٨٢٣ - " بَابُ مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَالِبٍ ﵁ "
٩٦٣ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ:
قَالَ النبي ﷺ لِعَلِيٍّ: " أما تَرْضَى أن تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ".
ــ
فبإرساله سفيراً إلى أهل مكة. الحديث: أخرجه البخاري والترمذي. والمطابقة: في قوله: " فقال رسول الله بيده اليمنى: هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان ".
٨٢٣ - " باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁ "
٩٦٣ - معنى الحديث: أنّ النبي ﷺ لما خرج إلى تبوك خلّف علياً على أهله، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلاّ استثقالاً له، فأخذ عليّ سلاحه، وخرج حتى أَتى النبي ﷺ بالجرف فقال: يا رسول الله زعم المنافقون كذا وكذا، فقال: كذبوا إنما خلفتك لما تركت ورائي، فارجع واخلفني في أهلي " " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى " أي ألا يرضيك أن أجعلك بمنزلة هارون حيث كان يستخلفه موسى، ويجعله نائباً عنه على أهله وقومه إذا ذهب إلى مناجاة ربه، لما بينهما من القربى والمناصرة، فكذلك أنت.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل الإمام علي ﵁، ومكانته العالية عند رسول الله ﷺ حيث جعله النبي ﷺ بمنزلة هارون من موسى، وشبهه به في القربى والمناصرة وعلو المرتبة في الدار الآخرة، ويوضح ذلك حديث البراء عن النبي ﷺ أنّه قال لعلي ﵁: " أنت مني وأنا منك " أخرجه البخاري. ثانياًً: أن هذا الحديث قد تعلقت به الشيعة في أن الخلافة كانت حقاً لعلي أوصى بها إليه في قوله: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " وليس في الحديث أي دلالة على استخلاف علي بعده، لأن المشبه به
стр. 1472
٨٢٤ - " بَابُ مَنَاقِبِ جَعْفَرِ بْنِ أبي طَالِبٍ "
٩٦٤ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:
أنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلى ابْنِ جَعْفَرَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنَ.
ــ
وهو هارون لم يخلف موسى بعد وفاته، حيث توفي قبله بأربعين سنة، فأين الدليل على خلافة علي إذن (١)؟. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " أما ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ".
٨٢٤ - " باب مناقب جعفر بن أبي طالب "
٩٦٤ - معنى الحديث: أن جعفر بن أبي طالب ﵁ كان قد قطّعت يداه في غزوة مؤتة فعوضه الله عنهما بجناحين يطير بهما بين الملائكة، فكان ابن عمر ﵄: " إذا سلم على ابن جعفر " أي على عبد الله ابن جعفر " قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين " أي يمدحه ويثني عليه بذلك لما جاء في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: " دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفراً يطيرُ مع الملائكة ". الحديث: أخرجه البخاري.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل جعفر بن أبي طالب ﵁ حيث لقب بذي الجناحين، لأن الله عوضه عن يديه اللتين فقدهما في مؤتة بجناحين يطير بهما في الجنة، وفي الملأ الأعلى، قال عياض: ولذلك سمى طيّاراً! ". والمطابقة: في قوله: " يا ابن ذي الجناحين ".
стр. 1473
٨٢٥ - " بَابُ مَنَاقِب أبي عُبَيدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁ "
٩٦٥ - عَنْ أنَسِ ﵁:
أنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ قَالَ: " إِنَّ لِكُلِّ أمَّةٍ أمِيناً، وإِنَّ أمِيْنَنَا أيَّتُهَا الأمَّةُ أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ ".
ــ
٨٢٥ - " باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁ "
٩٦٥ - معنى الحديث: أن في كل أمة من الأمم رجل أمين اشتهر بالأمانة أكثر من غيره، وأشهر هذه الأمة بالأمانة أبو عبيدة عامر بن الجراح، فإنه وإن كانت الأمانة صفة مشتركة بينه وبين (١) الصحابة عليهم الرضوان، لكن سياق الحديث يشعر بأنه يزيد عليهم في ذلك، قال القاضي عياض: قوله: " وإن أميننا أيتها الأمة " هو بالرفع على النداء، والأفصح أن يكون منصوباً على الاختصاص وعلى الرفع فالمراد الاختصاص، وإن كانت صورته صورة النداء، أي أخص هذه الأمة بأن أمينها أبو عبيدة. الحديث: أخرجه الشيخان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل أبي عبيدة، وتفوقه على غيره بقدر زائد من الأمانة، لأنه ﷺ لقبه بهذا اللقب العظيم، وخصه به دون غيره، ولا يلزم من وجود فضيلة في شخص عدم وجودها في شخص آخر، ولكن النبي ﷺ كما قال العيني: خص كل واحد من كبار الصحابة بفضيلة وصفة كما روى عن أنس أن رسول الله ﷺ : قال: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين
стр. 1474
٨٢٦ - " بَابُ مَنَاقِبِ الْحَسَنِ والْحُسَيْنِ ﵄ "
٩٦٦ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:
" لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أشْبَهَ بالنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ ".
٩٦٧ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:
وسَألهُ رَجُلٌ عَنِ الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ الذُّبَابَ؟ فَقَالَ: أهْلُ الْعِرَاقِ يَسْألونَ عن الذُّبَابِ، وقَدْ قَتَلُوا ابْنَ ابْنَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وقَالَ النبي ﷺ : " هُمَا رِيحَانَتَايَ مِنَ الدُّنيا ".
ــ
وأمين هذه الأمة أبو عبيدة". والمطابقة: في قوله: " وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة ".
٨٢٦ - " باب مناقب الحسن والحسين ﵄ "
٩٦٦ - معنى الحديث: أن أشبه الناس جميعاً بالنبي ﷺ أو أشبه أقاربه به ﷺ حفيده الحسن بن علي ﵁، وعن علي ﵁ أنه قال: الحسن أشبه رسول الله ﷺ فيما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه النبي ﷺ فيما كان من أسفل من ذلك. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي.
٩٦٧ - معنى الحديث: أن رجلاً من أهل العراق سأل ابن عمر ﵄: هل يجوز للرجل إذا كان محرماً أن يقتل الذباب أم لا؟ فقال متعجباً مستغرباً من اهتمام أمثال هذا الرجل بتوافه الأمور، مع جرأتهم على ارتكاب الكبائر، فقال: " يسألون عن الذباب، وقد قتلوا ابن ابنة رسول الله ﷺ " أي يرتكبون الموبقات ويجرؤون على قتل حفيد رسول الله ﷺ ، ثم بعد ذلك
стр. 1475
يظهرون كمال التقوى والورع في نسكهم، فيسألون عن قتل الذباب، ثم قال " قال النبي ﷺ : هما ريحانتاي من الدنيا " قال القاري: الأولاد يشمون ويقبلون، فكأنهما من جملة الرياحين، وكل نبت طيب الريح من المشموم فهو ريحان، وبه سمي الولد كما في " النهاية ". الحديث: أخرجه البخاري والترمذي.
فقه الحديثين: دل هذان الحديثان على ما يأتي: أولاً: أن من فضائل الحسن ﵁ مشابهته للنبي ﷺ في الجزء الأعلى من جسده الشريف، كما أن الحسين كان يشبهه في الجزء الأسفل من جسده. قال الحافظ: الذين كانوا يشبهون النبي ﷺ غير الحسن والحسين "، هم جعفر بن أبي طالب، وابنه عبد الله، وقثم بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، والذين كانوا يشبهونه من غير بني هاشم السائب بن يزيد الجد الأعلى للإِمام الشافعي، وعبد الله بن عامر العبشمي وغيره. ثانياًً: أن من فضائل الحسن والحسين شدة محبته ﷺ لهما، وتعلقه بهما، حتى أنه قد قال فيهما: " هما ريحانتاي " لما يجده من الراحة النفسية في تقبيلهما وضمهمها إلى صدره، وشمهما كما يجد الإِنسان راحته عند شم الزهور والرياحين، لأنهما بمثابة أولاده، والولد الصالح ريحانة من رياحين الجنة، وعن أنس ﵁ " أن النبي ﷺ : كان يدعو الحسن والحسين فيشمهما ويضمهما إليه " أخرجه الترمذي. والمطابقة: في الحديث الأول في قول أنس ﵁: " لم يكن أحدٌ أشبه بالنبي ﷺ من الحسن ابن علي ﵄. وفي الحديث الثاني في قوله ﷺ : عن الحسن والحسين ﵄: "هما ريحانتاي " من الدنيا.
***
стр. 1476
٨٢٧ - " بَاب مَنَاقِبِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ ﵁ "
٩٦٨ - عَنْ أنَسٍ ﵁:
أنَّ النبي ﷺ نَعَى زَيْداً وجَعْفَراً وابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أنْ يَأتِيَهمْ خَبَرهمْ، فَقَالَ: " أخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأصِيبَ، ثم أخَذَ جَعْفَر فَأصِيبَ، ثُمَّ أخَذَ ابْن رَوَاحَةَ فَأصِيبَ، وَعَيْنَاه تَذْرِفَانِ حتَّى أخَذَهَا سيف مِنْ سُيُوفِ اللهِ، حَتَّى فتح الله عَلَيْهِمْ ".
