أبا بكر ثم عمر " والنبي ﷺ يسمع ذلك فيقره، ولا ينكره، وإقراره ﷺ حجة شرعية، لأنه نوع من أنواع حديثه ﷺ وسننه، وعن ابن عمر ﵄، قال: " كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحداً " وعنه ﵁ أنه قال: " أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ أخرجه الترمذي قال أبو منصور البغدادي (١) من أكابر أئمة الشافعية: أجمع أهل السنة والجماعة على أن أفضل الصحابة أبو

стр. 1467

٨٢١ - " بَاب مَنَاقِبِ عمَرَ بْنِ الْخطَّابِ أبي حَفْصٍ القرَشِيِّ العَدَوَيِّ (١) " ٩٦١ - عن أبي هرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ من بَنِي إسْرَائِيلَ رِجَال يكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أن يَكونوا أنبِيَاءَ فَإِنْ يَكنْ من أمَّتِي مِنْهمْ أحَد فَعمَر ". ــ بكر فعمر فعثمان فعلي فبقية العشرة المبشرين بالجنة فأهل بدر، فيأتي أهل أحد، فيأتي أهل بيعة الرضوان بالحديبية، فيأتي بقية الصحابة ﵃. وقال القاري (٢): ولعله أراد بالإجماع إجماع أكثر أهل السنة والجماعة، لأن الاختلاف واقع بين علي وعثمان ﵃ عند بعض أهل السنة، والمطابقة: في قول ابن عمر ﵄: " فنخير أبا بكر ". ٨٢١ - " باب مناقب عمر بن الحطاب أبي حفص القرشي " ٩٦١ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " لقد كان فيمن قبلكم من بني اسرائيل رجال يكلمون "، أي قد وجد في الأمم السابقة رجال ملهمون تلقى في قلوبهم العلوم والمعارف الربانية، وتتكلم الملائكة على ألسنتهم بالحق والصواب، " من غير أن يكونوا أنبياء " أي مع كونهم ليسوا بأنبياء " فإن بك من أمتي أحد منهم فعمر " أى فإن عمر ﵁ هو من هؤلاء المكلمين الذين يلهمون الحق والصواب وتتكلم الملائكة على ألسنتهم، فقد جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري أنه قيل: يا رسول الله وكيف يحدث؟ قال: تتكلم الملائكة على لسانه، ومعنى ذلك أن تكلمه الملائكة في نفسه وإن لم ير مكلماً في الحقيقة فيرجع إلى الإِلهام " الصادق "، كما أفاده الحافظ. والنبي ﷺ لم يقصد

стр. 1468

بقوله: " فإن يك من أمتي أحد منهم فعمر " الشك والتردد في وجودهم، كما قال الحافظ (١): فإن أمته أفضل الأمم وإذا وجد ذلك في غيرهم من الأمم المفضولة، فوجوده فيهم وهم خير الأمم أولى وأحرى، وإنما أورد هذه الجملة مورد التأكيد لا الترديد كما يقول الرجل إن يكن في صديق فإنه فلان، يريد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الصداقة. الحديث: أخرجه الشيخان. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل عمر بن الخطاب ﵁، وكونه من أول الملهمين في هذه الأمة المحمدية كما قال ﷺ في حديث الباب: " فإن يك من أمتي أحد منهم فعمر " لأن الله ألهم قلبه الصواب، وأجراه على لسانه، كما في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه " أخرجه الترمذي وصححه، وكذلك رواه أحمد، ويؤيده ما جاء في الحديث عن عقبة بن عامر قال: قال النبي ﷺ : " لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب " أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب ورواه أيضاً أحمد في " مسنده " والحاكم في " مستدركه " والطبراني. ثانياً: أن الإِلهام موجود في البشر عامة، وفي هذه الأمة خاصة، قال الحافظ: إذا ثبت أن ذلك وجد في غيرهم فإمكان وجوده فيهم أولى. اهـ. ولا يختص الإِلهام بالأنبياء بل يكون لغيرهم، ولكن هناك فرق بين الأنبياء وغيرهم لأن إلهام الأنبياء وحي وتشريع إلهي، وحجة يستند إليها في الأحكام بخلاف إلهام غيرهم. والمطابقة: في قوله: " فإن يك من أمتي أحد منهم فعمر ". ...