ــ
٨٢٧ - " باب مناقب خالد بن الوليد "
٩٦٨ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان قد أرسل سرية في جمادى الأولى سنة ثمان لغزوة مؤتة - موضع بالبلقاء من أطراف الشام، وأمر عليها زيد بن حارثة، وقال: إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر، فعبد الله بن رواحة، فقتل هؤلاء الثلاثة على الترتيب المذكور، فنعاهم النبي ﷺ على منبر المدينة قبل أن يؤتى الرسول بخبرهم، وكانت عيناه آنذاك تسيلان بالدموع ثم قال: " حتى أخذها سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليه " أي حتى لم يبق من هؤلاء الثلاثة أحد فقاد الجيش خالد بن الوليد من غير تأمير له، لكنه رأى المصلحة في ذلك لكثرة العدو، فرضي ﷺ بما فعل وأثنى عليه، وبين أنه " سيف من سيوف الله ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على هذه المنقبة العظيمة التي اختص بها خالد ﵁، حيث لقبه النبي ﷺ بسيف الله، ومعنى كونه سيفاً من سيوف الله، أنه القائد المظفر الذي يحالفه النصر دائماً، لأنه يقع كالسيف على رؤوس الأعداء. والمطابقة: في قوله: " سيف من سيوف الله " الحديث: أخرجه البخاري والنسائي.
стр. 1477
٨٢٨ - " بَاب مَنْقَبَةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِي ﷺ ﵍ "
٩٦٩ - عن المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁:
أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " فَاطِمَة بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَنْ أغْضَبَهَا أغْضَبَنِي ".
ــ
٨٢٨ - " باب منقبة فاطمة بنت النبي ﷺ ﵍ "
٩٦٩ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ يحدثنا في هذا الحديث عن شدة محبته " لفاطمة " ﵂، ومكانتها من نفسه فيقول: " فاطمة بضعة مني " أي جزء مني، وقطعة من كبدي فهي مهجة القلب، وثمرة الفؤاد، وذلك أمر طبيعي يشعر به كل إنسان نحو أولاده، و" من " الاتصالية في قوله: " مني " تفيد اتصال مشاعره بمشاعرها، وأحاسيسه بأحاسيسها، ولهذا قال: " فمن أغضبها أغضبني " وذلك لما بينهما من تجاوب نفسي، ومشاركة وجدانية في الانفعالات والمشاعر. الحديث: أخرجه الشيخان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل السيدة فاطمة ﵂، ومكانتها عند النبي ﷺ ، لكونها بضعة منه، ولشدة تعلقه بها نفسياً، ومشاركته لها وجدانياً وعاطفياً، وهذه منقبة عظيمة لها، وفضيلة ومزية لها على غيرها كما ترجم له البخاري، ولهذا قال مالك ﵀: لا أفضّل أحداً على بضعة رسول الله ﷺ . ثانياًً: أن أولاد السيدة فاطمة بضعة منها فيكونون بواسطتها بضعة من النبي ﷺ كما أفاده السمهودي: قال الحافظ: فكل من وقع منه في حق فاطمة شيء فتأذت به فالنبي ﷺ يتأذى به بشهادة هذا الخبر، ولا شيء أعظم من إدخال الأذى عليها من قبل ولدها، ولهذا عرف بالاستقراء معاجلة من تعاطى ذلك بالعقوبة في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد، ومصداق ذلك ما وقع لابن زياد قاتل الحسين، فقد روى الترمذي وقال حديث
стр. 1478
حسن صحيح أن رأس عبيد الله بن زياد لما قتل إذا حية عظيمة قد جاءت، تتخلل الرؤوس حتى جاءت ابن زياد فجعلت تدخل في منخريه، فمكثت هنيهة، ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا قد جاءت قد جاءت، فعلت ذلك مرتين أو ثلاثاً. ثالثاً: استدل به بعض أهل العلم على أن فاطمة أفضل، ثم خديجة ثم عائشة لقوله ﷺ : " فاطمة بضعة مني " قال مالك: لا أفضل أحداً على بضعة رسول الله ﷺ . قال الحافظ: فأفضلهن فاطمة فخديجة فعائشة، وظاهر الأحاديث أفضليتها على أخواتها، لكونه خصها بالبضعة منه دونهن لتجرعها ألم فقده دونهن لموتهن في حياته، نعم ينبغي أن يلحق بها أخواتها في تفضيلهن أيضاً على أمّهن، قال الحافظ في " الفتح ": أقوى ما استدل به على تقديم فاطمة على غيرها من نساء عصرها، ومن بعدهن خبر أن فاطمة سيدة نساء العالمين إلاّ مريم، وأنها رزئت بالنبي ﷺ دون غيرها من بناته، فكن في صحيفته، ومات في حياتها، فكان في صحيفتها. قال الحافظ: وكنت أقول ذلك استنباطاً إلى أن وجدته منصوصاً في " تفسير الطبري " عن فاطمة: " أنه ناجاها فبكت ثم ناجاها فضحكت -فذكر في الحديث- أنه ﷺ قال: " أحسب أني ميّت في عامي هذا، وأنه لم ترزأ امرأة من نساء العالمين مثل ما رزئت فلا تكوني دون امرأة منهن صبراً " فبكت، فقال: " أنت سيدة نساء أهل الجنة فضحكت ". رابعاً: أخذ بعض أهل العلم من حديث الباب وغيره تحريم التزوج على بنات النبي ﷺ لأنهن يتأذين بذلك، فيتأذى النبي بإيذائهن، ويستاء لاستيائهن، ولهذا قال المحب (١) الطبري في كتابه " ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ": في هذه الأخبار تحريم نكاح علي على فاطمة في حياتها، حتى تأذن، ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ). مطابقة الحديث للترجمة: في قوله ﷺ : " فاطمة بضعة مني " فهي جزء منه، والجزء يشرف بالكل.
стр. 1479
٨٢٩ - " بَابُ فضلِ عَائِشَةَ ﵂ "
٩٧٠ - عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " فَضْلُ عَائِشَةَ عَلى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى الطَّعَامِ ".
ــ
٨٢٩ - " باب فضل عائشة ﵂ "
٩٧٠ - معنى الحديث: شبه النبي ﷺ السيدة عائشة ﵂ بالثريد، وهو من أفخر الأطعمة العربية التي تجمع بين جودة الغذاء، وتمام اللذة، فشبهها به لأنها مثله تجمع بين حسن الخلق، وجمال الصورة، وحسن الحديث وجودة القريحة ورصانة العقل، والتحبب إلى البعل، ومن ثم أخذت منه ما لم تأخذ سواها (١).
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: امتياز السيدة عائشة عن بقية أمهات المؤمنين بقدر زائد من الحظوة والمحبة عند رسول الله ﷺ ، ولذلك شبهها بالثريد، لأنه أحب الأطعمة إلى نفوس العرب، فإنهم يحبونه أكثر من غيره، قال ابن القيم: تشبيه النبي ﷺ لعائشة بالثريد تعبير منه عن شدة محبته لها ﵂. ثانياًً: استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على تفضيل عائشة على غيرها وأكدوا استدلالهم هذا بقوله ﷺ " يا أمّ سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله مما نزل عليَّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها ". قال الحافظ: وليس ذلك بلازم. فلا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق. وقال السبكي: الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة، والخلاف شهير، ولكن الحق أحق أن يتبع. وقال ابن تيمية:
стр. 1480
جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة وكأنه رأى التوقف. وقال ابن القيم: إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله تعالى فذلك أمر لا يُطَّلَع عليه، وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة، وإن أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة، وهي فضيلة لا يشاركها فيها أحد غير أخواتها، وإن أريد شرف (١) فقد ثبت النص لفاطمة وحدها، وقال الحافظ: أما ما امتازت به عائشة من فضل العلم فإن لخديجة ما يقابله، وهي أنها أوّل من أجاب النبي ﷺ إلى الإِسلام، ودعا إليه، وأعان على نبوته بالنفس والمال وقيل: انعقد الإِجماع على أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام ".
...
стр. 1481
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" مَنَاقِبِ الأنصَارِ "
٨٣٠ - " بَابُ حُبِّ الأنصَارِ مِنَ الإِيمَانِ "
٩٧١ - عن الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ:
قَالَ النبي ﷺ : "الأنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ إلَّا مُؤْمِن، ولا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، فَمَنْ أحَبَّهُمْ أحَبَّهُ اللهُ، ومَنْ أبْغَضَهُمْ أبغَضَهُ اللهُ".
ــ
" كتاب
مناقب الأنصار "
٨٣٠ - " باب حب الأنصار من الإِيمان "
٩٧١ - معنى الحديث: أن الأنصار لا يحبهم في الجملة لأجل مناصرتهم لرسول الله ﷺ إلا مؤمن كامل الإِيمان، ولا يبغضهم في الجملة من أجل محبتهم للنبي ﷺ ومناصرتهم له إلاّ منافق في عقيدته. فمن أحبهم لله ورسوله أحبه الله ورضي عنه، ومن كرههم جميعاً لنصرتهم لرسول الله أبغضه الله، وسخط عليه، فخذله في الدنيا والآخرة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من علامات كمال الإِيمان حب الأنصار من أجل مناصرتهم لرسول الله ﷺ ، ومن علامات النفاق بغضهم: من هذه الناحية، لحديث الباب، ولقوله ﷺ في رواية أخرى: " آية الإِيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار " وقد صار اسم الأنصار علماً على الأوس والخزرج سماهم النبي ﷺ الأنصار، فصار علماً لهم ولأولادهم وحلفائهم ومواليهم، وإنما فازوا بهذه المنقبة لأجل إيوائهم للنبي ﷺ ، ونصرته فكان ذلك موجباً لمعاداة العرب والعجم، فلذا جاء الترهيب عن بغضهم،
стр. 1482
٨٣١ - " بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلأنصَارِ أنتُمْ أحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ "
٩٧٢ - عن أنَس ﵁ قَالَ:
رَأى النبي ﷺ النِّسَاءَ والصبيَانَ مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ، فَقَامَ النبي ﷺ مُمَثِّلاً فَقاَل: " اللَّهُمَّ أنْتُمْ مِنْ أحَبِّ النَّاسِ إِليَّ " قَالَهَا ثَلاثَ مَرَارٍ.
ــ
والترغيب في حبهم، فمن أحبهم، فذلك من كمال إيمانه. ثانياً: فضل الأنصار ومكانتهم عند النبي ﷺ ، وعلو منزلتهم في الإسلام، حيث جعل النبي ﷺ حبهم إيماناً، وبغضهم نفاقاً، وهذه منقبة عظيمة. ثالثاً: دل هذا الحديث دلالة عامة على أن من الإِيمان محبة أهل الدين والفضل والصلاح، ومن النفاق بغضهم. وإن من الإِيمان بغض أهل الكفر والفسق والفساد، ومن النفاق حبهم، كما يدل عليه قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ). والمطابقة: في قوله ﷺ : " الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.
٨٣١ - " باب قول النبي للأنصار أنتم أحب الناس إلي "
٩٧٢ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ رأى نساء الأنصار وصبيانهم مقبلين من عرس وهو طعام وليمة الزفاف فانتصب قائماً، وهو معنى قوله: " فقام النبي ﷺ ممثلاً " بضم الميم الأولى وفتح الثانية، وكسر الثاء، أي منتصباً قائماً، كما أفاده العيني، " فقال: اللهم أنتم من أحب الناس إلي، قالها ثلاث مرات " أي فقال: الله يشهد أني لا أفضل عليكم في المحبة أحداً من الناس. الحديث: أخرجه الشيخان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الأنصار من أعز الناس عند رسول
стр. 1483
٨٣٢ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى:
(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) "
٩٧٣ - عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ رَجُلاً أتَى النبي ﷺ فَبَعَثَ إلى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ يَضُمُّ هَذَا أوْ يُضِيفُ هَذَا؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا، فانْطَلَقَ بهِ إِلى امْرأتِهِ، فَقَالَ أكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: ما عِنْدَنا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئي طَعَامَكِ وَأصْبِحِي سِرَاجَكِ، ونَومِي صِبْيَانَكِ إِذَا أرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأتْ طَعَامَهَا،
ــ
الله ﷺ ، وأقربهم إلى نفسه، وأحبهم إليه. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
٨٣٢ - " باب قول الله تعالى:
(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)
٩٧٣ - معنى الحديث: أن رجلاً -من الأنصار- جاء يشكو إلى النبي ﷺ ما يعانيه من الجوع الشديد، فقال: يا رسول الله أصابني الجهد أي غلب علي الجوع حتى أضناني، وبذلت كل جهدي في احتماله حتى نفذ صبري، ولم تعد لدي قدرة ولا طاقة على تحمله، فأراد النبي ﷺ أن يستضيفه في بيته، فلم يجد في بيته ﷺ إلاّ الماء فعرض على أصحابه أن يضمه أحدهم إليه في طعامه، فاستضافه أبو طلحة الأنصاري، وذهب به، وقال لامرأته: " أكرمي ضيف رسول الله " وفي رواية " لا تدخريه شيئاً " أي لا تبقي شيئاً من الطعام الموجود عندنا إلاّ قدميه بين يديه " فقالت ما عندنا إلاّ قوت صبياننا فقال: هيئي طعامك " أي أحضري هذا الطعام الموجود لديك " وأصبحي سراجك " يعني
стр. 1484
وأصْبَحَت سِرَاجَهَا، ونَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كأنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فأطْفَاتْهُ، فجعلا يُرِيَانِهِ أنَّهُمَا يَأكلانِ، فَباتا طَاوِيَيْن، فلَمَّا أصبَحَ غَدا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ أو عَجبَ مِنْ فَعَالِكُمَا فأنزلَ اللهُ (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ".
ــ
وأشعلي مصباحك "ونوّمي صبيانك" دون عشاء، " فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها ونوّمت صبيانها " أي فعلت كل ما أمرها به زوجها " ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته " أي ثم قامت إلى المصباح، وهي تظهر للضيف أنها تريد إصلاحه، فأطفأته ليصبح البيت مظلماً، فلا يرى الضيف ما تفعله " فجعلا يريانه أنهما يأكلان " أي يحركان أسنانهما ويظهران للضيف أنهما يأكلان وهما لا يأكلان شيئاً " فباتا طاويين " أي جائعين، " فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ " أي ذهب أبو طلحة صباحاً إلى النبي ﷺ " فقال: ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما " التي بلغت الغاية في الجود والكرم والإيثار " فأنزل الله (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) " أي فأنزل الله تعالى في وصف الأنصار هذه الآية التي أثنى عليهم فيها بالتضحية والإِيثار وتفضيل مصلحة غيرهم من المسلمين على مصلحة أنفسهم ولو كانوا في أشد حالات الفقر والحاجة، ثم قال: "ومن يوق شح نفسه، فأولئك هم المفلحون " أي ومن يتغلب على غريزة الشح والحرص الموجودة في نفسه ابتغاء وجه الله تعالى فأولئك هم الفائزون في الدنيا والآخرة. الحديث: أخرجه الشيخان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: ما كان عليه الأنصار رضوان الله عليهم من الجود والسخاء والبذل والعطاء، وإكرام الضيف، وإيثاره على أنفسهم، وأولادهم في حالة الضيق والشدة والفقر، وبذل كل ما يملكونه
стр. 1485
٨٣٣ - " بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ اقْبَلُوا من مُحْسِنِهِم وتجاوَزُوا عن مُسِيئهِمْ "
٩٧٤ - عن ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وعَلَيْهِ مِلْحَفَة مُتَعَطفَاً بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وعليْهِ عِصَابةٌ دَسْمَاءُ حتى جَلَس على الْمِنْبَرِ فَحَمَدَ اللهَ وأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
ــ
لِإخوانهم المسلمين حتى قوتهم، وقوت عيالهم وصبيانهم. ثانياًً: بيان سبب نزول قوله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) وأنها نزلت بسبب ما فعله الأنصاري وزوجته مع ضيفهما، وأن الذين وصفهم الله تعالى بهذه الصفات الكريمة هم الأنصار، قال الحافظ: وعند ابن مردويه من طريق محارب بن دثار عن ابن عمر، أهدي لرجل رأس شاة فقال: إن أخي وعياله أحوجٍ منا إلى هذا فبعث به إليه، فلم يزل يبعث به واحدٌ إلى آخر حتى رجعت إلى الأوّل بعد سبعة، فنزلت هذه الآية " قال: ويحتمل أن تكون نزلت بسبب ذلك كله، فإنها كلها صور ونماذج للتضحية والإِيثار وإنكار الذات. ثالثاً: أن من أعظم وأفضل البر والإِحسان البذل والعطاء في حال الفقر وضيق ذات اليد، كما فعل الأنصاري وزوجته رضوان الله عليهم. والمطابقة: في كون هذه القصة التي تضمنها الحديث سبباً في نزول الآية الكريمة.
٨٣٣ - " باب قول النبي ﷺ : اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم "
٩٧٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ لمّا مرض مرض موته وأحس الأنصار بدنو أجله عز عليهم فراقه ﷺ فمر أبو بكر ﵁ بهم في بعض مجالسهم، فوجدهم يبكون، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فخرج ﷺ يتحامل على نفسه، وعليه ثوب قد التحف به، ووضعه على منكبيه، وعلى جبينه عصابة
стр. 1486
" أمَّا بَعْدُ أيّهَا النَّاسُ فَإِنَّ النَّاسَ يَكثُرُونَ وَتَقِلُّ الأنْصَارُ حتى يكونُوا كالْمِلْح في الطَّعَامِ، فمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أمراً يَضُرُّ فِيهِ أحداً أو يَنْفَعُهُ، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئهِمْ ".
ــ
سوداء، فصعد المنبر، وخطب في الناس يوصيهم بالأنصار خيراً، فقال: " أما بعد: أيها الناس، فإن الناس يكثرون وتقل الأنصار " لأنه يقتل منهم الكثير في الفتوحات الإسلامية وحروب الردة، والمعارك الدامية التي تقع بين المسلمين أنفسهم كمعركة الحرّة " حتى يكونوا كالملح في الطعام " أي حتى يكونوا في قلتهم كالملح القليل في الطعام الكثير، فإن الملح في الطعام يكون عادة قليلاً جداً ولذلك ضرب به المثل في قلته، كما ضرب به المثل أيضاً في إصلاحه لغيره قال الشاعر:
يَا مَعْشَر القُّرّاءِ يَا مِلْحَ البَلَدْ ... هَلْ يَصْلُحُ الأكْلُ إذَا المِلْحُ فَسَدْ
" فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً أو ينفعه " أي من ولي منكم ولاية أصبحت له فيها سلطة تنفيذية من إمارة أو شرطة أو غيرها، وصار في استطاعته معاقبة المسيء، ومكافأة المحسن " فيقل من محسنهم " أي فليعاملهم بالحسنى، فيكافىء محسنهم، ويعفو عن مسيئهم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن النبي ﷺ أوصى ولاة الأمور بالأنصار أن يبالغوا في حسن معاملتهم بمكافأة محسنهم، والعفو عن مسيئهم، والتجاوز عنهم، وعدم مؤاخذتهم على زلّاتهم ما عدا الحدود الشرعية (١) فليس لولاة الأمور التجاوز عنها، وإنما خص ولاة الأمور بهذا الخطاب لأنهم أقدر من غيرهم في إيصال الخير إليهم، ودفع الشر عنهم، وإن كان غيرهم لا يخرج عن ذلك، فإنّ على كل مسلم أن يعامل الأنصار وأبناء
стр. 1487
٨٣٤ - " بَابُ مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ "
٩٧٥ - عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " اهتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْن مُعَاذٍ ".