стр. 1469

٨٢٢ - " بَابُ مَنَاقِبِ عُثمَانَ ﵁ " ٩٦٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّهُ جَاءَهُ رَجُل مِنْ أهْلِ مِصْرَ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: تَعْلَمُ أنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ " تَعْلَمُ أنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اللهُ أكبَرُ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنُ لَكَ، أمَّا فِرَارَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فأشْهَدُ أنَّ اللهَ عَفَا عَنْهُ، وَغَفَرَ لَهُ، وأمَّا تَغَيبهُ عَنْ بَدْرٍ، فَإنهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ ــ ٨٢٢ - " باب مناقب عثمان ﵁ " ٩٦٢ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر " أنه جاءه رجل من أهل مصر " المتعصبين ضد عثمان ﵁ وهو يزيد بن بشر جاء حاجاً، والتقى بعبد الله بن عمر ﵄، " فقال: هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد " أي فر من القتال في غزوة أحد، والفرار كبيرة من الكبائر " قال: نعم " فعل ذلك " قال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد " أي ولم يحضرها ففاتته تلك الغزوة الكبرى " قال: نعم " حدث ذلك " قال: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم " وقع ذلك منه. وعند ذلك " قال " السائل: " الله أكبر " أي كبَّر فرحاً وسروراً بهذا الجواب الذي ظفر به، لأنه ظن أنه أقام الحجة البالغة، والدليل القاطع على نقص عثمان وسوء عمله " قال ابن عمر: تعال أبين لك " أي: ليس في شيء مما ذكرت دليل واحدٌ على سوء عمل عثمان ولكن تعال أفسر لك هذه الأمور تفسيراً صحيحاً " أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له " وذلك في قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) فلا وجه للطعن فيه بعد عفو الله تعالى

стр. 1470

رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ لَكَ أجْرَ رَجُل مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً وَسَهْمَهُ، وأمَّا تَغَيبهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، فَلْو كَانَ أحَدٌ أعَزَّ بِبَطنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُثْمَانَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَان إلى مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بيَدِهِ الْيُمْنَى: هَذِهِ يَدُ عثمانَ، فَضَرَب بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ: هَذِهِ لِعُثْمَاَنَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: اذهَبْ بِهَا الآنَ مَعَكَ ". ــ عنه " وأما تغيبه عن بدر، فإنه كانت تحته بنت رسول الله وكانت مريضة " أي فإن عذره في تغيبه عن بدر أن زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ كانت مريضة أثناء ذلك، " فقال له رسول الله ﷺ : إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه " أي فأمره ﷺ أن يبقى معها في المدينة ليقوم بتمريضها، وقال له: إن الله سيكتب لك أجر من شهد هذه الغزوة، وأسهم ﷺ له بسهم من الغنيمة، ففاز بأجرها وغنيمتها ثم قال: " أما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان " لمكانته فيهم " فقال رسول الله: بيده اليمنى هذه يد عثمان " أي فأشار ﷺ إلى يده اليمنى وقال: هذه يد عثمان " فضرب بها على يده " اليسرى " فقال: هذه " البيعة " لعثمان " فبايع عنه ﷺ وهو غائب، وهذا أشرف فضيلة له " اذهب بها الآن معك " أي اذهب بهذه الأجوبة الصحيحة إلى قومك لتكشف لهم عن شبهاتهم الباطلة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل عثمان ﵁ الذي يتجلى واضحاً في مبايعة النبي ﷺ عنه وهو غائب في بيعة الرضوان، وهذا يدل على عظيم منزلته عنده، وثقته به ﷺ ، ثانياًً: بيان عذر عثمان في الأمور الثلاثة، أما الفرار فبالعفو، وأما التخلف فبالأمر وأما البيعة