ــ
الأنصار بهذه المعاملة قدر استطاعته. ثانياًً: إخباره ﷺ لنا عن تناقص عدد الأنصار شيئاً فشيئاً على مرور الزمن بسبب استشهاد أكثرهم في الفتوحات وحروب الردة، والمعارك التي وقعت بين المسلمين كمعركة الحرة وغيرها. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
٨٣٤ - " باب مناقب سعد بن معاذ ﵁ "
وهو سعد بن معاذ الأنصاري الأشهلي (١) الأوسي رئيس قبيلة الأوس من الأنصار، أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية وبإسلامه أسلم بنو عبد الأشهل، ودارهم أوّل دار أسلمت من الأنصار، سماه النبي ﷺ سيد الأنصار، وكان مقدماً مطاعاً شريفاً في قومه من أجلة الصحابة وأكابرهم وخيارهم، شهد بدراً وأحداً، ورمي يوم الخندق في أكحله، فلم يرقأ الدم حتى مات بعد شهر في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة وهو ابن سبع وثلاثين، ودفن بالبقيع.
٩٧٥ - معنى الحديث: أنه لما مات سيد الأنصار " سعد بن معاذ " ﵁، تحرك عرش الرحمن استبشاراً وسروراً بمقدمه، والتحاقه بالملأ الأعلى لأن أرواح السعداء والشهداء مستقرها تحت العرش. قال النووي: واختلفوا في تأويله، فقالت طائفة: هو على ظاهره ولا مانع منه كما قال تعالى: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) وهذا القول: هو المختار، وقيل المراد اهتزاز
стр. 1488
٨٣٥ - " بَابُ مَنَاقِبِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَام "
٩٧٦ - عَنْ سَعْدِ بْن أبِي وَقَّاص ﵁ قَالَ:
"مَا سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ لأحَدٍ يَمْشِي على الأرْض إنَّهُ مِنْ أَهْلِ
ــ
أهل العرش وهم حملته من الملائكة وغيرهم، فحذف المضاف، والمراد بالاهتزاز الاستبشار، كقول العرب: فلان يهتز للمكارم. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث بأي معنى من معانيه وأي وجه من وجوه تفسيره على فضل سعد بن معاذ ومكانته السامية، ومنزلته العالية عند الله ورسوله ﷺ قال في " هداية الباري " (١) وعلى أي تفسير فالاهتزاز منقبة جميلة لذلك الصحابي الكبير. اهـ. وهو ما ترجم له البخاري. والمطابقة: في كون الحديث يدل على منقبة عظيمة لسعد وهو ما ترجم له البخاري.
٨٣٥ - " باب مناقب عبد الله بن سلام "
٩٧٦ - معنى الحديث: أن سعد بن أبي وقاص ﵁ لم يسمع النبي ﷺ يشهد لأحد من الذين يمشون على وجه الأرض بالجنة سوى عبد الله بن سلام، ولا شك أن قول سعد هذا يبعث على التساؤل إذ كيف يكون ذلك مع أن النبي ﷺ قد شهد لغيره بالجنة، ومنهم العشرة المبشرون بالجنة، ولهذا قال الحافظ: وقد استشكل هذا الحديث، بأنه ﷺ قال لجماعة إنهم من أهل الجنة غير عبد الله بن سلام، ثم قال الحافظ حلاً لهذا الإِشكال: فالظاهر أن ذلك بعد موت المبشرين بالجنة، لأن عبد الله بن سلام قد عاش بعدهم، قال ﵁ " وفيه نزلت (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) " أي: وفي عبد الله بن سلام نزل قوله تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ
стр. 1489
الْجَنَّةِ إلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلام، قَالَ: وفِيهِ نَزَلَتْ (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) الآيَة".
ــ
فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، وإنما أنزل الله فيه هذه الآية الكريمة ووصفه بأنه الشاهد العدل الذي شهد من بني إسرائيل على مثله، لأنه شهد على أن محمداً رسول الله حقاً، وأنه موصوف بذلك في التوراة، فآمن بالنبي، وشهد له بالرسالة، وأنكر بنو إسرائيل ذلك وكذبوه، فأنزل الله هذه الآية تنويهاً بشأنه وإقامةً للحجة على غيره من اليهود، بشهادة عالم من أجلّ علمائهم. وروي أن النبي ﷺ لما خاصمته اليهود أرسل إلى عبد الله بن سلام فقال: أتشهد أني رسول الله مكتوباً في التوراة والإِنجيل " قال: نعم فأعرضت اليهود وأسلم عبد الله، فهو الذي قال الله جل ثناؤه (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) ومعناها كما قال الطبري وآمن عبد الله بن سلام، وصدق بمحمد ﷺ وبما جاء به من عند الله، واستكبرتم أنتم على الإِيمان بما آمن به عبد الله بن سلام يا معشر اليهود. الحديث: أخرجه الشيخان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن عبد الله بن سلام من المبشرين بالجنة كما ينص عليه هذا الحديث، لأن النبي ﷺ قد بشره بذلك، وشهد له بها. ثانياًً: أن الله وصفه في الآية الكريمة بأنه الشاهد العدل الذي انفرد دون بني إسرائيل بأداء الشهادة الحق لمحمد ﷺ حيث شهد بأنه رسول الله ﷺ ، وكتابه حق، وأنه موصوف بذلك في التوراة والإِنجيل. والمطابقة: في قوله: " وفيه نزلت (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) وفي شهادة النبي ﷺ لابن سلّام بالجنة، والله أعلم.
***
стр. 1490
٨٣٦ - " بَابُ تزْويجِ النَّبِيِّ ﷺ خدِيجَةَ وفضلُهَا ﵂ "
٩٧٧ - عن عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ:
ما غِرْتُ على أحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِي ﷺ ما غِرْتُ على خَدِيجَةَ، وما رَأيْتُهَا، ولكِنْ كَانَ النبي ﷺ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، ورُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ، ثم يُقَطِّعُهَا أعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا في صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فربمَا قُلْتُ لَهُ: كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الدنيا امْرَأة إِلَّا خَدِيجَةَ، فَيقُولُ: " كَانت وكانت وكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ ".
ــ
٨٣٦ - " باب تزويج النبي ﷺ خديجة وفضلها ﵂ "
قال الحافظ: ذكر المصنف في الباب أحاديث لا تصريح فيها بما في الترجمة ولكن جميع أحاديث الباب يتعلق بالجزء الثاني من الترجمة وهو قوله: وفضلها.
أما خديجة وقصة زواجها فهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي أقرب نساء النبي ﷺ إليه نسباً، تزوجها سنة خمس (١) وعشرين من مولده، زوجه إياها أبوها خويلد، وتزوجها ثيباً بعد زوجها الأول أبي هالة، وكان ﷺ قد سافر في تجارة لها إلى الشام، فرأى منه غلامها ميسرة ما رغّبها فيه، فتزوجته، وعاش معها حياة سعيدة، حتى توفيت في رمضان في السنة العاشرة من البعثة، وقد عاشت معه خمساً وعشرين سنة على الصحيح.
٩٧٧ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ كانت شديدة الغيرة من خديجة وذلك أمر طبيعي لأن من أبرز صفات المحبة في المرأة المحبة لزوجها أنها تغار عليه أشد الغيرة، وتكره أن تشاركها أي امرأة أخرى في حبه لها، أو تشغل باله وتفكيره، فيكثر من ذكرها، أما إذا سبق لهذه المرأة أنها كانت زوجة
стр. 1491
له، وأنه لا زال يعيش على ذكراها، فإن الغيرة تشتد، وهذا ما وقع للسيدة عائشة ﵂ بالنسبة إلى السيدة خديجة، حيث قالت " ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة ﵂، وما رأيتها " أي مع كوني لم أرها ولم ألتق بها في عصمة النبي ﷺ " ولكن كان النبي ﷺ يكثر من ذكرها " أي ولكن السبب في شدة غيرتي منها أن النبي ﷺ كان يكثر الحديث عنها " وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة " أي وكان يكرم صديقاتها، ويهدي إليهن الهدايا من أجلها، فكثيراً ما كان يذبح الشاة ويقسمها أقساماً، فيهدي إلى كل واحدة من صديقاتها قسماً منها، وفاءً لخديجة، وذلك من شدة محبته لها، ومحافطه على ودها، والعيش على ذكراها. " فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا إلاّ خديجة " أي فكثيراً ما كنت أخاصمه إذا ذكرها، وتحدث عنها فأقول له: كأن خديجة أنستك النساء جميعاً، فأصبحت لا ترى غيرها في هذه الدنيا " فيقول: إنها كانت وكانت " أي فيعدد فضائلها ومحاسنها، ويقول: إنها كانت صوامة قوامة محسنة إلى غير ذلك كما سيأتي. " وكان لي منها ولد " بفتح الواو وسكون اللام أي وبالإضافة إلى هذه المزايا كلها فقد رزقني الله منها أكثر ذريتي ذكوراً وإناثاً.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل السيدة خديجة ﵂ الذي يتجلى في شدة محبته ﷺ لها، وتعلقه بها، وعيشِهِ على ذكراها (١)، وإكرام صديقاتها، كما قالت عائشة ﵂ وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكراها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاءً ثم يبعثها في صدائق خديجة، وكان ﷺ إذا استأذنت عليه أختها هالة، وسمع صوتها اهتز فرحاً وسروراً وانتعشت نفسه، وأسرع للقائها، لأن صوتها يشبه صوت خديجة
стр. 1492
٨٣٧ " بَابُ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ - "
٩٧٨ - عن ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:
" أنْزِلَ علَى النَّبيِّ ﷺ وهُوَ ابْنُ أرْبَعِينَ، فَمَكَثَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثم أُمِرَ بالهِجْرَةِ إلى الْمَدِينَةِ، فمكث بِهَا عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ تُوِفِّيَ ﷺ ".
ــ
﵂ قالت عائشة، فقلت: " ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين أي ساقطة الأسنان " هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيراً منها " ْأي قد أبدلك الله بي، وأنا خير منها، فقال لها النبي ﷺ : " ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمنا أولاد النساء " وذلك لأن جميع أولاده منها ما عدا إبراهيم، فإنه من مارية القبطية. ومن أولادها ﵂ القاسم، وقد مات صغيراً قبل البعثة، وبناته الأربع زينب ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة ﵅، وقيل كانت أم كلثوم أصغر من فاطمة، ومن أولادها عبد الله ولد بعد البعثة، وكان يلقب بالطاهر والطيب ويقال هما أخوان له. اهـ. كما أفاده الحافظ. ثانياًً: أن الغيرة غريزة في النفس لا يلام عليها الإِنسان. قال الطبري وغيره الغيرة مسامح للنساء ما يقع فيها لأن من تحصل لها الغيرة كما قال الحافظ - لا تكون في كمال عقلها، فلهذا تصدر منها أمور لا تصدر منها في حال عدم الغيرة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على فضل خديجة، وهو ما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.
٨٣٧ - " باب مبعث النبي ﷺ "
٩٧٨ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ نزل عليه الوحي في حراء عندما أتم أربعين سنة وستة أشهر، فنزل عليه جبريل بصدر سورة العلق، وبها بدأت نبوته ﷺ . فنبىء باقرأ ثم فتر عنه الوحي مدة يسيرة، وعاد إليه مرة أخرى
стр. 1493
٨٣٨ - " حَدِيثُ الإِسْرَاءِ "
٩٧٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄:
أنَّهُ سَمعَ النبي ﷺ يَقُولُ: " لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ في الْحِجْرِ فَجَلا اللهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِس، فَطَفِقْتُ أخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأنا أنظرٌ إِلَيْهِ ".
ــ
بنزول قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ) فأمر بالتبليغ، وبذلك بدأت رسالته ببعثته ﷺ ، ولذلك قال العلماء: نبىء رسول الله ﷺ بإقرأ، وأرسل بالمدثر، وكل ذلك كان في عام واحد عند تمام الأربعين سنة فأقام النبي ﷺ بمكة بعد البعثة ثلاثة عشر عاماً، ثم هاجر إلى المدينة، فأقام بها عشراً.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن النبي ﷺ نبىء وأرسل عند تمام الأربعين سنة من عمره، لأن هذا السن هو سن الكمال الجسمي والعقلي والنضج الفكري للإِنسان كما يشير إليه قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) اكتمال العقد والرشد (١)، ولذلك: لم يبعث نبي قبل الأربعين وقد روي عن ابن عباس ﵄ " من أَتى عليه الأربعون ولم يغلب خيره شره، فليجهز إلى النار (٢). ثانياًً: أن النبي ﷺ أقام بمكة بعد البعثة ثلاثة عشر عاماً وبالمدينة بعد الهجرة عشر سنوات، وهذا هو الصحيح. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: ظاهرة.
٨٣٨ - " حديث الإِسراء "
وهو رحلته ﷺ على البراق ليلاً من مكة إلى بيت المقدس.
٩٧٩ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ تحدث صبيحة ليلة الإِسراء إلى
стр. 1494
قريش عن رحلته تلك الليلة من مكة إلى بيت المقدس، فكذبوه، وسخروا منه، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس، وكان قد ذهب إليه بليل، فلم يستطع أن يحدد معالمه، ولكن الله أعانه على ذلك، فبعث إليه جبريل، فكشف له عنه، فصار يرى كل ما فيه، ويصفه لهم، كأنه حاضر بين يديه في تلك الساعة.
وقد روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: " مر بي أبو جهل فقال: هل كان من شيء. فقال رسول الله ﷺ : إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس قال أبو جهل: ثم أصبحت بين أظهرنا قال: نعم. قال: فإن دعوت قومك أتحدثهم بذلك، قال: نعم، قال: يا معشر كعب بن لؤي فانفضت إليه المجالس، فقال: حدث قومك بما حدثتني، فحدثهم، قال: فمن بين مُصَفِّقٍ ومن بين واضع يده على رأسه تعجباً، قالوا: أوتستطيع أن تنعت لنا المسجد: فكشف الله عنه، فوصفه لهم كما في حديث الباب حيث قال: " فجلا الله بيت المقدس " قال الحافظ: قيل معناه: كشف الحجب بيني وبينه حتى رأيته " فطفقت أخبرهم عن آياته " أي فبدأت أحدثهم عن علاماته المميزة له " وأنا أنظر إليه " أي أشاهده أمام عيني. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: إثبات الإسراء، وأنه كان يقظة لا مناماً، لأنه لو كان مناماً لما تعجبت منه قريش، ولا أنكرته. ثانياً: أن من المعجزات الظاهرة التي تضمنها هذا الحديث كشف الحجاب عن النبي ﷺ حتى رأى بيت المقدس، وتمكن من وصفه، كأنه ماثل بين يديه، وقد جاء في حديث أم سلمة أنه ﷺ قال: " فسألوني عن أشياء لم أتبينها، فكَرِبْتُ كرباً لم أكرب مثله قط، فرفع الله لي بيت المقدس أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلاّ نبأتهم به " قال الحافظ: ولا استحالة فيه، فقد أحضر عرش بلقيس في طرفة عين لسليمان، وفي حديث أم هانىء أنهم قالوا له: " كم باباً للمسجد؟ قال: ولم أكن عددتها، فجعلت أنظر إليها وأعدها باباً باباً ". والمطابقة: في
стр. 1495
٨٣٩ - " بَابُ المِعْرَاجَ "
٩٨٠ - عَنْ أنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، عن مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵄: أن نَبِيَّ اللهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عن لَيْلَةَ أُسْرِيَ بهِ قَالَ: " بَيْنَمَا أنا في الْحَطِيم -ورُبَّما قَالَ في الْحِجْرِ- مُضْطَجِعَاً إِذ أَتَاني آتٍ فَقَدْ قَالَ، وسَمعته يَقُول: فَشَقَّ ما بَيْنَ هذِهِ إلى هَذِهِ - قَال الراوي: مِن ثُغْرة نَحْرِهِ إلى شِعْرَتِهِ، فاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إيمَاناً، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أعِيدَ، ثُمَّ أتِيتُ بِدَابَّةٍ، دُونَ البَغْلِ، وفَوْقَ الْحِمَارِ، أبيَضَ، قَالَ الرَّاوِي: وهُوَ الْبُرَاقُ، يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أقصَى طَرَفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، فانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حتى أتى السَّمَاءَ الدُّنيا، فاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ؟ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وقد أرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَباً بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفَتَحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا فِيهَا آدَمُ، فَقَالَ: هَذَا أبوكَ آدَمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَليْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَباً بالابنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ حتى أتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فاسْتَفْتَحَ قِيل: مَنْ هَذا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ؟ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَباً بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاء، فَفَتَحَ،
ــ
كون الحديث يدل على إثبات الإِسراء الذي ترجم له البخاري.
٨٣٩ - " باب المعراج "
والأكثرون على أنه كان في ربيع الأول قبل الهجرة بسنة، وقيل في رجب، وعن الزهري أنه بعد البعثة بخمس سنين، ورجحه القرطبي والنووي.
стр. 1496
فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى، وهُمَا ابْنَا الْخَالَةِ، قالَ: هَذَا يَحْيَى وَعيسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ، فردَّا، ثُمَّ قَالا: مَرْحَبَاً بالأَخ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحْ، ثُمَّ صَعِدَ بِي إلى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قال: جِبرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ: قِيلَ مَرْحَباً بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ، فَسَلّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبَاً بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحْ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْريلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: وقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ: مَرْحَباً بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِلى إِدْرِيسَ، قَالَ: هَذا
ــ
٩٨٠ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ حدّث أصحابه عن قصة عروجه إلى السماء في تلك الليلة المباركة، فذكر لهم أنه بينما كان مضطجعاً في الحطيم، وربما قال في الحجر - أي في حجر إسماعيل وهما بمعنى واحد، جاءه ملك فشق صدره من ثغرة نحره إلى شعرته. بكسر الشين. أي شق ما بين الثغرة التي في الرقبة إلى عانته فاستخرج قلبه الشريف، وغسله بماء زمزم ثم جاء بطست ذهبي مملوء إيماناً ويقيناً، فأفرغ في قلبه. كما في رواية أخرى حيث قال فيها: " ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيماناً، فأفرغه في صدري ثم أطبقه ".