стр. 1471

٨٢٣ - " بَابُ مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَالِبٍ ﵁ " ٩٦٣ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ لِعَلِيٍّ: " أما تَرْضَى أن تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ". ــ فبإرساله سفيراً إلى أهل مكة. الحديث: أخرجه البخاري والترمذي. والمطابقة: في قوله: " فقال رسول الله بيده اليمنى: هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان ". ٨٢٣ - " باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁ " ٩٦٣ - معنى الحديث: أنّ النبي ﷺ لما خرج إلى تبوك خلّف علياً على أهله، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلاّ استثقالاً له، فأخذ عليّ سلاحه، وخرج حتى أَتى النبي ﷺ بالجرف فقال: يا رسول الله زعم المنافقون كذا وكذا، فقال: كذبوا إنما خلفتك لما تركت ورائي، فارجع واخلفني في أهلي " " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى " أي ألا يرضيك أن أجعلك بمنزلة هارون حيث كان يستخلفه موسى، ويجعله نائباً عنه على أهله وقومه إذا ذهب إلى مناجاة ربه، لما بينهما من القربى والمناصرة، فكذلك أنت. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل الإمام علي ﵁، ومكانته العالية عند رسول الله ﷺ حيث جعله النبي ﷺ بمنزلة هارون من موسى، وشبهه به في القربى والمناصرة وعلو المرتبة في الدار الآخرة، ويوضح ذلك حديث البراء عن النبي ﷺ أنّه قال لعلي ﵁: " أنت مني وأنا منك " أخرجه البخاري. ثانياًً: أن هذا الحديث قد تعلقت به الشيعة في أن الخلافة كانت حقاً لعلي أوصى بها إليه في قوله: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " وليس في الحديث أي دلالة على استخلاف علي بعده، لأن المشبه به

стр. 1472

٨٢٤ - " بَابُ مَنَاقِبِ جَعْفَرِ بْنِ أبي طَالِبٍ " ٩٦٤ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلى ابْنِ جَعْفَرَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنَ. ــ وهو هارون لم يخلف موسى بعد وفاته، حيث توفي قبله بأربعين سنة، فأين الدليل على خلافة علي إذن (١)؟. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " أما ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ". ٨٢٤ - " باب مناقب جعفر بن أبي طالب " ٩٦٤ - معنى الحديث: أن جعفر بن أبي طالب ﵁ كان قد قطّعت يداه في غزوة مؤتة فعوضه الله عنهما بجناحين يطير بهما بين الملائكة، فكان ابن عمر ﵄: " إذا سلم على ابن جعفر " أي على عبد الله ابن جعفر " قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين " أي يمدحه ويثني عليه بذلك لما جاء في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: " دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفراً يطيرُ مع الملائكة ". الحديث: أخرجه البخاري. فقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل جعفر بن أبي طالب ﵁ حيث لقب بذي الجناحين، لأن الله عوضه عن يديه اللتين فقدهما في مؤتة بجناحين يطير بهما في الجنة، وفي الملأ الأعلى، قال عياض: ولذلك سمى طيّاراً! ". والمطابقة: في قوله: " يا ابن ذي الجناحين ".

стр. 1473

٨٢٥ - " بَابُ مَنَاقِب أبي عُبَيدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁ " ٩٦٥ - عَنْ أنَسِ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ قَالَ: " إِنَّ لِكُلِّ أمَّةٍ أمِيناً، وإِنَّ أمِيْنَنَا أيَّتُهَا الأمَّةُ أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ ". ــ ٨٢٥ - " باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁ " ٩٦٥ - معنى الحديث: أن في كل أمة من الأمم رجل أمين اشتهر بالأمانة أكثر من غيره، وأشهر هذه الأمة بالأمانة أبو عبيدة عامر بن الجراح، فإنه وإن كانت الأمانة صفة مشتركة بينه وبين (١) الصحابة عليهم الرضوان، لكن سياق الحديث يشعر بأنه يزيد عليهم في ذلك، قال القاضي عياض: قوله: " وإن أميننا أيتها الأمة " هو بالرفع على النداء، والأفصح أن يكون منصوباً على الاختصاص وعلى الرفع فالمراد الاختصاص، وإن كانت صورته صورة النداء، أي أخص هذه الأمة بأن أمينها أبو عبيدة. الحديث: أخرجه الشيخان. فقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل أبي عبيدة، وتفوقه على غيره بقدر زائد من الأمانة، لأنه ﷺ لقبه بهذا اللقب العظيم، وخصه به دون غيره، ولا يلزم من وجود فضيلة في شخص عدم وجودها في شخص آخر، ولكن النبي ﷺ كما قال العيني: خص كل واحد من كبار الصحابة بفضيلة وصفة كما روى عن أنس أن رسول الله ﷺ : قال: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين

стр. 1474

٨٢٦ - " بَابُ مَنَاقِبِ الْحَسَنِ والْحُسَيْنِ ﵄ " ٩٦٦ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: " لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أشْبَهَ بالنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ ". ٩٦٧ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄: وسَألهُ رَجُلٌ عَنِ الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ الذُّبَابَ؟ فَقَالَ: أهْلُ الْعِرَاقِ يَسْألونَ عن الذُّبَابِ، وقَدْ قَتَلُوا ابْنَ ابْنَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وقَالَ النبي ﷺ : " هُمَا رِيحَانَتَايَ مِنَ الدُّنيا ". ــ وأمين هذه الأمة أبو عبيدة". والمطابقة: في قوله: " وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة ". ٨٢٦ - " باب مناقب الحسن والحسين ﵄ " ٩٦٦ - معنى الحديث: أن أشبه الناس جميعاً بالنبي ﷺ أو أشبه أقاربه به ﷺ حفيده الحسن بن علي ﵁، وعن علي ﵁ أنه قال: الحسن أشبه رسول الله ﷺ فيما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه النبي ﷺ فيما كان من أسفل من ذلك. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي. ٩٦٧ - معنى الحديث: أن رجلاً من أهل العراق سأل ابن عمر ﵄: هل يجوز للرجل إذا كان محرماً أن يقتل الذباب أم لا؟ فقال متعجباً مستغرباً من اهتمام أمثال هذا الرجل بتوافه الأمور، مع جرأتهم على ارتكاب الكبائر، فقال: " يسألون عن الذباب، وقد قتلوا ابن ابنة رسول الله ﷺ " أي يرتكبون الموبقات ويجرؤون على قتل حفيد رسول الله ﷺ ، ثم بعد ذلك

стр. 1475

يظهرون كمال التقوى والورع في نسكهم، فيسألون عن قتل الذباب، ثم قال " قال النبي ﷺ : هما ريحانتاي من الدنيا " قال القاري: الأولاد يشمون ويقبلون، فكأنهما من جملة الرياحين، وكل نبت طيب الريح من المشموم فهو ريحان، وبه سمي الولد كما في " النهاية ". الحديث: أخرجه البخاري والترمذي. فقه الحديثين: دل هذان الحديثان على ما يأتي: أولاً: أن من فضائل الحسن ﵁ مشابهته للنبي ﷺ في الجزء الأعلى من جسده الشريف، كما أن الحسين كان يشبهه في الجزء الأسفل من جسده. قال الحافظ: الذين كانوا يشبهون النبي ﷺ غير الحسن والحسين "، هم جعفر بن أبي طالب، وابنه عبد الله، وقثم بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، والذين كانوا يشبهونه من غير بني هاشم السائب بن يزيد الجد الأعلى للإِمام الشافعي، وعبد الله بن عامر العبشمي وغيره. ثانياًً: أن من فضائل الحسن والحسين شدة محبته ﷺ لهما، وتعلقه بهما، حتى أنه قد قال فيهما: " هما ريحانتاي " لما يجده من الراحة النفسية في تقبيلهما وضمهمها إلى صدره، وشمهما كما يجد الإِنسان راحته عند شم الزهور والرياحين، لأنهما بمثابة أولاده، والولد الصالح ريحانة من رياحين الجنة، وعن أنس ﵁ " أن النبي ﷺ : كان يدعو الحسن والحسين فيشمهما ويضمهما إليه " أخرجه الترمذي. والمطابقة: في الحديث الأول في قول أنس ﵁: " لم يكن أحدٌ أشبه بالنبي ﷺ من الحسن ابن علي ﵄. وفي الحديث الثاني في قوله ﷺ : عن الحسن والحسين ﵄: "هما ريحانتاي " من الدنيا. ***
следующие страницы →