ؤإنما غسل قلبه الشريف، وملىء إيماناً ويقيناً، إعظاماً وتأهباً لما يلقى هناك، مثل الوضوء للصلاة لمن كان متنظفاً، كما أفاده ابن أبي جمرة. ثم جاءه جبريل بالبراق وهو دابة بيضاء أصغر من البغل، وأكبر من الحمار، ذات سرعة غريبة تخطو الخطوة الواحدة فتضعها عند منتهى ما يراه البصر، فهي أسرع من الضوء
стр. 1497
إِدْرِيسُ فَسَلّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَباً بالأخِ الصَّالِحِ، والنَّبِيِّ الصَّالِح، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى السَّمَاءِ الخامِسَةِ، فاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْريلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: وقَدْ أرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ: مَرْحَباً بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فإِذَا هارُونُ، قَالَ: هَذا هَارُونُ فَسَلّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَباً بالأخ الصَّالِحِ، والنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى السَّمَاءِ السادِسَةِ، فاسْتَفتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْريلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: وقَدْ أرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَباً بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فإِذَا مُوسَى، قَالَ: هَذا
ــ
فركب النبي ﷺ تلك الدابة، وطارت به إلى بيت المقدس حيث التقى هناك بالأنبياء، وصلّى بهم إماماً، ثم انطلق مواصلاً رحلته إلى السماء (١) قال ابن أبي جمرة: "إنما خص ﷺ بركوب البراق زيادة له في التشريف والتعظيم، لأن غيره من الدواب يقدر غيره على ملكه والتمتع به، والبراق لم ينقل أن أحداً ملكه وتمتع به، أما لماذا لم يعط النبي ﷺ قوة حتى يصعد بنفسه، فإنه لو صعد بنفسه لكان ماشياً على رجليه، والراكب أعز من الماشي، فأعطي البراق ليركب عليه، فيكون أعز وأشرف له كما أفاده ابن أبي جمرة. وظاهر حديث الباب أن النبي ﷺ ركب البراق في الإِسراء والمعراج معاً، لأنه لم يذكر غيره وجاء في رواية أخرى: " أنه ﷺ أسري به على البراق، وعرج به على المعراج " وهو مصعدٌ بين السماء والأرض، لا يقال: كيف هو؟ ولا على أي صورة هو، لأنا لا نعلم حقيقته، صعد عليه النبي ﷺ من بيت المقدس بصحبة جبريل عليه
стр. 1498
مُوسَى فَسَلّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَباً بالأخ الصَّالِحِ، والنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ بَكَى، قِيلَ لَهُ. مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أبكِي لأنَّ غُلاماً بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أمَّتِهِ أكثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أمَّتِي، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيْلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْريلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: وقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ: مَرْحَباً بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلصْتُ فإِذَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: هَذا أبوكَ فَسَلّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلامَ، قَالَ: مَرْحَباً بالابن الصَّالِحِ، والنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا نَبِقُهَا مِثْلَ قِلالِ هَجَرَ، وِإذَا وَرَقُهَا مِثلَ آذَانِ الْفِيَلَةِ، قَالَ:
ــ
السلام. حتى أَتى السماء الدنيا - أي الأولى، وسميت بذلك لأنها أقرب السموات إلى الأرض، فاستأذن جبريل من الملائكة هناك، وطلب منهم أن يفتحوا له، فسألوه من أنت. ومن معك؟ فأجابهم: أنا جبريل ومعي محمد، فسألوه: هل أمر بالعروج؟ فقال نعم، فرحبوا به واستقبلوه بالحفاوة والتكريم، وهم يقولون: " مرحباً به فنعم المجيء جاء " أي فقد كان مجيئه مباركاً محموداً، فلما فتحت السماء الدنيا وجد فيها آدم ﵇، وعرفهما جبريل ببعضهما، وتبادلا التحية، ورحب به أبوه آدم، ثم صعد ﷺ إلى السماء الثانية فالثالثة فالرابعة الخ والتقى فيها بالأنبياء آدم ويحيى وعيسى ويوسف وإدريس وهارون وموسى وإبراهيم ﵈، واستمر في رحلته قال النبي ﷺ "فلما تجاوزت" أي لما تجاوزت موسى " بكى قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتي " ولم يكن بكاء موسى حسداً، لأن الحسد منزوع من ذلك العالم السماوي، وإنما كان
стр. 1499
هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، وِإذَا أرْبَعَةُ أنْهَارٍ، نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَنَهْرَانِ ظاهِرَانِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَانِ يا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: أما الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ في الْجَنَّةِ، وأمَّا الظَّاهِرَانِ فالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ، ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألفَ مَلَكٍ (١)، ثم أُتِيْتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وإنَاءٍ مِنْ لَبَن، وَإنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأخَذْت اللَّبَنَ، فَقَالَ، هِيَ الْفِطرةُ أنْتَ عَلَيْهَا، وأمَّتكَ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتِ خَمْسينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْم، فَرَجَعْت، فَمَرَرْتُ عَلَى
ــ
أسفاً على ما فاته من الأجر بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة، قال ﷺ : " ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر " وهي جرار كبيرة تسع قربتين " وإذا ورقها كآذان الفيلة " ولم يتجاوزها أحد سوى نبينا ﷺ ولذلك سميت سدرة المنتهى قال النبي ﷺ " وإذا أربعة أنهار، نهران ظاهران ونهران باطنان " أي وإذا بتلك السدرة ينبع من تحتها أربعة أنهار تجري في الجنة، نهران منهما باطنان - أي لم يرهما أحد من البشر لأنّه لا يراهما أحدٌ إلاّ في الدار الآخرة، وهما السلسبيل والكوثر، ونهران منهما ظاهران، نراهما في الدنيا، وهم النيل والفرات وهو معنى قوله: " فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان نهران في الجنة، وأما الظاهران، فالنيل والفرات " قال ﷺ : " ثم رفع لي البيت المعمور، فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك " فلا يعودون إليه مرة أخرى، وهو في السماء السابعة حيال الكعبة قال ﷺ : " ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، وقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك " قال الحافظ: أي دين الإِسلام يعني أن هذا الشراب الذي اخترته هو الشراب الطيب الموافق لدينك وشريعتك، والموافق للطبيعة البشرية، لأنه أوّل شيء يدخل بطن المولود، ويشق أمعاءه ويغذي جسمه
стр. 1500
مُوسَى فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْم، قَالَ: إِنَّ أُمَّتك لا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْم؟ وِإنِّي واللهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فارْجِعْ إلى رَبِّكَ فأسْالهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْراً، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْراً، فَرَجَعْتُ إلَى مُوسَى، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْراً، فَرَجَعْت إلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْم، فَرَجَعْتُ فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ
ــ
أثناء طفولته، ويكون له غذاءً ودواء وسقاء أثناء الرضاعة، بخلاف الخمر، فإنها شراب خبيث يفتك بشاربه صحياً وجسمياً، أما العسل فقد شرب منه النبي ﷺ قليلاً، قال النبي ﷺ : " ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم، فرجعت، فمررت على موسى، قال: بم أمرت، قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم " أي لا تقدر على ذلك " وإني والله قد جربت الناس قبلك " يعني بني إسرائيل " وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة " أي عانيت منهم كثيراً " فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك " بالتنقيص من عدد الصلوات تيسيراً وتسهيلاً عليهم ليتمكنوا من أداء ما فرض الله عليهم دون مشقة أو عناء " فرجعت فوضع عني عشراً " أي فلما عدت إلى ربي، وسألته التخفيف نقص عني عشراً من الخمسين فصارت أربعين " فرجعتُ إلى موسى فقال مثله " أي فلما رجعت إلى موسى، وأخبرته أن الله قد وضع عني عشراً لم يكتف بذلك، وإنما أعاد عليَّ قوله الأوّل، فقال لي أن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال ﷺ : " فرجعت، فوضع عني عشراً " فصارت ثلاثين " فرجعت إلى موسى فقال مثله " أي قال لي: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف
стр. 1501
بخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْم، فَرَجَعْتُ إلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمسِ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْم، قَالَ: إِن أُمتك لا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْم، وِإنِّي قَدْ جَرَّبْت النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْت بني إسْرَائِيلَ أشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إلى رَبِّكَ فَاسْألة التَّخْفِيفَ لأمَّتِكَ، قَلَ: سَألْت رَبِّي حَتَّى استحْيَيْت، ولكِنْ أرْضَى (١) وأُسَلِّم، قَالَ: فلَمَّا جَاوَزْت نَادَانِي منَادٍ: أمْضَيْت فَرِيْضَتِي، وخَفَّفْت عَنْ عِبَادِي".
ــ
" فرجعت " إلى ربي " فوضع عني عشراً " فصارت عشرين صلاة " فرجعت إلى موسى فقال مثله " أي مثل قوله الأول، " فرجعت " إلى ربي " فأمرت بعشر صلوات " أي بعشر صلوات في اليوم والليلة قال النبي ﷺ : " فرجعت " إلى موسى " فقال مثله " أي فقال لي: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف لأمتك " فرجعت فأمرت بخمس " أي فأمرني الله تعالى بخمس، يعني فصارت خمس صلوات في اليوم، واستقر الأمر على ذلك حيث قال الله تعالى لنبيه ﷺ : " أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي " أي نفذت حكمي وجعلت الصلاة خمساً، تخفيفاً على عبادي من هذه الأمة المحمدية، فلله الحمد والمنة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من المعجزات العظيمة الثابتة للنبي ﷺ معجزة الإِسراء والمعراج (٢)، والصحيح أنهما وقعتا في
стр. 1502
ليلة واحدة قبل الهجرة بسنة (١) وإنما كان بعد رجوعه ﷺ من الطائف ليكون في ذلك تسلية له ﷺ وتقوية لنفسه الشريفة على ما يواجهها من المصاعب.
وقد رويت قصة الإسراء والمعراج عن كثير من الصحابة عَدَّد منهم في " المواهب اللدنية " ستة وعشرين صحابياً. واختلف السلف والخلف: هل كان الإسراء بالروح فقط أو بالروح والجسد معاً، فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح، وأنه رؤيا منام، وإلى هذا ذهب معاوية وابن مسعود وعائشة والحسن البصرى في رواية كما في " الشفاء " للقاضي عياض، واحتجوا بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) لأن الرؤيا لا تطلق إلاّ على ما يشاهد في النوم، أما ما يشاهد في اليقظة فإنه يسمى رؤية لا رؤيا، قالوا: فلما سمّى الله المعراج رؤيا علمنا أنه كان مناماً، واحتجوا بما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: " ما فقد جسد رسول الله ﷺ " وقوله ﷺ في بعض الروايات: " بينا أنا نائم بالحطيم " وقول أنس رضي. الله عنه " وهو نائم في المسجد الحرام " وذكر القصة ثم قال في آخرها: فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام. اهـ. غير أن الإمام ابن القيم " نفي عن معاوية وعائشة أنهما يقولان بأن الاسراء كان مناماً، فقال في " زاد المعاد ": وعائشة ومعاوية لم يقولا كان مناماً، وإنما قالا أسري بروحه، لم يفقد جسده، وفرّق بين الأمرين، بأن ما يراه النائم قد يكون أمثالاً مضروبة للمعلوم في الصور الحسيّة، فيرى أنه قد عرج به إلى السماء، أو ذهب به إلى مكة وأقطار الأرض، وروحه لم تصعد، ولم تذهب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له الأمثال. اهـ. وذهب معظم السلف والخلف إلى أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح معاً، وهو قول ابن عباس وجابر وأنس وابن المسيب وابن شهاب والحسن البصري والنخعي، وهو قول أكثر المتأخرين، وأجابوا بأن قوله تعالى:
стр. 1503
(وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) ليس نصاً صريحاً على نفي الرؤية بالبصر، فإن الرؤيا لا تختص بالرؤيا المنامية وحدها، فتخصيصها بما يرى في النوم غير صحيح من عدة وجوه، منها ما ذكره السهيلي من أن الرؤيا تأتي في كلام العرب بمعنى ما يشاهد في اليقظة ويرى بالعين أيضاً، ومن ذلك قول الراعي:
وَكَبَّرَ للرُّؤيَا وَهَشَّ فُؤادُهُ ... وَبَشَّرَ قَلْباً كَانَ جَماًّ (١) بَلابِلُهْ
ومنها، وهو أقواها أن ابن عباس ﵄ فسر الرؤيا في الآية بأنها رؤيا بصرية لا منامية حيث قال: " هي رؤيا عين رآها النبي ﷺ لا رؤيا منام " وابن عباس ﵄ حجة في اللغة ولسان العرب، وأهل مكة أدرى بشعابها، ولو كانت مناماً ما افتتن به الناس حتى ارتد كثير ممن أسلم. وأما قول عائشة ﵂: " ما فقد جسد رسول الله ﷺ (٢) فإنه يعارض قول أبيها الصديق ﵁ للنبي ﷺ ليلة أسري به: طلبتك يا رسول الله في مكانك فلم أجدك، فأجابه: " إنّ جبريل حملني إلى المسجد الأقصى " أخرجه البيهقي وابن مردويه، والصديق أدرى من عائشة بما وقع في تلك الليلة، لأنها كانت إذا ذاك طفلة صغيرة، لا يتجاوز عمرها على أقرب الروايات سبع سنوات، هذا إذا قلنا إنه ﷺ أسرى به قبل الهجرة بعام، أما على القول بأن الإسراء كان قبل الهجرة بخمس سنوات فإن عمرها إذ ذاك لا يتجاوز ثلاث سنين، فهل نأخذ بقولها أو بقول أبيها: على أنها ﵂ لم تتحدث بذلك عن مشاهدة، لأنها لم تكن زوجة للنبي ﷺ في ذلك الوقت، فلماذا يرجح
стр. 1504
حديثها على حديث أبيها الذي قاله عن مشاهدة ومعاينة وحضره بنفسه؟. اهـ. كما أفاده القاضي عياض. وأما قوله ﷺ : " بينا أنا نائم في المسجد الحرام " وذكر القصة فقد قال عياض: ليس في الحديث أنه كان نائماً في القصّة كلها، فلعله كان نائماً، فلما جاءه جبريل أيقظه كما قال في رواية أخرى فهمزني بعقبه، وأما قوله " ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام " فلعل معناه أنّه لما عاد ﷺ نام بقية تلك الليلة فلما استيقظ في الصباح وجد نفسه في المسجد الحرام.
واستدل القائلون بأن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح معاً بقوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) حيث افتتحها الله بالتسبيح المشعر باستعظام ما كان في الأمر، والتعجب منه، لأنه حادث خارق للعادة، مخالف للسنن الكونيّة، فلو كان الإسراء بالروح فقط لم يكن ثمة ما يقتضي هذا لأنه أمر عادي يقع لكل واحد. ثم إنه قال " بعبده " وهو نص قاطع في الموضوع، لأن العبد لا يطلق إلاّ على الشخص المكون من الروح والجسد واستدلوا أيضاً بما جاء في أحاديث الإسراء والمعراج من أنه ﷺ لما أخبرهم بذلك هاج هائجهم، وقامت قيامتهم، فمنهم الواضع يده على رأسه تعجباً، ومنهم المصفق بيده، وارتد بعض من كان على الإِسلام، فهل ترى أن ذلك كله كان من أجل رؤيا منامية أخبرهم عنها ﷺ . كما أن في القصة ما هو أكثر وأقوى دلالة من هذا وهو أنهم سألوا النبي ﷺ عن عيرهم فأجابهم بأنه مر بها، وقد ند منها بعير فانكسر، وأنه مر بعير أخرى قد ضلوا ناقة لهم، وكان معهم قدح من الماء فشربه ﷺ ، فسألوهم عندما قدموا مكة: فصدقوا ذلك، فهل ترى أن الروح هي التي شربت وقد قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في " مختصر سيرة الرسول ﷺ " "ثم أسري برسول الله ﷺ بجسده على الصحيح (١) من المسجد الحرام
стр. 1505
٨٤٠ - " بَابُ تزْويج النبي ﷺ عَائِشَةَ ﵂ "
٩٨١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" تَزَوَّجَنِي النبي ﷺ وأنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْنَا
ــ
إلى بيت المقدس إلى أن قال ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء" إلخ. القصة. وأما رؤيته ﷺ لربه: فقد اختلف فيها السلف فأنكرتها عائشة حيث قالت لمسروق: " ثلاث من حدثك بهن فقد كذب، من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) الآية، وبقول عائشة قال جماعة من الفقهاء المحدثين .. وثبت عن ابن عباس من طرق متعددة: (١) أنه قال: " إن الله اختص موسى بالكلام، ومحمداً بالرؤية، وإبراهيم بالخُلة " أخرجه النسائي والحاكم. قال النووي وقد قال معمر بن راشد (٢) حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس، ثم إن ابن عباس ﵄ أثبت شيئاً نفاه غيره، والمثبت مقدم على النافي (٣). ثانياًً: بيان الزمان والمكان الذي فرضت فيه الصلوات الخمس، أما الزمان فهو ليلة الإِسراء، وأما المكان فهو السماء العليا، وذلك لِإظهار فضلها، وشرفها.
مطابقته للترجمة: في اشتماله على قصة المعراج، وهو ما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
٨٤٠ - " باب تزويج النبي ﷺ عائشة ﵂ "
٩٨١ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ تحدثنا بقصة زواجها
стр. 1506
في بني الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَوُعِكْتُ فَتَمَزَّقَ شَعْرِي، فَوَفَى جُمَيْمَةً، فأتَتْنِي أمِّي أمُّ رُومَانَ، وِإنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ ومعي صَوَاحِبٌ لي، فصَرَخَتْ بي فأتَيْتُهَا لا أدْرِي مَا تُرِيدُ بِي، فأخَذَتْ بِيَدِي حتى أوْقَفَتْنِي على بَابِ الدَّارِ، وِإنِّي لأنْهَجُ حتى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثم أخَذَتْ شَيْئاً مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي ورَأسِي، ثم أدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِن الأنْصَارِ في الْبَيْتِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ والْبَرَكَةِ، وعلى خَيْرِ طَائِرٍ، فأسْلَمَتْنِي إلَيْهِنَّ، فأصْلَحْنَ مِنْ شَأنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي إلَّا رَسُولُ اللهِ ضُحَى، فأسْلَمْنَنِي إليه، وأنا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْع سِنين".
ــ
بالنبي ﷺ وأنه عقد عليها وهي بنت ست سنين، فقدمت مع أهلها إلى المدينة، ونزلت في بني الحارث بن الخزرج فمرضت ﵂، وتمزق شعرها، ثم شفيت وعاد إليها شعرها، وأخذ يتكاثر ويطول حتى وصل إلى المنكبين، وهو معنى قولها: " فوفي جميمة " قالت ﵂: " فأتتني أمي أم رومان، وإني لفي أرجوحة " أي وأنا ألعب راكبة على حبل مشدود بين خشبتين مع بعض صديقاتي، قالت: " فأخذت بيدي " أي فأمسكت بيدي وأخذتني معها " حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأنهج " أي تتردد أنفاسي من التعب والإِعياء " ثم أخذت شيئاً من الماء فمسحت به وجهي ورأسي " وذلك لتهدئتها " ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن على الخير والبركة " أى جعله الله زفافاً سعيداً مباركاً " وعلى خير طائر " أي وتقدمين على أسعد حظ. " فأصلحن من شأني " أي فقمن هؤلاء النسوة بإصلاح شعرها وإلباسها أحسن ثيابها، وإعدادها لزوجها، قالت عائشة: " فلم يرعني إلاّ رسول الله ﷺ ﷺ ضحى " أي فلم أشعر إلاّ وقد دخل عليّ رسول الله صباحاً في وقت
стр. 1507
٨٤١ - " بَابُ هِجْرَةِ النبي ﷺ وَأَصحَابِهِ إلى الْمَدِينَةِ "
٩٨٢ - عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ﵂ قَالَتْ:
"لَمْ أعْقِلْ أبَوَيَّ قَطُّ إلَّا وَهُمَا يَدينَانِ الدِّيْنَ، ولم يَمُرُّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إلَّا يَأتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلما ابْتلِيَ الْمُسْلِمُونَ، خَرَجَ أبوْ بَكْرٍ مُهَاجِراً نحو أرْض الْحَبَشَةِ، حتىْ إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، وَهُوَ سَيِّدُ القَارَةِ، فَقَالَ: أيْنَ تُرِيدُ يا أبَا بَكْرٍ؟
ــ
الضحى.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: قصة زواجه ﷺ من السيدة عائشة ﵂ وهو ما ترجم له البخاري. ثانياً: أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة التي لا يوطأ مثلها، لأن رسول الله عقد على عائشة وعمرها ست سنوات، ودخل عليها وعمرها تسع سنوات. ثانياً: مشروعية إعداد العروس وتزيينها لزوجها، وإلباسها أفخر ثيابها ليلة زفافها وعرسها، لقول عائشة ﵂: " ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار، فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني ". والمطابقة: في كون الحديث مشتملاً على قصة زواجه ﷺ بعائشة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
٨٤١ - " باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة "
٩٨٢ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ تحدثنا في حديثها هذا عن قصة الهجرة النبوية، فتمهد لذلك بقولها: " لم أعقل أبوي إلاّ وهما يدينان الدين " يعني أن أبويها أسلما قديماً، وهي لا زالت صغيرة جداً، حتى إنها لا تذكر وقت إسلامهما، لأنها منذ أن فتحت عينينها وعرفت أبويها، وجدتهما يعتنقان الإِسلام، فلما اشتد الأذى على أبي بكر مثل غيره، من المسلمين، خرج
стр. 1508
فَقَالَ أبو بَكْرٍ: أخرَجَنِي قَوْمِي، فَأُرِيدُ أنْ أسِيْحَ في الأرْض، وأعْبُدَ رَبِّي، فَقَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أبا بَكْر لا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، إِنَّكَ تكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْوِي الضَّيْفَ (١)، وَتُعِينُ عَلَى نَوائِبِ الْحَقِّ، فأنَا لَكَ جَارٌ، ارْجِعْ واعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ، فرَجَعَ وارْتَحَلَ معَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَة عَشِيَّةً في أشْرَافِ قُرَيْشِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أبَا بَكْر لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ ولا يُخْرَجُ، أتُخْرِجُونَ رَجُلاً يَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ، ويَقْرِي الضَّيْفَ، ويُعِينَ عَلَى نَوائِبِ الْحَقِّ، فَلَمْ تُكَذِّبْ قُريشٌ بِجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ وقالُوا لابنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أبا بَكْر فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ في دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ فِيهَا، وَليْقَرأ مَا شَاءَ، ولا يُؤْذِينَا
ــ
مهاجراً إلى الحبشة، قالت عائشة: " فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد " بفتح الباء وسكون اللام وكسر الغين موضع في طريق اليمن على بعد خمسة مراحل " لقيه ابن الدغنة " بالدال المفتوحة المشددة والغين المكسورة والنون المفتوحة المخففة " وهو سيد القارة " أي رئيس قبيلة القارة بفتح الراء، وهي من بني الهون بن خزيمة بن مدركة بن الياس " فقال ابن الدغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يخرج " بفتح الباء وضم الراء " ولا يخرج " بضم الياء وفتح الراء أي لا ينبغي أن يخرج بنفسه، ولا أن يخرجه قومه من بلده، " إنك تكسب المعدوم " أي إنك من المحظوظين في التجارة تربح ما لا يربح غيرك " وتصل الرحم، وتحمل الكل " أي تعين الضعيف العاجز " وتقوي الضيف " أي تكرمه " وتعين على نوائب الحق " أي وتقف عند الحوادث والنوازل إلى جانب الحق فتنصر المظلوم وتضرب على يد
стр. 1509
بِذَلِكَ، ولا يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا نَخْشَى أن يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وأبنَاءَنَا، فَقَالَ ذَلِك ابْنُ الدَّغِنَةِ لأبِي بَكْرٍ، فَلَبِثَ أبو بَكْرٍ بذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ في دَارِهِ، ولا يَسْتَعْلِنُ (١) بِصَلَاتِهِ ولا يَقْرأ في غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لأَبي بَكْرٍ فابْتَنَى مَسْجِداً بِفِنَاءِ دَارِهِ، وكانَ يُصَلِّي فِيهِ ويَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَذِفُ عليه نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وأبنَاءُهُمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ، ويَنْظرٌونَ إِلَيْهِ، وكان أبو بَكْرٍ رَجُلاً بَكَّاءً لا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرأ الْقُرآنَ، فأفْزَعَ ذَلِكَ أشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فأرْسَلُوا إلَى ابْنِ الدَّغنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فقالُوا: إِنَّا كُنَّا أجَرْنَا أبا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ علَى أن يَعْبُدَ رَبَّهُ في دَارِهِ، فَقَدْ جَاوَزَ ذلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجِداً بِفِنَاءِ دَارِهِ، فأعْلَنَ بالصَّلَاةِ والقِرَاءَةِ فِيهِ، وِإنَّا قَدْ خَشِينَا أن يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وأبنَاءَنَا، فانْهَهُ، فَإِنْ أَحبَّ أن يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دَارِهِ فَعَلَ، وَإنْ أَبَى إلَّا أن
ــ
الظالم. " فأنا لك جار " أضعك في جواري وحمايتي وأدافع عنك " فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة " أي فلم يجرأ أحد من قريش على أن يرد جوار ابن الدغنة أو يخفره وينتهكه " وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره " أي سراً ولا يجاهر بعبادته لئلا يفتن النساء والصبيان عن دينهم " فقال ذلك ابن الدغنه لأبي بكر " أي فأبلغه هذا الشرط لكي يلتزم به، ويقوم بتنفيذه " فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره " مدة من الزمن يعبد ربه سراً في بيته " ولا يستعلن بصلاته " أي لا يجاهر بصلاته ولا بقراءته " ثم بدا لأبي بكر " أي ثم ظهر لأبي بكر أن يجاهر بعبادته، " فابتنى مسجداً بفناء داره " أي في ساحة المنزل المكشوفة للناس " وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن " أي وصار يصلي ويعبد ربه بالصلاة وقراءة القرآن جهاراً أمام أعين الناس "فيتقذف عليه نساء
стр. 1510
يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِليْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا كَرِهْنَا أنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأبِي بَكْرٍ الاسْتِعْلانَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلَى أبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أن تَقْتَصِرَ علَى ذَلِكَ، وإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلِيَّ ذِمَّتِي، فإني لا أحبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أخْفِرْتُ في رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، قَالَ أبو بَكْرٍ: فَإِنِّي أردُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وأرْضَى بِجِوَارِ اللهَ ، والنبي ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ النبي ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: إِنِّي أُرِيْتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لابتَيْنِ، وهُمَا الحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ منْ كَانَ هَاجَرَ بأرْضِ الْحَبَشَةِ إلى الْمَدِينَةِ، وتَجَهَّزَ أبو بَكْرٍ قِبَلَ، الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهَ ﷺ : عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: وَهَلْ
ــ
المشركين" أي يزدحم عليه النساء والأطفال ويتدافعون حتى يتساقطون عليه " فأفزع ذلك أشراف قريش " أي أخافهم وأقلقهم " فأرسلوا إلى ابن الدغنة " وكلموه في شأن الصديق وطلبوا منه أن يلتزم بالشرط " فقالوا: إنا كما قد أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره " أي إنا كنا قبلنا جوارك لأبي بكر والتزمنا به، وحافظنا عليه، على شرط أن يعبد ربه سراً، ولا يجاهر بعبادته، فيؤذينا، ويضل نساءنا وصبياننا " فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل " أي فله أن يفعل ذلك، مع بقاء الجوار نافذاً " وإن أبى إلاّ أن يعلن ذلك " أي وإن أصر أن يعبد ربه علناً " فسله أن يرد إليك ذمتك " أي فاطلب منه أن يرد إليك جوارك وحمايتك له " فإنما كرهنا أن نخفرك " أي أن ننتهك حرمة الجوار الذي بيننا وبينك. قالت عائشة ﵂: " فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه " أي أنت تعرف الشرط